← История

История · id 12045

فتوح الشام

الواقدي

Полный текст (652 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والديلم والروم والجرامقة وذلك لما كنتم عادلين في الرعية فادفعوا هؤلاء بالمال فإن أبوا فدونكم والسيف وودعوه وساروا.

стр. 527

ذكر فتوح الخورنق وقتل النعمان بن المنذر وفتح الحيرة والقادسية . قال الواقدي: حدثنا الحسن بن اسحق قال أخبرنا سليمان بن عامر قال بلغني أن سعد بن أبي وقاص قدم العراق في ثلاثين الف فارس من بجيلة والنخع وشيبان وربيعة وأخلاط العرب وما منهم من قدم العراق إلا بأهله وولده وما قدم أحد من ملوك الفرس إلا بماله كله حتى يقاتلوا بجد وعزم وبذلك وصاهم الملك كسرى قال: وإن سعدا ارتحل من الرحبة إلى الحيرة البيضاء وكان هناك جيش النعمان بن المنذر وقد ضرب خيامه والسرادقات إلى ظاهرها وقد أضاف إليه جميع العرب وهم من العراق في ثمانين ألفا وقد أفاض عليهم النعمان النعم والخلع ووعدهم من الملك كسرى بكل جميل وقال لهم: أن هؤلاء عرب وأنتم عرب وهلاك كل شيء من جنسه وهؤلاء مثلنا وليس لهم فضل علينا وقد جعلنا الأكاسرة مقدمي دولتهم حتى نكون لهم ركنا وعلى أعدائهم عونا وليس لأصحاب محمد فخر يفتخرون به علينا لكن نحن لنا الفخر عليهم وهم يزعمون أن الله بعث فيهم نبيا وأنزل عليهم كتابا ي قال له: القرآن ونحن لنا الانجيل وعيسى بن مريم وجميع الحواريين ولنا المذبح ولنا القسوس والناقوس والرهبان والشمامسة وعلى كل حال ديننا عتيق ودينهم محدث فاثبتوا عند اللقاء وكونوا عند ظن الملك كسرى بكم قال فبينما هو يقول ذلك إذ جاءه عمه الياس وهو صاحب الحرس فقال له: أيها الملك أن أعداءنا قد انفذوا الينا رسولا فقال ائتني به فأحضره وكان الرسول سعد بن أبي عبيد القاري فلما وقف بين يدي النعمان صاح به الحجاب والغلمان قبل الأرض للملك فلم يلتفت إليهم وقال أن الله أمرنا أن لا يسجد بعضنا لبعض ولعمري أن هذه كانت العادة المعروفة في الجاهلية قبل أن يبعث الله نبيه محمدا ﵇ فلما بعث جعل تحيته السلام وكذا كانت الأنبياء من قبله وأما السلام فهو من أسماء الله تعالى وأما تحيتكم هذه فهي تحية جبابرة الملوك فقال النعمان لسنا من الجبابرة بل نحن أجل منكم لأنكم توحدون في دينكم وتقولون أن الله واحد وتجحدون ولده عيسى بن مريم. فقال سعد أخبرني عن بن مريم أكانت القدرة فيه حالة أم ربانية وجرى بينهم كلام كثير قال فأعجب النعمان كلام سعد وقال له: يا ويح قومك ما الذي جئت به فقال أن الأمير سعد بن أبي وقاص وجهني اليك إذ أنت من العرب ويصل الينا ما نقص عليك وهؤلاء القوم علوج ليس لهم شريعة يؤدونها ولا فريضة يتبعونها ونحن ندعوكم إلى

стр. 528

شهادة أن لا إله إلا الله وإن محمدا رسول الله ولكم ما لنا وعليكم ما علينا فإن أبيتم فأدوا الجزية فإن أبيتم إلى ما دعوناكم إليه فائذنوا بحرب من الله ورسوله فلما سمع النعمان كلام سعد ضحك استهزاء بقوله وقال لقد حدثتكم أنفسكم بالاباطيل أظننتم أن الفرس مثل الروم لا وحق المسيح بل هؤلاء أثبت جنانا وأشد طعانا وأوسع ميدانا فليت شعري من نفخ في معاطسكم وحسن الامل في أنفسكم حتى جئتم من قحط البلاد ترومون ملك الاساورة وأخذ بلاد الاكاسرة ودونه حرب تصطفق أجرامه وتشب ضرامه وهذا الملك أزدشير قد أنفذ جيوشه وعساكره وكأنكم بهم وقد أقبلوا فينالون منكم ما يؤملون وما حدثتكم به أنفسكم تزيلونه من قلوبكم فقال سعد بن عبيد يا نعمان لقد تشدقت بالباطل وتفوهت بكلام غير عاقل أما علمت أن العاقبة للمتقين والله بكرمه يرفع عنا البأس ويظفرنا بجميع الناس وقال نبيه ﷺ : "ستفتح على أمتي كنزر كسرى وقيصر" فأما كنوز قيصر فقد فتحها الله علينا وقد بقيت كنوز صاحبك فقال النعمان من أين كان لصاحبك العلم ومن أين ورثه وقد بلغنا أنه كان لا يكتب ولا يقرأ فقال سعد بصره الله بالعلم في القدم وعلم ما كتب في اللوح المحفوظ بالقلم فلما سمع النعمان كلام سعد قال له: يا ويح قومك ارجع إلى قومك فليس عندنا جواب إلا السيف قال فركب سعد وعاد فوجدهم قد نزلوا بالقرب منه فحدث سعدا بما جرى له مع النعمان بن المنذر وما كان من جوابه وجعل الأمير سعد بن أبي وقاص ينشد: ساحمل فيهم حملة عربية. ... ولا أنثني والله عنهم بعسكري. فإما نرى النعمان في القيد موثقا. ... واما طريحا في الدماء المعفر. ثم أمر الناس بالرحيل فرحلوا وساروا إلى أن أشرفوا على جيش النعمان قال فلما رأوا جيوش سعد أمر الناس بالركوب فتبادرت العرب إلى خيولهم فركبتها وجنبت الجنائب وضربت الكاسات وتبادرت الابطال ونشرت الاعلام فلما وصل سعد ﵁ ولقي القوم قد أخذوا أهبتهم رتب جيشه وصفهم وألفهم وجعل في الميمنة سعد بن عبيد القارىء وفي الميسرة سعد العشيرة وفي الجناح الايمن سعد بن نجيبة وعلى الجناح الايسر سعد بن الاقيس الهلالي وأقام الأمير سعد في القلب ومعه أبو محجن الثقي وزهرة بن جويرية وشرحبيل بن كعب. قال الواقدي: حدثنا أحمد بن عامر قال أخبرنا علي بن مسهر عن أبان عن الحسن قال لما استوت الصفوف وترتبت كل قبيلة جعل الأمير سعد يتخلل الصفوف ويعظ من فيها من عرب بجيلة وطيء وبني هلال والنخع وغيرهم ويقول هذا يوم لانرى بعده مثله أما بلغكم ما فعل اخوانكم بالشام لما تكاثرت عليهم جموع اللئام فاستيقظ المسلمون بقول سعد وقالوا: نحن نحمل عليهم بشدة العزائم ولعل الله أن ينصرنا.

стр. 529

عليهم فصاحوا بخيولهم فخرجت كالرياح العواصف ولم يزالوا في القتال الشديد إلى أن توسطت الشمس في قبة الفلك وقد ثبتت أصحاب النعمان بن المنذر للضرب والطعان. قال الواقدي: وإن القعقاع بن عمرو التميمي أو بشر بن ربيعة التميمي أحدهما التقى مع النعمان في كبكبة من الخيل والازدهارات على رأسه فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة ففرقها وعلى الكتيبة فمزقها ورمى النعمان بطعنة في صدره فاطلع السنان يلمع من ظهره فلما نظرت جيوش الحيرة إلى الملك النعمان مجندلا ولوا الادبار يريدون القادسية نحو جيش الفرس وغنم المسلمون رحالهم وأموالهم وباتوا فرحين وافتقدوا من قتل من المسلمين فكانوا خمسمائة وثلاثين غالبهم من أهل نخع وقد ختم الله لهم بالشهادة وفي ذلك قالت خزانة بنت خالد بن جعفر بن قرط ترثي من قتل من المسلمين: فيا عين جودي بالدموع السواجم. ... فقد شرعت فينا سيوف الاعاجم. فكم من حسام في الحروب وذابل. ... وطرف كميت اللون صافي الدعائم. حزنا على سعد وعمرو ومالك. ... وسعد مبيد الجيش مثل الغمائم. هم فتية غر الوجوه أعزة. ... ليوث لدى الهيجاء شعث الجماجم. قال: وإن المسلمين جمعوا الاموال واحتوى سعد على قصر الخورنق والسدير وترك جميع ما أخذه بالحيرة وترك عنده سالم بن نعيم بن مسروق وترك عنده مائة من ابناء المهاجرين والانصار قال: وأما من انهزم من جموع النعمان بن المنذر فوردوا على القادسية وعليها جنود الفرس مع رستم زاده بن اسفنديار ومعه شهريار بن كنار والهذيل بن جشوم وحشرسوم الهمذاني والجناتيوس بن فتاك وشماهير بن حسوسا قال فلما رأوا المنهزمين من جيش النعمان ملك العرب سألوهم عن أمرهم فأخبروهم بقتل النعمان وأخذ الحيرة وقصر الخورنق والسدير وجميع ما فيها قال فوقع التشويش في عسكر الفرس وتمكن الخوف من قلوبهم وكثرت الاراجيف وأما رستم فإنه جمع الملوك والاساورة وملوك الديلم في خيمته وقام على سريره خطيبا فقال اعلموا أن الدولة بالسياسة والناموس بالرياسة وكأنكم بالعرب وقد أشرفوا عليكم فاخرجوا واذهبوا إليهم واركبوا فخرجوا من عنده وأخذوا أهبة الحرب فبينما هم كذلك إذ بعسكر سعد قد أشرف عليهم وهم على الخيل المضمرة العربية وعليها الفرسان الإسلامية والطائفة المحمدية فرتبوا الصفوف وجعل رستم ملوك الفرس عن يمينه وملوك الديلم عن يساره ووقف رستم في القلب ودارت به الاساورة.

стр. 530

فبينما هم كذلك إذ بعث الأمير سعد رسولا إلى رستم وكان الرسول أبا موسى الاشعري فقصد القلب فلما رآه الحجاب أتوا إليه والترجمان معهم فقالوا له: يا عربي ما الذي تريد قال أنا رسول من عند صاحب الجيش فبلغوا رستم ما قاله أبو موسى الاشعري فقال قولوا له مالك وصول إلى المقدم ولكن أفصح لنا عما تريد حتى نأتيك بجوابه قال فبلغه الترجمان ما قاله فقال أبو موسى قل له ندعوكم إلى الشهادة فإن أبيتم الإسلام فأدوا الجزية فإن أبيتم فالسيف أصدق شاهد وقد قال الله في كتابه العزيز: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] فبلغهم الترجمان ذلك ورجع أبو موسى إلى سعد فلما جن الليل هرب من عسكر رستم جماعة والتجئوا إلى عسكر المسلمين فلما أصبح رستم بلغه أن جماعة من عسكره هربوا إلى عسكر المسلمين فبعث رسولا إلى سعد يطلب منه أن يرد عليه الذي هرب من الاساورة والمرازبة. فقال سعد أنا قوم لا نضيع ذمامنا ولا ننقض عهدنا وقد أتوا الينا مستسلمين وفي صحبتنا راغبين فيجب علينا أن نذب عنهم ولا نمكن أحدا منهم فعاد الرسول إلى رستم وأعاد عليه الجواب فغضب وأمر الجيوش بالزحف قال: وكان الذي هرب إلى جيش سعد شاور بن سليم ونسليك بن أكتم وضرار بن مكتال ومن تبعهم فلما رأوا العساكر قد أقبلت تريد المسلمين قال القعقاع أيها الأمير قد تقدمت الاعداء والفيلة أمامهم ولا مقام لخيل العرب عند رؤيتها وصياحها فقال سعد أخلصوا النيات وأرضوا خالق الأرض والسموات وأرشقوا الفيلة بالنبل واقطعوا مشافرها بالسيوف قال: وكان أمام الفيلة فيل عظيم كأنهن جبل وكان إذا سار سارت وإذا وقف وقفت وأينما توجه كانت وراءه قال فلما حملت الكتائب واضطربت المواكب وجاءت الفيلة كأنها جبال وعلى ظهورها الابطال وقد أقبلت بالسيوف وفي خراطيمها فقتلت من عسكر المسلمين ولم تثبت لها خيل المسلمين فرفع سعد بن أبي وقاص كفيه مبتهلا بالدعاء لرب الأرض والسماء وقال: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] قال زهرة بن جويرية فوالله لقد رأيت سعدا يدعو وعيني مع الفيلة وإذا بالفيل الاعور قد ولى يريد المدائن والفيلة بأجمعها والرجال لا يقدرون على ردها وهي سائرة على وجوهها وكفى الله المؤمنين القتال من الفيلة قال فلما ولت الفيلة غضب رستم وأقبل بعموده الذي من الذهب يضرب به وجوه الفيلة ويطمطم بفارسيته ويحرض قومه على القتال وهم يحملون خوفا منه وهو يطلب من هرب من جيشه والخيل أمامه منهزمة والمسلمون لا يتبعون المنهزمين وأوقفوهم مواقفهم وقد طابت قلوبهم بمعاملة الله فطعنوا في صدور الأعداء وقد اطلع الحق على قلوبهم فما وجد فيها غيره فبينما الأمير سعد يحرض على القتال إذ لقيه الاسود العنسى وهو طائش العقل.

стр. 531

ذاهل اللب فقال له: ما وراءك يا ابن قيس فقال: أيها الأمير إياك أن تعبر هذا الصف فإن فيه الموت الأحمر والضيغم القسور وهو جبار من الفرس وقد قتل من المسلمين أربعة ولقد قاتلته حتى كاد أن يأتي علي ولولا أن من الله علي بخالد بن جعفر بن قرط لكان قتلني لأن فيه شجاعة وبراعة. فقال سعد يا مسكين وأين المفر من المقدور وقد قدر الله الاقدار أما سمعت قول الملك الجبار: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] ودخل الصف الذي ذكره الاسود وإذ قد لقيه خالد بن جعفر ولونه قد تغير فقال له: ما وراءك يا ابن جعفر فقال الثعبان الاغبر والاسد الغضنفر أيها الأمير ارجع عن هذا الفارس فإنه علج عنيد وفي يده عمود من الذهب يورث به خصمه العطب وقد قتل الاقران وأباد الشجعان وقد كاد أن يقضي علي لولا سعد العشيرة أدركني لكان أهلكني فلما سمع سعد ذلك عظم عليه وقصد مكانه يريد أن يفدي الناس بنفسه وبروحه ويبدد في سبيل الله مهجته وهو يخترق الصفوف فلقي سعد العشيرة فقال له: ما وراءك يا ابن لؤى قال: ورائي جبار لا يقابل وبطل لا ينازل ولولا بشر بن ربيعة لسقاني من عموده كأس القطيعة فلما سمع قوله قصد نحوه فوجد بشرا مصفر اللون فقال له: ما وراءك يا ابن ربيعة فقال: ما قصر القعقاع إني لولاه لكنت من الهول على غرر فسار سعد على طريق بشر وقد سلك سبيل توفيقه فلقي القعقاع وهو يفرق الكتائب ويصدم المواكب فقال له: لله درك يا ابن عمرو أين فارس الفرس وكيف خلص من يدك فقال: أيها الأمير لولا أنه دخل الصفوف لسقيته كاس الحتوف وغاص من وسط الخيل ولم ابلغ منه النيل. قال الواقدي: ولم يزل القتال بين المسلمين والكفار إلى أن فرق الليل بينهم فرجعت كل طائفة إلى مكانها فلما رجع رستم إلى سرادقة بعث غلمانه إلى مقدمي عسكره فحضروا فقال لهم: لقد خذلتم ونزل بكم العار والبوار فما الذي خذلكم وأي شيء شغلكم ونزل بكم وأنتم أولو البأس الشديد والامر العتيد وهؤلاء قوم كنا لا نعبأ بهم ولا تحدثنا أنفسنا عنهم بأمر وقد خذلوا فرسانكم وأوردوهم موارد الهلاك وقتلوا منكم الصناديد فبأي وجه ترجعون إلى المدائن وبم تحتجون عند الملك أزدشير وإني أرى دولتكم قد انصرمت وأيامكم قد انقضت فقالوا: أيها السيد لقد بلينا بقوم لا يرهبون الموت ولا يجزعون من الفوت وكلما طعنا صدورهم تقدموا وكلما قللنا جموعهم صدموا فقال رستم ما أرى من الرأي إلا أننا في نصف الليل نكبسهم فلعلنا نظفر بهم ويكون لنا عند الملك اليد البيضاء فاستصوبوا رأيه وافترقوا لأجل أن يصلحوا شأنهم.

стр. 532

قال الواقدي: حدثنا عامر بن سويد قال لما رجعنا من قتال العدو إلى خيمة سعد رأيناه جالسا على التراب فلما رآنا قال مرحبا بقوم هجروا الدنيا وطلبوا العقبى كيف كان يومكم قلنا لقد شفينا نفوسنا من الاعداء ونصرنا شرع نبينا المصطفى ولقد رميت منا رجال كثيرة من المسلسلة بنشابهم فقال سعد اجمعوا الي العسكر جميعه وأمروا غلمانكم أن يجمعوا الشيح والقيصوم فإني أريد أمرا أرجو لكم به النجاة من الله قال ففعل القوم ذلك فقال للموالي اجعلوا ما جئتم به من الشيخ والقيسوم على ظهور الابل ووجهوها نحو المسلسلة فإذا قربتم منها فاضرموا النار في ظهور الابل والذعوها بأسنة الرماح حتى تدوسهم ونحن من ورائكم بسيوفنا قال ففعلوا ذلك فلما أتى الليل تقدموا أمام العسكر بالاموال والموالي من ورائهم إلى أن قربوا من المسلسلة وأطلقوا النار في الشيح ولذعوها بالاسنة فلما رأت الجمال ما على ظهورها من النار وما حل بها من الاسنة داست صفوف المسلسلة دوس الحصيد وحطمتها على وجه الصعيد وركب الأمير سعد مع الجيش ووضعوا السيف فيمن بقي من المسلسلة فبينما هم كذلك وإذا بعساكر الفرس قد أتوا وارتفع الضجيج وعلا العجيج وسميت تلك الليلة بليلة الهديرة ولم يزالوا في القتال إلى الصباح قال: وسمعت قائلا يقول كفيناكهم فقلت من أنتم فقالوا: نحن من خزيمة النخع ولم يزالوا يقاتلون حتى ما بقي منهم أحد ولا بقي لهم نسل فلما طلعت الشمس ركب رستم ابن اسفنديار وركب جيشه عن آخرهم ووقفوا بأجمعهم فاستقبلهم الموحدون وسعد يتخلل الصفوف ويعظهم ويوصيهم أي الأمراء وكان في الليل قد طاف على العسكر فرأى أبا محجن الثقفي يشرب الخمر وقال له: يا عدو نفسه لقد محوت أجر جهادك وعبادتك والله لآخذن منك حق الله وجلده الجد وقيده. قال الواقدي: أخبرنا يوسف بن عمر قال الأسدي عن طلحة ومحمد قالوا: أو أول من فتح الحرب رستم وطلب البزاز فخرج إليه نجيبه فقتله فخرج زهير فقتله فأراد القعقاع أن يخرج وإذا بفارس قد أقبل إلى رستم وهو كالريح في هبوبها فصاح برستم صيحة أدهشته وطعنه في خاصرته فأطلع السنان من الخاصرة الأخرى فنظر إليه سعد فإذا هو أبو محجن وقد صنع ذلك برستم قال المتوكل عليه سألتك بالله أن تتركه. قال الواقدي: حدثنا يوسف بن عبد الاعلى قال: حدثنا عمر بن ابراهيم عن عبد الله بن المبارك قال لما نزل سعد بن أبي وقاص على القادسية وقاتل عسكر الفرس وانهزمت الفيلة إلى المدائن وكان سعد ﵁ يتنكر في الليل ويمشي في عسكره فمر في بعض الليالي برجال من ثقيف فوجد أبا محجن وهو يشرب ويترنم على خمرته فلما رآه غضب وقال له: لقد ذهب اجرك ونقص قدرك بعد جهادك للكافرين تتعرض.

стр. 533

لغضب رب العالمين أترضى لنفسك بذلك ثم إنه حده وقيده وجعل عليه من يحفظه فلما كان من الغد ووقع الزحف وبرز فارس العجم وكان منه ما ذكرناه عاد إلى القيد فلما قتل رستم بمشاهدة الناس أتى إليه سعد ليعلم حقيقة الامر فوجده في القيد فقال له: يا أبا محجن أنت صاحب الفضيلة فقال الفضل لله ولرسوله فأقسم عليه فحدثه بحديثه فقال له: إذا كان هذا صنيعك فاذهب فقد عفوت عنك ومن عاد فينتقم الله منه فقال أبو محجن والله ما عدت أشربها أبدا وتاب. قال الواقدي: حدثنا زائدة عن جده مروان بن أوس قال كنت بالقادسية وشهدت فتحها لما قتل رستم وولده عجزشير وولت الفرس على عقبهم لا يلتفت أحد منهم إلى ما وراءه من الاموال والاصحاب وما لهم قصد إلا السلامة لأنفسهم وأتى نساء المسلمين ومعهن الماء فدرن بين القتلى والجرحى فمن وجدنه من المسلمين فيه الرمق سقينه الماء ونضحن على وجهه وينقلن من قتل من العرب إلى العرب ويتركن رمم الفرس. قال الواقدي: حدثنا سليمان بن بشر عن أم كثير امرأة همام بن الحرث قالت شهدت القادسية مع سعد فلما نزل النصر وانهزمت الفرس شددنا ثيابنا وأخذنا الماء وابتغينا القتلى فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه ومن كان من المشركين أخذنا ما عليه. حدثنا الحرث عمن أدرك ذلك قال لم يكن من قبائل العرب أكثر نساء من نساء بجيلة والنخع وكانوا في ألف وسبعمائة امرأة قال: وأخذت المسلمون عدة لم يروا مثلها وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد وسفيان بن سليم والمهلب بن غزوان والقادح بن عنبسة ونعمان بن نعيم وأربعون رجلا من المهاجرين والانصار وسنذكر من قتل ممن كانوا يقرأون القرآن إذا جن الليل كدوي النحل قال: وأخذ المسلمون من الأموال ما لم يرمثله ولما كان بعد الفتح بيوم جاءت النجدة التي بعثها عياض بن غنم من أرض الموصل وجاء من شهد الفتوحات بالشام مع عامر بن الجراح وكان الذين قدموا سبعمائة فلما وصلوا إلى عين التمر استعجل للنصرة فترك الجيش وسار في سبعين فارسا وأتت بقية السبعمائة بعد ذلك وكان معه قيس بن عبد يغوث وقيس بن أبي حازم وسعيد بن نزار ومالك الاشتر النخعي فتقدم هاشم وقيس معه في السبعين. قال الواقدي: حدثنا ابراهيم بن بشار قال أخبرنا محمد بن علي عن سليمان بن أرقم أن عدة القتلى بالقادسية تسعة وثمانون رجلا وكان المشهور منهم قيس وعطارد وهشام ومذعور ومقرب الاسود وعمرو بن قيس والنعمان.

стр. 534

قال الواقدي: وبلغنا عن رجل من تميم عن امرأة منهم قالت شهدت القادسية وضم للنساء لكل منهن ثلاثة وثلاثون مثقالا من العنبر ومثلها مسك وأما الكافور فما كنا نعبأ به إلا من عرفه وكانت العرب تقول للسوقة هل لكم من ملح طيب وكانوا يعطون كيل كافور بكيل ملح وإن رجلا من العساكر عجن عجينا وجعل فيه من الكافور وجعل يذوقه بعد خبزه ويقول ما لهذا الملح لا يطعم في العجين وإن رجلا ممن له خبرة بالملح قال أعطيكم جراب ملح يطعم طعمه قال فأخذوه وأعطوه ملء جرابه كافورا غال وإن سعدا لما هزم الله العدو على يديه جمع الاموال كلها وكان الذي يقبض االاموال سليمان بن ربيعة قال فكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من العامل بالعراق سعد بن أبي وقاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أما بعد سلام عليك وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد ﷺ وانا وصلنا إلى العراق والتوفيق يقدمنا والنصر يؤيدنا وقد اطلع الله على قلوبنا وامتحن خفي أسرارنا فما وجد فيها سواه ولا نعبد إلا إياه فوفى لنا بوعده إذ وفينا بصادق عهده فلقينا العدو وهو شاكي السلاح وغير راجع عن الطماح وقد شمر لنا عن ساق الجد فدارت لنا عليه الدوائر فهزمنا كتائبهم وزلزلنا مواكبهم واستأصلنا شأفتهم وقتلنا مقدمهم فجرى بذلك سابق القدر: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] وملكنا الحيرة والقادسية وأنزل الله بأعدائنا الرزية فلما كان بعد الفتح بيوم قدم المرقال وهشام وسبعون رجلا من الصحابة وبعده بثلاثة أيام قدم سبعمائة من الشام من جند أبي عبيدة ولم أسلم لأحد شيئا من الغنيمة ونحن ننتظر أمرك في ذلك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى جميع المسلمين وسلم الكتاب إلى زيد بن عمرو فركب نجيبه وسار نحو المدينة. قال أخبرنا أحمد بن عمر قال: حدثني سابق بن مسلم قال: وكان عمر بن الخطاب ﵃ يركب في كل يوم نجيبه ويقصد طريق العراق إلى قريب الظهر وذلك لما بلغه أن رستم نزل على القادسية قال فخرج على عادته إذ لقيه البشير وهو نوفل فلما رآه نوفل أبرك ناقته وسلم على أمير المؤمنين وقال له: أبشر بكل خير ودفع كتاب سعد وهو يقول قد هزم الله العدو ونصر الموحدين وملكنا الحيرة والقادسية بهم فرقى المنبر وقرأ عليهم كتاب سعد وقال إلا وإن اخوانكم المسلمين يقرئونكم السلام وقد اتبعوا الكتاب والسنة وحادوا عن طريق البدعة وأقاموا على شرائع الهدى وأرادوا المشورة فيمن قدم عليهم فأما الجواب فالغنيمة لمن شهد الوقعة والمواساة لمن لحق بهم بعد الوقعة بثلاثة أيام ونزل عن المنبر وكتب إلى سعد بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه ﷺ وقد وصلني كتابك فحمدت الله كثيرا بما فتح الله على أيديكم.

стр. 535

وإني قد أبليت بكم وأبليتم بي وإني والله لا أحصى شيئا من أموركم فأعلمه وأما إذا اجتمع صلح فإذا أشفق الوالي ونصحت الرعية وعمل الاحسان وعلى الرعية الصبر والشكر وأما الغنيمة فلمن شهد الوقعة والمواساة لمن أتى بعد ثلاثة أيام ومن شهد حربكم من مملوك وعتيق بعد ثلاثة أيام فأشركوه الزموا الاحسان فيما فتح الله عليكم وختم الكتاب وسلمه للرسول فسار يجد السير إلى أن أتى سعدا ودفع إليه الكتاب فلما قرأه كتب إليه بعد البسملة يعلمه بما تجدد أما بعد يا أمير المؤمنين فإني لم أر فارسا مثل القعقاع بن عمرو التميمي فإنه حمل في العدو في يوم واحد ثلاثين حملة يقتل في كل حملة فارسا ولم أر فارسا مثل الحرث الكندي فإنه كان يحمل في المواكب فيقصم عروقها وأرسل الكتاب الثاني والخمس مع سعد قال: ووصل المنهزمون من الفرس إلى المدائن ودخلوا الايوان وحدثوا كسرى بما جرى وبقتل رستم وولده فاغتم لذلك وأيقن أن دولة الفرس قد انقرضت وانصرمت فاحتجب ثلاثة أيام وفي اليوم الرابع مات لأنه حمل الهم على قلبه فقام بعده ولده يزدجرد ولم يكن له غيره. قال: حدثنا عبد الله بن مروان قال: حدثنا نعيم عن جده وكان أحفظ الناس للفتوح قال لما وجه كسرى بن أزدشير رستم إلى قتال سعد أنفذ معه نصف بيت ماله وهي ستمائة ألف ألف إلى المصف فلما صفت الصفوف وضعها أمام الجيش وقال كل من قتل فارسا كان له كذا وكذا ومن قتل راجلا فله كذا وكذا فصار ذلك كله إلى المسلمين فأرسل الخمس مع سعد وهو مال كثير لا يحصى عدده لكثرته فلما وصل المال لعمر بن الخطاب بكى وقال أف لمن يغتر بالدنيا أو يميل اليها ثم قرأ قل متاع الدنيا قليل والآخرة لمن اتقى فوالله لم يلتمس منه قليلا ولا كثيرا ولا درهما ولا دينارا فقالت له حفصة: يا أمير المؤمنين لو رفقت بنفسك وأكلت طعاما أطيب من طعامك ولبست ثوبا أمير من ثوبك فقد فتحت لك الفتوح وأتت الاموال فتمعر وجهه غضبا وقال لها ناشدتك الله أخبريني عن أفضل ما اقتنى رسول الله ﷺ من بيت مال المسلمين قالت ثوبان كان يلبسهما يوم الوفد ويخطب فيهما يوم الجمعة والعيدين فقال: أي طعام كان يأكل عندكن قالت خبز الشعير وكان عندنا في أسفل عكة دسم فإن تظاهر طعمه فيها يقول قد زدتن في الدسم قال فأي بساط كان يبسطه عندكن قالت كان لنا كساء نجعله في الصيف تحتنا وفي الشتاء نفرش نصفه ونلتحف بنصفه فقال: يا حفصة أن مثلي ومثل صاحبي كثلاثة نفر تتابعوا طريقا فمضى الاول وقد زاد فبلغ ثم تبعه الثاني فسلك طريقه فمضى إليه ثم تبعهما الثالث فإن لزم طريقهما ورضى بزادهما وإن سلك غير طريقهما لم يجتمع معهما أبدا.

стр. 536

ذكر فتح نهمشير قال الواقدي: وإن عمر ﵁ بعث إلى سعد بأن يمضي إلى المدائن وإن يخلف النساء والاولاد في الحيرة وعندهم من الجند جماعة ويجعل لهم شركة في كل مغنم وكان مقام سعد بعد الفتح بالقادسية شهرين فلما استهل الشهر الثالث أنفذ على مقدمته زهرة بن جويرية وأتبعه بعبد الله وشرحبيل بن الشمطاء وأتبعهما بهاشم بن عتبة وخالد بن عرفجة صاحب صاحب الساقة وقسم الجيش معهم وقد غنموا ما كان في عسكر الفرس من مال وسلاح وكراع وكان رحيلهم من القادسية لبضع أيام مضين من شهر شوال قال: ونزل زهرة بالكوفة بمن معه ولحق به عبد الله وشرحبيل بمن معهما وتتابعت الجيوش وارتحل زهرة وسار إلى بالس ونزل عليها وإذا بأناس من أهل السواد أتوا إليه وطلبوا منه أمانا فاعطاهم وقال لهم: ما عندكم من خبر العدو فقالوا: أيها الأمير استعمل الحذر جلبابا والتيقظ بابا واعلم أن رجلا من المرازبة قد ضمن لكسرى لقاءكم وردكم ومعه عسكر جرار فقال زهرة أبعد الله شره وجعل كيده في نحره فبينما هو كذلك إذ أشرفت عليهم طلائع القوم وتبينت لهم البيارق والازدهارات فركب زهرة للقائهم ورتب أصحابه للحرب وهو يقول: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] . قال الواقدي: ولما أشرفت الكتائب أطلقوا ألسنتهم بذكر الله وتسارعوا إليهم فأوسعوا لهم الميدان وتقدمت الصناديد وتأخرت الرعاديد وضج المسلمون بالتكبير وطعنوهم في صدورهم ونحورهم وإذ قد وقعت عين زهرة على فارسهم العميد وبطلهم الشديد فقصده دون غيره وتطاعنا وتضاربا وتقاربا وتباعدا ثم أن زهرة رماه بطعنة في صدره فأخرج السنان من ظهره فخر إلى الأرض صريعا فلما رأوه ولوا الادبار وركنوا إلى الفرار وكان فيهم رجل من أكابرهم ذو عقل سديد ورأي رشيد فلما رأى ما حل بقومه أتى إلى زهرة طائعا مختارا وعقد له معه صلحا فأعطاه أمانا وسأله عن خبر جيوش كسرى فقال: يا سيد قومه اعلم أن أكابر من انهزم منهم بالقادسية قد اجتمعوا وهم النهرجان والمهراق الداري والهرمزان فقال لهم القيروان: بأي وجه تعودون للملك كسرى وقد أعطاكم الوظائف والعطايا والولايات فأقيموا هنا حتى تبيض وجوهنا عنده أو نهلك عن آخرنا قال فلما سمع زهرة وعبد الله وشرحبيل وهاشم وخالد انتظروا سعدا حتى أتى وأعلموه فقال استعينوا بالله وتوكلوا عليه وكانوا قد ملكوا الجسر فعبروا عليه وعدوا إلى الجانب الآخر وأشرفوا على جموع القوم فوقعت في الفرس الأراحيف وتمكن الخوف قلوبهم وكلما عين الهرمزان والقيروان جيشهما وصفا صفا انتقض بغيره فعلم أن ما فيهم خير وما كانت إلا ساعة حتى فرق الله جموعهم وبدد شملهم وانطلقوا على وجوههم فمضى الهرمزان إلى الأهواز وكانت كنوز كسرى في جبل ظاهر الأهواز وكان

стр. 537

عليها مقدما نهاوند فلما بلغه هزيمة العسكر نهبها وأما النهرجان ومهراق فانهما قصدا المدائن وعبرا نهرا شير وهي مدينة الذنب قال فلما حصلوا بالعدوة القصوى وقطعوا الجسر قصدوا الايوان ويزدجرد هناك فدخلوا عليه وحدثوه بما جرى لهم مع العرب فلما سمع ذلك أيقن بزوال ملكه فلما كان الليل عول على أن ينفذ أمواله وذخائره إلى نهاوند وتهيأ للحرب وأما زهرة فإنه سار في أثر القوم حتى جاوز سوار ونزل وأتى بعده هشام والمرقال ونزلا عنده حتى تكامل الجيش ونزل سعد بن أبي وقاص وارتحلوا إلى كوثاريا وأشرفوا عليها فلما رأي الفرس عسكر المسلمين قد أشرف عليهم أخذوا أهبة القتال وتهيئوا ومقدمهم شهريار. فلما وصل إليهم زهرة ورآه شهريار وقع الرعب في قلوب أصحابه وماج بعضهم في بعض ولولا خوفهم من شهريار لولوا الادبار ورتب زهرة أصحابه فلما استوت الصفوف خرج شهريار للبراز وعليه زي الملوك ولأكاسرة وقال أنا شهريار فهل يبرز الي فارس لفارس أو أربعة لفارس أو عشرة لفارس فلما سمع زهرة كلامه قال: والله لقد أردت برازك غير إني لا أدع أحدا يخرج اليك إلا عبدا فإن قتلته فتكون قد قتلت عبدا وإن قتلك فهو المراد ثم إنه دعا مولا أبا نباتة الأعوجي فقال له: دونك وهذا العلج واستعن عليه بالله فخرج إليه أبو نباتة فلما وصل إليه ونظره استحقره لأن شهريار كان مثل البعير فألقى نفسه على أبي نباته وقد جرد سيفه فلما رآه أبو نباتة قد وصل إليه صادمه كأنه أسد وتضاربا بالسيوف حتى تكسرت فرمياها وتقابضا حتى سقطا إلى الأرض فوقع شهريار بابي نباتة وهو يراغه فوقعت ابهام شهريار في فم أبي نباتة فقطعها فارتخت أعضاؤه فانفلت وانقلب عليه فصار فوقه وجرد خنجره وطعنه به في نحره فقضى عليه فأخذ تاجه وسواريه وسلبه وفرسه وعدته وتوجه بها إلى المسلمين فلما نظر جيشه ما حل به ولوا الادبار وأقام زهرة هناك إلى الصباح وأقبل بقية الموحدين فحدث زهرة سعدا بما جرى لمولاه مع شهريار وكيف انهزم الفرس ففرح سعد بذلك وأمر أن يحضر أبا نباتة فاحضره فقال سعد عزمت عليك إلا لبست سواريه ودرعه وتاجه وركبت جواده قال ففعل فأعطاه السلب جميعه وقال له: قد أفلحت فكان أول مسلم سور بالعراق. قال الواقدي: حدثنا نوفل بن عدي قال اخبرنا وائل بن غانم اليشكري قال لما قدم سعد إلى كوثاريا نزل في المكان الذي سجن فيه ابراهيم الخليل ﵇ فصلى فيه وحمد الله وصلى على رسوله ﷺ وقرأ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] الآية قال: وأقام سعد بمشهد كوثاريا أياما ثم دعا الناس إليه وقال لهم: اعلموا أن الله تعالى قد نصركم في مواطن كثيرة وقد أراكم ما وعدكم نبيكم محمد ﷺ .

стр. 538

لما قال ستفتح على أمتي كنوز كسرى وقيصر وقد ملكتم طرفا من كنوز كسرى والتمام على الله وقد عولت على العبور إلى المدائن التي من الجانب الغربي فقالوا جميعهم: أيها الأمير ما منا من يخالف ولا يبخل بنفسه على الله ورسوله فاعزم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم قال فلما سمع قولهم قدم زهرة برايته وجيشه وأمره أن يسير فسار في اثني عشر ألف فارس فما سار غير قليل إذ رأى بين يديه خيلا وعليها فوارس فأخذوا أهبتهم فإذا هم زهاء من مائتي فارس من الفرس فأرسلوا منهم فارسا يعلم المسلمين أنهم أهل ساباط ومقدمهم ي قال له: سرزاد وهو يطلب لاهل بلده صلحا وعهدا فقال له: زهرة ائتني بهم فلما قربوا منهم ترجلوا وأتوا المسلمين فتلقوهم بالبشر والسرور فقال لهم زهرة: من أنتم قالوا: نحن أهل ساباط وهذا مقدمنا وقد أقبلنا نطلب صلحكم فقال زهرة من قصدنا قبلناه ومن أراد صلحنا صالحناه ولسنا قوما نريد الفساد في الأرض ثم أمضى صلحهم على ما وقع عليه الاتفاق بينهم قال: وانطلق سرزاد إلى قومه ومعه جماعة فرحين بالصلح ولما نزل زهرة في نهمشير وجد كتائب الفرس وعليهم مقدم يقال له فيروز وهو فارس قومه ومعهم كبكبة كسرى التي يعتمد عليها في وقت شدته قال: واجتمع جيوش الموحدين عند زهرة مع سعد وتأهبوا للقتال. قال الواقدي: فلما ترتبت الصفوف كان أول من برز واشتهر وسما وافتخر فيروز ورطن بالفارسية وقال: يا هؤلاء العرب لقد أطمعتم أنفسكم فيما لا تصلون إليه وساءت ظنونكم وزعمتم إنكم تملكون العراق وتأخذونه من أيدي الأكاسرة وهذا ظن لا يصير أبدا ونحن كتيبة كسرى أولو الشدة والبأس والقوة والمراس وأنا مقدمهم والرئيس فيهم فليبرز الي مقدمكم ويفعل مثل ما فعلت أنا من بين قومي قال فما استتم كلامه حتى خرج إليه هاشم بن المرقال يجر قناته من ورائه وحمل عليه وحصل بينهما حرب يشيب منها الطفل ثم أن هاشما طعنه في صدره فاطلع السنان من ظهره قال فلما قتله هاشم ورجع إلى المسلمين قبله سعد بين عينيه فترجل هاشم وقبل رجل سعد وقرأ: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [ابراهيم: ٤٤] قال: وارتحلوا في أثرهم إلى أن نزلوا نهمشير وبقى كلما أقبلت تكبر وتنزل إلى أن أحاطوا بهم من كل جهة فأظهر القوم الزينة والسلاح والعدد والمجانيق وهم على الأسوار. قال الواقدي: وأقام سعد على نهمشير شهرين وبعث خيله للغارات على شط الفرات والدجلة فاتوا ومعهم ألف فلاح فضمهم إلى سرزاد مقدم ساباط حتى يأتيه الجواب فيهم من عمر بن الخطاب ﵁ ويرجعوا إلى مقرهم فكتب سعد إلى أمير المؤمنين يقول بعد البسملة أما بعد سلام عليك ورحمة الله وبركاته فإني أحمد الله.

стр. 539

الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه واننا نزلنا على نهمشير بعد ما لقينا فيما بين القادسية ونهمشير عسكرا مع قرط بن فيروز وظفرنا الله به وبمن معه وإن فيروز قتله هاشم وانهزم من بقي معه ونزلنا بعد ذلك على نهمشير وبثثنا عساكرنا فاصابوا من الفلاحين ألف نفر فما رأيك فيهم فأجابه أن من أتاكم من الفلاحين إذا كانوا مقيمين على عهدكم ولم يعينوا عليكم عدوكم فلهم أمانهم ومن لم يأتكم وهرب منكم وأدركتموه فشأنكم وإياه افعلوا فيه ما شئتم فلما جاء الكتاب خلى سبيلهم وأرسل وراء الدهاقين فدعاهم إلى الإسلام أو الجزية فأجابوا إلى أداء الجزية قال: وأما أهل مدينة نهمشير فشرعوا يرمون عسكر المسلمين بالسهام والحجارة والمجانيق فلما نظر سعد إلى ذلك دعا سرزاد وقال له: أن أهل هذا البلد لم يتركوا للصلح موضعا وأريد منكم أن تصنعوا لنا مجانيق ففعل سرزاد وعمل مجانيق فما مضت ثلاثة أيام حتى صنع له ذلك ونصب له ذلك على نهمشير أكثر من عشرين منجنيقا فاشغلوهم بها عن قتال المسلمين والعرب فرحت بذلك فلما طال على البلد الحصار خرجوا يقاتلون المسلمين وتبايعوا على الصبر فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا وترامت الفرس بنشابها والعرب بنبالها وقاتل زهرة بن الجدرية قتالا يرضي الله ورسوله ثم أن زهيرا قال لسعد دعني أتقدم لعلي أرمي بنبلة أو اضرب بسيفي هذا ضربة فتقدم ودخل العدو فتلقاه فارس اسمه شهرياض فحمل عليه وطعنه طعنة أخرج بها أمعاءه وقتله فاجتمعت عليه الأعاجم فقتلوه وانهزموا ودخلوا المدينة وأغلقوا الأبواب وصعدوا على الاسوار وبعدها أشرف علينا رجل منهم وقال أن الملك يقول لكم هل لكم في الصلح على أن لنا ما بين دجلة إلى هنا ولكم ما يأتيكم من دجلة إلى خيلكم فتقدم إليه أبو مقرة الاسود بن قطينة وقد أنطقه الله بما لا يدري ما هو فأجابه بالفارسية وهو لا يعرف منها شيئا ولا يحسنها قال فرجع الرجل على السور فقلنا لأبي مقرة ما قلت له فقال: والذي بعث محمدا بالحق ما أدرى ما قلت له إلا أن الله أنطقني بشيء ولعل أن يكون فيه خير للمسلمين ولا زالوا يسألونه حتى ساله سعد بن أبي وقاص. فقال: والله يا أمير ما أعلم ولا أدري فتعجب سعد من ذلك وأمر الناس بالزحف والرمي وإن لا أحد من أهل المدينة يظهر لهم ولا يبين فقلنا لعلهم أن يكونوا يكيدوننا بمكيدة وإذا نحن في اليوم الثاني برجب قد خرج الينا وهو ينادي الأمان الأمان فأمناه وأتينا به إلى الأمير سعد فقال له: ما الخبر قال أن القوم ليسوا في المدينة وقد هربوا فقال سعد ومن أي شيء هربوا فقال الرجل أن الملك بعث اليكم رسولا يعرض عليكم الصلح فأجبتم أنه لا يكون بيننا وبينكم صلح أبدا حتى نأكل عسل افريزيا نوح تركوا المتاع والاموال والرجال ولم يكن لهم غنيمة إلا أنفسهم قال فلما ألسنتهم وترد علينا وتجيبنا عن العرب ووالله لئن لم يكن كذلك والا فإنما هو شيء.

стр. 540

ألقى على فم هذا الرجل فابرزوا إلى القصوى فخرجوا من البلد وقد تركوا المتاع والاموال والرجال ولم يكن لهم غنيمة إلا أنفسهم قال فلما سمع سعد ذلك من الرجل سجد لله شكرا وأمر المسلمين أن يدخلوا المدينة بالعدد خوفا من الكمين ففعلوا وركب سعد وتقدم المجاهدون ودخلوا وداروا بالبلد فلم يجدوا في نهمشير أحدا من الفرس ووجدوا الاموال على حالها فاحتووا عليها وأقام سعد بها ثلاثة ايام وخرج إلى الشط وأراد أن يعبر بالناس إلى المدينة القصوى وهي اسبانير فلم يجدوا شيئا من السفن فأقام أياما من شهر صفر والناس يحرضونه على العبور إلى ذلك الجانب وهو يأبى اشفاقا على المسلمين فبينما هو كذلك إذ جاءه أعلاج فوقفوا بين يديه ودلوه على مخاضة تخاض فأبى.

стр. 541

ذكر فتوح الايوان ودخول المسلمين في الدجلة وفتوح اسبانير وهي المدينة القصوى . فلما دلوه على المخاضة أبى وقال بحر عميق وما كنت أغرر بالمسلمين والله يصنع بهم ما يشاء فبينما هو كذلك إذ أتوه بعلج وأثوابه تقطر بالماء فساله سعد عن حاله فقال كيف حالي والملك قد رأى في منامه أن المسلمين قد عبرت إليه وقد استشعر بزوال ملكه وهو معول على الهرب وإن يأخذ أمواله ويمضي إلى خراسان قال فلما سمع سعد ذلك جمع المسلمين وحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس أن عدوكم قد استعصم منكم بهذه السفن وكسرى قد عول على الهرب بأمواله ورجاله وإني قد عولت على العبور أن شاء الله تعالى واعلموا أنه ليس وراءكم من تخافونه لأن الله قد ملككم معاقلهم وبلادهم وقد رأيت من الرأي أن نقطع هذا البحر إليهم ونقدم عليهم فما أنتم قائلون فقالوا جميعا: قوى الله عزمك علىالرشد فافعل ما أراد الله به فعندها قال سعد رحمكم الله ونصركم أيكم يبتدىء أو يتقدم ويجس لنا المخاضة وينبش عليها من على الشط حتى تتلاحق به الناس فابتدر لها عاصم بن عمر وانتدب معه ستمائة من أهل النخوة ممن شاع ذكرهم ونما فخرهم وعلمت شدتهم وسار عاصم أمامهم حتى وقف على الشط ومعه الكتيبة الخرساء وهي كتيبة القعقاع بن عمرو ﵁. قال الواقدي: حدثنا يونس بن عبد الأعلى عن يوسف بن عمرو قال ابتدر عاصم وشرحبيل وأبو مقرن ومالك بن كعب الهمداني ومثل هؤلاء السادات وركبوا خيولهم واقتحموا الدجلة واقتحم بعدهم الستون والستمائة في أثرهم وأول من نزل في الماء عاصم بن ولاد وأبو مقرن وشرحبيل ومالك بن كعب وغلام من بني الحرث فلما رأتهم الاعاجم وقد قربوا منهم وأعدوا للخيل التي تقدمت خيلا منهم اقتحموا الماء فأول من لقيهم من جيش سعد عاصم بن عمرو فلما لقي خيل فارس في الماء صاح.

стр. 542

بأصحابه وقال شرعوا رماحكم إلى الاعلاج واقصدوا أعينهم فلما سمعوا كلام عاصم قصدوا عيون العدا وسقوهم كاس الردى فلما رأت الفرس ثبات العرب في الماء كثباتهم في الأرض للطعن والضرب ولوا الادبار والمسلمون في أثرهم فقتلوا غالبهم وما نجا إلى الشط إلا القليل وملك المسلمين جانب الشط من جهة الفرس وتلاحق المسلمون فلما علم سعد ذلك أذن للمسلمين بالاقتحام وقال لهم: استعينوا بالله وتلاحق الجند ونزلوا الدجلة وهي ترمي بالموج والناس يجهدون في عومهم وهم لا يكترثون بالموج ولا بتلاطمه وكأنهم على وجه الأرض ونزل بأهل فارس ما لم يكن في حسابهم وقاتلوا قتالا شديدا. قال الواقدي: حدثني من أثق به أن أول من عبر من الجيش ستون فارسا خرجوا زمرا فأول زمرة تسعة أولهم عاصم والزمرة الثانية ثلاث وثلاثون قال عاصم ابن عمرو وقد اقتحمنا الدجلة خيلا ورجالا ودواب حتى نزلنا ولا نرى الماء من كثرة الناس وخرجت خيلنا وهي تنفض معارفها وتصهل على الشط الهاما من الله قال: ولما رأى الملك كسرى أن المسلمين قد عدلوا إلى الجانب الثاني أمر شهريار بن ساور أن يبرز للمسلمين ويقف في مقابلتهم ففعل وأخذ كسرى ما قدر على حمله من أمواله من الدر والجواهر واليواقيت وما أشبه ذلك قال: وإن سعدا ليخوض الماء خوضا وهو يقول: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] قال: ولم يغرق من الناس أحد. قال الواقدي: حدثني النعمان بن عاملة الضبي عن ابيه عثمان أنهم سلموا عن آخرهم وإن رجلامن بارق ي قال له: عرقدة زال عن فرسه وكانت شقراء وكأني انظر اليها وصاحبها غريق فمضى إليه القعقاع بفرسه وأخذ بيده وجره حتى عبر به فقالت الناس عجزت النساء أن تلد مثلك يا قعقاع ولم يذهب للناس في الماء شيء إلا قدحا كانت علاقته رثة فانقطعت فذهب الماء بالقدح فقال صاحبه والله لأجهدن عليه وما كان الله ليسلبني قدحي من بين العسكر فلما عبروا أتى رجل من الناس ليغتسل وإذا بالامواج قد رفعت القدح إليه فتناوله وأتى به إلى العسكر فعرفه صاحبه فأخذه. قال الواقدي: حدثني عمرو بن تميم قال بلغنا أنه لما عبرت المسلمون تحامت الفرس وقاتلت قتالا شديدا وحمت أنفسها وعولت على أن تقاتل إلى أن تموت وهم خواص الملك وأصحاب الايوان والحصون والقلاع ومقدمهم شهريار بن ساور فطعنه خالد بن نمير في عينه ففقأها وانثنى عليه بضربة بالسيف فقتله وإذ فاجأتهم خيالة من نحو الايوان وقالوا لهم: عمن تقاتلون فإن الملك هرب بأمواله وأهله وخدمه قال فلما سمعوا ذلك ولوا الادبار ولم يكن بالمدائن أعجب من عبور المسلمين اليها وسموا يوم.

стр. 543

عبورهم الدجلة يوم الجراثيم لأنه لم يكن أحد يعبر إلا ظهرت له جرثومة يسير معها وهي من القش المربوط حزما. قال قيس بن أبي حازم: خضنا الدجلة وهي تطفح فلما توسطناها كان يصل الماء من الفرس للحزام فلما نظرت الفرس إلى ذلك والمسلمون يعبرون من غير مشقة جعلوا يقولون بالفارسية ديمور يعني جاء الجن وقالوا: والله ما أنتم تقاتلون انسا إنما تقاتلون جنا فانهزموا وأراد المسلمون الدخول إلى الايوان فمنعهم سعد من ذلك وقال لهم: إياكم والعجلة في الامور فإنها تورث الندامة وإني أخاف أنها من بعض مكايد العجم فلم يدخل إليه أحد قال: وتقدم سلام المجازي إلى سعد وكان غلاما وقال له: أيها الأمير والله لقد ارضيت اليوم الله ورسوله وقتلت المقدم عليهم ثم إنه استشهد بقية رفاقه الستين فلم يشهد له أحد منهم فقال للغلام المجازي والله ما قتلته فنكس الغلام رأسه واراد أن ينصرف وإذ قد وثب رجل من الصحابة اسمه هاشم بن عتبة وقال لسعد أيها الأمير أنا رأيته وقد قتل مقدم الفرس فصدقه سعد وأعطى الغلام سلبه. قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن بشر قال: حدثنا سليمان بن عامر قال أخبرنا عبد الله أن يزدجرد الملك لما كان بأعلى الايوان يوم خاض المسلمون الدجلة ورأى عبورهم والخيل لا ترجع والعرب لا تجزع والصحابة يتحدثون وهم في الماء كأنهم على الأرض أيقن بزوال ملكه وذهاب عزه فنزل وهو يبكي وأخذ من بيوت المال والخزائن من الثياب والآنية شيئا لا قيمة له ولا يعرف له ثمن وترك ما بقي عنده من عدة الحصار من الزاد والبقر والغنم ومن كل الاطعمه والاشربه وكان أول من دخل المدينة القصوى مسكن الملك وهي اسبانير يعقوب الهذلي ومعه الكتيبة الخرساء كتيبة القعقاع بن عمر فدخلوا يخترقون أزقة المدينة ولا يلقون أحدا قال فعزم سعد على الدخول في المدينة القصوى لما أمر زهرة بن الجويرية أن يذهب بعسكره ويتبع المنهزمين وسير كتيبة أخرى مع المرقال فلحق بحاجب بن حجاب ابن كسرى فخاطبه بالفارسية فقال أن العرب قد عبرت الينا ولم يعرفه فطعنه المرقال فقتله وأخذ غلمانه أسرى وموجودهم وأتى به إلى سعد ويقال أحد مرازبة كسرى الكبار كان يوم دخول العرب المدينة داخلها وكان غير مكترث بهم فخرج إلى ظاهر داره ورجع يريد منزله وإذا بغلمانه وهم خارجون من الدار يهرعون وقد أخرجوا الامتعة فقال مالكم قالوا: أن الزنابير قد غلبت على منازلنا فاخرجتنا قوة قال: واشتد الصياح والبكاء والعويل من أهل المدينة وهم يلطمون على وجوههم فلما رأى المرزبان ذلك أخرج لامة حربه ولبسها وأتوه بجواده فشده وأسرجه فانقطع ثلاث مرات فمر به فارس من العرب فطعنه وقال خذها وأنا ابن المخارق ومضى عنه ولم يلتفت إلى سلبه قال: ودخل سعد يطلب الايوان فلما دخل المدينة.

стр. 544

دخلها وهو يقرأ: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] فلما دخل الايوان ترجل وصلى فيه صلاة الفتح ثمان ركعات لا يفصل بينهما واتخذه مسجدا قال: وكان في الايوان تماثيل وصور فتركوها على حالها قال: واتم سعد الصلوات من يوم دخل الايوان فإنه أراد المقام بها وجمع وكانت أول جمعة صليت بالعراق وبالمدائن في شهر صفر ثم أن سعدا تحول من الايوان بعد ثلاثة أيام إلى القصر الابيض واقام سعد على قبض أموال الغنائم عمرو بن عمرو بن مقرن وأمره أن يجمع ما في القصور والايوان والخزائن والدور والاسواق وإن يحصيها وكان أهل المدائن لما رأوا العرب في أرض واحدة خرجوا فرارا وأخذوا معهم ما قدروا على حمله وما انفلت أحد منهم المسلمون وأتوا به إلى سعد فتسلمه عمرو وصيرها في جملة ما جمعوه من الأموال وكان أول شيء جمعوه يومئذ بالقصر الابيض ثم منازل كسرى وسائر دور المدائن قال جهد بن صبار دخلنا المدائن فمررنا بأبيار عليها أغطية من رصاص فظننا أنها طعام ففتحناها فإذا هي أوان من ذهب وفضة ورأينا كافورا كثيرا فحسبناه ملحا فما اعتبرناه قال: وخرج زهرة في طلب المنهزمين فانتهى إلى جسر النهروان وإذا عليه كثير من الفرس بأعظم عدة وأحسن زينة وهم يزدحمون على الجسر قال: ووقع بغل في الماء فتكاثروا عليه وصاح بعضهم على بعض قال: ووقع منهم بغل آخر فصاروا في هرج ومرج فلما رآه المسلمون قال زهرة أن لهذا البغل لشأنا وما تكالب عليه القوم وصبروا مع ما في قلوبهم من الخوف إلا لامر عظيم وقال احملوا عليهم وابذلوا فيهم السيوف. قال فحملنا عليهم حملة صادقة فقتلنا منهم أناسا كثيرة وولى الباقي منهزمين وأخذنا البغل وإذا عليه حلة كسرى وثيابه ودرعه ووشاحه التي كان فيها الجوهر وكان يجلس بها للمباهاة قال فأتينا بها قال سهل بن سابق لما أخذنا البغل وأتينا به لم ندر ما عليه وعن يعقوب عن جده قال كنت مع من خرج في طلب المنهزمين وإذ نحن ببغلين مع اثنين وهما يرميان كل من يقربهما بالنشاب ولم يجسر أحد أن يدنو منهما فقصدتهما وحملت عليهما وقتلتهما وأتيت بالبغلين إلى صاحب الاقباض وهو يكتب كل ما تأتي به العرب من سائر العراق فلما أتيته بالبغلين قال لي: على رسلك حتى ننظر ما معك فحطيت عنهما فإذا في الحمل الواحد تاج كسرى وجواهره وفي الحمل الثاني ثيابه وهي موشحة بالذهب منظومة بالدر وعن محمد بن طلحة والمهلب قالا خرج القعقاع في طلب المنهزمين فلحق بفارس من الفرس وهو يكر على قوم من المسلمين وقد جزعوا منه وما أحد منهم يدنو إليه فقصده القعقاع بشدة عزمه وقال له: دونك أيها الكلب اللئيم لقتالي وطعنه فقتله ووجد معه عيبات مغلقات ففتحوها فإذا بالعيبة الواحدة خمسة أسياف وفي الأخرى خمسة أسياف محلاة بالذهب ودروع كسرى من ايام غزواته.

стр. 545

لهم وأما السيوف فكانت سيف كسرى وسيف هرقل وسيف مهمود وسيف خاقان وسيف النعمان بن المنذر فلما رآها سعد قال: يا قعقاع خذ أي سيف شئت وجاهد به العدو فأخذ سيف هرقل وأعطاه درع بهرام جور وأما بقية الاسلاب فأعطاها للكتيبة الخرساء إلا سيف كسرى والنعمان فامسكهما لأمير المؤمنين يرسلهما مع الخمس والتاج والثياب وعن رجل من الصحابة قال كنت مع الناس في طلب المنهزمين من خيل كسرى فبينما أنا على طريق إذا برجل ومعه حمار وكان راكبا عليه فلما رآني ترجل وجعل يحث حماره على السير حتى انتهى إلى نهر قد خرب فلم يمكنه العبور فدنوت منه فأخذ يرميني بالسهام فزغت عن رميه وحملت عليه فقتلته وأخذت الحمار ووجدت آخر ومعه حمار فتركه وانهزم فاتيت بهما إلى صاحب الاقباض فإذا على أحدهما فرس مصوغ بالذهب والفضة مرصع بالدر والجواهر ولجامه كذلك وسرجه كذلك وعليه فارس كذلك وإذا على الحمار الآخر ناقة من فضة وعليها كور من الذهب مرصع ولها زمام من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت وعليها رجل من ذهب مرصع بالجواهر وكان كسرى يضيفهما للتاج وكان يباهي بهما ملوك الأرض وعن أبي عبيدة الهبري قال لما هبط المسلمون بالمدائن وجمع صاحب الاقباض الغنيمة وبقي الرجل يأتي بما معه فيدفعه إلى صاحب الاقباض فقال صاحب الاقباض ما رأينا مثل هذا قط ثم قال للرجل الذي اتىبالحمارين بالله عليك هل أخذت شيئا منه فقال: والله لولا الله لما أتيتكم بهما فقالوا له: وما أنت فقال: والله لا أخبركم لتحمدوني ولكن أحمد الله وأرضى بثوابه ومضى فتبعه واحد من موالي صاحب الاقباض فسأل عنه فقالوا: هذا عامر بن القيس قال: وبلغ الخبر سعدا ﵁ فقال أحلف بالله الذي لا إله إلا هو اننا ما اطلعنا على أحد من أصحاب جيش القادسية يريد الدنيا ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فاتبعناهم فعجزنا عن وصف أمانتهم وزهدهم وهم طلحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد النبي ﷺ والثاني عمرو بن معد يكرب والثالث هو قيس ابن هبيرة. قال: حدثنا من شهد فتح المدائن قال خرجنا بعد فتح القصر الابيض وكان قد تحصن به رجال من المرازبة وكانوا أشد جلدا وأقوى عزيمة من جميع الفرس وتحالفوا أنهم لا يسملون أبدا والذين حصلوا وتولوا حصارهم كتيبة الاهواز وهي كتيبة القعقاع فلما رأينا عزمهم على الموت بعدنا عن نشابهم وحجارة مجانيقهم وطال علينا ذلك وشكونا ذلك إلى سعد وقلنا له قد حرمنا الجهاد بحصارنا لهؤلاء الاعلاج فقال سعد لسلمان تقدم إليهم ودبر شيئا فيه مصلحة للمسلمين وأمنهم فتقدم إليهم سلمان وكلمهم بالفارسية فأمسكوا عن رميه وقالوا له: من أنت فقال أنا رسول من المسلمين اعلموا أن الرجل يقاتل عن نفسه وماله وولده إذا رجا الخلاص وما أرى لكم من خلاص قط وهذا الملك قد انهزم وأخذنا مملكته وخزائنه وما بقي في المدائن أحد غيركم فاتقوا الله.

стр. 546

في أنفسكم ولا تهلكوها وسلموا لنا هذا الحصن ولكم الامان إلى أي جهة توجهتم لا يعارضكم منا أحد قال فلما سمعوا قوله قالوا: لا نسلم حتى نهلك عن آخرنا ثم رموا سلمان بالنشاب فقرأ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب:٢٥] وأشار إلى النشاب بيده فذهبت السهام يمينا وشمالا ولم يصبه منها شيء قال فلما رأوا ذلك قالوا: زنهار فبحق ما تشير إليه من أنت قال أنا روزنة وقد عمرت اربعمائة سنة ولحقت آخر ايام عيسى بن مريم وطفت الأرض حتى لحقت بنبي هذه الامة ﷺ فلما أتيته أكرمني وخدمته فعظمني حتى أنه جعلني من أهل بيته فقال سلمان منا أهل البيت فلما سمعوا قوله وحققوا معرفته علموا أنه كان من عظماء أهل دينهم قال فصقعوا له وقالوا: والله ما نخفي عليك شيئا من أمرنا وسبب قتالنا ليس بسبب مال ولا متاع وإنما الملك قد مضى يريد نهاوند ولم يقدر على أخذ ابنته معه وهي مريضة وقد سلمها الينا فلزمنا من أمرها ما لزم فإن كنتم تعطون الامان عليها سلمنا لكم والا نموت يدا واحدة فلما سمع سلمان منهم ذلك قال دعوا هذه الامر حتى أشاور الأمير ثم عاد وحدث سعدا بما سمعه فقال: يا عبد الله أن المسلمين قد انتشروا في العراق ونخاف أن يقع بهم أحد فلا يبقى عليهم ولكن قل لهم لكم علينا أن نذب عنكم وتكونوا في ذمامنا حتى تجاوزوا أي جهة تريدونها وبعد ذلك لا نضمن لهم ما يأتي عليهم قال فحدثهم سلمان بما قاله الأمير فقال العقلاء منهم لولا أن العرب على حق ما نصروا علينا ومن الرأي أن نرجع إلى دين هؤلاء العرب ونعيش في ظلهم وإن القوم لا يريدون ملكا وقد رأيتم هذا الرجل وما ظهر لكم من كرامته قال ففتحوا باب السر وخرجوا إلى العسكر وأتوا إلى سلمان فأتى بهم إلى سعد وأسلموا على يديه فلما جرى ذلك بكى سعد وقال: اللهم انصر الإسلام وقرأ قوله تعالى وتلك الايام نداولها بين الناس وبعث إلى صاحب الاقباض فأخذ جميع ما في القصر الابيص من الاموال وخزانة الملك فلما قسم الغنائم على المسلمين أعطى أولئك أوفى نصيب وأنزل على واحد منهم في داره فلما رأى أهل البلد ذلك منه وما صنع مع هؤلاء دخل في دين الإسلام منهم ألوف اقتداء بالقوم. قال الواقدي: حدثنا موسى بن عبد الله عن عمرو عن جده يحيى قال بلغنا غير هذا وذلك أن هاشم بن عتبة تبع المنهزمين من جنود الملك فانتهى سيره إلى مرج حلوان فالتقى بكتيبة من أهل فارس بالعدد والسلاح والهوادج والخدم والجواري والمماليك وقد داروا بمحفة من العود الرطب وعليها من الثياب الملونة المذهبة وأهلتها من الذهب مرصعة بالجواهر وقاتلوا دون المحفة قتالا شديدا وكانت المحفة لشاهران ابنة الملك يزدجرد بن كسرى وكان السائر بها ساقر بن هرمز فقتله وقتل اصحابه اكثر ما كان مع ساقر وولى الباقي منهزمين وتسلم هاشم المحفة وما حولها وأتوا بذلك.

стр. 547

كله إلى سعد وأعلموه بأن ابنة كسرى معهم فقرأ سعد قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] الآية ثم أشرف سعد على ما بقي من الخزائن فوجد صندوقا عظيما ظاهره وباطنه بالديباج المذهب وفي داخله بساط كسرى وهو البساط الذي كان يفتخر به على الملوك ملوك الدنيا كله ذهب منسوج بالحرير منظوم بالدر واليواقيت الملونة والمعادن والجواهر المثمنة والزمرد وكان طوله ستين ذراعا قطعة واحدة في جانب منه كالصور وفي جانب كالشجر والرياض والازهار وفي جانب كالأرض المزروعة المقبلة بالنبات في الربيع وكل ذلك من الحرير الملون والمعادن على قضبان الذهب والزمرذ والفضة وكان الملك لا يبسطه إلا في أيام الشتاء في ايوانه إذا قعد للشراب وكانوا يسمونه بساط النزهة والمسرات فيكون لهم شبه الروضة الزهراء فلما رآه العرب قالوا: والله هذه قطيفة زينة قال: ولما قسم سعد على الناس الغنائم أصاب الفارس اثنا عشر ألف دينار وكلهم كانوا فرسانا ولم يكن فيهم راجل وأخرج للغائبين مع النساء والحريم في الحيرة نصيبهم وقسم الدور بين الناس وكان قد ولى القبض عمرو بن عمرو المدائني وولى القسمة سليمان بن ربيعة وكان فتح المدائن في شهر صفر وأخرج الخمس لعمر بن الخطاب ﵁ وأراد أن يقسم البساط فلم يدر كيف يقسمه فقال سعد معاشر المجاهدين إني رأيت من الرأي أن نرسله إلى عمر ليصنع فيه ما يختاره فأجابوه على لسان واحد نعم ما رأيت أيها الأمير فردوه إلى صندوقه وأضافه إلى الخمس وكتب إلى عمر ﵁ يقول بسم الله الرحمن الرحيم إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من عامله على العراق سعد بن أبي وقاص أما بعد فسلام عليك وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد ﷺ على ما منحنا الله الظفر على العدو الذي أطاع شيطانه وأرخى في ميدان الغي عنانه وقد أجرانا الله سبحانه على جميل العادة وأخذنا الملك من يزدجرد بن كسرى في كثرة أطواده واحتزاز رؤوس أجناده الذين جاست الهيبة ديارهم وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وإن الكافرين لا مولى لهم وقد انهزم عدو الله بعد ما قتلنا جنده وأخذنا ابنته واننا منتظرون أمرك فيما يكون بعد هذا ونحن مقيمون على المدائن والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته وسلم الكتاب والمال إلى بشر وضم إليه خمسمائة فارس وسلمه ابنة كسرى بمحفتها وخدمها ثم أن سعدا رأى رايا أن يسير بشيرا يبشر عمر بفتح المدائن وبقدوم الخمس وبما انعم الله على المسلمين ليكون أزيد هيبة وبهجة بالفتوح فأرسل جيش بن ماجد الاسدي أو ابن هلال والله أعلم فخرج على ناقته وقصد المدينة يجد السير قال: وكان عمر ﵁ في كل يوم بعد ما يصلي الصبح يقرأ ما تيسر ويركب ناقته ويتوجه نحو طريق العراق ويرتقب ما يرد عليه من أخبار المسلمين.

стр. 548

قال فخرج على حسب العادة وإذا هو بجيش قد اقبل على ناقته فلما رآه عمر قصده وقال له: يا عبد الله من أين أقبلت قال من المدائن يا أمير المؤمنين قال فما عندك من الخبر أقر الله عينك وغفر لنا ولك قال ابشر يا أمير المؤمنين بالفتح العميم والسعد الجسيم وإن الله قد هزم جند المشركين وقطع دابر القوم المجرمين وأخلى منهم ديارهم وأخفى آثارهم وزعزع مراكبهم وطحطح مواكبهم وكتائبهم وشتت جموعهم وأخلى ربوعهم وقصم آجالهم وفرق أحوالهم وترك مساكنهم خالية وأوطانهم خاوية قال فلما سمع عمر ﵁ هذا المقال حمد الله وأثنى عليه وقال خذلوا من مأمنهم وسار وهو يحدثه بفتح المدائن حتى دخل المسجد وتسامع الناس فأتوا حتى غص المسجد بالناس وأقبل جيش يحدثهم وهم يكثرون الثناء على الله ويصلون على النبي ﷺ وبعدها وصل بشر بالمال ومعه ابنه الملك كسرى ولباسه وسلاحه وبساطه فلما نظر عمر إلى ذلك قال أن الذي أهدى الينا هذا لأمين فقال علي كرم الله وجهه إنك عففت فعفت الرعية فحمد الله وأثنى عليه وافرز من الخمس سهم من غاب من المسلمين وقسم الخمس في مواضعه ثم قال أشيروا علي فيما أصنع في هذه القطيفة أعني البساط فقالوا: رايك أعلى فقال علي كرم الله وجهه لم يدخل عليك جهل ولا تقبل شكا وإنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت ولبست فأبليت وأكلت فأفنيت قال فوالله لقد صدقني يا أبا الحسن ثم إنه قسم البساط قطعا بين الناس قال فأصاب كل رجل منهم قطعة فباعها بنحو العشرين ألف دينار فلما فرغ من توزيعه وتوزيع مال الخمس دعا بمحكم بن رواحة وكان من أجسم أهل المدينة وأجفاهم خلقة فالبسه زي كسرى ووشاحه وتاجه وسواريه ومنطقته وحلاه بحليته وعصابته وسيفه وسلاحه وعدته ونظر الناس إليه كأنه كسرى في ملكه فقال عمر ﵁ اعتبروا بالدنيا وتقلباتها بأهلها وما يرى من مصائبها وعطبها هذا كسرى ما زال يفتخر على ملوك الدنيا بكثرة أمواله وذخائره وجواهره وعزه وجنوده ولم يقدم لنفسه شيئا ينفعه عند الله وغرته الأماني الكاذبة فأخذه الله من مأمنه وبقي مرتهنا بما اكتسب في دينه ودنياه ثم قال: أيها الناس هذا ملك المدائن قد انتقل عن أصحابه وتوزع بين اربابه اين تلك الحشمة والسلطان أين الجنود والاعوان اين الغلمان اين المماليك والخدام أين التاج والاكليل أين الجيش والفيل اين الصاحب والخليل وقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] ثم قال: أيها الناس من له منكم يد سابقة فليقم فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ فقال أنا يا أمير المؤمنين ابن الصاحب والخليل وابن أول من آمن ووزر وصدق رسول الله ﷺ ونصر وأنفق ماله وتصدق ودخل معه الغار وانتصر وجاهد بين يديه رجاجج من كفر وجادل وافتخر وأنزل الله فيه: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] .

стр. 549

فقال عمر ﵁ والله لقد صدقت وبقليل من فضله قد نطقت ثم أمر له بخلعة وعشرة آلاف درهم ثم قال: أيها الناس من يقم منكم فقام عثمان بن عفان وقال أنا من جهز جيش العسرة وحفر بئر رومة وألف القرآن وجمعه وختمته في ركعتين وتزوجت الابنتين وصليت إلى القبلتين وأنفقت المال في حبه وأنزل الله في حقي: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فقال عمر ﵁ أحسنت يا أبا الفتيان فمثلك من رفض الكذب وأبان الحق وأمر له بعشرة آلاف درهم ثم إنه نظر إلى الأخوين الزاهدين والغصنين النضرين سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي نبي هذه الامة وقال لهما يا حبيبي ما الذي أخركما من مثلكما يفتخر وقال ألستما سبطي الرسول أليست أمكما فاطمة البتول أليس أبوكما سيف الله المسلول أليس في بيتكما نزل التأويل أليس كان سادسكما تحت العباء جبريل اليس فيكما أنزل الله الجليل: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فإن افتخرتما فلكما الفخر البليغ ثم أمر لكل واحد منهما بعشرين ألف درهم فقال علي لله درك يا عمر ومن مثلك تكلم ونشر ومدح أهل البيت وأثنى وذكر خيرا وشكر ثم قال: أيها الناس من كان لأبيه سابقة فليقم. فقام عبد الله بن عمر ﵁ وقال: يا أبت أما أنا ابنك وأنت أبي لك الفضائل والحمد والافتخار في الامة وذلك الوقار والرجاحة والفصاحة والنصاحة نصرت الإسلام والمرسلين واتبعت سنن سيد المرسلين وأنزل في حقك ارحم الراحيمن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] وأنت الذي أظهرت الإسلام جهرا وقلت لا يعبد الله سرا فقال عمر يا بني الشقي من يغتر بالدنيا الساحرة والسعيد من يعمل للآخرة وقرأ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] ثم أمر له بألف درهم فقال: يا أبت انا هجرت وأنفقت ونصرت وزعزعت مواكب الروم وما قصرت وتأمر لي باليسير من مال الله الكثير وتعطي هؤلاء ما أعطيت فقال: يا بني اسلك طريق الانصاف ولا تتبع الاسراف وأنا اقول لك أن كان لك جد كجدهما أعطيتك أو أم كأمهما وفيتك وإن كان لك أب كأبيهما أرضيتك يا بني كل نسب يضمحل يوم القيامة ويخفي إلا نسب البتول ولما فرغ من ذلك أمر بابنة كسرى أن يوقفوها فاوقفت بين يديه وعليها من الحلى والحلل والزينة والجواهر شيء كثير وأمر أن ينادي عليها فقال للمنادي أزل عنها هذا القناع ليزاد في ثمنها فتقدم اليها المنادي ليزيل عنها ذلك فامتنعت وضربته في صدره فغضب عمر وهم أن يعلوها بالدرة وهي تبكي فقال علي كرم الله وجهه مهلا يا أمير المؤمنين فإني سمعت قول رسول الله يقول: "ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر" فسكن غضب عمر رضي.

стр. 550

الله عنه ونظر اليها فرآها تحدق بالنظر إلى الحسين بن علي ﵁ فقال عمر ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وإني أرى هذه الجارية تحدق بنظرها إلى الحسين بن علي وما خفى على أنها أرادته من دون الناس أجمعين لانه ليس فينا أصبح وجها منه ثم قال: يا أبا عبد الله خذها هدية مني اليك فشكره علي ومن حضر من المسلمين. قال الواقدي: قال يونس بن عبد الأعلى حين قرأت عليه في المسجد الاقصى في شهر ربيع الاول سنة مائتين وتسعين من الهجرة حدثنا عدنان أن ماجد الغنوي قال لما انهزمت الفرس من المدائن واستولى عليها سعد بن أبي وقاص ﵁ وكان من أمره ما ذكرنا استقر قراره بالقصر الأبيض جلس حيث كانت الاكاسرة تجلس فلبس عند ذلك ثياب النسك والخشوع تسريل سربال الخضوع وعلم أن الدنيا أضغاث أحلام وإن الآخرة هي دار المقام وكلما نظر إلى آثار الأكاسرة وملكهم ازداد يقينا ودينا على دينه وقال: وأنشد عاصم بن عمر في ذلك بعد فتح المدائن يقول: شهدنا بعون الله أفضل مشهد. ... بأكرم من يقوى على كل موكب. ركبنا على الجرد الجياد سوابحا. ... بكل قناة بل بكل مقضب. وكنا بعون الله لا نرعوى إذا. ... تبادر طعن كالغمام المشطب. وكان جهاد قد ملكنا بأمره. ... من الملك مستعلى البناء المذهب. ترانا وانا في الحروب اسودها. ... لنا العزم لا يخفى لكل مجرب. نجول ونحمي والرماح شوارع. ... ونطعن يوم الحرب كل مخبب. قدمنا على كسرى بشدة حربنا. ... وما حربنا في النائبات بمختبي.

стр. 551

ذكر فتوح مدينة نشاور وهي آخر فتوح العجم والعراق قال الواقدي: وكان من قضاء الله وقدره أن ابن كسرى لما انهزم من المدائن مضى إلى حلوان وانضاف إليه كل من وصل إليه من المنهزمين من لأساورة والمرازبة والديلم وغيرهم فقام فيهم خطيبا وذكر زوال ملكه وأسر ابنته وخزائنه وأمواله وبكى وبكت أرباب دولته ثم قال: يا أهل فارس أن الدنيا دنية الفعال سريعة الزوال قريبة الارتحال وهذا ملككم قد زال وعزكم قد حال ودياركم قد سبيت والعرب قد استولت على العراق ولا بد لهم منكم ولا غنى لهم عنكم وستنظرون خيلهم وقد طلبت خراسان والري وهمذان وما بقي لكم جهة تتوجهون اليها إلا بلاد آبائكم وأجدادكم فانتبهوا وانتهزوا الفرصة وأزيلوا الغصة وأدركوا ما بقي من أيامكم ولا ترتدوا على أدباركم وقد بلغني أن الدنوس العادي بن هر بن كيقباذ بن يزدجرد التقى هو والاسكندر بن القليس الرومي.

стр. 552

وما زالا يقاتلان ويقتتلان حتى قتل أحدهما فشمروا أنتم عن ساق الجد ودونكم والقوم هذه الكرة اما لكم واما عليكم فلعل النار والنور ينصرانكم وأنفق فيهم ما كان معه فاستعدوا للقاء وأخذوا على أنفسهم وضربوا خيامهم في مرج حلوان وجاء علماء دينهم وأوقدوا لهم النار وقربوا لها القربان وتحالفوا أن لا ينهزموا ولو ماتوا عن آخرهم قال: ومضت نساؤهم وبنات ملوكهم وأبطالهم الذين قتلوا في الثياب ملطخات بالدماء وهن يستفززن الجيوش والعساكر من بلاد العجم وغيرها قال: وإن الحجاب والمرازبة والاساورة تعاهدوا على أن لا يفروا أو يموتوا عن آخرهم. قال الواقدي: حدثني محمد بن عاصم بالكوفة بعد ما أخذها المسلمون قال لما فتحت المدائن واتخذها المسلمون وطنا فما كان دأبهم إلا أن يحفروا دور الفرس ويخرجوا خباياهم وأموالهم قال عبد الله بن حجفة حضرت العرب وقد أخرجوا من ازاء القصر الابيض من مصنع هناك للفرس الاكاسرة تمثالا من الذهب على صفة الفارس وقد سكبوا عليه الماء حتى غار في الأرض وكانت ملوك الفرس يفتخرون بذلك على سائر الملوك فوالله لو قسم ذلك على عرب بكر بن وائل لكان يسد منهم مسدا وجاءت عيون المسلمين إلى سعد وأخبروه بما فعل القوم واجتماعهم في مرج حلوان في مائة ألف وقد وجهوا أثقالهم وما يعز عليهم إلى الجبل وهم يطلبون لقاءكم قال: واجتمع المسلمون في الايوان وقالوا: أيها الأمير أن العدو قد اجتمعوا بمرج حلوان وتعاهدوا على أن لا ينهزموا أبدا ويموتوا عن دم واحد يرويدن مدائنهم قال فكتب سعد إلى عمر بن الخطاب ﵁ يعلمه بذلك ويقول له أن أهل الموصل قد مات ملكهم الانطاق وقد تولى عليهم الشكان بن قالوص وارتدوا عن صلحنا وعول ملكهم على أن يكون عونا لاهل فارس علينا والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته فلما وصل الكتاب على عمر أرسل يقول له يا سعد اعلم أن الله منجز وعده وبعث إليه هاشم بن عتبة في اثنى عشر ألف فارس من المهاجرين والانصار ألفان والبقية من العرب. قال: وإن ابن كسرى لما حصن حريمه وأمواله في الجبل أمر على عسكره مهران الداري ووصاه وسار مهران بالعسكر فركب معه ابن كسرى مقدار ميل وودعه ورجع إلى حلوان والمدد يأتي إليه من سائر بلاد العجم قال: ووصل مهران إلى مدينة نشاور ونزل بها في دار الولاية واقام بها فلما كان الغد ركب في وجوه قومه ودار بهم على اسوارها وأبوابها وأمر بتحصينها في علو سورها ونصب آلات الحصار بالعرادات والمجانيق وحفر خندقا عميقا وصنع حسكا من الحديد وجعله حول المدينة والخندق وما خلى من أهل البلد صغيرا ولا كبيرا حتى استعمله في السور والخندق وادخر القوت وعلف الخيل وما

стр. 553

يحتاجه للحصار واستوثق من أهل البلد الكبير والصغير منهم وأخذ رهائنهم وحلفهم على أن لا ينهزموا أبدا قال فلما اتفق ذلك كله اقام ينتظر قدوم المسلمين قال: وأما هاشم بن عتبة فإنه سار في اثني عشر ألف مجاهد حتى أشرف على مدينة نشاور فوجدها محصنة بالعدد والعدو قد أظهر الزينة والسلاح على الابراج بالدروع والجواشن والمجانيق والعرادات والبيارق والاعلام ووضعوا في أركان المدينة على الابراج قباب حديدج ليضرموا فيها النار ويستنجدوا لها ويستنصروا بها على العرب فلما أشرف عليهم عسكر هاشم بن عتبة ضجوا بكلمة كفرهم واشاروا إلى الشمس والنيران يسجدون لهما قال: والأرض ترتج من تحتهم والسماء ترعد من فوقهم والاكوان تسترجع وتصيح في هلاكهم فنودوا من قبل الله أن اسكنوا عن اضطرابكم فأنا الحليم الذي لا أعجل على من عصاني ولا أخيب من دعاني أنا الذي تسبح لي السموات ومن فيها والارضون بنواحيها وقد سبق في علمي أن أطهر هذه الأرض من الارجاس وأبدلها بمن قلت فيهم كنتم خير أمة أخرجت للناس أنا الذي أمهل ولا أهمل وعزتي وجلالي لأطهرن هذه الأرض من الكفرة الملحدين والفئة المفارقين ولأبدلن بيوت النار بمساجد ذكر فيها آناء الليل وأطراف النهار يعمرها رجال قد أحسنوال الظنون وذكرتهم في الكتاب المكنون: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الانبياء:١٠٥] . قال الواقدي: حدثنا عمرو بن ربيعة الشيباني قال أخبرنا أحمد الطويل قال لما نزل هاشم بن عتبة على مدينة نشاور بمن معه من المسلمين لم يلتفتوا إليهم ولم يكترثوا بهم وأروهم التجلد والشدة وجعلوا يطاولونهم ولا يخرجون إليهم فصعب ذلك على المسلمين والمدد واصل إليهم من عند يزدجرد بن كسرى فاشتدت قلوب أعداء الله فقالوا لمهران الداري: أيها الصاحب ما الذي تنتظر بنا في قعودنا ومقامنا من وراء السور وقد اشتقنا إلى القتال فاخرج بنا إلى هؤلاء القوم فقد ضاقت صدورنا وضاقت بنا المدينة وهذه الشمس المنيرة تنصرنا وتظفرنا على أعدائنا وكذلك النار والنور فلما رآهم معولين على القتال أمرهم بالخروج وجعل على خيله جوزان بن جهران وأمره أن يزحف بالجيش فلما فتح باب المدينة وخرج الفرس فرح المسلمون بذلك وتبادروا إليهم بأسرار صافية وهمم وافية يطلبون القتال في مرضاة الله ذي الجلال وأنفسهم لذلك مستبشرة نازحة وهممهم إلى الحرب مسرعة فادحة وقد سئموا من سكنى دار الغرور واشتاقوا إلى سكنى القصور ومعانقة الحور وقالوا: الهنا قد سئمنا من هذه الدار واشتقنا إلى دار القرار ومجاورة المختار فانجزنا ما وعدتنا وسامحنا إذا توفيتنا وأجرنا من عذاب النار واحشرنا مع الكرام الابرار الذين قلت في حقهم: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣, ٢٤] .

стр. 554

قال: ولما ركب المسلمون جعل على مقدمة الخيل طلحة بن خويلد وبقي هاشم على الساقة فقال: أيها الناس والله لا تنال الجنة إلا بحسن الاعمال فاتركوا من قلوبكم الميل إلى دار اللهو والاهوال والمقام في دار الزوال جاهدوا لتدخلوا جنة عرضها السموات والأرض فهذه نار الحرب قد فاض تيارها وعلا دخانها وصفقت أمواجها وبدا فجاجها فاركبوا فيها سفينة النجاة والانجاد واقطعوا بشراع الاجتهاد هذا الطريق وانشرونا أعلام الصدق قال: وقد اصطفت عساكر العجم ودقت بوقاتها ونشرت ازدهاراتها فهم كذلك إذ أقبل عليهم ملك الري في اثني عشر ألف فارس فلما رأى هاشم ذلك قال: يا فتيان العرب لا تنظروا إلى كثرتهم وقلتكم فقد كان المصطفى ﷺ يوم بدر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وخذل الكافرين وقد كانت قريش في حدها وحديدها وعددها وعديدها ونصر الله نبيه ورسوله قال الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وإذا بالخيل قد حملت عليهم كأنهم السيل فقال هاشم أخلصوا النيات ولا تولوا الأدبار واعلموا أنه قد تولى عليكم الجبار قال: وأطبق الناس بعضهم ببعض وساروا بين البسط والقبض وازدحمت الامم وقامت الحرب على قدم وقاتلت أبطال العجم وضربت بحرابها ورمت بصفاحها وفوقت بسامها وأظلم الجو من الغبرة في تلك الآفاق واعتمدوا على الضرب بالاسياف الرقاق وطعنت العرب بالرماح الدقاق وقلعت عرب اليمن بنبالها الاحداق ودنت الاعمار إلى المحاق وبلغت الارواح التراق وعز الانين والزعاق وصبرت الاعاجم على ما لا يطاق وسقاهم العرب من أسنة رماحهم كأس الفراق ولم يزالوا في القتال إلى أن ذهبت الانوار وجاء الليل ومضى نور النهار وفي آخر يوم قدم القعقاع بن عمرو ومعه اثنا عشر ألف فارس فقويت قلوب المسلمين بقدوم عساكر الموحدين وأعلنوا بكلمة التوحيد فدوت من أصواتهم الجبال والتلال والرمال والحجر والشجر فلما سمع أعداء الله ما نطقوا به ارتعدت فرائصهم فاستقبلوهم بنيات صادقة وهمم متوافقة وأعلنوا بذكر كلمة الحق والصلاة على سيد الخلق فبذلوا صوارمهم في الاعداء وأوردهم شراب الردى وقصدوا نحو أعدائهم وطلبوا بجهادهم منازل الجنة وطلقوا الدنيا بتاتا وعلموا أنهم يصيرون أمواتا وصاروا بعد الالفة أشتاتا فوقعت الهزيمة على عسكر العجم وحمل المسلمون في آثارهم وخذلهم الله فقتلوا من قتلوا واسروا من أسروا وهرب الباقون واخذ المسلمون مدينة نشاور وغنموا ما فيها من الاموال وكان شيئا لا يقع عليه حصر وأقاموا فيها وبنوا الجامع وذكروا الله فيه ذكرا كثيرا وأكمل الله لهم فتوح العراق وكتبوا بذلك كتابا إلى أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ يعلمونه بذلك وبعثوا الخمس فوصل ذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁ فسر بذلك سرورا عظيما فحمد الله تعالى كثيرا وسرت المسلمون سرورا زائدا على ما فتح من بلاد كسرى وأعمالها على يد سعد بن وقاص واستوطنوا البلاد ﵃ أجمعين.

стр. 555

ذكر فتوح البهنسا وأهناس وأعمالها وفضائل جبانتها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ اعلم وفقك الله أن مدينة البهنسا ذكر بعض المفسرين أن الله ذكرها في كتابه العزيز بقوله في حق عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠] قال هي أرض البهنسا وكان من أمر عيسى ﵇ ما سنذكره أن شاء الله تعالى واستشهد بها زهاء من خمسة آلاف من أصحاب رسول الله ﷺ منهم من الأعيان والأمراء زهاء من أربعمائة ويتبعهم من الاشراف والصحابة نفر كثير منهم على بن عقيل بن أبي طالب والحسن بن صالح بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي عمر جامعا بها وكان من أمره ما سنذكره أن شاء الله تعالى وزياد بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب والفضل بن العباس عم رسول الله ﷺ وسنذكر من استشهد من الصحابة الاعيان بها أن شاء الله تعالى عند الفتوح وابنائهم وجماعة كثيرة وذكر جماعة من السادات الاخيار أن من زار جبانة البهنسا خاض في الرحمة حتى يعود ومن زارها خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وإنه لا يزورها مهموم إلا فرج الله همه ولا مغموم إلا أذهب الله غمه ولا صاحب حاجه إلا قضيت باذن الله والاماكن المستجاب فيها الدعاء منها عند مجرى الحصى ومقطع السيل وإن هناك خلقا كثيرا من الشهداء ومشهد الحسن بن صالح بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعند قبر زياد بن أبي سفيان بن الحرث وعند قبر عبد الرزاق من داخل الباب وعند معبد عيسى بن مريم ﵉ وعند قبور الشهداء بسفح الجبل وقبليها مكان يعرف بالمراغة قبل الجبانة عندها قبور الشهداء هناك بسفح الجبل. روى جماعة من الصالحين أنهم قد جاوروا الجبانة المذكورة وكانوا من أرض المشرق وجماعة من أكابر الصالحين من أرض المغرب من أقصى الاندلس وانهم رأوا هذه الفضائل وبانت لهم فضائل وأنوار وشاهدوا ذلك عيانا وروى أصحاب التاريخ ﵃ أنه لم يكن بأرض مصر من البحيرة مشهد أكثر من أرض البهنسا وإن مجرى الحصى عند منقطع السيل من الجهة الغربية قتل هناك خلق كثير واستشهد بها أربعمائة ﵃ أجمعين وسنذكر ذلك عند الفتح أن شاء الله تعالى أما فضائل البحر اليوسفي الذي المدينة على جانبه فهو أكثر عجائب منها أنه غزير البركة لانه يفيض حتى يروي ماحوله من القرى والبلدان مع قليل من زيادة النيل ومنها أنه إذا زاد النيل شيئا قليلا يزاد فيه شيء كثير ومنها أنه إذا انقطع عنه مدد النيل تفجرت من أصله عيون.

стр. 556

فصارت نهرا جاريا وهذا لا يوجد بغيره أبدا من الانهار ومنها أنه ينقسم بأرض الفيوم ماء يسير فيروي زراعات وأراضي شتى وضياعا وهذا لا يوجد لغيره أبدا ومنها أنه دفن فيه يوسف الصديق ﵇ وأقام إلى زمن موسى ﵇ فازداد بذلك بركة ومنها أنه شقه جبريل ﵇ بخافقه من جناحه بأمر الله للسيد يوسف ﵇ وحسدهم العمالقة على ذلك وقد ذكرت الرواة أنه كان بين يوسف ﵇ وبين صاحب مصر كلام بعد فراغ السنين المجدبة فإنه لما اجتمعت بنو اسرائيل عند يوسف ﵇ وحسدهم العمالقة على ذلك ذكروا ذلك لملك مصر. فقال ملك مصر يا يوسف رد علي ملكي فاجتمع رايهم على الفرقة والقسمة فقسمت الأرض أي أرض مصر فوقع الجانب الغربي ليوسف ﵇ وكان قفرا رمالا وتلالا فأراد أن يجري له نهرا من النيل فجمع له مائة الف عبد ودفع لهم المساحى والزنابيل وأمرهم أن يحفروا من الجهة القبلية عند فمه الآن فحفروا ثلاث سنين وقد أجرى لهم مؤنة من خزائنه فكان كلما جاء الليل سد ما حفروا ففعل من الجهة الشرقية كذلك إلى سبع سنين حتى اعياه ذلك وقلق قلقا شديدا فاوحى الله إليه يا يوسف قد استعنت برجالك ومالك ولم تستعن بي وعزتي وجلالي لو استعنت بي لحفرته لك في أقل من طرفة عين فخر ساجدا لله تعالى وهو يقول سبحانك ما أعظم شأنك وأعز سلطانك ثم قام من سجوده ونزع أثوابه واغتسل ولبس المسوح وخرج إلى الربوة وخر ساجدا متضرعا إلى الله تعالى فأوحى الله إليه أرفع رأسك فقد قضيت حاجتك ثم أمر الله جبريل ﵇ فخرقه بخافقه من جناحه وقال بعضهم بطرف ريشة من جناحه من فمه من الجهة القبلية إلى آخر الفيوم في اقل من طرفة عين بقدرة الله تعالى فعمر يوسف ﵇ قناطر وبنى مدينة الفيوم وقسم الأرض بينه وبين اخوته وبنيه فكانت أرض البهنسا لأفراثيم بن يوسف فشرع في عمارتها وقطعت الاحجار وعمرت الاسوار والقناطر وكان النهر يجري من وسطها من الجهة القبلية ثم يخرج من الجهة البحرية إلى زمن الإسلام وسنذكر ذلك في الفتح أن شاء الله تعالى وكان لها من الابراج والرساتيق ما لا يوصف وسكنها جماعة من بني اسرائيل واتخذوا دورا ومساكن وذلك جميعه غربي مصر وأرض البهنسا إلى آخر الصعيد من الجهة الغربية كلها مختصة ببني اسرائيل لا يشاركهم فيها أحد غيرهم وجعل يوسف ﵇ هؤلاء العبيد خولة فلاحين وزراعا بأرض البهنسا والفيوم وغيرها وشرع في عمارتها وغرست فيها الاشجار على جانب البحر اليوسفي من الجهة الشرقية والغربية وكانت المرأة تخرج بمكتلها ومغزلها في يدها والمكتل على رأسها فلا ترجع إلا وقد امتلأ من جميع الثمار من غير أن تمس شيئا بيدها فلما عصت بنو اسرائيل وجحدوا نعمة الله وعملوا المعاصي نزع الله تلك النعمة من أيديهم وأعطاها لغيرهم فاحتووا.

стр. 557

على الملك دونهم بجحودهم نعمة الله وقتلهم أنبياء الله الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر حتى اتخذوهم أذلة بعد أن كانوا سادات واستعملوهم خولة وفعلة وبنائين وحجارين ونجارين واستخدموا نساءهم وأبناءهم ولم يزل بنو اسرائيل في أضيق عيش وأعظم بلاء وأشد كربة وأعظم بلية من تكليف ما لا يطيقون حتى أنقذهم الله بمبعث موسى ﵇ وليس هذا الكتاب مختصا بذلك واحتووا على المدائن والمزارع والبساتين.

стр. 558

ذكر خروج عيسى ﵇ من مصر واقامته بأرض البهنسا قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠] الآية وتقدم أنها البهنسا على اختلاف المفسرين قال أصحاب التواريخ وهم المسعودي وأبو جعفر الطبراني والواقدي وابن اسحق وابن هشام وأصحاب السير وأهل التفسير مثل سعيد بن جبير وسعيد ابن المسيب وابن عباس ومن تكلم في هذا الكتاب العجيب الذي لو كتب بالذهب لكان قليلا وقد جمع فيه كتب كثيرة وتواريخ وتفاسير وفتوحات قالوا: كان مولد عيسى لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملوك الطوائف وكانت الرياسة بالشام ونواحيها لقصير ملك الروم وهرقل كما تقدم في فتوح الشام وكان بالبهنسا قنطاريوس والله أعلم باسمه فلما سمع الملك هيردوس بخبر المسيح قصد قتله وذلك أنهم نظروا إلى نجمه وقد طلع فعرفوا ذلك بحساب لهم في كتاب لهم فبعث الله ملكا إلى يوسف النجار وأخبره بما اراد هيردوس وإن يعلم مريم أن تخرج إلى أرض مصر فإنه أن ظفر بولدك قتله فإذا مات هيردوس فارجعي إلى بلادك فاحتمل يوسف مريم وابنها عيسى على حمار له حتى دخل مصر وورد أرض البهنسا وهي الربوة التي ذكرها الله في كتابه العزيز وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين وهناك بئر في المعبد يستشفون بمائها من الأمراض وهي التي كانت مريم وابنها يستقيان منها ويتوضأن منها للصلاة وكان هناك سرب تحت الأرض قيل أن مريم لما دخلت بولدها أرض البهنسا وجدا بئرا وليس عليها رشاء فطلب عيسى ﵇ الماء ليشرب بعد أن عطش عطشا شديدا وبكى فحزنت أمه فارتفع الماء من قعر البئر حتى شرب منه وهي من ذلك اليوم تزيد ويعرف منها زيادة النيل فجعل النصارى لها عيدا إلى يومنا هذا وهناك دير وزراعات والله أعلم ثم دخل مدينة البهنسا واقام بها اثنتي عشر سنة وأمه تغزل الكتان وتلتقط السنبل في أثر الحصادين حتى تم لعيسى المدة المذكورة. روى محمد الباقر قال لما جاء عيسى إلى البهنسا وهو مع أمه له ابن شهرين كأنه ابن سنتين فلما كمل تسعة أشهر أخذته والدته وجاءت به إلى الكتاب بأرض البهنسا

стр. 559

فأقعده المؤدب بين يديه وقال له: قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال عيسى بسم الله الرحمن الرحيم فقال له المؤدب: قل أبجد فرفع عيسى طرفه وقال أتدري ما أبجد فعلاه المؤدب بالدرة ليضربه فقال له: يا مؤدب لا تضربني أن كنت لا تدري فاسألني حتى أعرفك فقال قل لي فقال انزل من على مرتبتك فنزل من على مرتبته وجلس عيسى مكانه ثم قال الألف آلاء الله والباء بهاء الله والجيم جلال الله والدال دين الله والهاء هوية جهنم وهي الهاوية والواو ويل لأهلها والزاي زفير جهنم والحاء حطت الخطايا عن المستغفرين والكاف كلام الله لا مبدل لكلماته والصاد صاع بصاع والقاف قرب حيات جهنم من العاصين فقال لها المؤدب خذي بيد ابنك فقد علمه الله تعالى فلا حاجة له بالمؤدب. حدثنا الحسين ومحمد بن الحسن المقري قال: حدثنا الحكيم محمد بن أحمد بن حمدون قال: حدثنا محمد بن حمدون بن خالد قال: حدثنا الحكم بن نافع عن اسمعيل عن ابن أبي مليكة عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ : "أن عيسى ﵇ ارسلته امه إلى المكتب ليتعلم فقال له المعلم: قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال عيسى ﵇ وما بسم الله الرحمن الرحيم فقال المعلم لا أدري فقال عيسى الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم ملك الله" إلى آخر ما جاء من الآيات والمعجزات التي ظهرت لعيسى ﵇ بأرض البهنسا قال وهب: كان أول آية أراها عيسى ﵇ بمدينة البهنسا للناس في صغره أن أمه كانت نازلة في دار بالبهنسا من أرض مصر عند دهقان من دهاقنة الملك أنزلها فيها يوسف النجار عنده حين أتى بها من أرض الشام إلى مصر وكانت داره مأوى المساكين فسرق للدهقان مال جزيل من خزانته وكان الدهقان من أخصاء الملك صاحب البهنسا ولم يتهم المساكين فحزنت مريم على مصيبة الدهقان صاحب ضيافتها فلما رأى عيسى ﵇ حزن أمه قال: يا أماه أتحبين أن أدلك على ماله قالت نعم قال قولي له يجمع المساكين الذين كانوا في جاره فقالت مريم للدهقان ذلك فجمع المساكين الذين كانوا في داره فلما اجتمعوا أتى إلى رجلين منهم أحدهما أعمى والآخر مقعد فجعل المعقد على كاهل الاعمى وقال له: قم به فقال له الاعمى: إني ضعيف عن ذلك فقال له: كيف قويت على ذلك البارحة فلما سمعوه يقول ذلك ضربوا الاعمى حتى قام به فلما استوى قائما وهو حامله أوصله إلى كوة الخزانة فقال عيسى ﵇ هكذا أخذ مالك البارحة لأن الاعمى استعان بقوته والمقعد بعينه فقال الاعمى والمقعد صدقت فردا على الدهقان ماله فوضعه الدهقان في خزانته وقال: يا مريم خذي نصفه فقالت إني لم أخلق لذلك ثم قال الدهقان أعطيه لابنك قالت هو أعظم مني شأنا ثم لم يلبث الدهقان إلا قليلا وعمل لولده عرسا فجمع إليه أهل.

стр. 560

المدينة كلهم فكان يطعمهم شهرين فلما انقضى ذلك زارته أكابر البلاد وملوكها وليس عنده طعام ولا شراب ولا ادام فلما اجتمعوا أمر عيسى ﵇ بجرار الخمر الفارغة أن تملأ ماء ثم مر بيده على أفواهها وهو يمشي فكلما مرت يده على جرة امتلأت شرابا هذا وهو ابن اثنتي عشرة سنة فازدادت أهل البهنسا فيه اعتقادا ومن حولها من المدائن والقرى والسواد من أرض مصر وله آية أخرى بأرض البهنسا. قال السدى كان عيسى ﵇ يحدث الصبيان في المكتب بما تصنع آباؤهم ويقول للغلام انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه شيئا فيقولون له من أخبرك بهذا فيقول عيسى فحبسوا أولادهم أي أهل البهنسا عنه وقالوا لهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في مكان فجاء عيسى ﵇ يطلبهم فقالوا: ليس هنا أحد فقال: ما في هذا البيت قالوا: خنازير قال عيسى كذلك يكونون أن شاء الله تعالى ففتحوا عليهم الباب فوجدوهم خنازير ففشا ذلك في الناس وهابه الناس قال السدى لما نزل عيسى ﵇ بأرض البهنسا نزل في قرية من قراها على رجل فأضافهم وكان للملك خباز فجاء ذلك الرجل ذات يوم وهو مغتم حزين فدخل بيته ومريم عند زوجته فقالت لها مريم ما شأن زوجك أراه كئيبا قالت لا تسأليني فقالت لها أخبريني لعل الله أن يفرج عنك قالت لها أن ملك البهنسا إذا خرج من مدينته يجعل على كبير كل قرية يوما يطعمه ويسقيه الخمر فإن لم يفعل ذلك عاقبه واليوم علينا وليس عندنا سعة قالت مريم قولي له لا يهتم فإني آمر ابني أن يدعو له فيكفي ذلك فذكرت مريم ذلك لعيسى ﵇ فقال عيسى ﵇ أن فعلت ذلك يقع شيء فقالت له أمه: لا تبال فإنه أحسن الينا وأكرمنا. فقال عيسى قولي له إذا قرب الملك فاملا قدورك وخوابيك ماء ثم اعلميني ففعل ذلك وإذا بالملك قد أقبل فارتجت الأرض من الطبور والزمور والصناجق وأقبلت العساكر فدعا عيسى ﵇ ربه فتحول ماء القدور لحما وطعاما ملونا وماء الخوابي خمرا لم ير الناس مثلها قط فلما أكل الملك ذلك الطعام وشرب سأل الدهقان من أين لك هذا الخمر قال من أرض الفيوم فلم يصدقه وقال للدهقان أنه يأتيني منها الخمر والعنب لعصره وليس يساوي هذا فقال من أرض أخرى فلما خلط عليه الكلام أنكر عليه فقال أنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه وإنه دعا الله تعالى حتى جعل الماء خمرا وكان للملك ولد يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بايام وكان أحب الخلق إليه فقال أن كان كلامك صدقا فليدع ربه أن يحيي لي ولدي فدعا عيسى وأعلمه بذلك قال أفعل لكنه أن عاش وقع شيء كثير فقال الملك لا.

стр. 561

أبالي بعد أن أراه فقال عيسى أن فعلت ذلك اتتركوني أنا وأمي نمضي حيث جئنا قال الملك نعم فدعا الله تعالى فاحيا الغلام فلما رآه أهل المملكة قد عاش تبادروا بالسلاح وقالوا: أكل أموالنا هذا الملك بظلمه حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه فاقتلوهما فذهب عيسى وأمه والآيات في ذلك كثيرة يطول شرحها ذكرها أبو اسحق الثعلبي في عرائسه والله تعالى أعلم.

стр. 562

ذكر فتح البهنسا وما فيه من الفضائل وما وقع فيه للصحابة ﵃ قالت الرواة بأسانيد صحيحة عمن حضر الفتح من أصحاب السير والتواريخ مثل الواقدي وأبي جعفر الطبراني وابن خلكان في تاريخ البداية والنهاية ومحمد بن اسحق وابن هشام وكل منهم دخل حديثه الآخر لما في ذلك من اختلاف الرواة ممن حضر الفتوحات وشاهد الوقعات من الصحابة ﵃ قالوا: وحضر ذلك معظم الصحابة وكبراؤهم مثل عبد الله بن عمرو ابن العاص أمير الجيوش على مصر وأخيه محمد وخالد بن الوليد وابنه سليمان وقيس بن هبيرة المرادي والمقداد بن الأسود الكندي وميسرة بن مسروق العبسي والزبير بن العوام الاسدي وابنه عبد الله وضرار بن الازور ومن بني عم النبي ﷺ مثل الفضل بن العباس وجعفر بن عقيل ومسلم بن عقيل وعبد الله بن جعفر ومن أبناء الخلفاء مثل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأبان بن عثمان ﵃ وقد اختصرنا في أسمائهم خوف الاطالة وكلهم حدثوا بما عاينوا من الفتوح وما شاهدوا من الوقعات وحدثوا بذلك ابناءهم ﵃ وقد أخذنا هذه الفتوح على قاعدة الصدق لاثبات فضل رسول الله ﷺ والصحابة ﵃ إذ لولاهم ما كانت البلاد للمسلمين ولا انتشر علم هذا الدين ولقد نفذت سراياهم في الأرض شرقا وغربا حتى ولت الاعداء منهم هربا وسكبوا دماءهم في الأرض سكبا واستباحوا أموال الكفار نهبا وسلبا والله قد جعل منهم في قلوب أعدائه خوفا ورعبا فهم نجوم الهداية وأهل الولاية قد شرعوا الشرائع ورتلوا القرآن ترتيلا قال الله في حقهم تعظيما وتبجيلا: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٣] . قال: حدثنا ابو عبد الله محمد بن المحدث المصري غفر الله له اطلعت على فتوحات كثيرة فوجدت فيها زيادة ونقصانا وكذلك تواريخ منقولة وكنت قدمت المدينة يعني البهنسا لزيارة جبانتها لما رأيت في ذلك من الفضائل والفضل والاجر والخير والحبور فإن زيارتها تمحص الذنوب وتكشف الكروب وتحسن الاخلاق وتدر الأرزاق وتورث النصر على الاعداء وتكفي البأس والردى لما فيها من السادات

стр. 563

الشهداء ممن باع نفسه لله وقتل في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله ممن قال في حقهم من له الفضل والمنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] فهم أحياء عند ربهم يرزقون فزرنا الجبانة في ساعة الأسحار ورأينا ما فيها من الانوار وبزيارة قبور السادة والأخيار نرجو من الله أن يحط عنا الذنوب والأوزار فلما قضينا الزيارة ولاحت لنا تلك الاشارة أخبرنا عن تلك السادة الامجاد وما كان لهم من الصبر على الغزو والجهاد فسألني بعض الاصحاب عن سبب فتح مدينة البهنسا ليدفع البأس والردى فحرك لذلك خاطري حتى أسهرت لذلك ناظري وطالعت التواريخ والفتوحات وتجنبت المزاحات حتى انتخبت هذا الكتاب فهو كالدرة اليتيمة التي لا يعرف لها قيمة ترتاح عند سماعه النفوس ويزول لهم والبؤس ويشجع على الجهاد ويعين على اقامة العدل في البلاد ابتغاء لوجه الله الكريم راغبا في ثواب الله العميم وذلك بعد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين ونحن نبتدىء. بسم الله الرحمن الرحيم قال: حدثني من أثق به من الرواة ممن تقدم ذكرهم قال لما فتح عمر بن الخطاب ﵁ مصر والاسكندرية والبحيرة والوجه البحري كله جميعا كان بالصعيد نوبة وبربر وديلم وصقالبة وروم وقبط وكانت الغلبة للروم كان أكثرهم روما ثم استشار عمرو بن العاس اصحابه أي جهة يقصد وهل يسير بالجيوش شرقا أو غربا وما يصنع فاشاروا عليه بمكاتبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فكتب إليه يقول بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمرو بن العاص عامل أمير المؤمنين على مصر ونواحيها إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ سلام عليك ورحمة الله وبركاته أما بعد فإني أحمد الله واثني عليه واصلي على نبيه محمد ﷺ والسلام على من بالمدينة من المهاجرين والانصار والحمد لله قد فتحت لنا مصر والوجه البحري والاسكندرية ودمياط ولم يبق في الوجه البحري مدينة ولا قرية إلا وقد فتحت وأذل الله المشركين وأعلى كلمة الدين وقد اجتمعت أصحاب رسول الله ﷺ من السادات والأمراء والاخيار المهاجرين والانصار يطلبون الاذن من أمير المؤمنين هل يسيرون إلى الصعيد أو إلى الغرب والامر أمرك يا أمير المؤمنين فإنهم على الجهاد قلقون وباعوا نفوسهم لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى إله وصحبه اجمعين وسلم وكتب هذه الابيات: صوارمنا تشكو الظمأ في اكفنا. ... وأرحامنا تشكو القطيعة كالهجر. اليك افتقاد الحرب يا طيب الثنا. ... ويامن أقام الدين بالعز والنصر. فقد ولعت خير الكرام إلى العدا. ... بنوشيبة الحمد السري وبنو فهر.

стр. 564

وصالت لؤي مع معد وغالب. ... وسادات مخزوم الكرام ذوي المفخر. تروم مسيرا للأعادي على شفا. ... تمكن من أعلاهم البيض كالسمر. ترى كل علج عائص في دلاصه. ... تجعجع في نقع تأجج كالحمر. بكل كميت صادق الوعد صائل. ... يرى درعه الزاهي تمكن بالصبر. نرى الموت في وقع الوقائع مغنما. ... ونكسب من قتل العدا غاية الأجر. قال الواقدي: فلما فرغ عمرو بن العاص من الكتاب عرضه على أصحابه ثم طوى الكتاب وختمه واستدعى برجل يقال له سالم بن بجيعة الكندي وسلم إليه الكتاب ودفع له ناقة عشارية فاستوى على كورها وخرج يريد المدينة وهو يقول: أسير إلى المدينة في أمان. ... وأرجو الفوز في غرف الجنان. وأرجو أن يقرب لي اجتماعي. ... وأعطي ما أريد من الاماني. إلا يا ناقتي جدي وسيري. ... إلى نحو النبي بلا امتهان. وأقرئيه السلام وأنشديه. ... كلاما صادقا حسن البيان. إلا يا أشرف الثقلين يا من. ... به شرف المدينة والمكان. فكن لي في المعاد غدا شفيعا. ... إذا ما قيل هذا العبد عاني. قال الواقدي: ولم يزل سائرا ليلا ونهارا حتى قدم المدينة الطيبة الأمينة بعد صلاة العصر فدخل وأناخ ناقته على باب المسجد وعقلها بفضل ذمامها ودخل في مسجد رسول الله ﷺ وسلم على قبره الشريف وصلى ركعتين بين القبر والمنبر ثم تقدم فوجد عمر بن الخطاب فسلم عليه قال فرد علي السلام وصافحني وكان لما رآني أقبلت وأنا فرحان قال سالم جاء بكتاب من مصر مرحبا به ثم التفت وعن يمينه علي بن أبي طالب وعن شماله عثمان بن عفان وحوله من السادات والمهاجرين والانصار مثل العباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وطلحة بن عبد الله وبقية الصحابة ﵁ حوله ثم ناولته الكتاب فقال: ما وراءك يا سالم فأنت سالم في الدنيا والآخرة أن شاء الله تعالى فقلت الخير والبشرى والأمن يا أمير المؤمنين فلما قرأ الكتاب فرح واستبشر وكانت تلك الغنائم قد وصلت إلى المدينة قبل ذلك بأيام وقسمت على الصحابة ﵃ ثم إنه استشار عمر ﵁ علي ابن أبي طالب ﵁ ومن حضر فاشار عليه علي بن أبي طالب أن عمرو بن العاص لا يسير بنفسه ليكون أهيب له في قلوب أعدائه وإن يجهز جيشا عشرة آلاف فارس ويؤمر عليهم خالد بن الوليد ﵁ فإنه سيف الله فقال عمر صدقت وقد قال رسول الله ﷺ : "خالد سيف الله تعالى" وفي رواية: "أن خالدا سيف لا يغمد عن أعدائه" ثم.

стр. 565

بات سالم تلك اليلة فلما اصبح صلى الصبح في مسجد رسول الله ﷺ ثم أقبل على أمير المؤمنين عمر يساله الجواب فعندها استدعى عمر ﵁ بداوة وقرطاس ثم كتب كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عامله على مصر ونواحيها عمرو بن العاص سلام عليك ورحمة الله وبركاته أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد ﷺ والسلام عليك وعلى من معك من المهاجرين والانصار ورحمة الله وبركاته وقد قرأت كتابك وفهمت خطابك فإذا قرأت كتابي هذا فاستعن بالله واربط الخيل وارسل الأمراء لكل بلد أمير ليقيموا شرائع الدين ويعلموا الاحكام. ثم انتدب عشرة آلاف من أصحاب رسول الله ﷺ وأمر عليهم خالد بن الوليد وأرسل معه الزبير بن العوام والفضل بن العباس والمقداد بن الأسود وغانم بن عياض الاشعري ومالكا الاشتر وجيمع الأمراء واصحاب الرايات ينزلون على المدائن ويدعون الناس إلى الإسلام فمن أجاب فله ما لنا وعليه ما علينا ومن أبي فليأمروه بأداء الجزية وإن عصي وامتنع فالحرب والقتال وأمرهم إذا حاصروا مدينة أن يشنوا الغارات على السواد وإن بمصر مدينتين كما بلغني أحداهما يقال لها أهناس قريبة من مصر والثانية يقال لها البهنسا أمنع وأحصن وبلغني أن بها بطريقا طاغيا سفاكا للدماء يقال له البطليوس وهو أعظم بطارقة مصر كما بلغني وإنه ملك والواحات فلا تقربوا الصعيد حتى تفتحوا هاتين المدينتين وعليك بتقوى الله في السر والعلانية انت ومن معك وأنصف المظلوم من الظالم وأمر بالمعروف وإنه عن المنكر وخذ حق الضعيف من القوي ولا تأخذك في الله لومة لائم وأقم أنت بمصر وأرسل الأجناد وإن احتجت إلى مدد فارسل وكاتبني وأنا ارسل لك المدد والمعونة من الله وأسأل الله تعالى أن يكون لكم بالنصر والمعونة والفتح والحمد لله رب العالمين ثم طوى الكتاب وختمه بخاتم رسول الله ﷺ ودفعه إلى سالم فاخذه وودع الصحابة وودع قبر رسول الله ﷺ بعد أن توضأ وصلى ركعتين وسار ولم يزل سائرا حتى قدم مصر فوجد عمرا والصحابة نازلين بأرض الجيزة وكان زمن الربيع وهو جالس في خيمته وأصحابه عنده وهذه الخيمة كانت لملك القبط من الحرير الأزرق والأحمر والاصفر سعتها ثلاثون ذراعا وقد فرش فيها فرشا كان للقبط وهو جالس يتحدث مع المقداد وخالد والفضل وغانم والأمراء جميعهم ﵃ وهو كأحدهم قال سالم فانخت ناقتي فسمعت عمرا يقول وأنا خلف الخيمة قد أبطا سالم فقال خالد: كأنك به وقد أقبل فهويت فأحس خالد بي من داخل الخيمة ولم يرني بعينه ولا غيره ولا علم بي فقال سالم فقلت لبيك يا أبا سليمان فقال مرحبا بك يا سالم وحياك الله ثم تقدمت وسلمت على عمرو وخالد وعلى بقية الأمراء ثم ناولته الكتاب فقرأه
следующие страницы →