← История

История · id 12045

فتوح الشام

الواقدي

Полный текст (652 стр.). Показаны 631–652 · переход к 636.

стр. 631

القتال وعدو الله كراكر عليه ديباجة حمراء مقصبة بالذهب تلمع من فوق الدروع وعلى رأسه بيضة عليها جوهرة تضيء كالكواكب وهو يهدر كالجمل الهائج وهو يرطن بلغته وخلفه جماعة والذين على الاسوار يصيحون ويزعقون بشعارهم ويضربون بقرونهم وبوقاتهم وطبولهم وأوقدوا مشاعلهم من أعلى السور حتى بقي مثل النهار هذا وقد ثارت الأمراء أصحاب النجدة وذوو المروءات واعتقلوا بسيوفهم وركبوا خيولهم فمنهم من ركب جواده عريانا ومنهم من ركب بسرج بعير لجام ومنهم من أسرع ماشيا فلله در الفضل بن العباس وابن عمه الفضل أبن أبي لهب وعبد الله بن جعفر وزياد بن أبي سفيان والقعقاع بن عمرو والمسيب بن نجيبة الفزاري والمغيرة ومسلم وأبي ذر الغفاري وأبي دجانة وأبي أمامة وغفار بن عقبة وأبي زير العقيلي ومثل هؤلاء السادات ﵃ لقد قاتلوا قتالا شديدا وأبلوا بلاء عظيما وطعن جماعة من المسلمين وجرح جماعة من المسلمين. وأما الذين هاجموهم في أول الوقعة فقتل منهم جماعة نحو المائتين وثمانين رجلا واقتتل الناس قتالا شديدا وأقبل الفضل بن العباس إلى البطريق كراكر لعنة الله وضربة بالسيف على عاتقه الايمن فأطلع السنان يلمع من عاتقه الايسر فوقع يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار وأتبعه بالجملة ابن عمه عبد الله ابن حجفر فقتل بطريقا آخر ولم تكن إلا ساعة وقد جاءتهم بقية الأمراء من على أبوابهم وتركوا مكانهم من يثقون به وساروا إلى أن وصلوا إليهم وحملوا عليهم حملة منكرة وقتلوا منهم مقتلة عظيمة نحو من ثلاثة آلاف من الروم والنصارى فلما رأى الروم ذلك فروا نحو الباب وتبعهم المسلمون إلى الباب فخرج كردوس عظيم الروم وحموا المنهزمين وأسر المسلمون من الروم نحو ألف ومائتين وخمسين واتوا إلى مكان المعركة يتفقدون من قتل منهم فإذا هم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلا ختم الله لهم بالشهادة فلما رأى المسلمون ذلك شق عليهم وكبر لديهم وأسرعوا تحت الليل وجمعوا الشهداء ودفنوهم في ثيابهم ودمائهم في مكان يعرف بالبطحى عند مجرى الحصى ومنقع السيل فدفنوهم هناك كل اثنين وكل ثلاثة وكل أربعة وكل خمسة في قبر وقدموا أهل السابقة وأصحاب القرآن وكان يعرف ذلك المكان بقبور الشهداء الاخيار والدعاء هناك مستجاب مجرب مرارا وتحط هناك الاوزار لمن يكثر من الدعاء والتطوع والاستغفار. قال الواقدي: ما حدثت في هذا الكتاب إلا على قاعدة الصدق وأذكر ما وقع من الامور وحدث عن أصحاب التواريخ وثقات المحدثين من أصحاب السير ومن سماع كلامه كالدر فهذا كالعقد النفيس في السلوك والتأسيس لا يليق سماعه إلا لذوي البصائر والعلماء والملوك فإنه نزهة الناظر ويشرح الخاطر لم يجمع أحد مثله من أهل

стр. 632

السير لما فيه من الامثال والعجائب والاخبار الصحيحة المنقولة عن ثقات المحدثين يتلذذ بذلك المستمعون ولنرجع إلى سياق الحديث. قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن عبد الواحد القاري عن أبي سراقة بن نوفل الخزرجي عن أبي لبابة بن المنذر وكان من أصحاب الرايات قال: ولما وارينا الشهداء ورجعنا إلى خيامنا وعدو الله البطليوس قد أغلق الباب وألقى الاقفال وعلوا على الاسوار قال: ولما رجع المنهزمون إلى البطليوس صعب عليه وكبر لديه وأظلمت الدنيا في وجهه وحمل هما عظيما على من قتل من بطارقته وجماعته ونوى المكايد والمصائب للمسلمين. قال الراوي: هذا ما جرى لهؤلاء وأما الصحابة ﵃ فإنهم أجتمعوا عند الأمير وتذاكروا ما حصل للمسلمين من البطليوس لعنه الله واتفق رأيهم أن يرسلوا إلى الأمير خالد بن الوليد ﵁ ويسألوه أن يسير إليهم بنفسه وبمن معه وكتب كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عياض بن غانم إلى الأمير خالد بن الوليد اعلم أيها الأمير أننا فتحنا الشام والعراق واليمن والحجاز ولم نجد في الترك والروم والفرس والديلم ألعن من هذا الملعون بطريق البهنسا البطليوس ولا أكثر منه خداعا ولا مكرا ولا حيلة وإنها مدينة آهلة بالخيل حصينة بالرجال وقد خدعونا مرارا وقد قتلوا منا رجالا فأنجدنا بنفسك وبمن معك من المسلمين والسلام ورحمة الله وبركاته عليكم وطوى الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن المنذر فأخذه وأتى به إلى الأمير خالد فوجده نازلا على النورية فسلم عليه ودفع له الكتاب فلما قراه وفهم ما فيه استرجع وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم التفت إلى عبد الله وقال قل للأمير عياض أن الأمير خالدا قادم عليك برجال وأي رجال والسلام عليك وعلى من معك من المسلمين من المهاجرين والانصار فرجع عبد الله ثاني يوم إلى البهنسا ورد الكتاب إلى الأمير عياض بن غانم. قال ثم استدعى الأمير خالد بأبي عبد الله الزبير وضم إليه ثلثمائة فارس وأمرهم بالمسير إلى أرض البهنسا وقال لهم: إذا وصلتم إلى أرض البهنسا فأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير فسار الزبير ﵁ فلما بعدوا دعا بالمقداد ابن الاسود وضرار ابن الازور ودفع لهما مائتي فارس وأمرهما أن يسيرا على أثرهما وقال لهما لا تزالا حتى يدخل الزبير وابنه ثم بعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر ﵁ وضم إليهما مائتي فارس وأمرهما بالمسير على أثر المقداد ثم استدعى بسعيد بن زياد بن عمر بن نوفل خال رسول الله ﷺ وعقبة بن عامر الفهري ودفع لهما مائتي فارس وأمرهما أن يسيرا وبات الأمير خالد تلك

стр. 633

الليلة ولما أصبح صلى وسار معه بقية الأمراء من المهاجرين والانصار الاخيار ﵃. قال الراوي: وسار الزبير ﵁ بمن معه حتى أشرف على البهنسا فكبر وكبر معه المسلمون وأنشد يقول: أتيناكم على خيل عتاق. ... شبيه الريح يوم الاستباق. عليها كل صنديد همام. ... شديد البأس يوم الحرب راقي. نذل حماتكم بالسمر لما. ... نجول بها مع البيض الرقاق. ونقتل كل ملعون وباغ. ... على الإسلام من أهل النفاق. ونحن حماة الدين الله حقا. ... نقر بأن رب العرش باقي. وإن محمدا خير البرايا. ... رسول الله للعلياء راقي. قال: وأشرفت الروم على أبواب المدينة ينظرون إليهم فما لبثوا غير قليل حتى أشرف عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عمرو ﵁ وكبر وكبرت المسلمون قال ثم أنشد يقول: أنا الفارس المشهور للحرب في الوغى. ... أذل بسيفي كل باغ ومعتدي. وأحمل في الابطال حملة من له. ... إلى الغاية القصوى أعاظم مقصدى. أنا ابن أبي بكر الذي شاع ذكره. ... خليفة خير المرسلين محمد. فياويل من عالى حسامي رأسه. ... ويا ويل من عاجلته بمهند. قال الراوي: ثم أشرف من بعده عبد الله بن عمر وكبر وكبرت المسلمون لتكبيره ثم أنشد يقول: أتينا على خيل عتاق وضمر. ... بكل يمان ذي حداد وأسمر. بكف شجاع باع الله نفسه. ... يرى الموت في الهيجاء أفخر مفخر. نذلكم بالسيف في الحرب والقنا. ... ونقتل منكم كل باغ ومفترى. قال الراوي: ولم يزل كل أمير ينزل بجماعته حتى تكاملوا وتأخر الأمير خالد وبقية الأمراء الذي معه ولما بات أصحاب رسول الله ﷺ وأصبحوا قال ضرار بن الازور والأمراء للأمير غانم أظنكم أنتم المحاصرون وأعداؤكم في أكل وشرب فما هذا القعود ثم رجعوا للأبواب وضرار ينشد ويقول: سأضرب في العلوج بكل عضب. ... شديد الباس ذي حد صقيل.

стр. 634

وأضرم في علو الباب نارا. ... وأرمي القوم بالخطب الجليل. وأترك دارهم منهم خرابا. ... ولم أمهل بذي شبح كفيل. فويل ثم ويل ثم ويل. ... لهم مني بمشتد العويل. سأقتل كل باغ كان منهم. ... بحد السيف والباع الطويل. قال: ولم يزل يترنم بهذه الابيات وتراموا بالسهام والمقاليع واقتتلوا قتالا شديدا فاشتدت حمية عتيد الروم وجمع الملعون البطارقة من ذوي الشدة والبأس وكان هو فارسا شديدا وبطلا كما ذكرنا وفتح باب الجبل وخرج منه كأنه شعلة نار على جرائد الخيل والرماة بين يديه يرمون بالنشاب والمجانيق من أعلى الابراج واقتتلوا قتالا شديدا وجرح من المسلمين جماعة وكانت مقتلة عظيمة وبقية الأمراء لا يعلمون وأنكى من المسلمين جماعة قال فعندها ضجت الأمراء أصحاب الرايات وأقبل علج عظيم من البطارقة وطلب البراز فبرز إليه المغيرة بن شعبة فحمل عليه البطريق واقتتلا قتالا شديدا فضربه المغيرة بالسيف فطاح من يده وبادر عدو الله إلى المغيرة ليضربه وإذا بفارس قد أقبل بيده سيف مجذوب فلوح به إلى المغيرة وإذا هو عبد الرحمن ابن أبي بكر فأخذه المغيرة وضرب به البطريق فحاد عنها وقرب من المغيرة وتجاذبا وكلما أراد المغيرة أن يسطو على العلج يمانع عن نفسه ونظر ضرار بن الازور إلى ذلك فترجل عن جواده وسعى بين الصفوف حتى قرب من البطريق وضربه في حزامه فقطعه فسقط عدو الله وهو جاذب المغيرة إلى الأرض فعندها تكاثرت الروم على ضرار والمغيرة فأرادوا قتلهما وإذ بثلاثة فوارس قد أقبلوا واخترقوا الصفوف أحدهم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والثاني عبد الله ابن عمر بن الخطاب والثالث المقداد ابن الاسود الكندي ﵃ فأزالوهم عن مراكزهم وقتلوا ثلاثة من الروم وفرقوا الكتائب عنهم وضرب ضرار البطريق فقتله قال: ومال عبد الرحمن ابن أبي بكر وركب ضرار جوادا من خيل المقتولين وأخذوا الاسلاب هذا وعدو الله البطليوس لعنة الله تارة يكر في الميمنة وتارة يكر في الميسرة وطلب البراز. فبرز إليه المقداد بن الاسود الكندي ﵁ وتعاركا وتجاولا وتطاعنا قال المقداد ابن الاسود قاتلت ملوكا وفتحت قلاعا ولاقيت حروبا في الجاهلية والإسلام فلم أر أخدع من البطليوس ولا أشد بأسا ولا أصعب مراسا منه فتقاتلا حتى كل الجوادان والتفت الي وقال: ما أجرأ فرسك كيف تقاتل عليك وهو بثلاث أرجل قال المقداد فمن شفقتي على جوادي طأطأت رأسي لانظر إلى قوائمه فضربني بالسيف ضربة قوية فقطعت الخودة والرفادة وأثرت قليلا في رأسي فظن الملعون أن خصمه قد قتل فلوى عنان فرسه فاستيقظ المقداد وتبعه فساق جواده المتقدم ذكره وأحاط به أصحابه.

стр. 635

قال فبينما الناس في أشد القتال إذ أقبل الأمير خالد بن الوليد ﵁ ومعه الأمراء المتقدم ذكرهم وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وفي أوائل القوم خالد وهو ينشد ويقول: رعى الله صبا للقا جاء يسرع. ... وصبا على الفرسان بالرمح يقرع. ومن باع لله المهيمن نفسه. ... وكان إلى الهيجا بالأمر أطوع. فويلك يا بطليوس من سيف خالد. ... إذا اشتدت الهيجاء والحرب يرفع. فلا رحم الرحمن بطليوس كافرا. ... ويلعنه كل الملائك أجمع. فإن قدر المولى سأخرب داره. ... وأتركها من بعده وهي بلقع. بحد يماني إذا ما جذبته. ... تذل له كل العداة وتخضع. قال الراوي: ثم أن خالدا ﵁ حمل بمن معه واقتتلوا قتالا شديدا وقاتل البطليوس لعنة الله قتالا شديدا وقتل رجالا وجندل ابطالا فعندها حملت الأمراء وأصحاب الرايت وذو المروءات واقتتلوا بين الجبل والباب قريب التل الأحمر قتالا شديدا وعطف خالد على البطليوس وصال عليه وكلما مر إلى الميسرة يراوغه إلى الميمنة ومن الميمنة إلى الميسرة فعندها عطف خالد عليه وحازه بين الصفوف وحمل عليه فعندها فر إلى القلب وأحاط به أصحابه وقومه ووضعت الأمراء السيوف فيهم وتبعه الأمير خالد وساق جواده إلى الباب واقتحمه وتبعه قومه وانهموا إلى الباب ودخلوه وتبعهم المسلمون واقتتلوا عند الباب وقتل من الروم نحو أربعة آلاف ودخلوا الباب وأغلقوه وأوثقوه بالاقفال وعلوا على الأسوار وأسر المسلمون نحو ألف وخمسمائة فعرضوهم على الأمير خالد وكان فيهم من كبار البطارقة فعرض عليهم الإسلام فامتنعوا فأمر بضرب رقابهم وافتقد المسلمون أصحابهم فإذا قد قتل منهم مائتان وثمانون رجلا ختم الله لهم بالشهادة. قال الواقدي: هذا ما جرى لهؤلاء وأما عدو الله البطليوس فإنه حمل هما وحصل له مالا ينبغي شرحه وأمر بجمع البطارقة فلما اجتمعوا شكا لهم أمر العرب وما لقوا من الحرب وقال فما الرأي عندكم فقالوا: كلنا بين يديك فإذا أمرتنا بالقتال قاتلنا على سور بلدنا قال سأدبر لكم أمرا وهو تدبير من خاض الحروب وعرفها ثم أمر باجتماع الناس خاصتهم وعامتهم فاجتمعوا إليه إلا من بقي على الأبواب خوفا من المسلمين فلما تكاملوا واجتمعوا قال أني عزمت أن أهجم على القوم في هذه الليلة وأكبسهم في أماكنهم والليل مدلهم وأنتم أعرف بمسالك البلد من غيركم فلا يبقى منكم أحد ويتأهب ويخرج معي من بابه ونكبس القوم وأخرج أنا بنفسي ومن معي

стр. 636

من باب توما وأرجو وصولي إلى مسرتي والا أموت بحسرتي وأبيدهم أولا بأول لعلي أن أصل إلى أميرهم فآخذه أسيرا وأبلغ مقصدي قالوا: حبا وكرامة ثم بعث فرقة إلى باب الجبل وفرقة إلى باب قندوس وفرقة إلى الباب الشرقي وانتدب معه سادات قومه ومن عرف بالشجاعة وأخذهم معه ثم أقبل على القوم قبل انصرافهم وقال سآمر صاحب الناقوس أن يخفق لكم الناقوس خفقة عند خروجي من الباب فتخرجون جميعا فامتثلوا ما أمرهم به وقاموا ينتظرون الاشارة واما صاحب الناقوس فاحتمله وصعد به على السور أي البرج وفعل ما أمره به البطليوس فخرج القوم كالسلاهب وخرج البطليوس في عشرين ألف فارس من الشجعان وهو يوصيهم وقال أسرعوا في مشيكم فإذا وصلتم إلى القوم فاحملوا عليهم ومكنوا السيوف والخناجر من رقابهم ومن صاح الامان فلا تبقوا عليه إلا أن يكون أمير القوم ومن أبصر منكم الصليب الذي أخذ منا فليأخذه ومن أتى به أكرمته. ثم أمر صاحب الناقوس أن يضربه فضربه ضربة سمعها أهل الأبواب ففتح البوابون وتبادروا للخروج وخرج اللعين وسمع المسلمون الصوت فبادروا من أماكنهم مسرعين يخفر بعضهم بعضا وهم على يقظة وتبادروا كالاسود الضارية المشتاقة إلى فرائسها فلم تصل القوم إليهم إلا وهم على حذر إلا أنهم غير مرتبين فتجاول القوم في ظلام الليل وسمع الأمير خالد ذلك منهم فصاح واغوثاه وامحمداه وإسلاماه كيد قومي ورب الكعبة اللهم انظر إليهم بعينك التي لا تنام وانصرهم على عدوهم ولا تسلمهم إلى شر خلقك ثم سار خالد وهو مكشوف الرأس بلا خوذة وألهته الزعقة عن لبس السلاح وسار إلى قومه وهو ينشد ويقول: فاض دمعي واعتراني حزني. ... ضاق صدري وبراني شجني. رب سلم من نزول المحن. ... وانصر الإسلام ياذا المنن. بالنبي الهاشمي العدني. ... أحمد المختار طه المداني. قال الراوي: ثم وصل إلى باب توما ومعه خمسمائة من السادات وأصحاب النجدة مثل الفضل بن العباس والفضل بن أبي لهب وزياد بن أبي سفيان بن الحرث وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والمقداد بن الاسود وزيد بن ثابت وعبد الله بن زيد ومسلم بن عقيل وأبي ذر الغفاري وعبادة بن الصامت وبحر بن مسلم وعقبة بن نافع والمغيرة بن شعبة والمسيب بن نجيبة الفزاري ﵃ وعلت أصوات المسلمين بالتهليل والتكبير والقوم من أعلى الاسوار قد رطنوا بلغتهم وتصارخوا عندما استيقظ المسلمون وحمل خالد على القوم ونادى يا مسلمون أتاكم الغوث من رب العالمين أنا الفارس الصنديد والبطل المجيد أنا خالد بن الوليد ثم حمل في وسط الروم بمن معه

стр. 637

فقتل رجالا وجندل أبطالا وهو مع ذلك مشتغل القلب بالأمير عياض وبقية الأمراء الذين على الأبواب وهو يسمع صراخهم وزعقاتهم. قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن عون قال: حدثنا جابر بن سنان عن عقبة بن عامر قال كان الروم والنصارى من أعلى السور يرمون بالحجارة والسهام ولقيت المسلمون من عدو الله البطليوس أمرا عظيما لم يروا قبله مثله وكان أول من وصل إليهم البطليوس لعنه الله فصبرت له المسلمون صبر الكرام وقاتل عدو الله البطليوس قتالا شديدا وقال أروني الذي أخذ صليبي بالامس فلما سمع الفضل بن العباس صوته قصد جهته وقال ها أنا صاحبك وغريمك أنا مبيد جمعكم وآخذ صليبكم أنا ابن عم رسول الله ﷺ فعطف عليه البطليوس عطفة الاسد على فريسته وقال إياك طلبت ثم انفرد له وصادمه فلم تر الناس في طول الايام ضربا كضربهما في تلك الليلة ورأى الفضل منه شيئا لم يره في طول عمره ولم يزالا كذلك إلى أن مضى من الليل شطرة وكل قرم مع قرمه ولم يزالا في كر وفر وضرب ورد لم ير أحد مثله وصبر له الفضل صبر الكرام ولاح له من عدو الله ضربة فتلقاها في حجفته قانقطع سيف الفضل وطمع فيه عدو الله وظن أنه يأخذه أسيرا وإذا بفارسين قد أقبلا ومن ورائهما كتيبة من الفرسان قد هجموا على الروم وإذا بخولة بنت الازور أخت ضرار قد حملت على فارسين من الروم فجندلتهما وهي تجندل في الابطال وفرسانهم فلحقها فارسان أحدهما عبد الرحمن بن أبي بكر والثاني عبد الله بن جعفر وتبعهما ثلاثة وهم أبان بن عثمان بن عفان فخلصوا خولة بعد أن أحاطت الروم بها وعطفوا على عدو الله البطليوس فكر راجعا في كردوس من الروم حتى دخل مدينة البهنسا وقاتلت الروم من أعلى الاسوار قتالا شديدا وكان خالد ﵁ تارة يكر عند باب الجبل وتارة عند باب توما وتارة عند باب قندوس. وكان عياض بن غانم الاشعري عند باب الجبل في ذلك الوقت فلبس سلاحه ودنا من القوم بمن معه من الأمراء مثل المقداد وضرار بن الازور وشرحبيل ومسلم وعقيل وزياد وعبد الله بن العباس وعمرو بن أبي ذئب وعبد الرحمن ابن أبي هريرة والمسيب ولاحرث بن مسلم وزيد بن الحرث وابي ذر الغفاري ومحمد بن مسلمة ﵁ فعطفوا نحو الباب وكبروا وكبر القوم من ورائهم فخرج إليهم بطريق عظيم ومعه عشرة آلاف فارس وكان اسم البطريق يوحنا فاقتتلوا قتالا شديدا فتكاثر الروم على عبد الله بن عبادة بن الصامت فقاتل قتالا شديدا ورمى بحجر من أعلى الباب فقتله وقتل من الأمراء وفرسان المسلمين عند الباب زهاء من مائتين وقتل من الروم نحو ألف وحمل عياض والأمراء والتقى القوم فصارت الاحجار والسهام تتساقط عليهم وهم لا يولون عنهم فلما ألجئوهم إلى الباب واختلطوا بهم خشيت الروم أن يصيبوا أصحابهم بسهامهم وحجارتهم

стр. 638

فأمسكوا أيديهم وقتل من الروم مقتلة عظيمة وأما خالد فقالتل قتالا شديدا ما رؤي مثله فبينما الناس كذلك إذ أقبل ضرار بن الازور وهو ملطخ بالدماء وهو جامد عليه كأكباد الابل فقال له خالد: ما وراءك من الاخبار يا ضرار فقال أخبرك يا أبا سليمان أني قتلت في ليلتي هذه مائة وستين رجلا وقتل قومي ما لا يعد وقد كفيتكم من خرج من باب الجبل. قال الراوي: وكانت ليلة لم ير الناس مثلها وهجم الأمير عياض هو وأصحابه على من بداخل الباب واقتتلوا قتالا شديدا ووصلوا إلى ساباط الباب وكان له باب آخر فأغلق من دونهم على كردوس من الروم فقتلوا هناك وتسلق المسلمون على البرج وقتلوا من فيه وكانوا خمسمائة وقتل في تلك الليلة هناك نحو الف وأما باب قندوس فكان عليه الزبير بن العوام وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو بن العاص والفضل بن أبي لهب والمغيرة وجماعة من الأمراء فتواثبوا إلى الباب واقتتلوا قتالا شديدا وقتل من المسلمين نحو مائة وعشرين رجلا غير الاعيان وأما باب توما فكان عليه خالد وخرج منه البطليوس فاقتتل الفريقان وقتل من المسلمين جماعة نحو مائتين وثمانين رجلا في المكان المعروف بالمراغة وغلقوا الأبواب واستعدوا للحصار وهذا كان أول فتح. قال الواقدي: حدثنا سنان بن مفرج العجلاني عن أبي محمد الشاكري عن زيد بن رافع عن أبي امامة قال: وأقام خالد بعد الوقعة على البهنسا أربعة أشهر لا يقاتلهم ولا يناوشهم فطال عليهم المكث وضجروا فأتوا إلى خالد وشاوروه في القتال فأذن لهم وكان جملة من قتل في وقعة الأبواب نحو ستمائة فارس ختم الله لهم بالشهادة. قال الراوي: فلما استأذنت الصحابة خالدا في القتال لم يقدر أن يمنعهم ولما أصبحوا اقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع مثله فاشتد الحصار فقال أهل البهنسا وقالوا للبطليوس: ما بقي لنا صبر على القتال والحصار فقال لهم: أصبروا واثبتوا لعلي أن أكيد العرب بمكيدة ولما اشتد الحصار عليهم أتوا إلى بطريق يسمى توما صاحب الباب وأتاه السوقة والنصارى والعوام وقالوا له: لقد ضاق علينا الحصار فنجعل لك مالا وافتح لنا الباب حتى نأخذ لنا أمانا من العرب فأجابهم إلى ذلك فصبرهم إلى جانب من الليل وفتح لهم الباب فمضى نحو مائتين من تجار البلد وخرجوا من باب السر وأتوا إلى خالد وصالحوه على أن يفتحوا لهم الباب وجعلوا للمسلمين جعلا معلوما واتفقوا على ذلك وكتبوا أسماءهم ورجعوا هذا ما جرى لهؤلاء وكان الكلب ابن عم توما حاضرا واسمه أرمياء فمضى إلى البطليوس وأعلمه بذلك فعندها أرسل البطليوس بطريقا يقال له حرفائيل ومعه ألف بطريق: وقال اكمنوا واتوني بالخبر على جليته فمضوا وتفرقوا وهم مشاة قريبا من باب توما وإذا بهم قد أقبلوا فلما رأوهم عرفوهم وفتحوا لهم الباب فدخلوا فعندها

стр. 639

تواثبوا عليهم وأمسكوهم وسحبوهم إلى البطليوس لعنه الله فلما رآهم وبخهم توبيخا عظيما وقال ائتوني بالسياط ونصب أخذودا من حديد ثم ضربهم ضربا شديدا وأتى بالنار وأحرق جميع أموالهم وأمر باحضار البطريق فأحضر بين يديه فأخذه ومضى إلى القصر هو وجميع أعوانه واستدعى بالخشب وصلبهم على أعلى السور وأقاموا هناك يوما وليلة ثم أمر بضرب رقابهم وطرح رؤوسهم للمسلمين قال الأمير عياض للأمير خالد هؤلاء أهل ذمتنا وقد قتلهم البطليوس لعنه الله. قال الراوي: وأما الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ فإنه قلق على المسلمين قلقا شديدا فأرسل كتابا إلى عمرو بن العاص يقول فيه ما سبب انقطاع كتبك عني وأنا في قلق على المسلمين وعلى خالد ومن معه واعلم إنك لا ترسل لي إلا بالفتح والغنائم وإن احتاج خالد إلى نجدة فأرسل إلى أبي عبيدة فقد كاتبته بأن يرسل له جنودا من الشام والسلام فلما وصل الكتاب إلى عمرو أرسله إلى خالد فقال خالد: لا نطلب النجدة والمعونة إلا من الله تعالى ثم أن خالدا عظم عليه الأمر واشتد الحصار وكان كل يوم يرجع إلى المدينة ويقاتل قتالا شديدا وفقد من المسلمين جماعة كثيرة قتلوا بالحجارة والنشاب وهجم عدو الله على المسلمين وكادهم مرارا وقال خالد للأمير عياض وللمسلمين: لا شك أن لاصحابنا عيونا وجواسيس ثم أن خالدا ركب ومعه الفضل بن العباس والمقداد وزياد بن أبي سفيان وعياض وطافوا حول العسكر وإذا برجل من العرب المتنصرة جالس على قطيفة خارج العسكر فأنكر أمره خالد وقال له: من أي العرب أنت فسكت فقالب له الأمير عياض انطق بالحق من لك من الاهل ههنا فسكت فقال له: خذ الماء وتوضأ فلم يحسن ذلك فقال له: صل فلم يحسن ذلك فضربوه فأقر بأنهم خرجوا ثلثمائة من باب السر وردوا وبقي هو فضرب عنقة وانقطعت الجواسيس فكانوا يقاتلون قتالا شديدا وكان لخالد عبد في خيمته اسمه فلاح يصنع له كل يوم قرصين من شعير واحد له وواحد للعبد فقعد خالد ثلاثة أيام يأتي السفرة فلا يجد فيها شيئا ولم يكلم العبد وكان عنده بعض تمر يتقوت به حتى فرغ فعندها قال خالد للعبد: يا ولدي قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الانبياء: من الآية٨] ولك ثلاثة أيام لم تصنع فيها قرص شعير. قال: يا سيدي ما قطعت عنك ذلك ولكن أصنع لك كل يوم وأعلقه في طبق الخيمة فلم أجده قال خالد: أن لهذا شأنا عظيما ثم قال للعبد قف خلف الخيمة وأخف نفسك وانظر من يفعل هذا فلما كان الغد ركب خالد للقتال وصنع العبد القرصين وأكل قرصا ووضع قرص سيده فكان معتادا أن يشيله له فجاء كلب أسود عظيم من جهة البلد ودخل الخيمة وأخذ القرص في فمه ومضى فتبعه العبد حتى أتى إلى سرب يخرج

стр. 640

منه الماء يجري من البحر تحت الأرض إلى تحت سور المدينة من جهة القبلة ويدخل المدينة ويظهر من الجهة البحرية من خارج البلد فلما رآه العبد رجع وأعلم الأمير خالدا فمضى معه ورأى ذلك ففرح بذلك فرحا شديدا ثم أتى إلى الأمراء واعلمهم بذلك وقال: وقال لهم: أريد منكم مائة رجل قد باعوا أنفسهم لله فيمضون معي وجماعة شداد يكونون مقابل الباب فإذا فتحنا الأبواب دخلوا الينا فانتدب منهم مائة رجل من خيار القوم منهم عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومسلم بن عقيل وزياد بن أبي سفيان وأخوه هبار والمسيب بن نجيبة وأخوه والمقداد ابن الاسود ورافع وأبو رزين العقيلي ومثل هؤلاء السادات وقد اقتصرنا في أسمائهم خوف الاطالة ورتب خالد ﵁ عبد الله بن جعفر والزبير بن العوام وابنه عبد الله والفضل بن العباس والفضل بن أبي لهب وضرار بن الازور ومثل هؤلاء مقابل الباب وصبروا إلى غروب الشمس وأتوا إلى ذلك السرب ودخلوا إليه في الماء كل واحد بسراويله وسيفه وكان أولهم الأمير خالد وكل من دخل يدع سيفه وحجفته مع صاحبه حتى يدخل ويأخذهما حتى دخل ثمانون رجلا ورجع عشرون لم يسعهم السرب وضاق عليهم فولوا وهم متأسفون لما فاتهم من الشهادة والفتح وتواثبت الأمراء المذكورون وأخفوا نفوسهم تحت الجدار إلى جزء من الليل فتبادورا إلى الباب فوجدوه موثقا من داخله فعالجوا الاقفال والروم سكارى ففتحوا الباب وذبحوا كل من وجدوه في دهليز الباب وكانوا ستين رجلا ثم علوا على السور وجماعة منهم أخذوا المفاتيح ففتحوا الباب وثاروا على الروم فقتلوا جماعة منهم في أعلى البرج وقتلوا بطريق البرج وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير فأجابهم المسلمون بمثل ذلك ودخلوا من الباب إلى سوق المدينة وتبادرت جماعة إلى القصر فلما أحس عدو الله بذلك وإن المسلمين ملكوا عليه الأبواب وضع منديلا في عنقه وخرج وهو يقول الامان الامان وفعل جماعة كذلك فأبى خالد ووضع السيف فيهم وقاده أسيرا وقال له: يا عدو الله لا أمان لك عندي إلا أن تسلم وقبض على جماعة من بطارقته ووضع السيف فيهم وقتل من الروم نحو ثلاثة آلاف وقتل من المسلمين في تلك الليلة في وسط البلد مائة وأربعة وثمانون رجلا قريبا من سوق المدينة وعند الأبواب وعند القصر وجاء عياض ومعه جماعة من الأمراء فشكا إليهم أهل البلد وقالوا: الامان فرق لهم الأمير عياض وصار عدو الله يتملق بين أيديهم فغلبوا على رأي خالد حتى صالحهم على ألف مثقال من الذهب الابريز وألف ألف أوقية من الفضة البيضاء وعشرة آلاف وسق من البر والشعير والجزية من العام القابل وخالد لا يطمئن قلبه إلى شيء من ذلك وغلب الأمراء على رأيه وجاءوه وقالوا له: لقد أضر بنا المقام بهذا البلد فما نراك إلا أشفق منا علينا ونرى من الرأي أن

стр. 641

ترسل إلى عمرو وتعلمه بذلك وهذا الكلب وجماعته موثقون إلى أن يجيء الجواب فعندها كتب خالد كتابا إلى عمرو يخبره بذلك. فلما بلغه ذلك رد لهم الجواب أنهم يستوثقون منه بالإيمان ويأخذون منه ما صالحهم عليه ويتركونه ومن صاح الغوث الغوث فاتركوه والا نفر منكم أهل الصعيد ففعل خالد وقلبه نافر وأطلقه بعد ما استوثق منهم بالإيمان في كتبهم المذكورة وأطلقوه وشرط عليهم أن لا ينزل عندهم أحد إلا من يقبض المال فخرجوا إلى ظاهر المدينة وبقي عنده فضالة بن زيد السلمي وعون بن ساعدة الكندي ومقوم بن سعيد الجهني ومائتان من أصحاب رسول الله ﷺ وأخرج الميرة والعلوفة وصار كل يوم يركب ويتودد إلى الأمراء ووهب وأعطى ولم يترك أميرا إلا خادعه حتى طابت نفوسهم عليه إلا خالدا والفضل بن العباس والمقداد وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والزبير بن العوام فإنهم لم تطب نفوسهم إليه وأقاموا شهرين على ذلك وأرسل جميع الغلال إلى خزينته في هذا الزمن وخزن ما يحتاج إليه واستدعى بكبار قومه ومن يثق به واتفق رايهم على قتل المسلمين والغدر بأصحاب رسول الله ﷺ وصبروا إلى أن مضى جزء من الليل وهجم على المسلمين على حين غفلة في ألف بطريق وأوثقهم كتافا وجعل في أفواههم الاكر وفتح الأبواب وأدخلهم المدينة وهجم على المسلمين ووضع السيف فيهم وهم رقود فما انتبهوا إلا والسيف يقطع في نحورهم وكانت وقعة عظيمة وثار خالد بمن معه وكان الزبير راقدا فسمع الصياح فقال دهينا ورب الكعبة ثم ركب وركبت معه زوجته وقاتلت النساء قتالا شديدا وعدو الله تارة يكر ميمنة وتارة يكر ميسرة والسيف يعمل والرجال تقتل وكانت ليلة شديدة وصار خالد يقول يا قوم أما قلت لكم فما سمعتم لخالد والتجأ زياد بن أبي سفيان وأخوه هبار وميسرة ابن مسروق وفضالة بن عبد شمس وعقيب بن يعقوب وعبادة بن تميم وجندبة الكلبي إلى تل هناك وأحاط بهم طائفة من الروم من كل مكان فقاتلوا قتالا شديدا وانحدر زياد ﵁ من التل وتبعه أصحابه فأحدقت بهم الروم وداروا بهم دوران السور بالمعصم وقتلوا زيادا وجميع من ذكرنا من الأمراء وقاتلت نسيبة الانصارية أم أبان وأسماء ابنة أبي بكر ونعمانة ابنة المنذر ونظائرهن في تلك الليلة قتالا شديدا وقتل جماعة من المسلمين وأتى خالد وحمل عليهم وجعل يقلب الميمنة على الميسرة والميسرة على الميمنة قال: وأطبق عليهم هو وجميع الأمراء فهزموهم إلى الأبواب وقد قتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب عدو الله وتحصن هو وقومه وغلقوا الأبواب ولما أصبح أمر بالحصار وأمر باحضار المأسورين وصعد بهم إلى أعلى البرج وضرب رقابهم فشق ذلك على المسلمين وصعب عليهم ما فعل عدو الله بأصحابهم وأتى خالد ﵁ ومعه بقية الأمراء إلى مكان المعركة فوجدوا الشهداء مطروحين ووجدوا زيادا ﵁ وفيه عشرون طعنة بالرمح وأربعون ضربة بالسيف والى جانبه

стр. 642

أخوه هبار وفي رأسه عشرون ضربة بالسيف وواحدة في فخذه قطعته فبكى خالد عليهم بكاء شديدا وبكى عليهم سائر الأمراء وابطال المسلمين ونعاهم الأمير خالد بهذه الابيات وهي له خصوصا: هوام دموعي كالسحائب تهمع. ... وقلبي من فقد الاحبة يفزع. وأظلمت الدنيا على نور عبرتي. ... وكاد فؤادي بالجوى يتقطع. لفقد زياد أحرق ألبين مهجتي. ... وغاب صوابي وهو في الأرض يصرع. لقد كان في بحر المعامع صائلا. ... يزلزل أركان العدا ويضعضع. وقد كان مقدام الفوارس كلها. ... بكل مكان للاعادي مقمع. لحى الله يوما فيه حانت وفاته. ... وأجفانه مع أسهم الدمع تدمع. أيا سيدا من آل هاشم لم يزل. ... له رتبة بالمجد والجود ترفع. يعز علينا أن نراك معفرا. ... ورأسك من فوق الجنادل تسفع. بجانبك الهبار أضحى مهبرا. ... طريحا على رأس الثرى وهو مطبع. إلا لعن الرحمن بطلوس قومه. ... وألعنه مع كل قوم تجمع. لقد غدر السادات من آل هاشم. ... نجوما وأقمارا على الناس تطلع. قال الراوي: ثم بكى المسلمون بكاء شديدا على من قتل منهم من الأمراء والابطال وجموعهم وصلوا عليهم ووروهم في حفرهم إلى جانب التل فإذا هم ثمانون أميرا وثلثمائة وسبعون رجلا ختم الله لهم بالشهادة. قال الراوي: وأقام المسلمون ثلاث سنين إلا أنهم يشنون الغارات على السواد والسواحل ومضى القعقاع بن عمرو وهاشم وابو أيوب وعقبة بن نافع الفهري بألفي فارس وأغاروا على حد برقة ثم عادوا وهذا أحد الآراء في فتح المغرب قال ﵁ ولما طال الحصار والمكث على أهل البهنسا اجتمعت المسلمون عند خالد واستشاروه فيما يفعلونه وماذا يكون من الرأي فوثب عبد الرازق الانصاري وعبد الله بن مازن الداري وكعب بن نائل السلمي وأبو مسعود البدري وأبو سعيد البياضي وقالوا: يا قوم قد وهبنا أنفسنا لله ولعل أن يكون للإسلام فرج فاصنعوا منجنيقا واملئوا غرائر قطنا وقالوا: يأخذ كل واحد منا سيفه وحجفته ويدخل في غرارة قطن فإذا كان الليل ونامت الحراس فألقونا على أعلى السور واحدا بعد واحد والمعونة من الله في فتح الباب كما فتحتم قصر الشمع بمصر ودير النحاس وكما فعلتم مع رسول الله ﷺ قال فاستصوبوا رأيهم فلما أصبحوا قطعوا الاخشاب وصنعوا منجنيقا وصنعوا له حبالا وأحضروا غرائر

стр. 643

وملئوها قطنا والرجال داخلها وصبروا إلى الليل ودخل هؤلاء السادات ﵁ بعد أن ضربوا بالمنجنيق حجرا بعد حجر فسقط على أعلى السور والبرج فشرعوا في رميهم منهم أبو مسعود البدري وعبد الرزاق إلى أن رموهم جميعهم وصاروا فوق أعلى السور ورتب خالد أصحابه على الأبواب وأما عبد الرزاق وأصحابه فلما صاروا بأعلى الجدار نزلوا إلى البرج فإذا هو مغلق والحراس نيام فنزلوا إلى الدهليز بين البابين فوجدوهما مغلقين موثقين فذبحوا البوابين عن آخرهم ووجدوا المفاتيح تحت رأس كبيرهم في جانب سريره فأخذوها وفتحوا الأبواب وإذا بالباب الثاني الذي ينتهي إلى القصر مسدود بالحجارة فاحتالوا على قلع حجر بعد حجر فقلعوها ورموا الاحجار وفتحوا الأبواب وكل ذلك في أقل من ساعة بمعونة الله وصعدوا إلى البرج فعالجوه وفتحوه وقتلوا جماعة واستيقظ جماعة وثاروا عليهم وخافوا على الباب أن يؤخذ منهم وإن يحال بينهم وبينه وهو باب السور الذي بظاهر المدينة ففتحوه صاحت الروم واستيقظ البطليوس وركب جواده وكان على حذر وركب المسلمون ودخلوا الباب وخرجت البطارقة والبطليوس من قصره وزحفت الروم إلى الباب وكان أول من قتل في ذلك اليوم عبد الرزاق وعنان بن مازن وكعب بن نائل السلمي بداخل الباب. قال: حدثنا قيس بن مازن الحميري عن عبادة بن سالم السكاكي عن أبي مسعود البدري وكان أول من فتح الباب قال ليس هو على هذه الصفة وأخبرنا سالم بن حامد عن أبي عبد الله عن أبي محمد الانصاري عن عبد الله البدري قال كان أبو محمد الحسني يقرأ هذه الفتوح بالجامع الغزي العمري على الشيخ أبي عبد الله حتى بلغ إلى هنا وذكر الفتوح وفتح الباب وإن الرجال وضعت في الغرائر قال: يا بني ليس الأمر كذلك فقد روى عن أبي مسعود وهو الصحيح عن فتح الباب قال أنهم قطعوا أخشابا ونصبوا سلما للتسلق عاليا علوا جدار المدينة وصبروا إلى الليل وأسندوه إلى الجدار وتسلق منهم أربعون رجلا ومنهم لسبعة المذكورون وفتحوا الباب كما ذكرنا واستيقظ الروم وخرجوا إليهم بعد فتح الباب فكان السابق إليهم عبد الرزاق ﵁ فقتلوه وقتلوا معه من ذكرنا أولا وتسابق المسلمون إلى الباب فكان أول من دخل ضرار بن الازور وهو يزعق ويقول هذه الابيات: الجن تفزع يوم الحرب من فزعي. ... إذا أتيت إلى الهيجا بلاجزع. يا ويل من صنع الارصاد يخدعنا. ... ونحن جرثومة الامكار والخدع. لأرضين الهي في جهادهم. ... وقتل أبطالهم بالسيف والدرع. ياويل كلب العدا البطلوس أن وقعت. ... عيني عليه لارديه إلى النزع. عيب علي إذا ما ألتقيه هنا. ... وأفلق الرأس منه غير مرتدع.

стр. 644

ثم دخل من بعده خالد وهو يقول: اليوم يوم الوفا والطعن بالأسل. ... والضرب بالقضب في الهامات والقلل. يا ويل بطلوس كلب البهنساء إذا. ... لاقيته بطليق الحد معتدل. أن لم أذقه بكاسات المنون هنا. ... فلا سلمت ولا بلغت من أملي. قال ثم دخل من بعده ذو الكلاع الحميري وهو يقول: أني لمن حمير العالين في النسب. ... أهل الثنا والوفا والجود والحسب. أسد غضافرة سود جحاجحة. ... نرى الكماة غدافي الحرب بالقضب. الحرب عادتنا والطعن همتنا. ... وذو الكلاع أنا عال على الرتب. تبت يد الروم ما يدرون أن لنا. ... صوارما تترك الاعضاء كالقصب. قام ثم دخل من بعده الزبير بن العوام وهو يقول: أيا بطليوس يا كلبا لعينا. ... ويا نسل الطغاة الارذلينا. أتتك حماة دين الله حقا. ... وأولاد الجياد الخيرينا. خيار الناس نسل بني نزار. ... كراما في الاعادي قاطعينا. إذا أحتبك العجاج بهم تراهم. ... بحولك كالسباع الضاربينا. ولا منهم جبان قط يهزم. ... ولا نذل فتلقاء حزينا. ولا منهم جبان قط يهزم. ... ولا نذل فتلقاء حزينا. وليس ترى سوى مقدام قوم. ... أثار الحرب صنديدا أمينا. قال ثم دخل من بعده عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وهو يقول: أتينا البهنساء بكل قرم. ... شديد العزم في يوم النزال. وجيش فاق في الآفاق طرا. ... على الاعداء بالسمر العوالي. قال ثم دخل من بعده عبد الله بن جعفر وهو يقول: اليوم طاب الطعن في اللئام. ... والضرب في الاعناق بالحسام. وأنصر الإسلام باهتمام. ... ولم أزل عن سادتي أحامي. أنا الشجاع الفارس الهمام. ... ومردى الاعداء في الحمام. قال ثم دخل بعده الفضل بن العباس وهو يقول: ألا إننا السادات من آل هاشم. ... ليوثا ذوي بطش شديد العزائم.

стр. 645

لنا تشهد الابطال في كل معرك. ... وتذكر عنا أهل كل المواسم. إذا اشتدت الاهوال واستبق القنا. ... رأيت لنا في ذاك فعل الضراغم. قال ثم دخل من بعده الفضل بن أبي لهب وهو يقول: لنحوك يا بطلوس عزمي قد طلب. ... بحد حسام كالشهاب إذا انتدب. يطير شرار النار من لمعانه. ... بكف شجاع الخيل أبن أبي لهب. فويلك يا ملعون منه إذا سطا. ... بصارمه يوم العجاج وإن وثب. قال ثم دخل من بعده عياض بن غانم الاشعري وهو يقول: لا أنثني يوم الهيج عن العدا. ... بمهندي الصمصام إلا إذ قطع. فالويل للبطلوس من سطواتنا. ... لأفرقن بحد سيفي ما جمع. قال ثم دخل من بعده المقداد ابن الاسود وهو يقول: أنا الكندي كالليث الشجاع. ... واني في العدا قد طال باعي. وتشهد لي الرجال بكل حرب. ... وللهيجاء منقاد الطباع. فواثارات عبد الله إني. ... عليه ذاهل حيران ناعي. قال ثم دخل من بعده أبان بن عثمان وهو يقول: نحن الليوث ذوو المعروف والكرم. ... وفي المعامع يوم الحرب والهمم. مجندلون العدا في كل معترك. ... وقاهرون لهم كل مصطدم. لا يعجبنك يا بطلوس جيشك في. ... هذا المقام فمعنا الكل كالرخم. قال ثم دخل من بعده مسلم بن عقيل وهو يقول: ضناني الحرب والسهر الطويل. ... وأقلقني التسهد والعويل. فواثارات جعفر مع علي. ... وما أبدى جوابك يا عقيل. سأقتل بالمهند كل كلب. ... عسى في الحرب أن يشفي الغليل. قال ثم دخل من بعده شرحبيل بن حسنة ثم القعقاع بن عمرو التميمي ثم مالك الاشتر ثم عبادة بن الصامت ثم أبو ذر الغفاري ثم أبو هريرة الدوسي ثم ابنه عبد الرحمن ثم معاذ بن جبل ثم شداد سن أوس ثم قيس بن هبيرة ثم أبو أبو دجانة الانصاري ثم جابر بن عبد الله ثم البراء بن عازب ثم النعمان بن بشير ثم سعيد بن زيد أحد العشرة الكرام ﵃ قال ثم الانصار يتلو بعضهم بعضا بهمم وعزائم

стр. 646

قال ثم خرجت الروم وقاتلت قتالا شديدا وتواثبت جماعة من الأمراء مثل الزبير بن العوام وابنه عبد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى باب البحر واقتتلوا قتالا شديدا وتقدم عبد الرحمن والزبير إلى الباب والروم على أعلى السور ونزل عن جواده وصلى ركعتين والحجارة تتساقط عليه وهو لا ينزعج لذلك وتقدم هو والفضل وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى الباب وجعلا السلاسل من فوق وصعدوا إلى أعلى البرج وهدموا الشرافات ووضعوا السيف في الحراس وفتحوا الباب ووثب شرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وأبو ذر الغفاري وأبو أيوب الانصاري إلى باب قندوس ووثب المسيب بن نجيبة الفزاري والقعقاع بن عمرو والأمير عياض بن غانم الاشعري إلى باب الجبل وفتحوا الأبواب واقتتلوا قتالا شديدا وقاتلت الروم قتال الموت إلى أن طلعت الشمس وارتفعت وقاتل عدو الله البطليوس قتالا شديدا وقتل رجالا وجندل أبطالا واقتتلوا في الازقة والشوارع وبين الأبواب وتقدم خالد وهو يصيح واثارات سليمان وطعنه طعنة صادقة في صدره فأطلع السنان يلمع من ظهره فوقع يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار فلما رأى الروم ذلك ولوا الادبار وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون وينهبون وقتل من الروم نحو ثلاثين ألفا بوسط البلد وأسر منهم عشرون ألفا وأنشد خالد يقول: وبالنهنسا الغرا أبيدت جيوشنا. ... ثلاث سنين بابها ليس يفتح. ثماني الاف عداد جيوشنا. ... وكل همام عن ثمانين يرجح. فما فتحت إلا وقد صار جيشنا. ... ثلاثة آلاف عداد تسحسح. ولم أر في أرض الصليب كمثلها. ... ولا جيشها لما على السور يسرح. ولا مر لي يوم كمثل حروبها. ... لأن بها البطلوس ليث مبجح. وكان له جيش وعدة جيشه. ... ثمانون ألفا بالحديد توشحوا. وكنا غلبناهم ثمانين مرة. ... يخادعنا البطليوس عنهم فنصفح. ثلاث مرار نحن نفتح بابها. ... وترتد للكفر الذميم وتجنح. وقد لعب الهندي يوم فتوحها. ... وكلت أيادينا وفي الروم نذبح. ثلاثون ألفا قد محتها سيوفنا. ... وأكبادنا من حرها النار تقدح. إلى أن ملأنا البر والبحر منهم. ... وقد شبعت أسد الفلا وترنحوا. وولت ثلاثون الالوف شواردا. ... وعشرون ألفا منهم قد تجرحوا. فمنهم قضى نحبا ومنهم بها طغى. ... ومنهم أناس في المقابر روحوا. وبطلوسهم ذاك النهار قتلته. ... وقد كان مقدام الجيوش مرجح.

стр. 647

فبادرته في الحال حتى تركته. ... صريعا عليه الغانيات تنوح. وعاجلته في الرأس مني بضربة. ... فأضحى بها شطرين ملقى ومطرح. وعاد بسيف ابن الوليد مجندلا. ... تمر به كل الحوادث تفلح. ولما فني بطلوسهم صار جمعهم. ... كما شبه أغنام وغاب المسرح. وقد كان في بحر الهياج مغلغلا. ... تولى سرايا قومنا منه مرح. فلله ما أعداه قد كان فارسا. ... يفوق على جيش عظيم ويرجح. وقد فرحت أكبادنا وترنمت. ... لعمرك والاكباد بالنصر تفرح. أقمنا بأرض البهنسا بعد فتحها. ... ثلاثين يوما للمساجد نصلح. وصرت إلى أرض الصعيد معاجلا. ... بألفين من خيل الصحابة ترمح. من البهنسا لاسوان جمعا فتحتها. ... بعشر شهور بعدها ليس تلمح. وعندي الثلاثون الذي شاع ذكرها. ... وكل فتى يا صاح بالالف يرجح. ورحنا فتحنا الهند والسند كله. ... وأسيافنا في الغمد لله تسبح. وفي كل أرض عسكر قد تركته. ... يقيمون دين الحق والحق يوضح. وهذا كلام ابن الوليد الذي جرى. ... فكن سامعا معنى الذي لك أشرح. فما مثله في معمع الحرب سيد. ... ولا مثله في جوهر النظم أفصح. ومن بعدذا صلوا على أشرف الورى. ... نبي له كل البرية تجنح. عليك سلام الله ما لاح بارق. ... وما غرد القمري إذ الصبح يطفح. وأصحابه والآل والعترة التي. ... أقاموا لدين الله والشرك زحزحوا. قال الراوي: وصار المسلمون يصعدون إلى البيت ويأخذون الرجال من بين حريمهم من الروم ويقتلونهم حتى كلت سواعدهم من الذبح وجرى الدم في الازقة وصارت القتلى في الشوارع والاسواق مطروحين وخرجت إليهم النصارى والقبط وهم يبكون ويقولون نحن أهل ذمتكم ونحن عوام وتجار وسوقة وكلنا مغلوبون على أمرنا وقتل خيارنا باسيافكم وبقية الأمراء ويقولون هؤلاء قد صاروا رعيتنا وليس لهم بطش فتركوهم وقالوا: بشرط أن تدلونا على من أخفى نفسه في المغاير والمخابي ومن فر من الباب الشرقي وغرق في الماء فدلوهم على الجميع ولم يزالوا يقتلون ذلك اليوم كله وفي اليوم الثاني استدعوا بنجارين يعملون عربات لحمل القتلى من المسلمين وأخذوا دواب أهل السواد من البقر تسحب العربات والفلاحون عملوا عليها وصاروا يضعون كل ثمانية وستة وعشرة في حفيرة ويردون عليم الرمل حتى صاروا تلالا وشهروا قبورهم

стр. 648

ووضعوهم بدروعهم وثيابهم ودمائهم ﵃ وأخذوا ألواح رخام وكتبوا عليها أسماءهم وأنزلوها في مدافن قبورهم ورجعوا إلى قتلى أهل البلد فواراهم أهلهم في قبورهم وكان جملة من قتل من المسلمين في ذلك اليوم نحو أربعمائة وأزيد الاعيان منهم صاغر بن فرقد وعبد الله بن سعيد وعبد الله بن حرملة وعبد الله بن النعمان وعبد الرزاق الانصاري وعبد الرحيم اللخمي وأبو حذيفة اليماني وأبو سلمة الثقفي وأبو زياد اليربوعي وأبو سليمان الداراني وابن أبي دجانة الانصاري وأبو العلاء الحضرمي وأبو كلثوم الخزاعي وأبو مسعود الثقفي وهاشم بن نوفل القرشي وعمارة بن عبد الدار الزهري ومالك بن الحرث وأبو سراقة الجهني والبقية من أخلاط الناس وقتل عند سوق التمارين نحو عشرين ودفنوا هناك وعند سوق الصابون جماعة كثيرة وقريبا من العطارين في جانب القبور نحو أربعين وقريبا من البحر اليوسفي جماعة عند السور ﵃. قال الراوي: ولما وارى المسلمون شهداءهم صعدوا إلى قصر البطليوس والى قصور البطارقة ودورهم ومقاصيرهم فوجدوا فيها من آلية الذهب والفضة ما لا يوصف ومن المتاع والحلى والحلل واللآلىء والنمارق والجواهر والبسط والوسائد والمساند واقتتلت الروم على بغلة محملة عند باب السر فغلبهم المسلمون عليها وأخذوها فإذا عليها صندوقان فيهما أحجار معادن فاشترى رجل من المسلمين من بيت المال حجرا بستة آلاف دينار فباعه على غشوميته بمائة ألف دينار وأخذوا بساط البطليوس وكان مثل بساط كسرى سداه حرير وذهب مرصع بالمعادن فأرسلوه مع الخمس إلى المدينة فجعل لعلي بن أبي طالب فيما حصل له من البساط عشرون ألف دينار وغنمت المسلمون غنائم كثيرة من أواني الذهب والفضة وغير ذلك. قال الراوي: حدثنا عون بن عبيدة عن عبد الحميد بن أبي أمية قال هدم المسلمون القصر والكنيسة وتلك الدور وفتحوا خزائن البطليوس واستخرجوا جميع ما فيها من الذهب والفضة وغير ذلك ولم يتركوا فيها شيئا أبدا وقسم خالد الغنيمة على المسلمين فكان للفارس عشرة آلاف مثقال من الذهب وألف أوقية من فضة ومن الثياب والملبوس وغير ذلك ما لا يوصف ولما دخلوا الكنيسة ورأوا تصاويرها وقناديلها الذهب والفضة والستور الحرير المنقوشة والاعمدة وغير ذلك تعجبوا وقرأ خالد: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] الآية وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فصاح المسلمون بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وقرأ عياض الاشعري: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان:٢٥] إلى قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] وأخربوا تلك البيعة وجعلوا بجانبها مسجدا على أعمدة من الرخام مسقوف عليها بتلك الاخشاب

стр. 649

وهو الجامع الاول قبل بناء حسن بن صالح هذا الجامع الان وبقية الاخشاب والحجارة جعلوا منها مساجد وربطا. قال الواقدي: حدثنا عبد الحميد عن قيس بن مهران عن أبي جعدة قال بمدينة البهنسا أربعون رباطا ومن المساجد ما لا يعد وأخربت الصحابة تلك المعالم وبنوا دورا لأنفسهم واختطوا بها أماكن وشوارع وأقام خالد ومن معه بمدينة البهنسا يصلحون المساجد والربط ويخرجون المعالم شهرا كاملا ثم أخرج الخمس وأرسله لعمرو بن العاص ومن معه من المسلمين وهو نازل بمصر على قدر سهامهم وقال له: أرسل الخمس مع أبي نعيم الانصاري والفضل بن فضالة وأبي دجانة إلى عمر بن الخطاب وهو بالمدينة فلما ورد الكتاب على عمرو بن العاص فرح بذلك فرحا شديدا ثم كتب عمرو لعمر كتابا مع أبي نعيم صحبة كتاب خالد وسير معه ثلاثين صحابيا حتى دخل المدينة ودخل على عمر بن الخطاب فوجد عنده جماعة وقد أخرج لهم قصعا ومناسف من ثريد فلما رآنا عانقنا وتهلل وجهه فرحا وجلسنا كلنا نأكل وهو قائم على رؤوسنا متكى على عصا رسول الله ﷺ فلما فرغنا من الاكل ناولته الكتابين فقرأهما وفرح فرحا شديدا ونادى في الناس الصلاة جامعة فخطب وحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله ﷺ وقرأ عليهم الكتابين واستدعى بالصحابة وقسم عليهم الغنيمة ولم يترك لاهله درهما ولا دينارا ولا ثوبا ﵁ وأخذني ومضى إلى بيته بيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ وأدخلني إليه فإذا فيه فراش من أدم حشوه ليف ووسائد من صوف وقطيفة واحدة فجلست فقال لأم كلثوم: هل عندك شيء من التمر قالت لا إلا اللبن الحامض قال ذلك لي وإن عندنا ضيفا فحضرت بعكة من سمن وقليل من عسل وفطير مع جارية فأكلت قليلا من المذكور وأخرجت الباقي لاصحابي وشرعت أحدثه عن البطليوس وهو تارة يبكي وتارة يضحك من فعله ويبكي على من قتل من المسلمين والأمراء وخرجنا إلى مسجد رسول الله ﷺ بعد ذلك وجاءت الناس يهرعون ويسألون عن أهإليهم منا فأخبرنا عمر مات ومن قتل فضج الناس وأهل المدينة بالبكاء وعلت الاصوات على من قتل وجاء الناس لعلي ولعقيل ولبني هاشم يعزونهم فيمن قتل وأقمنا بالمدينة سبعة أيام ورجعنا إلى مصر بكتاب عمر إلى خالد فأمره بالمسير إلى الصعيد. قال الراوي: هذا ما جرى لهؤلاء وأما خالد ﵁ فإنه بعد شهر ترك أناسا من الصحابة بأرض البهنسا من جميع القبائل وخرج بألفي فارس إلى أرض الصعيد وكانت القبائل من بني هاشم وبني المطلب وبني مخزوم وبني زهرة وبني نزار وبني جهينة وبني مزينة وبني غفار والاوس والخزرج ومذحج وفهر وطي وخزاعة وكان الأمير

стр. 650

عليهم مسلم بن عقيل وأحاطوا بالمساكن وجعلوا بالمدينة أسواقا وشوارع وسكن أكثر الصحابة في جانب البحر اليوسفي وخلوا من الآخر إلى الجانب الغربي شارعا واحدا لأجل أن تسبح دوابهم في البحر وأقام مسلم بن عقيل واليا عليها إلى خلافة عثمان أبن عفان ﵁ فتولى محمد بن جعفر بن أبي طالب بعده ومضى مسلم وترك أولاده واخوته بها ولم يزل في المدينة حتى قتل في خلافة الحسن في الكوفة ﵁ وأقام محمد بن جعفر إلى خلافة علي ﵁ وتولى عليها بعده علي بن عبد الله بن العباس ﵁ إلى خلافة معاوية وكان عبد العزيز بن مروان الاموي واليا وتولى بعده طاهر بن عبد الله وكانت قريش والاشراف بالجهة الغربية ويقال لها حارة الاشراف وكان لكل قبيلة حارة. قال أبو المنهال لما فتحت مدينة البهنسا كانت آهلة بالجند فاجتمعت السوقة والمتسببون من أهل البلد وكانوا أربعين ألفا. قال الواقدي: حدثنا حامد بن المزيد عن أبي صالح عن ابن نوفل المرادي قال كان بمدينة البهنسا أربعمائة يقال حين فتحها يبيعون البقل وغيره وكانت مدينة عظيمة فلما وقع بين بني أمية وبني هاشم ماوقع أخرجوا منها جماعة واختل أكثرها قال: وتسلسل إليها جماعة من العربان حتى جاء الحسن واخوته في خلافة بني العباس فعمر جامعا وأكثر من الزوايا والربط وأقام بها حتى مات. قال: ورجعنا إلى سياق الحديث وخرج خالد بمن معه إلى الصعيد ولم يزل يفتح مدينة بعد مدينة إلى آخر الصعيد إلى عدن وسواكن وليس مقصدنا في هذا الكتاب إلا فتوح البهنسا خاصة التي عليها مدار فضائل السادة الشهداء لأن بتربتها خمسة آلاف صحابي وحضر فتح البهنسا نحو سبعين بدريا من أصحاب رسول الله ﷺ وفي زيارتها تعظم الاجور وقد زارها جماعة من العراق مثل بشر الحافي وسرى السقطي ومالك بن دينار وسحنون وزارها من أقصى المغرب أبو مدين وسعيب وأبو الحجاج وأبو عبد الله وزارها الفضيل بن عياض وروى أن اقليم البهنسا أكثر بركة من جميع الأرض كلها وكان عمرو بن العاص ﵁ يقول أن رسول الله ﷺ قال: ليس بعد مكة والمدينة والأرض المقدسة والطور أرض مباركة إلا أرض مصر والبركة هي في الجانب الغربي. قال: ولعلها البهنسا وكان علي بن الحسن يقول انه ليس بأرض مصر بالوجه القبلي أرض مباركة ولا أكثر بركة من أرض البهنسا وكان أبو علي النوري إذا أتى أرض البهنسا وأتى الجبانة ينزع ثيابه ويتمرغ في الرمل ويقول يا لك من بقعة طالما ثار غبارك في سبيل الله وكان أبو علي الدقاق إذا مر بجبانة البهنسا يقول يا لك من

стр. 651

بقعة ضمت أعضاء رجال وأي رجال طالما عرقت وجوههم في سبيل الله وقتلوا في سبيل الله ومرضاته وقيل للحسن بن صالح لم اخترت هذه البلدة على غيرها قال كيف لا آوي إلى بلد أوى اليها روح الله وكلمته وينزل على جبانتها كل يوم ألف رحمة ولما ولى عبد الله ابن طاهر مصر تجهز وأتى إلى البهنسا فلما قرب من الجبانة ترجل عن جواده وترجل من معه وكان الوالي عليها عبد الله بن الحسين الجعفري فخرج ماشيا وسلم عليه ولما وصل إلى الجبانة قال السلام عليكم يا أحياء الدارين وخير الفريقين ثم التفت إلى أصحابه وقال أن هذه الجبانة ينزل عليها كل يوم مائة رحمة وإنها تزف بأهلها إلى الجنة ومن زارها تتساقط عنه ذنوبه كما يتساقط الورق من على الشجر في يوم ريح عاصف فكان عبد الله بعد ذلك كل يوم يخرج حافيا فيزورها حتى مات ودفن ﵀. قال الراوي: حدثني رجل من أرض البهنسا من أهل الخير والصلاح يسمى عبد الرحمن بن ظهير قال كان لي جار مسرف على نفسه ومات ودفن قريبا من الشهداء الذين بالجانب الغربي فبينما أنا نائم تلك الليلة فرأيته وإذا عليه ثياب من السندس الاخضر وعليه تاج من الجوهر وهو في قبة من نور وحوله جماعة لم أر أحسن منهم وجها ولا ثوبا متقلدين بسيوف وهو بينهم فسلمت عليهم وقلت له يا هذا لقد سرني ما رأيت من حالك فقال: يا هذا لقد نزلت بجوار قوم يحمون النزيل في الدنيا من العار وكيف لا يحمونه في الآخرة من النار وقد استوهبوني من العزيز الغفار غافر الذنوب والاوزار وأسكنني جنات تجري من تحتها الانهار قال ذو النون المصري ﵁ كنت في كل سنة آتى إلى البهنسا وازور الجبانة لما رأيت في ذلك من الأجر والثواب فحصل لي في سنة من السنين عأرض منعني من زيارتها فبينما أنا نائم ليلة من الليالي إذ رأيت رجالا لم أر أحسن منهم وجوها ولا أنقى ثيابا على خيول شهب وبأيديهم رايات خضر ووجوههم تتلألأ أنوارا فسملوا علي وقالوا: قد أوحشتنا يا ذا النون في هذه السنة وإن لم تزرنا زرناك فقلت لهم من أنتم فقالوا: نحن الشهداء الاخيار أصحاب محمد المختار بالبهنسا كنا بأرض الروم لنصرة المسلمين على أعداء الله الكافرين فمررنا بك لنسلم عليك وننظر ما سبب انقطاعك عنا قال في أي أرض أنتم قالوا: نحن سكان جبانة البهنسا ولك علينا حقوق الزيارة لانك من أهل الاشارة فقال لهم: يا سادتي إني لا أعود وحبل الوصال بيننا ممدود وما كنت أعلم أنكم تعلمون من زار وما كنت أظن في نفسي انني بهذا المقدار قالوا: يا ذا النون أما تعلم أن الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وبهذا نطق الكتبا المكنون ثم تركوني ومضوا فاستيقظت وفي قلبي لهيب النار فطوبى لمن زار هؤلاء السادات الاخيار.

стр. 652

قال المؤلف ولقد وضعت في هذا الكتاب كل نادرة عجيبة وحكاية غريبة وهو كتاب كامل المعاني والبيان عظيم القدر والشان لا يفهمه إلا ذوو البصائر والالباب ولا يعقله إلا أهل الخطاب ولا يقرؤه إلا أهل الذوق والمعرفة فهو كالزهر في الرياض لمن اقتطفه نفع به مالكه وكاتبه وقارئه ومستمعه والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين.