← История

История · id 12045

فتوح الشام

الواقدي

Полный текст (652 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عند جميع الناس وبعث خالد كتاب أبي بكر إلى كل باب فقرىء على الناس متأهين وبات الناس متأهبين للحرب يتحارسون إلى الصباح وضرار يطوف حولهم ولا يقف في مكان واحد مخافة أن يكبس بهم العدو. قال الواقدي: ولقد بلغني أن أهل دمشق اجتمعوا إلى كبارهم من البلد وتشاوروا فيما بينهم فقال بعضهم ما لنا إلا الصلح ونعطي العرب جميع ما طلبوه منا وقال اخرون ما نحن بأكثر من جموع اجنادين فقال لهم بطريق من الروم: اطلبوا لنا صهر الملك توما نتشاور في هذا الأمر لنسمع ما يقول: ونطلب منه أن يكشف عنا ما نحن فيه فاما أن يصالحهم واما أن يحامي عنا قال فمضى القوم إلى توما وعليه رجال موكلون بالسلاح فقالوا: لهم ما الذي تريدون فقالوا: نريد صهر الملك توما نشاوره في هذا الأمر قال فأذنوا لهم فدخلوا عليه وقبلوا الأرض بين يديه فقال لهم: ما الذي تريدون فقالوا: أيها السيد انظر ما نزل ببلادنا وقد جاءنا ما لا طاقة لنا به فاما أن نصالح العرب على ما طلبوا واما أن نرسل إلى الملك فينجدنا أو يمانع عنا فقد أشرفنا على الهلاك فلما سمع ذلك منهم تبسم ضاحكا وقال: يا ويلكم أطمعتم العرب فيكم وحق راس الملك ما أرى القوم أهلا للقتال ولا هم خاطرون لي على بال فلو فتح لهم الباب ما جسروا أن يدخلوا فقالوا: أيها السيد أن أكبرهم وأصغرهم يقاتل العشرة والمائة وصاحبهم داهية لا تطاق فإن كان ولا بد فاخرج بنا لقتالهم فقال لهم توما: إنكم أكثر منهم ومدينتنا حصينة ولكم مثل هذا العدد والسلاح وأما القوم فهم حفاة عراة فقالوا له: أيها السيد أن معهم من عددنا واسلحتنا كثيرا مما أخذوه من واقعة فلسطين ومما أخذوه من بصرى ومن يوم لقائهم بكلوس وعزازير ومما أخذوه من أجنادين وأيضا أن نبيهم قال لهم: أن من قتل منا صار إلى الجنة فلاجل ذلك يبقون عراة الأجساد ليصلوا إلى ما قال لهم: نبيهم قال فضحك من قولهم وقال لهم: لاجل ذلك أطمعتم العرب فينا ولو صدقتم في الحرب والصدام لقتلتموهم لانكم اضعافهم مرارا. فقالوا: أيها السيد اكفنا مؤونتهم كيف شئت واعلم إنك أن لم تمنعهم عنا فتحنا لهم الأبواب وصالحناهم فلما سمع توما كلامهم فكر طويلا وخشي أن تفعل القوم ذلك فقال أنا أصرف عنكم هؤلاء العرب واقتل اميرهم وأريد منكم أن تقاتلوا معي قالوا: نحن معك وبين يديك نقاتل حتى نهلك عن أخرنا فقال لهم: باكروا القوم بالقتال فانصرفوا عنه وهم له شاكرون ولامره منتظرون وباتوا بقية ليلتهم على الحصن وأصحاب رسول الله ﷺ في مواضعهم ولهم ضجة بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وخالد بن الوليد عند الدير ومعه النساء والعيال والأموال والغنائم التي غنموها من أعدائهم ورافع بن عميرة على الباب الشرقي في عسكر الزحف وغيرهم ولم يزل الناس.

стр. 72

في الحرس إلى أن برق الصباح وصلى كل أمير بمن معه من قومه وصلى أبو عبيدة بمن معه ثم أمر أصحابه بالزحف وقال لهم: لا تخلوا عن القتال واركبوا الخيل. حدثني رفاعة بن قيس قال سألت والدي قيسا وكان ممن حضر فتوح دمشق الشام فقلت له: أكنتم تقاتلون في دمشق خيالة أو رجالة يوم حصار المسلمين فقال: ما كان أحد منا فارسا إلا زهاء الفي فارس مع ضرار بن الأزور وهو يطوف بهم حول العسكر وحول المدينة وكلما أتى بابا من الأبواب وقف عنده وحرض أهله على القتال وهو يقول: صبرا صبرا لاعداء الله قال: وأقبل توما صهر الملك هرقل من بابه الذي يدعى باسمه وكان عندهم عابدا راهبا ولم يكن في بلاد الشرك أعبد منه ولا أزهد في دينهم وكان معظما عند الروم فخرج ذلك اليوم من قصره والصليب الأعظم على رأسه وعلا به فوق البرج وأوقف البطارقة حوله والإنجيل تحمله ذوو المعرفة قال: ونصبوه بالقرب من الصليب ورفع القوم أصواتهم وتقدم توما ووضع يده على أسطر من الإنجيل وقال اللهم أن كنا على الحق فانصرنا ولا تسلمنا لاعدائنا واخذل الظالم منا فانك به عليم اللهم اننا نتقرب إليك بالصليب ومن صلب على دينه وأظهر الايات الربانية والأفعال اللاهوتية انصرنا على هؤلاء الظالمين قال: وأمن الناس على دعائه قال رفاعة بن قيس هكذا حدثني شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله ﷺ والذي فسر لنا هذا الكلام روماس صاحب بصرى وكان في جيش شرحبيل بن حسنة يقاتل على باب توما وكلما قال الروم شيئا بلغتهم فسره لنا قال ونهض شرحبيل وقصد الباب بحملته وقد عظم عليه قول توما اللعين وقال له: يا لعين لقد كذبت أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابأحياه متى شاء ورفعه متى شاء ثم أن روماس ناوشه بالقتال فقاتل توما قتالا شديدا وهشم الناس بالحجارة ورمى النشاب رميا متداركا فجرح رجالا وكان ممن جرح أبان بن سعيد بن العاص أصابته نشابة وكانت مسمومة فأحس بلهيب السم في بدنه فتأخر وحمله اخوانه إلى أن أتوا به إلى العسكر فأرادوا حل العمامة فقال: لا تحلوها فإن حللتم جرحي تبعتها روحي أما والله لقد رزقني الله ما كنت أتمناه قال فلم يسمعوا قوله وحلوا عمامته فلما حلوها شخص إلى السماء وصار يشير باصبعيه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون فما استتمها حتى توفي إلى رحمة الله تعالى.

стр. 73

بطولة المرأة وكانت زوجته بنت عمه وكان قد تزوجها باجنادين وكانت قريبة العهد من العرس ولم يكن الخصاب ذهب من يدها ولا العطر من رأسها وكانت من المترجلات البازلات من أهل بيت الشجاعة واليراعة فلما سمعت بموت بعلها أتته تتعثر في أذيالها.

стр. 74

إلى أن وقعت عليه فلما نظرته صبرت واحتسبت ولم يسمع منها غير قولها هنئت بما أعطيت ومضيت إلى جوار ربك الذي جمع بيننا ثم فرق ولاجهدن حتى الحق بك فاني لمتشوقة إليك حرام علي أن يمسني بعدك أحد وإني قد حبست نفسي في سبيل الله عسى أن الحق بك وأرجو أن يكون ذلك عاجلا ثم حفر له ودفن مكانه فقبره معروف وصلى عليه خالد بن الوليد فلما غيب في التراب لم تقف على قبره دون أن أتت إلى سلاحه ولحقت الجيش من غير أن تعلم خالدا بذلك وقالت: على أي باب قتل بعلي فقيل لها على باب توما والذي قتله هو صهر الملك قال فسارت إلى أصحاب شرحبيل بن حسنة فاختلطت بهم وقاتلت مع الناس قتالا لم ير مثله وكانت أرمى الناس بالنبل وكان قد جعل لها قوس وكنانة قال شرحبيل بن حسنة رايت يوم حصار دمشق رجلا على باب توما يحمل الصليب وهو أمام توما وهو يشير إليه اللهم انصر هذا الصليب ومن لاذ به اللهم اظهر له نضرته وأعل درجته قال شرحبيل بن حسنة وأنا دائما أنظر إليه إذ رمته زوجة ابان بنبلة فلم تخطىء رميتها وإذا بالصليب قد سقط من يده وهوى إلينا وكأني أنظر لمعان الجوهر من جوانبه فما فينا إلا من بادر إليه ليأخذه وقد استتر بالدرق وتزاحم بعضنا على بعض كل منا يسبق إليه ليأخذه ونظر عدو الله توما إلى ذلك من تنكس الصليب الأعظم واهوائه إلى المسلمين فعند ذلك كفر وعظم عليه الأمر وقال يبلغ الملك أن الصليب الأعظم أخذ مني وملكته العرب لا كان ذلك أبدا ثم إنه حرم وسطه وأخذ سيفه وقال من شاء منكم فليتبعني ومن شاء فليقعد فلابد لي من القوم عسى أن أشفي صدري ثم انحدر مسرعا وأمر بفتح الباب وكان هو أول مبادر فلما نظرت الروم إلى ذلك لم يكن فيهم إلا من انحدر في أثره لما يعلمون من شجاعته وخرجوا كالجراد المنتشر هذا والمسلمون محيطون بالصليب فلما خرج الروم ووقع صياحهم حذر الناس بعضهم بعضا فلما نظر المسلمون إلى الروم سلموا الصليب إلى شرحبيل بن حسنة وانفردا لاعدائهم وحملوا في أعراضهم وأخذهم النشاب والحجارة ومن كل مكان من أعلى الباب فصاح شرحبيل بن حسنة معاشر المسلمين تقهقروا إلى ورائكم لتأمنوا النشاب من أعداء الله العالين على الباب قال فتقهقر الناس إلى ورائهم إلى أن أمنوا من ضرب النشاب فاتبعهم عدو الله توما وهو يضرب يمينا وشمالا وحوله أبطال المشركين من قومه وهو يهدر كالجمل فلما نظر شرحبيل بن حسنة ذلك صرخ بقومه وقال معاشر الناس كونوا آيسين من آجالكم طالبين جنة ربكم وأرضوا خالقكم بفعلكم فإنه لا يرضى منكم بالفرار ولا أن تولوا الأدبار فاحملوا عليهم واقربوا إليهم بارك الله فيكم قال فحمل الناس حملة منكرة واختلط الناس بعضهم ببعض وعملت بينهم السيوف وتراموا بالنبل وتسامع أهل دمشق أن توما خرج إلى العرب من بابه وأن صليبه الأعظم سقط إليهم من كف حامله فجعلوا يهرعون إلى أن تزايد أمرهم وجعل عدو.

стр. 75

الله ينظر يمينا وشمالا وينظر الصليب فحانت منه التفاتة فنظر فرآه مع شرحبيل بن حسنة فلما نظر إليه لم يكن له صبر دون أن حمل وصاح هات الصليب لا أم لك فقد لحقتك بواثقة. قال ونظر شرحبيل بن حسنة إلى عدو الله وهو مقبل فرمى الصليب من يده وصادمه فلما رأى عدو الله الصليب مرميا على الأرض صرخ بأصحابه صرخة هائلة ونظرت زوجة أبان ابن سعيد إلى حملة عدو الله على شرحبيل فقالت: من هذا قيل هو صهر الملك وهو قاتل بعلك أبان بن سعيد فلما سمعت ذلك منهم حملت حملة منكرة إلى أن قاربته ورمته بنبلة وكان الروم أرهبوها فلم تلتفت إليهم دون أن حققت نبلتها على صاحبها وقالت: بسم الله وبركة رسول الله ﷺ ثم أطلقتها وكان عدو الله واصلا إلى شرحبيل إذ جاءته النبلة فأصابت عينه اليمنى فسكنت النبلة فيها فتقهقر إلى ورائه صارخا وهمت بأن ترميه بأخرى فتبادرت إليها الرجال واستتروا بالطوارق وتبادر إليها قوم من المسلمين يحامون عنها فلما أمنت من شر الأعداء أخذت ترمي بالنبل ثم إنها رمت علجا من الروم فأصابت صدره فسقط هاويا إلى الأرض وكان عدو الله أول من تقهقر ذلك اليوم هاربا من شدة حرارة النبلة وصرخ صرخة عظيمة إلى أن دخل الباب ونظر شرحبيل إلى ذلك فصرخ بأصحابه يا ويلكم دونكم وكلب الروم احملوا على الكلاب عسى أن تدركوا عدو الله قال فحمل الناس على الروم إلى أن أوصلوهم إلى الباب فحماهم قومهم من أعلى الباب بالحجارة والنشاب قال فتراجع الناس إلى مواضعهم وقد قتلوا من الروم مقتلة عظيمة وأخذوا أسلابهم وأموالهم وصليبهم ودخل عدو الله توما إلى المدينة وأغلقوا الأبواب وجاء الحكماء يعالجون في قلع النبلة من عينه فلم تطلع فجذبوها فلم تنجذب وهو يضج بالصراخ فلما طال على القوم ذلك ولم يجدوا حيلة في اخراجها نشروها وبقي النصل في عينه ولم تزل في مكانها وسألوه المسير إلى منزله فأبى وجلس داخل الباب إلى أن سكن ما به وخف عنه الألم فقالوا له: عد إلى منزلك بقية ليلتك فقد نكبنا في يومنا هذا نكبتين نكبة الصليب ونكبة عنيك كل هذا مما وصل إلينا من النبال وقد علمنا أن القوم لا يصطلي لهم بنار وقد سألناك أن نصالح القوم على ما طلبوه منا قال فغضب توما من قولهم وقال: يا ويلكم يؤخذ الصليب الأعظم وأصاب بعيني وأغفل عن هذا ويبلغ الملك عني ذلك فينسبني للوهن والعجز ولا بد من طلبهم على كل حال وآخذ صليبي وآخذ في عيني ألف عين منهم وسأوقع حيلة أصل بها إلى كبيرهم وآخذ جميع ما غنموه وبعد ذلك اسير إلى صاحبهم الذي هو في الحجاز وأقطع آثاره وأخرب دياره وأهدم مساكنه وأجعل بلده مسكنا للوحوش ثم أن الملعون سار إلى أعلى السور وهو معصوب العين وصار يحرض الناس لكي يزيل عن قلوبهم الرعب وأقبل يقول لهم: لا تفزعوا ولا تجزعوا مما ظهر.

стр. 76

لكم من العرب ولا بد للصليب أن يرميهم وأنا الضامن لكم قال فثبت القوم من قومه وحاربوا حربا شديدا وبعث شرحبيل بن حسنة إلى خالد بن الوليد يخبره بما صنع مع القوم فقال الرسول أن عدو الله توما قد ظهر لنا منه ما لم يكن في الحساب ونطلب منك رجالا لأن الحرب عندنا أكثر من كل باب فلما سمع خالد ذلك الخبر حمدالله وقال كيف أخذتم الصليب من الروم فقال الرسول كان يحمل صليب الروم رجل وهو أمام توما صهر الملك فرمته زوجة أبان بنبلة فوقع الصليب إلينا وخرج عدو الله فرمته زوجة أبان بنبلة فاشتبكت في عين توما اليمنى. فقال خالد: أن توما عند الملك معظم وهو الذي يمنعهم عن الصلح ونرجو من الله أن يكفينا شره ثم قال للرسول عد إلى شرحبيل وقل له كن حافظا ما أمرتك به فكل فرقة مشغولة عنك ولم تؤت من قبلهم وأنا بالقرب منك وهذا ضرار بن الأزور يطوف حول المدينة وكل وقت عندك قال فرجع الرسول فأخبره بذلك فصبر وقاتل بقية يومه ووصل الخبر إلى أبي عبيدة بما نزل بشرحبيل بن حسنة من توما وبما غنم من صليبه فسر بذلك قال ولما أصبح الصباح بعث توما إلى أكابر دمشق وأبطالهم فلما حضروا بين يديه قال لهم: يا أهل دين النصراينة إنه قد طاف عليكم قوم لا أمان لهم ولا عهد لهم وقد أتوا يسكنون بلادكم فكيف صبركم على ذلك وعلى هتك الحريم وسبي الأولاد وتكون نساؤكم جواري لهم وأولادكم عبيدا لهم وما وقع الصليب إلا غضبا عليكم مما اضمرتم لهذا الدين من مصالحة المسلمين واذلالكم للصليب وأنا قد خرجت ولولا إني أصبت بعيني لما عدت حتى أفرغ منهم ولا بد من أخذ ثأري وأن اقلع ألف عين من العرب ثم لابد أن أصل إلى الصليب وأطالبهم به عن قريب فلما سمعوا كلامه قالوا له: ها نحن بين يديك وقد رضينا بما رضيت لنفسك فإن امرتنا بالخروج خرجنا معك وأن أمرتنا بالقتال قاتلنا فقال توما اعلموا أن من خاض الحروب لم يخف من شيء وإني قد عزمت على أن أهجم هذه الليلة واكبسهم في أماكنهم فإن الليل مهيب وانتم أخبر بالبلد من غيركم فلم يبق الليلة فيكم أحد حتى يتأهب للحرب ويخرج من الباب وأرجو أن لا أعود حتى تنقضي الاشغال فإذا فرغت من القوم أخذت أميرهم اسيرا وأحمله إلى الملك يأمر فيه بأمره فقالوا: حبا وكرامة فعند ذلك فرق القوم على الباب الشرقي فرقة وعلى باب الجابية فرقة وعلى كل باب جماعة وقال لهم: لا تجزعوا فإن أمير القوم متباعد عنكم وليس هناك إلا الأراذل والموالي فاطحنوهم طحن الحصيد قال ودعا بفرقة أخرى إلى باب الفراديس إلى عمرو بن العاص وخرج توما من بابه واخذ معه أبطال القوم ولم يترك بطلا يعرف بالشجاعة إلا أخذه معه ورتب على الباب ناقوسا وقال لهم: إذا سمعتم الناقوس فهي العلامة التي بيننا فافتحوا الأبواب واخرجوا مسرعين إلى اعدائكم ولا تجدوا رجالا نياما إلا وتطعون السيف فيهم فإن فعلتم ذلك فرقتم جمعهم.

стр. 77

في هذه الليلة وانكسروا كسرة لا يجبرون بعدها أبدا قال ففرح القوم بذلك وخرجوا إلى حيث أمرهم وقعدت كل فرقة على بابها وأقاموا ينتظرون صوت الناقوس ليبادروا إلى المسلمين قال ودعا توما برجل من الروم قال له: خذ ناقوسا واعل به على الباب فإذا رأيتنا قد فتحنا الباب فاضرب الناقوس ضربة خفيفة يسمعها قومنا وقد سار توما بقطعة من جيشه عليهم الدروع وبأيديهم السيوف وتوما في أوائلهم وبيده صفيحة هندية والقى على رأسه بيضة كسروية كان هرقل قد أهداها له وكانت لا تعمل فيها السيوف القواطع حتى وصل إلى الباب ثم وقف حتى تكامل القوم فلما نظر إليهم قال: يا قوم فتحنا لكم الباب فأسرعوا إلى عدوكم وجدوا في سعيكم إلى أن تصلوا إلى القوم فإذا وصلتم إليهم فاحملوا ومكنوا السيوف فيهم ومن صاح منهم بالأمان فلا تبقوا عليه إلا أن يكون أمير القوم ومن أبصر منكم الصليب فليأخذه فقالوا: حبا وكرامة.

стр. 78

القتال من فوق الاسوار ثم أمر رجلا من أصحابه أن يسير إلى الذي بيده الناقوس ويأمره أن يضربه ضربة خفيفة ثم فتح الباب وتبادر الرجال إلى أصحاب رسول الله ﷺ وهم في غفلة مما دبر القوم لهم إلا إنهم في يقظة فلما سمعوا الصوت أيقظ بعضهم بعضا وتواثبت الرجال من أماكنهم كالأسود الضارية فلم يصل إليهم العدو إلا وهم على حذر وحملوا عليهم وهم في غير ترتيب فتقاتل القوم في جنح الظلام وعمل السيف وسمع خالد بن الوليد فقام ذاهل العقل مما سمع من الزعقات فصاح واغوثاه واسلاماه كيد قومى ورب الكعبة اللهم انظر لهم بعينك التي لا تنام وانصرهم يا أرحم الراحمين وسار خالد ومن معه وهم أربعمائة فارس من أصحابه وهو بغير درع قد لبس ثوب كتان من عمل الشام مكشوف الرأس ثم جد في السير والأربعمائة فارس معه كأنهم الليوث العوابس إلى أن وصلوا إلى الباب الشرقي وإذا بالفرقة التي هناك قد هاجمت أصحاب رافع بن عميرة الطائي قال وأصوات المسلمين عالية بالتهليل والتكبير والقوم من أعلى الاسوار قد أشرفوا وتصايحوا عندما استيقظ لهم المسلمون فحمل خالد بن الوليد على الروم ونادى برفع صوته أبشروا يا معشر المسلمين أتاكم الغوث من رب العالمين أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد وحمل في أوساط الناس بمن معه فجندل أبطالا وقتل رجالا وهو مع ذلك مشتغل القلب على أبي عبيدة والمسلمين الذين على الأبواب وهو يسمع اصواتهم وزعقاتهم قال وتصايح الروم والنصارى واليهود. قال سنان بن عوف قلت لابن عمي: قيس هل كانت إليهود تقاتلكم قال: نعم يقاتلوننا من أعلى الاسوار ويرمون بالسهام وخشى خالد على شرحبيل ابن حسنة مما وصل إليه من عدو الله توما لانه ملازما الباب وقال لقي شرحبيل بن حسنة من عدو الله.

стр. 79

توما أمرا عظيما لم يلق أحد مثله وذلك إنه هجم عليه توما في تلك اليلة وكان أول من وصل إلى المسلمين عدو الله توما قال فصبروا له صبر الكرام وقاتل عدو الله قتالا شديدا وهو ينادي أين أميركم الذميم الذي أصابني أنا ركن الملك الرحيم أنا ناصر الصليب قال فلما سمع شرحبيل صوته قصد جهته وقد جرح رجالا من المسلمين وقال ها أنا صاحبك وغريمك أنا مبيد جمعكم وآخذ صليبكم أنا كاتب وحي رسول الله ﷺ فعطف عليه توما عطفة الاسد ورأى من شرحبيل بن حسنة أمرا هائلا ولم يزالوا كذلك إلى أن زال من الليل شطره وكل قرن مع قرنه وكانت زوجة ابان مع شرحبيل وكانت في تلك الليلةأحسن الناس صبرا ورمت بنبالها وكانت لا تقع نبلة من نبالها إلا في رجل من المشركين إلى أن قتلت من الروم مقتلة عظيمة بالنبال والروم يتحايدون عنها إلى أن لاح رجل من الروم فرمته بنبلة فبقيت معلقة في نحره قال فصرخ بالروم فهاجموها وأخذوها أسيرة ومات عدو الله الذي رمته قال ولقي شرحبيل من الروم مالا يلقاهأحد وانه ضرب توما ضربة هائلة فتلقاها الملعون بدرقته فانكسر سيف شرحبيل فطمع عدو الله فيه وحمل عليه وظن إنه يأخذه اسيرا وإذا بفارسين قد أشرفا من ورائهما مع كبكبة من الفرسان فهجموا على الروم ونظروا وإذا بزوجة ابان قد خلصت وهجمت على الروم وهتفت فلحقها فارسان فبرز لهما عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ وأبان بن عثمان بن عفان ﵁ فقتلا الرجلين ورجع عدو الله توما هاربا إلى المدينة. قال حدثني تميم بن عدي وكان ممن شهد الفتوحات قال كنت في خيمة أبي عبيدة وذلك أن أبا عبيدة كان يصلي فيها إذ سمع الصياح فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم لبس سلاحه ورتب قومه ودنا من القوم فنظر إليهم وهم في المعمعة والحرب وعدل عنهم ميسرة وميمنة إلى أن جاوزهم وعطف نحو الباب وكبر وكبر المسلمون فلما سمع المشركون تكبيرهم ظنوا أن المسلمين قد دهموهم من ورائهم في جمع كثير فولوا راجعين فتلقاهم أبو عبيدة وقومه واخذوا عليهم المجاز وبذل أبو عبيدة السيف فيهم. قال الواقدي: ولقد بلغني إنه ما سلم من الروم تلك الليلةأحد من الذين هم غرماء أبي عبيدة ولقد قتلوا عن آخرهم فبينما هم في القتال إذ أشرف عليهم ضرار بن الأزور وهو ملطخ بالدماء فقال له خالد: ما وراءك يا ضرار فقال أبشر أيها الأمير ما جئتك حتى قتلت في ليلتي هذه مائة وخمسين رجلا وقتل قومي ما لايعد ولا يحصى وقد كفيتكم مؤنة من خرج من الباب الصغير إلى يزيد بن أبي سفيان ثم عطفت إلى سائر الأبواب فقتلت خلقا كثيرا قال فسر بذلك خالد بن الوليد ثم ساروا جميعا حتى أتوا.

стр. 80

شرحبيل بن حسنة وشكروا فعله وكانت ليلة مقمرة ولم يلق مثلها الناس فقتلوا في تلك الليلة ألوفا من الروم قال فاجتمع كبار أهل دمشق إلى توما وقالوا له: أيها السيد أنا قد نصحناك فلم تسمع لقولنا وقد قتل منا أكثر الناس وهذا أمير لا يطاق يعني خالد بن الوليد فصالح فهو أصلح لك ولنا وأن لم تصالح صالحنا وأنت وشأنك فقال: يا قوم أمهلوني حتى أكتب إلى الملك واعلمه بما نزل بنا فكتب من وقته وساعته كتابا يقول فيه: إلى الملك الرحيم من صهرك توما أما بعد فإن العرب محدقون بنا كاحداق البياض بسواد العين وقد قتلوا أهل اجنادين ورجعوا إلينا وقد قتلوا منا مقتلة عظيمة وقد خرجت إليهم وأصيبت عيني وقد عزمت على الصلح ودفع الجزية للعرب فاما أن تسير بنفسك واما أن ترسل لنا عسكرا تنجدنا بهم واما أن تأمرنا بالصلح مع القوم فقد تزايد الأمر علينا ثم طوى الكتاب وختمه وبعث به قبل الصباح. فلما أصبح الصباح باكرهم المسلمون بالقتال وبعث خالد لكل أمير أن يزحف من مكانه فركب أبو عبيدة ووقع القتال واشتد الأمر على أهل دمشق فبعثوا لخالد أن أمهلنا فأبى إلا القتال ولم يزل كذلك إلى أن ضاق بهم الحصار وهم ينتظرون أمر الملك واجتمع أهل البلد وقالوا: لبعضهم ما لنا صبر على ما نحن فيه من الأمر وأن هؤلاء أن قاتلناهم نصروا علينا وأن تركناهم أضر بنا الحصار فاطلبوا من القوم صلحا على ما طلبوه منكم فقال لهم شيخ كبير من الروم وقد قرأ الكتب السالفة: يا قوم والله إني أعلم إنه لو أتى الملك في جيشه جميعا لما منعوا عنكم هؤلاء لما قرأت في الكتاب أن صاحبهم محمدا خاتم المرسلين سيظهر دينه على كل دين فأطيعوا القوم وأعطوهم ما طلبوا منكم فهو وافق لكم فلما سمع القوم مقالات الشيخ ركنوا إليه لما يعلمون من علمه ومعرفته بالاخبار والملاحم فقالوا: كيف الرأي عندك فنحن نعلم أن هذا الأمير الذي على باب شرقي رجل سفاك للدماء فقال لهم: أن أردتم تقارب الأمر فامضوا إلى الذي على باب الجابية وليتكلم رجل يعرف بالعربية ويقول بصوت رفيع: يا معاشر العرب الأمان حتى ننزل إليكم ونتكلم مع صاحبكم قال أبو هريرة ﵁ وكان أبو عبيدة قد انفذ رجالا من المسلمين مكثرا بالقرب من الباب مخافة الكبسة مثل الليلة التي خلت وكانت النوبة تلك الليلة لبني دوس والأمير عليها عامر بن الطفيل الدوسي قال فبينما نحن جلوس في مواضعنا من الباب إذ سمعنا اصوات القوم وهم ينادون قال أبو هريرة فلما سمعت بادرت إلى أبي عبيدة قال وبشرته بذلك فاستبشر وقال أمض وكلم القوم وقل لهم لكم الأمان قال فأتيت القوم وبشرتهم بالأمان فقالوا: من أنت. فقلت: أنا أبو هريرة صاحب رسول الله ﷺ ولو أن عبيدا أعطوكم الأمان والذمام ونحن في الجاهلية لما غدرنا فكيف وقد هدانا الله إلى دين الإسلام قال فنزل القوم.

стр. 81

وفتحوا الباب واذ هم مائة رجل من كبرائهم وعلمائهم فلما قربوا من عسكر أبي عبيدة تبادر إليهم وأزلوا عنهم الصلبان إلى أن وصلوا خيمة أبي عبيدة فرحب بهم وأجلسهم وقال أن نبينا محمدا ﷺ قال: "إذا أتاكم عزيز قوم فأكرموه وتكلموا في أمر الصلح" وقالوا: أنا نريد منكم أن تتركوا كنائسنا ولا تنقضوا علينا منها كنيسة وهي الجامع الآن بدمشق فقال لهم أبو عبيدة: جميع الكنائس لا يؤمر بهدمها قال وكان في دمشق كنائس واحدة تسمى كنيسة مريم وكنيسة حنا وكنيسة سوق الليل وكنيسة انذار وهي عند دار عبد الرحمن ذرة فكتب لهم أبو عبيدة كتاب الصلح والأمان ولم يسم فيه اسمه ولا اثبت شهودا وذلك لانه لم يكن أمير المؤمنين فلما كتب لهم الكتاب تسلموه منه وقالوا له: قم معنا إلى البلد قال فقام أبو عبيدة وركب معه أبو هريرة ومعاذ بن جبل ونعيم بن عمرو وعبد الله بن عمرو الدوسي وذو الكلاع الحميري وحسان بن النعمان وجرير بن نوفل الحميري وسيف بن سلمة ومعمر بن خليفة وربيعة بن مالك والمغيرة بن شعبة وأبو لبابة بن المنذر وعوف بن ساعدة وعامر بن قيس وعبادة بن عتيبة وبشر بن عامر وعبد الله بن قرط الاسدي وجملتهم خمسة وثلاثون صحابيا من اعيان الصحابة ﵃ وخمسة وستون من أخلاط الناس فلما ركبوا وتقدموا نحو الباب قال أبو عبيدة: أريد منكم رهائن حتى ندخل معكم فأتوه برهائن وقيل أن أبا عبيدة رأى في منامه أن رسول الله ﷺ يقول له: تفتح المدينة أن شاء الله تعالى في هذه الليلة فقلت: يا رسول الله أراك على عجل قال: لاحضر جنازة أبي بكر الصديق قال فاستيقظت من المنام. قال الواقدي: وقد بلغني أن أبا عبيدة لما دخل دمشق بأصحابه سارت القسس والرهبان بين يديه على مسرح الشعر وقد رفعوا الإنجيل والمباخر بالند والعود ودخل أبو عبيدة من باب الجابية ولم يعلم خالد بن الوليد لانه شد عليهم بالقتال قال وكان هناك قسيس من قسس الروم اسمه يونس بن مرقص وكانت داره ملاصقة للسور مما يلي باب شرقي الذي عنده خالد وكان عنده ملاحم دانيال ﵇ وكان فيها أن الله تعالى يفتح البلاد على يد الصحابة ويعلو دينهم على كل دين فلما كانت تلك الليلة نقب يونس من داره وحفر موضعا وخرج على حين غفلة من أهله واولاده وقصد خالدا وحدثه إنه خرج من داره وحفر موضعا والآن أريد أمانا لي ولاهلي ولاولادي قال فأخذ خالد عهده على ذلك وانفذ معه مائة رجل من المسلمين أكثرهم من حمير وقال لهم: إذا وصلتم المدينة فارفعوا أصواتكم بأجمعكم واقصدوا الباب واكسروا الأقفال وأزيلوا السلاسل حتى تدخلوا أن شاء الله تعالى قال ففعل القوم ما أمرهم به خالد ﵁ وساروا ومضى أمامهم يونس بن مرقص حتى دخل بهم من حيث خرج فلما حطوا في داره تدرعوا واحترسوا ثم خرجوا وقصدوا الباب واعلنوا بالتكبير قال فلما سمع.

стр. 82

المشركون التكبير ذهلوا وعلموا أن أصحاب رسول الله ﷺ حطوا معهم في المدينة وأن أصحاب رسول الله ﷺ قصدوا الباب وكسروا الأقفال وقطعوا السلاسل ودخل خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين ووضعوا السيف في الروم وهم مختلفون بين يديه إلى أن وصل إلى كنيسة مريم وخالد بن الوليد يأسر ويقتل. قال الواقدي: والتقي الجمعان عند الكنيسة جيش خالد وجيش أبي عبيدة وأصحابه سائرون والرهبان سائرون بين ايديهم وما أحد من أصحاب أبي عبيدة جرد سيفه فلما نظر خالد إليهم ورأى أن لا أحد منهم جرد سيفه بهت وجعل ينظر إليهم متعجبا قال فنظر إليه أبو عبيدة وعرف في وجهه الإنكار فقال أبا سليمان قد فتح الله على يدي المدينة صلحا وكفى الله المؤمنين القتال. قال الواقدي: ما خاطب أبو عبيدة خالدا يوم الفتح بدمشق إلا بالأمارة فقال: أيها الأمير قد تم الصلح فقال خالد: وما الصلح لا أصلح الله بالهم وأنى لهم الصلح وقد فتحتها بالسيف وقد خضبت سيوف المسليمن من دمائهم وأخذت الأولاد عبيدا وقد نهبت الأموال فقال أبو عبيدة: أيها الأمير اعلم إني ما دخلتها إلا بالصلح فقال له خالد بن الوليد: إنك لم تزل مغفلا وأنا ما دخلتها إلا بالسيف عنوة وما بقي لهم حماية فكيف صالحتهم قال أبو عبيدة: اتق الله أيها الأمير والله لقد صالحت القوم ونفذ السهم بما هو فيه وكتب لهم الكتاب وهو مع القوم فقال خالد: وكيف صالحتهم من غير أمري وأنا صاحب رايتك والأمير عليك ولا أرفع السيف عنهم حتى افنيهم عن آخرهم فقال أبو عبيدة: والله ما ظننت أن تخالفني إذا عقدت عقدا ورأيت رأيا فالله الله في أمري فوالله لقد حقنت دماء القوم عن آخرهم واعطيتهم الأمان من الله ﷻ وامان رسول الله ﷺ وقد رضي من معي من المسلمين والغدر ليس من شيمنا قال وارتفع الصياح بينهما وقد شخص الناس إليهما وخالد مع ذلك لا يرجع عن مراده ونظر أبو عبيدة إلى ذلك فرأى أصحاب رسول الله ﷺ مع خالد وهم جيش البوادي من العرب مشتبكون على قتال الروم ونهب أموالهم قال فنادى أبو عبيدة واثكلاه خفرت الله ونقض عهدى وجعل يحرك جواده ويشير إلى العرب مرة يمينا ومرة شمالا وينادي معاشر المسلمين اقسمت عليكم برسول الله ﷺ أن لا تمدوا ايديكم نحو الطريق الذي جئت منه حتى نرى ما نتفق أنا وخالد عليه فلما دعاهم بذلك سكتوا عن القتل والنهب واجتمع إليهما فرسان المسلمين والأمراء وأصحاب الرايات مثل معاذ بن جبل ﵁ ويزيد بن أبي سفيان ﵁ وعمرو ابن العاص ﵁ وشرحبيل بن حسنة ﵁ وربيعة بن عامر ﵁ وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ أجمعين ونظرائهم والتقوا عند الكنائس.

стр. 83

واجتمع هناك فرسان للمشورة والمناظرة فقالت طائفة من المسلمين: منهم معاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان الرأي أن تمضي إلى ما أمضاه أبو عبيدة بن الجراح وتكفوا عن القتال للقوم فإن مدن الشام لم تفتح ابدا وهرقل في انطاكية كما تعلمون وأن علم أهل المدن صالحتهم وغدرتم لم تفتح لكم مدينة صلحا ولأن تجعلوا هؤلاء الروم في صلحكم خير من قتلهم ثم قالوا: لخالد أمسك عليك ما فتحت بالسيف ويعينك أبو عبيدة بجانبه واكتبا إلى الخليفة وتحاكما إليه فكل ما أمر به فعلناه فقال لهم خالد بن الوليد: قد أجبت إلى ذلك وقبلت مشورتكم فأما أهل دمشق فقد امنتهم إلا هذين اللعينين توما وهربيس وكان هربيس هو المؤمر على نصف البلدة ولاه توما حين رجع الأمر إليه فقال أبو عبيدة: أن هذين أول من دخل في صلحي فلا تخفر ذمتي رحمك الله تعالى فقال خالد: والله لولا ذمامك لقتلتهما جميعا ولكن يخرجان من الأمير أبا سليمان قوله قول وعهده عهد ولا يقول: إلا الصدق قال فانطلق توما إلى المدينة فلعنهما الله حيث سارا. قال أبو عبيدة: وعلى هذا صالحتهما قال ونظر توما وهربيس إلى خالد وهو يتنازع مع أبي عبيدة فخافا الهلاك فأقبلا على أبي عبيدة ومعهما من يترجم عنهما وقالا له ما يقول: هذا يعني خالدا قال الترجمان لأبي عبيدة ما نقول أنت وصاحبك فيه من المشاورة أن صاحبك هذا يريد غدرنا فنحن واهل المدينة دخلنا في عهدكم ونقض العهد ما هو من شيمكم وإني أسألكم أن تدعوني أن أخرج أنا وأصحابي واسلك أي طريق أردت فقال أنت في ذمتنا فاسلك أي طريق شئت فإذا صرت في أرض تملكونها فقد خرجت من ذمتنا أنت ومن معك فقال توما وهربيس نحن في ذمتكم وجواركم ثلاثة أيام أي طريق سلكنا فاذ كان بعد ثلاثة أيام فلا ذمة لنا عندكم فمن لقينا منكم بعد ثلاثة أيام وظفر بنا فنحن لهم عبيد أن شاء اسرنا وأن شاء قتلنا فقال خالد: قد اجبناك إلى ذلك لكن لا تحملوا معكم من هذا البلد إلا الزاد الذي تتقوتون به قال أبو عبيدة لخالد: هذا كلام داع لنقض العهد والصلح إنما وقع بيننا إنهم يخرجون برجالهم وأموالهم فقال خالد: سمحت لهم بذلك إلا الحلقة يعني السلاح فاني لا أطلق لهم شيئا من ذلك فقال توما لا بد لنا من السلاح نمنع به عن أنفسنا في طريقنا أن طرقنا طارق حتى نصل إلى بلدنا وإلا فنحن بين ايديكم فاحكموا فينا بما أردتم فقال أبو عبيدة: اطلق لكل واحد قطعة من السلاح أن أخذ سيفا فلا يأخذ رمحا وأن أخذ رمحا فلا يأخذ سيفا وأن أخذ قوسا فلا يأخذ سكينا فقال توما لما سمع منهم ذلك الكلام قد رضينا بذلك وما يريد كل واحد منا إلا قطعة من السلاح لا غير ثم قال توما لأبي عبيدة إني خائف من هذا الرجل اعني خالد بن الوليد فليكتب لي بذلك قال أبو عبيدة: ثكلتك امك أنا معاشر العرب لا نغدر ولا نكذب وأن الأمير أبا سليمان قوله قول وعهده عهد ولا يقول: إلا الصدق قال فانطلق توما وهربيس يجمعان قومهما.

стр. 84

ويأمرانهم بالخروج قال وكان الملك له خزانة ديباج وهربيس يجمعان قومهما ويأمرانهم بالخروج قال وكان الملك له خزانة ديباج في دمشق فيها زهاء من ثلاثمائة حمل ديباج وحل مذهبة فعزم على اخراجها وامر توما فضربت له خيمة من القز ظاهر دمشق وأقبلت الروم تخرج الأمتعة والأموال والأحمال حتى اخرجوا شيئا عظيما فنظر خالد بن الوليد إلى كثرةأحمالهم فقال: ما اعظم رحالهم ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف:٣٣] الاية ثم نظر خالد إلى القوم كانهم حمر مستنفرة ولم يلتفتأحد إلى أخيه من شدة عجلتهم فلما نظر خالد إلى ذلك رفع يديه إلى السماء وقال اللهم جعله لنا وملكنا إياه واجعل هذه الأمتعة قوتا للمسلمين آمين إنك سميع الدعاء ثم اقبل على أصحابه وقال لهم: إني رأيت أنا رأيا فهل انتم تتبعوني عليه فقالوا: نتبعك ولا نخالف لك امرا فقال خالد: قوموا بخيولكم حق القيام واحسنوا إليها ما استطعتم وانجزوا سلاحكم فاني اسير بكم بعد ثلاثة أيام في مطلب هؤلاء القوم وارجو من الله أن يغنمنا هذه الغنيمة والأموال التي رأيتموها وأن نفسي تحدثني أن القوم ما تركوا في دمشق متاعا ولا ثوبا حسنا إلا وقد أخذوه معهم. فقالوا: افعل ما تريد فما نخالف لك أمرا ثم أخذوا في اصلاح شأنهم وتوما وهربيس قد جمعوا مال الرساتيق وجميع المال فلما جمعوه جاءوا به إلى أبي عبيدة فقال لهم: وفيتم بما عليكم فسيروا حيث شئتم فلكم الأمان منا ثلاثة أيام قال يزيد ابن ظريف فلما سلموا المال لأبي عبيدة ارتحلوا سائرين كأنهم سواد مظلم وكان قد خرج مع القوم خلق كثير من أهل دمشق بأولادهم وكرهوا أن يكونوا في جوار المسلمين قال واشتغل خالد عن اتباعهم بخلاف ما وقع بينهم وبين أهل دمشق في حنطة وشعير وجدوا في المدينة منه شيئا كثيرا فقال أبو عبيدة: هو للقوم دخل في صلحهم فكادت القتنة أن تثور بين أصحاب خالد وبين أصحاب أبي عبيدة واتفق رأيهم أن يكتبوا كتابا إلى أبي بكر الصديق ﵁ في ذلك وليس عندهم خبر إنه مات يوم دخولهم دمشق. قال عطية بن عامر كنت واقفا على باب دمشق في اليوم الذي سارت فيه الروم مع توما وهربيس ومعهم ابنة الملك هرقل قال فنظرت إلى ضرار بن الأزور وهو ينظر إلى القوم شزرا ويتحسر على ما فاته منهم فقلت له: يا ابن الأزور مالي اراك كالمتحسر أما عند الله أكثر من ذلك فقال والله ما أعني مالا وإنما أنا متأسف على بقائهم وانفلاتهم منا ولقد أساء أبو عبيدة فيما فعل بالمسلمين فقلت: يا بان الأزور ما أراد أمين الأمة إلا خيرا للمسلمين أن يحقن دمائهم وازواجهم من تعب القتال فإن حرمة رجل واحد خير مما طلعت عليه الشمس وأن الله اسكن الرحمة في قلوب المؤمنين وأن الرب يقول في بعض الكتب المنزلة: إن الرب لا يرحم من لا يرحم.

стр. 85

وقال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] فقال ضرار لعمري إنك لصادق ولكن اشهدوا علي إني لا ارحم من يجعل له زوجة وولدا. قال حدثني عمر بن عيسى عن عبد الواحد بن عبد الله البصري عن وائلة بن الاسقع قال كنت مع خالد بن الوليد في جيش دمشق وكان قد جعلني مع ضرار بن الأزور في الخيل التي تجوب من باب شرقي إلى باب توما إلى باب السلامة إلى باب الجابية إلى باب الصغير إلى باب قيان إذ سمعنا صرير الباب وذلك قبل فتوح الشام وإذا به قد خرج منه فارس فتركناه حتى قرب منا فأخذنا قبضا بالكف وقلنا أن تكلمت قتلناك فسكت وإذا قد خرج فارس اخر قام على الباب وجعل ينادي بالذي قد أخذناه فقلنا له كلمه حتى يأتي قال فرطن له بالرومية أن الطير في الشبكة فعلم إنه قد اسر فرجع وأغلق الباب قال فاردنا قتله فقال بعضنا لا تقتلوه حتى نمضي به إلى خالد الأمير قال فأتينا به خالدا فلما نظر إليه قال له: من أنت قال له: أنا من الروم وإني تزوجت بجارية من قومي قبل نزولكم عليهم وكنت أحبها فلما طال علينا حصاركم سألت أهلها أن يزفوها علي فأبوا ذلك وقالوا: إن بنا شغلا عن زفافك وكنتأحب أن القاها ولنا في المدينة ملاعب نلعب فيها فوعدتها أن نخرج إلى الملاعب فخرجت وتحدثنا فسألتني أن اخرج بها إلى خارج المدينة ففتحنا الباب وخرجت انظر اخباركم فأخذني أصحابك فنادتني فقلت: إن الطير وقع في الشبكة احذرها منكم مخافة عليها ولو كان غيرها لهان علي ذلك فقال خالد: ما تقول في الإسلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمدا رسول الله فكان يقاتل معنا قتالا شديدا فلما دخلنا المدينة صلحا أقبل يطلب زوجته فقيل له إنها لبست ثياب الرهبانية فأقبل إليها وهي لا تعرفه فقال لها: ما حملك على الرهبانية قالت: حملني على ذلك إني غررت بزوجي حتى أخذته العرب وترهبنت حزنا عليه قال أنا زوجك وقد دخل في دين العرب قال فلما سمعت ذلك قالت: وما تريد قال أن تكوني في الذمة فقال وحق المسيح لا كان ذلك ابدا ومالي إلى ذلك سبيل وخرجت مع البطريق توما فلما نظر إلى امتناعها أقبل إلى خالد بن الوليد فشكا له حاله. فقال له خالد: إن أبا عبيدة فتح المدينة صلحا ولا سبيل لك إليها ولما علم أن خالدا يسير وراء القوم فقال أسير معه لعلي اقع بها وأقام خالد بدمشق إلى اليوم الرابع ثم اقبل إليه يونس الدمشقي زوج الجارية وقال: أيها الأمير قد عزمت على المسير في طلب هذين العينين توما وهربيس واخذ ما معها قال بلى فقال له: وما الذي اقعدك عن ذلك قال بعد القوم وبيننا وبينهم أربعة أيام بلياليها وهم يسيرون سير الخوف وما يمكن اللحاق بهم فقال يونس أن كان تخلفك لبعد المسافة بيننا وبينهم فأنا.

стр. 86

أعرف الديار وأسلك طريقا فنلحقهم إن شاء الله تعالى ولكن البسوا زي لخم وجذام وهو العرب المتنصرة وخذوا الزاد وسيروا قال فسار خالد واخذ عساكر الزحف وهم أربعة آلاف فارس فامرهم أن يسيروا ويخففوا حمل الزاد ففعلوا ذلك وخالد ومن معه قد ساروا ويونس الدليل امامهم وهو يتبع آثار القوم وقد أوصى خالد أبا عبيدة على المدينة والمسلمين قال زيد بن طريف وكان يونس دليلنا قال فرأى آثار القوم وإنهم إذا سقط منهم حمل جمل تركوه وسار خالد ومن معه كلما دخلوا بلدا من بلاد الروم يظنون إنهم من العرب المتنصرة من لخم وجذام حتى أشرف بهم الدليل على ساحل البحر ونوى أن يطلب الأثر وإذا بالقوم قد عدوا انطاكية ولم يدخلوها خيفة الملك قال فوقع للدليل عند ذلك حيرة في امره فعدل إلى قرية هناك وسأل بعضا من الناس فاخبروه أن الخبر قد أتصل إلى الملك بأن توما وهربيس قد سلما دمشق للعرب فنقم عليهما ولم يدعهما يأتيان إليه وذلك إنه جمع الجيوش وأرسلها إلى اليرموك فخاف أن يتحدثوا بشجاعة العرب أصحاب رسول الله ﷺ فتضعف قلوبهم فبعث إلى توما ومن معه أن يسيروا إلى القسطنطينية فلما علم يونس أن القوم عدلوا واخذوا في طلب التحيز فكر في ذلك وغاب عن المسلمين قوقف خالد وصلى بالناس وإذا بيونس قد اقبل وقال: أيها الأمير إني والله قد غررت بكم وبلغت الغاية في الطلب قال خالد: وكيف الأمر قال: أيها الأمير تبعثني في آثارهم في هذا المكان رجاء أن الحقهم وأن الملك منعهم من الدخول إلى انطاكية لئلا يرعبوا عسكره وامرهم أن يطلبوا القسطنطينية وقد قطع بينكم وبينهم هذا الجبل العظيم وانتم في جبل هرقل وهو يجمع عسكره ويسير إلى حربكم وإني خائف عليكم أن تركتم هذا الجبل خلف ظهوركم هلكتم وبعد هذا فالأمر إليك وكل ما أمرتني به فعلت قال ضرار بن الأزور فرأيت خالدا وقد انتقع لونه كالخضاب وكان ذلك منه جزعا وما عهدت به ذلك فقلت: يا أمير على ماذا عولت فقال: يا ضرار والله ما فزعت من الموت ولا من القتل وإنما خفت أن يؤتى المسلمون من قبلي وإني رأيت قبل فتح دمشق مناما افزعني وأنا منتظر تاويله وارجو أن يجعل الله لنا خيرا وينصرنا على عدونا فقال ضرار خيرا رأيت وخيرا يكون أن شاء الله تعالى فما الذي رايت قال رايت المسلمين في برية قفرة ونحن سائرون فبينما نحن كذلك وإذا بقطيع من حمر الوحش كثيرة عظيمة اجسامها مهزولة اخفافا وهي لا تكدم برماحنا ونحن نضربها بأسيافنا وهي لا تكترث فيما نزل بها من الأذى ولا تهلع مما ينزل فلم نزل مثل ذلك حتى اجتهدنا واجتهدت خيولنا وإني اقبلت على أصحابي وفرقتهم عليها من أربعة جوانب البرية وحملت عليهم فجفلت من أيدينا إلى مضايق وتلال واودية خصبة فلم نأخذ منها إلا اليسير فبينما نحن نطبخ ونشوي لحومها وإذا هي قد رجعت تطلب الحرب منا فلما نظرت إليها وقد طرحت المضايق والأجام صحت بالمسلمين اركبوا في طلبها بارك الله.

стр. 87

فيكم فاستوى المسلمون على خيولهم وركبت معهم وطلبناها حتى وقعت بها وتصيدت منها بعيرا عظيما فقتلته فجعل المسلمون يقتلون ويتصيدون فما بقي منها إلا اليسير فبينما أنا فرح وأنا أريد الرجوع بالمسلمين إلى وطنهم إذ عثرت فرسي فطارت عمامتي من على رأسي فهويت لاخذها فانتبهت من منامي وأنا فزع مرعوب فهل فيكمأحد يفسره فاني اقول الرؤيا ما نحن فيه قال فصعب ذلك على القوم وجعل خالد يراود نفسه على الرجوع. فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁: أما تفسير الوحوش فهؤلاء الأعاجم الذين نحن في طلبهم وأما سقوطك عن فرسك فإنه أمر تنحط عليه من رفعه إلى خفضة واما سقوط العمامة عن رأسك فالعمائم تيجان العرب وهي معرة تلحقك فقال خالد: اسأل الله العظيم أن كان ذلك تأويل ما رأيته أن يجعله من أمر الدنيا ولا يجعله من أمر الاخرة وبالله استعين وعليه أتوكل في كل الأمور قال ثم سار خالد والدليل امامهم حتى قطعوا الجبل فلما كانت الليلة التي أردنا أن نصبح فيها القوم أتى مطر كافواه القرب وكان من توفيق الله عز وعلا أن حبس القوم عن المسير قال روح بن طريف ﵁ ولقد رايتنا ونحن نسير والمطر ينزل علينا كافواه القرب طول ليلتنا فلما اصبح الصباح وطلعت الشمس قال يونس أيها الأمير قف حتى أنظر القوم لانهم لا شك بالقرب منا وقد سمعت صياحهم فقال له خالد بن الوليد: أحقا سمعت صياحهم يا يونس قال: نعم أيها الأمير واريد منك أن تاذن لي بالمسير إليهم وآتيك بخبرهم قال فعند ذلك التفت خالد بن الوليد إلى رجل اسمه المفرط بن جعدة قال له: يا مفرط سر مع يونس وكن له مؤنسا واحذر أن يأخذ خبركما القوم فقال المفرط السمع والطاعة لله ولك أيها الأمير ثم انطلقا إلى أن صعدا على جبل يقال له الأبرش: والروم تسمه جبل باردة قال المفرط فلما علونا عليه وجدنا مرجا واسعا كثير الجنبات كثير النبات وفيه خضرة عظيمة وأن القوم قد اصابهم المطر حتى بل رحالهم وقد حميت عليهم الشمس فخافوا اتلافها فاخرجوها واخرجوا الديباج ونشروها في طول المرج وقد نام أكثرهم من شدة السير والتعب والمطر الذي اصابهم قال المفرط بن جعدة فلما رأيت ذلك فرحت فرحا شديدا ورجعت إلى خالد بن الوليد وتركت صاحبي يونس فلما رآني خالد وحدي اسرع الي وظن أن صاحبي كيد فقال: ما وراءك يا ابن جعدة اخبرني وعجل بالخير فقلت: الخبر والغنيمة يا أمير القوم خلف هذا الجبل وقد اصابهم المطر وقد وجدوا الراحة بطلوع لشمس وقد نشروا امتعتهم فقال بشرك الله بالخير ثم ظهر لي من وجهه الخير والفرح والسرور فبينما نحن كذلك وإذا بيونس قد اقبل فقال له خالد: خيرا فقال له: ابشر أيها الأمير فإن القوم امنوا على أنفسهم ولكن اوصى أصحابك أن كل من وقع بزوجتي فليحفظها فما أريد من الغنيمة سواها فقال له خالد:

стр. 88

هي لك إن شاء الله تعالى ثم أن خالدا قسم أصحابه أربع فرق فأمر ضرار بن الأزور على ألف فارس وعلى الألف الثاني رافع بن عميرة الطائي وعلى الألف الثالث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وبقي هو في الفرقة الرابعة وقال سيروا على بركة الله تعالى وإياكم أن تخرجوا إليهم دفعة واحدة بل يخرج كل أمير منكم بينه وبين صاحبه قدر ساعة ثم افترق القوم وحمل ضرار بن الأزور والروم مطمئنون وحمل من بعده رافع بن عميرة الطائي ثم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم خالد بن الوليد سار في اخر القوم حتى وصلوا المرج قال عبيد ابن سعيد لقد كدنا أن نفتنه من حسن منظره فزعق فينا خالد بن الوليد وقال عليكم باعداء الله ولا تشتغلوا بالغنائم ولا بالنظر إلى المرج فإنها لكم أن شاء الله تعالى. ثم عطف خالد بن الوليد ﵁ على الروم وقد نظرت الروم إلى الخيل وقد خرجت عليهم وخالد امامهم فعلموا إنها خيول المسلمين فبادروا إلى السلاح وركبوا الخيل وقال بعضهم لبعض إنها خيل قليلة ساقها المسيح إليكم وجعلها غنيمة لكم فبادروا إليها قال فتبادر الروم وهم يظنون أن ليس وراء خالدأحد وإذا بضرار بن الأزور قد خرج عليهم في ألف فارس وطلع رافع بن عميرة الطائي بعده وطلع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بعدهم وطلبت كل كتيبة فرقة من الروم وتفرقوا من حولهم وطلبوا ما في ايديهم وقد رفعوا اصواتهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله وانصبت خيل المسلمين على الروم كأنها السيل المنحدر ونادى هربيس برجاله قاتلوا عن نعمكم فما لهؤلاء القوم حيلة ولا يخلصون من هذا المكان ابدا فانقسمت الروم طائفة معه وطائفة مع توما فكان من طلب خالدا توما وقد أحدق به خمسمائة فارس وقد رفع بين عينيه صليبا من الجوهر مقمعا بالذهب الأحمر فعدل خالد وحمل عليه وقال: يا عدو الله اظننتم إنكم تفلتون منا والله تعالى يطوي لنا البلاد وكان توما أعور عورته امرأة ابان قال فحمل عليه وطعنه في عينه الأخرى ففقأها وارداه عن جواده وحمل أصحابه على رجال توما ولله در عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ فإنه لما نظر إلى توما وقد سقط عن جواده نزل وجلس على صدره واحتز رأسه ورفعها على السنان ونادى قد قتل والله توما اللعين فاطلبوا هربيس. قال الواقدي: ففرح العرب بذلك قال رافع بن عميرة الطائي كنت في الميمنة مع خالد بن الوليد إذ نظر الي فارس زيه زي الروم وقد نزل عن جواده وهو يقاتل علجة مع نساء الروم وهي تظهر عليه مرة فدنوت انظرها فإذا هو يونس الدليل وهو يقاتل زوجته ويصارعها صراع الاسد قال رافع فدنوت أن أتقدم إليهما فاعينه فقصد الي عشرة من النساء يرمين قومي بالحجارة فخرج حجر كبير من امرأة حسناء عليها ثياب

стр. 89

الديباج قال فوقع الحجر في جبهة جوادي فانكب على رأسه وكان جوادا شهدت عليه اليمامة فسقط الجواد ميتا قال فأسرعت في طلبها فهربت من بين يدي كأنها ظبية القناص وهربت النساء من وراءها فلحقتهن وقصدت قتلهن وزعقت عليهن وكنت أريد قتلهن ومالي قصد إلا الجارية التي قتلت حصاني فدنوت منها وعلوت بالسيف على رأسها فجعلت تقول الغوث الغوث فرجعت عن قتلها وأقبلت إليها وإذا عليها ثياب الديباج وعلى رأسها شبكة من اللؤلؤ فاخذتها اسيرة من النساء وأوثقتها كتافا ورجعت على أثري فركبت جوادا من خيل الروم ثم قلت: والله لامضين وانظر ما كان من أمر يونس فوجدته وهو جالس وزوجته بجانبه وقد تلطخت بدمائها وهو يبكي عليها فلما رأيتها قلت لها: اسلمي فقال: لا وحق المسيح لا اجتمعت أنا وانتم ابدا ثم اخرجت سكينا كانت معها فقتلت بها نفسها فقلت: إن الله ابدلك ما هي اعظم منها وعليها ثياب الديباج وشبكة من اللؤلؤ وهي كأنها القمر فخذها لك بدلا عن زوجتك فقال: أين هي فقلت: ها هي معي. قال فلما نظر إليها والى ما عليها من الحلى والزينة وتبين حسنها وجمالها راطنها بالرومية وسألها عن امرها فرطنت عليه وهي تبكي فالتفت الي وقال لي أتدري من هذه قلت: لا فقال هذه ابنة الملك هرقل زوجة توما وما مثلى يصلح لها ولا بد لهرقل من طلبها ويفديها بماله قال وافتقد المسلمون خالدا فلم يجدوا له أثرا فقلقوا عليه قلقا عظيما وخالد ﵁ غائص في المعركة وقصد اللعين هربيس بعد قتل توما فبينما هو يحمل يمينا وشمالا إذ نظر علجا من علوج الرومان عظيم الخلقةأحمر اللون فظن خالد إنه اللعين فأطلق جواده نحوه وطلبه طلبا شديدا ليقتله فلما نظر إليه العلج والى حملته فر هاربا من بين يديه فوكزه خالد بالرمح وإذا هو واقع على الأرض على أم رأسه فانقض عليه خالد كالاسد وهو يقول: ويلك يا هربيس أطننت إنك تفوتني وذلك العلج يعرف العربية فقال: يا عربي ما أنا هربيس أطننت إنك فابق علي ولا تقتلني فقال خالد: مالك من يدي خلاص إلا إذا كنت تدلني على هربيس فإذا دللتني عليه اطلقتك فقال له العلج: إنذا دللتك عليه تطلقني فقال خالد: نعم لك ذلك فقال العلج يا أخا العرب قم من علي صدري حتى ادلك عليه فقام خالد من على صدره فوثب العلج ونظر يمينا وشمالا قال ثم قال لخالد أترى هذا الجبل وهذه الخيل الصاعدة اقصدها فإن هربيس فيها قال فوكل خالد بالعلج واحدا وهو ابن جابر ثم اطلق خالد عنان جواده حتى لحق بهم وصرخ عليهم وقال: يا ويلكم إني لكم مني خلاص فلما سمع هربيس ذلك ظنه من بعض العرب فزعق فيه ورجع ورجعت البطارقة بالسلاح فقال لهم خالد: يا ويلكم ظننتم أن الله لا يمكننا منكم أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد ثم طعن فارسا فرماه واخر فأرداه فما سمع هربيس كلام خالد قال.

стр. 90

لأصحابه: يا ويلكم هذا الذي قلب الشام على أصحابه هذا صاحب بصرى وحوران ودمشق وأجنادين دونكم وإياه قال فطمع القوم فيه لانفراده عن أصحابه وكان المسلمون في قتال الروم ونهب الأموال وكل منهم مشتغل بنفسه قال فترجلت البطارقة حول خالد لانهم في جبل كثير الوعر واحاطوا بخالد بن الوليد فعندها ترجل عن جواده واخذ سيفه وجحفته وصبر لقتالهم قال حدثني شداد بن أوس وكان ممن حضر وقعة مرج الديباج وقال خالد: قد صحت الرؤيا فلما ترجل اقبل يقاتل بنفسه واقبل إليه هربيس وهو مشتغل بالقتال وأتاه من ورائه وضرب خالدا بالسيف فوقع السيف على البيضة فقدها وقد عمامته وانقض السيف من يد هربيس وخاف خالد أن يلتفت إلى ورائه فتهجم عليه الروم وخاف أن يفلت هربيس من بين يديه فعند ذلك صاح بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير كأنه مستبشر بشيء اغاثه أو ادركه وذلك خديعة منه وحيلة يريد بها أن يتمكن من الأعلاج فبينما هو كذلك إذ سمع من المسلمين زعقات وقد أخذت الروم من ورائهم وهم يصيحون بالتهليل والتكبير وقائل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله أتاك النصر من رب العالمين أنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فلما سمع خالد صوته لم يلتفت إلى عبد الرحمن ولا إلى من معه ومضى يفرق الأعلاج ذات اليمين وذات الشمال وما أن سمع اللعين هربيس اصوات المسلمين أراد الهرب فلحقه سيدنا خالد وضربه ضربة فأرداه قتيلا وعجل الله بروحه إلى النار واستطال أصحاب رسول الله ﷺ على أصحاب هربيس ونزلوا فيهم بالسيف حتى ابادوهم عن اخرهم وكان أكثرهم قتلا من يد ضرار بن الأزور فلما إنكشف الكرب عن خالد ونظر إلى ما فعل ضرار قال افلح وجهك يا ابن الأزور فما زلت مباركا في كل افعالك انجح الله اعمالك واصلح ربي حالك ثم سلم على عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق ﵁ وعلى المسلمين وقال من اين علمتم مكاني هذا فقال عبد الرحمن يا امين بينما نحن في قتال الروم وقد نصرنا الله عليهم والمسلمون قد اشتغلوا بالغنائم إذا سمعنا هاتفا من الهواء يقول: اشتغلتم بالغنائم وخالد قدأحاطت به الروم فلما سمعنا ذلك لم ندر أي مكان أنت فيه وفقدنا شخصك فدلنا عليك علج كان بيد رجل من أصحابك وقال: إن صاحبكم أنا الذي دللته على هربيس وانه معه في هذا الجبل فسرنا إليك. فقال خالد: لقد دلنا على عدونا ودل علينا المسلمين وقد وجب له الحق علينا ورجع خالد وأصحابه إلى المسلمين فلما رأوه بادروا وسلموا عليه فرد ﵈ ثم أن خالدا ﵁ دعا بذلك العلج الذي دله على هربيس وقال له: إنك وفيت لنا ونريد أن نوفي لك بما وعدناك لانك نصحت لنا فهل لك أن تكون من أصحاب دين الصلاة والصيام وملة محمد ﵊ فتكون من أهل الجنة فقال: ما أريد بديني بدلا فأطلق خالد سبيله قال نوفل بن عمرو فرأيته قد استوى على ظهر جواده.

стр. 91

يطلب بلاد الروم وحده ثم أن خالد ﵁ أمر بجمع الغنائم والاسارى فجمع ذلك إليه فلما رأى كثرته حمد الله تعالى وشكره واثنى عليه ودعا بدليله يونس النجيب ثم قال له: ما فعلت بزوجتك فحدثه معها وما كان من امرها فعجب من ذلك فقال رافع بن عميرة أيها الأمير إني أسرت ابنة الملك هرقل وقد سلمتها إليه بدلامن زوجته فقال خالد: وأين ابنة الملك هرقل فمثلت بين يديه فنظر إلى حسنها وجمالها وما منحها الله به من الجمال فصرف وجهه عنها وقال سبحانك اللهم وبحمدك تخلق ما تشاء وتختار ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] ثم قال ليونس أتريدها بدلا من زوجتك قال: نعم ولكني اعلم أن الملك هرقل لا بدله أن يفديها بالأموال او يخلصها بالقتال فقال خالد: خذها لك الآن فإن لم يطلبها فهي لك وأن طلبها فالله يعوضك خيرا منها فقال يونس أيها الأمير إنك في مكان ضيق ومكان صعب فاعزم على الخروج قبل أن يلحق نفير القوم فقال خالد: الله لنا ومعنا وعطف راجعا يجد في مسيره والغنائم امامه والمسلمون في أثره فرحين بالغنيمة والسلامة والنصر. قال روح بن عطية فقطعنا الطريق كلها وما عرض لنا من الرومأحد ونحن نخوض في وسط ديار القوم خوضا فلما وصلنا مرج الصغير عند قنطرة أم حكيم نظرنا إلى غبرة من وراءنا فلما عايناها إنكرنا ذلك فاسرع رجال من المسلمين إلى خالد يخبرونه بالغبرة قال: أيكم يأتيني بخبرها فبادر بالأجابة رجل من غفار يقال له صعصعة بن يزيد الغفاري: قال: أنا أيها الأمير ثم نزل عن جواده وكان بجريه يسبق الفرس الجواد لقوة عزمه فورد الغبرة واختبرها ورجع على عقبه وهو ينادي أيها الأمير ادركنا الصلبان من ورائنا وهم مصفدون في الحديد لم يبن منهم غير حماليق الحدق فدعا خالد بيونس الدليل عندما قاربته الخيل وقال: يا يونس اقصد نحو الخيل وانظر ما يريدون فقال السمع والطاعة ثم دنا من الخيل وقاربهم ثم رجع إلى خالد وقال له: ألم أقل لك أيها الأمير أن هرقل لا يغفل عن طلب ابنته وقد انفذ هذه الخيل يريدون أن يأخذوا الغنيمة من أيدي المسلمين فلما لحقوك ههنا قريبا من دمشق بعثوا رسولا يسألك في الجارية أما بيعها واما هدية فبينما خالد يتحدث إذ أقبل إليه شيخ عليه لبس المسوح فأقبل حتى دنا من المسلمين فاوقفوه أمام خالد وقال له: قل: ما نشاء فقال الشيخ أنا رسول الملك هرقل وانه يقول: لك بلغني ما فعلت برجالي وقتلت توما زوج ابنتي وهتكت حرمتي وقد ظفرت وسلمت فلا تفرط بمن معك والان ما أن تبيع ابنتي أو تهديها الي فالكرم شيمتكم وطبعكم ولا يرحم من يرحم وإني ارجو أن يقع بيننا الصلح فلما سمع خالد ذلك قال للشيخ قل لصاحبك: والله لا رجعت عنه وعن أهل ملته حتى أملك سريره وما تحت قدميه كما في علمك واما ابقاؤك علينا فلو وجدت.

стр. 92

إلى ذلك من سبيل فما قصرت وأما ابنتك فهي لك هدية منا ثم أن خالدا اطلق ابنة الملك هرقل وسلمها للشيخ ولم يأخذ في فدائها شيئا فلما بلغ ذلك الرسول إلى الملك هرقل وسلمها للشيخ ولم يأخذ في فدائها شيئا فلما بلغ ذلك الرسول إلى الملك هرقل قال لعظماء الروم هذا الذي اشرت عليكم فلم تقبلوه واردتم قتلي وسيكون الأمر اعظم ولكن ليس هذا منكم بل هو من رب السماء. قال الواقدي: فبكت الروم بكاء شديدا وسار خالد حتى أتى دمشق وكان المسلمون وابو عبيدة قد أيسوا من خالد ومن معه فهم في أعظم القلق والاياس إذ قدم عليهم خالد ﵁ والمسلمون فخرجوا إلى لقائه وهنئوه بالسلامة وسلم المسلمون بعضهم على بعض ووجد خالد في دمشق عمرو بن معد يكرب الزبيدي ومالك بن الاشتر النخعي ومن كان معهما واقبل خالد إلى جانب ابي عبيدة وهو يحدثه بما لاقى في غزوته وابو عبيدة بتعجب من شجاعته وجسارته فلما استقر بخالد مكانه أخذ الخمس من الغنائم وفرق الباقي على المسلمين ثم أن خالدا اعطى من ماله ليونس وقال خذ هذا فتزوج به او اشتر به جارية لك من بنات الروم قال يونس والله لا أتزوج في هذا الدار الدنيا زوجة ابدا وما أريد إلا أن أتزوج في الأخرة بعيناء من الحور لعين قال رافع بن عميرة الطائي فشهد معنا القتال إلى يوم اليرموك فما كنت أراه في حرب إلا ويجاهد جهادا عظيما وقد أبلى في الروم بلاء حسنا فأتاه سهم في لبته فخر ميتا رحمه الله تعالى قال رافع فحزنت عليه واكثرت من الترحم عليه فرأيته في النوم وعليه حلل تلمع وفي رجليه نعلان من ذهب وهو يجول في روضة خضراء فقلت له: ما فعل الله بك قال غفر لي واعطاني بدلا من زوجتي سبعين حوراء لو بدت واحدة منهن فى الدنيا لكف ضوء وجهها نور الشمس والقمر فجزاكم الله خيرا فقصصت الرؤيا على خالد فقال ليس والله سوى الشهادة طوبى لمن رزقها.

стр. 93

كتب خالد بالفتح قال الواقدي: ولقد بلغني أن خالدا ﵁ لما رجع من غزوته ومسيره غانما ظن أن الخليفة أبا بكر الصديق ﵁ حي لم يقبض فهم أن يكتب له كتابا بالفتح والبشارة وما غنم من الروم وابو عبيدة لا يخبره بذلك ولا يعلمه أن الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ فدعا خالد بدواة وبياض وكتب بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله خليفة رسول الله ﷺ من عامله على الشام خالد بن الوليد اما بعد سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو واصلي على نبيه محمد ﷺ ثم أنا لم نزل في مكايدة العدو على حرب دمشق حتى انزل الله علينا نصره وقهر عدوه وفتحت دمشق عنوة بالسيف من باب شرقي وكان أبو عبيدة على باب الجابية فخدعته الروم فصالحوه على الباب الأخر ومنعني أن اسبي واقتل ولقيناه على كنيسة يقال لها:

стр. 94

كنيسة مريم وامامه القسس والرهبان ومعهم كتاب الصلح وأن صهر الملك توما واخر يقال له هربيس: خرجا من المدينة بمال عظيم واحمال جسيمة فسرت خلفها في عساكر الزحف وانتزعت الغنيمة من ايديهما وقتلت الملعونين واسرت ابنة الملك هرقل ثم اهديتها إليه ورجعت سالما وأنا منتظر امرك والسلام عليك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى إله وصحبه وسلم وطوى الكتاب وختمه بخاتمه ودعا برجل من العرب يقال له عبد الله بن قرط: فدفع إليه الكتاب وسار إلى مدينة رسول الله ﷺ فوردها والخليفة عمر بن الخطاب ﵁ فقرأ عنوان الكتاب وإذا هو من خالد إلى خليفة رسول الله ﷺ فقال عمر: أما عرف المسلمون وفاة ابي بكر ﵁ فقال: لا يا أمير المؤمنين فقال قد وجهت بذلك كتابا إلى ابي عبيدة وأمرته على المسلمين وعزلت خالدا وما اظن أبا عبيدة يريد الخلافة لنفسه فسكت وقرأ الكتاب قال أصحاب السير في حديثهم ممن تقدم ذكرهم واسنادهم في أول الكتاب ممن روى فتوح الشام ونقلوها عن الثقاب منهم محمد بن اسحق وسيف بن عمرو وابو عبد الله بن عمر الواقدي ﵁ كل حدث بما رواه وسمعه ثقة عن ثقة قالوا: جميعا في اخبارهم إنه لما قبض أبو بكر الصديق ﵁ وولى الأمر بعده عمر بن الخطاب ﵁ وله من العمر اثنتان وخمسون سنة بايعه الناس في مسجد رسول الله ﷺ بيعة تامة ولم يتخلف عن مبايعته أحد لا صغير ولا كبير وانقطع في امارته الشقاق والنفاق وانحسم الباطل وقام الحق وقوي السلطان في امارته وضعف كيد الشيطان وظهر أمر الله وهم كارهون ومن أمره إنه كان يجلس مع الفقير ويتلطف بالناس والمسلمين ويرحم الصغير ويوقر الكبير ويعطف على اليتيم وينصف المظلوم من الظالم حتى يرد الحق إلى اهله ولا تأخذه في الله لومة لائم وكان في امارته يدور في اسواق المدينة وعليه مرقعة وبيده درته وكانت درته أهيب من سيف الملوك وسيوفكم هذه وكان قوته في كل يوم خبز الشعير وادمه الملح الجريش وربما اكل خبزه بغير ملح تزهدا واحتباطا وترفقا على المسلمين ورأفة ورحمة لا يريد ذلك إلا الثواب من الله ولا يشغله شاغل عن اداء الفريضة وما اوجب الله عليه من حقوقه وسنة نبيه محمد ﵊ قالت عائشة ﵂: ولقد تولى والله عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة فجد في التشمر وترك عن نفسه التكبر ولقد كان أحرقه خبز الشعير والملح واراد أكل الزيت واليابس من التمر وربما أخذ شيئا من السمن ويقول: أكلت الزيت وخبز الشعير والملح والجون اهون غدا من نار جهنم من حل بها لم يمت ولم يجد فيها راحة ابدا قرارها بعيد وعذابها شديد وشرابها الصديد لا يؤذن لهم فيعتذرون جند الجنود في امارته وبعث العساكر وفتح الفتوحات ومصر الأمصار وكان يخاف عذاب النار ﵁.

стр. 95

قال الواقدي رحمه الله تعالى: ولقد بلغني أن هرقل لما بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ قد ولى الأمر من بعد ابي بكر الصديق ﵁ جمع الملوك والبطارقة وارباب دولته وقام فيهم خطيبا على منبر قد نصب له في كنيسة القسيسين وقال: يا بني الأصفر هذا الذي كنت أحذركم منه فلم تسمعوا مني وقد اشتد الأمر عليكم بولاية هذا الرجل الاسمر وقد دنا موعد صاحب الفتوح المشبه بنوح والله ثم والله لا بد أن يملك ما تحت سريري هذا الحذر ثم الحذر قبل وقوع الأمر ونزول الضرر وهدم القصور وقتل القسس وتبطيل الناقوس هذا صاحب الحرب والجالب على الروم والفرس الكرب هذا الزاهد في دنياه وهذا الغليظ على من أتبع في غير ملته هواه وإني ارجو لكم النصر أن امرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وتركتم الظلم واتبعتم المسيح في اداء المفروضات ولزوم الطاعات وترك الزنا وانواع الخطايا وأن ابيتم إلا الفساد والفسوق والعصيان والركون إلى شهوات الدنيا يسلط الله عليكم عدوكم ويبلوكم بما لا طاقة لكم به ولقد أعلم أن دين هؤلاء سيظهر على كل دين ولا يزال اهله بخير ما لم يغيروا ويبدلوا فاما أن ترجعوا إليه واما أن تصالحوا القوم على اداء الجزية فلما سمع القوم ذلك نفروا وبادروا إليه وهموا بقتله فسكن غضبهم بلين كلامه ولاطفهم وقال لهم: إنما أردت أن أرى حميتكم لدينكم وهل تمكن خوف العرب في قلوبكم أم لا. ثم استدعى برجل من المتنصرة يقال له طليعة بن ماران وضمن له مالا وقال له: انطلق من وقتك هذا إلى يثرب وانظر كيف تقتل عمر بن الخطاب فقال له طليعة: نعم أيها الملك ثم تجهز وسار حتى ورد مدينة رسول الله ﷺ وكمن حولها وإذا بعمر بن الخطاب ﵁ خرج يشرف على أموال اليتامى ويفتقد حدائقهم فصعد المتنصر إلى شجرة ملتفة الأغصان فاستتر بأوراقها وإذا بعمر ﵁ قد اقبل إلى أن قرب من الشجرة التي عليها المتنصر ونام على ظهره وتوسد بحجر فلما نام هم المتنصر أن ينزل إليه ليقتله وإذا بسبع أقبل من البرية فطاف حوله وأقبل يلحس قدميه وإذا بهاتف يقول: يا عمر عدلت فأمنت فلما استيقظ عمر ﵁ ذهب السبع ونزل المتنصر وترامى على عمر ﵁ فقبل يديه وقال بأبي أنت وأمي أفدى من الكائنات من السباع تحرسه والملائكة تصفه والجن تعرفه ثم أعلمه بما كان منه وأسلم على يديه. قال الواقدي: ثم أن عمر ﵁ كتب كتابا لابي عبيدة بن الجراح يقول فيه: قد وليتك على الشام وجعلتك أميرا على المسلمين وعزلت خالد بن الوليد والسلام ثم سلم الكتاب إلى عبد الله بن قرط وأقام قلقا على ما يرد عليه من أمور المسلمين وصرف همته إلى الشام.

стр. 96

تولية ابي عبيدة قال الواقدي: حدثني رافع بن عميرة الطائي قال حدثني يونس بن عبد الأعلى وقد قرأت عليه بجامع الكوفة قال حدثني عبد الله بن سالم الثقفي عن أشياخه الثقات قال لما كانت الليلة التي مات فيها أبو بكر الصديق ﵁ رأى عبد الرحمن بن عوف الزهري ﵁ رؤيا قصها على عمر ﵁ وكانت تلك الليلة بعينها قال رأيت دمشق والمسلمون حولها وكأني أسمع تكبيرهم في أذني وعند تكبيرهم وزحفهم رأيت حصنا قد ساخ في الأرض حنى لم أر منه شيئا ورأيت خالدا وقد دخلها بالسيف وكأن نارا أمامه وكأنه وقع على النار فانطفأت فقال الإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنهم اجمعين أبشر فقد فتح الشام هذه الليلة أو قال يومك هذا أن شاء الله تعالى فبعد أيام قدم عقبة ابن عامر الجهني صاحب رسول الله ﷺ ومعه كتاب الفتح فلما رآه قال: يا ابن عامر كم عهدك قال قلت يوم الجمعة: قال: ما معك من الخبر فقلت: خير وبشارة وإني سأذكرها بين يدي الصديق ﵁ فقال قبض والله حميدا وصار إلى رب كريم وقلدها عمر الضعيف في جسمه فإن عدل فيها نجا وأن ترك أو خلط هلك قال عقبة بن عامر: فبكيت وترحمت على أبي بكر الصديق ﵁ وأخرجت الكتاب فدفعته إليه فلما قرأه نظر فيه وكتم الأمر إلى وقت صلاة الجمعة فلما خطب وصلى ورقى المنبر واجتمع المسلمون إليه وقرأ عليهم كتاب الفتح فضج المسلمون بالتهليل والتكبير وفرحوا ثم نزل عن المنبر وكتب إلى أبي عبيدة رضي الله عليه بتوليته وعزل خالد ثم سلمني الكتاب وأمرني بالرجوع قال فرجعت إلى دمشق فوجدت خالدا قد سار خلف توما وهربيس فدفعت الكتاب إلى ابي عبيدة فقرأه سرا ولم يخبر أحدا بموت ابي بكر الصديق ﵁ ثم كتم أمره وكتم عزل خالد وتوليته على المسلمين حتى ورد خالد من السرية فكتب الكتاب بفتح دمشق ونصرهم على عدوهم وبما ملكوا من مرج الديباج واطلاق بنت الملك هرقل وسلم الكتاب إلى عبد الله بن قرط فلما ورد به إلى عمر بن الخطاب ﵁ وقرأ عنوان الكتاب من خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق ﵁ إنكر الأمر ورجعت حمرته إلى البياض وقال: يا بن قرط أما علم الناس بموت أبي بكر ﵁ وتوليتي أبا عبيدة بن الجراح قال عبد الله بن قرط قلت: لا فغضب وجمع الناس إليه وقام على المنبر ثم قال: يا معاشر الناس إني أمرت أبا عبيدة الرجل الأمين وقد رأيته لذلك أهلا وقد عزلت خالدا عن امارته فقال رجل من بني مخزوم أتعزل رجلا قد أشهر الله بيده سيفا قاطعا ونصربه دينه وأن الله لا يعذرك في ذلك ولا المسلمين أن أنت أغمدت سيفا وعزلت أميرا أمره الله لقد قطعت الرحم ثم سكت الرجل فنظر عمر ﵁ إلى الرجل المخزومي فرآه غلاما حدث السن فقال شاب حدث السن.

стр. 97

غضب لابن عمه ثم نزل على المنبر وأخذ الكتاب وجعله تحت رأسه وجعل يؤامر نفسه في عزل خالد فلما كان من الغد صلى صلاة الفجر وقام فرقى المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر الرسول ﷺ فصلى عليه وترحم على أبي بكر الصديق ﵁ ثم قال: أيها الناس إني حملت امانة عظيمة وإني راع وكل راع مسؤول عن رعيته وقد جئت لاصلاحكم والنظر في معايشكم وما يقربكم إلى ربكم أنتم ومن حضر في هذا البلد فاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صبر على أذاها وشرها كنت له شفيعا يوم القيامة" وبلادكم بلاد لا زرع فيها ولا ضرع ولا ماء أوقر به الإبل لآمن مسيرة شهر وقد وعدنا الله مغانم كثيرة وإني أريدها للخاصة والعامة لأؤدي الأمانة والتوقير للمسلمين وما كرهت ولاية خالد على المسلمين إلا لأن خالدا فيه تبذير المال يعطي الشاعر إذا مدحه ويعطي للمجد والفارس بين يديه فوق ما يستحقه من حقه ولا يبقى لفقراء المسلمين ولا لضعافهم شيئا وإني أريد عزله وولاية أبي عبيدة مكانه والله يعلم إني ما وليته إلا أمينا فلا يقول: قائلكم عزل الرجل الشديد وولى الأمين اللين للمسلمين فإن الله معه يسدده ويعينه ثم نزل عن المنبر وأخذ جلد أدم منشور وكتب إلى أبي عبيدة كتابا فيه. بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك فاني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد ﷺ وبعد فقد وليتك أمور المسلمين فلا تستحي فإن الله لا يستحي من الحق وإني أوصيك بتقوى الله الذي يبقي ويفني ما سواه والذي استخرجك من الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى وقد استعملتك على جند ما هنالك مع خالد فاقبض جنده واعزله عن امارته ولا تنفذ المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة ولا تنفذ سرية إلى جمع كثير ولا تقل إني أرجو لكم النصر فإن النصر انما يكون مع اليقين والثقة بالله وإياك والتغرير بالقاء المسلمين إلى الهلكة وغض عن الدنيا عينيك واله عنها قلبك وإياك أن تهلك كما هلك من كان قبلك فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وإنما بينك وبين الآخرة ستر الخمار وقد تقدم فيها سلفك وأنت كأنك منتظر سفرا ورحيلا من دار قد مضت نضرتها وهبت زهرتها فأحزم الناس فيها الراحل منها إلى غيرها ويكون زاده التقوى وراع المسلمين ما استطعت وما الحنطة والشعير الذي وجدت بدمشق وكثرت في ذلك مشاجرتكم فهو للمسلمين وأما الذهب والفضة ففيهما الخمس والسهام وأما اختصامك أنت وخالد في الصلح او القتال فأنت الولي وصاحب الأمر وأن صلحك جرى على الحقيقة إنها للروم فسلم إليهم ذلك والسلام ورحمة الله وبركاته عليك وعلى جميع المسلمين.

стр. 98

وأما هديتك ابنة الملك هرقل فهديتها إلى ابيها بعد أسرها تفريط وقد كان يأخذ في فديتها مالا كثيرا يرجع به على الضعفاء من المسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطوى الكتاب وختمه بخاتمة ثم دعا بعامر بن أبي وقاص أخي سعد ودفع الكتاب إليه وقال له: انطلق إلى دمشق وسلم كتابي هذا إلى ابي عبيدة وامره أن يجمع الناس إليه واقرأه أنت على الناس يا عامر واخبره بموت ابي بكر الصديق ﵁ ثم دعا عمر ﵁ شداد بن أوس فصافحه وقال له: أمض أنت وعامر إلى الشام فإذا قرأ أبو عبيدة الكتاب فأمر الناس يبايعونك لتكون بيعتك بيعتي. قال الواقدي: فانطلقا يجدان في السير إلى أن وصلا إلى دمشق والناس مقيمون بها ينتظرون ما يأتيهم من خبر أبي بكر الصديق ﵁ وما يأمرهم به فأشرف صاحبا عمر ﵁ على المسلمين وقد طالت اعناقهم إليهما وفرحوا بقدومهما فاقبلا حتى نزلا في خيمة خالد ﵁ وقال له عامر بن أبي وقاص: تركته يعني عمر بخير ومعي كتاب وانه أمرني أن اقرأه على الناس بالاجتماع فاستنكر خالد ذلك واستراب الأمر وجمع المسلمين إليه فقام عامر أبي وقاص فقرأ الكتاب فلما انتهى إلى وفاة أبي بكر الصديق ﵁ ارتفع للناس ضجة عظيمة بالبكاء والنحيب وبكى خالد ﵁ وقال أن كان أبو بكر قد قبض وقد استخلف عمر فالسمع والطاعة لعمر وما أمر به وقرأ عامر الكتاب إلى آخره فلما سمع الناس بما فيه من أمر المبايعة لشداد بن أوس بايعوه وكانت المبايعة بدمشق لثلاث خلت من شهر شعبان سنة ثلاث عشر من الهجرة. قال الواقدي رحمه الله تعالى: قد بلغني إنه كان على العدو بعد عزله اشد فظاعة وأصعب جهادا لا سيما في حصن أبي القدس.

стр. 99

ذكر حديث وقعة أبي القدس قال الواقدي رحمه الله تعالى: سألت من حدث بهذا الحديث عن حصن أبي القدس قال: ما بين عرقا وطرابلس مرج يقال له: مرج السلسلة وكان بازائه دير وفيه صوامع وفيه صومعة راهب عالم بدين النصرانية وقد قرأ الكتب السالفة وأخبار الأمم الماضية المتقدمة وكانت تقصده الروم وتقتبس من علمه وله من العمر ما ينوف عن مائة سنة وكان في كل سنة يقوم عند ديره عيد آخر صيام الروم وهو عيد الشعانين فتجتمع الروم والنصارى وغيرهم من جميع النواحي والسواحل ومن قبط مصر ويحدقون به فيطلع عليهم من ذروة له فيعلمهم ويوصيهم بوصايا الإنجيل وكان يقوم في ذلك العيد سوق عظيم من السنة إلى السنة وكان يحمل له الأمتعة والذهب والفضة ويبيعون ويشترون

стр. 100

ثلاثة ايام وما كان المسلمون يعلمون بذلك ولا يعرفونه حتى دلهم عليه رجل نصراني من المعاهدين وقد اصطفاه وأمنه وأهله فلما ولى أبو عبيدة أمر المسلمين أراد ذلك المعاهد أن يتقرب إلى أبي عبيدة ﵁ فعسى أن يكون فتح الدير والسوق على يديه فأقبل إليه وأبو عبيدة قد أطال الفكر فيما يصنع واي بلد من بلاد الروم يقصد فمرة يقول: أسير إلى بيت المقدس بالجيش فإنها أشرف بلدهم وكرسي مملكة الروم بها قيام دينهم ووقتا يقول: اسير إلى انطاكية وأقصد هرقل وأفرغ منه وبينما هو يفكر في أمره وقد جمع المسلمين إذ أقبل ذلك المعاهد وكان من نصارى الشام فقال: أيها الأمير إنك قد أحسنت الي وأمنتني ووهبتني أهلي ومالي وولدي وقد اتيتك ببشارة وغنيمة تغنمها المسلمون ساقها الله إليهم فإن اظفرهم الله بها استغنوه غنى لا فقر بعده فقال أبو عبيدة: أخبرنا ما هذه الغنيمة وأين تكون فما علمتك إلا ناصحا فقال: أيها الأمير إنها بازائك على دير الساحل وهو حصن يعرف بأبي القدس وبازائه دير فيه راهب تعظمه النصرانية ويتبركون بدعائه ويقتبسون من علمه وله في كل سنة عيد يجتمعون إليه من كل النواحي والقرى والأمصار والضياع والأديرة ويقوم عنده سوق عظيم يظهرون فيه فاخر ثيابهم من الديباج والذهب والفضة يقيمون عنده ثلاثة ايام او سبعة وقد قرب وقت قيام السوق فتأخذون جميع ما فيه وتقتلون الرجال وتسبون النساء والذرارى وهذه غنيمة يفرح بها المسلمون ويوهن لها عدوكم. قال الواقدي: فلما سمع أبو عبيدة ما قاله المعاهد فرح رجاء أن يكون ما قاله المعاهد غنيمة للمسلمين فقال للمعاهد كم بيننا وبن هذا الدير قال عشرة فراسخ للمجد السائر قال أبو عبيدة: وكم بقي إلى قيام السوق قال: أيام قلائل قال أبو عبيدة: فهل يكون لهم حامية يلي أمرهم ويصد عنهم قال المعاهد لسنا نعرف ما ذكرت في بلاد الملك لانه لا يصيب بعضنا بعضا لهيبة هرقل في قلوبهم فلما سمع أبو عبيدة قال هل بالقرب منه شيء من مدائن الشام قال: نعم بالقرب من السوق مدينة تسمى طرابلس وهي مينا الشام إليها تقدم المراكب من كل مكان وفيها بطريق عظيم كثير التجبر وقد أقطعه الملك إياها من تجبره وهو يحضر السوق وما كنت أعهد أن لهذا السوق حامية من الروم إلا أن يكون الآن لخوفهم منكم ولو سار إلى الدير والسوق أدنى المسلمين لرجوت لهم الفتح أن شاء الله تعالى. فقال أبو عبيدة: أيها الناس أيكم يهب نفسه لله تعالى وينطلق مع جيش ابعثه فتحا للمسلمين فسكت الناس ولم يتكلم أحد فنادى أبو عبيدة ثانية وإنما يريد خالدا بقوله واستحى أن يواجهه في ذلك لاجل عزله فقام من وسط الناس غلام شاب نبت شعر.

стр. 101

عارضيه واخضر شاربه وكان ذلك الشاب عبد الله بن جعفر ﵁ وكانت أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وكان ابوه جعفر ﵁ قد مات في غزوة تبوك وخلف ولده عبد الله صغيرا فتزوجها أبو بكر الصديق ﵁ فلما كبر وترعرع كان يقول لأمه: يا أماه ما فعل أبي فتقول يا ولدي قتله الروم وكان يقول: لئن عشت لآخذن بثأره فلما مات أبو بكر وتولى عمر ﵁ جاء عبد الله إلى الشام في بعث بعثه عمر مع عبد الله بن انيس والجهني وكان فيه مشابهة من رسول الله ﷺ في خلقه وخلقه وهو أحد الأصحاب الاسخياء فلما قال أبو عبيدة ﵁: أيها الناس من ينطلق إلى هذا الدير وثب عبد الله بن جعفر الطيار ﵁ فقال أنا أول من يسير مع هذا البعث يا أمين الأمة ففرح أبو عبيدة وجعل يندب له رجالا من المسلمين وفرسان الموحدين وقال له: أنت الأمير يا ابن عم رسول الله ﷺ وعقد له راية سوداء وسلمها إليه وكان على الخيل خمسمائة فارس منهم رجال من أهل بدر وكان من جملة من سيره مع عبد الله أبو ذر الفغاري وعبد الله بن أبي اوفي وعامر بن ربيعة وعبد الله بن أنيس وعبد الله ابن ثعلبة وعقبة بن عبد الله السلمي ووائلة بن الاسقع وسهل بن سعد وعبد الله بن بشر والسائب بن يزيد ومثل هؤلاء السادات ﵃ أجمعين. قال الواقدي: ولما أن اجتمعت الخمسمائة فارس تحت راية عبد الله بن جعفر وةما منهم إلا من شهد الوقائع وخاض المعامع لا يولون الأدبار ولا يركنون إلى الفرار عولوا على المسير وقال أبو عبيدة لعبد الله بن جعفر: يا ابن عم رسول الله ﷺ لا تقدم على القوم إلا في أول قيام السوق ثم إنه ودعهم وساروا قال الواقدي: وكان في هذه السرية مع عبد الله بن جعفر وائلة بن الاسقع وكان خروجهم من أرض الشام وهي دمشق إلى دير ابي القدس في ليلة النصف من شعبان وكان القمر زائد النور قال وأنا إلى جانب عبد الله ابن جعفر فقال لي يا ابن الاسقع ما أحسن قمر هذه الليلة وأنوره فقلت: يا ابن عم أردت رسول الله ﷺ هذه ليلة النصف من شعبان وهي ليلة مباركة عظيمة وفي هذه تكتب الأرزاق والآجال وتغفر فيها الذنوب والسيئات وكنت أدرت أن أقومها فقلت: إن سيرنا في سبيل الله خير من قيامها والله جزيل العطاء فقال صدقت ثم اننا سرنا ليلتنا فبينما نحن سائرون إذ أشرفنا على صومعة راهب وعليه برنس اسود فجعل يتأملنا وينظر في وجوهنا فتفقدنا واحدا بعد واحد ثم جعل يطيل النظر في وجه عبد الله ثم قال اهذا الفتى ابن نبيكم فقلنا لا قال أن نور النبوة يلوح بين عينيه فهل يلحق به فقلنا هو ابن عمه فقال الراهب هو من الورقة والورقة من الشجرة فقال عبد الله أيها الراهب وهل تعرف رسول الله ﷺ .

стр. 102

فقال وكيف لا أعرفه واسمه وصفته في التوراة والإنجيل والزبور وانه صاحب الجمل الأحمر والسيف المشهر فقال عبد الله فلم لا تؤمن به وتصدقه فرفع يده إلى السماء وقال حتى يشاء صاحب هذه الخضراء فأعجبنا كلامه وسرنا والدليل بين ايدينا إذ أتى بنا إلى واد كثير الشجر والماء أمرنا أن نكمن فيه ثم قال لعبد الله بن جعفر إني ذاهب أجس لكم الخبر فقال له عبد الله: أسرع في مسيرك وعد إلينا بالخبر قال فانطلق مسرعا وأقام عبد الله بن جعفر يحرس المسلمين بنفسه إلى الصباح قال فلما اصبحنا صلينا صلاة الصبح وجلسنا ننتظر رجوع الرسول فلم يأت وأبطأ خبره علينا فقلق المسلمون عليه لاحتباسه وخافوا من المكيدة ووسوس لهم الشيطان وساءت بالدليل الظنون فما من المسلمين إلا من ظن بالمعاهد شرا إلا أبا ذر الغفاري ﵁ فإنه قال ظنوا بصاحبكم خيرا ولا تخافوا منه كيدا ولا مكرا أن له شأنا تعلمونه قال فسكت الناس بعد ذلك وإذا بصاحبهم قد اقبل قال وائلة بن الاسقع فلما رايناه فرحنا به وظننا إنه يأمر بالنهوض إلى العدو فاقبل حتى وقف وسط المسلمين وقال: يا أصحاب محمد وحق المسيح ابن مريم إني لا أكذبكم فيما أحدثكم به وإني رجوت لكم الغنيمة وقد حال بينكم وبينها ماء. فقال له عبد الله ﵁: وكيف حيل بينا وبينها قال حال بينكم وبينها بحر عجاج وذلك إني اشرفت على السوق وقد قام فيه البيع والشراء فاجتمع فيه أهل دين النصرانية وقد دار أكثرهم بالدير دير أبي القدس واجتمع إليه القسس والرهبان والملوك والبطارقة فلما نظرت إلى ذلك لم ارجع حتى اختبرت ما السبب الذي تجمعت له الخلق زيادة على كل سنة وذلك إني مضيت واختلطت بالقوم وإذا بصاحب طرابلس قد زوج ابنته ملكا من ملوك الروم وقد أتوا بالجارية إلى الدير ليأخذوا لها من راهبهم قربانا وقد دار بها فرسان الروم المنتصرة في عددهم وعديدهم كل ذلك خوفا منكم لانهم يعلمون إنكم بأرض الشام يا معاشر المسلمين وما ارى لكم صوابا أن تصلوا إلى القوم لانهم خلق كثير وجم غفير وجمع غزير فقال عبد الله بن جعفر ﵁ في كم يكون القوم وكم خررتهم فقال: أما السوق ففيه أكثر من عشرين الفا من عوام الروم والأرمن والنصارى والقبط واليهود من مصر والشام وأهل السواد والبطارقة والمنتصرة وأما المستعدون للحرب فخمسة آلاف فارس فما لكم بالقوة طاقة وأن وقع طائح في بلادهم انضاف إليهم امثالهم فإن بلادهم متصلة بهم وأما أنتم فعددكم يسير والعرب منكم بعيد. قال الواقدي: فصعب ذلك على عبد الله بن جعفر وعلى المسلمين وسقط في ايديهم وهموا بالرجوع فقال عبد الله بن جعفر معاشر المسلمين ما الذي تقولون في.

стр. 103

هذا الأمر فقالوا: نرى أن لا نلقي بأيدينا إلى التهلكة كما أمر ربنا في كتابه العزيز ونرجع إلى الأمير ابي عبيدة ﵁ والله لا يضيع أجرنا قال فلما سمع عبد الله قولهم قال: أما أنا فأخاف أن فعلت ذلك أن يكتبني الله من الفارين وما ارجع او أبدى عذرا عند الله تعالى فمن ساعدني فقد وقع اجره على الله ومن رجع فلاعتب عليه فلما سمعوا ذلك من عبد الله بن جعفر اميرهم وبذل مهجته استحيوا منه وأجابوه بأجمعهم وقالوا: افعل ما تريد فما ينفع حذر من قدر ففرح باجابتهم ثم عمد إلى درعه فأفرغه عليه ووضع على رأسه بيضة وشد وسطه بمنطقة وتقلد بسيف أبيه واستوى على متن جواده وأخذ الراية بيده وامر الناس بأخذ الأهبة فلبسوا دروعهم واشتملوا بسلاحهم وركبوا خيولهم وقالوا: للدليل سر بنا نحو القوم فستعاين من أصحاب رسول الله ﷺ عجبا قال وائلة بن الاسقع رأيت الدليل قد اصفر وجهه وتغير لونه وقالوا: سيروا انتم برأيكم وما علي من امركم وخرج قال أبو ذر الغفاري فرأيت عبد الله بن جعفر يتلطف به حتى سار بين يديه يدله على القوم ساعة ثم وقف وقال أمسكوا عليكم فانكم قد قربتم من القوم فكونوا في مواضعكم كامنين إلى وقت السحر ثم أغيروا على القوم قال وائلة بن الاسقع فبتنا ليلتنا حيث امرنا ونحن نطلب النصر من الله تعالى على الأعداء فلما أصبح النهار صلي بهم عبد الله بن جعفر صلاة الصبح فلما فرغوا من صلاتهم قال: ما ترون في الغارة. فقال عامر بن عميرة بن ربيعة أدلكم على أمر تصنعونه قالوا: قل: قال اتركوا القوم في بيعهم وشرائهم واظهار امتعتهم ثم اكبسوا عليهم على حين غفلة وغرة من امرهم فصوب الناس رأيه وصبروا إلى وقت قيام السوق ثم اظهروا السيوف من أغمادها وأوتروا القسى وشرعوا لاماتهم وعبد الله بن جعفر امامهم الراية بيده فلما طلعت الشمس عمد عبد الله إلى المسلمين فجعلهم خمسة كراديس كل كردوس مائة فارس وجعل على كل مائة نقيبا وقال تاخذ كل مائة منكم قطرا من أقطار سوقهم ولا تشتغلوا بنهب ولا غارة ولكن ضعوا السيوف في المفارق والعواتق وتقدم عبد الله بن جعفر بالراية وطلع على القوم فنظر إلى الروم متفرقين في الأرض كالنمل لكثرتهم وقد أحدق منهم بدير الراهب خلق كثير والراهب قد اخرج رأسه من الدير وهو يعظ الناس ويوصيهم ويعلمهم معالم ملتهم وهم إليه شخوص بابصارهم وابنة البطريق عنده في الدير والبطارقة وابناؤهم عليهم الديباج المثقل بالذهب ومن فوقهم دروع وجواشن تلمع وبيض وهم ينظرون صيحة بين ايديهم او طارقا يطرقهم من خلفهم ونظر عبد الله إلى الدير والى ما أحدق به والى الراهب وما حول صومعته فهاله ذلك من امرهم وصاح فيهم قبل الحملة وقال: يا صاحب رسول الله ﷺ احملوا بارك الله فيكم فإن كانت غنيمة وسرور فالفتح والسلامة ويكون الاجتماع تحت صومعة الراهب وأن كان غير ذلك.

стр. 104

فهو وعدنا الجنة ونلتقي عند حوض رسول الله ﷺ مع الصحابة قال وطلب عبد الله الجم العظيم فغاص فيهم وجعل يضرب بسيفه ويطعن برمحه ويحمل المسلمون من ورائه وسمع الروم اصوات المسلمين مرتفعة بالتهليل والتكبير فتيقنوا أن جيوش المسلمين قد ادركتهم وكانوا لذلك منتظرين وعلى يقظة من امرهم فأما السوقة فانهم تبادروا إلى اسلحتهم والمتع عن أنفسهم وأموالهم وأخرجوا السيوف من الأغمدة وانعطفوا على قتال المسلمين عطفة الاسد الضاري وطلبوا صاحب الراية ولم يكن مع المسلمين راية غيرها فأحدقوا بالراية من كل جانب ومكان وقامت الحرب على ساق وثار الغبار وانعقد وأحدق الروم بالمسلمين فما كان المسلمون فيهم إلا كشامة بيضاء في جلد بعير اسود وما كان أصحاب رسول الله ﷺ يعرف بعضهم بعضا إلا بالتهليل والتكبير وكل واحد مشتغل بنفسه عن غيره وقال أبو سبرة ابراهيم بن عبد العزيز بن ابي قيس وكان من السابقين والمتقدمين بايمانهم في الإسلام وصاحب الهجرتين جميعا قال شهدت قتال الحبشة مع جعفر بن ابي طالب ﵁ وشهدت المشاهد مع رسول الله ﷺ في بدر وفي أحد وفي حنين وقلت: إني لا اشهد مثلها فلما قبض الله ﷺ حزنت عليه ولم استطع أن اقيم بالمدينة بعد فقده فقدمت مكة فأقمت بها فعوتبت في منامي من التخلف عن الجهاد فخرجت إلى الشام وشهدت اجنادين والشام وسرية خالد خلف توما وهربيس وشهدت سرية عبد الله بن جعفر وكنت معه على دير ابي القدس فانستني وقعتها ما شهدت قبلها من الوقائع بين يدى رسول الله ﷺ وذلك إني نظرت إلى الروم حين حملنا عليهم في كثرتهم وعددهم وقلنا ما ثم غيرهم وليس لهم كمين عظيم قال فرأينا اجسادهم هائلة وعليهم الدروع وما يبين منهم إلا حماليق الحدق لهم طقطقة وزمجرة عندما يحملون حتى نظرت إلى المسلمين قد غابوا في اوساطهم ولا اسمع منهم إلا الأصوات تارة يجهرون بها وتارة اقول هلكوا. ثم انظر إلى الراية بيد عبد الله بن جعفر ﵁ مرفوعة بذلك وعبد الله يقاتل بالراية ويكر على المشركين ولا يثني ويجاهد على صغر سنة ولم تزل الحرب بيننا كلما طال مكثها اشتد ضرامها وعلا قتامها والتهب نارها وصار عبد الله في وسط القوم وهم حوله كالحلقة الدائرة والروم يحدقون به فجعل كلما حمل يمينا حملت يمينا وأن حمل شمالا حملت شمالا ولم نزل في الحرب والقتال حتى كلت منا السواعد وخدرت منا المناكب قال: وعظم الأمر علينا وهالنا الصبر وتثلم سيف عبد الله في يده وكادت تقع فرسه من تحته فالتجأ بأصحابه في موضع فاجتمع أصحابه إليه فنظر المسملون إلى رايته فقصدوها وما منهم إلا مكلوم من المشركين فضاق لذلك ذرعه وما نزل في نفسه مثل ما نزل بالمسلمين فألجأ إلى الله تعالى أمره وفوض إلى صاحب السماء شأنه ورفع يده إلى السماء وقال في دعائه يا من خلق خلقه وابلى بعضهم ببعض وجعل

стр. 105

ذلك محنة لهم أسألك بجاه محمد النبي ﷺ إلا ما جعلت لنا من امرنا فرجا ومخرجا ثم عاد إلى القتال وأصحاب رسول الله ﷺ يقاتلون معه تحت رايته فلله در ابي ذر الفغاري ﵁ فإنه نصر ابن عم رسول الله ﷺ وجاهد بين يديه قال عمرو بن ساعدة فلقد رايته مع كبر سنه يضرب بسيفه ضربا شديدا في الروم وينتمي إلى قومه ويذكر عند حملاته اسمه ويقول: أنا أبو ذر والمسلمون يفعلون كفعلة إلى أن بلغت القلوب الحناجر وظنوا أن في ذلك الموضع قبورهم. قال الواقدي رحمه الله تعالى: حدثني عبد الله بن انيس الجهني قال كنت أحب جعفرا واجب من اولاده عبد الله فلما قبض أبو بكر ﵁ وكان قائما مقام ابيه نظرت إلى أمه أسماء بنت عميس حزينة فكرهت أن انظر إليها في ذلك الحزن وايضا أن أبا بكر ﵁ في المسير إلى الشام فاستأذن عبد الله بن جعفر عمر بن الخطاب ﵁ في المسير إلى الشام وقال لي يا ابن انيس الجهني اشتهي أن ألحق بالشام ومعنا عشرون فارسا أكون مجاهدا أفتصحبني فقلت: نعم فودع عمه عليا ﵁ وودع عمر ﵁ وسار يريد الشام ومعنا عشرون فارسا حتى أتينا تبوك فقال: يا ابن انيس أتدري موضع قبر ابي فقلت: نعم فقال: أشتهي أن ارى الموضع قال فما أتينا الموضع فأريته موضع مصرع أبيه وموضع الوقعة وقبر ابيه جعفر رحمه الله تعالى وعليه حجارة فلما نظر إليه نزل ونزلنا معه وبكى وترحم فأقمنا عنده إلى صبيحة اليوم الثاني فلما رحلنا رايت عبد الله يبكي ووجهه مثل الزعفران فسألته عن ذلك فقال رأيت ابي البارحة في النوم وعليه حلتان خضراوتان وتاج وله جناحان وبيده سيف مسلول اخضر فسلمه إلى وقال: يا بنى قاتل به اعداءك فما وصلت إلى ما ترى إلا بالجهاد وكأني اقاتل بالسيف حتى تثلم قال عبد الله بن انيس وسرنا حتى أتينا عسكر ابي عبيدة ﵁ بدمشق فبعثه أمير تلك السرية إلى دير ابي القدس قال عبد الله بن انيس فلما رأيت بينه وبين الروم قلت: يوشك أن يذهب عبد الله فسرت كالبرق ورجعت إلى ابي عبيدة ﵁ فلما راني قال أبشارة يا ابن انيس ام لا فقلت: انفذ المسلمين إلى نصرة عبد الله بن جعفر ومن معه ثم حدثته بالقصة فقال أبو عبيدة: ﵁ أنا لله وأنا إليه راجعون ايصاب عبد الله بن جعفر ومن معه تحت رايتك يا أبا عبيدة وهي أول امارتك. قال الواقدي: ثم التفت خالد بن الوليد ﵁ فقال له: يا أبا سليمان سألتك بالله الحق عبد الله بن جعفر فأنت المعد لها فقال خالد: أنا لها أن شاء إله وما كنت انتظر إلا أن تأمرني فقال أبو عبيدة: ﵁ استحيت منك يا أبا سليمان فقال والله لو أمر علي طفل صغير لاطيعن له فكيف اخالفك وانت اقدم مني إيمانا.

стр. 106

واسبق اسلاما سبقت باسلامك مع السابقين وسارعت بايمانك مع المسارعين وسماك رسول الله بالأمين فكيف الحقك او انال درجتك والان اشهدك إني قد جعلت نفسي حبيسا في سبيل الله تعالى لا أخالفك ابدا ولا وليت امارة بعدها ابدا. قال قال الواقدي: فاستحسن المسلمون قوله فقال أبو عبيدة: ﵁ يا أبا سليمان الحق اخوانك رحمك الله قال فوثب خالد ﵁ كأنه الاسد وسار إلى رحلة فأفرغ عليه درع مسيلمة الكذاب الذي سلبه منه يوم اليمامة والقى بيضة على رأسه واردفها قلنسوة وتقلد بحسامه وانصب في سرجه كأنه السيل ونادى بجيش الزحف هلموا إلى جزب السيوف فأجابوه مسرعين كأنهم العقبان وبادروا إلى طاعة الرحمن واخذ خالد الراية بيده وهزها على ركابه ودار به عسكر الزحف من كل جانب وودع المسلمون بعضهم بعضا وساروا وسار خالد وعبد الله بن انيس يدلهم على الطريق قال رافع بن عميرة الطائي كنت يومئذ من أصحاب خالد بن الوليد ﵁ ولم يزل مجدا في السير والله يطوي لنا البعيد فلما كان عند غروب الشمس اشرفنا على القوم والروم كالجراد المنتشر قد غرق المسلمون في كثرتهم فقال خالد: يا ابن انيس في جانب أطلب ابن عم رسول الله ﷺ فقلت له: إنه واعد أصحابه أن يلتقوا عند دير الراهب او موعدهم الجنة. قال الواقدي: فنظر خالد نحو الدير فشاهد الراية الإسلامية وهي بن عبد الله بن جعفر وما من المسلمين إلا من اصيب بجرح وقد ايسو من الحياة الفانية وطعموا في الحياة السرمدية والروم تناوشهم بالحرب وتكثر الطعن الضرب وعبد الله بن جعفر يقول لأصحابه: دونكم والمشركين واصبروا لقتال المارقين واعلموا إنه قد تجلى عليكم ارحم الراحمين ثم قرأ الاية قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] فلما نظر خالد ﵁ إلى صبرهم وتجلدهم على القتال اعدائهم لم يطق الصبر دون أن حمل عليهم وهز رايته وقال لأصحابه: دونكم القوم القباح فأرووا من دمائهم السلاح وابشروا بالنجاح يا أهل حي على الفلاح قال الواقدي رحمه الله تعالى: فبينما أصحاب عبد الله بن جعفر في اشد ما يكونون فيه إذ خرجت عليهم خيل المسلمين وكتائب الموحدين كأنهم الطيور وعليها الرجال كأنهم العقبان الكاسرة والليوث الضارية وهم عائصون في الحديد وقد ارتفع لهم الضجيج وبخيلهم العجيج فلما نظر عبد الله وأصحابه إلى ذلك ظنوا إنها نجدة الأعداء فأيقنوا بالهلاك والفناء وجعلوا ينظرون إلى الخيل التي رأوها هي قاصدة إليهم ففزعوا وظنوا أن كمينا من الروم قد خرج لقتالهم فعظم عليهم الأمر وقل منهم الصبر وأخذهم.

стр. 107

البهر وقد لحق بالمشركين الدمار واتاهم حرب مثل النار والسيوف تلمع والرؤوس من الرجال تقطع والأرض قد امتلات قتلى وهم في أيدى المشركين كالأسرى والقوم في أشد القتال والسيف يعمل في الرجال إذ نادى فيهم مناد وهتف بهم هاتف خذل الأمن ونصر الخائف يا حملة القران جاءكم النصر من الرحمن ونصرتهم على عبدة الصلبان وقد بلغت القلوب الحناجر وعملت المرهفات البواتر وإذا بفارس على المقدمة كأنه الاسد الزائر او الليث الهادر ويده تشرق بالانوار كاشراف القمر فنادى الفارس باعلى صوته ابشروا يا معاشر حملة القران بالنصر المشيد أنا خالد بن الوليد فلما نظر المسلمون الرباية وسمعوا صوت خالد ﵁ كانهم كانوا في لجه واخرجهم فاجابوه بالتهليل والتكبير وكانت اصواتهم كالرعد القاصف والرياح العواصف ثم حمل خالد بن الوليد ﵁ بجيش الزحف الذي لا يفارقه ووضع السيف في الروم قال عامر بن سراقة فما شبهت حملته إلا حملة الاسد في الغنم ففرقهم يمينا وشمالا قال فثبت المسلمون وكل علج من الروم شديد يمانع عن نفسه وخالد يطلب أن يصل إلى عبد الله بن جعفر. ولما نظر المسلمون إلى الخيل المقبلة عليها ولم يعلموا ما هي حتى سمعوا صوت خالد بن الوليد ﵁ فقال: يا أيها الناس دونكم الأعداء فقد جاءكم النصر من رب السماء ثم حمل المسلمون معه قال وائلة بن الاسقع لقد كنا ايسنا من أنفسنا وايقنا بالهلاك حتى أتتنا المعونة من الله فحملنا بحملة اخواننا قال فما اختلط الظلام حتى نظرت إلى خالد بن الوليد ﵁ والراية بيده وهو يسوق المشركين بين يديه سوق الغنم إلى المراعي والمسلمون يقتلون يأسرون فلله در ابي ذر الغفاري وضرار بن الأزور والمسيب بن نجية الفزاري لقد قرنوا المواكب وهزوا المضارب وقتلوا الروم من كل جانب والتقى ضرار بعبد الله بن جعفر ﵁ فنظر إليه والدم على اكمام درعه كأكباد الإبل فقال شكر الله تعالى لك يا ابن عم رسول الله ﷺ والله إنك لقد أخذت بثأر ابيك وشفيت غليلك فقال عبد الله بن جعفر ﵁ من الرجل المخاطب لي وكان الظلام قد اعتكر وضرار ملثم لا يبين منه إلا الحدق فلم يعرفه عبد الله فقال أنا ضرار بن الأزور صاحب رسول الله ﷺ فقال مرحبا بطلعتك وبأخ منا عدل لنا وقام لنصرتنا.

стр. 108

معركة ضرار قال عبد الله بن انيس فبينما هم على ذلك إذ اقبل خالد بن الوليد ﵁ وجيش الزحف فقال شكر لك الله واحسن جزاءك ثم قال عبد الله يا ضرار اعلم أن حامية الروم والبطارقة عند الدير لاجل ابنه صاحب طرابلس وما معها من الأموال وقد.

стр. 109

أحاط بها كل فارس من الروم فهل لك يا ابن الأزور أن تحمل معي فقال وأين هم فقال: أما تنظر إليهم فمد عينه وإذا بحامية الروم وبطريق طرابلس وقد أحدقوا بالدير يمنعون عن الجارية والنيران مشتعلة والصلبان تلمع كضوء النار وكأنهم سد من حديد فقال ارشدك الله للخيرات فنعم المرشد أنت أحمل حتى أحمل معك بحملتك قال فحمل عبد الله بن جعفر من جهته وحمل ضرار بن الأزور من جهته واتبعتهما الرجال وزعقوا في الروم وحماة المشركين وهم يمانعون عن أنفسهم وكان اشدهم منعة بطريقهم فبرز أمام القوم وهو يهدر كالبعير ويزأر زئير الاسد يصيح بكلمة الكفر ويحمل حملات الشجعان فقصده ضرار بن الأزور وباطشه في الضرب والتقت الأقران ونظر ضرار إلى العلج وعظم خلقته وتمكنه في سرجه وشدة ضربه وحسن احترازه فاخذ ضرار منه حذره واحترز منه البطريق وطلبه اشد الطلب وكل واحد منهما طامع في صاحبه فانفرد ضرار بن الأزور مع صاحب القوم وكل قرن مع قرنه وليس مع ضرار أحد المسلمين فانبسط ضرار بين ايديهم ليمكر بهم وطلبه البطريق وأصحابه وقصدوه بحملتهم فلما نظر ضرار إلى ذلك قصد موضعا يصلح لمجال الخيل فاعترضه واحد من ظلمة الليل فكبابه الجواد فسقط الأرض هاويا ثم ثار من سقطته يروم أخذ الفرس فلم يجد إلى ذلك سبيلا فوقف مكانه وسيفه وجحفته بيده وجعل يجاهدهم بسيفه وصبر لهم صبر الكرام ولم يأخذه في الله لومة لائم فخفق عليه بطريق الروم واقبل يضرب بعموده فلما لازمه ورمى العمود عليه زاغ ضرار عن الضربة ثم وثب إليه وثبة الاسد وضربه ضربة ازعجت فرس البطريق من تحته وقام على رجليه وشك بيديه وضربه الثانية فوقعت ضربة ضرار في عين جواده فانتكس الجواد إلى الأرض ووقع العلج على ظهره ولم يقدر أن يقوم لانه مزرد في سرجه فعالجه ضرار قبل وصول غلمانه إليه وضربه على حبل عانقه فنبا سيفه ولم يعمل شيئا فناهضه المعلج وقد ايكن بالهلاك وقبض عليه وكان الجبل العظيم فرماه ضرار تحته وملك صدره واستوى على نحره وكان مع ضرار سكين من صنعة اليمن لا تفارقه فاستلها من غمدها وضرب صدر عدو الله إلى سرته فسقط عدو الله قتيلا وعجل الله روحه إلى النار وبئس القرار. ثم وثب ضرار وملك جواد عدو الله واستوى في سرجه وكان على الجواد كثيرا من الذهب والفضة والفصوص التي تساوي ثمنا كثيرا فلما صار على ظهر الجواد حمل وكبر على المشركين ففرقهم يمينا وشمالا وكان ضرار لما انبسط أمام القوم ملك عبد الله بن جعفر الدير ومن فيه ومن معه من المسلمين واحدقوا به ولم ياخذوا منه شيئا حتى رجع خالد ﵁ من اتباع الروم وذلك أن خالدا اتبعهم إلى نهر عظيم كان بينهم وبين طرابلس الشام والروم يعرفون مخاوضه فوقف خالد ورجع إلى أصحاب رسول الله ﷺ فوجدهم قد ملكوا الدير وقتلوا العلج وانتشرت الناس في جمع الغنائم وما.

стр. 110

كان في السوق والفراش والقماش والثياب والطعام وغيره قال وائلة بن الاسقع فجعلنا نجمعه ونأكل الخيرات واخرجوا ما كان في الدير من انية الذهب والفضة والستور والمراتب واخرجوا ابنة البطريق ومعها أربعون جارية لهن حلي وحلل والمال على البراذين والبغال والحمير فانقلب أصحاب رسول الله ﷺ بالغنيمة والأموال الجسيمة. قال الواقدي: فنسبت تلك السرية لثلاث عبد الله بن جعفر صاحبها وعبد الله بن انيس مدركها وخالد بن الوليد منجدها ولقى خالد فيها مشقة وجراحا مؤلمة فلما سار واقبل خالد إلى الدير فصاح بصاحبه يا راهب فلم يكلمه فهتف به مرة اخرى وهدده فاطلع عليه وقال: ما تشاء وحق المسيح ليطالبنك صاحب هذه الخضراء بدماء من قتلت فقال خالد: كيف يطالبنا وقد امرنا أن نقاتلكم ونجاهدكم ووعدنا على ذلك الثواب ووالله لولا رسول الله ﷺ نهانا أن نتعرض لكم لاتركتك في صومعتك بل كنت قتلتك اشر قتلة فسكت الراهب عنه ولم يجبه وانقلب خالد والمسلمون بالغنائم إلى دمشق وابو عبيدة ﵁ فيها فشكر لهم وسلم خالد وعلى عبد الله بن جعفر ﵁ ورجع إلى مكانه فخمس الغنيمة وقسمها على الناس فدفع لضرار بن الأزور فرس البطريق وسرجه وما عليه من حلى الذهب والفضة والجواهر والفصوص فأتى به ضرار إلى اخته السيدة خولة ﵂ قال فرأيتها تنزع فصوص الجوهر فنفرقها على نساء المسلمين وأن الفص منها ليساوي الثمن الكثير قال وعرض السبي على ابي عبيدة ﵁ وفي الجملة ابنة البطريق فقال عبد الله ابن جعفر أريدها قال أبو عبيدة: حتى استأذن أمير المؤمنين في ذلك فكتب إليه يعلمه بها وبمسألة عبد الله بن جعفر فكتب عمر بن الخطاب ﵁ هي له فأخذها عبد الله واقامت زمانا عنده وعلمها الطبخ وكانت من قبل تعرف طبخ الفرس والروم واقامت عنده إلى ايام يزيد فأخبر بها فاستهلااها منه فاهداها له وكانت عنده وقال عامر بن ربيعة اصابني من غنيمة سوق الدير أثواب ديباج حرير فيها صور الروم وكان في كل ثوب منها صورة حسنة وهي صورة مريم وعيسى ﵉ فحملت الثياب إلى اليمن فبيعت بثمن كثير وكتب إلى عمي وأنا مع ابي عبيدة يا ابن اخي ابعث لي من هذه الثياب واكثر منها فإنها تنفق. قال الواقدي: فلما رجع جيش المسلمين غانما كتب أبو عبيدة بن الجراح ﵁ إلى عمر بن الخطاب ﵁ كتابا يخبره بما فتح الله على يديه وما غنم المسلمون من دير ابي القدس ويمدخ خالدا ويشكره ويثني عليه ويخبره بما قال وما تكلم به وسأله في كتابه أن يكتب إلى خالد يستشيره في المسير إلى هرقل او إلى بيت المقدس وكتب إليه ايضا أن بعض المسلمين يشربون الخمر قال عاصم بن ذؤيب العامري وكان ممن شهد قتال الروم بالشام وفتح دمشق العرب الوافدين من اليمن فأخذوا في الشرب.
следующие страницы →