← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12049

قواطع الأدلة في الأصول

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (955 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة المؤلف ... قال الشيخ. بسم الله الرحمن الرحيم١. وهو حسبي وكفى رب يسر ولا تعسر. الحمد لولي الحمد ومستحقه وصلواته على خيرته من خليقته محمد وآله. أما بعد٢ فإني رأيت الفقه أصل العلوم وأشرفها قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] أمر الله تعالى بالتفقه في الدين وجعله فرضا على فرق الناس قاطبة ليقوم طائفة من كل فرقة به وينتصبوا في قومهم منصب الانبياء في اممهم منذرين ومحذرين دعاة إلى الله تعالى قائمين بدينه ياتين سبيله موضحين للخلق نهجه فصار الفقهاء خلفاء الرسل انذارا وتحذيرا وارثى علومهم قياما به وحملا سالكى طريقتهم بثا ونشرا وهذه مرتبة لا توجد لفرقة من الفرق وناهيك بها من مرتبة ولأن علم الفقه علم على منهج الازدياد لأنه العلم بأحكام الحوادث ولا حصر ولا حد للحوادث ولا حصر ولا حد للعلم بأحكامها ومواجبها وعلم الأصول في الديانات وأن كان علما شريفا في نفسه وهو أصل الأصول وقاعدة كل العلوم ولكنه علم محصور مبناه لأنه معارف محصورة أمر الله ﵎ بها لا مزيد فيها ولا نقصان منها وأما علم الفقه فعلم.

стр. 2

مستمر على ممر الدهور وعلى تقلب الاحوال والاطوار بالخلق لا انقضاء وانقطاع له وقد جعل الله تعالى اجتهاد الفقهاء في الحوادث في مدرج الوحى في زمان الرسل صلوات الله عليهم فقد كان الوحى هو المطلوب فى زمان الرسل ﵈ كشان أحكام الحوادث وحمل للخلق عليها فحين انقطع الوحى وانقضى زمانه وضع الله ﵎ الاجتهاد من الفقهاء فى موضع الوحى ليصدر منه بيان أحكام الله تعالى ويحمل الخلق عليها قبولا وعملا ولا مزيد على هذه المنقبة لا متجاوز عن هذه المرتبة: شاء وزاد الله جنته سؤددا ... وذلك مجد يملأ الحجر واليدا نعم وما يشبه الفقيه إلا بغواص في بحر در كلما غاص في بحر في بحر فطنته استخرج درا وغيره يستخرج بالخراز وطالب الزيادة في منهج الزيادة معان منصور مطالب الزيادة على مالايزيد عليه مبعد مخذول والله تعالى يفتح عين بصيرة من احب عباده بطوله وفضله ويعمى عين من يشاء بقهره وعدله وقد سبقت منى مصنفات في مسائل الخلاف التي هي بيننا وبين اصحاب الراي نبهت فيها على معاني الفقه واستخرجت لطالبيها قلائد١ وقرائد٢ طالما كانوا في طلبها فاعتاصت عليهم إلى أن يسر الله ذلك وتمهدت له قواعدها وطابت لهم مشارعها ونسقت معاني الفقه نسوقا وتعرقت عروقا اظن أن لامزيد عليها ولامحيد للمحققين عنها وقد كان جماعة من اصحابي احسن الله تعالى لهم التولي والحياطة يطلبون مجموعا في أصول الفقه يستحكم لهم بها معانيه ويقوى افرعها ويجتمع اشدها وينسق فروعها ويرسخ أصولها فإن من لم يعرف أصول معاني الفقه لم ينج من مواقع التقليد وعد من جملة العوام وما زلت طول ايامي اطالع تصانيف الاصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة لم يداخل حقيقة الأصول على مايوافق معاني الفقه وقد رايت بعضهم قد اوغل وحلل وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل٣ وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه بل لا.

стр. 3

قبيل لهم فيه ولا وفير ولا نقير ولا قطمير ومن تشبع بما لم يعطه فقد لبس ثوبى زور وعادة السوء قطاع لطريق الحق وصم عن سبيل الرشد واصابة الصواب فاستخرت الله تعالى عند ذلك وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه اسلك فيه طريقة الفقهاء من غير زيغ عنه ولا حيد ولاميل ولا أرضى بظاهر من الكلام ومتكلف من العبارة معول على السامعين ويسبى قلوب الأعتام الجاهلين لكن اقصد لباب اللب وصفو الفطنة وزيدة الفهم وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة وأذكر من شبه المخالفين بما عولوا عليها وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة بالايراد وأتكلم بما تزاح معه الشبهة وينحل معه الاشكال بعون الله تعالى وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع لتكون عونا للناظر وحين أصل إلى باب القياس وما يتشعب منه من وجوه الكلام ومأخذ الحجة وطريقة الأسئلة والأجوبة ووجوه الأعتراض والأخذ الخصوم وتوقيف المجادلين على سواء الصراط وطلب ملازمة حدود النظر وسلوك الجدد وترك الحيد ومجانبة الزيغ والأخذ والمبين المحكم من مخاييل الظنيات وما تعلق به الاصحاب بمحض الاشتباه في كثير من المسائل ووجه صحة ذلك وفساده فسأشرح عند ذلك وأبسط زيادة بسط وشرح على حسب ما يسمح به الخاطر ويجود به الوقت والله المعين على ذلك والميسر له بمنه.

стр. 4

القول في مقدمات أصول الفقه . اعلم أن أول ما نبدأ في هذا الفصل هو معرفة الفقه وأصوله ثم نبنى عليه ما يتشعب منه فنقول. الفقه في اللغة من قولهم فقهت الشيء إذا ادركته وادراكك علم الشيء فقه١. قال أبو الحسن بن فارس وقيل هو في اللغة المعرفة بقصد المتكلم يقول القائل فقهت كلامك أي عرفت قصدك به٢. وأما في عرف الفقهاء فهو العلم بأحكام الشريعة. وقيل جملة من العلوم بأحكام شرعية. فإن قال قائل أن في الفقه ظنيات كثيرة فكيف يسمى علما قلنا ما كان فيه من الظنيات فهى مستندة إلى العلميات ولأن الظن منى يسمى علما لأنه يؤدي إليه قال الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أي يعلمون. وقيل أن الفقه هو أستنباط حكم المشكل من الواضح يقال فلان يتفقه إذا أستنبط علم الأحكام وتتبعها من طريق الأستدلال قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ.

стр. 5

طَائِفَةٌ﴾ الآية والدليل على أن التفقه أصل الاستنباط والاستدلال على الشيء بغيره حديث زياد بن لبيد قال ذكر رسول الله ﷺ شيئا وقال ذلك أوان ذهاب العلم قلت: كيف يذهب العلم وكتاب الله عندنا نقرأه ونقرأه ابنائنا فقال: "ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأراك من فقهاء المدينة أو من افقه رجل بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة والأنجيل ولا يعلمون بشىء مما فيهما" ١ فدل قوله: "أن كنت اعدك من فقهاء المدينة" على أنه لما لم يستنبط علم ما اشكل عليه من ذهاب العلم مع بقاء الكتاب بما شاهده من زوال العلم عن اليهود والنصارى مع بقاء التوراة والأنجيل عندهم حرج عن الفقه فهذا يدل على ماذكرناه من أن الفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح وعلى هذا قوله ﷺ : "رب حامل فقه غير فقيه" ٢ أي غير مستنبط ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له أستدلال ولا أستنباط فيها. "وأما أصول الفقه" فهي من حيث اللغة ما يتفرع عليه الفقه٣ وعند الفقهاء هي طريق الفقه التي يؤدى الاستدلال بها إلى معرفة الأحكام الشرعية٤ وهي تنقسم إلى قسمين إلى دلالة وإمارة فالدلالة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى العلم٥ والإمارة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى غالب الظن٦ ويقال في حد إلا صل ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره. وقيل الأصل مايقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه والعبارتان مدخولتان لأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال مثل.

стр. 6

ماورد به الشرع من دية الجنين والقسامة وتحمل العقل فهذه أصول ليست لها فروع فالأولى أن يقال أن الأصل كل ما يثبت دليلا في ايجاد حكم من أحكام الدين وإذا حد هذا فيتناول ما جلب فرعا أو لم بجلبه ثم اختلفوا في عدد الأصول قال عامة الفقهاء الأصول أربعة الكتاب والسنة واجماع الأمة والعبرة واختصر بعضهم فقال دلائل الشرع قسمان أصل ومعقول الأصل فالأصل الكتاب والسنة والأجماع ومعقول الأصل هو القياس وأشار الشافعي ﵀ أن جماع الأصول نص ومعنى فالكتاب والسنة والأجماع داخل تحت النص والمعنى هو القياس وقد ضم بعضهم العقل إلى هذه الأصول وجعله قسما خامسا. وقال أبو العباس بن القاص الأصول سبعة الحس والعقل والكتاب والسنة والأجماع والعبرة واللغة والصحيح أن الأصول أربعة على ما قدمنا وأما العقل فليس بدليل يوجب شيئا وإنما يكون به درك الأمور فحسب أو هو آلة المعارف وأما الحس فلا يكون دليلا بحال والأمر فيه بين لأن الحس يقع فيه درك الأشياء الحاضرة فهي مالم يوجد كونا ولم يشاهد عينا فلا يكون للحس فيها تأثير وأما اللغة فهي مدرجة اللسان وفطنة لمعاني الكلام وأكثر ما فيها أنها عبارة عن الشيء باسمه تمييزا له عن غيره بوضعه ولاحظ لأمثال هذا في ايجاب شيء واثبات حكم وإذا عرفنا الفقه وأصوله فلا بد من معرفة العلم لأنا بينا أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فنقول العلم على ضربين ضروري ومكتسب ونعنى به العلم الذي هو يحدث فأما العلم القديم الذي هو للباري عز اسمه فلا نوصفه بواحد منهما فأما علم الاضرار فضربان: أحدهما: ما كان مبدئا في النفوس كالعلم بأن المسمى لا يخلو من وجود أو عدم وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم وأن من المستحيل اجتماع الضدين وكون الجسم في محلين وزيادة الواحد على الأثنين وعلى هذا علم الأنسان بأحوال من نفسه من صحة وسقم وقوة وضعف وشجاعة وجبن ونفور وميل وغير ذلك وهذا النوع من العلم يدرك ببديهة العقل من غير أن يقوم له سبب. والضرب الثاني: ما كان واقعا عن درك الحواس كالاشخاص المدركة بالبعد والاصوات المدركة بالسمع والطعوم المدركة بالذوق والروائح المدركة بالشم والاجسام المدركة باللمس ويدخل في هذا الضرب العلم بالبلدان التي لم يحضرها والوقائع التي لم يشهدها وكذلك العلم بورود الرسل صلوات الله عليهم ودعائهم إلى الله .

стр. 7

وتكذيبهم وتصديقهم وأمثال هذا تكثر وضربى هذا العلم مدرك بغير نظر ولا استدلال وحده ما لا يمكن للعالم به نفيه عن نفسه بشك أو شبهة وأما العلم المكتسب فهو الواقع عن نظر واستدلال وهو على ضربين مسموع ومعقول فالمسموع ما أخذ عن توقيف صار به أصلا والمعقول ما أخذ عن اجتهاد صار به فرعا واختلفوا في حد العلم فقال بعضهم تبين المعلوم أو معرفة المعلوم أو درك المعلوم على ما هو به والأحسن هو اللفظ الأخير والذي قاله بعضهم أنه اثبات الشيء على ما هو به فاسد لأن المعدوم معلوم وهذا الحد يقتضى أن يكون شيئا وهو ليس بشيء عند أهل السنة والذي قاله بعضهم أنه اعتقاد الشيء على ما هو عليه باطل لأن الله تعالى مما لم يعلم على مانطق به الكتاب والسنة ولا نطلق عليه الاعتقاد بحال بل هو من صفات المخلوقين وإذا لم يكن الحد جامعا لم يكن صحيحا وهذا الحد حد المعتزلة وهم ضلال في كل ما ينفردون به وأما من حيث اللغة قال ابن فارس هو من قوله علمت الشيء وعلمت به وهو عرفانه على ما هو به يقال علمته علما قال وقد يكون اشتقاقه من العلم والعلامة وذلك لأن العلامة أمارة مما يميز بها الشيء عن غيره وكذلك العلم يميز به صاحبه عن غيره وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] أي نزول عيسى بن مريم به يعرف قرب الساعة وقراءة قوم: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي أمارة ودلالة. "وأما الجهل" فهو اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به ولابأس بلفظ الاعتقاد في حد الجهل بخلاف العلم على ما سبق. "وأما الشك" فهو الوقوف بين منزلتي الجهل والعلم وقيل تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر فإذا ظهرت المزية لأحدهما على الآخر فهو ظن ويقال غلبه احد طرفي التجويز فإذا قوى سمى غالب الظن وقد ورد الظن بمعنى اليقين وقد ورد بمعنى الشك بدليل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] أي يشكون فاليقين منه ما كان له سبب دل عليه والشك منه ماخطر بالقلب من غير سبب يدل عليه. فإن قال قائل إنكم قلتم أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فما أحكام الشريعة قلنا هي المنقسمة إلى كون الفعل واجبا ومندوبا إليه ومباحا ومحظورا ومكروها وليست الأحكام هي الأفعال بل هي مضافة إلى الأفعال يقال أحكام الأفعال والشيء لا يضاف إلى نفسه فالواجب مايثاب على فعله ويعاقب على تركه وهو في اللغة من.

стр. 8

السقوط١ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي سقطت فكأنه الشيء الذي سقط على المخاطب به فلزمه وأثقله كما يسقط عليه الشيء فلا يمكن دفعه عن نفسه والفرض مثل الواجب يقال فرضت عليك كذا أي اوجبته قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي أوجب على نفسه ومنه قيل لسهام الميراث فريضة. وأما الندب: فهو ما فيه ثناء على فعله ولا يعاقب على تركه وأصله في اللغة هو المدعو له والمرغب فيه٢ يقال ندبته لكذا فانتدب له والنفل قريب من الندب إلا أنه دونه في المنزلة والنافلة من حيث اللغة الزيادة بعد الواجب وأصله من النفل وهو العطاء ومنه قول لبيد أن تقوى ربنا خير نفل. والجائز: ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في في تركه وأصله من جزت المكان إذا عبرته كأنه الشيء إذا وقع جاز ومضى ولم يحبسه مانع. والحلال: هو الموسع في إثباته. وأما المحظور: فهو ممنوع فعله وأصل الحظرا المنع ومنه الحظيرة التي تفعل للدواب لجمعها ومنعها من التفرق وكذلك الحرام هو الممنوع من إتيانه ومنه المحروم وهو الذي منع سعة الرزق ويقال الحرام والمحظور ما يعاقب على فعله. والمكروه: ما تركه اولى من فعله. والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويتحصل به المقصود. والفاسد: مالا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به المقصود. والصواب: [ما] ٣ أصيب به المقصود بحكم الشرع. والخطا: نقيض الصواب في اللغة معناه مخالفة القصد والعدول عنه إلى غيره. والحق يستعمل على وجهين أحدهما بمعنى الصواب يقال حق عليك أن تفعل كذا أي واجب والطاعة٤ مأخوذة من الطوع والأنقياد ومعناها تلقى الأمر بالقبول والمعصية ضد الطاعة.

стр. 9

والحسن: كل فعل إذا فعله الفاعل لا يستحق الفاعل له ذما. والقبح: كل فعل إذا فعله الفاعل استحق بفعله الذم. واذا عرضنا انقسام أحكام الشرع فنقول العلم بأحكام الشريعة ضربان: أحدهما: ما وجب فرض العلم به على الأعيان وهو ما لا يخلو مكلف من التزامه والعمل به من أفعال وتروك كالصوم والصلاة ووجوب الزكاة والحج لمن يجد المال وتحريم الزنا واباحة النكاح وتحريم الربا واباحة البيع وتحريم الخمر والقتل والسرقة وكذلك كل ما يكثر مواقعته من المحظورات ويجب على كل مكلف أن يعلم وجوبها عليه لاستدامة التزامها واختلفوا في عمله بوجوبها هل يجب أن يكون عن علمه بأصولها ودلائلها فذهب بعضهم إلى وجوب علمها بأصولها ودلائلها فيكون فرض العلم بأصولها على الأعيان كما كان فرض أحكامها على الأعيان وذهب بعضهم إلى أن فرض العلم بأصولها ساقط عنهم لأن الواجب عليهم العمل وأما العلم بالدلائل فيختص بها العلماء وهذا الوجه اوسع وأسهل وهو الأولى. والضرب الثاني ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو ما عدا النوعين من الأحكام التي تجوز أن يخلوالمكللف من التزامها ومعنى الفرض على الكفاية أنه يجب أن ينتدب لعلمه قوم في كل عصر فيرجع من يلزمه في حكمه إلى من يعلمه وإنما لم يجب على الأعيان لأن العلم بها لا يكون إلا مع الانقطاع إليها فإذا أوجبنا على كل ذلك اختل أمر المصالح التي هي مصالح الدنيا لأنهم إذا انقطعوا إلى العلم لم يتفرغوا للقيام بمصالح الدنيا فكان الواجب على الكفاية ليقوم به قوم والباقون يقومون بمصالح الدنيا فتنتظم على هذا الوجه مصالح الدين والدنيا جميعا ويجب أن يجتمع العلم بالأصول والأحكام في كل واحد من أهل الكفاية ولا يختص بكفاية العلم بالأحكام فريق وبكفاية العلم بالأصول فريق فإن تفرد بعلم الأحكام فريق وبعلم الأصول فريق لم تسقط بواحد منهما فرض الكفاية في الأحكام والأصول لأن الأحكام فروع الأصول والأصول موضوعة للفروع فلم يجز انفراد أحدهما عن الآخر. وذهب من قال أن العالم يجوز له تقليد العالم إلى أنه لا يلزم الجمع بينهما ووأنه إذا انفرد بكل واحد من الأمرين جعل كاجتماعهما في الواحد وسقط بذلك فرض الكفاية واختلفوا بعد هذا في كيفية الوجوب في الواجب على الكفاية فذهبت طائفة من الفقهاء والأشعرية من المتكلمين إلى أنه واجب على كل واحد من أهل الفريضة بعينه.

стр. 10

بشرط أن لم يقم به غيره١. وذهب طائفة من الفقهاء والمعتزلة من المتكلمين إلى أنه غير واجب على احد بعينه إلا بشرط أن لا يقوم به غيره٢ فيكون على الوجه الأول فرضا إلا أن يقوم به الغير.

стр. 11

فيسقط وعلى القول الثاني غير فرض إلا أن لا يقوم به الغير فيجب. وذهب بعضهم إلى أنه أن غلب على ظنه أن يقوم به غيره لا يجب عليه وأن غلب على ظنه أنه لا يقوم به احد وجب عليه وهذا وجه حسن والخلاف الأول محض صورة لاظهور فائدة فلا أرى له معنى١ واذ قد ذكرنا معنى العلم فلا بد أن نذكر معنى العقل وما قيل في حقيقته. وقد قيل أنه أصل لكل علم وكان بعض أهل العلم يسميه أم العلم وقد اكثر الناس الخلاف فيه قبل الشرع وبعده ومن كثرة اختلاف الناس فيه قال بعضهم. سل الناس أن كانوا لديك افاضلا ... عن العقل وانظر هل جوات٢ محصل وقد جعله المتقدمون جوهرة وقالوا: أنه جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات قالوا: وهذا فاسد لانه لو كان جوهر لصح قيامه بذاته فجاز أن يكون عقل بلا عاقل كما جاز أن يكون جسم بغير عقل فحين لم يتصور ذلك دل أنه ليس بجوهر وأما عند كافة المسلمين فهو نوعا من العلم يدخل في جملة اقسامه واختلفوا في حقيقته على أقاويل شتى وقد روى عن الشافعي ﵀ أنه قال آلة التمييز. وقال بعضهم العقل بصر القلب وهو بمنزلة البصر من العين ندرك به المعلومات كادراك البصر المشاهدات قاله أبو الحسن عن ابن حمزة الطبري. وقال بعضهم هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات وقال بعضهم معنى العقل هو العلم لا فرق بينهما لانه لا فرق عند أهل اللغة وأرباب اللسان بين قولهم علمت وعقلت فيستعملون العلم والعقل على حد ولاحد في معنى واحد ويقولون هذا أمر.

стр. 12

معلوم ومعقول ويقولون اعلم ما تقول واعقل ماتقول وفي استعمال العلماء يقع على اسمه قدر من العلم يميز من قام به بين خير الخيرين وشر الشرين ويصح منه بحصوله به الاستشهاد بالشاهد على الغائب ويخرج به عن حد المجانين والمعتوهين ويصح معه التكليف والخطاب. ويمكن أن يقال أنه قوة ضرورية للوجود بها يصح درك الأشياء ويتوجه تكليف الشرع وهو ما يعرفه كل انسان من نفسه ولا يستدل عليه بغيره لأن الاستدلال يفتقر إلى علم ينتظر فيه وأصل يعتمد عليه ولو كان غيره دليلا عليه لكان مكتسبا لا ضروريا ثم أن العقل تختلف مراتبه. فأولها: إدراك مايدرك بديهة وعلم ما يعلم بأول الراي وأعلاها ادراك الغائبات بالوسائط واسم العقل منتفى عن الله تعالى لأن علمه احاط بالأشياء لا عن جهة الاستدلال ولا بالترقى إلى معرفتها بالاجتهاد ولأن الأصل في اسامي الرب تعالى هو التوقيف ولا توقيف في وصف الله تعالى بالعقل فلا يوصف به واعلم أن محله القلب لأن محل سائر العلوم القلب فكذلك هذا ايضا ولأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [قّ: ٣٧] أي عقل دل أن محله القلب حيث عبر به عنه وقال بعض اصحاب ابي حنيفة أن محله الدماغ يقال فلان خفيف الدماغ أى ليس له عقل ولأنه إذا جن الدماغ ذهب العقل والأول اصح وقد قال جماعة أن العقل عقلان عقل غريزى وهو القوة المتهيئة لقبول العلم وهو من حيث القوة موجود في كل خليقة من الادميين وجوده في الطفل كوجود النخل في النواة والسمبل في الحبة. والثاني: عقل مستفاد وهو الذي تتقوى به تلك القوة وقد يحصل باختيار من العبد ويحصل بغير اختيار منه قالوا: والعقل الغريزي بمنزلة البصر للجسد والمستفاد بمنزلة النور فكما أن المبصر لم يكن له نور من الجو لم يدرك بصره شيئا فكذلك العقل إذا لم يكن له نور من العلم المستفاد لم تعد بصيرة قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وما ذكرناه أولا من باب الفقهاء وطريقتهم هي الأولى وإذا عرفنا العلم واقسامه فنقول قد بينا أن الأصول أربعة الكتاب والسنة والاجماع والقياس وقال بعض اصحابنا ومعقول أصل واستصحاب الحال وقالوا: دخل في معقول الأصل دليل الخطاب وفحوى الخطاب ولحسن الخطاب وفى استصحاب الحال خلاف سنذكره.

стр. 13

"الكتاب" فأما الكتاب فهو أم الدلائل وقيم البيان لجميع الأحكام قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [ابراهيم: ١] . قال الشافعي ﵀ ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا وفي كتاب الله تعالى الدليل على سبيل الهدى فيها. فإن قال قائل أن من الأحكام مايثبت لهذا بالسنة قلنا ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة لان كتاب الله تعالى أوجب علينا اتباع الرسول صلوات الله عليه وفرض علينا الأخذ بقوله وحذرنا مخالفته قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] . قال الشافعي فما قيل عن رسول الله ﷺ فعن الله قيل فإن قيل هيئات القبوض في البياعات وكيفية الاحراز في السرقة وغالب العقود في المعاملات ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة. قلنا قد قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] والعرف ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم معاملة فصار العرف في صفة القبوض والإحراز والنفوذ معتبرا بالكتاب فعلى هذا نقول أن الكتاب أمثل الدلائل والسنة ماخوذة منه والقياس مأخوذ من الكتاب والسنة والاجماع ماخوذ من الكتاب والسنة والقياس. وكتاب الله تعالى هو المنقول إلينا بطريق التواتر على وجه يوجب العلم المقطوع الذي لا يخامره شك ولاشبهة وهو المثبت بين الدفتين فكل من عاين الرسول ﷺ حصل العلم بالسماع وهو أنه سمع رسول الله ﷺ أن هذا هو القران الذي انزله الله تعالى وهو كلامه ووحيه ومن لم يعاين الرسول حصل له العلم بالنقل المتواتر خلفا عن سلف وذلك العلم هو أنه ثبت عندنا أن محمدا ﷺ بما اقام به الدليل وثبت أنه كان يقول: أن الكتاب الذي جاء به هو هذا القران وانه كلام الله ووحيه ولا نقول انا علمنا أنه كلام الله بالاعجاز لانه يجوز أن يعجز الله الخلق عن الاتيان بمثل١.

стр. 14

كلام لا يكون ذلك الكلام كلامه بل بالمعجزات عرفنا نبوة الرسول صلوات الله عليه ونقول عرفنا أن القرآن كلام الله ونقول أن القران في نفسه معجز لا يجوز أن ياتي أحد بمثله في جزالته وفصاحته ونظمه وكذلك من حيث معانيه هو معجز الخلق عن الاتيان بمثله ومع تحدي الرسول صلوات الله عليه وسلم وطلبه اياهم أن ياتوا بمثله فعجزوا عنه ولا نقول كما قال بعض المبتدعة أن نفس القران ليس بمعجز فإن فصاحة بعض الفحول من شعراء الجاهلية لا تكون دون فصاحته وإنما الاعجاز في القران هو أن الله منع الخلق عن الإتيان بمثله مع قدرتهم عليه وهذا قول باطل وزعم كاذب سمعت والدي ﵀ يقول: أن هذا قول اخترعه الجاحظ ولم يسبقه إليه احد وقال بعده فاياه اتبع وعلى منواله نسج وهو في نفسه مستسمج مستهجر بالتامل في نظم القران وجزالته وفصاحته وعرضه على كل نظم عرف من اساليب كلام العرب وكل كلام فصيح عرف من كلامهم ثم امتيازه عن الكل بروائه وبهائه وطلاوته وحلاوته واعرافه وابتنائه واعجازه ظاهر لكل ذي لب من الناس لولا خذلان يلحق بعض القوم ونسال الله العصمة بمنه ولا يحتمل هذا الموضوع بيان وجوه الاعجاز في القران وقد كفينا مؤنة ذلك بحمد الله بمنه واعنى بذلك جماعة من علماء أهل السنة والله تعالى يشكر سعيهم ويرحمهم وإيانا بمنه. والمصحف الامام: هو هذا المصحف الذي بين المسلمين جمع في زمان ابي بكر الصديق ﵁ باجماع الصحابة واخرج في زمن عثمان ﵁ ونسخ منه المصاحف وفرقت في البلدان وعليه الاتفاق. وفي الباب خطب كبير واقتصرنا على هذا القدر وقد دل اتفاق المسلمين على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى وعلى أن التسمية من فاتحة الكتاب وكذلك هي من القران في كل موضع اثبت في المصاحف وقد اتينا على هذا الدليل في الخلافيات. " السنة " وأما السنة: فهو الأصل الثاني وهو تلو الكتاب وهي عبارة عن كل ما شرعه الرسول ﷺ لهذه الأمة قولا وفعلا. قال أبو سليمان الخطابي هي الطريقة المسلوكة في الأمر المحمود وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن إذا امررته عليه حتى يؤثر فيه تسنينا أي طرائق فإذا اطلقت السنة اريد بها الطريقة المحمودة وإذا قيدت كانت في الخير والشر لقوله ﷺ : " من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة

стр. 15

فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" ١. ويقال السنة عبارة عن السيرة قال الشاعر: فلا تجزعن من سنة انت سرتها ... فأول راضى بسنة من يسير بها معناه من سيرة انت سرتها فسنة رسول الله ﷺ هي الطريقة التي سلكها رسول الله ﷺ ثم لها مراتب ونقل بعضها يوجب العمل ونقل بعضها يوجب العلم وسيرد ذلك في باب الاخبار بعون الله تعالى. وأما الملة: فهي عبارة عن شريعة الرسول ﷺ . وقيل هي عبارة عما يمله الملك على النبي ﷺ من علم الوحى. "الاجماع" وأما الأصل الثالث وهو الاجماع فهو حجة خلافا لبعض الناس وسنبين ذلك والاجماع في اللغة العزم على الأمر يقال اجمعت على الشيء وازمعت عليه بمعنى واحد ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] أي اعرضوه فامضوه. وقد قيل في عبارة أن الفقه استفاضة القول وانتشاره في الجماعة الذي نسب الاجماع اليهم وفي مسائل الاجماع كلام كثير وسياتي بيانه أن شاء الله. " القياس " والأصل الرابع هو القياس وأصله في اللغه التقدير ولذلك يقال للميل الذي يسد به غور الجرح٢ مقياس ومسيار. قال الشماخ ودلج الليل مهاد قياس أي يصير بالطرق مقدر ليسير فيما يقضى بانتهائه إلى المقصد. ويقال أنه حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه لنوع من الشبه وسياتي الكلام فيه على الاشباع ونذكر معنى العله والسبب والشرط والعرف والفرق بين هذه الاشياء لغة وفي عرف الفقهاء وإذا عرفت هذه الأصول فلا بد من النظر في هذه الأصول لتعرف أحكام الشريعة.

стр. 16

" النظر " فالنظر هو الفكر في حال المنظور إليه والتوصل بأدلته إلى المطلوب١. يقال تناظر الرجلان إذا تقابلا بنظريهما ايهما المصيب وابهما المخطىء. وقيل هو تصفح الادلة لاستخراج الأحكام وللنظر شروط. أحدها أن يكون الناظر كامل الالة على ما نذكره في باب المعنى. الثاني أن يكون نظره في دليل لا في شبهة. والثالث أن يستوفى شروط الدليل وترتيبه على حقيقته بتقديم ما يجب تقديمه وتأخير مايجب تأخيره. يجب أن يكون المطلوب هو علم الاكتساب لا علم الضرورة وفى الاجتهاد كلام كثير في بابه. "الجدل" والجدل قريب معناه من النظر إلا أن النظر يكون من الناظر وحده والجدل إنما يكون بمنازعة غيره وأصله من الجدل [وهو الفتل] ٢ كانه فتل صاحبه بالحجاج عن رايه ومذهبه إلى راى غيره٣. وقال بعضهم الجدل اكثره في الباطل والنظر في الحق. " الدليل " وأما الدليل هو المرشد إلى المطلوب وقالوا: ايضا هو الدال على الشيء والهادي يقال دل على كذا فهو دال ودليل كما يقال عالم وعليم وقادر وقدير٤. والدلالة مصدر وقد يقال دليلي كذا أي دلالتي والمصدر يوضع موضع الأسماء٥.

стр. 17

وقد قال اكثر المتكلمين وبعض الفقهاء لا يستعمل الدليل إلا فيما يؤدى إلى العلم فاما فيما يؤدى إلى الظن فلا يقال دليل وإنما يقال له امارة عند عامة الفقهاء أنه لا فرق بينهما لأن العرب لا تفرق في تسمية الدليل من ما يؤدى إلى العلم ويؤدى إلى الظن وأما الدال في ذكرنا إنما الدليل واحد. وقيل هو الناصب للدليل وهو الله تعالى. والمستدل: هو الطالب للدليل ويقع على السائل لانه يطلب الدليل من المسئول ويقع على المسئول لانه يطلب الدليل من الأصول١. والمستدل عليه: هو الحكم الذي يطلب من التحليل والتحريم٢. والمستدل له: يقع على الحكم لانه يطلب له الدليل ويقع على السائل لانه يطلب الدليل٣. والاستدلال: طلب الدليل وقد يكون ذلك من السائل والمسئول جميعا٤. فان قال قائل قد ذكرتم الحد في هذه الاشياء فما معنى الحد الحد وحده قلنا هو اللفظ الوجيز المحيط بالمعنى٥. وقيل هو الجامع المانع٦. وقيل معناه أنه يجمع الشيء المقصود به ويمنع دخول غيره عليه٧. وقد قيل الحد هو النهاية التي إليها تمام المعنى وحدود الدار ماخوذة من هذا لانها نهايات الاملاك وكذلك حدود الله تعالى التي ضربها لفرائضه نهايات لها لئلا تتعدى.

стр. 18

وأصل الحد المنع ومنه تسمى النوار حدادا ومنه سمى الحديد حديدا لانه يمنع لابسه ومنه قيل للمحروم محدود لانه منع سعة الرزق وسميت العقوبات حدودا لانها تمنع وتردع وحدود الدار على هذا القول هي الموانع من وقوع الاشتراك في خاص الاملاك ولم نشبع القول في الحدود لانها تاتي في مواضعها من ابواب الكتاب أن شاء الله تعالى.

стр. 19

القول في اقسام الكلام ومعانى الحروف التي لابد من معرفتها في مسائل الفقه . علم أن جميع ما يتلفظ به في مسائل الفقه قسمان مستعمل ومهمل. والمهمل كل كلام لا يوضع لفائدة. والمستعمل كل كلام وضع لفائدة ثم الكلام من جهة اللفظ مقسوم على ثلاثة اقسام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. ومن جهة المعنى إلى أربعة أقسام أمر ونهى وخبر واستخبار قالوا: فالاسم ما دل على معنى منفرد وذلك المعنى يكون شخصا ويكون غير شخص فالشخص نحو رجل وفرس وحجر وغير الشخص فنحو الضرب والاكل والليل والنهار ونحو باقي الاشياء وإنما قيل ما دل على معنى منفرد ليفرقوا بينه وبين الفعل إذا كان الفعل يدل على معنى وزمان كقولك ضرب وقام ويضرب ويقوم وما اشبه ذلك يدل على زمان أما في الماضي وأما في المستقبل. واما الحرف: اداة تفيد معنى في الكلام إذا ضم إليه قالوا: واقل ما يأتلف منه الكلام اسم واسم كقولك زيد قائم وكقولك الله الهنا أو اسم وفعل كقولك قام عمرو وضرب زيد ولا ياتلف الفعل ولا الحرف مع الحرف ولا الحرف مع الفعل ولا الحرف مع الاسم وياتلف الاسم والفعل والحرف [كقولك] ١ خرج عبد الله وهل ذهب زيد ونحو ذلك. ثم الأسماء المعربة على أربعة أضرب: اسم الجنس الذي بقتضيه من جنس آخر كقولك الحيوان والانسان والدينار والدرهم والاكل والصوت وجميع ما اردت به العموم والالف واللام يدخلان في هذا النوع لعهد.

стр. 20

الجنس لا التعريف. الضرب الثاني: اسم الواحد من الجنس نحو رجل وفرس وبعير وحمار ودينار ودرهم وسمى هذا النوع الأسماء الموضوعة وهي تفيد المعرفة بذات الشيء فقط. والضرب الثالث: ما اشتق لوصف من الجنس نحو ضارب مشتق من الضرب وعالم مشتق من العلم وحسن مشتق من الحسن وهذه الأسماء تسمى الأسماء المشتقة وهي تفيد المعرفة بذات الشيء وصفته وتخبر عن حقيقته وماهيته وقال الحسن بن هانىء اجمع هذا الاسم بين الأمرين: أن اسم جنس لو جمعها صفة ... ولا أرى ذا لغيرها اجتمعا وهي إذا سميت فقد وصفت ... فيجمع اللفظ المعنيين معا والضرب الرابع: مالقب به شيء بعينه ليعرف من غيره نحو زيد وعمرو وما اشبه ذلك وتسمى الأسماء الأعلام وأسماء الألقاب والأسماء المنقولة لأنها منقولة من أصولها إلى غيرها على جهة الاصطلاح وإنما تفيد التشهير وتمييز الشخص من غيره وليس بحثه إلا هذا. ثم أن الأسماء الموضوعة تنقسم إلى خمسة أقسام: الأسماء المبهمة كقولك شيء وموجود وحيوان وسميت مبهمة لأنها لا تفيد المعرفة بعين من الأعيان خاص بل يستوى فيها ما تحتها من أنواع الاشياء والحيوانات والموجودات. والقسم الثاني: في الأسماء المتضادة مثل القرء والجون١ فإن الطهر والحيض على تضادهما يتناولهما اسم القرء والبياض والسواد على تضادهما يتناولهما اسم الجون. والقسم الثالث: الأسماء المترادفة كقولك ليث واسد وحجر وفهد وخمر وعقار وسائر ما تترادف عليه الأسماء المختلفة ذات العدد مع اتفاق المعنى. والقسم الرابع الأسماء المشتركة مثل العين هي العين التي تبصر بها ولعين الماء ولعين الميزان وللمهر الكبير ومثل اللون ومثل العرض هو اسم للواحد من العروض لما هو خلاف الطول وعرض لسعة الشيء مثل قوله تعالى: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ

стр. 21

وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . والقسم الخامس: الأسماء المختلفة وهي ما اختلفت اسمائها ومعانيها وهي اكثر الأسماء لانها موضوعة للدلالة على المسميات ومن شانها اختلافها في صورة بالفصل بينها وبين غيرها. كقولك حمار وفرس وجدار وبعير وغيرها من الأسماء هكذا اورده أبو سليمان الخطابي على ما نقلته وهو ثقة فيما ينقله. معاني بعض الحروف١. ونذكر الان معاني الحروف التي تقع إليها الحاجة للفقهاء ولا يكون بد من معرفتها وتشتد فيها المنازعة بين أهل العلم فمنها حروف من حروف العطف٢. أولها الواو وقد ادعى جماعة من اصحابنا انها للترتيب واضافوا القول به إلى الشافعي رحمة الله عليه وقد حكى هذا المذهب عن بعض نحاة الكوفيين٣. واما عامة أهل اللغة فعلى خلاف ذلك وإنما هي عندهم للجمع٤ واشتراك الثاني.

стр. 22

فيما دخل فيه الأول كقولك جاءني زيد وعمرو وليس فيهما دليل ايهما كان أولا قالوا: إنما يعرف وقوع الترتيب فيه بقرائن ودلائل. قال الماوردى أبو الحسن الواو لها ثلاث مواضع حقيقة ومجاز ومختلف في حقيقته ومجازه فالحقيقة أن يستعمل في العطف للجمع والاشتراك كقولك جائني زيد وعمرو والمجاز أن تستعمل بمعنى أو كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] والمختلف في حقيقته أن تستعمل في الترتيب لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فذهب جمهور أهل اللغة واكثر الفقهاء انها تكون أن استعملت في الترتيب مجازا. وذهب بعض اصحاب الشافعي إلى انها تكون حقيقة فيه فإذا استعملت في موضوع يحتمل الأمرين حملت على الترتيب دون الجمع لزيادة الفائدة١. وقال الفراء تحمل على الجمع إذا احتملت الأمرين وعلى الترتيب إذا لم تحتمل غيره٢. وقد رايت بعض اصحابنا ادعى على اصحاب ابى حنيفة انهم يدعون أن الواو.

стр. 23

للجمع على سبيل الإقران١ وأخذ يرد عليه كما يرد على من زعم انها للترتيب والتوالى من اصحابنا وليس ما ادعاه مذهب احد من اصحاب ابي حنيفة وإنما يدعون أن الواو للجمع من غير تعرض لاقران أو ترتيب٢ فلا معنى للرد وأما دعوى الترتيب على الاطلاق فضعيفة جدا لان من قال رايت زيدا وعمرا وجاءني زيد وعمرو لا يفهم منه السامع ترتيبا بحال ويجوز أن يكون راى عمرا أولا ثم يقول: رايت زيدا وعمرا ويحسن منه ذلك ويقال ايضا رأيت زيدا وعمرا معا فلو كان للترتيب لكان هذا القول مناقضة. ويدل عليه أن العرب استعملت الواو في باب الفاعل يقال تقابل زيد وعمرو ولو قال تقابل زيد ثم عمرو لم يكن صحيحا. وأما ما استدل به بعض اصحابنا من أن الواو للترتيب بمسالة الطلاق وهي أنه لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق وطالق فانه لا يقع إلا طلقة واحدة فليس هذا لانها للترتيب بل لان الطلاق الأول سبق وقوعه فيصادفها الثاني وهي بائنة فلا يقع وإنما سبق لانه تكلم به على وجه الايقاع من غير أن يربطه برابط أو يعلقه بشيء ما٣ وليس الواو بدليل على الاقران على ما سبق وإنما الموجود منه ثلاث ايقاعات متوالية من غير أن يكون للبعض تعلق بالبعض والواو حقها في هذا الموقع عطف الايقاع على الايقاع فصارت قضية الكلام الأول الموقوع وحين وجد من غير انتظار ولا مهلة وكما لو افرده بالذكر وإذا وقع فلا بد أن يكون الثاني والثالث قد صادفا المراة في حال الابانة فسارت الجملة في هذه المسالة أن دعوى كونها للترتيب خطا٤.

стр. 24

ونسبة ذلك للشافعي ﵀ على الاطلاق لا تصح وإنما نهاية مانقل عنه أنه قال في الوضوء حين ذكر الاية ثم قال ومن خالف ذلك من الترتيب الذي ذكره الله تعالى لم يجز وضوؤه١. وقد شنع عليه محمد بن داود وغيره في هذا اللفظ وقالوا: أنه خالف أهل اللغة اجمع وادعوا عليه الجهل بالنحو. ووجه الجواب عن هذا أن الشافعي ﵀ ما تعلق في اثبات الترتيب بالواو فقط وإنما دليل الترتيب من النظر في معنى الاية على ما ذكرنا في الخلاف بينه أن الوضوء عبادة على البدن وردت بلفظ لا ينفى الترتيب وراينا أن العبادات البدنية اشتملت على افعال مختلفة مترتبة في جميع المواضع مثل الصلاة والحج وراينا ورود هذه العبادات بلفظ صالح لمعنى الترتيب وأن كان غير مقتضى له بكل حال ووجدنا الفوائد مطلوبة من الالفاظ والترتيب نوع فائدة فعند اجتماع هذه الأشياء يقال اثبات الواو ظاهرها للترتيب في هذا الموضع فحمل عليه والظاهر حجة فهذا وجه الكلام لنصرة ما قاله الشافعي ﵀ وقد اشار إليه أبو الحسن بن فارس. وأما الفاء فمقتضاها التعطيف والترتيب من غير تراخ كقولك ضربت زيدا فعمرا ففيه أن عمرا مضروب عقيب زيد بلا تراخى ولهذا دخل في الجزاء المعلق على الشرط لان من حكم الجزاء تعلقه بالشرط من غير فصل٢.

стр. 25

وأما حرف ثم فللتعقيب والتراخى١ كقولهم ضربت زيدا ثم عمرا فمقتضاه وجود مهلة بين الضربين ولا دليل على مقداره من جهة اللفظ وقد تستعمل في موضع الواو مجازا اذ قال الله : ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ ٢ [يونس: ٤٦] وكقوله : ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣, ١٤] إلى أن قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] ومعناه فكان من الذين امنوا. واما بعد فهي اسم في معنى الحرف موضوع للترتيب ويحتمل الفور والتراخى ولا يختص [بالحرفية] ٣. واما مع فهو موضوع للجمع بين الشيئين نقول رايت زيدا مع عمرو واقتضى ذلك اجتماعها في رؤيته. واما حرف أو فلها ثلاثة مواضع٤ تكون لأحد الشيئين بخبر عنه عند شك المتكلم أو قصده أحدهما كقولك اتيت زيدا أو عمرا وجاءني رجل وأمراة هذا إذا شك. فاما إذا قصد أحدهما فكقولك كل السمك أو اشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ولكن اختر ايهما شئت وكقولك أعطني دينارا أو اكسني ثوبا. والوجه الثالث أن تاتى للاباحة كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين وائت المسجد أو السوق وهذا على الاذن فيهما جميعا. وقد ورد في القران التخيير في الأمر مثل قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] . وقد ورد الجمع في النهى مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الانسان: ٢٤] .

стр. 26

وأما حرف بل فمعناه الاضراب عن الأول والإثبات للثاني١ كقولك ضربت زيدا بل عمرا وجاءني عبد الله بل أخوه. واما حرف لكن فهى للاستدراك بعد النفى٢ كقولك ما جاءني زيد لكن عمرو ما رأيت رجلا لكن امراة وقد يدخل النفى بعد اثبات كقولك حاءني زيد لكن عبد الله لم يات وقيل لترك قصة إلى قصة وفيه كلام كثير للنحاة. واما حرف لو فيدل على امتناع الشيء لامتناع غيره٣ تقول لو جئتنى لحييتك. وأما لولا فتدل على امتناع الشىء لوقوع غيره٤ نقول لولا أنك جئتنى لحييتك وقد تكون لو بمعنى أن قال الله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي وأن اعجبتكم وقد تفيد معنى التقليل كقوله ﷺ : "اتقوا الله ولو بشق تمرة" ٥. فأما الحروف اللازمة لعمل الجر وهي من وإلى وفي والباء واللام فنقول أما من فمعناها ابتداء الغاية٦ يقال سرت من الكوفة إلى البصرة وهذا الكتاب من فلان إلى فلان وهذا باب من حديد يعنى ابتداء عمله من حديد قال سيبويه قد تكون للتبعيض مثل قولهم هذه الخرقة من الثوب وهذا الرجل من القوم وقال غيره من حيث وجدت كانت لابتداء الغاية وقوله أخذت من ماله فقد جعل ماله ابتداء غاية وأخذ وإنما دل على البعض من حيث أنه صار ما بقى انتهاء له فالأصل واحد وكذلك قوله أخذت منه درهما وهذا كلام النحويين فيما بينهم فاما الذي تعرفه الفقهاء فهو لابتداء الغاية والتبعيض جميعا٧ وكل واحد في موضعه حقيقة وقد ورد مثله يقال ما جاءني من أحد قال الله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] .

стр. 27

وقد ورد بمعنى على قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [الانبياء: ٧٧] أي على. واما عن فيكون بمعنى من١ إلا في مواضع خاصة قالوا: من تكون للانفصال والتبعيض وعن لا تقتضى الفصل يقال أخذت من مال فلان ويقال أخذت من عمل فلان وقد اختصت الاسانيد بالعنعنة ولا تستعمل كلمة من في موضعه وقالوا: من لا يكون إلا حذفا وعن تكون اسما تدخل من عليه يقال أخذت من عن الفرس جله٢. واما من المفتوحة فلها ثلاثة مواضع: أحدها للخبر كقولك جاءني من أحببت وأعجبني من رايت. والثاني للشرط والجزاء كقولك من جاءني اكرمته ومن عصاني عاقبته٣. والثالث للاستفهام٤ كقولك من عندك فتقول زيد أو عمرو. واما إلى فلانتهاء الغاية٥ يقال من كذا إلى كذا وقال سيبويه إذا قرن بمن اقتضى.

стр. 28

للتحديد ولا يدخل الحد في المحدود تقول بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة فلا يدخلان في البيع وإذا لم تقرن بمن يجوز أن تكون تحديدا ويجوز أن تكون بمعنى مع قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] اى مع أموالكم وقال تعالى من أنصاري إلى الله اى مع الله وقال الله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] اى مع المرافق١ وتقول العرب الذود إلى الذود ابل أي مع الذود فالأصل أنه لانتهاء الغاية على مقابلة من فانها لابتداء الغاية يقال من كذا إلى كذا قال سيبويه ويقول الرجل إنما اليك اى انت غايتي ويقول للرجل قم إلى فلان فتجعله منتهاك من مكانك هذا هو الحقيقة في اللغة وما سواه مجاز. وأما حتى فهي للغاية٢ ايضا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقال تعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ولأهل النحو في قوله اكلت السمكة حتى رأسها وتصريف ذلك ومعناه كلام كثير تركت ذكره وقد تذكر بمعنى إلى نقول لا أفارقك حتى تقضينى حقي٣ يعنى إلى أن تقضينى حقي وبما في معناه الظرف تقول زيد في البيت يعنى أن البيت قد حواه وكذلك قوله أن المال في الكيس فإذا قلت: فلان عيب فانه على وجه المجاز والاتساع حيث جعلت فلانا مكانا للعيب وهو قولك اتيت فلانا وهو في عنفوان شبابه وأتيته وهو في أمره ونهيه يعنى اتيته وهذه الامور قد أحاطت به وهو طريق التشبيه والتمثيل. وأما الباء فاللالصاق ويجوز أن يكون معه استعانة٤ ويجوز أن لا يكون فاما الذي معه استعانة فكقولك كتبت بالقلم وكقولك عمل الصانع بالقدوم - فأما الذي.

стр. 29

لا استعانة معه فكقولك مررت بزيد ونزلت بعبد الله وقد تزاد الباء في خبر النفى توكيدا كقولك ليس زيد بقائم وجاءت زائدة كقول الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [النساء: ١٦٦] وكقول الشاعر تضرب بالسيف وتزخر بالفرح وقد قال بعضهم أن الباء للتبعيض في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقالوا: غلط١ والباء هاهنا صلة لتعدية الفعل قاله الخطابي. وقال الماوردى الباء موضوعة لالصاق الفعل بالمفعول كقولك مسحت يدى بالمنديل وكتبت بالقلم وقد تستعمل في التبعيض إذا امكن حذفها كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ اى بعض رءوسكم قال وهو حقيقة في بعض اصحاب الشافعى مجاز في قول الأكثرين. وأما لام الاضافة قال سيبويه معناه الملك واستحقاق الشيء تقول الغلام لي والثوب لفلان. وقالوا: أن اللام لها ثلاثة مواضع:. للتمليك٢ من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] . والثاني للتعليل٣ قال الله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والثالث للعاقبة قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ . واعتذارا٤ أن هذا على طريق التوسع والمجاز فإن هذا مثال لما زعمه المعتزلة من تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ ٥ [الأعراف: ١٧٩] وقد أنكر.

стр. 30

بعض النحويين قولهم اللام للملك وقالوا: إذا قال قائل هذا أخ لعبد الله فهذا الكلام لمجرد المقارنة وليس أحدهما في ملك الآخر وفي قولهم هذا الغلام لعبد الله فإنما هو في الملك بدليل آخر وزعم قائل هذا أن لام الاضافة تجعل الأول لاصقا بالثاني فحسب والذي ذكرناه هو الذي يعرفه الفقهاء. وأما "على" قال المبرد يكون اسما وفعلا وحرفا وجميع ذلك مأخوذ من الاستعلاء وكذلك قال سيبويه يقال عليه دين يعنى اعتلاه ويقال فلان أمين علينا أي أعتلانا. وأما حرف ما فلها ثلاثة مواضع: أحدها: للنفى١ والجحود كقولك ما لزيد عندى حق وما قام عمرو. والثاني: التعجب٢ كقولك ما أحسن زيدا وما أشجع عمرا. والثالث: الاستفهام٣ كقولك ما فعل زيد وما عندك وهي تختص بما لا يعقل. ويخالف قوله من فإنه يختص بمن يعقل فإذا قيل من عندك تقول زيد أو عمرو ولا تقول فرس أو حمار فإذا قيل ما عندك قلت: ثور أو جمل ولا يحسن أن تقول زيد أو عمرو وقد جوز بعضهم ذلك في الموضعين والصحيح هو الأول. واما أن وأن فإن مفتوح لما مضى وأن بالكسر لما يستقبل كقولك أن دخلت الدار فأنت طالق وأن دخلت الدار فانت طالق فالأول ايقاع والثاني شرط وقد تختلف معاني الكلام باختلاف الاعراب فلو قال قائل هذا قاتل اخي بالتنوين وقال آخر هذا قاتل اخي بالاضافة يدل التنوين على أنه لم يقتله ودل حذف التنوين على أنه قتله.

стр. 31

ومذهب الفقهاء أنه إذا قال لإمراته أن فعلت كذا فأنت طالق أنه على مرة واحدة وكذلك إذا قال إذا فعلت كذا فأما إذا قال كلما فعلت كذا فانه على التكرار وإذا قال متى ما فعلت كذا فحقه في اللغة التكرار١ واصطلح اكثر الفقهاء على أنه للمرة الواحدة كقوله إذا فعلت كذا. وأما "إنماء" أصله أن دخلت عليه ما وهو مركب من حرفين أحدهما أن الاثبات والآخر من ما الذي هو للنفي فلذلك صار مثبتا من وجه نافيا من وجه٢ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] فيه اثبات الالهية لله تعالى ونفيها عن غيره. وقيل التحقيق المتصل وتحقيق المنفصل وتكون أن المشددة للتوكيد كقولك أن زيدا عاقلا. وأما إلا للاستثناء٣ مثل قول القائل خرج القوم إلا زيدا ورايت القوم إلا زيدا ولفلان على الف إلا مائة قال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ [العنكبوت: ١٤] وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ﴾ [الحجر: ٣١] . وقال الفراء وقد تقع إلا لمعنى سوى وذلك في استثناء زائد من ناقص قال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] بمعنى سوى ما شاء ربك من زيادة المضاعفة لا إلى غاية فعلى هذا لو قال لفلان على الف إلا الفين فقد أقر بثلاثة الاف وهذا لا تعرفه الفقهاء. قال الفراء وقد تكون إلا بمعنى لكن قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] بمعنى لكن أن كان خطأ وهو باب كبير وستاتى المسائل فيها. وأما "ليس" فلها ثلاثة مواضع قد تقع جحدا كقولك ليس لك على شيء وتكون استثناء تقول ذهب القوم ليس زيدا اى ماعدا زيدا وتكون بمعنى لا التي ينتفى بها كقول لبيد: واذا جوزتك فرضا فأجزه ... انما يجزى الفتى ليس الجمل معناه إلا الابل. وأما "لا" فمقتضاه النفي ويقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار.

стр. 32

وقد تكون زائدة يستقل الكلام دونها والغرض منه تقرير نفى اشتمل الكلام عليه. قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [صّ: ٧٥] معناه أن لا تسجد لكن لما اشتمل الكلام على المنع ومقتضاه النفى كان لا لتاكيد النفى الذي اشتمل الكلام عليه وأما قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] فقد قيل أنه صلة زائدة والأولى أنه رد لقول الكفار ودعائهم وقوله: ﴿أُقْسِمُ﴾ افتتاح قسم في المعنى ذكره عقيبه. واما الالف واللام قال ابن كيسان أن الالف واللام يدخلان في الأسماء الثلاثة معانى للتعريف١ كقولك رايت رجلا وضربت دابة ثم تقول رايت الرجل وضربت الدابة فتعرفهما بالالف واللام. ويدخلان للتجنيس٢ كقولك الابل خير من الشاة والذهب خير من الفضة يريد الجنس. ويدخلان للتعظيم كقولك الحسن بن علي والعباس بن عبد المطلب والالف واللام لم يفيدا ها هنا تعريفا لانهما كانا معرفين بالاضافة إلى غيرهما والشيء الواحد لا يعرف من جهتين وإنما الالف واللام افادا هاهنا التفخيم والتعظيم. واما بلى ونعم فمعناهما قريب إلا أن بلى لا تستعمل إلا في جواب كلام مشتمل على النفي كقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال سيبويه لو قالوا: نعم لكان نفيا للربوبيه٣ وأما نعم فللاثبات فإذا قال القائل أرأيت زيدا فليكن جوابك إذا رايته نعم٤ وقال الله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] . واما أم فتستعمل للاستفهام٥ كقولك اسكت أم نطقت وقد تستعمل بمعنى الواو العاطفة في بعض المواضع وقد تستعمل بمعنى أو في كثير من المواضع. واما اين فهو اسم موضوع للسؤال عن الكلام ويكون جوابه بذكر المكان٦.

стр. 33

كقولك اين زيد فتقول في الدار. واما متى فهو اسم ظرف للسؤال عن الزمان١ ويجاب عنه بذكر الزمان فإذا قلت: متى الخروج فالجواب أن تقول غدا أو اليوم وإذا قلت: متى جاء زيد والجواب أن تقول أمس أو تقول أول من أمس. وأما اذ وإذا فهما ظرفا زمانا غير أن اذ لما مضى٢ وإذا لما يستقبل٣ كقولك قمت اذ قام زيد واقوم إذا قام عمر. واما حيث فظرف مكان٤ قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] واعلم أن الكلام في معاني الأسماء والحروف كثيرة وذكرنا منها قدر ما تمس إليه الحاجة ويتصل بهذا الباب الاسامى الشرعية واللغوية وجواز النقل فيما تكلم فيه أهل اللغة وسياتي من بعد وكذلك الكلام في افعال المكلفين ومراتبها وأحكامها وافعال غير المكلفين وقد ذكر بعضهم هذا الفصل في هذا الموضع ونحن اخرناه إلى أن نصل إليه في موضعه واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر ونشرع الان في باب الأوامر ونذكر أحكامها وقضاياها ونورد المسائل التي اختلف فيها العلماء فيما بينهم وننص على القول الصحيح من ذلك ونحل شبه المخالفين على حسب ما يأذن الله تعالى في ذلك ومنه المعونة والتوفيق والتيسير.

стр. 34

باب القول في الأوامر مدخل ... باب الأوامر. القول بالوقف في الأوامر والنواهى: وللأمر صيغة مقيدة بنفسها في كلام العرب من غير قرينة تنضم إليها وكذلك النهى وهذا قول عامة أهل العلم وذهب أبو الحسن الاشعري ومن تبعه إلى أنه لاصيغة للأمر والنهى وقالوا: لفظ افعل لا يفيد بنفسه شيئا إلا بقرينة تنضم إليه ودليل يتصل به. وعندي أن هذا قول لم يسبقهم إليه احد من العلماء وقد ذكر بعض اصحابنا شيئا من ذلك عن ابن سريج ولا يصح وإذا قالوا: أن حقيقة الكلام معنى قائم في نفس المتكلم والأمر والنهى كلام فيكون قوله افعل ولا تفعل عبارة عن الأمر والنهى ولا يكون حقيقة الأمر والنهى وهذا ايضا لا يعرفه الفقهاء وإنما يعرفوا قوله افعل حقيقة في الأمر وقوله لا تفعل حقيقة في النهي. واما الواقفية فتعلقوا بما ذهبوا إليه وقالوا: أن صيغة قوله افعل تحتمل وجوها من المعنى فانه قد ورد بمعنى الايجاب مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وورد بمعنى التهديد بدليل قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وورد بمعنى التكوين قال الله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وورد بمعنى التعجيز قال الله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وورد بمعنى السؤال وذلك في قول العبد رب اغفر لى وارحمنى وورد بمعنى الاباحة وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وورد بمعنى الندب في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾ وإذا احتملت هذه الصيغة هذه الوجوه لم يكن البعض أولى من بعض فوجب التوقف حتى نعلم المراد بقرينة واشبه هذا سائر الأسماء المشتركة وهذا لازم احتمل وجوها شتى من المعنى لا يتعين أحد وجوهه إلا بدليل وشبهة القوم أن قوله افعل ليس يختص بمحمل احد من مسالك العقول فإن العقول لا مجال لها في تفصيل العبارات فلئن اختص بمحمل فإنما يختص من جهة النقل عن العرب أو من جهة الشرع. قالوا: فإن ادعيتم نقلا صريحا من جهة أهل اللسان وهم العرب فهذه مباهته ولانعلم في هذا نقل صريح من العرب ولأن النقل ينقسم إلى المتواتر والآحاد وأن ادعيتم النقل من جهة الاحاد فلا احتمال به لانه لا يوجب العلم والمطلوب في هذه.

стр. 35

المسألة هو العلم. وان ادعيتم النقل بالتواتر كان ذلك محالا لان النقل من جهة التواتر يوجب العلم الضروري وذلك يوجب استواء طبقات الناس فيه قالوا: ونحن معاشر الواقفية مصرون على أنه لم يقع لنا العلم بذلك وقد مرت علينا الدهور والازمان ونحن مقيمون على هذا الخلاف واين العلم الذي تدعونه وتزعمونه. قالوا: وأن نسبتم قولكم إلى الشرع فالكلام على النقل الشرعى مثل ما قلناه على من ادعى النقل من جهة العرب وقد بينا التقسيم فيه وبطلان وجهى ذلك فهذا مثله هذا حجة القاضي ابى بكر محمد بن ابى الطيب ونهاية ما قالوا:. واما حجتنا فنقول اجمع أهل اللغة على أن اقسام كلام العرب أربعة اقسام أمر ونهى وخبر واستخبار وقالوا: الأمر قوله افعل والنهى قوله لا تفعل والخبر قوله زيد في الدار والاستخبار قوله أزيد في الدار ومعلوم انهم إنما ذكروا الاقسام المعنوية في كلامهم دون ما ليس له معنى فإذا قلنا أن قوله افعل ولاتفعل ليس له معنى مقيد بنفسه بطل هذا التقسيم ببينه أن الخبر والأستخبار كلام مقيد بنفسه من غير قرينة تتصل به فكذلك الأمر والنهى وهذا الحقيقة وهى أن وضع الكلام في الأصل إنما هو للبيان والافهام وعلم المراد من الخطاب ولو كان بخلاف ذلك لجرى مجرى اللغو والأخبار التى يقع القصد منها إلى المغايرة وتعمية المراد وذهبت فائدة الكلام أصلا وهذا ظاهر الفساد وإذا ثبت أن القصد من الكلام هو البيان واعلام مراد المخاطب فنقول المعلومات متغايرة في ذواتها مختلفة في معانيها ولا بد لها من أسماء متغايرة ليقع التمييز بتغايرها بين المعلومات فيحصل البيان عن المراد ولا نعرف فيها الاشكال ومن جملة المعلومات التي لابد من البيان عنها الأمر والنهى والعموم والخصوص والتفريق والتخيير إلى ما سوى ذلك من المعلومات والعرب قد جعلت للأمر اسما وللنهى اسما وكذلك للتخيير والعموم والخصوص وغير ذلك وهو مثل ما وضعوا الاسامى المنفردة لمعانى معلومة ووضعوا الحروف التى هي ادوات لمعانى معلومة ايضا وإذا ثبت هذا فالواجب أن يكون كل شيء منها محمولا في الأصل على ما جعل سمة له ودلاله عليه وأن يكون معقولا من ظاهره ما اقتضته صورته إلا أن يرد دليل ينقله عنه إلى غيره ليصير الغرض من الكلام واللبس مرتفعا فالبيان حأصلا والاشكال زائلا ومن حاد عن هذه الطريقة فقد جهل لغة العرب ولم يعرف فائدة.

стр. 36

موضوعها وقد أنزل الله تعالى القران بلسان العرب وعلى اوضاع بيانها فقال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] فعرفنا قطعا أن اوضاعهم مبينة وأن منصوباتهم معتبرة يدل عليه أنه لا خلاف أن المفردات من الأسماء والاحاد من الاجناس التي تتركب منها الجموع والمصادر التي تصدر عنها الافعال مستعملة على ظواهرها غير متوقف فيها وكان حتى ما يبتنى منها وتتركب عليها من الالفاظ الموضوعة للأمر والنهى والعموم والخصوص من أن تكون كذلك إذا كان بعضها متركبا من بعض ومشتقا منه والبيان بكل منها من نوعه واقع به متعلق فإذا توقفنا مع وجود اسمه وحصول الدلاله من جهة الظاهر فقد عطلنا البيان وابدلنا فائدته. فان قالوا: ما ذكرتم من أصل لكلام وتقسيم انواعه إنما هو منقول عن جماعة من أهل اللغة مثل الخليل وسيبويه واقرانهما والعلم لا يحصل بتعلم بحال وإنما يكون ذلك لكم حجة أن لو نقلتم عن العرب وهم لا يعرفون هذا التقسيم وأما الذي قلتم أن الكلام في الأصل موضوع للبيان مسلم ولكن البيان ليس مقصور على لفظ دون لفظ وعلى حالة دون حالة وأن لم يقع بيان الأمر والنهى بصيغة قوله افعل ولاتفعل فيقع عند اتصال القرائن به ويقع ايضا بغير هذه الالفاظ وعلى أنا ادعينا أن هذه اللفظة من جملة الأسماء المشتركة والأسماء المشتركة باب عظيم منقول عن العرب والبيان يقع بها في محتملاتها عند ارادة بعض وجوهها فكذلك ها هنا. والجواب أن الذي حكيناه من اقسام كلام العرب وحكى عن جميع أهل اللغة وهم الذين عنوا بمعرفة لسان العرب واخلطوا علما محدود اوضاعه فلما ارادوا أن يحصروا علمه لمن بعدهم ولمن غاب داره عنهم من أهل عصرهم صنفوا كلام العرب اصنافا وقسموا كلام العرب اقساما وقد عدوا الأمر من اقسامه كما عدوا الخبر من اقسامه فلما كان ظاهر الخبر والاستخبار معمولا به فكذلك ظاهر الأمر والنهى وهذا لان طريق العلم في كل واحد والنقل الذي في الجميع كان بجهة واحدة لغرض واحد وهو العلم بكلام العرب فلا يجوز أن نعلم البعض ونجهل البعض هذا محال. واما قولهم أن البيان يقع ولا يختل مع التوقف الذي صرنا إليه. قلنا إذا وضعوا للأمر قوله افعل وللنهى قوله لا تفعل ولم يفد بنفسه شيئا اختل البيان. بيانه أن اللغة وضعت لحاجات الناس فكل ما احتاجوا إليه وضعوا له اسما يدل

стр. 37

عليه ومعلوم أن الأمر والنهى من اشد ما تقع الحاجة إليه وهما داخلان في عامة المخاطبات التي تدور بين الناس ونقل ذلك اكثر من الخبر والاستخبار فيستحيل أن يخلو كلام العرب مع سعته وكثرة وجوهه من صيغة الأمر والنهى ولفظة مفردة تدل عليهما بأنفسهما. وأما الذي قالوا: أن هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة ويقع البيان بهما عند ارادة احد وجوههما. قلنا نحن لاننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة ولكن ليس هذا من جملتها لانه لو كان يقول القائل لغيره افعل حقيقة في أن يفعل وحقيقة في التهديد الذي يقتضى في أن لا يفعل أو غير ذلك مما ذكروه لكن اقتضاؤه لكل واحد من هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر ولو كان كذلك لما سبق إلى افهامنا عند سماعها من دون قرينة أن المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه كما أنه لما كان اسم اللون مشتركا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة من دون قرينة السواد دون البياض ومعلوم أنا إذا سمعنا قائلا يقول لغيره افعل وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة فإن الاسبق إلى افهامنا أنه طلب للفعل كما انا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارا فإن الاسبق إلى أفهامنا الدابة المعروفة دون الابله الذي يشبه بها وقد بطل بهذا الكلام دعواهم أن الاسم المشترك وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو طلب الفعل. وأما الجواب عن كلامهم أما الأول قولهم أنه قد ورد لكذا وورد لكذا قلنا هذه الصيغة موضوعة بنفسها لطلب الفعل وإنما حملنا على ما سواه في المواضع التي ذكرها بقرائن دلت عليها. وأما الأسماء المشتركة فقدمنا الجواب عنها وهذا لأن اللون والعين واشباه ذلك لم توضع لشيء معين وإنما قوله افعل وضع لمعنى معين. ألا ترى أن من أمر عبده أن يضع الثوب يكون لم يستحق له الذم باي صيغ من صيغه فلو قال لعبده اسقنى استحق الذم بتركه السقى ولو كان قوله اسقنى مشتركا بين الفعل والترك واشتراك اللون بين السواد والبياض لم يجز أن يستحق الذم والتوبيخ بترك السقى وهذا لأن أهل اللغة لم يضعوا اسم اللون بعينه وقد وضعوا قوله افعل لمعنى تعينه وهو طلب الفعل على ما سبق.

стр. 38

وأما كلامهم الثاني قلنا قد بينا بطريق النقل عن العرب الذين هم أهل اللسان. وقولهم أنه لم يقع لنا العلم بذلك قلنا هذه مكابرة ومباهتة. بيانه أن العرب صاغوا قوله افعل ولاشك انهم صاغوا هذه اللفظة لمعنى مثل ما صاغوا سائر الالفاظ لمعان وليس ذلك إلا لطلب الفعل الذي يعرفه كل احد من معناه. يدل عليه أنه إذا وجب الوقف بالأمر وجب الوقف بالنهى ايضا ثم حينئذ يصير الأمر والنهى واحدا وهذا محال وعلى أن من مذهب الواقفية أن قوله افعل من الأسماء المشتركة وإذا كان عندهم هكذا فجميع ما قالوه من التقسيم في ثبوت الصيغة للأمر وانها تثبت بالعقل أو بالنقل ودعواهم أن العلم لم يقع لنا بنقل ذلك من العرب ينقلب عليهم فيما ادعوه أنه من الأسماء المشتركة ولا مخرج لهم عن هذا بحال وكل كلام امكن قلبه على قائله ويغير على ما جعله حجة فانه يبطل من أصله والله الهادى إلى الصواب وهو المعين.

стр. 39

فصل: صيغة الأمر ... فصل: وإذا ثبت أن للأمر صيغة فنقول. حد الأمر: أنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه١ ثم هو أمر بصيغته وليس أمر بالارادة وعند المعتزلة هو أمر بارادة الأمر المامور٢. وقد حد بعضهم الأمر فقال حد الأمر أنه ارادة الفعل بالقول ممن هو دونه وهذه المسألة أصولية فإن عندنا يجوز أن يأمر بالشيء وأن كان لا يريده وقد أمر الله تعالى ابليس بالسجود لادم ﵇ ولم يرد أن يسجد ونهى ادم عن اكل الشجرة واراد أن ياكل وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ولم يرد أن يذبح وهذا لأن ما أراد الله تعالى أن يكون لا بد أن يكون ولأن السيد إذا قال لعبده افعل كذا يقال امره بكذا وأن لم يعلم مراده فدل أن الأمر أمر بصيغته فحسب ثم إذا عرفنا هذا فنذكر بعد حكم الأمر موجبه.

стр. 40

مسالة موجب الأمر الوجوب عندنا. وهو قول اكثر أهل العلم١ هذا في الصيغة المتجردة عن القرائن والجملة أن الأمر عندنا حقيقة في الوجوب وعند جماعة من المعتزلة أنه حقيقة في الندب قال أبو هاشم أنه يقتضي الارادة فحسب فإذا قال القائل لعبده افعل افاد ذلك أنه يريد منه الفعل فإن كان الفاعل حكيما وجب كون الفعل على صفة زائدة على حسنه تستحق لاجلها المدح فإذا كان القول في دار التكليف وأجاز أن يكون واجبا وجاز أن لا يكون واجبا ويكون ندبا فإذا لم تدل دلالة على وجوب الفعل وجب نفيه والاقتصار على المتحقق وهو كون الفعل ندبا يستحق فاعله المدح. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر لا يقتضي إلا الندب٢. وعند جماعة أنه يقتضى الإباحة٣ لا غير٤ وذهب من قال أنه للندب إلى أن.
следующие страницы →