← Баляга

Баляга · id 12055

دلائل الإعجاز ت شاكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (689 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عليها أَدْفأَ وأَظَلَّ. ولا يجَيءُ هذا المعنى مع إظهار المفعول، إذْ لا تقول: "حجراتٍ من شَأْنِ مِثْلِها أن تُدفئنا وتُظلَّنا"، هذا لغوٌ من الكلام. فاعرِفْ هذه النكْتَةَ، فإنَّك تَجدُها في كثير من هذا الفَنِّ مضمومةً إلى المعنى الآخر، الذي هو توفيرُ العناية على إثباتِ الفعلِ، والدلالةِ على أنَّ القصدَ من كر الفعلِ أن تُثْبتَه لفاعلهِ، لا أن تُعلِمَ التباسه بمفعوله. زيادة بيان في الحذف الخفي: ١٦٤ - وإن أردتَ أنْ تزدادَ تَبييناً لهذا الأصل١، أعني وُجوبَ أنْ تُسْقِط المفعولَ لتتوفَّر العنايةُ على إثباتِ الفعل لفاعلِه ولا يَدخلَها شَوْبٌ، فانظرْ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٣، ٢٤]، فيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذا المعنى: "وجدَ عليه أمةَ منَ الناس يَسْقون" أغنامهم أو مواشيهم و "امرأتين تذودان" غنمهما و "قالتا لا نَسْقِي" غنمَنَا "فسقى لهما" غنمَهَما. ثم إنَّه لا يَخْفى على ذي بَصَرٍ أنه ليس في ذلك كلِّه إلاَّ أن يُتْرَكَ ذِكْرُه ويُؤْتى بالفعل مطْلقاً، وما ذاك إلاَّ أنَّ الغرضَ في أن يُعلَم أَنه كان منَ الناس في تلك الحال سَقْيٌ، ومن المرأتينِ ذَوْدٌ، وأنهما قالتا: لا يكونُ منَّا سقْيٌ حتى يُصْدِرَ الرعاءُ، وأنه كان مِنْ موسى ﵇ من عبد ذلك سَقْي، فأمَّا ما كان المَسْقيُّ؟ أغَنماً أم إبلاً أم غيرَ ذلك، فخارجٌ عن الغرَض، ومُوْهِمٌ خِلافَه. وذاكَ أنه لو قيل: "وجَد مِنْ دونِهمْ امرأتينِ تَذُودانِ غنَمَهما"، جاز

стр. 177

أن يكونَ لم يُنْكر الذودَ من حَيْثُ هو ذَوْدٌ، بل مِنْ حيثُ هو ذَوْدُ غَنم، حتى لو كان مكانَ الغنمِ إبلٌ لم يُنكر الذودَ كما أنك إذا قلتَ:"ما لك تمنعُ أخاك؟ "، كُنْتَ مُنْكِراً المنعَ، لا من حيثُ هوَ مَنعٌ، بل مِنْ حيثُ هو منعُ أخٍ، فاعرْفه تَعْلمْ أَنكَ لم تَجِدْ لِحَذْف المفعولِ في هذا النحوِ مِن الرَّوعة والحُسْن ما وجَدْتَ، إلاَّ لأنَّ في حَذْفه وتَرْكِ ذِكْرِه فائدةً جليلةً، وأَنَّ الغرَضَ لا يصح إلا على تركه. مثال آخر للحذف الخفي: ١٦٥ - وممَّا هو كأنَه نَوعٌ آخرُ غيرُ ما مضى، قول البحتري: إذا بَعُدَتْ أَبلَتْ، وإن قَرُبَتْ شَفَتْ ... فهِجْرانُها يُبْلي، ولُقيانُها يَشْفي١ قد عُلِمَ أنَّ المعنى: إذا بَعُدَتْ عني أَبْلَتني، وإنْ قَرُبَتْ مني شفَتْني إلاَّ أَنك تَجِدُ الشعرَ يأبى ذِكْرَ ذلك، ويُوجِبُ أطِّراحَه. وذاك لأَنَّه أرادَ أن يَجْعلَ البِلى كأنه واجِبٌ في بِعادها أن يُوجِبَه ويَجْلبه، وكأَنَّه كالطَّبيعة فِيه، وكذلك حالُ الشفاءِ معَ القُرب، حتى كأنه قال: أتدري ما بِعادُها؟ هو الداءُ المُضْني وما قُرْبُها؟ هو الشفاءُ والبُرْءُ مِنْ كلِّ داءٍ. ولا سبيلَ لك إلى هذه اللطيفةِ وهذه النكْتة، إلا بحذف المفعول البتة، فاعرفه.

стр. 178

وليس لِنَتائجِ هذا الحذفِ، أعني حَذْفَ المفعولِ، نهايةٌ، فإنه طريقٌ إلى ضروبٍ من الصَّنْعة، وإلى لطائف لا تحصى. نوع آخر، وهو: "الإضمار على شريطة التفسير" ومثاله ١٦٦ - وهذا نوع منه آخر: اعلم أن ههنا باباً منَ الإضمار والحذفِ يُسمَّى "الإضمار على شريطةِ التفسير"، وذلك مثْلُ قولِهم: "أكْرَمني وأَكْرَمْتُ عبدَ اللهِ"١، أردتُ: "أكرَمني عبدُ الله، وأكرمتُ عبدَ الله"، ثم تركتُ ذِكْرَه في الأولِ استغناءً بذِكْرهِ في الثاني. فهذا طريقٌ معروفٌ ومذْهَبٌ ظاهرٌ، وشيءٌ لا يُعْبَأُ به، ويُظَنُّ أنه ليس فيه أَكثرُ مما تُريكَ الأمثلةُ المذكورةُ منه وفيه إذا أنتَ طلبتَ الشيءَ من مَعْدِنِه منْ دقَيقِ الصنعةِ ومن جَليلِ الفائدةِ، ما لا تَجدُه إلاَّ في كلامِ الفحول. ١٦٧ - فمِنْ لطيفِ ذلك ونادرِهِ قولُ البحتري: لوْ شِئْتَ لم تُفْسِدْ سَماحَة حاتِمٍ ... كَرَماً ولمْ تَهْدِمْ مآثِرَ خالدِ٢ الأصلُ لا محالةَ: لو شئْتَ أن لا تُفْسِدَ سماحةَ حاتمٍ لم تُفْسِدْها، ثم حُذِفَ ذلك مَن الأول استغناءً بدلالته في الثاني عليه، ثم هو على ما تراهُ وتَعلَمُه منَ الحُسْن والغَرابة، وهو على ما ذكرتُ لك من أنَّ الواجبَ في حُكْم البلاغة أن لا يُنْطَقَ بالمحذوف ولا يَظَهَرَ إلى اللفظُ. فليس يَخفى أنك لو رَجَعْتَ فيه إلى ما هو أصْلُه فقلتَ: "لو شئتَ أن لا تُفسِدَ سماحةَ حاتمٍ لم تُفْسِدْها"، صِرْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، وإلى شيءٍ يَمجُّهُ السمْعُ، وتَعافُهُ النفْسُ. وذلك أنَّ في البيانِ،

стр. 179

إذا ورَدَ بعدَ الإبهامِ وبعدَ التَّحريك له، أبداً لطفاً ونبلاً لا يكونُ إذا لم يتقدَّمْ ما يُحرِّكُ. وأنتَ إذا قلتَ: "لو شئتَ"، علمَ السامعُ أنكَ قد علَّقْتَ هذه المشيئةَ في المعنى بشيءٍ، فهو يَضَعُ في نفسه أن ههنا شيئاً تَقْتضي مَشيئتُه له أن يكونَ أو أن لا يكونَ. فإذا قلتَ: "لم تُفسِد سماحةَ حاتم"، عرَفَ ذلك الشيءَ ومَجيءُ "المشيئةِ" بعد "لو" وبعْدَ حروفِ الجزاءِ هكذا موقوفةٌ غيرُ مُعدَّاةٍ إلى شيءٍ، كثيرٍ شائعٍ، كقوله تعالى ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]، والتقديرُ في ذلك كلِّه على ما ذكرتُ. فالأَصْلُ: لو شاء الله أن يجمعهم على الهدى ولو شاءَ أنْ يَهدِيَكم أجمعينَ لهَداكم إلاَّ أَنَّ البلاغةَ في أن يُجاءَ به كذلك محذوفاً. متى يكون إظهار المفعول أحسن من حذفه: ١٦٨ - وقد يتَّفقُ في بعضِه أن يكونَ إظهارُ المفعولِ هو الأَحْسَنَ وذلك نَحْو قولِ الشاعر: ولَوْ شِئتُ أَنْ أبْكي دماً لبَكَيْتُهُ ... عليهِ ولكنْ ساحةُ الصبرِ أوْسَعُ١ فقياسُ هذا لو كان على حدِّ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥] أن يقولَ: "لو شئتُ بكيتُ دماً"، ولكنه كأنه تركَ تلك الطريقةَ وعدَلَ إلى هذهِ، لأنها أحسن من هذا الكلامِ خُصوصاً. وسببُ حسْنِه أنَّه كأنهُ بِدْعٌ عجيبٌ أنْ يشاءَ الإِنسانُ أن يَبْكي دَماً٢. فلمَّا كان كذلك، كان الأَوْلى أن يُصرِّحَ بذِكْره ليقرِّرَهُ في نفسِ السِّامع ويُؤنِسَه به.

стр. 180

١٦٩ - وإذا استقرَيْتَ وجدْتَ الأمرَ كذلك أبدا متى كان مفعولُ "المشيئةِ" أمراً عظيماً، أو بديعاً غريباً، كان الأَحْسَنَ أنْ يُذكَرَ ولا يُضْمَر. يقول الرجل يخبر عن عزة١: "لو شئتُ أَن أَردَّ على الأميِر ردَدْتُ" و "لو شئتُ أنْ أَلْقى الخليفَةَ كلَّ يومٍ لَقِيتُ". فإذا لم يكن مما يُكْبِرُهُ السامعُ، فالحذفُ كقولك: "لو شئت خرجت" و "لو شئت قمت" و "لو شئت أنصفت"، و "لو شئتُ لقلت"، وفي التنزيلِ: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، وكذلك تقول: "لو شئت كنت كزيد"، قال: لَوْ شئتُ كنتُ كَكُرْزٍ في عبادتِه ... أو كابْنِ طارِق حَوْلَ البَيْتِ والحَرَمِ٢ وكذلِكَ الحكُمُ في غيرهِ مِنْ حُروفِ المُجَازاة أن تقولَ٣:: "إن شئت

стр. 181

قلت" و "إن أَردتُ دفعتُ"، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، وقال عزَّ اسْمُه ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]، ونظاهر ذلك من الآي، ترَى الحذْفَ فيها المستمرَّ. أمثلة ما يعلم أنه ليس فيه لغير الحذف وجه: ١٧٠ - وممَّا يُعْلَمُ أَنْ ليس فيه لغيرِ الحذْفِ وجه قول طرفة: وإنْ شئتُ لم تُرْقِلْ، وإنْ شئتُ أرْقَلَتْ ... مخافَةَ مَلْوِيٍّ مِنْ القِدِّ مُحْصَدِ١ وقولُ حميد: إن شئتُ غنَتْني بأجزاعِ بِيشَةٍ ... أو الزُّرْقِ من تَثليثَ أَوْ بيَلَمْلما مُطَوَّقةٌ ورقاءُ تَسْجَعُ كَلَّما ... دَنا الصيفُ وانجابَ الربيعُ فأَنجَما٢ وقولُ البحتري: إذا شاءَ غادى صِرمةً أو غدا على ... عقائل سرب أو تقنص ربربا٣ وقوله: لو شئتَ عُدْتَ بلادَ نَجْدٍ عَوْدةً ... فحَللْتَ بين عقيقهِ وزَرْودِهِ٤ معلوم أنكَ لو قلْتَ: "وإن شئتَ أنْ لا تُرْقِلَ لم تُرْقل"، أو قلتَ: "إذا شئتُ أن تُغنِّيني بأجزاعِ بيشةَ غَنَّتْني"، "إذا شاء أن يغادي صرمة غادي"،

стр. 182

و "لو شئتَ أن تَعودَ بلادَ نجدٍ عودةً عُدْتَها" أذهب الماءَ والرونقَ، وخرجْتَ إلى كلامٍ غَثٍّ، ولفظٍ رث. ١٧١ - وأما قول الجوهري: فَلمْ يُبْقِ منِّي الشوقُ غيرَ تَفكُّري ... فَلَوْ شئتُ أن أَبْكِي بكَيْتُ تَفَكُّرا١ فقد نَحَا به نَحْو قولهِ: وَلَو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتُه٢ فأظْهَر مفعولَ "شئتُ"، ولم يَقُلْ: "فلو شئتُ بكيتُ تفكُّراً"، لأجل أَنَّ له غرَضاً لا يَتمُّ إلاَّ بذكِر المَفْعولِ، وذلك أنه لم يُردِ أَن يقولَ: "ولَو شئتُ أن أبكي تفكُّراً بكيتُ كذلك"، ولكنه أرادَ أن يقولَ: قد أَفناني النحولُ، فلم يَبْقَ مني وفيَّ غيرُ خواطِرَ تَجولُ، حتى لو شئتُ بكاء فَمَريْتُ شُؤوني٣، وعصَرْت عيني ليسيلَ منها دمعٌ لم أَجدْه، ولخَرجَ بدلَ الدمع التفكُّرُ٤. فالبكاءُ الذي أرادَ إيقاعَ المشيئِة عليه مُطْلَقٌ مُبْهم غيرُ مُعَدَّى إلى "التفكُّر" البتَّةَ، و "البكاء" الثاني مقيَّد معدَّى إلى التفكُّر. وإذا كان الأمرُ كذلك، صارَ الثاني كأنه شيءٌ غيرُ الأول، وجرَى مَجْرَى أن تقولَ: "لو شئتَ أن تُعطي درهماً أعطيتَ درهَمين" في أنَّ الثاني لا يَصْلح أن يكونَ تفسيراً للأول.

стр. 183

مثال آخر نادر لطيف في الخدمة: ١٧٢ - واعلمْ أنَّ هذا الذي ذكَرْنا ليس بصريحٍ: "أكرمت وأكرمني عبد الله"١ لكنه شبيهٌ به في أنه إنَّما حُذِفَ الذي حذف من مفعول "المشيئة" و "الإرادة"، لن الذي يأتي في جوابِ "لو" وأخَواتها يدلُّ عليه. ١٧٣ - وإذا أردتَ ما هو صريحٌ في ذلك، ثم هو نادرٌ لطيفٌ يَنْطوي على معنى دقيقٍ وفائدةٍ جليلةٍ، فانظُرْ إلى بيتِ البحتري: قد طَلَبْنا فلم نَجدْ لكَ في السُّؤْ ... دُدِ والمَجْد والمَكَارِم مِثْلا٢ المعنى: قد طَلَبْنا لك مِثْلاً، ثم حذَفَ، لأنَّ ذكْرَه في الثاني يدلُّ عليه، ثم إنَّ للمجيءِ به كذلك مِن الحُسْن والمَزيَّة والرَّوعة ما لا يَخْفَى٣. ولو أنه قال: "قد طلبَنْا لكَ في السؤددِ والمجدِ والمكارمِ مَثَلاً فلم نَجِدْه"، لم تَرَ مِنْ هذا الحُسْن الذي تَراه شيئاً٤. وسببُ ذلك أَنَّ الذي هو الأصْلُ في المدح والغرض بالحقيقة، هو نَفْي الوجودِ عنِ "المثل"، فأَمَّا "الطلبُ"، فكالشيءِ يُذكر ليُبنى عليه الغَرَضُ ويُؤَكَّد به أَمْرُه. وإذا كان هذا كذلك، فلو أنه قالَ: "قد طلبَنْا لكَ في السؤددِ والمجدِ والمكارمِ مِثْلاً فلم نَجدْه"، لكان يكونُ قد تركَ أن يُوقِعَ نفْيَ الوجودِ على صريحِ لفظِ "المِثْل"، وأوْقَعَه على ضميرِه. ولن تبلغَ الكنايةُ مبلغَ التصريح أبدًا٥.

стр. 184

مثال آخر، من خطبة قيس بن خارجة بن سنان: ١٧٤ - ويُبيِّن هذا، كلامٌ ذكَرَه أبو عثمانَ الجاحظُ في كتاب البيان والتبيين١، وأنا أكتبُ لك الفصل حتى تستبين الذي هو المُرادُ، قال: "والسنَّةُ في خُطبِة النِّكاحِ أنْ يُطيلَ الخاطِبُ ويُقصِّرَ المجِيبُ، ألا ترى أن قيس بن خارجة [بن سنان] لمَّا ضرَبَ بسيفِه مُؤخَّرةَ راحلةِ الحاملَين في شأن حمالة داحس [والغبراء] ٢ وقال: مالي فيها أيُّها العَشَمتَانِ؟ ٣ قالا: بل ما عندَك؟ قال: عندي قِرى كلِّ نازلٍ، ورضِى كلِّ ساخِطٍ، وخُطبةٌ مِنْ لَدُنْ تطْلُعُ الشمسُ إلى أن تَغْرُبَ، آمرُ فيها بالتَّواصُل، وأَنْهى فيها عنِ التَّقاطُع قالوا: فخطَبَ يوماً إلى اللَّيل، فما أعاد كلمةً ولا معْنى٤. فقيلَ لأبي يعقوب٥: هلاَّ اكْتَفى بالأمِر بالتواصلِ، عنِ النَّهْي عن التقاطع؟ أو ليس الأمرُ بالصلةِ هو النهْيُ عن القطيعة؟ قال: أو ما علمْتَ أنَّ الكنايةَ والتعريضَ لا يَعْملان في العقولِ عَمَلَ الإِيضاح والتَّكشيفِ"٦.انتهى الفصْلُ الذي أَردتُ أن أَكْتبَه. فقد بصَّرك هذا أنْ لن يكونَ إيقاعُ نَفْي الوجودِ على صَريحِ لفظِ المِثل، كإيقاعهِ على ضَمِيره.

стр. 185

أمثلة أخرى للحذف: ١٧٥ - وإذْ قد عرَفْتَ هذا، فإنَّ هذا المعنى بعينِه قد أَوْجَبَ في بيتِ ذي الرُّمة أنْ يَضعَ اللفظَ على عكسِ ما وضَعه البحتريُّ١، فيُعملَ الأوَّلَ من الفعلين، وذلك قولُهُ: ولم أَمدَحْ لأرضيهِ بِشعري ... لَئِيماً، أَنْ يكونَ أصابَ مالا٢ أعْمَلَ "لم أمدحْ"، الذي هو الأول، في صريح لفظ "اللئيم"، و "أرْضى"، الذي هو الثاني، في ضميِرهِ. وذلك لأنَّ إيقاعَ نَفْي المدحِ على اللئيم صريحاً، والمجيءَ به مكشوفًا ظاهرصا، هو الواجبُ من حيثُ كان أصْلُ الغرضِ، وكان الإرضاءُ تعليلاً له. ولو أنه قال: "ولم أمدح لأُرْضِيَ بشعري لئيماً"، لكانَ يكونُ قد أَبْهمَ الأمرَ فيما هو الأصْلُ، وأبانَهُ فيما ليس بالأَصْل، فاعرفْه. ١٧٦ - ولهذا الذي ذكَرْنا من أنَّ للتَّصريح عَمَلاً لا يكونُ مثلُ ذلك العمل للكناية، كان فعادة اللفظِ في مِثْلِ قولهِ تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقولهِ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] من الحُسْنِ والبَهْجة، ومنَ الفَخَامة والنُّبل، ما لا يَخْفى موضِعُه على بصيرٍ. وكان لو تُرِكَ فيه الإظهارُ إلى الإضمار فقيل: "وبالحقِّ أنزلناه وبه نزل": و "قلْ هُوَ الله أَحدٌ هو الصَّمَدُ" لعدِمْتَ الذي أنت واجده الآن.

стр. 186

القول في الحذف: نتيجة فصل: مثال آخر للحذف: ١٧٧ - قد بانَ الآنَ واتَّضحَ لِمَنْ نَظَر نظَرَ المتثبِّتِ الحصيفِ الراغبِ في اقتداحِ زِنادِ العَقْل، والازْديادِ من الفضْلِ، وَمْن شأْنُه التوقُ إلى أن يَعْرفَ الأشياءَ على حَقائقها، ويَتغلغَلَ إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلد الذبي يَجري معَ الظاهِر، ولا يَعْدو الذي يَقَعُ في أولِ الخاطرِ١ أَنَّ الذي قلتُ في شأنِ "الحَذْف" وفي تفخيم أمرِه، والتَّنويهِ بذِكْره، وأنَّ مأْخَذَه مَأْخذٌ يُشْبِهُ السِّحْر، ويَبْهَرُ الفِكْر، كالذي قلتُ٢. ١٧٨ - وهذا فَنٌّ آخرُ من معانِيه عجيبٌ، وأنا ذاكرُه لك٣. قال البحتري في قصيدته التي أولها: أعَنْ سَفَهٍ يومَ الأُبَيْرَقِ أم حِلْمِ٤ وهو يذكر مُحاماةَ الممدوحِ عليه، وصيانَتَه له، ودفْعهَ نوائب الزمان عنه: وكَمْ ذُدْتَ عَنِّي مِنْ تَحامُل حادِثٍ ... وسَوْرةِ أَيام حَزَزْنَ إلى العَظْم الأَصْلُ لا محالةَ: حززْنَ اللَّحْمَ إلى العظم، إلاَّ أنَّ في مجيئهِ به محذوفاً، وإسقاطِه له مِنْ النُّطْق، وتَرْكهِ في الضميرِ، مزَّيةً عجيبةً وفائدةً جليلةً.

стр. 187

وذاك أنَّ مِنْ حِذْق الشاعرِ أَنْ يُوقِعَ المعنى في نَفْس السامعِ إيقاعاً يَمنعُه به مِنْ أنْ يتوَهَّم في بدءِ الأمر شيئاً غيرَ المرادِ، ثم ينصرفُ إلى المرادِ، ومعلومٌ أنه لو أظْهَر المفعولَ فقال: "وسَوْرة أيامٍ حززنَ اللَّحَم إلى العظم"، لجاز أن يقعَ في وَهْم السامع إلى أنْ يجيءَ إلى قولِه: "إلى العظم"، أنَّ، هذا الحزَّ كان في بعضِ اللحم دُونَ كلِّه، وأنه قطَعَ ما يَلي الجِلْدَ ولم يَنْتَهِ إلى ما يلي العظم. فلما كان كذلك، وترك ذِكْر "اللحم" وأَسْقَطَه من اللفظ، ليُبْرِئَ السامعَ من هذا الوهمِ، ويَجعلَهُ بحيثُ يَقعُ المعنى منه في أَنْفِ الفَهْمِ١، ويَتصوَّرُ في نفسه من أولِ الأمْر أنَّ الحزَّ مضى في اللحمِ حتى لم يَردَّه إلاَّ العْظمُ. أفيكونُ دليلٌ أوضحَ من هذا وأَبْيَنَ وأجْلى في صحة ما ذكرتُ لك، مِنْ أنك قد ترى ترك أفْصَحَ من الذكْرِ، والامتناعَ من أن يَبْرزَ اللفظ من الضمير، أحسن للتصوير؟

стр. 188

الفروق في الخبر "تقسيمه ": فصل ١: القول على فروق في الخبر الخبر الذي هو جزء من الجملة والخبر الذي ليس بجزء منها: ١٧٩ - أَولُ٢ ما ينبغي أن يُعْلَم منه أنَّه يَنقسمُ إلى خَبرٍ هو جُزءٌ من الجملةِ لا تَتمُّ الفائدةُ دونَه٣، وخَبرٍ ليس بجزءٍ منَ الجملة، ولكنه زيادةٌ في خَبرٍ آخرَ سابقٍ له. فالأولُ خبرُ المبتدأ، كمُنْطَلِقٌ في قولك: "زيدٌ مُنْطلقٌ"، والفعلُ كقولك: "خرجَ زيدٌ"، فكلُّ واحدٍ من هذين جزءٌ منَ الجملة، وهو الأَصْل في الفائدة والثاني هو الحالُ: كقولك: "جاءني زيدٌ راكباً"، وذاكَ لأنَّ الحالَ خبرٌ في الحقيقة، مِنْ حيثُ إنك تُثْبتُ بها المعنى لذي الحالِ، كما تثبتُ بخبرِ المبتدأ للمبتدأ، وبالفِعْل للفاعل٤. ألاَ تَراكَ قد أَثبتَّ "الركوبَ" في قولَك: "جاءني زيدٌ راكباً" لزيدٍ؟ إلاَّ أنَّ الفَرْقَ أنك جئْتَ به لتزيدَ معنًى في إخباركَ عنه بالمجيءِ، وهو أن تَجْعلَه بهذه الهيئة في مجيئهِ، ولم تُجرِّدْ إثباتَكَ للركوب ولم تُباشِرْه، به، بل ابتدأَتَ فأَثبتَّ المجيءَ، ثمَّ وصلْتَ به الركوبَ فالتبسَ به الإثباتُ على سبيل التَّبَع للمجيءِ، وبشَرْط أنْ يكونَ في صِلَته. وأمَّا في الخبر المطلق نحو: "زيد منطلق" و "خرج عمرو"، فإنك مُثْبِتٌ للمعنى إثباتاً جرَّدْتَه له، وجعلْتَه يُباشِرُه من غيرِ واسطةٍ، ومن غيرِ أَن تتسبب بغيره إليه، فأعرفه.

стр. 189

الفروق في الخبر: الاسم والفعل في الإثبات ١٨٠ - وإذْ قد عرَفْتَ هذا الفرْقَ، فالذي يَليه من فُروق الخَبَر، وهو الفرْقُ بينَ الإثباتِ إذا كان بالاسم، وبيْنَه إذا كانَ بالفعلِ. وهو فرقٌ لطيفٌ تَمسُّ الحاجة في علم البلاغة إليه. الفرق بين الخبر إذا كان بالاسم، وإذا كان بالفعل، وأمثلتها: ١٨١ - وبيانُه، أنَّ موضوعَ الاسم على أن يُثْبَتَ به المعنى للشيءِ من غيرِ أن يَقتَضي تجدُّده شيئاً بعْدَ شيء. ١٨٢ - وأما الفعلُ فموضوعُه على أنه يقتضي تَجدُّدَ المعنى المُثْبَت به شيئاً بعْدَ شيء"١. فإذا قلتَ: "زيدٌ منطلقٌ"، فقد أَثبتَّ الانطلاقَ فعْلاً له، من غيرِ أن تجعلَه يَتجدَّد ويَحْدُثُ منه شيئاً فشيئاً، بل يكونُ المعنى فيه كالمعنى في قولك: "زيد طويل"، و "عمرو قصير": فكما لا تقصد ههنا إلى أن تَجعل الطولَ أو القِصَر يتجدَّد ويَحدثُ، بل تَوجِبُهما وتُثْبِتُهما فقط، وتَقْضي بوجوِدهما على الإطلاقِ، كذلك لا تتعرَّضُ في قولك: "زيدٌ منطلقٌ" لأكْثَرَ مِن إثباتِهِ لِزَيد. ١٨٣ - وأمَّا الفعلُ، فإنهُ يُقْصَدُ فيه إلى ذلك، فإذا قلتَ: "زيدٌ ها هو ذا يَنْطلقُ"، فقد زَعمْتَ أنَّ الانطلاقَ يقعُ منه جُزءاً فجزءاً، وجعلْتَهُ يُزاوله ويُزَجِّيه. ١٨٤ - وإنْ شئتَ أن تُحِسَّ الفرْقَ بينهما مِنْ حيثُ يَلْطُفُ، فتأملْ هذا البيت: لا يأْلَفُ الدِّرْهَمُ المَضْرُوبُ خِرقَتَنا، ... لكِنْ يَمُرُّ عليها وهو منطلق٢

стр. 190

هذا هو الحُسْنُ اللائقُ بالمعنى، ولو قلتَه بالفعل: "لكنْ يَمُرُّ عليها وهو ينطلقُ"، لم يحسن. الفرق بين الخبر صفة مشبهة، والخبر إذا كان فعلا: ١٨٥ - وإذا أردت أن تعتبره حيث لا يَخْفى أَنَّ أحدَهما لا يَصْلُح في موضعِ صاحبهِ١، فانظرْ إلى قولِه تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، فإنَّ أَحداً لا يَشكُّ في امتناعِ الفعلِ ههنا، وأنَّ قولَنا: "كَلبُهم يبسُطُ ذراعَيه"، لا يؤدِّي الغرضَ، وليس ذلك إلاَ لأنَّ الفعلَ يقتضي مزاولةَ وتجدُّدَ الصفةِ في الوقتِ، ويَقْتضي الاسمُ ثُبوتَ الصفةِ وحُصولها من غيرِ أن يكونَ هناك مُزاولةٌ وتَزْجيةُ فعلٍ، ومعنىً يَحْدُث شيئاً فشيئاً. ولا فرْقَ بينَ "وكلبهم باسِطٌ"، وبينَ أن يقولَ: "وكلْبُهم واحدٌ" مثلاً، في أنك لا تُثْبِتُ مُزاولةً، ولا تَجعل الكَلْبَ يفعل شيئاً، بل تُثْبتِهُ بصفةٍ هو عليها. فالغرضُ إذن تَأديةُ هيئةِ الكلبِ. ومتى اعتبرْتَ الحالَ في الصِّفاتِ المشبَّهةِ وجَدْتَ الفرْقَ ظاهراً بيِّناً، ولم يَعترضْك الشكُّ في أنَّ أحدَهما لا يَصْلُح في موضعِ صاحبه. فإذا قلتَ: "زيدٌ طويلٌ"، و "عمرو قصير": لم يصلح مكانه "يطول" و "يقصر"، وإنما تقول: "يطول" و "يقصر"، إذا كان الحديثُ عن شيءٍ يَزيد ويَنمو كالشجر والنبات والصبي ونحو ذلك، ومما يتجدَّدُ فيه الطولُ أو يَحْدثُ فيه القِصَر. فأمَّا وأنتَ تُحدِّثُ عن هيئةٍ ثابتةٍ، وعن شيءٍ قد استقرَّ طولُه، ولم يكن ثمَّ تَزايدٌ وتجدُّدٌ، فلا يَصْلُح فيه إلاَّ الاسْمُ.

стр. 191

أمثلة الفرق بين الخبر إذا كان فعلا، وبينه إذا كان اسما: ١٨٦ - وإذا ثبت الفرق بين الشيء والشيء في مواضعَ كثيرةٍ١، وظهرَ الأمرُ، بأَنْ تَرى أحدَهما لا يصْلُح في موضعِ صاحبهِ، وجَبَ أنْ تقضيَ بثُبوتِ الفرقِ حيثُ تَرى أَحدَهما قد صلُحَ في مكانِ الآخَرِ، وتَعْلَم أنَّ المعنى مع أحدِهما غَيرُهُ مع الآخرِ، كما هو العبرةُ في حَمْل الخَفيِّ على الجليِّ. وينعكسُ لك هذا الحكمُ أَعني أنك كما وجدْتَ الاسمَ يقَعُ حيثُ لا يَصلُح الفعلُ مكانه، كذلك نجد الفِعْلَ يَقَعُ ثُم لا يَصلُحُ الاسمُ مكانَه، ولا يؤدِّي ما كانَ يؤديه. ١٨٧ - فمن البَيِّنِ في ذلك قول الأعشى: لعَمْري لقدْ لاحتْ عيونٌ كثيرةٌ ... إلى ضوءِ نارٍ في يَفاع تَحَرَّقُ تُشَبُّ لِمَقْرورَين يَصْطَليانِها ... وبات على النار الندى والمحلق٢ معلوم أن لو قيل: "إلى ضوء نارٍ مُتَحَرِّقة"٣، لَنَبا عنه الطبْعُ وأنكرَتْه النفسُ، ثم لا يكونُ ذاك النبوُّ وذاك الإنكارُ من أجل القافية وأنها تُفْسَد به، بل من جهةِ أنه لا يُشْبِهُ الغرَضَ ولا يليقُ بالحال. ١٨٨ - وكذلك قوله: أوَ كُلّما وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلةُ ... بَعثُوا إلىَّ عَريفَهُم يَتَوَسَّمَ٤ وذاك لأنَّ المعنى في بيتِ الأعشى على أنَّ هناك مُوقِداً يتجدَّدُ منه الإلهابُ والإشعالُ حالاً فحالاً، وإذا قيل: "متحرِّقة"، كان المعنى أن هناك نارًا قد

стр. 192

ثَبُتتْ لها وفيها هذه الصفةُ، وجرَى مَجْرى أن يقالَ: "إلى ضوءِ نارٍ عظيمةٍ" في أنه لا يفيدُ فعلاً يُفْعل وكذلك الحالُ في قوله: بعثوا إليَّ عريفهم بتوسم وذلك لأنَّ المعنى على توسُّم وتأملٍ ونظرٍ يتجدَّد من العَريف هناك حالاً فحالاً، وتصفُّحٌ منه للوجوه واحداً بعدَ واحدٍ. ولو قِيل: "بَعثوا إليَّ عريفَهم متوسِّماً"، لم يُفد ذلك حقَّ الإفادة. ١٨٩ - ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٢]، لو قيلَ: "هل من خالقٍ غيرُ اللهِ رازقٌ لكم"، لكان المعنى غيرَ ما أُريدَ. ١٩٠ - ولا ينبغي أن يَغُرَّكَ أنَّا إذا تكلَّمْنا في مسائل المبتدأ والخبر قدَّرْنا الفعلَ في هذا النحو تقدير الاسم، كما تقول، في "زيدٌ يقومُ"، إنه في موضعِ "زيدٌ قائمٌ"، فإنَّ ذلك لا يَقْتضي أن يستويَ المعنى فيهما استواءً لا يكون من بَعْدِهِ افتراقٌ، فإنهما لوِ اسْتويا هذا الاستواءَ، لم يكن أحدُهما فِعْلاً والآخرُ اسماً، بل كان يَنْبغي أن يكون جميعًا فعلين، أو يكونا اسمين.

стр. 193

الفروق في الخبر: التعريف والتنكير في الإثبات من فروق الخبر في الإثبات، وأمثلته: ١٩١ - ومِنْ فروقِ الإثباتِ أنَّك تقولُ: "زيدٌ منْطَلِقٌ" و "زيدٌ المنطلقُ" و "المنطلقُ زيدٌ"، فيكون لك في كلِّ واحدٍ من هذه الأَحْوال غَرضٌ خاصٌّ وفائدةٌ لا تكونُ في الباقي. وأَنا أفسِّر لك ذلك. ١٩٢ - إعلمْ أنك إذا قلتَ: "زيدٌ منطلقٌ"، كانَ كلامُك مع مَنْ لم يعلَمْ أنَّ انطلاقاً كان، لا مِنْ زَيْد ولا مِنْ عَمْرو، فأنتَ تُفيدُه ذلك ابتداءً. وإذا قلتَ: "زيدٌ المنطلقُ" كان كلامُك مع مَنْ عَرَفَ أنَّ انطلاقاً كان، إا من زَيْد وإمّا من عَمرو، فأنتَ تُعْلِمه أنه كان من زيدٍ دون غيره.

стр. 194

والنُكتةُ أنك تُثْبِتُ في الأول الذي هو قولك: "زيدٌ منطلقٌ" فِعْلاً لم يَعْلم السامعُ من أصْله أنه كان، وتُثبتُ في الثاني الذي هو "زيدٌ المنطلقُ" فعْلاً قد عَلِمَ السامعُ أنَّه كان، ولكنه لم يَعْلَمهُ لِزَيْدٍ، فأَفَدْتَهُ ذلك. فقد وافقَ الأولَ في المعنى الذي له كانَ الخبرُ خبراً، وهو إثباتُ المعنى للشيء. وليس يَقْدَح في ذلك أنكَ كنْتَ قد علمْتَ أنَّ انطلاقاً كان من أحَدِ الرجلين، لأنك إذا لم تَصِلْ إلى القَطْع على أنه كان من زيدٍ دون عمرو، وكان حالُك في الحاجةِ إلى من يُثْبته لزيدٍ١، كحالك إذا لم تَعْلم أنه كانَ من أَصْله. ١٩٣ - وتمامُ التحقيق أنَّ هذا كلامٌ يكونُ معك إذا كنتَ قد بُلِّغْتَ أنه كانَ مِن إنسانٍ انطلاقٌ مِنْ مَوْضعِ كذا في وَقْتِ كذا لغرضِ كذا، فجوَّزْتَ أنْ يكونَ ذلك كان مِنْ زيدٍ. فإذا قيلَ لك: "زيدٌ المنطلقُ"، صار الذي كان معلوماً على جهِة الجواز، معلوماً على جهةِ الوجوبِ. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيدَ هذا الوجوبِ أدْخلوا الضميرَ المسمَّى "فصْلاً" بين الجزءين فقالوا: "زيدٌ هو المنطلق". إذا كان الخبر نكرة، جاز أن تعطف على المبتدأ مبتدأ آخر، وتفصيل ذلك: ١٩٤ - ومن الفرق بين المسئلتين، وهو مما تَمسُّ الحاجةُ إلى معرفتهِ، أنك إذا نكَّرْتَ الخبرَ جازَ أن تأتيَ بمبتدأ ثانٍ، على أنْ تُشركه بحرفِ العطفِ في المعنى الذي أخبرْتَ به عن الأوَّل، وإذا عرَّفتَ لم يَجُزْ ذلك. تفسيرُ هذا أنك تقول: "زيدٌ منطلق وعمرو"، تريدُ "وعمروٌ منطلقٌ أيضاً"، ولا تقولُ: "زيدٌ المنطلق وعمرو"، ذلك لأنَّ المعنى مع التعريفِ على أنك أردْتَ أن تُثبت انطلاقاً مخصوصاً قد كان من واحدٍ، فإذا أَثْبتَّه لزيدٍ لم يَصِحَّ إثباتُه لعمرو.

стр. 195

ثم إنْ كان قد كان ذلك الانطلاقُ من اثنينٍ، فإنه ينبغي أن تَجْمَع بينهما في الخبر فتقول: "زيد وعمرو هما المنطلقان"، لا أن تُفرِّق فتُثْبِتَه أولاً لزيد، ثم تجيء فتُثْبتَه لعمرو. ومِنَ الواضح في تمثيلِ هذا النحوِ قولُنا: "هو القائلُ بيتَ كذا"، كقولك: "جريرٌ هو القائل: ولَيْسَ لِسَيْفي في العِظَامِ بقيّةٌ١ فأنتَ لو حاولتَ أن تُشْرك في هذا الخبرِ غيرَه، فتقولُ: "جريرٌ هو القائلُ هذا البيتَ وفلانٌ"، حاولت محالًا، لأنه قول بعينِه٢، فلا يُتصوَّر أن يُشرَكَ جريراً فيه غيره.

стр. 196

الفروق في الخبر: القصر في التعريف الخبر معرفا بالألف واللام، نحو "زيد هو الشجاع"، وتفصيل فروق الوجه الأول: ١٩٥ - وعلم أنكَ تَجد "الأَلف واللامَ" في الخبرِ على معنى الجنسِ، ثم تَرى له في ذلك وجوهاً: أحدهما: أن تَقْصُرَ جنْسَ المعنَى على المُخْبَر عنه لقَصْدِك المبالغةَ، وذلك قولُك: "زيدٌ هو الجوادُ" و"عمرو هو الشجاعُ"، تريدُ أنه الكاملُ إلاَّ أنكَ تُخْرجُ الكلامَ في صورةٍ تُوهم أنَّ الجُودَ أو الشجاعةَ لم تُوجَدْ إلا فيه، وذلك لأنك لم تَعْتَدَّ بما كان مِنْ غَيْره، لقُصوره عن أن يَبْلغَ الكمالَ. فهذا.

стр. 197

كالأولِ في امتناع العَطْف عليه للإشراك، فلو قلت: "زيد هو الجواد وعمرو"، كان خَلْفاً من القول. معنى الوجه الثاني: ١٩٦ - والوجُه الثاني: أن تَقْصُرَ جِنسَ المعنى الذي تُفيدُه بالخبرِ على المُخْبرَ عنه، لا على معنى المبالغة وتَرْك الاعتدادِ بوجودهِ في غير المخْبَر عنه، بل على دَعوى أنه لا يُوجَدُ إلا منه. ولا يكونُ ذلك إلاَّ إذا قيَّدت المعنى بشيءٍ يُخصِّصُه ويجعلُه في حكمِ نوعٍ برأسهِ، وذلك كنحوِ أن يُقيَّد بالحالِ والوقْتِ كقولك: "هو الوَفِيُّ حينَ لا تَظُنَّ نفسٌ بنفسٍ خيراً". وهكذا إذا كان الخبرُ بمعنًى يتعدَّى، ثمَّ اشترطْتَ له مفعولاً مخصوصًا، كقول الأعشى: هُوَ الواهِبُ المِئَةَ المُصْطفاةَ، ... إمَّا مِخاضاً وإمَّا عِشَاراً١ فأنتَ تَجْعلُ الوفاءَ في الوقِت الذي لا يَفي فيهِ أحَدٌ، نوعاً خاصاً مِنَ الوفاء، وكذلك تجعلُ هِبَة المئة من الإبل نوعاً خاصاً، وكذا الباقي. ثم إنك تَجعلُ كلَّ هذا خبراً على معنى الاختصاص، وأنَّه للمذكورِ دونَ مَن عَداهُ. ألا تَرى أنَّ المعنى في بيتِ الأعشى: أنه لا يَهَبُ هذه الهبةَ إلا الممدوحُ؟ وربما ظنَّ الظانُّ أنَّ "اللام" في "هُوَ الواهبُ المِئَة المُصْطفاةَ" بمنزلِتها في نحوِ "زيدٌ هو المنطلقُ"، من حديث كان القَصْد إلى هبةٍ مخصوصةٍ٢، كما كان القصدُ إلى انطلاقٍ مخصوصٍ. وليس الأمْرُ كذلك، لأنَّ القصدَ ههنا إلى جنسٍ منَ الهِبة مخصوصٍ، لا إلى هبةٍ مخصوصةٍ بعينها. يَدُلُّكَ على ذلك أن المعنى على أنه يتكرَّر منه، وعلى أن يجعلُهُ يهبُ المئةَ مرةً بعدَ أُخرى٣، وأما

стр. 198

المعنى في قولك: "زيدٌ هو المنطلقُ"، فعلى القصد إلى انطلاق كان مرة وادة، لا إلى جنسٍ من الانطلاقِ. فالتكرُّر هناك غيرُ مُتصوَّر، كيفَ؟ وأنتَ تقولُ: "جريرٌ هو القائل وَليْسَ لِسَيفي في العِظَامِ بقيةٌ"١، تُريد أن تُثبتَ له قِيلَ هذا البيتِ وتأليفَه. فأفْصِلْ بينَ أن تقصِدَ إلى نوعِ فعلٍ، وبينَ أن تقصدَ إلى فعلٍ واحدٍ متعيَّنٍ، حالهُ في المعاني حال زيد في الجرال، في أنه ذات بعينها. الوجه الثالث: ١٩٧ - والوجه الثالث: أن لا يَقصد قصْرَ المعنى في جنسِه على المذكورِ، لا كما كان في "زيدٌ هو الشجاعُ"ـ تُريد أن لا تعتدَّ بشجاعةِ غيرهِ ولا كما تَرى في قولِه: "هُو الواهبُ المئةَ المصطفاةَ"، ولكن على وجهٍ ثالثٍ، وهو الذي عليه قولُ الخنساء: إذا قَبُحَ البكاءُ على قتيلٍ ... رأَيْتُ بكاءَكَ الحسَنَ الجَميلا٢ لم تُرِدْ أنَّ ما عدا البكاءَ عليه فليس بحَسَنٍ ولا جَميل، ولم تُقّيِّدِ الحَسَن بشيءٍ فيتُصوَّر أن يُقْصَرَ على البقاء، كما قَصَرَ الأعشى هبةَ المئةِ على الممدوح، ولكنها أرادتْ أن تُقِره في جنسِ ما حُسْنُهُ الحُسْنُ الظاهرُ الذي لا يُنْكرهُ أحدٌ، ولا يَشكُّ فيه شاكُّ. ١٩٨ - ومثُله قولُ حسان: وإنَّ سَنام المَجْدِ مِنْ آلِ هاشمٍ ... بَنُو بنت مخزوم ووالدك العبد٣

стр. 199

الفروق في الخبر: نكت أخرى للتعريف الوجه الرابع في الخبر المعرف بالألف واللام وهو مسلك دقيق، وأمثلته، وهو "الموهوم": ١٩٩ - واعلمْ أنَّ للخبر المعُرَّف "بالألفِ واللام" معنًى غيرَ ما ذكرتُ لك، ولهُ مَسْلكٌ ثَمَّ دقيقٌ ولَمَحَةٌ كالخَلْسِ، يكونُ المتأمِّلُ عنده كما يقالُ: "يُعرَّفُ وينكَّرُ"، وذلك قولُك: "هو البطلُ المحامي" و "هو المتقي المرنجي"، وأنتَ لا تقصدُ شيئاً مما تقَدَّم، فلستَ تشيرُ إلى معنى قد عَلمَ المخاطَبُ أنه كان، ولم يَعْلَمْ أنه ممَّن كان كما مضى في قولك: "زيدٌ هو المنطلقُ" ولا تريدُ أن تقصُرَ معنى عليه على معنى أنه لم يَحصُلْ لغيرهِ على الكَمال، كما كان في قولك: "زيد هو الشجاعُ" ولا أن تقول: ظاهر أنه بهذهِ الصفة٢، كما كان في قوله: "ووالدُكَ العبْدُ" ولكنَّك تُريد أن تقولَ لصاحبك: هل سمعتَ بالبطل المحامي؟ وهل خصلت معنى هذه الصفةِ؟ وكيفَ يَنْبغي أن يكونَ الرجلُ حتى يَستحِقَّ أن يُقالَ ذلك له وفيه؟ فإنْ كنتَ قتلتَه عِلماً، وتصوَّرْتَه حقَّ تصورهِ، فعليكَ صاحبَك واشدُدْ به يدَك، فهو ضالَّتُكَ وعندَه بُغْيتُكَ، وطريقُه طريق قولكِ٣: "هل سمعتَ بالأَسَد؟ وهل تعرفُ ما هو؟ فإِن كنتَ تَعرفُه، فَزيدٌ هو هو بعينه".

стр. 200

٢٠٠ - ويزدادُ هذا المعنى ظهوراً بأن تكونَ الصفةُ التي تريدُ الإخبارَ بها عن المبتدأ مُجْراةً على موصوف، كقوله ابن الرومي: هُوَ الرجُلُ المَشْرُوكُ في جُلِّ مالِهِ ... ولكنَّه بالمَجْد والحَمْد مُفْرَدُ١ تقديرُه، كأنه يقولُ للسامع: فكِّرْ في رجلِ لا يتميزُ عفاتُه وجيرانُه ومعارِفُه عنْهُ في مالِه وأَخْذ ما شاؤوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فأعلك أنه ذلكَ الرجلُ. ٢٠١ - وهذا فنٌّ عجيبُ الشأنِ، وله مكانٌ من الفَخامةِ والنُبْل، وهو مِنْ سِحْر البيانِ الذي تَقْصُرُ العبارةُ عن تأديةِ حقِّه. والمُعَوَّلُ فيه على مراجعةِ النفسِ واستقصاءِ التأمُّلِ، فإذا علمتَ أنه لا يريدُ بقوله: "الرجلُ المشروكُ في جُلِّ مالهِ" أن يقول: "هو الذي بلغت حديثه، وعرفت من حاله وقصته أن يُشرَكُ في جُلِّ ماله، على حدِّ قولِكَ: "هو الرجلُ الذي بلغَكَ أنه أنفقَ كذا، والذي وهبَ المئة المصطفاةَ من الإبل" ولا أنْ يقولَ إنه على معنى: "هو الكاملُ في هذه الصفةِ"، حتى كأنَّ ههنا أقواماً يُشركون في جلِّ أموالهم، إلا أنه في ذلك أكملُ وأتَمُّ، لأنَّ ذلك لا يُتَصوَّر. وذاك أنَّ كوْنَ الرجل بحيث يُشْرَكُ في جلِّ ماله، ليس بمعنى يَقعُ فيه تَفاضُلٌ٢، كما أن بَذْلَ الرجلِ كَلَّ ما يَملكُ كذلك ولو قيلَ: "الذي يُشْرَكُ في ماله"، جازَ أن يَتفاوَتَ. وإذا كان كذلك، علمتَ أنه معنًى ثالثٌ. وليس إلا ما أشرْتَ إليه من أنه يقولُ

стр. 201

للمخاطب: "ضع في نسك معنى قولك: رجل متشروك في جُلِّ مالهِ، ثم تأمْل فلاناً، فإنك تَسْتملي هذه الصورةَ منه، وتَجدهُ يؤدِّيها لك نَصّاً، ويأتيكَ بها كَمَلاً". ٢٠٢ - وإن أردْتَ أن تسمعَ في هذا المعنى ما تَسْكُن النفسُ إليه سكونَ الصَّادي إلى بَرْد الماءِ، فاسمعْ قوله: أن الرجل المدعو عاق فقرِهِ ... إذا لَمْ تُكارِمْني صروفُ زَمَاني١ وإنْ أردت أعجب من ذلك فقوله: أهدَى إليَّ أبو الحُسين يَدا ... أَرْجو الثوابَ بها لديه غدا وكذلك عاداتُ الكَريم إذا ... أَوْلَى يَداً حُسِبَتْ علَيْهِ يدا إن كان يحسد نفسه أحد، ... فلأزعمك ذلك الأحد٢ فهذا كلُّه على معنى الوْهم والتقدير، وأن يُصَوِّر في خاطرِه شيئاً لم يَره ولم يَعْلمه، ثم يُجْريه مُجْرى ما عَهِد وعَلِم. "الذي" ومجيئها في الخبر الموهوم: ٢٠٣ - وليس شيءٌ أغلبَ على هذا الضرْبِ المَوْهوم من "الذي"، فإنه يجيء كثيرًا من أنك تُقدِّر شيئاً في وَهْمك، ثم تُعبِّر عنه "بالذي"، ومثال ذلك قوله: أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يحبك وإن تغضب إلى السيف يغضب٣

стр. 202

وقول الآخر: أخوك الذي إن ريته قال إنما ... أريت وإن غاتبته لانَ جانِبُهْ١ فهذا ونحْوُه على أنكَ قدَّرْتَ إنساناً هذه صفتُه وهذا شأْنُه، وأَحلْتَ السامعَ على من يَعِنُّ في الوهم٢، دون أن يكونَ قد عرفَ جرلًا بهذه الصفةِ فأعلمتَه أن المستحِقَّ لاسمِ الأُخوَّة هو ذلك الذي عَرَفه، حتى كأنك قلتَ: "أخوك زيدٌ الذي عرفتَ أنكَ إنْ تدعُه لملمة يحبك". ٢٠٤ - ولكَوْن هذا الجنسِ معهوداً من طريقِ الوَهم والتخيُّل، جَرىَ على ما يُوصفُ بالاستحالةِ، كقولكَ للرجل وقد تَمنَّى: "هذا هو الذي لا يكون"، و "هذا ما لا يدخل في الوجود"، وكقوله: مالا يَكونُ فلاَ يَكونُ بحيلَةٍ ... أبداً وَمَا هُوَ كائنٌ سَيُكُونُ٣ وَمِنْ لطيفِ هذا الباب قولُه: وإنِّي لمشتاقٌ إلى ظلِّ صاحبِ ... يَروقُ ويَصْفو إنْ كَدِرْتُ عليهِ٤ قَدْ قدَّر كما تَرى ما لَمْ يعلمْه موجوداً، ولذلك قال المأمونُ: "خذْ منِّي الخِلافةَ وأعطني هذا الصاحب". فهذا التعريفُ الذي تَراه في الصاحب لا يَعْرِضُ فيه شك أنه موهوم.

стр. 203

الفرق بين: "المنطلق زيد" و"زيد المنطلق" والمبتدأ والخبر معرفتان ٢٠٥ - وأمَّا قولُنا: "المنطلقُ زيدٌ"، والفرْقُ بينَه وبينَ أن تقول: "زيدٌ المنطلقُ"١، فالقولُ في ذلك أنك وإنْ كنتَ تَرى في الظاهر أنهما سواءٌ من حيثُ كانَ الغرضِ في الحَالَيْن إثباتَ انطلاقٍ قد سَبَق العلمُ به لزيدٍ٢، فليسَ الأمرُ كذلك، بل بينَ الكلامَيْن فصْلٌ ظاهرٌ. وبيانُه: أنك إذا قلتَ: "زيدٌ المنطلقِ"، فأنتَ في حديِث انطلاقٍ قد كان، وعرَفَ السامعُ كونَه، إلاَّ أنه لم يَعْلم أَمِنْ زيدٍ كان أمْ مِن عَمرو؟ فإذا قلت: "زيدٌ المنطلقُ"، أزلتَ عنه الشكَّ وجعلْتَه يَقْطعُ بأنه كان مِنْ زيدٍ، بعد أن كان يَرى ذلك على سَبيل الجَواز. وليس كذلك إذا قدمت "المنطلقُ" فقلت: "المنطلق زيد"، بلى يكون المعنى حيئذ على أنك رأَيْتَ إنساناً ينطِلق بالبُعْد منك، فلم تثبته٣، ولم تعلَمْ أزيدٌ هو أمْ عمروٌ، فقال لك صاحبُك: "المنطلقُ زيدٌ"، أي هذا الشخصُ الذي تراه من بُعْد هو زيدٌ. وقد تَرى الرجلَ قائِماً بين يديكَ وعليه ثوبُ ديباجٍ، والرجلُ ممن عرفْتَه قديماً ثم بَعُدَ عَهْدُك به فتناسَيْتَه، فيقالُ لك: "اللابسُ الديباجَ صاحبُك الذي كان يكونُ عندَك في وقتِ كذا، أمَا تعرِفُه؟ لَشَدَّ ما نَسِيتَ"، ولا يكون الغرض أن يثبت له ليس الديباجِ، لاستحالةِ ذلك، من حيثُ إنَّ رؤيتَك الديباجَ عليه تُغْنيك عن إخبارِ مُخْبر وإثباتِ مثبت لبسه له.

стр. 204

فمتى رأيتَ اسمَ فاعلٍ أو صفة منَ الصفات قد بُدىءَ به، فجُعل مبتدأً، وجُعل الذي هو صاحبُ الصِّفة في المعنى خبراً، فاعلَمْ أنَّ الغرضَ هناك، غيرُ الغرض إذا كان اسمُ الفاعل أو الصفةُ خبراً، كقولك: "زيد المنطق". اختلاف معنى التقديم والتأخير في المعرفتين إذا كانتا مبتدأ وخبرا: ٢٠٦ - واعلمْ أنه ربَّما اشتَبهتْ الصورةُ في بعضِ المسائل من هذا البابِ، حتى يُظنَّ أنَّ المعرفتين إذا وقعتا مبتدأ وخبراً، لم يختلفِ المعنى فيهما بتقديمٍ وتأخير. ومما يُوهم ذلك قولُ النحويين في "باب كان": "إذا اجتمعَ معرفتانِ كنتَ بالخِيار في جعْلِ أيِّهما شئتَ اسماً، والآخر خَبراً، كقولك: "كان زيدٌ أخاط" و "كان أخوك زيداً"، فيُظَنُّ مِنْ ههنا أنَّ تكافؤَ الاسمين ي التعريف يقتضي أن لا يَختلِف المعنى بأن نبدأ بهذا وثنتنى بذاك، وحتى كان الترتيبُ الذي يُدَّعى بينَ المبتدأ والخبر وما يُوضع لهما من المنزلِة في التقدم والتأخر، يَسْقطُ ويرتَفِعُ إذا كان الجزآن معاً معرفتين. ٢٠٧ - ومما يُوهم ذلك أنك تقول: "الأمير زيد"، و "جئتك والخليفةُ عبدُ الملك"، فيكون المعنى على إثباتِ الإمارة لزيدٍ، والخلافةِ لعبدِ الملك، كما يكونُ إذا قلت: "زيد الأمير" و "عبد الملك الخليفةُ"، وتقولهُ لمن لا يُشاهِد١، ومَنْ هو غائبٌ عن حضرةِ الإمارة ومعْدِن الخلافة. وهكذا من يتوهم في نحو قوله:

стр. 205

أَبُوكِ حُبابٌ سارقُ الضَّيفِ بُرْدَهُ ... وجَدِّيَ يا حَجَّاجُ فارسُ شَمَّرا١ أنه لا فَصْلَ بينه وبينَ أن يقالَ: حبابٌ أبوكَ، وفارسُ شمَّر جَدِّي". وهو موضِعُ غامض. والذي يُبيِّن وجهَ الصَّوابِ، ويدلُّ على وجوبِ الفرق بين المسئلتين: أنك إذا تأملت الكلام وجدت الا يَحْتَمِلُ التَّسويةَ، وما تجدُ الفرْقَ قائماً فيه قياماً لا سبيلَ إلى دَفْعه، هو الأَعَمَّ الأكثَر٢. ٢٠٨ - وإن أردتَ أَنْ تعرفَ ذلك، فانظرْ إلى ما قدَّمتُ لك من قولك: "اللابسُ الديباجَ زيدُ"٣، وأنتَ تُشير له إلى رجلٍ بينَ يديه، ثم انظرْ إلى قولِ العَرب: "ليسَ الطِّيبُ إلاَّ المِسْك"٤، وقولِ جرير: ألستُمْ خيرَ مَنْ رَكبَ المَطايا٥ ونحوِ قولِ المتنبي: ألست ابن الألى سعدوا وسادوا٦

стр. 206

وأشباهِ ذلك مما لا يُحصى ولا يُعَدُّ وأرد المعن على أن يَسْلَمَ لك مع قَلْبِ طَرَفَيْ الجملة١، وقُلْ: "ليس المسكُ إلا الطيبَ"، و "أليس خيرُ مَنْ ركبَ المطايا إياكم؟ "، و "أليس ابنُ الألى سعِدوا وسادوا إِيَّاكَ"؟ ٢ تعلمْ أنَّ الأمرَ على ما عرَّفْتُك من وجوبِ اختلاف المعنى بحسب التقديم والتأخير. المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه والخبر خبر لأنه مسند تثبت به وبيان ذلك: ٢٠٩ - وههنا نكتة جيب القطعُ معها بوجوبِ هذا الفرقِ أبداً، وهي أنَّ المبتدأَ لم يكُنْ مبتدأً لأنه منطوقٌ به أولًا، ولا كان الخبر خبرًا لنه مذكورٌ بَعْد المبتدأ، بل كان المبتدأُ مبتدأً لنه مُسْندٌ إليه ومُثْبَتٌ له المعنى، والخبَرُ خبراً لأنه مسنَدٌ ومثْبَتٌ به المعنى. تفْسير ذلك: أنَّك إذا قلتَ: "زيدٌ منطلقٌ" فقد أثبتَّ الانطلاقَ لزيدٍ وأَسندْتَه إليه، فَزَيدٌ مثبَتٌ له، ومنطلق مثْبَتٌ به، وأمَّا تقديمُ المبتدأ على الخبرِ لفظاً، فحكْمٌ واجبٌ من هذِه الجهة، أي من جهِة أنْ كان المبتدأُ هو الذي يُثْبَتُ له المعنى ويسند إليه، والخبَرُ هو الذي يُثْبَتُ به المعنى ويُسنَد. ولو كان المبتدأ مبتدأ لنه في اللفظ مقدَّمٌ مبدوءٌ به، لكان يَنبغي أن يَخْرج عن كونِه مبتدأ بأن يقالَ: "منطلقٌ زيدٌ"، ولوجَبَ أن يكونَ قولُهم: "إن الخبرَ مقدَّمٌ في اللفظِ والنيَّةُ به التأخيرُ"، مُحالاً. وإذا كان هذا كذلك ثم جئتَ بمعرفتين فجعلتهما متبدأ وخبراً فقد وجَبَ وجوباً أن تكونَ مثبِتاً بالثاني معنى للأول. فإذا قلت: "زيدًا أخوك"، كنتَ قد أثبتَّ بأخوك معنى لزيدٍ، وإذا قدمت وأخرت فقلت:

стр. 207

"أخوك زيد"١، وجب أن تكون مثبتًا يزيد معنى لأخوك، وإلا كان تسميتك له الآن متبدأ وإذا ذاك خبراً، تغييراً للاسم عليه مِنْ غيرِ معنى، ولأذى إلى أن لا يكون لقولهم "المبتدأ والخير" فائدةٌ غيرَ أن يتقدمَ اسمٌ في اللفظ على اسم، من غير أن ينفدر كل واحد منما بحكْمٍ لا يكون لصاحبهِ. وذلك مما لا يُشكُّ في سقوطه. ٢١٠ - ومما يدلُّ دلالةً واضحةً على اختلافِ المعنى إذا جئتَ بمعرفتَيْن، ثم جعلتَ هذا مبتدأ وذاك خبراً تارة، وتارة بالعكس قولهم: "الحبيب أنت"، و "أنت الحبيبُ"، وذاك أنَّ معنى "الحبيبُ أنتَ"، أنه لا فصْل بينك وبينَ مَنْ تُحبُّه إذا صدَقَت المحبةُ، وأنَّ مثَل المتحابَّيْنِ مثَلُ نفْسٍ يقتسمُها شخصان، كما جاء عن بعض الحكماءِ أنه قال: "الحبيبُ أنتَ إلا أنه غيرُكَ". فهذا كما ترى فوق لطيف وكنكتة شريفةٌ، ولو حاولتَ أن تُفيدها بقولك: "أنت الحبيبُ"، حاولتَ ما لا يَصِحُّ، لأنَّ الذي يُعْقَل من قولك "أنتَ الحبيبُ" هو ما عناه المتنبي في قوله: أنتَ الحبيبُ ولكنِّي أعوذُ بهِ ... مِنْ أنْ أكون محبصا غيرَ مَحْبوبِ٢ ولا يَخفى بُعْدُ ما بينَ الغرضَيْن. فالمعنى في قولك: "أنتَ الحبيبُ" أنَّكَ الذي أخْتَصُّه بالمحبة مِنْ بين الناس، وإذا كان كذلك، عرفتَ أنَّ الفرْقَ واجبٌ، أبداً، وأنه لا يجوزُ أن يَكون "أخوك زيدٌ" و "زيد اخوك" بمعنى واحد.

стр. 208

٢١١ - وههنا شيءٌ يجبُ النظرُ فيه، وهو أنَّ قولك: "أنتَ الحبيبُ"، كقولِنا "أنتَ الشجاعُ"، تُريد أنه الذي كملت فيه الشجاعة أم كقولنا١: "زيدٌ المنطلقُ"، تريد أنه الذي كان منهُ الانطلاقُ الذي سمِعَ المخاطَبُ به؟ وإذا نظرْنا وجدناه لا يَحْتمِل أن يكونَ كقولنا: "أنتَ الشجاعُ"، لأنه يقتضي أن يكونَ المعنى أنَّه لا مَحبَّة في الدنيا إلا ما هو بهِ حبيبٌ، كما أنَّ المعنى في "هوَ الشجاعُ" أنه لا شجاعَة في الدنيا إلاَّ ما تَجِِدُه عندَه وما هو شجاعٌ به. وذلك مُحال. ٢١٢ - وأمرٌ آخرُ وهو أنَّ الحبيب "فعيل" فمعنى" "مفعول"، فالمحبة إذن ليست هل له بالحقيقة، وإِنما هي صفةٌ لغيرِه قد لابَسَتْه وتعلَّقَتْ به تعلُّقَ الفعلِ بالمفعول. والصفةُ إذا وُصِفَتْ بكمالٍ وُصِفتْ به على أَنْ يَرجِعَ ذلك الكمالُ إلى مَنْ هي صفةٌ له، دونَ مَن تُلابِسُه ملابسةَ المفعول. وإذا كان كذلك، يعد أن تَقولَ: "أنتَ المحبوبُ"، على معنى أنتَ الكاملُ في كونك مَحبوباً، كما أنَّ بعيداً أن يقالَ: "هو المضروبُ"، على معنى أَنه الكاملُ في كونِه مضروباً. وإنْ جاء شيءٌ من ذلك جاء على تعسُّفٍ فيهِ وتأويلٍ لا يُتصوَّر ههنا، وذلك أنْ يقالَ مثلاً: "زيدٌ هو المظلومُ"، على معنى أنه لم يُصِبْ أحداً ظلمٌ يَبلغُ في الشِّدَةِ والشَّناعة الظلمَ الذي لَحِقَه، فصار كلُّ ظلمٍ سِواهُ عَدْلاً في جَنْبهِ ولا يجيءُ هذا التأويلُ في قولنا: "أنتَ الحبيبُ"، لأنَّا نَعْلم أَّنهم لا يريدون بهذا الكلام أن يقولوا: إنَّ أحداً لم يُحبَّ أحدًا مجتبى لك، وأن ذلك قد أبطل

стр. 209

المحبات كلها حتى صبرت الذي لا يُعْقَلُ للمحبةِ معنًى إلاَّ فيه. وإنما الذي يريدون أنَّ المحبةَ مني بجملتها مقصورةٌ عليكَ، وأنه لَيْسَ لأحدٍ غيرَكَ حظٌّ في محبةٍ منِّي. ٢١٣ - وإذا كان كذلك بانَ أَنه لا يكونُ بمنزلةِ "أنتَ الشجاعُ"، تريدُ الذي يتكامل الوصفُ فيه١، إلا أنه يَنْبغي من بَعْدُ أن تعْلم أَنَّ بينَ "أنتَ الحبيبُ" وبينَ "زيدٌ المنطلقٌ" فرقاً، وهو أنَّ لكَ في المحبة التي أَثْبَتَّها طرفاً من الجنسية، من حيثُ كان المعنى أنَّ المحبَّةَ مني بجملتها مقصورةٌ عليك، ولم تَعمدْ إلى محبةٍ واحدةٍ من مَحَبَّاتك. ألا تَرى أنَّك قد أَعطَيْتَ بقولكَ: "أنتَ الحبيبُ" أنك لا تُحِبُّ غيرَه، وأنْ لا محبةَ لأحدٍ سِواه عندَك؟ ولا يتصور هذا في "زيد المنطلق"، لأنه وجْهَ هناك للجنسيةِ، إذْ ليس ثَمَّ إلا انلاطق واحدٌ قد عَرفَ المخاطبُ أنه كان، واحتاجَ أن يُعيَّن له الذي كان منه ويُنَصَّ له عليه. فإن قلتَ: "زيدٌ المنطلقُ في حاجتك"، تريدُ الذي من شأنه أن يَسْعى في حاجَتك، عرَضَ فيه معنى الجنسيةِ حينئذٍ على حدها في "أنت الحبيب". أسماء الأجناس والمصادر تتنوع إذا وصفت: ٢١٤ - وههنا أصْلٌ يجب أن تُحْكِمَهُ: وهو أنَّ من شأنِ أسماءِ الأجناسِ كلِّها إذا وُصِفَتْ، أن تَتنوَّعَ بالصفةِ، فيصيرَ "الرجلُ" الذي هو جنسٌ واحدٌ إذا وصفْتَه فقلتَ: "رجلٌ ظريفٌ"، و "رجل طويل"، و "رجل قصير"، و "رجل شاعر"، و "رجل كاتبٌ"، أنواعاً مختلفةً يُعَدُّ كلُّ نوعٍ منها شيئًا على حدة، وتستأنف في اسم "الرجل" بكلِّ صفةٍ تَقْرِنها إليه جنسية٢.

стр. 210

٢١٥ - وهكذا القول في "المصادر"، تقول: "العلم" و "الجهل" و "الضرب" و "القتل" و "السير" و "القيام" و "القعود"، فتجدُ كلَ واحدٍ من هذه المعاني جنساً كالرجل والفرس والحمارِ. فإذا وصفتَ فقلتَ: "عِلمُ كذا" و "علم كذا" كقولك: "علم ضروري" و "علم مكتسب"، و "علم جلي" و "علم خفي" و "ضرب شديد" و "ضرب خفيف" و "سير سريع" و "سير بطيء" وما شاكل ذلك، آتقسم الجنس منها أقاسامًا، وصار أنواعًا، وكان مثلها مثل الشيء والمجموع المؤلفِ تَفْرُقُه فِرَقاً وتَشْعَبُه شُعبَا. وهذا مذهبٌ معروف عندهم، وأصل متعارف فيكل جيل وأمة. المصادر تتفرق بالصلة، كما تتفرق بالصفة: ٢١٦ - ثم إن ههنا أصلاً هو كالمتفرِّع على هذا الأصل أو كالنظيرِ له، وهو أن مِنْ شأنِ "المصدر" أن يفرَّقَ بالصَّلات كما يُفرَّقُ بالصِّفات. ومعنى هذا الكلامِ أنَّك تقولُ "الضربُ"، فتراه جنساً واحداً، فإذا قلتَ: "الضربُ بالسيف"، صار بتعديتك له إلى السيف١، نوعاً مَخصوصاً. ألا تراكَ تَقولُ: "الضربُ بالسيف غيرُ الضربِ بالعصا"، تُريدُ أنهما نوعانِ مختلفانِ، وأنَّ اجتماعَهما في اسم "الضَّرْب" لا يُوجب اتفاقَهما، لأن الصِّلةَ قد فصلَتْ بينُهما وفرَّقَتْهما. ومن المثالَ البيِّن في ذلك قول المتنبي: وتوهَّمُوا اللعِبَ الوَغى، والطعنُ في الـ ... ـهيجاءِ غير الطعن في الميدان٢

стр. 211

لولا أن اختلاف صلة المصدر تقضي اختلافه في نفسِه، وأن يَحْدُثَ فيه انقسامٌ وتَنوُّعٌ، لَمَا كان لهذا الكلامِ معنًى، ولَكانَ في الاستحالة كقولك: و "الطعن غير الطعن". فقد بان إذْن أنه إنَّما كانَ كلُّ واحدٍ من الطَّعْنَيْن جِنْساً بَرأْسِهِ غيرَ الآخَر، بأَنْ كان هذا في الهيجاءِ، وذاك في الميدانِ. وهكذا الحُكْم في كلِّ شيء تعدَّى إليه "المصْدَرُ" وتعلَّقَ به. فاختلافُ مفعولَيْ المصدر يقتضي اختلافَه، وأن يكونَ المتعدِّي إلى هذا المفعولِ غيرَ المتعدِّي إلى ذاك. وعلى ذلك تقولُ: "ليسَ إعطاؤكَ الكثير كإعطائك القليل"، وهكذا إذا عذبته إلى الحال كقولك: "ليس إعطاؤه مُعْسِراً كإعطائك مُوسِراً" و "ليس بذْلُكَ وأنتَ مقل، كبذلك وأنت مكثر". الاسم المشتق أيضا يتفرق بالصلة: ٢١٧ - وإذا قد عرفْتَ هذا مِن حُكْم "المصدِر" فاعتبرْ به حكْمَ الاسمِ المشتقِّ منه. وإذا اعتبرْت ذلك علمْتَ أَنَّ قولك: "هو الوفيُّ حين لا يفي أحد"، و "هو الواهب المئة المصطفاة"، وقوله١: وهو الضارب الكتيبة، والطعـ ... ـنة تعلو، والضَّربُ أَغْلى وَأَغْلَى٢ واشباهُ ذلك كلُّها أخبارٌ فيها معنى الجنسية، وأنها في نوعِها الخاصِّ بمنزلِة الجنسِ المُطْلَق إذا جعلْتَه خبَراً فقلتَ: "أنتَ الشجاعُ". وكما أنكَ لا تَقْصِد بقولك: "أنتَ الشجاعُ" إلى شجاعة بعينها قد

стр. 212

كانتْ وعُرِفَتْ من إنسانٍ، وأَردْتَ أن تَعرفَ ممَّنْ كانت بل تُريد أن تَقْصُرَ جنْسَ الشجاعةِ عليه، ولا تَجعلُ لأحدٍ غيرهِ فيه حظَّاً، كذلك لا تَقصدُ بقولك: "أنتَ الوفيُّ حين لا يَفي أحدٌ" إلى وفاءٍ واحدٍ. كيفَ؟ وأنتَ تقول: "حينَ لا يفي أحدٌ". وهكذا محال أن تقصد في قولِه: "هُوَ الواهبُ المئةَ المصطفاةَ"، إلى هبةٍ واحدةٍ، لأنه يَقْتضي أَن يقصِدَ إلى مِئةٍ منَ الإبلَ قد وَهَبها مرةً، ثم لم يعد لمثلها. ومعلوم أن خلافُ الغرضِ، لأنَّ المعنى أنه الذي مِنْ شأنِه أن يَهَبَ المئةَ أبداً، والذي يبلغُ عطاره هذا المبلغَ، كما تقول: "هو الذي يُعطي مادحة الألف والألفين"، وكقوله: وحاتمُ الطائيُّ وهَّابُ المِئي١ وذلك أوضَحُ من أن يخفى. الألف واللام الدالة على الجنسية لها مذهب في الخبر، غيره في المبتدأ ووجوه هذا المعنى: ٢١٨ - وأصْلٌ آخرُ: وهو أن مِنْ حَقِّنا أن نعْلم أنَّ مَذْهَب الجنسية في الاسم وهو خبر، غير مذهبها وهو مبتدأ.

стр. 213

تفسيرُ هذا: أنَّا وإنْ قلْنا إنَّ "اللامَ" في قولك: "أنت الشجاعُ" للجنس، كما هُوَ له في قولهم: "السجاع موقي، والجبان ملقي"١، فإن الفرق ينهما عظيمٌ. وذلك أنَّ المعنى في قولك: "الشجاعُ مُوَقَّى"، أنك تُثْبِتُ الوقايةَ لكلِّ ذاتٍ مِنْ صفتها الشجاعةُ، فهو في معنى قولِك: الشجعانُ كلُّهم مُوَقَّوْنَ. ولستُ أقولُ إن الشجاعَ كالشجعان على الإطلاق، وإنْ كان ذلك ظنَّ كثيرٍ من الناس، ولكني أريدُ أنك تَجعلُ الوقايةَ تستغرق الجنس وتشتمله وتَشِيعُ فيه. وأمَّا في قولك: "أنت الشجاعُ"، فلا مَعنى فيهِ للاستغراقِ، إذْ لسْتَ تُريد أن تَقولَ: "أنتَ الشجعانُ كلُّهم" حتى كأنكَ تَذْهَبُ به مذْهَب قولِهِمْ: "أنتَ الخَلْقُ كلُّهم" و "أنت العالم"، كما قال: وليس الله بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ٢ ٢١٩ - ولكن لحديث "الجنسية" ههنا مأخذ آخرَ غيرَ ذلك، وهو أنك تَعْمدُ بها إلى المصدِر المشتقِّ منه الصفةُ وتُوجِّهُها إليه، لا إلى نفسِ الصِّفَة. ثُم لكَ في تَوْجيهها إليه مَسْلَكٌ دقيقٌ. وذلك أنَّه ليس القصْدُ أَنْ تأتيَ إلى شَجاعاتٍ كثيرةٍ فَتجمَعَها له وتُوجِدَها فيه، ولا أنْ تَقول: إنَّ الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ وجودُها في الموصوفينَ بالشجاعة هي موجودةٌ فيه لا فيهم هذا كلُّه محالٌ، بل المعنى على أنك تقولُ: كنَّا عقَلْنا الشجاعةَ وعرَفْنا حقِيقَتَها، وما هي؟ وكيف يَنبغي أن يكون الإنسانُ في إقدامِه وبَطْشه حتى يعلم أنه شجاع على

стр. 214

الكمال: واستَقْرَيْنا الناسَ فلم نجدْ في واحدٍ منهم حقيقةَ ما عرَفْناه، حتى إِذا صِرْنا إلى المخاطَبِ، وَجدْناه قِد استكمَلَ هذه الصفةَ، واستجمعَ شرائِطَها، وأخلصَ جوهرَهَا، ورسَخَ فيهِ سِنخُها١. ويُبيِّن لك أنَّ الأمرَ كذلك اتفاقُ الجميعِ على تفسيِرهم له بمعنى الكامِل، ولو كان المعنى على أنهُ اسْتغْرق الشجاعاتِ التي يُتوهَّمُ كونها في الوصوفين بالشجاعة، لَمَا قالوا إنَّه بمعنى الكامل في الشجاعِة، لأنَّ الكمالَ هو أن تكونَ الصِّفة على ما يَنْبغي أَن تكونَ عليه، وأنْ لا يخالِطَها ما يَقْدحُ فيها، وليس الكمالُ أن تجتمعَ آحادُ الجنسِ وينضمَّ بعضُها إلى بعض. فالغرض إذان بقولنا: "أنتَ الشجاعُ"، هو الغرَضُ بقولهم: "هذه هيَ الشجاعةُ على الحقيقة، وما عَداها جُبْنٌ" و "هكذا يكون العلم، وما عداه تخيل"٢، و "هذا هو الشعرُ" وما سواهُ فليس بشيءٍ". وذلك أَظَهرُ من أَنْ يَخفى. ٢٢٠ - وضربٌ آخرُ منَ الاستدلال في إبطالِ أن يكونَ "أنتَ الشجاعُ" بمعنى أنكَ كأنكَ جميعُ الشجعانِ، على حَدِّ "أنتَ الخلْقُ كلُّهم"٣، وهو أنك في قولك: "أنت الخلق" و "أنت الناس كلهم" و "قد جميع العالَم مِنْكَ في واحدٍ"، تدَّعي له جميعَ المعاني الشريفةِ المتفرقةِ في الناسِ، من غيرِ أن تُبْطِل تلك المعاني وتَنْفيها عن الناس، بل على أن تَدَّعي له أمْثالَها. ألا تَرى أنك إذا قلتَ في الرجلِ: "إنه معدود بألف رجل"، فلست

стр. 215

تعني أنه معدود بألف لا مَعْنى فيهم ولا فضيلةَ لهم بوجْهٍ١، بل تريدُ أنَّه يُعْطِيكَ من معاني الشجاعةِ أو العِلْمِ أو كذا أو كذا مجموعاً٢، مَّا لا تَجِدُ مقدارَه مفرَّقاً إلا في ألفِ رجلٍ. وأمَّا في نحوِ "أنتَ الشجاعُ"، فإنك تدعي له مقدارَه مفرَّقاً إلا في ألفِ رجلٍ. وأمَّا في نحوِ "أنتَ الشجاعُ"، فإنك تدَّعي له أن قد انفردَ بحقيقةِ الشجاعةِ، وأنه قد أُوتي فيها مزيَّةً وخاصيَّةً لم يُؤْتَها أَحدٌ، حتى صار الذي كان يَعدُّه الناسُ شجاعةً غيرَ شجاعةٍ، وحتى كأَنَّ كلَّ إقدامٍ إحجامٌ، وكلَّ قوةٍ عُرِفَتْ في الحرب ضَعْفٌ. وعلى ذلك قالوا: "جادَ حتى بَخَلَ كلَّ جوادٍ، وحتى منَعَ أن يَسْتحِقَّ اسمَ الجوادِ أحَدٌ"، كما قال: وإنَّكَ لا تَجود عَلَى جوادٍ ... هِباتُكَ أنْ يُلَقَّبَ بالجوادِ٣ وكما يقالُ: "جادَ حتى كَأَنْ لم يُعْرَف لأحدٍ جودٌ، وحتى كَأَنْ قد كذب الواصفون الغيث بالجود"، كما قال: أعطيتَ حتى تَركْتَ الريحَ حاسِرةً ... وَجُدْتَ حتّى كأن الغيث لم يجد٤
следующие страницы →