← Баляга

Баляга · id 12055

دلائل الإعجاز ت شاكر

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (689 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إلى اللفظ، لم تجد شيئًا يحيل في وجوبه عليه البتةَ١، اللهُمَّ إلاَّ أَنَّ يَجْعل الإعجازَ في الوزن، ويَزْعُمَ أنَّ "النَسقَ" الذي تراه في ألفاظ القرآنِ إنما كان معْجِزاً، من أجْل أنْ كان قد حَدث عنه ضربٌ من الوزن يُعجِز الخلقَ عن أنْ يأْتوا بمثله. وإذا قال ذلك، لم يُمْكِنْه أنْ يقولَ: "إنَّ التحدِّيَ، وقَع إلى أن يأْتوا بمثلِهِ في فصاحَتِه وبلاغَتِه"، لأن الوزن ليس هو في الفصاحة والبلاغة في شيء، إذا لو كان له مَدْخَلٌ فيهما، لكانَ يَجبُ في كل قصيدتين افتقتا في الوزن أن تنفقا في الفصاحة والبلاغةِ. فإن دعا بعضُ الناس طوال الإِلْفِ لِمَا سَمعَ من أَنَّ الإعجازَ في اللفظ إلى أَنْ يَجْعلَه في مجرَّدِ الوزْنِ، كان قد دَخَل في أمرٍ شنيعٍٍ، وهو أنَه يكونُ قد جَعلَ القرآنَ مُعجِزاً، لا مِن حيثُ هو كلامٌ، ولا بما به كان لِكَلامٍ فضْلٌ على كلامٍ فليسَ بالوزْنِ ما كان الكَلامُ كلاماً، ولا به كان كلامٌ خَيراً من كلام. سهولة "اللفظ" وخفته في شأن إعجاز القرآن: ٥٥٧ - وهكذا السبيلُ إنْ زعَم زاعِمٌ أنَّ الوصفَ المعجزَ هو "الجَرَيانُ والسهولَةُ"، ثم يعني بذلك سلامَتَهُ من أن تلتقيَ فيه حروفٌ تَثْقُل على اللسان، لأنه ليس بذلك كان الكلامُ كلاماً، ولا هو بالذي يتنَاهى أَمرُه إنْ عُدَّ في الفضيلةِ إلى أن يكونَ الأَصْلَ، وإلى أن يكونَ المعَّولَ عليه في المفاضَلةِ بين كلامٍ وكلامٍ، فما به كان الشاعرُ مفلقًا، والخطيب مصقعًا، والكاتب بليغًا.

стр. 492

٥٥٨ - ورأينا العقلاءَ١، حيثُ ذكَروا عجْزَ العربِ عن مُعارَضَةِ القرآن، قالوا: إن النبيَّ ﷺ تحدَّاهم وفيهم الشعراءُ والخطباءُ والذين يُدِلُّونَ بفصاحةِ اللسان، والبراعةِ والبَيان، وقوةِ القرائحِ والأَذْهان، والذين أُوتوا الحِكْمةَ وفصْلَ الخِطابِ٢ ولم نَرهم قالوا: إن النبيَّ ﷺ تَحدَّاهم وهم العارِفُون بما يَنبغي أن يُصْنَع٣، حتى يَسْلَم الكلامُ من أن تلتقيَ فيه حروف تنقل على اللسان. ولَمَّا ذكَروا معجزاتِ الأنبياءِ ﵈ وقالوا: إنَّ اللهَ تعالى قد جَعَل معجزةَ كلِّ نَبيّ فيما كان أغْلَبَ على الذين بُعِثَ فيهم، وفيما كانوا يتباهَوْنَ به، وكانت عوامهم تعظم به خواصهم٤ قالوا: إنما لمَّا كان السِّحْرُ الغالِبَ على قومِ فِرْعونَ، ولم يكُنْ قد استَحكَم في زمانِ استحكامَه في زمانِه، جَعَل تعالى معجِزَةَ موسى ﵇ في إبطاله وتوهينه ولما كان الغلب على زمانِ عيسى ﵇ الطِّبُ، جعلَ الله تعالى معجزته في إبراه الكمه والأَبْرصِ وإحياءِ الموتى ولما انتَهَوْا إلى ذكْر نبيِّنا محمد ﷺ وذكْرِ ما كان الغالبَ على زمانهِ، لم يذكوا البلاغَة والبيانَ والتصرُّفَ في ضروب النظْم. وقد ذكرت في الذي تقدم غير ما ذكرته ههنا٥، مما يدل على سقوط

стр. 493

هذا القولِ، وما دعاني إلى إعادةِ ذِكْره إلا أنه ليس لتهالك الناسِ في حديث "اللفظ" والمحاماةُ على الاعتقاد الذي اعتقدوه فيه وضن أنسهم به١ حدٍّ، فأحْبَبْتُ لذلك أن لا أَدعَ شيئاً مما يجوزُ أن يَتعلَّق به متعلِّقٌ، ويلجأَ إليه لاجئ، ويقعَ منه في نفْس سامعٍ شَكًّ، إلا استقصيت في الكشف عن بطلانه. ٥٥٩ - وههنا أمرٌ عجيبٌ، وهو أنَه معلومٌ لكلٍّ مَنْ نَظَر، أنَّ الألفاظَ من حَيْثُ هي ألفاظٌ وكَلِمٌ ونُطْقُ لسانِ، لا تخْتصُّ بواحدٍ دونَ آخر، وأنها إنما تختص إذا توخي يها النظْمُ٢. وإِذا كان كذلك، كان مَنْ رفَعَ "النظْمَ" مِن البين٣، وجعَلَ الإعجازَ بجُملته في سهولةِ الحُروف وجَرَيانها٤، جاعلاً له فيما لا يصِحُّ إضافتُه إلى الله تعالى. وكَفَى بهذا دليلاً على عَدمِ التوفيق، وشدَّةِ الضلالِ عن الطريق.

стр. 494

خاتمة كتاب دلائل الإعجاز ٥٦٠ - قد١ بلغنا في مداواة الناسِ مِنْ دائهم، وعلاجِ الفسادِ الذي عرضَ في آرائِهم كلَّ مبلغَ، وانتهينا إلى كلِّ غاية، وأخذنا بهم عَنِ المجاهل التي كانوا يتعسَّفون فيها إلى السَّنن اللاَّحِب٢، ونقلْنَاهم عَنِ الآجنِ المطروقِ إلى النَّمير الذي يَشْفي غليلَ الشارِب٣، ولم ندعْ لباطِلِهم عِرْقاً ينبضُ إلاَّ كويناهُ، ولا للخلافِ لساناً ينطقُ إلاَّ أخرَسْناه، ولم نتركْ غِطاءً كان على بصَرِ ذي عَقْلٍ إلا حَسرْناهُ، فيا أيُّها السامعُ لِمَا قلناهُ، والناظرُ فيما كتبناهُ، والمتصفِّحُ لما دوَّنَّاهُ، إنْ كنتَ سمعتَ سماعَ صادقِ الرغبةِ في أن تكونَ في أَمركَ على بصيرةٍ، ونظرتَ نظَرَ تامِّ العنايةِ في أن يُورِدَ ويَصْدُرَ عن معرفةٍ، وتصفَّحْتَ تصفُّحَ مَن إذا مارَسَ باباً من العلم لم يقنعْه إلا أن يكونَ على ذِروة السَّنام، ويضرب بالمعن من السَّهام، فقد هُديتَ لضالَّتك، وفتح لك الطريقُ إلى بُغْيتك، وهُيِّئ لك الأداةُ التي بها تبلغُ، وأُوتيت الآلةَ التي معها تصل. فخذْ لنفسكَ بالتي هي أملًا ليديك، وأعوذ بالحظِّ عليكَ، ووازنْ بين حالِك الآن وقد تنبَّهْتَ من رَقْدتك، وأفقْتَ من غفْلتك، وصرتَ تعلمُ إِذا أنتَ خُضتَ في أمر "اللفظ" و "النظم" معنى ما تذكر، وتعلم كيف نورد

стр. 495

وتصْدر١، وبينها وأنتَ من أمرها في عمياءَ، وخابطٌ خَبْطَ عشواءَ، قُصاراكَ أنْ تكرِّرَ ألفاظاً لا تعرفُ لشيءٍ منها تفسيراً وضروبَ كلامٍ للبلغاء إذا سئلت على أغراضهم فيها لم تستطيع لها تَبْيينا، فإنكَ تراكَ تُطيل التعجُّبَ من غفلتك، وتكثرُ الاعتذارَ إِلى عقلك من الذي كنتَ عليه طولَ مُدَّتك. ونسأَلُ اللهَ تعالى أن يجعل كل ما نأتيه، ونقصده ننتحيه، لوجههِ خالصاً، وإلى رضاه مؤدِّياً، ولِثَوابهِ مقْتَضِياً، وللزُّلْفى عنده مُوْجِبا، بمَّنه وفضلهِ ورحمته٢.

стр. 496

" رسائل وتعليقات" كتبها عبد القاهر الجرجاني

стр. 497

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إزالة الشبهة في جعل الفصاحة والبلاغة للألفاظ: بيان مهم في مسألة "اللفظ" و"المعنى": ٥٦١ - إعلمْ أَنه لمَّا كان الغلَطُ الذي دخَل على الناس في حديثِ "اللفظِ" كالداءِ الذي يَسْري في العروقِ، ويُفْسِد مِزاجَ البدنِ، وجَبَ أن يُتوخَّى دائباً فيهم ما يتوخَّاه الطبيبُ في النَّاقِه، من تعهُّدهِ بما يزَيد في مُنَّته١، ويُبَقِّيه على صحَّتِه، ويؤمّنُهُ النُّكْسَ في علَّتهِ٢. وقد علِمْنا أنَّ أصْل الفسادِ وسبَبَ الآفةِ، هو ذَهابهُم عن أنَّ مِن شأنِ المعاني أن تَختلِفَ عليها الصورُ، وتَحدُثَ فيها خواص وموايا من بعد أن لا تكون. وإنك ترَى الشاعرَ قد عَمدَ إلى معنىً مبتذَلٍ، فصنَعَ فيه ما يَصْنَعُ الصانِعُ الحاذِقُ إذا هو أغرب ي صَنْعة خاتمٍ وعَمَلِ شَنْفٍ وغيرهما من أصناف الحِلى. فإنَّ جهْلَهم بذلك من حالِها، هو الذي أغواهم واستهواهم، وورطهم يما توَرَّطوا فيه من الجهَالات، وأَدَّاهُم إلى التعلُّق بالمُحالات. وذلك أَنهم لمَّا جَهِلوا شأنَ الصورةِ، وضَعُوا لأَنفُسِهم أساساً، وبنَوْا على قاعدة فقالوا: إنه ليسَ إِلاّ المعنى واللفظُ، ولا ثالثَ وإنه إذا كان كذلكَ، وجَبَ إذا كان لأحدِ الكلامَيْنِ فضيلةٌ لا تَكون للآخَر، ثم كان الغرَضُ مِنْ أحدِهما هوَ الغَرَضَ من صاحبه٣ أن يكون مرجع

стр. 498

تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وأن لا يكونَ لها مرجعٌ إلى المعنى، من حيثُ إنْ ذلك، زَعموا، يُؤدِّي إلى التناقضِ، وأنْ يكونَ معناهُما مُتَغايِراً وغيرَ متغايرٍ معاً. ولمَّا أَقَرُّوا هذا في نُفوسِهِم، حَمَلوا كلامَ العلماءِ في كلِّ ما نَسَبوا فيه الفضيلةَ إلى "اللفظِ" على ظاهرِه، وأَبَوْا أن ينظُروا في الأوصافِ التي أَتْبعوها نسبتَهم الفضيلةَ إلى "اللفظِ"، مثلَ قولهم: "لفظٌ متمكِّنٌ غيرُ قَلقٍ ولا نابٍ به موضِعُه"، إلى سائر ما ذكرْناه قبْلُ١، فيَعْلمَوا أَنهم لم يُوجِبوا لِلَّفظ ما أوجَبُوه من الفضيلةِ، وهُمْ يَعْنُونَ نُطْقَ اللسانِ وأجراسَ الحرُوف، ولكنْ جعَلوا كالمواضَعَة فيما بَيْنَهم أَنْ يقولوا "اللفظَ"، وهُم يُريدون الصورةَ التي تَحْدُثُ في المعنى، والخاصَّة التي حَدثَتْ فيه، ويَعْنونَ الذي عَناه الجاحظُ حيث قال. "وذهبَ الشيخُ إلى استحسانِ المعاني، والمعاني مطروحةٌ وسطَ الطريقِ، يَعْرِفُها العربيُّ ولاعجمي، والحضريُّ والبدويُّ، وإنَّما الشعرُ صياغةٌ وضرْبٌ من التَّصوير"٢. وما يعَنونه إذا قالوا: "إنه يأخُذُ الحديث فيشنفه ويقرطه، ويأخذ المعنىخرزة فيردُّه جَوهرةً، وعباءةً فيجعلُه ديباجَةً، ويأخذُه عاطِلاً فيرده حاليصا". وليس كون هذا مرادهم، بحيث كان بنيغي أن يخفى هذا الخفاء ويشتبه هذا الاشتباء، ولكنْ إذا تعاطَى الشيءَ غيرُ أهلِه، وتولَّى الأمرَ غيرُ البصير به، أَعْضَلَ الداءُ، واشتدَّ البلاءُ. ولو لم يكن مِنَ الدليلِ على أنَّهم لم يَنْحَلُوا "اللفظَ" الفضيلةَ وهم يُريدونه نَفْسَه وعلى الحقيقةِ إلاَّ واحدٌ، وهو وصْفُهم له بأنه يزين المعنى، وأنه حلى

стр. 499

له١ لكان فيه الكفايةُ. وذاك أنَّ الألفاظَ أدلَّةٌ على المعاني، وليس للدليل إلاَّ أنْ يُعْلِمَكَ الشيءَ على ما يكونُ عليه، فأَما أن يصيرَ الشيء بالدليل، على صفةٍ لم يكُنْ عليها٢، فما لا يقومُ في عقلٍ، ولا يُتَصوَّر في وهم. ٥٦٢ - وممَّا إذا تفكَّرَ فيه العاقلُ أطالَ التعجُّبَ من أمرِ الناس٣، ومن شدَّةِ غَفْلتهم قولُ العلماء حيث ذكروا "الأخذ" و "السرقة": "إنَّ مَنْ أخذَ معنًى عارياً، فكَساه لفظاً مِنْ عندِه كانَ أحقَّ به"٤، وهو كلامٌ مشهورٌ متداولٌ يقرأُه الصبيانُ في أوَّلِ كتابِ "عبد الرَّحمن"، ثم لا ترى أحداً من هؤلاء الذين لهَجُوا بجعلِ الفضيلةِ في "اللفظ"، يفكِّرُ في ذلك فيقول: من أَين يُتصوَّر أن يكون ههنا معنىً عارٍ من لفظٍ يَدلُّ عليه؟ ثم من أين يعقل أن يجئ الواحدُ منا لِمعنىً من المعانيِ بلفظٍ مِنْ عنده، إنْ كان المرادُ باللفظ نُطْقَ اللسان؟ ثم هبْ أنَه يصِحُّ له أن يَفْعلَ ذلك، فمن أَينَ يَجِبُ إذا وَضَع لفظاً على معنىً، أن يصيرَ أَحقَّ به من صاحبه الذي أخذه منه، إن كانوا هو لا يَصْنَع بالمعنى شيئاً، ولا يُحْدِثُ فيه صفةً، ولا يَكْسِبُه فضيلةً؟ وإذا كان كذلك، فَهَلْ يكون

стр. 500

لكلامهِم هذا وجهٌ سِوى أنْ يكونَ "اللفظُ" في قولهم: "فكسناه لفظاً من عنده"١، عبارةً عن صورةٍ يُحْدِثها الشاعرُ أو غيرُ الشاعر للمعنى؟ فإِن قالوا: بل يكونُ، وهو أنْ يستعيرَ لِلمعنى لفظاً. قيلَ: الشأنُ في أنَّهم قالوا: "إذا أَخذ معنىً عاريا فسكاه لفظًا من عنده، كان أحق به"١، و "الاستعارة" عندكم مقصورةٌ على مجرَّد اللفظِ، ولا ترَوْنَ المستعيرَ يَصْنَع بالمعنى شيئاً، وتَرونَ أنَّه لا يحدثُ فيه مزيَّةٌ على وجهٍ من الوجوه، وإذا كان كذلك، فمِنْ أَين، ليتَ شِعْري، يكون أحق به، فاعرفه. أمثلة على ما تفعله صنعة الشاعر في الصورة، والمعنى واحد: ٥٦٣ - ثُمَّ إنْ أردْتَ مثالاً في ذلك، فإنَّ من أحسن شيء فيه، ما صمع أبو تمام في بيتِ أَبي نُخَيْلة، وذلك أن أَبا نُخيلةَ قال في مسلمَةَ بنِ عبد الملك: أمسلم إني يا ابن كلِّ خَليفةٍ ... ويا جَبَل الدُّنيا ويا واحِدَ الأرضِ شكرتُكَ إنَّ الشكْرَ حبْلٌ مِنَ التُّقى ... وما كلُّ مَنْ أولَيْتَهُ صالحاً يَقْضي وأَنْبَهْتَ لي ذِكرى وما كانَ خامِلاً ... ولكنَّ بعضَ الذكْرِ أَنبهُ مِنْ بَعْضِ٢ فعَمد أبو تمام إلى هذا البيت الأخير فقال: لقد زِدْتَ أوْضاحي امْتِداداً، ولمْ أَكُنْ ... بَهيماً ولا أَرْضي مِنَ الأَرْضِ مَجهلا ولكنْ أيادٍ صادفَتْني جِسَامُها ... أغرَّ فأَوفَتْ بي أغرَّ مُحجَّلا٣

стр. 501

٥٦٤ - وفي "كتاب الشّعرِ والشُّعراء" للمرزُباني فصلٌ في هذا المعنى حسَنٌ. قال. ومن الأَمثال القديمة قولهُم: "حَرًّا أخافُ على جاني كَمأَةٍ لا قُرّاً"١، يُضرَب مثَلاً للذي يَخافُ مِن شيءٍ فيَسْلمُ منهُ ويُصِيبهُ غيرهُ مما لم يَخَفْهُ، فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال: وحَذِرْتُ مِنْ أَمْرٍ فمرَّ بِجانبي ... لم يُنْكِني ولقيت ما لم أحذر٢ وقال لبيد: أخشى على أربد الحتوف لا ... أرْهَبُ نَوْءَ السّماكِ والأَسدِ٣ قال: وأخذَه البحتريُّ فاحسن وطغى اقتدارًا على العبارة، واستاعًا في المعنى، فقال: لو أَنَّني أُوفي التجاربَ حَقَّها ... فيما أرَتْ لرجوت ما أخاشه٤

стр. 502

٥٦٥ - وشبيه بهذا الفصل فصل آخر في هذا الكتاب أيضًا١، أنشد إبراهيم بن المهدي: يا مَنْ لِقَلْبِ صِيغَ من صَخْرةٍ ... في جسد من لولوء رطْبِ جرحتُ خدَّيْه بلحْظي فَمَا ... بَرِحْتُ حتى اقتصى مِنْ قلبي٢ ثم قال: قالَ عليُّ بنُ هارون: أخذه أحمد بن أبي فَنَن معنىً ولفظًا فقال: أَدْمَيْتُ باللحظاتِ وجْنَتَهُ ... فاقتصَّ ناظرُهُ مِنَ القَلْبِ٣ قال: ولكنَّه بنقاءِ عبارتِه وحُسْنِ مأخذهِ، قد صارَ أَوْلى به. ٥٦٦ - ففي هذا دليلٌ لِمن عقَلَ أَنهم لا يَعْنونَ بحُسْنِ العبارةِ مجَّردَ اللفظِ، ولكن صورة وصفة وخصوصية تحدُثُ في المعنى، وشيئاً طريقُ معرفتِه على الجملة العقلُ دون السمْع، فإِنه على كلِّ حالٍ لم يَقُلْ في البحتريِّ إنه "أحْسَن فطغى اقتداراً على العبارةِ"٤، من أَجْلِ حروفٍ. لو أنني أوفي التجاربَ حقَّها وكذلك لم يصِفْ ابنَ أبي فَنن بنقاءِ العبارةِ، من أجْل حروف. أدميت باللحظات وجنته ٥٦٧ - واعلم أنك إذا سيرت أحوالَ هؤلاءِ الذين زَعَموا أنه إذا كان المعبَّرُ عَنهُ واحداً، والعبارةُ اثنتَيْن، ثم كانتْ إحدى العبارتَيْن أَفْصَحَ من الأخرى وأحسن،

стр. 503

فإِنه يَنبغي أن يكونَ السببُ في كونها أَفْصَحَ وأحسَنَ، اللفظَ نفسَه١ وجدتَهم قد قالوا ذلك من حيثُ قاسوا الكلامَيْن على الكلمتَيْن، فلما رأَوْا أَنه إذا قيل في "الكلمتين" إنَّ معناهُما واحدٌ، لم يكنْ بينهُما تفاوتٌ، ولم يكن للمعنى في إِحداهما حالٌ لا يكون له في الأخرى٢ ظَنُّوا أن سبيلَ الكلامين هذا السبيلُ ولقد غَلِطوا فأَفْحَشوا، لأنه لا يُتصوَّرُ أنْ تكونَ صورةُ المعنى في أَحدِ الكلامَينِ أو البيتين، ثمل صورتِه في الآخَر البتَّةَ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَعْمدَ عامِدٌ إلى بيتٍ فيضَعَ مكانَ كلِّ لفظة منه لفظةً في معناها، ولا يَعْرِضُ لنظْمهِ وتأليفه، كمثلِ أن يقولَ في بيت خطيئة٣: دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيتهِا ... واقْعُدْ فإِنَّك أنتَ الطاعمُ الكاسي ذَرِ المفاخرَ لا تَذْهَبْ لِمَطْلَبِها ... واجْلِسْ فإنكَ أنتَ الآكِلُ اللابسْ وما كان هذا سبيله، كان بمعزلي من أنْ يكونَ به اعتدادٌ، وأنْ يَدخُلَ في قبيلِ ما يفاضَلُ فيه بين عبارتين، بل لا يصِحُّ أنْ يُجعلَ ذلك عبارةً ثانية، ولا أن يجعل الذي تعاطاه بِمَحَلِّ، مَنْ يوصَف بأنه أخذَ معنىً. ذلك لأنه لا يكونُ بذلك صانِعاً شيئاً يَستحقُّ أنْ يُدْعى من أجْلهِ واضعَ كلامٍ، ومستأنِفَ عبارة واقئل شعر. ذاك لأن بيت خطيئة لم يكُن كلاماً وشعراً مِن أجْل معاني الألفاظ المفردة التي تراها فيه، مجرَّدةً معرَّاةً من معاني النظْمِ والتأليفِ، بل منها مُتَوخىًّ فيها ما ترَى من كَوْن "المكارِم" مفعولاً "لدع"، وكونِ قوله: "لا ترحلْ لبغيتها" جملةً أكَّدتْ

стр. 504

الجملةُ قبلها، وكون "اقعدْ" معطوفاً بالواو على مجموعِ ما مضى، وكون جملةِ "أنتَ الطاعِمُ الكاسي"، معطوفة بالفاء على "اقعد"، فالذي يَجيء فلا يُغيِّر شيئاً من هذا الذي به كان كلاماً وشعراً، لا يكونُ قد أتى بكلامٍ ثانٍ وعبارةٍ ثانية، بل لا يكونُ قد قالَ من عندِ نفْسِه شيئاً البتةَ. ٥٦٨ - وجملةُ الأمر أَنه كما لا تكون الفِضّةُ أو الذَهَب خاتماً أو سِواراً أو غيرَهُما من أصناف الحِلَى بأنفُسِهما، ولكنْ بما يحدُثُ فيهما من الصُّورة، كذلك لا تكونُ الكَلِمُ المفردةُ التي هي أسماءٌ وأفعالٌ وحروفٌ، كلاماً وشعراً، من غير أن يحدُثَ فيها النظْمُ الذي حقيقَتُه توَخِّي معاني النحو وأَحكامِه. فإذنْ ليس لمن يتصدَّى لمَا ذكَرْنا، مِن أَنْ يَعْمَد إلى بيتٍ فيضَعُ مكانَ كلِّ لفظةٍ منها لفظة في معناها، إلاأن يُسْتَرَكَّ عقلُه١، ويُسْتَخفَّ، ويُعدَّ معدَّ الذي حُكي أنه قال: "إني قلتُ بيتاً هو أَشعَرُ من بيت حسان، قال حسان: يغشون حتى ما نهر كلابُهُمْ، ... لا يَسْأَلون عَنِ السوادِ المُقْبِلِ٢ وقلتُ: يغشون حتى ما نهر كِلابُهُمْ ... أَبَداً ولا يَسَلُونَ مَنْ ذا المُقبِلُ٣ فقيلَ: هو بيتُ حَسّان، ولكنَّك قد أفسدتَه.

стр. 505

الموازنة بين المعنى المتحد واللفظ المتعدد ٥٦٩ - واعلمْ أنه إنما أُتِيَ القومُ مِنْ قِلَّة نظرهم في الكتب التي وضعها العلماء اختلافِ العبارتَين على المعنى الواحد، وفي كلامهم في أَخْذ الشاعرِ مِنَ الشاعرِ، وفي أنْ يقولَ الشاعرانِ على الجملةِ في معنى واحدٍ، وفي الأَشعارِ التي دوَّنوها في هذا المعنى. ولو أنهم كانوا أخَذُوا أنفُسَهم بالنظرِ في تلك الكتبِ، وتدبَّروا ما فيها حقَّ التدَبُّر، لكان يكونُ ذلك قد أيقظَهم مِن غفْلَتهم، وكشف الغطاء عن أعينهم. الشاعران يقولان في معنى واحد وهو قسمان: ٥٧٠ - وقد أردتُ أن أكتبَ جملةً من الشِّعْر الذي أنتَ ترى الشاعرَيْن فيه قدْ قالا في معنىً واحدٍ، وهو يَنقَسِمُ قسمين: قَسمٌ أنتَ ترَى أحدَ الشاعرَين فيه قد أتى بالمعنى غُفْلاً ساذَجاً، وترى الآخَرَ قد أخرجَه في صورةٍ تَروقُ وتُعْجِبُ. وقسمٌ أنتَ ترى كلَّ واحدٍ من الشاعرَين قد صَنعَ في المعنى وصور. القسم الأول: أحدهما غفل، والآخر مصور ٥٧١ - وأبدأُ بالقسمِ الأول الذي يكونُ المعنى في أحد البيتين غفلًا، وفي القسم الأول: الآخَرِ مصوَّراً مَصْنوعاً، ويكونُ ذلك إمَّا لأنَّ متأَخِّراً قصَّر عن مُتقدِّم، وإمَّا لأنْ هُدى متأخرٍ لشيءٍ لم يَهْتدِ إليه المتقدِّمُ. ومثالُ ذلك قول المتنبي١: بسئ اللَّيالي سَهِدْتُ مِنْ طَرَبي ... شَوْقاً إِلى مَنْ يَبيتُ يَرْقُدُها٢

стр. 506

مع قول البحتري: لَيلٌ يُصَادِفُنِي ومَرْهَفَةَ الحَشَا ... ضِدَّيْنِ أَسْهَرُهُ لَهَا وتنامه١ وقول البحتري: وَلو ملَكتُ زَماعاً ظَلَّ يَجْذِبُني ... قَوْداً لَكَانَ نَدَى كَفَّيكَ من عقلي٢ مع قول المتبني: وقَيَّدتُ نَفْسي في ذَرَاك مَحَبةً ... ومَنْ وَجَدَ الإحسان قيدًا تقيدا وقول المتنبي: إذا اعتل سيف الدولة اغتلت الأَرضُ ... وَمَنْ فَوْقَهَا وَالْبَأسُ وَالْكَرَمُ الْمَحْضُ مع قول البحتري: ظَلِلْنا نَعودُ الجودَ من وَعْكِكَ الذي ... وجَدْتَ وقلنا اغتل عضو من المجد وقول المتنبي: يعطيك مبتدرًا فَإِنْ أَعْجَلْتَهُ ... أَعْطَاكَ مُعْتَذِراً كَمَنْ قَدْ أَجْرَما٣ مع قول أبي تمام: أخو عَزماتٍ فِعْلُهُ فِعلُ مُحْسِنٍ ... إلَيْنَا وَلكنْ عذره عذر مذنب٤

стр. 507

وقول المتنبي: كريم مني اسْتُوهِبْتَ ما أَنتَ رَاكِبٌ ... وَقَدْ لقِحَتْ حَرْبٌ فإنك نازل مع قول البحتري: مَاضٍ عَلَى عَزْمِهِ في الْجُودِ لَوْ وَهَبَ الشـ ... ـبَابَ يَوْمَ لِقَاءِ الْبِيضِ مَا نَدِمَا وقولُ المتنبي: وَالَّذِي يَشْهَدُ الوَغَى سَاكِنُ الْقَلْـ ... ـبِ كَأَنَّ القتال فيها ذمام مع قول البتحري: لَقَدْ كَانَ ذَاكَ الجَأْشُ جَأْشَ مُسَالمٍ ... عَلَى أَنَّ ذَاكَ الزّيَّ زِيُّ مُحَارِبِ وقولُ أبي تمام: الصُّبْحُ مَشْهُورٌ بِغَيْرِ دَلاَئِلِ ... مِنْ غَيْرِهِ ابتْغِيَتْ ولا أعلام مع قول المتبني: وليس يصح في الأفهام شَيْءٌ ... إذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ وقولُ أبي تمام: وَفِي شَرَفِ الْحَدِيثِ دَلِيلُ صِدْق ... لِمُخْتَبِرٍ عَلَى الشرف القديم١ مع قول المتنبي: أَفْعَالُه نَسَبٌ لوْ لمْ يقُلْ مَعَهَا ... جَدِّي الخصيب عرفنا العرق بالغصن وقول البحتري: وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إِلى الفَتى ... أرضٌ يَنالُ بها كريم المطلب٢

стр. 508

مع قول المتنبي: وكل امرئ يُولِي الْجَمِيلَ مُحَبَّبٌ ... وَكلُّ مكَانٍ يُنْبِتُ العِزَّ طيب وقول المتنبي: يُقِرُّ لَهُ بالْفَضْلِ مَنْ لاَ يَوَدُّهُ ... وَيقْضِي لَهُ بِالسَّعْدِ مَنْ لاَ يُنَجِّمُ مع قولِ البحتري: لا أدَّعي لأبي العلاءِ فَضيلَةً ... حتَّى يُسَلِّمَها إليه عداه وقول خالد الكاتب: رَقَدْتَ وَلَمْ تَرْثِ للِسَّاهِرِ ... وَلَيلُ الْمُحِبِّ بِلاَ آخر١ مع قول بشار: لخدك مِنْ كَفَّيكَ فِي كُلِّ لَيلةٍ ... إِلى أنْ تَرَى ضَوْءَ الصبَّاحِ وِسادُ تبِيتُ تُرَاعي اللَّيلَ تَرْجُو نفَادَهُ ... وَليْسَ لِلَيلِ العَاشِقينَ نفَادُ٢ وقولُ أبي تمام: ثوى بالمشرقين لها ضَجَاجٌ ... أطارَ قُلوبَ أَهْلِ المَغْرِبَيْنِ٣ وقولُ البحتري: تَناذَرَ أهلُ الشَّرقِ منه وقائعاً ... أطاعَ لها العاصفون في بلد العرب

стр. 509

مع قول مسلم: لمَّا نزلتُ على أَدْنى ديارِهم ... أَلْقَى إليكَ الأقاصي بالمقاليد١ وقول محمد بن بشير: أُفْرُغْ لحاجَتِنا ما دمتَ مشغولاً ... فلو فَرَغْتَ لكنتَ الدهرَ مَبْذولا٢ مع قول أبي عليٍّ البصير: فقُلْ لسعيدٍ أسعدَ اللهُ جَدَّه ... لقد رَثَّ حتى كادَ ينصرمُ الحبْلُ فلا تعتذرْ بالشُّغْلِ عنا فإِنما ... تُناطُ بك الآمالُ ما اتَّصل الشغل٣ وقول البحتري: مِنْ غادةٍ مُنِعَتْ وتَمْنَعُ وَصْلَها ... فَلَوَ أنْها بُذِلَتْ لنا لم تَبْذُلِ٤ مع قولِ ابنِ الرومي: ومِنَ البَليَّة أَنَّني ... عُلّقتُ ممنوعاً مَنوعا٥ وقولُ أبي تمام: لئنْ كانَ ذنبي أنَّ أحْسَنَ مَطْلبي ... أساءَ ففي سوء القضاء لي العذر

стр. 510

مع قول البحتري: إذا محاسني آلاتي أُدِلُّ بها ... كانتْ ذُنوبي فقلْ لي كيف أعتذر وقول أبي تمام: قد يقدم العير من ذغر على الأسد١ مع قول البحتري: فجاءَ مجيءَ العَيْرِ قادتْه حَيْرةٌ ... إِلى أهْرَتِ الشِّدْقَينِ تَدْمَى أظافِرُهُ وقولُ معنِ بن أوس: إِذا انصرَفَتْ نفسي عَنِ الشيءِ لم تَكَدْ ... إليه بوجهِ آخِرَ الدهرِ تُقْبِلُ مع قولِ العباس بن الأحنف: نَقْلُ الجبالِ الرواسيِ مِنْ أَماكِنها ... أَخَفُّ من ردِّ قلبٍ حينَ يَنْصرِفُ٢ وقولُ أمية بن أبي الصلت: عطاؤك زين لامرئ إِنْ أصبتَهُ ... بخيرٍ وما كلُّ العطاءِ يزينُ٣ مع قول أبي تمام: تُدْعى عطاياه وَفراً وهْيَ إنْ شُهرتْ ... كانتْ فخارا لمن يعفوه موتنفا ما زلتُ منتظراً أعجوبة عَنَناً ... حَتى رأيتُ سؤالًا يجتنى شرفًا

стр. 511

وقول جرير: بعَثْنَ الهوَى ثمَّ ارتَمَيْنَ قلوبنَا ... بأَسْهُمِ أعداءِ وهن صديق١ مع قول أبي نواس: إِذا امتَحَنَ الدُّنيا لبيبٌ تكَشَّفَتْ ... لهُ عنْ عدو في ثياب صديق وقول كثير: إِذا ما أرَادتْ خُلَّةٌ أنْ تُزيلَنا ... أَبَيْنا وقُلْنا الحاجِبيَّةُ أَوَّلُ٢ مع قولِ أبي تمام: نَقّلْ فؤادَك حيثُ شِئْتَ مِنَ الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول وقول المتنبي: وعندَ مَنِ اليومَ الوفاءُ لصاحبٍ ... شَبيبٌ وأَوْفى مَنْ تَرى أخَوانِ مع قولِ أَبي تمام: فلا تَحْسبَا هِنداً لها الغَدْرُ وحدَها ... سَجيَّةُ نفس كل غانية هند وقول البحتري: فلم أر في زنق الصَّرى ليَ مَوْرِداً ... فحاولتُ وِرْدَ النيلِ عندَ احتفاله٣

стр. 512

مع قول المتنبي: قَواصِدُ كافورٍ تَوارِكُ غَيْرِهِ ... ومَنْ قَصَدَ البحرَ استقل السواقيا وقول المتنبي: كأنما يولد الندى معهم ... لا عاذر ولا هرم مع قول البحتري: عريقون في الإفضال يونتف الندى ... لناشئهم من حيث يونتف العمر وقول البحتري: فلا تعلين بالسيفِ كلَّ غَلائِهِ ... لِيمضي فإنَّ الكَفَّ لا السيف تقطع مع قول المتنبي: إذا الهند سوت بين سيفي كريهة ... فسيفكط في كف تزيل التساويا وقول البحتري: سامَوْكَ من حَسَدٍ فأفضلَ منهمُ ... غيرُ الجَوادِ وجاد غير المفضل فبذلك فينا ما بذَلْتَ سَماحةً ... وتَكَرُّماً وبذَلْتَ ما لم تبذل مع قول أبي تمام: أَرى الناسَ مِنهاجَ الندى بعدَ ما عَفَتْ ... مهايعه المثلى ومحت لواجبه١ ففي كلِّ نَجَدِ في البلادِ وغائرٍ ... مواهبُ ليست منه وهي مواهبه وقول المتنبي: بيضاءُ تُطمِعُ فيما تَحْتَ حُلَّتِها ... وعزَّ ذلكَ مطلوبًا إذا طلبا

стр. 513

مع قول البحتري: تبدو بعطفة مطمع حتى إذا ... شغل الحلى ثنت بصدقة موبس وقول المتنبي: إذْكارُ مِثْلِكَ تَرْكُ إِذكاري لهُ ... إذْ لا تُريدُ لِمَا أُريدُ مُتَرجِما مع قولِ أبي تمام: وإذا المَجْدُ كان عَوْني على المَرْ ... ءِ تقاضيته بترك التقاضي وقول أبي تمام: فنَعِمْتِ مِن شمسِ إِذا حُجبت بَدتْ ... مِنْ خِدرِها فكأَنها لم تُحْجَبِ مع قولِ قيس بن الخطيم: قضى لها الله حين صورها الـ ... ـخالق أن لا يكنها سدف١ وقول المتنبي: رامياتٍ بأسْهُمِ ريشُها الهُدْ ... بُ تشُقُّ القُلوبَ قبلَ الجلودِ مع قولِ كُثيرِّ: رمتني بسهمٍ ريشُهُ الكُحْلُ لم يجُزْ ... ظواهرَ جِلدي وهْوُ في القلبِ جارحُ٢ وقولُ بعضِ شعراء الجاهلية، ويُعْزَى إِلى لبيد:

стр. 514

ودَعوتُ رَبي بالسلامةِ جاهِداً ... ليُصِحَّني فإِذا السَّلامةُ داء١ مع قول أبي العتاهية: أسرع في نقص امرئ تمامه ... تدبر في إقبالها أيامه٢ وقوله: أقلل زيارتك الحبيـ ... ـب تكون كالثوب استجده إن الصديق بمله ... أنْ لا يزالَ يَراكَ عندَهْ مع قولِ أبي تمام: وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلقٌ ... لديباجَتيْهِ فاغترب تتجدد وقول الحريمي: زادَ مَعْروفَك عندي عِظَما ... أَنَّه عندَك محقورُ صَغيرُ تَتناساهُ كأَنْ لم تَأتِهِ ... وهُوَ عِنْدَ الناس مشهور كبير٣ مع قول المتبني: تَظْنُّ مِن فقْدِكَ اعتدادَهَمُ ... أَنَّهُم أَنْعَموا وما علموا

стр. 515

وقول البحتري: ألمْ تَرَ للنوائبِ كيفَ تَسْمُو ... إِلى أهْلِ النوافل والفضول مع قول المتنبي: أَفاضلُ الناسِ أَغراضٌ لِذا الزَّمنِ ... يخْلُو مِن الهم أخلاهم من الفطن وقول المتنبي: تَذَلَّلْ لها واخضَعْ على القربِ والنَّوَى ... فما عاشِقٌ مَنْ لا يَذِلُّ ويَخْضَعُ مع قولِِ بعض المحدثين: كنْ إِذا أحببتَ عَبْداً ... للذي تَهوى مُطِيعا لن تَنالَ الوصْلَ حتى ... تُلْزِمَ النفسَ الخُضوعا وقولُ مضرِّس بن ربعي: لَعمرُكَ إِنِّي بالخليلِ الذي لَهُ ... عليَّ دلالٌ واجبٌ لمُفَجَّعُ وإنيَ بالمَولى الذي ليسَ نافعي ... ولا ضَائري فُقدانُهُ لمُمَتَّعُ١ مع قولِ المتنبي: أَمَا تَغْلَطُ الأَيامُ فيَّ بأَنْ أَرى ... بَغيضاً ثنائي أو حبيبًا تقرب وقول المتنبي: مظلومةُ القَدّ في تشبيهِهِ غُصُناً ... مظلومةُ الريقِ في تشبيه ضربا٢

стр. 516

القسم الثاني: من الموازنة بين الشعرين، والإجادة فيهما من الجانبين مع قوله: إذا نحن شبهناك بالبدر طالعًا ... بخسانك حَظّاً أنتَ أَبْهى وأَجمَلُ ونَظْلِمُ إنْ قِسْناك بالليثِ في الوغَى ... لأَِنكَ أحْمى للحريمِ وأَبسَلُ ٥٧٢ - ذكرُ ما أنتَ ترى فيه في كلِّ واحدٍ من البيتين صنعةً وتصويراً واستاذيةً على الجملة، فمن ذلك، وهو في النادر، قول لبيد: واكذِبِ النفسَ إِذا حدَّثْتَها ... إنَّ صدْقَ النفسِ يُزري بالأَمَلْ١ مع قولِ نافعِ بنِ لَقيط٢: وإِذا صدقتَ النفسَ لم تَتركْ لها ... أَملاَ ويأمُلُ ما اشْتَهى المكذوبُ٣ وقولُ رجلٍ من الخوارج أُتِيَ به الحجاج في جماعةٍ من أصحاب قَطَرِيٍّ فقتلَهم، ومنَّ عليه لِيَدٍ كانت عنده، وعاد إلى قطري، فقال له قطرىك عاود قتال عدو الله الحججاج. فأبى وقال:

стр. 517

أَأُقاتِل الحجَّاجَ عَنْ سُلْطانه ... بِيدٍ تُقِرُّ بأَنها مَولاتُهُ ماذا أقولُ إذا وقفتُ إزاءَهُ ... في الصفِّ واحتجَّتْ لَهُ فَعَلاتُهُ وتحدَّثَ الأَقوامُ أنَّ صَنائعاً ... غُرِسَتْ لَدَيَّ فَحَنْظَلَتْ نَخلاتُهُ١ مع قول أبي تمام: أُسَرْبِل هُجْرَ القولِ مَنْ لو هَجَوْتُهُ ... إذَنْ لهجانى عنه معروفه عندي وقول النابغة: إذا ما غزا بالجيشِ حلَّقَ فَوْقَهُ ... عَصائِبُ طيرٍ تَهْتَدي بعَصَائبِ جوانحَ قَدْ أيقنَّ أن قَبِيلَهُ ... إِذا ما التَقى الصفَّانِ أولُ غالِبِ٢ مع قولِ أَبي نواس: وإِذا مَجَّ القَنا عَلَقَا ... وتراءَى الموتُ في صُوَرِهُ راحَ في ثِنْيَيْ مُفاضَتِهِ ... أَسَدٌ يَدمى شَبا ظفُرهْ تتأيى الطيرُ غُدْوَته ... ثِقةً بالشِبْع من جَزَرِهُ٣ المقصودُ البيت الأخير.

стр. 518

٥٧٣ - وحكى المرزباني قال: "حدثني عمرو الوراق قال: رأيتُ أبا نواس يُنْشد قصيدتَه التي أولها: أيها المنتاب عن عفره١ فسحدته، فلما بلغ إلى قوله: تتأيى الطيرُ غدوتَهُ ... ثِقةً بالشِّبْع مِن جَزَرِهُ قلتُ له: ما تركتَ للنابغة شيئاً حيثُ يقولُ: "إِذا ما غدَا بالجيش"، البيتين، فقال: اسكُتْ، فلئن كان سَبَقَ فما أسأْتُ الاتِّباعَ". وهذا الكلام من أبينواس دليلٌ بيِّنٌ في أنَّ المعنى يُنْقَل من صورةٍ إِلى صورة. ذاك لأنه لو كان لا يكونُ قد صنَعَ بالمعنى شيئاً، لكانَ قوله: "فما أسأتُ الاتِّباع" مُحالاً، لأنه على كل حالٍ لم يَتْبَعْه في اللفظ. ثم إنَّ الأَمر ظاهرٌ لِمَن نظَر في أنه قد نَقَل المعنى عن صورته التي هو عليها في شِعْر النابغَة إِلى صورةٍ أُخرى. وذلك أن ههنا معنيَيْنِ: أحدُهما: أصْلٌ، وهو: عِلْمُ الطَّير بأنَّ الممدوحَ إِذا غزا عَدُوّاً كان الظفَرُ له، وكان هو الغالبَ. والآخرُ فرْعٌ، وهو: طمَعُ الطيرِ في أن تتَّسع عليها المطاعِمُ من لحوم القتلى.

стр. 519

وقد عَمَد النابغةُ إِلى "الأَصْل"، الذي هو علْمُ الطير بِأنَّ الممدوحَ يكونُ الغالبَ، فذَكَره صريحاً، وكَشَفَ عن وجهه، واعتمَدَ في "الفرع" الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى، وأَنها لذلك تُحَلِّقُ فوقه على دلالةِ الفَحْوى. وعكَسَ أبو نواس القصَّة، فذكَر "الفرْعَ"الذي هو طمَعُها في لحوم القتلى صريحاً، فقال كما ترى: ثقة بالشِّبْعِ مِنْ جزرهُ وعوَّلَ في "الأَصْل"، الذي هو علمُها بأنَّ الظفرَ يكونُ للمدوح، على الفحوى. ودلالةُ الفحوى على عِلْمِها أنَّ الظفر يكون للمدوح، هي في أَنْ قال: "من جَزَرِه"، وهي لا تثق بأن شبعها يكون في جَزَر الممدوح، حتى تعلمَ أَنَّ الظَّفر يكونُ له. أفيكونُ شيءٌ أظهرَ من هذا في النقلِ عن صورةٍ إِلى صورة؟ ٥٧٤ - أرجِعُ إِلى النَّسق ومن ذلك قول أبي العتاهية: شِيمٌ فَتَّحَتْ من المدْحِ ما قَدْ ... كانَ مُسْتَغلَقاً على المُدَّاحِ١ مع قولِ أبي تمام: نظمتْ له خرَز المديحِ مَواهِبٌ ... يَنْفُثْنَ في عقد اللسان المفحم وقول أبي وجزة: أتاكَ المَجْدُ منْ هَنَّا وهَنَّا ... وكنتَ له بمجتمع السيول٢

стр. 520

مع قول منصور النمرى: إنَّ المكارِمَ والمعروفَ أَوديةٌ ... أَحلَّكَ اللهُ منها حيث تجتمع١ وقول بشار: الشّيبُ كُرْهٌ وكُرْهٌ أنْ يُفارِقَني ... أَعْجِبْ بشيءٍ على البغضاء مودود٢ مع قول البحتري: تعيب العانيات عليَّ شَيبي ... ومَنْ لي أن أمتَّعَ بالمَعيبِ وقول أبيتمام: يشتاقُهُ مِنْ كمَالِهِ غدُهُ ... ويُكْثِرُ الوَجْدَ نحوهُ الأمس مع قول ابن الرومي: إمامٌ يَظَلُّ الأمسُ يُعمِلُ نَحْوهُ ... تَلَفُّتَ ملْهوفٍ ويَشْتاقُهُ الغَدُ٣ لا تنظرْ إِلى أنه قال: "يشتاقُه الغَدُ"، فأعادَ لفظَ أبي تمام، ولكنَّ انْظُرْ إِلى قوله: يُعملُ نحوَهُ تلفتَ ملهوفٍ. وقولُ أبي تمام:

стр. 521

لئن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يودى شكرها الذئب والنسر مع قول المتبني: وأنْبتَّ مِنْهُمْ ربيعَ السِّباعِ ... فأَثْنَتْ بإحسانِكَ الشاملِ وقولُ أبي تمام: ورُبَّ نائي المَغاني رُوحُهُ أبداً ... لَصِيقُ رُوحي ودان ليس بالدانى مع قول المتنبي: لنا ولأَهْلِهِ أبَداً قُلوبٌ ... تلاَقى في جسومٍ ما تلاقى وقول أبي هفان: أصبحَ الدهرُ مُسيئاً كلُّهُ ... مالَهُ إلاَّ ابنَ يَحْيى حَسَنهْ مع قولِ المتنبي: أزالتْ بِكَ الأيامُ عَتْبي كأنما ... بَنُوها لَها ذَنْبٌ وأنتَ لَها عذْرُ وقولُ علي بنِ جبلة: وأَرى الليالي ما طوَتْ مِنْ قُوَّتي ... رَدَّته في عِظتي وفي إِفهامي١ مع قولِ ابن المعتز: وما يُنتقَصْ من شَبابِ الرِّجال ... يَزِدْ في نهاها وألبابها٢

стр. 522

وقول بكر بن النطاح: ولوْ لم يكنْ في كفِّهِ غيرُ روحِهِ ... لجَاد بِها فلْيتَّقِ اللهَ سائِلُهْ١ مع قول المتنبي: إِنكَ مِنْ مَعْشَرٍ إِذا وَهَبوا ... ما دُونَ أعمارهم فقد بخلوا وقول البحتري: ومن ذاا يلومُ البحرَ أَنْ باتَ زاخراً ... يفيضُ وصوبَ المزْنِ أَنْ راحَ يَهْطِلُ مع قولِ المتنبي: وما ثَناكَ كلامُ الناسِ عَنْ كَرَمٍ ... ومَنْ يسد طريق العارض الهطل وقول الكندي: عَزُّوا وعَزَّ بِعزِّهمْ مَنْ جَاوَرُوا ... فهُمُ الذُّرى وجماجم الهامات إن يطلبوا بتتراتهم يُعطَوا بها ... أو يُطلَبوا لا يُدْرَكوا بتِراتِ٢ مع قول المتنبي: تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذْتَه ... وهنَّ لِمَا يأخذن منك غوارم وقول أبي تمام: إذا سيفه أضحى على اللهام حاكِماً ... غَدا العَفْوُ منهُ وهْوَ في السيفِ حاكم مع قول المتنبي: لهُ مِنْ كَريمِ الطَّبْع في الحرْبِ مُنْتَضٍ ... ومن عادة الإحسان والصفح غامد

стр. 523

٥٧٥ - فانظُرِ الآنَ نظرَ مَنْ نَفَى الغفْلةَ عن نفسِه، فإنكَ ترَى عِياناً أنَّ لِلْمعنى في كل واجد من البيتِ الآخَر وأنَّ العلماءَ لم يُريدوا حيثُ قالوا: "إنَّ المعنى في هذا هو المعنى في ذاك"، أن الذي يعقل من هذا لا يخالف الذي يعقل مِن ذاك وأنَّ المعنى عائدٌ عليكَ في البيتِ الثاني على هيئَتهِ وصِفَتهِ التي كانَ عليها في البيتِ الأول وأنْ لا فرْقَ ولا فصل ولا تباني بوجهٍ من الوجوه وإنَّ حكْم البيتينِ مثَلاً حكْمُ الاسمينِ قد وُضِعا في اللغة لشيءٍ واحدٍ، كالليثِ والأَسد١ ولكنْ قالوا ذلك على حَسَبِ ما يقولُه العُقَلاء في الشيئينِ يَجْمَعهما جنسٌ واحدٌ، ثم يفترقانِ بخواصَّ ومَزايا وصفاتٍ، كالخاتم والخاتَم، والشَّنْف والشَّنْف، والسِّوارِ والسوار، وسائرِ أصنافِ الحِلَى التي يَجْمعها جنسٌ واحدٌ، ثم يكونُ بينهما الاختلافُ الشديدُ في الصَّنْعة والعَمَل. ٥٧٦ - ومَنْ هذا الذي يَنظُر إِلى بيتِ الخارجِي وبيتِ أبي تمام٢، فلا يَعْلَمُ أنَّ صورةَ المعنى في ذلك غيرُ صورتِه في هذا؟ كيفَ، والخارجيُّ يقول: "واحتجَّتْ له فَعْلاتُه" ويقولُ أبو تمام: إذن لَهجاني عنْه مَعْروفُه عندي ومتى كان "احتجَّ" و "هجا" واحدًا في المعنى؟

стр. 524

وكذلك الحكْمُ في جميع ما ذكرْناه، فليسَ يُتَصوَّرُ في نفسِ عاقلِ أنْ يكونَ قولُ البحتري: وأَحَبُّ آفاقِ البلادِ إِلى الفَتى ... أرضٌ يَنالُ بها كَريمَ المَطْلَبِ وقولُ المتنبي: وكلُّ مكانٍ يُنبِتُ العزَّ طيِّبُ١ سواءً ٥٧٧ - واعلمْ أنَّ قولَنا "الصورةُ"، إِنما هو تمثيلٌ وقياسٌ لما نَعْلَمه بعقولنا على الذي نرَاه بأبصارنا، فلما رأَينْا البَيْنونة بين آحادِ الأجناسِ تكونُ مِنْ جِهةَ الصورةِ، فكان تبين إنسانٍ مِنْ أنسانٍ وفرَسٍ من فرسٍ٢، بخصوصيةٍ تكونُ في صورةِ هذا لا تكونُ في صورةِ ذاك، وكذلك كان الأمرُ في المصنوعاتِ، فكانَ تَبَيُّنُ خاتَمٍ من خاتمٍ وسِوَارٍ من سِوَارٍ بذلك، ثم وجَدْنا بينَ المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونةً في عقولِنا وفَرْقاً٣، عَبَّرْنا عن ذلك الفرقِ وتلكَ البينونةِ بأَنْ قلْنا: "لِلمعنى فيِ هذا صورةٌ غيرُ صورتهِ في ذلك". وليس العبارة من ذلك بالصورةِ شيئاً نحن ابتدأناه فيُنْكِرَهُ مُنْكِرٌ، بل هو مُستعمَلُ مشهورٌ في كلام العلماءِ، ويكفيك قول الجاحظ: "وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"٤.

стр. 525

٥٧٨ - واعلمْ أنه لو كانَ المعنى في أَحدِ البيتين يكونُ على هيئتِه وصِفَته في البيتِ الآخَر، وكانَ التالي من الشاعِرَيْن يَجيئُك به مُعَاداً على وجهه لم يُحدِثْ فيه شيئاً، ولم يُغيِّر له صِفةً، لكان قولُ العلماءِ في شاعرٍ: "إِنه أَخَذَ المعنى مِنْ صاحِبِه فأحْسَنَ وأجادَ"، وفي آخَرَ "إِنه أسَاءَ وقصَّر"، لغوْاً من القولِ، من حيثُ كان مُحالاً يُحْسِنَ أو يسيءَ في شيءٍ لا يَصْنع به شيئاً. وكذلك كانَ يكونُ جَعْلُهم البيتَ نظيراً للبيتِ ومناسِباً له، خطأً منهم، لأنه مُحال أن يُناسِبَ الشيءُ نفسَه، وأن يكونَ نَظيراً لنفسِه. وأمرٌ ثالث: وهو أنهم يقولون في واحد: "إنه أخذ المعنى فظر أَخْذُه"، وفي آخر: "إِنه أَخذَه فأخفَى أخْذَه"، ولو كان المعنى يكونُ مُعاداً على صورتِه وهيئتِه، وكانَ الأَخْذ له مِنْ صاحِبه لا يَصْنع شيئاً غيرَ أن يُبدِّل لفظاً مكانِ لفظٍ، لكان الإخفاءُ فيه مُحالاً، لأن اللفظ لا يُخْفى المعنى، وإنما يُخْفيه إخراجُه في صورةٍ غيرِ التي كانَ عليها. ٥٧٩ - مثالُ ذلك إن القاضي أبا الحَسَن١، ذكَر فيما ذكرَ فيه "تناسب المعاني"، بيت أبي نواس: خُلِّيَتْ والحُسْنَ تَأخذُهُ ... تَنْتقي منهُ وتَنْتخِبُ٢ وبيتَ عبدِ الله بن مصعب: كأنَّك جئتَ محتكِماً عليهمْ ... تَخيَّرُ في الأبوَّةِ ما تشاء

стр. 526

وذكر أنهما معًا من بيت بشار: خُلِقتُ على ما فيَّ غيرَ مُخَيَّرٍ ... هوايَ، ولو خُيِّرْتُ كنتُ المهذَّبا والأمرُ في تناسب هذه الثلاثةِ ظاهرٌ. ثم إنه ذكَرَ أنَّ أبا تمام قد تناوله فأخفاه وقال: فلَوْ صوَّرْتَ نفسَك لم تَزِدْها ... على ما فيكَ من كَرمِ الطِّباعِ ٥٨٠ - ومن العجَب في ذلك ما تراه إِذا أنتَ تأملْتَ قولَ أبي العتاهية: جزى البخيل على صالحة ... غنى بخفته على ظَهْري أَعلى وأَكْرمَ عن يَدَيْهِ يَدي ... فَعلَتْ، ونزَّه قدْرُه قدْري وُرزِقتُ مِن جَدْواهُ عافيةً ... أنْ لا يَضيقَ بشكْرهِ صَدْري وغَنِيتُ خلوًا من تفضله ... أحنوا عليه بأحسن العذر ما فاتني خير امرئ وَضَعتْ ... عَنّي يَداهُ مؤونةَ الشكْرِ١ ثم نظرتَ إلى قول الذي يقول: أعتقني سوء ما صنعت من الرق ... فيا برْدَها على كَبِدي فصرتُ عَبْداً للسُّوءِ منك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد٢

стр. 527

وصف الشعر والإدلال به ٥٨١ - وممَّا هو في غاية النُّدرة من هذا الباب، ما صنعه الجاحظ بقول نصيب: ولو سَكتوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ حين نثرَه فقال، وكتبَ به إِلى ابن الزيات: "نحنُ، أَعزك اللهُ، نَسْحَرُ بالبيان، ونُموِّه بالقول، والناسُ ينظرون إِلى الحالِ، ويقْضُونَ بالعِيان، فأَثِّرْ في أَمرنا أَثراً ينطِقُ إِذا سكَتْنا، فإنَّ المدَّعي بغير بينة متعرض للتكذيب". قول الشعراء في وصف الشعر: ٥٨٢ - وهذه جملة منْ وَصْفهم الشعرَ وعملِه، وإدلالهِمْ به. ١أبو حية النميري: إنَّ القصائدَ قد عَلِمْنَ بأنَّني ... صنَعُ اللسانِ بهنَّ، لا أَتَنحَّلُ وإِذا ابتدأتُ عروضَ نَسْجٍ ربض ... جعلت تذل لما أريد وتسهل

стр. 528

حتى تُطاوِعَني، ولو يَرْتاضُها ... غَيْري لحاوَلَ صَعْبةً لا تقبل١ ٥٨٣ - تميم بن مقبل: إِذا مُتُّ عن ذكْر القوافي فلَنْ تَرى ... لها قائلاً بَعْدي أَطبَّ وأشْعَرا وأكثرَ بَيْتاً سائراً ضُرِبَتْ له ... حُزونُ جبالِ الشعرِ حتَّى تَيَسَّرا أغرَّ غريباً يَمْسَحُ الناسُ وجْهَهُ ... كما تمسح الأيدي الأغز المشهرا٢ ٥٨٤ - عدى بن الرقاع: وقصيدةِ قد بِتُّ أجْمَعُ بَينها ... حَتَّى أُقوِّمَ ميلَها وسِنادَها نظرَ المُثَقِّفُ في كعوبِ قنَاتِهِ ... حتَّى يُقيمَ ثِقَافهُ مُنْآدَها٣ ٥٨٥ - كَعْبُ بن زهير فَمَنْ للقوافي، شَانَها مَن يَحُوكُها ... إِذا ما توى كعب وفوز جزول يُقَوِّمُها حَتَّى تَلِينَ مُتُونُها ... فَيقْصُرُ عَنْهَا كلُّ ما يتمثل٤ ٥٨٦ - بشار عَمِيتُ جَنِيناً، والذكاءُ مِنَ العَمَى، ... فجئتُ عجيبَ الظن للعلم موئلا

стр. 529

وغاص ضياءُ العينِ لِِلْعِلْم رافداً ... لِقَلْبٍ إِذا ما ضَيِّع الناسُ حَصِّلا وشِعرٍ كنَورِ الروْضِ لاءمْتُ بَيْنَهُ ... بقولٍ إِذا ما أحزنَ الشعرُ أَسْهَلا١ ٥٨٧ - وله زَوْرُ ملوكٍ عليه أُبَّهةٌ ... يُغرَفُ مِن شِعْره ومن خُطَبِهُ للهِ ما راحَ في جوانحِهِ ... من لولؤ لا يُنَامُ عَنْ طَلَبهْ يَخرجُ مِن فيهِ للندى، كما ... يخرج ضوء السراج من لهبه٢ ٥٨٨ - أبو شريح العمير فإنْ أَهلِكْ فقد أَبقَيْتُ بَعْدي ... قوافيَ تُعْجِبُ المتمثِّلينا لَذِيذاتِ المَقَاطعِ محْكَماتٍ ... لوَ أنَّ الشِّعْرَ يلبس لارتدينا٣ ٥٨٩ - الفرزدق بلغنا لشمس حين تكونُ شَرْقا ... ومسقَطَ قَرنِها من حيثُ غابا

стр. 530

بِكلِّ ثنِيَّةٍ وبكلِّ ثَغرٍ ... غرائبهُنَّ تَنتَسِبُ انْتِسابا١ ٥٩٠ - ابن ميادة فَجَرْنا ينابيعَ الكَلامِ وبَحْرَهُ ... فأصْبَحَ فيهِ ذو الروايةِ يَسْبَحُ وما الشعرُ إِلاّ شعرُ قيسٍ وخِنْدِفٍ ... وشِعْرُ سواهُمْ كُلْفَةٌ وتَملُّحُ٢ ٥٩١ - وقال عقالُ بن هشام القيني يرد عليه: ألا أبلغ الرَّمَّاحَ نقْضَ مقالةٍ ... بها خَطِلَ الرَّمَّاحُ أو كان يَمزَحُ لئن كان في قيسٍ وخِنْدِفَ ألسُنٌ ... طِوالٌ، وشِعرٌ سائرٌ ليس يُقْدَحُ لقد خَرَّقَ الحيُّ اليمانون قَبْلَهم ... بُحورَ الكلام تُسْتقَى وهْيَ طفَّحُ وهُمْ عَلَّموا مَنْ بَعْدَهُمْ فتعلَّموا ... وهمْ أَعْرَبوا هذا الكَلامَ وأَوْضَحوا فلِلسَّابقينَ الفَضْلُ لا يجحدونه ... وليس لمسبوق عليهم تبجح٣ ٥٩٢ - أبو تمام كَشَفْتُ قِناعَ الشّعرِ عن حُرِّ وجْهِهِ ... وطيَّرتُه عن وكره وهو واقع بغر يراها ن يراها بسمعه ... ويدنوا إليها ذو الججى وهو شاسع
следующие страницы →