← Акыда

Акыда · id 12059

مباحث العقيدة في سورة الزمر

ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

Полный текст (696 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المبحث الرابع: الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية تظهر أهمية الإقرار بتوحيد الربوبية في أنه مقدمة لنتيجة، فإذا أقر العبد أن الله هو الرب المتفرد بالربوبية وخصائصها، استلزم ذلك حتماً أن ينتج عن إقراره هذا إقرار آخر بتفرد الرب جل وعلا في ألوهيته فيجرد له العبادات كلها، ولا يصرف منها شيئاً لغير الله تعالى إذ أنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان رباً، سيداً، خالقاً، بارئاً، مصوراً، مالكاً، رازقاً، معطياً، مانعاً، محيياً، مميتاً، مدبراً لأمر الكون كله، وذلك كله لا يثبت إلا لله وحده لا شريك له، فوجب أن يكون هو المعبود وحده، الذي لا يصح أن يكون لأحد من خلقه شركة معه في أي شيء من العبادات على اختلاف صورها. ولهذا جرت الطريقة في كتاب الله الكريم على سوق آيات الربوبية، ثم الخلوص منها إلى الدعوة إلى توحيد الألوهية فيجعل توحيد الربوبية مدخلاً لتوحيد العبادة للإله الذي لا يستحقها بأنواعها جميعاً سواه"١. وأما توحيد الألوهية: فهو متضمن لتوحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية داخل في ضمن توحيد الألوهية فإن من عبد الله وحده لم يشرك به شيئاً لا بد أن يكون قد اعتقد أن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب له غيره ولا مالك له سواه فهو يعبده لاعتقاده أن أمره كله بيده، وأنه هو الذي يملك ضره ونفعه وأن كل ما يدعى من دونه فهو لا يملك لعابديه ضراً، ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. ولا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، كما لا ينفع توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئاً في عبادته، ولكنه اعتقد مع ذلك أن

стр. 352

لغير الله تأثيراً في شيء، أو قدرة على ما لا يقدر عليه إلا الله، أو أنه يملك ضر العباد، أو نفعهم، ونحو ذلك فهذا لا تصح له عبادة لأن أساس العبادة التي تبنى عليه هو الإيمان بالله رباً متفرداً بخصائص الربوبية جميعاً. وأما توحيد الأسماء والصفات فإنه شامل للنوعين فهو يقوم على إفراد الله ـ تعالى ـ بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه رباً واحداً لا شريك له في ربوبيته وقد كان المشركون الأولون مقرين بتوحيد الربوبية ولكن إقرارهم هذا لم ينفعهم شيئاً، ولم يخرجهم من كفرهم وشركهم ولم يصبحوا بهذا الإقرار موحدين لله ـ جل وعلا ـ١. وقد كانوا أيضاً: مع إقرارهم ذلك يعبدون الله ويخلصون له ذلك أنواعاً من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الإضطرار. قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ ٢. وكانوا يدعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇. فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ وكان البعض منهم يؤمن بالبعث والحساب وبعضهم يؤمن بالقدر. قال زهير بن أبي سلمى: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم ٤ وقال عنترة: يا عبل أين من منية مهربي ... إن كان ربي في السماء قضاها٥ ومع هذا الإيمان، فإن دماءهم وأموالهم قد أبيحت لإشراكهم في توحيد العبادة

стр. 353

الذي هو معنى "لا إله إلا الله" ولم ينفعهم إقرارهم بتوحيد الربوبية وحده دون توحيد الله تعالى في عبادته. ولذلك لم يعترضوا على توحيد الربوبية حين ذكرهم الرسول ﷺ به، وإنما كان اعتراضهم وإنكارهم وتعجبهم على دعوته لهم إلى إفراد الله بالعبادة كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله : ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ١. لكن ماذا كانت النتيجة لاقتصارهم على هذا الإقرار بالربوبية؟ إن النتيجة كانت أنه أبيح قتالهم وعدم رفع السيف عنهم حتى يقروا بشهادة أن لا إله إلا الله تلفظاً، وفهم معنى وتنفيذ مقتضى، والكفر بما يعبد من دون الله إذ يقول رسول الله ﷺ كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".٢ ولما توفي رسول الله ﷺ وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵄ لما قاتل مانعي الزكاة: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله" فقال أبو بكر ﵁ "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال. والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه". فقال عمر ﵁. "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق"٣. فأبو بكر ﵁ فهم أن النبي ﷺ لم يرد مجرد اللفظ بقول "لا إله إلا الله" باللسان فحسب دون التزام بمعناها وأحكامها.

стр. 354

وعلى هذا أجمع علماء المسلمين على أن من قال: "لا إله إلا الله" ولم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها، يقاتل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قتال التتار مع التمسك بالشهادتين ولما زعموا من إتباع أصل الإسلام فقال: "كل طائفة ممتنعة من التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر والصحابة ﵃ مانعي الزكاة وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم ... فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته ـ التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء" اهـ١. أما قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ "وحسابهم على الله"٢ أي أن الله ﵎ هو الذي يتولى حساب الذي يقول كلمة التوحيد بلسانه فقط فإن كان صادقاً في قوله جازاه بجنات النعيم وإن كان يقولها نفاقاً فله من الله العذاب الأليم. وأما في الدنيا فيحكم له بالظاهر فمن أتى بالتوحيد ولم يأت بما يناقضه ظاهراً والتزم بشرائع الإسلام وجب الكف عنه. والذي نخلص إليه مما تقدم أن الاقتصار على الإقرار بتوحيد الربوبية لا أثر له في عصمة المال والدم.

стр. 355

الفصل الرابع: ما جاء في السورة بشأن الشرك المبحث الأول: تعريف الشرك في اللغة والإصطلاح ... المبحث الأول: تعريف الشرك في اللغة والإصطلاح تبين مما تقدم في الفصول السابقة أن سورة "الزمر" تناولت أنواع التوحيد الثلاثة، وقد تقدم الحديث عنها في الفصول الثلاثة المتقدمة ثم تعرضت للشرك الذي هو أعظم ذنب عصي الله به في الأرض ولقد دار الحديث في السورة حول الشرك عن بيان أصل الشرك في بني الإنسان ثم عرضت لذم الإنسان على جعله أنداداً لله تعالى، ثم جاء البيان فيها للفرق بين المشرك والموحد، ثم ختم الحديث فيها عن الشرك بالتحذير منه، وبيان أنه محبط للعمل، وسنتحدث عن هذه الأمور بطريقة مفصلة في المباحث التي ستأتي بعد تعريف الشرك في اللغة، والإصطلاح، وبيان أنواعه فنقول: الشرك في اللغة: جاء في مقاييس اللغة: أن مادة "الشرك" المكونة من حرف "الشين والراء والكاف" لها أصلان: أحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد، والآخر يدل على امتداد واستقامة فالأول: الشركة وهو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما ويقال: شاركت فلاناً في الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما ويقال: شاركت فلاناً في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلاناً إذا جعلته شريكاً لك قال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ١ ويقال في الدعاء: اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين أي: اجعلنا لهم شركاء في ذلك.

стр. 356

وأما الثاني: فالشرك: لقم الطريق، وهو شراكه أيضاً، وشرك النعل مشبه بهذا، ومنه شراك الصائد سمي بذلك لامتداده١. وقال في اللسان: "الشركة والشركة سواء" مخالطة الشريكين يقال: اشتركنا بمعنى: تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك المشارك، والشرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء٢ وجاء في تهذيب اللغة: "الشرك بمعنى الشريك وهو بمعنى النصيب وجمعه أشراك كشبر وأشبار" اهـ٣. وفي اللسان: "وطريق مشترك: يستوي فيه الناس، واسم مشترك تستوي فيه معان كثيرة"٤. وقال في الصحاح: "والشرك أيضاً: الكفر، وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركي" اهـ٥. وجاء في تاج العروس: مبيناً قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ٦ ومعناه: الذين صاروا مشركين بطاعتهم للشيطان، وليس المعنى أنهم آمنوا بالله وأشركوا بالشيطان، ولكن عبدوا الله وعبدوا معه الشيطان فصاروا بذلك مشركين فهو مشرك ومشركي"٧. وزاد في اللسان "مثل الشرك في الجاهلية وهو تلبيتهم حول الكعبة لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك "يعنون بالشريك الصنم" اهـ٨، وفي تهذيب اللغة: قال الليث: "شرك الصائد: حبائل الصيد، وكذلك ما ينصب للطير" وفي الحديث أعوذ

стр. 357

بك من شر الشيطان وشركه"١ أي حبائله ومصائده يعني ما يدعو إليه، ويوسوس به من الإشراك بالله تعالى٢. ومما تقدم يتبين أن مدلول كلمة "الشرك" تطلق على النصب والتسوية، والمخالطة والمصاحبة، والكفر، وحبائك الصيد والشبكة، والقاعدة المتبعة في اللغة العربية أن الكلمات ذات المادة الواحدة، يكون فيما بينها ترابط وثيق وإذا تأملنا المدلولات السابقة لكلمة "الشرك" نلمس الترابط الواضح فيما بينها. فالشرك أن يجعل غير الله مشاركاً له فيما هو من خالص حقه على عباده، ومن فعل هذا فقد سوى بين الله وبين من أشركه معه في العبادة بمعنى أنه اتخذ إلهاً آخر مع الله لأنه قصد غير الله بشيء من العبادة فجعله شريكاً لله في عبادته بقدر كبير، أو صغير في ذات، أو وصف. وأما تعريف الشرك في الإصطلاح: فقد تنوعت عبارات العلماء في تحديده، وعلى الرغم من تنوعها فإن كل عبارة منها تكمل الأخرى. فبعض أئمة اللغة جعله بمعنى الكفر. قال صاحب القاموس: "وأشرك بالله كفر" أ. هـ٣. وجاء في تهذيب اللغة "الشرك أن تجعل لله شريكاً في ربوبيته تعالى الله عن الشركاء والأنداد" أ. هـ٤. وقال الراغب: "وشرك الإنسان نوعان": أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى يقال: أشرك فلان بالله وذلك أعظم كفر قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا

стр. 358

يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١. والثاني: الشرك الأصغر وهو: مراعاة غير الله في بعض الأمور وهو الرياء قال تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢. فتعريف الشرك في الإصطلاح: "هو ضد التوحيد كالكفر ضد الإيمان وهو أن يجعل الإنسان لله شريكاً فيما هو من خالص حقه ـ سبحانه ـ مثل أن يتخذ إلهاً، أو آلهة يعبدها أو يطيعها، أو يستعين بها، أو يحبها، أو نحو ذلك مما لا يستحقه إلا ـ الرب جل وعلا ـ فمن صدر منه هذا الاعتقاد فقد أشرك بالله العظيم وحبط عمله، ولا يصلح مع الشرك أي عمل إذ من شروط قبول العمل عند الله تعالى أن يكون خالصاً لوجهه الكريم ليس لغيره فيه حظ ولا نصيب"٣.

стр. 359

المبحث الثاني: أنواع الشرك والشرك الذي هو أعظم ذنب عصي الله به على هذه الأرض ذكر العلماء أنه ثلاثة أنواع. النوع الأول: الشرك الأكبر. النوع الثاني: الشرك الأصغر. النوع الثالث: شرك خفي١. ولخطورة الشرك على عمل الإنسان المسلم: يتحتم عليه أن يعرف حقيقة هذه الأنواع الثلاثة حتى لا يقع فيها من حيث لا يشعر، وسأتحدث في هذا المبحث عن بيان حقيقة هذه الأنواع باختصار. تعريف الشرك الأكبر: لقد اختلفت تعريفات العلماء للشرك الأكبر لفظاً، واتحدت معنى ومدلولاً. قال العلامة ابن القيم مبيناً حقيقة الشرك الأكبر: "هو أن يتخذ من دون الله ندَّاً يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين"٢. وقال ﵀ في تعريف آخر: "هو تشبيه المخلوق بالله وتشبيهه بغيره"٣.

стр. 360

وقال المقريزي١رحمه الله تعالى "اعلم أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق وتشبيه المخلوق بالخالق أما الخالق فإن المشرك شبه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية وهي التفرد بملك الضر، والنفع والعطاء، والمنع فمن علَّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى وسوى بين التراب، ورب الأرباب فأي فجور وذنب أعظم من هذا ... هذا في جانب التشبيه وأما في جانب التشبه فمن تعاظم، وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه ورجائه ومخافته فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وهو حقيق بأن يهينه الله غاية الهوان ويجعله كالذر تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "يقول الله العظمة والكبرياء ردائي فمن نازعني في واحد منهما عذبته" أ. هـ٢ وقال الإمام الذهبي معرفاً للشرك الأكبر: "هو أن يجعل لله نداً ويعبد معه غيره من حجر، أو شجر، أو شمس، أو قمر، أو نبي، أو شيخ، أو نجم، أو ملك، أو غير ذلك وهذا هو الشرك الأكبر" أ. هـ٣. وجاء في تيسير العزيز الحميد: "هو أن يجعل لله ندّاً يدعوه كما يدعو الله ويسأله الشفاعة كما يسأل الله، ويرجوه كما يرجو الله ويحبه كما يحب الله ويخشاه كما يخشى الله، وبالجملة فهو أن يجعل لله نداً يعبده كما يعبد الله"أ. هـ٤ والذي يتبين من هذه التعاريف المتقدمة للشرك الأكبر أن معنى الشرك الأكبر هو جعل الإنسان لربه ـ تعالى ـ مثيلاً، أو كفوءاً، أو نظيراً، أو عديلاً، يتوجه إليه بالعبادة كما كان عليه أهل الجاهلية من المشركين مع أصنامهم، وأوثانهم التي اتخذوها من الأحجار والأشجار فصرفوا لها العبادة التي لا يستحقها إلا الله ـ تعالى ـ من دعاء، ونذر وذبح وغير ذلك من أنواع العبادات. وهذا ما عليه القبوريون حالياً فإنهم يتوجهون إلى الموتى من أهل القبور وينادونهم ويهتفون بهم ويستعينون بهم ويستغيثون، ويقربون لهم القرابين والنذور بصنوف الأموال،

стр. 361

ويطلبون منهم الشفاعة، وشفاء المرضى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ـ تعالى ـ وتجدهم يشدون إليهم الرحال ويحملون الزاد من البلدان والأقطار البعيدة. وكما تبين مما تقدم أن من الشرك بالله تشبيهه بخلقه كقولهم: يد الله كيد المخلوق، وعينه كعينه إلى غير ذلك من أباطيل أهل الزيغ الذين يحاولون إخضاع النصوص لأهوائهم، ولا يخضعون أهواءهم لها. وكذلك تشبيه المخلوق بالخالق كما زعم فرعون لقومه أنه ربهم الأعلى وكما فعلت السبئية١ مع علي ﵁ وكما شبه بعض الزائغين من الناس الحاكم العبيدي بأنه إله، وأنه مشرع وأن حكمه خير من حكم الله تعالى٢. أنواع الشرك الأكبر: لقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشرك الأكبر نوعان: النوع الأول: شرك في الإلهية. النوع الثاني: شرك في الربوبية. قال ـ رحمه الله تعالى ـ "إن كان شركاً يكفر به صاحبه وهو نوعان": شرك في الإلهية، وشرك في الربوبية. فأما الشرك في الإلهية: فهو أن يجعل لله نداً ـ أي ـ مثلاً في عبادته أو محبته، أو خوفه، أو رجائه، أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه قال ـ تعالى ـ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ ٣.

стр. 362

وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله ﷺ مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لله﴾ ١ وقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢ ... وأما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية فإن الرب هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو المعز، أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته٣. وقال العلامة ابن القيم: مبيناً نوعي الشرك الأكبر: الشرك شركان: النوع الأول: شرك يتعلق بذات المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله. النوع الثاني: شرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه ـ سبحانه ـ لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ثم إن القسم الأول نوعان: أحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤ وقال تعالى مخبراً عنه أنه قال لهامان: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبَاً﴾ ٥ والشرك والتعطيل متلازمان فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقراً بالخالق ـ سبحانه ـ وصفاته ولكنه عطل حق التوحيد وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل وهو ثلاثة أقسام: الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. الثاني: تعطيل الصانع ـ سبحانه ـ عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله.

стр. 363

الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثم خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوماً أصلاً، بل لم يزل ولا يزال والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه، وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة فلم يثبتوا له اسماً ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفتها. النوع الثاني: شرك من جعل مع الله إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً وأمه إلهاً. ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة. ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته ولهذا كانوا أشباه المجوس. ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ١. فهذا جعل نفسه نداً لله يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالاً كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزاماً على طرد الدليل إن كان حقاً. ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أرباباً مدبرة لأمر هذا العالم كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. ومن هذا شرك عباد الشمس أ. هـ٢.

стр. 364

وأما القسم الثاني: وهو ما يتعلق بمعاملته ـ سبحانه ـ فهو أربعة أنواع١. النوع الأول: شرك الدعوة وقد أشار إليه ـ سبحانه ـ بقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٢. قال العلامة ابن جرير يقول تعالى ذكره: "فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يقول: أخلصوا لله عند الشدة التي نزلت بهم التوحيد وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودية، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ولكن بالله الذي خلقهم ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ يقول: فلما خلصهم مما كانوا فيه وسلمهم، فصاروا إلى البر إذا هم يجعلون مع الله شريكاً في عبادتهم ويدعون الإلهة والأوثان معه أرباباً. قال قتادة ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ فالخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم، ثم يشركون بعد ذلك أ. هـ٣. ومن تفسير ابن جرير للآية السابقة يتبين لنا أن شرك المشركين السابقين كان أخف من شرك المتأخرين إذا أولئك كان شركهم مقصوراً في حالة الرخاء أما في الشدة فكانوا يخلصون الدعاء لله وحده لا شريك له أما مشركو زماننا فإنهم ينادون ويستغيثون بغير الله في الشدة والرخاء على حد سواء قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ تعالى ـ "فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة، فيخلصون لله الدعاء كما قال ـ تعالى ـ ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُوراً﴾ ٤ ...

стр. 365

إلى أن قال: فمن هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ـ تعالى ـ ويدعون غيره في الرخاء وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهماً جيداً راسخاً؟ والله المستعان. الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أحجاراً أو أشجاراً مطيعة لله ليست عاصية وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك والذي يعتقد في الصالح، أو الذي لا يعصي ـ مثل الخشب والحجر ـ أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به" أ. هـ١. النوع الثاني: شرك المحبة كما ذكر الله عن بعض الناس بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ ٢. قال العلامة ابن القيم: "فأخبر أن من أحب من دون الله شيئاً كما يحب الله ـ تعالى ـ فهو ممن اتخذ من دون الله أنداداً فهذا نداً في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحداً من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أنداداً في الحب والتعظيم ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ وفي تقدير الآية قولان: أحدهما: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله. الثاني: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً للهِ﴾ من محبة المشركين بالأنداد لله فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة، والقولان على القولين في قوله ـ تعالى ـ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ٣ فإن فيها قولين:

стр. 366

أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله فيكون قد أثبت لهم محبة الله ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أنداداً. والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله، ثم بين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح القول الأول، ويقول: "إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له" أ. هـ١. النوع الثالث: شرك الطاعة المذكور في قوله ـ تعالى ـ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله﴾ ٢. وفي الحديث عن عدي بن حاتم حين سمع رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ الله﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم؟ فقال: "بلى إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم" ٣. قال حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسيرها: إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا. قال ابن القيم: "وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه، ويتخذ من لم تضمن له عصمته نداً لله يحرم عليه ويحلل له" أ. هـ٤. النوع الرابع: شرك النية والإرادة والقصد المشار إليه بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥. وقال العلامة ابن القيم: وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئاً غير التقرب إليه، وطلب

стр. 367

الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته والإخلاص: أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. وهي ملة إبراهيم ومن رغب عنها فهو من أسفه السفهاء. أ. هـ٢. تعريف الشرك الأصغر: الشرك الأصغر هو النوع الثاني من أنواع الشرك وقد أوضح تعريفه النبي ﷺ بقوله: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء" ٣. وعند الحاكم من حديث أوس عن أبيه قال: "كنا نعد على عهد رسول الله أن الرياء الشرك الأصغر"٤. والرياء الذي يعتبر شركاً إنما هو يسيره وليس بكثيره إذ الكثير منه قد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر وهذا لا يصدر إلا من المنافقين الذين توعدهم الله بالدرك الأسفل من النار أو ممن لم تخالط بشاشة الإيمان قلبه. قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في حده للشرك الأصغر "وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله ـ تعالى ـ وقول الر جل ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك وأنا بالله وبك ومالي إلا الله وأنت وأنا متوكل على الله وعليك ولولا أنت لم يكن كذا، وقد يكون شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده"٥. قال في تيسير العزيز الحميد ففسر الشرك الأصغر باليسير من الرياء فدل على أن

стр. 368

كثيره أكبر، وضد الشرك الأكبر والأصغر التوحيد والإخلاص وهو إفراد الله ـ تعالى ـ بالعبادة باطناً وظاهراً. أ. هـ١. الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر: أما الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر فمن وجوه: أولاً: أن الشرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه، وأما الأصغر فتحت المشيئة. الثاني: أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه. الثالث: أن الشرك الأكبر مخرج لصاحبه من ملة الإسلام، وأما الأصغر فلا يخرجه منها. الرابع: أن الشرك الأكبر صاحبه خالد في النار، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب، وقيل: "إنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة كالأكبر وهذا هو الصواب"٢. تعريف الشرك الخفي: الشرك الخفي هو النوع الثالث من أنواع الشرك وقد بين حقيقته المصطفى ﷺ حيث قال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى قال: الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" ٣. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب قوله: "فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" فسر الشرك الخفي بهذا أن يعمل الرجل العمل لله، لكن يزيد فيه صفة كتحسينه وتطويله ونحو ذلك لما يرى من نظر رجل فهذا هو الشرك الخفي، وهو الرياء، والحامل له على ذلك هو حب الرياسة والجاه عند الناس" أ. هـ٤. وقال ﷺ : "الشرك الخفي أن يعمل الرجل لمكان الرجل"٥.

стр. 369

وقال عبد الله بن عباس ﵄ في تفسيره لقوله ـ تعالى ـ ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي ويقول لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ولولا البط في الدار لأتى اللصوص وقول الرجل لصاحبه لولا الله وفلان لا تجعل فيها فلاناً هذا كله به شرك"١. قال: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى ـ. وأما الشرك الخفي فهو الذي لا يكاد أحد يسلم منه مثل أن يحب الرجل مع الله غيره فإن كانت محبته لله مثل حب النبيين والصالحين والأعمال الصالحة فليست من هذا الباب لأن هذه تدل على حقيقة المحبة لأن حقيقة المحبة أن يحب المحبوب وما أحبه، ويكره ما يكرهه، ومن صحت محبته. امتنعت مخالفته لأن المخالفة إنما تقع لنقص المتابعة ويدل على نقص المحبة قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٢ الآية فليس الكلام في هذا إنما الكلام في محبة تتعلق بالنفوس بغير الله ـ تعالى ـ فهذا لا شك أنه نقص في توحيد المحبة لله وهو دليل على نقض محبة الله ـ تعالى ـ إذ لو كملت محبته لم يحب سواه.... وكذا الخوف والرجاء، وما أشبه ذلك فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئاً سواه ... وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف ... وكذا الرجاء وغيره فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمه الله ـ تعالى ـ٣. فشيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ يبين خطورة الشرك الخفي الذي لا ينجو منه إلا من عصمه الله ـ تعالى ـ ولذلك خافه ﷺ على الصحابة الذين هم أبر الأمة أعمالاً وأقواها إيماناً وأصحها إسلاماً، وأحسنها أخلاقاً وأصدقها أقوالاً كما تقدم من حديث أبي

стр. 370

سعيد الخدري ﵁ قال صاحب تيسير العزيز الحميد١ قال الطيبي٢ مبيناً ضرر الشرك الخفي على الإنسان: "وهو من أضر غوائل النفس، وبواطن مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير، وإظهار العلم والعمل فوجدت مخلصاً من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ولم تقتنع باطلاع الخالق ﵎: وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده فأحببت مدحهم وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل فأصابت النفس في ذلك أعظم اللذات، وأعظم الشهوات وهو يظن أن حياته بالله ـ تعالى ـ وبعبادته، وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة، قد أثبت اسمه عند الله من المنافقين وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون، ولذلك قيل آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة"أ. هـ٣. وباستطاعة الإنسان أن يتخلص من هذا الشرك الخفي بأمرين اثنين: الأول: الإخلاص بأن يكون عمله خالصاً لوجه الله ـ تعالى ـ. الثاني: أن يكون العمل موافقاً لما جاء به الرسول ﷺ . كفارة الشرك الخفي: على الرغم من خطورة الشرك الخفي كما عرفنا ذلك مما تقدم وأنه ﷺ خافه على سادة هذه الأمة وهم الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، وأن لا يسلم منه إلا من عصمه الله ـ تعالى ـ.

стр. 371

إلا أنه ﷺ علمنا دعاءاً ندعو الله به يكون كفارة لما يحصل للإنسان من هذا الداء العضال. روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أنه خطب الناس يوماً ـ فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذون لنا أو غير مأذون قال: بل أخرج مما قلت خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: أيها الناس اتقوا هذه الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال قولوا: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم" ١. فهذا الحديث بين لنا فيه ﷺ كفارة الشرك الخفي، نسأل الله أن يجنبنا الوقوع في الأمور التي تغضبه ـ سبحانه ـ وقد اختار أكثر العلماء الذين ألفوا في التوحيد أن الشرك ينقسم إلى نوعين أكبر وأصغر، فيكون الشرك الخفي من أنواع الشرك الأصغر على قول من قال: إن الشرك على نوعين وهذا الخلاف في التقسيم إلى نوعين وإلى ثلاثة إنما هو خلاف لفظي لأن ما يفسر به الشرك الخفي هو ما يفسر به الشرك الأصغر وحيث ذكرنا أنواع الشرك فإنه من المستحسن أن نردف ذلك بذكر أنواع الكفر وأنواع النفاق لأنها كلها من الأمور المهلكة لم شرح صدره بها. أنواع الكفر: قال العلامة ابن القيم: "فأما الكفر فنوعان: كفر أكبر وكفر أصغر، فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار والأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود"٢. أنواع الكفر الأكبر: الكفر الأكبر خمسة أنواع: النوع الأول: كفر التكذيب وهو اعتقاد كذب الرسل وهذا القسم قليل في الكفار فإن

стр. 372

الله ـ تعالى ـ أيد رسله، وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة. قال تعالى في شأن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ١ وقال ـ تعالى ـ مخاطباً رسوله ﷺ : ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢. النوع الثاني: كفر إباء واستكبار مثل كفر إبليس اللعين ومنه كفر من عرف الرسول ﷺ ولم ينقد له إباءاً واستكباراً وهو الغالب على كفر أعداء الرسل كما قال ـ تعالى ـ عن فرعون وقومه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ ٣. ومنه كفر أبي طالب فإنه صدق الرسول ﷺ ولم يشك في صدقه ولكن أخذته الحمية، وكره أن يرغب عن ملة آبائه، أو أن يحكم بتكفيرهم. النوع الثالث: كفر الإعراض: مثل أن يعرض عن الرسول ﷺ بحيث لا يسمعه ولا يصدقه ولا يكذبه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي ﷺ : "والله أقول لك كلمة: إن كنت صادقاً فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذباً فأنت أحقر من أن أكلمك" ٤. النوع الرابع: كفر الشك: حيث لا يجزم بصدق النبي ﷺ ولا يكذبه بل يشك في أمره، وهذا لا

стр. 373

يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة، وأما مع التفاته إليها ونظره فيها فإنه لا يبقى معه شك لأنها مستلزمة للصدق. النوع الخامس: كفر النفاق وهو أن يظهر الإيمان بلسانه وينطوي قلبه على تكذيب الرسول ﷺ ، وهذا هو النفاق الأكبر١. الكفر الأصغر: النوع الثاني من أنواع الكفر الكفر الأصغر، وهو لا يخرج من ملة الإسلام وذلك مثل كفر النعمة وقد ذكره الله ـ تعالى ـ في قوله: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ٢. ومنه الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب، والنياحة" ٣. فمثل هذا كفر دون كفر لا يخرج من ملة الإسلام. أنواع النفاق: جاء في الصحاح: "النافقاء إحدى حجرة اليربوع يكتمها ويظهر غيرها وهو موضع يرققه، فإذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق أي: خرج والنفقة أيضاً: مثال الهمزة النافقاء تقول منه: نفق اليربوع تنفيقاً ونافق أي أخذ في نافقائه، ومنه اشتقاق المنافق في الدين" ٤. وجاء في المصباح المنير: "نافق اليربوع إذا أتى النافقاء ومنه قيل: نافق الرجل إذا

стр. 374

أظهر الإسلام لأهله وأضمر غير الإسلام وأتاه مع أهله فقد خرج منه بذلك ومحل النفاق القلب"١. وفي اللسان عن أبي عبيد قال "سمي المنافق منافقاً للنفق وهو السرب في الأرض وقيل: إنما سمي منافقاً لأنه نافق كاليربوع وهو دخوله نافقاءه يقال: قد نفق به، ونافق وله جحر آخر يقال له القاصعاء، فإذا طلب قصع فخرج من القاصعاء، فهو يدخل في النافقاء ويخرج من القاصعاء أو يدخل في القاصعاء ويخرج من النافقاء، فيقال هكذا يفعل المنافق يدخل في الإسلام ثم يخرج منه من غير الوجه الذي دخل فيه"٢. ومن هذا يتبين أن النفاق في اللغة: "إظهار الخير وإبطال الشر وأما حقيقته في الشرع: فهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر وإخفاؤه"٣. والمتصفون بذلك موجودون في كل زمان ومكان. والنفاق على ضربين: الضرب الأول: النفاق الإعتقادي. الضرب الثاني: نفاق عملي. أما الضرب الأول: وهو النفاق الإعتقادي فإنه مخرج لصاحبه من الملة وفيه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنفاق منه ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار كنفاق عبد الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب إتباعه أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه ونحو ذلك مما لا يمكن صاحبه إلا أن يكون عدواً لله ورسوله"٤ وجاء في مجموعة التوحيد: "فأما الاعتقادي فهو ستة أنواع: تكذيب الرسول، أو تكذيب بعض ما جاء به أو بغض الرسول، أو بغض ما جاء به الرسول، أو المسرة بانخفاض دين الرسول أو الكراهية بانتصار دين الرسول"٥.

стр. 375

وأما الضرب الثاني: وهو النفاق العملي فهو جريمة كبرى، وإثم عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكنه لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام. وأنواعه كثيرة١. قال ﷺ : "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". وفي رواية أخرى: وإذا وعد أخلف" ٢. ذلك هو حقيقة الشرك وأنواعه وأنواع الكفر والنفاق وكل هذه الأمور تكسب صاحبها الانحطاط والهبوط متى ما شرح بها صدره واطمأنت بها نفسه أعاذنا الله من ذلك....

стр. 376

المبحث الثالث: أصل الشرك في بني الإنسان قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ . هذه الآية من السورة فيها بيان لأصل الشرك والدافع إليه عند المشركين قديماً وحديثاً، وفيها توضيح لحال المتخذين من دون الله ـ تعالى ـ الأولياء والشركاء، وأن الذي تقرر في قلوب المشركين المتقدمين والمتأخرين أن آلهتهم تشفع لهم عند الله ـ تعالى ـ ويزعمون أنها تقربهم إلى الله ـ تعالى ـ برفع حوائجهم إليه والشفاعة عنده وإلا فهم يعتقدون أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تملك من الأمر شيئاً وهذا كما هو معلوم من أقبح الأعذار لإقدامهم على أشد المحرمات وارتكاب أعظم المنكرات وهو الشرك بالله العظيم، ولذلك جاءت الآية مذيَّلة بالحكم عليهم بأنهم كاذبون، وكفار وأنه ـ تعالى ـ لا يهديهم فهذه حال من اتخذ من دون الله ولياً أو شريكاً. قال ابن جرير ـ رحمه الله تعالى ـ حول هذه الآية. يقول تعالى ذكره: "والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى، قربة ومنزلة وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا. قال مجاهد: قريش تقوله للأوثان ومن قبلهم يقوله للملائكة ولعيسى بن مريم ولعزير١. وقال العلامة ابن كثير حول قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ ثم

стр. 377

أخبر عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي إنما يحملهم على عبادتهم لها أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: إلا ليقربونا إلى الله زلفى أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢ وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه ﴿فَلا تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ﴾ ٣ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً"أ. هـ٤. وقال الشوكاني: والضمير في "نعبدهم" راجع إلى الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة وعيسى والأصنام وهم المرادون بالأولياء والمراد بقولهم ﴿إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ الشفاعة كما حكاه الواحدي عن المفسرين. اهـ٥. قال صاحب محاسن التأويل٦:

стр. 378

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي بالمحبة للتقرب والتوسل بهم إلى الله ـ تعالى ـ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ أي يقولون ذلك احتجاجاً على ضلالهم ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي عند حشر معبوداتهم معهم فيقرن كلاَّ منهم مع من يتولاه من عابد ومعبود ويدخل المبطل النار مع المبطلين كما يدخل المحق الجنة مع المحقين ا. هـ١. فالآية بينت أن أصل الشرك في المشركين من بني آدم إنما كان نتيجة الغلو في المخلوق ورفعه فوق منزلته ويشهد لهذا ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أنه قال صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ودَّ فكانت لكلب بدومة الجندل وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية "وأصل الشرك في بني آدم كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظمين، فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح فإنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض يدعوهم إلى التوحيد، وينهاهم عن الشرك كما قال ـ تعالى ـ ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ ٣ وهذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم ثم ذهبت هذه الأصنام لما أغرق الله أهل الأرض ثم صارت إلى العرب كما ذكر ابن عباس وغيره إن لم يكن أعيانها فهي نظائرها"ا. هـ٤.

стр. 379

وقال ابن جرير الطبري: عند قوله ـ تعالى ـ ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية قال: كانوا قوماً صالحين من بني آدم لهم أتباع يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: "إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"١ هذا من أعظم كيد إبليس وهو جعله الإنسان يشرك بالله غيره فإنه يأتي للإنسان بأخبث الحيل، وأعظم المكر فإنهم عن طريق العاطفة الدينية، وبما يؤملون من جلب النفع حتى جعلهم مشركين يعبدون غير الله ـ تعالى ـ ويطلبون المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله ـ تعالى ـ ممن لا يملك ذلك من المخلوقين فتماثيل الصالحين من أكبر الطرق وأسرعها وقوعاً في قلوب الناس للوقوع في أصل الشرك ولذلك اعتبر الشرع أن من يفعل هذا العمل إنما هو شرار الخلق عند الله ـ تعالى ـ روى البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "لما اشتكى النبي ﷺ ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية وكانت أم سلمة وأم حبيبة ﵄ أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع رأسه فقال: أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله"٢. وما أكثر شرار الخلق في زمننا هذا فإن الكثير من المسلمين تجاهلوا هذا التحذير البليغ والتهديد الشديد فبنوا المساجد والقباب على القبور وتجد الجهلة من المسمين يتحرون الصلاة فيها وعندها ويتوسلون بها ويدعونها من دون الله وينذرون لها ويذبحون لها ويوقدون الشموع والسرج عندها ويطلبون منها شفاء مرضاهم ورد غائبهم ويعكفون عندها ويطوفون حولها ويطلبون منها الغوث والمدد وتجد أحدهم يجري على لسانه ذكر صاحب القبر كلما قام أو قعد أو سقط وهذه الأمور هي بعينها التي كان يفعلها مشركو الجاهلية بل هؤلاء أشد منهم عبادة وتعظيماً وهذا أصل الشرك وعينه الذي حذر الله عنه عباده ونهاهم عن الوقوع فيه. وحرم على من مات عليه الجنة. قال صاحب تيسير العزيز الحميد: بعد أن ذكر قصة أصنام قوم نوح: فتبين أن مبدأ

стр. 380

الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها واعتقاد النحوس فيها والسعود، ونحو ذلك وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم كما أن ذلك هو الغالب على عباد القبور ونحوهم وهو أصل عبادة الأصنام فإنهم عظموا الأموات تعظيماً مبتدعاً، فصوروا صورهم وتبركوا بها فآل الأمر إلى أن عبدت الصور ومن "هي" صورته وهذا أول شرك حدث في الأرض وهو الذي أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من الدعاء في المسجد الحرام والمساجد فاعتادوها ولذلك فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به"ا. هـ ١.

стр. 381

المبحث الرابع: ذم الإنسان على جعله أنداداً لله تعالى لقد جاء في السورة الذم والعتاب للإنسان الذي يجعل لله تعالى الأنداد، وأوضحت أن من فعل ذلك فإن مصيره إلى النار. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ للهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ . هذه الآية من السورة تضمنت ذماً وعتاباً من الله تعالى لمن جعل لله الأنداد والأشباه من المخلوقين فيحبها كما يحب الله ويرجوها كما يرجو الله وهذا من فعل الضالين المشركين بالله . فقد أوضح الله في هذه الآية أن الإنسان إذا نزل به الضر واشتد به الكرب يضرع إلى الله ويخلص له الدعاء والإنابة لا يشرك به غيره، فإذا ما أزيح عنه ذلك وخوله الله بشتى النعم ينسى ربه الذي كان يدعوه عند الشدة والكرب وعند الفقر والمرض، فيشرع في اتخاذ الشركاء من الأصنام التي هي عبارة عن أحجار وأخشاب فيتوجه إليها بالعبادة والدعاء والاستغاثة ويصرف لها الكثير من أنواع العبادات التي لا يستحقها إلا الله تعالى، أو يجعل لله أنداداً من طواغيت البشر فيطيعهم في معصية الله ـ تعالى ـ كما قال السدي رحمه الله تعالى: الأنداد من الرجال يطيعونهم في معاصي الله وقال غيره: "عنى بذلك أنه عبد الأوثان فجعلها لله أنداداً في عبادتهم إياها" وقال ابن جرير: "وأولى القولين بالصواب قول من قال عني به أنه أطاع الشيطان في عبادة الأوثان فجعل له الأوثان أنداداً لأن ذلك في سياق عتاب الله إياهم على عبادتها"اهـ١.

стр. 382

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حول قوله تعالى في الآية: ﴿وَجَعَلَ للهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي من مات وهو يدعو لله نداً، أي: يجعل لله نداً فيما يختص به ـ تعالى ـ ويستحقه من الربوبية والإلهية دخل النار، لأنه مشرك، فإن الله تعالى هو المستحق للعبادة لذاته لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه وتفزع إليه عند الشدائد وما سواه فهو مفتقر إليه مقهور بالعبودية له تجري عليه أقداره وأحكامه طوعاً وكرهاً فكيف يصلح أن يكون نداً١. وقد نهى الله تعالى عباده عن أن يجعلوا له الأنداد وذمهم على ذلك قال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢. قال البغوي٣: ﴿فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَاداً﴾ أي أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله وقال أبو عبيدة٤: الند: الضد وهو من الأضداد والله تعالى بريء من المثل والضد ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه واحد خالق هذه الأشياء اهـ٥. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "الأنداد: الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله" وقال ابن زيد: "الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه وجعلوا لها مثل ما جعلوا له" وقال ابن عباس: "الأنداد: الأشباه"٦. وقال تعالى في ذم بعض الناس الذين اتخذوا من دونه أنداداً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ ٧.

стр. 383

قال ابن القيم: "فهؤلاء جعلوا المخلوق مثلاً للخالق فالند: الشبه يقال: فلان ند فلان وند يده أي مثله وشبهه ... فالذي أنكره الله ـ سبحانه ـ عليهم هو تشبيه المخلوق به حتى جعلوه نداً لله ـ تعالى ـ يعبدونه كما يعبدون الله"اهـ١. وأما اتخاذ العدلاء، بمعنى: جعلهم شركاء لله في العبادة فقد بين ـ تعالى ـ بأن ذلك فعل المشركين. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ٢ وقال مجاهد "يعدلون" يشركون وقال محمد بن جرير الطبري: "يجعلون شريكاً في عبادتهم إياه فيعبدون معه الآلهة والأنداد، والأصنام، والأوثان وليس منها شيء شاركه في خلق شيء من ذلك ولا في إنعامه عليهم بما أنعم عليهم، بل هو المفرد بذلك كله وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره"٣. ولقد بين النبي ﷺ أن اتخاذ الند من أعظم الذنوب والآثام لما روي من حديث ابن مسعود ﵁ قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك ... "الحديث ٤. قال ابن الأثير: "الأنداد جمع ند بالكسر وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره ويناده: أي يخالفه ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله" اهـ٥. ولقد بعث الله نبي الهدى ﷺ لخلع جميع الأنداد التي كانت تعبد من دون الله ـ تعالى ـ وقد كان المشركين يتنافسون فيها وكانت تمثل كثرة هائلة حتى أنه أصبح لكل مشرك في الجاهلية معبود وحتى أنه كان إذا سافر أحدهم يصطحب صنمه معه وكانت حالتهم سيئة كما سنبين ذلك فنقول: لقد بين الله ـ تعالى ـ في كتابه أن المعبودات سواه كثرت وتنوعت من عبادة الأشخاص، إلى عبادة الأحجار والأخشاب، إلى عبادة الهوى إلى عبادة الأجرام السماوية إلى عبادة الملائكة وسنأتي بنبذة حول كل من هذه المذكورات.

стр. 384

١ـ عبادة الأشخاص من بني الإنسان: لقد أخبرنا الباري ـ سبحانه ـ أن بعض عبيده ادعوا الألوهية واستعبدوا أتباعهم عن طريق القهر والعنف كما استغلوا جهلهم ونشروا في صفوفهم الضلال عن طريق الكذب والتدجيل وهذا كما حصل من فرعون الذي أخبرنا الله عنه أنه قال لقومه منادياً لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ١ وقال ـ تعالى ـ حاكياً توعده لمن آمن بنبي الله موسى ﵊: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢ ومثل فرعون علماء الضلال الذين يشرعون للخلق ما لم يأذن به الله ولا يرضاه وقد ذم الله أهل الكتاب على هذا الصنيع قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ٣ فقد أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله فأنزلوهم منزلة الرب ـ سبحانه ـ إذ أنه لا حق لأحد في التحليل والتحريم إذ ذلك من خصائص الباري ـ سبحانه ـ دون سواه، والسبب الذي جعل أتباع فرعون، وأتباع الأحبار والرهبان من أهل الكتاب يعبدونهم ويطيعونهم عدم تحقيقهم عبودية الخوف لله ـ جل وعلا ـ ومن عبادة الإنسان غلو اليهود في العزير والنصارى في عيسى ﵊ وقد بينا بطلان دعواهم تحت عنوان "تنزيه الله تعالى من نسبة الولد إليه" وقد تقدم هذا فليرجع إليه. ٢ـ عبادة الأصنام والأوثان: قال ابن جرير ﵀ تعالى ـ "والأصنام جمع صنم" والصنم: التمثال من حجر أو خشب أو غير ذلك، في صورة إنسان، وهو الوثن وقد يقال للصورة المصورة على صورة الإنسان في الحائط غيره: صنم ووثن اهـ٤. أما الراغب الأصبهاني فقد فرق بين الصنم والوثن فقال: الصنم جثة متخذة من فضة

стр. 385

أو نحاس أو خشب كانوا يعبدونه متقربين به إلى الله ـ تعالى ـ وجمعه "أصنام" قال الله ـ تعالى ـ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. قال بعض الحكماء: كل ما عبد من دون الله بل كل ما يشغل عن الله ـ تعالى ـ يقال له "صنم". وأما الوثن: فإنه قال فيه "الوثن واحد الأوثان وهو حجارة كانت تعبد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً﴾ ٢. وممن فرق بين الصنم والوثن الشيخ عبد الرحمن بن حسن فقال: "الصنم ما كان منحوتاً على صورة، والوثن ما كان موضوعاً على غير ذلك.." إلى أن قال: "وقد يسمى الصنم وثناً كما قال الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَاناً﴾ ٣ ويقال: إن الوثن أعم وهو قوي، فالأصنام أوثان كما أن القبور أوثان"اهـ٤. ونقول: مهما وجدت من فروق بين الأصنام والأوثان في المادة والهيئة، فغرض الوثنين منها واحد وهو عبادتها من دون الله ـ تعالى ـ على أي كيفية كانت وعلى أي صورة وجدت، ولقد انتشرت عبادة الأصنام والأوثان بين العرب الجاهليين انتشاراً هائلاً ولقد صوَّر لنا ابن إسحاق٥ ﵀ تعالى ـ بدء الانحراف عند العرب من نسل إسماعيل ﵇ في عبادتهم، فقد كان أول انحرافهم أنهم كانوا يعظمون الحرم فلا يرتحلون منه حتى كثروا وضاقت بهم مكة فأخذوا يرتحلون عنه طالبين السعة والفسح في البلاد فكان لا يظعن ظاعن منهم عن الحرم إلى غيره إلا حمل معه حجراً من حجارة الحرم تعظيماً له.

стр. 386

فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، ثم أدى بهم حالهم ذلك إلى عبادة تلك الأحجار ثم كانوا يعبدون من الأحجار ما استحسنته عقولهم"اهـ١. واسمع ما صار إليه حالهم قال أبو رجاء العطاردي: "كنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجراً أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبنا عليه ثم طفنا به"٢. ومن عجائب أمر الجاهلية أن أحدهم إذا كان مسافراً أخذ معه أربعة أحجار ثلاثة لقدره والرابع يعبده٣. ولقد بالغ العرب الجاهليون في إكثارهم من الأصنام حتى أنه كان لأهل كل دار بمكة صنم يعبدونه وكان أحدهم إذا أراد السفر تمسح بصنمه وإذا رجع من سفره فعل كذلك قبل أن يدخل منزله٤. وكان من أقدم أصنامهم "مناة" وكان منصوباً على ساحل البحر الأحمر من ناحية "المشلل" بقديد بين مكة والمدينة وكانت العرب جميعاً تعظمه، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون له ويهدون له وكانت الأوس والخزرج من أشد الناس تعظيماً له حتى أنه بلغ من تعظيمهم أنهم كانوا يحجون ويقفون المواقف كلها ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا أتوه فحلقوا رؤوسهم ولا يرون حجهم صحيحاً إلا إذا فعلوا ذلك وكانت "مناة" لهذيل وخزاعة وبعث رسول الله ﷺ علياً عام الفتح فهدمها٥. ثم اتخذت العرب بعد "مناة" "اللات" بالطائف وهي أحدث من "مناة" وكانت صخرة مربعة وكانت سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها وكانت قريش وجميع العرب يعظمونها وبها كانت تسمى "زيد اللات" "تيم اللات" وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى فلم تزل كذلك حتى بعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة لما أسلمت

стр. 387

ثقيف فهدمها وحرقها بالنار١ غير أن ابن جرير روى في تفسيره عن مجاهد في قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى﴾ ٢ قال كان يلت السويق فمات فعكفوا على قبره٣ وقد روى البخاري في صحيحه موقوفاً على ابن عباس قاتل: كان اللات رجلاً يلت سويق الحاج٤. ثم اتخذت العرب بعد اللات "العزى" فهي تعتبر أحدث من "اللات" اتخذها رجل يقال له: ظالم بن أسعد بوادي نخلة فوق ذات عرق وبنوا عليها بيتاً فكانوا يسمعون منها الصوت وذكر ابن عباس أنه كانت للعزى شيطانه تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة فلما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد فقال: ائت بطن نخلة فإنك ستجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية فعضدها ثم أتى النبي ﷺ قال: هل رأيت شيئاً: قال: لا. قال: فاعضد الثالثة فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها واضعة يديها على عاتقها تضرب بأنيابها وخلفها سادنها فقال خالد: كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة وقتل السادن ثم أتى النبي ﷺ ، فأخبره فقال: تلك العزى ولا عزى بعدها للعرب وكانت العزى لأهل مكة في موضع قريب من عرفات وكانت شجرة يذبحون عندها ويدعون. اهـ٥. قال الكلبي٦ في كتابه الأصنام: "وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وأعظمها "هبل" وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان وكانوا إذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفراً أتوه فاستقسموا

стр. 388

عنده بالقداح وهو الذي قال أبو سفيان يوم أحد أعل هبل فقال الرسول ﷺ : "قولوا الله أعلى وأجل" ١. وهناك أصنام قوم نوح التي ذكرها الله في كتابه فإنها آلت إلى العرب وعبدوها وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ٢ وقد قدمنا قول ابن عباس كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم. فكان "ود" لبني كلب بن مرة بن تغلب بن حلوان عن عمران بن الحاف بن قضاعة وكان منصوباً بدومة الجندل٣. وكان "سواع" لبني هذيل بن إلياس بن مدركة بن مضر، وكان منصوباً بمكان يقال له "رهاط"٤. وأما يغوث: فكان لبني أنعم من طيئ ولأهل جرش٥ من مذحج وكان منصوباً بجرش، وأما يعوق، فكان بأرض همدان من اليمن لبني خيوان بطن من همدان. وأما "نسر" فقد كان بأرض حمير لقبيلة يقال لهم: "ذو الكلاع"٦ وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل بالبدع المحدثة ونشر الأصنام في الجزيرة العربية رجل يقال له: عمرو بن عامر الخزاعي وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب"٧ وقد اختلفت الروايات في الكيفية التي نشر بها عمرو الأصنام في الجزيرة العربية فإحدى الروايات تقول: أنه كان له رئي من الجن وهو الذي دله على الأصنام التي كانت عند قوم نوح وكانت قد دفنت منذ عهد نوح حيث قذفها الطوفان إلى ساحل جدة فوارتها الرمال على كر الأيام فجاء رئيه من الجن فأخبره بذلك فنبشها عمرو ووزعها على عرب الجزيرة، ودعاهم إلى عبادتها٨.

стр. 389

ورواية أخرى تقول: "إنه جاء بالأصنام من بلاد الشام عندما رآهم يعبدونها طلب منهم صنماً فأعطوه واحداً نصبه بمكة وأمر الناس بعبادته وتعظيمه" ١. وعلى كل فإن عمرو هذا استطاع التأثير على العرب واستخفهم فأطاعوه حتى غير عليهم دين إبراهيم لما كان له من مكانة فيهم، فأطاعوه في معصية الله تعالى فيما ابتدعه من الأمور التي لم يأذن بها الله. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والمقصود أن عمرو بن لحي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك فضلوا بذلك ضلالاً بعيداً بيناً قطعياً شنيعاً" اهـ٢. هذه لمحة عن بعض الأصنام التي كانت شائعة عند العرب، وهناك أصنام ومعبودات أخرى يضيق المقام بذكرها، وذكرنا هذا الطرف منها للتمثيل لمعرفة ما كانت عليه حالة العرب في الجاهلية من توجيههم العبادة لتلك الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عنهم من الله شيئاً، فقد كانوا لفرط جهلهم يدعونها من دون الله ويفزعون إليها في النائبات ويزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى، وهذا نتيجة الجهل والغلو في المخلوق وإعطائه منزلة فوق منزلته، قال العلامة ابن القيم مبيناً سبب إقبال العرب على عبادة الأصنام: "ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته حتى جعل فيه حظ من الإلهية وشبهوه بالله ـ سبحانه ـ وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله ـ سبحانه ـ وبعث رسله، وأنزل كتبه بإنكاره والرد على أهله، فهو ـ سبحانه ـ ينفي وينهي أن يجعل غيره مثلاً له، ونداً له وشبهاً له لا أن يشبه هو بغيره إذ ليس في الأمم المعروفة أمة جعلته ـ سبحانه ـ مثلاً لشيء من مخلوقاته فجعلت المخلوق أصلاً وشبهت به الخالق، فهذا لا يعرف في طائفة من طوائف بني آدم، وإنما الأول هو المعروف في طوائف أهل الشرك غلواً فيمن يعظمونه، ويحبونه حتى شبهوه بالخالق، وأعطوه خصائص الإلهية بل صرحوا أنه إله، وأنكروا جعل الآلهة إلهاً واحداً وقالوا: ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ ٣ وصرحوا بأنه إله معبود يرجى ويخاف ويعظم ويسجد له ويحلف باسمه،

стр. 390

وتقرب له القرابين إلى غير ذلك من خصائص العبادة التي لا تنبغي إلا لله، فكل مشرك فهو مشبه لإلهه ومعبوده بالله ـ سبحانه ـ وإن لم يشبهه به من كل وجه"اهـ١. ٣ـ عبادة الهوى: من أنواع المعبودات التي عبدت من دون الله "الهوى" وقد ورد الإنكار الشديد في كتاب الله تعالى لمن جعل إلهه هواه فيتبعه في كل ما يملئ عليه. قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٣. فالذي يترك أوامر الله ويعرض عنها ويرفض الحق إذا جاءه، فإنه يعد من عبدة الهوى ويصر هواه معبوداً له من دون الله تعالى. قال عبد الله بن عباس: "ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان". وقال قتادة: "هو الكافر لا يهوى شيئاً إلا ركبه لا يخاف الله"٤. وقال ابن كثير: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ . أي إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسناً فعله ومهما رآه قبيحاً تركه٥. ومتى خضع الإنسان لهواه واستسلم له كان بمنزلة الأنعام بل أضل منها كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ٦. قال ابن القيم: "فشبه أكثر الناس بالأنعام والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والإنقياد له، وجعل الأكثرين أضل سبيلاً من الأنعام لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي ويتبع الطريق، فلا تحيد عنها يميناً ولا شمالاً، والأكثرون يدعوهم الرسل
следующие страницы →