ـ ﷻ وقد روينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض١ ومنهم من هو موكل بالسحاب ففي سنن الترمذي عن ابن عباس أن الرسول ﷺ قال: "الرعد ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب٢.
ومنهم من أوكل الله إليه مهمة النفخ في الصور وهو إسرافيل، ومنهم من اختصه الله بقبض أرواح بني آدم عندما تنتهي آجالهم التي قدرها الله لهم قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ٣ ولملك الموت أعوان يكونون معه عند قبض أرواح بني آدم.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ٤ وتنزع الملائكة أرواح الكفرة والمجرمين نزعاً شديداً عنيفاً بلا رفق ولا هوادة.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٥.
أما المؤمنون فإن الملائكة تنزع أرواحهم نزعاً رفيقاً وتبشرهم عند النزع.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ ٦.
стр. 422
ومنهم من أوكل الله إليه حفظ أعمال بني آدم من خير وشر وهم الكرام الكاتبون. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ١. ومنهم من أوكل الله إليه الجنة ونعيمها وهم رضوان ومن معه، قال ابن كثير "وخازن الجنة ملك يقال له: رضوان جاء مصرحاً به في بعض الأحاديث" أ. هـ٢.
ومنهم من أسند إليه القيام على النار وعذاب أهلها وهم مالك ومن معه فقد أخبر الله ـ تعالى ـ أن أهل النار ينادون مالكاً وهو كبير خزنة أهل النار بقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ٣.
ومنهم من أوكل الله إليه فتنة القبر وهما منكر ونكير٤.
ومنهم حملة العرش قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ٥.
ومنهم الموكل بالنطف في الأرحام وكتابة ما يراد بها.
روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "وكل الله ـ تعالى ـ بالرحم ملكاً: فيقول: أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه٦.
ومنهم ملائكة يدخلون البيت المعمور ويدخله كل يوم سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم٧.
ومنهم ملائكة سياحون يتتبعون مجالس الذكر روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن لله تبارك ـ وتعالى ـ ملائكة يطوفون
стр. 423
في الطريق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله ـ تعالى ـ تنادوا هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفوهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا١.
ومنهم الموكل بالجبال فقد أرسل الله ـ تعالى ـ ملك الجبال إلى عبده ورسوله محمد ﷺ يستأمره في إهلاك أهل مكة فقد جاء في الحديث المتفق على صحته المروي عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كلاب فلم يجبني إلى ما أردت".
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ـ مكان قرب مكة ـ فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين٢ فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً"٣.
ومنهم الموكل بكتابة الناس يوم الجمعة يكتب الأول فالأول، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر" ٤.
"ومنهم المعقبات وهم الذين أوكل الله إليهم حفظ العبد فيحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله".
وقد بين حبر الأمة عبد الله بن عباس أن المعقبات من الله هم الملائكة جعلهم الله
стр. 424
ليحفظوا الإنسان من أمامه، ومن ورائه، فإذا جاء قدر الله الذي قدر أن يصل إليه خلوا عنه١.
وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما منها شيء يأتيه إلا قال له الملك وراءك إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه".
وقال رجل لعلي بن أبي طالب: "إن نفراً من مراد يريدون قتلك فقال ـ أي علي ـ إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جنة حصينة"٢.
والمعقبات المذكورة في آية ـ سورة الرعد ـ هي المقصودة بالآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ ٣.
فالحفظة الذين يرسلهم الله يحفظون العبد حتى يأتي أجله المقدر له.
وورد أن الملائكة يؤمنون على قراءة المصلي، قال ﵊: "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" ٤.
وورد أنهم يدعون لمنتظر الصلاة كما جاء في الصحيحين "أن الملائكة تصلي على الذي يأتي المسجد للصلاة فتقول: اللهم صل عليه اللهم ارحمه ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه" ٥.
وورد أنهم يلعنون من هجرت فراش زوجها لما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح" ٦ وأعمال الملائكة كثيرة جداً فإنهم يقومون على مختلف شؤون هذا الكون مما نشاهده وما لا نشاهده، وإذا تأمل الإنسان
стр. 425
الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في أعمال الملائكة مثل قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ ١.
ومثل قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ ٢.
جزم في يقين بأن هذا الكون كله علويه وسفليه، قد أنيط أمر تدبيره إلى الملائكة، وذلك بإذن ربهم ﵎ قال ﷺ "أطت السماء وحق لها أن تئط ما من موضع أربع أصابع إلا عليه ملك واضع جبهته ساجداً لله تعالى" ٣.
ومما تقدم يتبين بطلان قول الزائغين من الفلاسفة الزنادقة بأن الملائكة قوى معنوية ليس لها حقيقة في الخارج٤ بل هم كما أخبر ﷺ أنهم مخلوقون من نور وأنهم كما وصفوا في الكتاب والسنة أولوا أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ومن زعم غير ذلك فقد كذب الله ورسوله والمؤمنين
стр. 426
الفصل الثاني: دلالة السورة على وجوب الإيمان بالكتب
المبحث الأول: كيفية الإيمان بالكتب السابقة
...
المبحث الأول: كيفية الإيمان بالكتب السابقة
قبل أن نبين كيفية الإيمان بالكتب السماوية السابقة نذكر الآيات الدالة على وجوب الإيمان بالكتب من سورة "الزمر" ونبين وجه دلالتها على ذلك. فنقول: إن الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله ركن من أركان العقيدة الإسلامية الستة، ودعامة من دعائمها الأساسية التي لا تقوم العقيدة إلا بالإيمان بها كلها.
فكما أن الله ـ تعالى ـ أنزل القرآن الكريم على محمد ﷺ فقد أنزل من قبله كتباً.
والإيمان بالكتب: هو التصديق الجازم بأن لله كتباً أنزلها على أنبيائه ورسله وهي من كلامه ـ تعالى ـ حقيقة اشتملت على النور والهدى وكل ما احتوته حق وصدق ولا يعلم عددها إلا الله ـ تعالى ـ الذي أنزلها، ولقد دلت السورة على أن الله ـ تعالى ـ أنزل القرآن على نبينا محمد ﷺ كما أشارت إلى إنزال الكتب السابقة قبله على من سبقه من الأنبياء والمرسلين، فيجب الإيمان بالكتب وتصديقها كلها وأن من كذب بها كان من أهل النار.
قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .
стр. 427
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى ... ﴾ الآية.
هذه المجموعة الكثيرة من الآيات كلها وردت في السورة، وكلها واضحة الدلالة في وجوب الإيمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله ووجوب التصديق بها والعمل بمقتضاها. إذا الإيمان بالكتب معناه "التصديق بأنها كلام الله وأن ما تضمنته حق"١.
فالآيات السبع الأولى: من هذه الآيات كلها توجب الإيمان بالقرآن وقد قدمنا الكلام عليها تحت عنوان "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق" في "الفصل الأول"من "الباب الأول" فليرجع إليه. وأما قوله تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ فالمراد بالآيات المذكورة في هذه الآية هي الآيات التنزيلية، القرآن وغيره من الكتب السماوية قبله التي نزلت على الرسل لتبليغها إلى سائر الأمم فقوله ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ رد من قبل الله تعالى على الكافر الذي يظهر الحسرة والندامة يوم القيامة بحيث أنه فرط في طاعة الله، ومع ذلك كان من المستهزئين بدين الله في الدنيا، وبكتابه وبرسوله وبالمؤمنين وحينما يشاهد العذاب يتعلل بما لا طائل تحته فيتمنى لو أن الله أرشده وهداه إلى دينه ليتقي الشرك والمعاصي، ويتمنى الرجعة إلى الدنيا ليكون من الموحدين لله تعالى المحسنين أعمالهم وهذه من الأماني الواهية التي يتعلق بها المشركون يوم القيامة فيكون الجواب من قبل الله
стр. 428
ـ على كل مشرك متمن على الله الأماني الباطلة ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ بحيث قلت إنها ليست من عند الله، واستكبرت عن الإيمان بها وبذلك كنت في عداد الكافرين.
قال ابن جرير الطبري: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ يقول: "قد جاءتك حججي من بين رسول أرسلته إليك وكتاب أنزلته يتلى عليك ما فيه من الوعد والوعيد والتذكير ﴿فَكَذَّبْتَ﴾ بآياتي ﴿وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ عن قبولها واتباعها" اهـ١.
فالآية دلت على وجوب الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله وحرمة الكفر بها والإعراض عن قبولها.
وأما قوله ـ تعالى ـ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ... ﴾ الآية ففيها تأنيب وتقريع لجميع أصناف الكفار الداخلين جهنم من خزنة جهنم بقولهم: ألم تأتكم رسل منكم ومن جنسكم تفهمون عنهم وتعرفون أمرهم ويتلون عليكم آيات ربكم وهي الكتب المنزلة على رسله وحججه التي بعث بها رسله إلى أممهم؟ فيقول الكافرون مجيبين لخزنة جهنم: إن الرسل جاؤوهم وبلغوهم وحي الله، ولكنهم كذبوهم وقالوا ما نزل الله من شيء فحقت عليهم كلمة العذاب وهي حكم الله عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل جهنم بسوء اختيارهم وشنيع فعلهم الذي فعلوه مع أنبيائهم فالسورة دلت دلالة قاطعة على وجوب الإيمان بكتب الله وتحريم تكذيبها ولا شك أن من كذب بكتب الله المنزلة على رسله وأنبيائه فإنه كافر بالله العظيم لأنه ـ تعالى ـ ربط الإيمان بالكتب بالإيمان به قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ ٢.
قال ابن كثير: "والكتاب" وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله. اهـ٣.
стр. 429
فمن كذب بكتب الله المنزلة على رسله كان من الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة بإرادته واختياره أعاذنا الله من ذلك.
وأما كيفية الإيمان بالكتب السماوية السابقة:
فالإيمان بها يكون إجمالاً، وتفصيلاً فيجب الإيمان على التفصيل بما سماه الله منها في القرآن الكريم، والذي سمي لنا منها في القرآن هي:
١ ـ التوراة وهي الكتاب الذي أنزله الله على كليمه موسى ﵊. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ ١.
٢ ـ الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى ﵊. قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
٣ ـ الزبور الذي أنزله الله على داود ﵊. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾ ٣.
٤ ـ الصحف التي أنزلها الله على إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام والتي أخبر عنها بقوله ـ جل شأنه ـ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٥.
فهذه الكتب يجب الإيمان بها على التفصيل.
وأما الكتب الأخرى التي نزلت على سائر الرسل، ولم يخبرنا الله ـ تعالى ـ بأسمائها وإنما جاء الخبر في كتاب الله أن لكل نبي أرسله الله رسالة بلغها إلى قومه. قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
стр. 430
لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ ١. فالواجب الإيمان بهذه الكتب التي لم تسم إجمالاً، ولا يجوز نسبة كتاب إلى الله ـ جل وعلا ـ لم ينسبه إلى نفسه بالإخبار عنه في القرآن العظيم والسنة المطهرة، كما يجب الإيمان بأن هذه الكتب نزلت من عند الله بالحق والنور والهدى، وتوحيد الله ـ سبحانه ـ في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وما ألصق بها مما يخالف ذلك إنما هو من تحريف البشر الذين يحرفون الكلم عن مواضعه بسب ما علق بقلوبهم من مرض الإلحاد.
قال شارح الطحاوية مبيناً كيفية الإيمان بالكتب السابقة "وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه، من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله ـ تعالى ـ سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى" اهـ٢.
وبالجملة فقد بين الكتاب والسنة أن الإيمان بالكتب أحد أركان الإيمان الستة. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٣ "فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد فرد صمد لا إله غيره ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم صادقون بارُّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته" اهـ٤.
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٥. فجعل الله الإيمان
стр. 431
هو الإيمان بهذه الجملة وسمى من آمن بهذه الجملة مؤمنين١، ومن بينها الإيمان بالكتب.
ولقد أوجب الحق ـ سبحانه ـ في كتابه الإيمان بجميع الكتب السماوية قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ ٢.
إن هذه الآية وحدها كافية في الدلالة على وجوب الإيمان بكتب الله ـ تعالى ـ على وجه العموم وبالقرآن الكريم كتاب رب العالمين على وجه الخصوص وإنها أيضاً لكافية في الدلالة على تحريم التكذيب بها وعدم التصديق بكل ما ورد فيها مما هو وحي الله وكلامه .
وأما دلالة السنة على وجوب الإيمان بالكتب فقد قال ﷺ في الحديث المتفق على صحته وهو حديث جبريل وسؤاله للنبي ﷺ عن الإيمان، فقال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" ٣.
"فهذه أصول اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا إتباع الرسل"٤
قال الحافظ: عند قوله ﷺ "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله" ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الإكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل، إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين وهذا الترتيب مطابق للآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ... ﴾ الآية٥. ومناسبة الترتيب المذكور، وإن كانت الواو لا ترتب بل المراد من التقديم أن الخير والرحمة من الله، ومن أعظم رحمته أن أنزل كتبه إلى عباده والمتلقي لذلك منهم الأنبياء والواسطة بين الله وبينهم الملائكة"اهـ٦.
стр. 432
ولا يفوتنا أن نقول هنا: "إنه وإن كان الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء السابقين قبل نبينا محمد ﷺ واجباً إلا أنه لا يجوز الأخذ بما في أيدي اليهود والنصارى لأنهم قد حرفوا كتب الله المنزلة على أنبيائهم وذمهم الله على ذلك وتوعدهم وزجرهم"١.
ومما تقدم يتبين أن الإنسان مطالب بالإيمان بالكتب السماوية السابقة من حيث إنها نزلت من عند الله تعالى، وأن الانقياد لها والحكم بها كان فرضاً على الأمم التي نزلت إليها تلك الكتب، كما يجب الإيمان بأن تلك الكتب السماوية يصدق بعضها بعضاً كما قال تعالى في شأن الإنجيل: ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ٢ كما يجب على الإنسان أن يؤمن بأن من الشرائع اللاحقة ما هو ناسخ للشرائع السابقة إما جزئياً أو كلياً.
قال تعالى حكاية عن عيسى ﵇ بأنه كان من المؤمنين بالتوراة وناسخاً لبعضها: ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ٣.
قال ابن كثير حول هذه الآية: "فيه دلالة على أن عيسى ﵇ نسخ بعض شريعة التوراة وهو الصحيح من القولين"٤.
وقد بين تعالى أن القرآن نسخ ما في التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ٥.
стр. 433
المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالقرآن
تقد معنا فيما سبق أنه يجب على المرء أن يؤمن بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ كلامه تعالى حقيقة لا كلام غيره.
إلا أنه يجب مع هذا الإيمان الإيمان بأنه آخر الكتب السماوية، وأنه مهيمن عليها وقد خصه الله بمزية الحفظ من التغيير والتبديل والتحريف، ويجب على كل شخص أن يقر بما فيه، ويتبعه ويتمسك به ظاهراً وباطناً، وأن يقوم بحقه.
قال شارح الطحاوية: "وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب"١ وقد تميز القرآن الكريم عما سبقه من الكتب المنزلة بمزايا من أهمها:
١ـ "أنه جمع التعاليم الربانية، وجاء مؤيداً لما جاء في تلك الكتب السابقة من توحيد الله وعبادته، ووجوب طاعته وجمع كل ما كان مفرقاً في تلك الكتب من المحاسن والفضائل وجاء مهيمناً عليها ورقيباً يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل فيها من التحريف والتغيير. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ٢ فقد جاء بشريعة عامة لبني الإنسان فيها كل ما يحتاجون إليه، وما يلزمهم لسعادتهم في الدنيا والآخرة، ونسخ الله به جميع الشرائع العملية الخاصة بالأمم السابقة، وأثبت الأحكام النهائية الخالدة التي تصلح لكل زمان ومكان.
стр. 434
فمعنى قوله تعالى في الآية السابقة ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ أي: مؤتمناً وشاهداً على ما قبله من الكتب، ومصدقاً لها يعني: يصدق ما فيها من الصحيح وينفي ما فيها من التحريف، والتبديل والتغيير ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير"١.
٢ـ أن القرآن الكريم هو الكتاب الإلهي الوحيد الذي ضمن الله حفظه وصانه من عبث البشر. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٣ قال ابن كثير عند قوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ "ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل"اهـ٤.
"فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن، أو نقصانه منه، أو تحريفه، أو تبديله، فقد كذب على الله تعالى في خبره، وأجاز وقوع الخلف فيه وذلك كفر ... فصح أن من تمام الإيمان الإعتراف بأن جميعه هذا، المتوارث خلفاً عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان"٥. ومزية الحفظ هذه للقرآن الكريم متفرعة عن مزية أخرى وهي أن هذا الكتاب العظيم أنزله الله للبشرية جمعاء وليس خاصاً بأمة معينة، أو قوم معينين كما كان الحال في الكتب السابقة وكان حفظه من التحريف والتغيير والتبديل الذي يحصل من البشر العابثين لكي يبقى ما تضمنه حجة قائمة على الناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أما الكتب السماوية الأخرى، فكانت تنزل ويوجه الكلام الذي تتضمنه إلى أمم مخصوصة دون سائر الأمم وإن اتفقت في أصل الدين إلا أن أحكامها وشرائعها خصت بأزمنة معينة، وأقوام معينين قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ ٦.
قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ يقول: سبيلاً وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان
стр. 435
شريعة يحل الله فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام١.
وتلك الشرائع التي سبقت القرآن لم يضمن الله حفظها على مدى الأزمان كما هو الشأن في القرآن، بل أخبرنا ـ سبحانه ـ بما طرأ على تلك الكتب من التحريف.
فعن تحريف اليهود وتغييرهم الذي أدخلوه في التوراة. قال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٣.
وأما عن تحريف النصارى الذي أدخلوه على الإنجيل فقد قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ٤.
ومن التحريفات الباطلة التي أحدثها اليهود والنصارى في دينهم ما زعمه اليهود في العزير من أنه ابن الله وما زعمه النصارى في المسيح أنه ابن الله تعالى الله عن قولهم جميعاً علواً كبيراً.
ولقد ذكر الله في القرآن هذا الانحراف وأكذبهم فيه ولعنهم عليه. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٥.
وقد بين الله تعالى فساد هذا المعتقد ونزه نفسه عنه فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٦.
стр. 436
وأخبر ـ سبحانه ـ بأن الرسل جميعهم بشر اختصهم الله بالوحي ومنحهم من الكمال ما يجعلهم أهلاً لتلقي الوحي وتبليغه لغيرهم من الخلق قال تعالى مخاطباً رسوله الأمين ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ١.
ومن تحريف النصارى الذين جنوه على دينهم زعم بعضهم بأن عيسى إله قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٢ وقول بعضهم بالتثليث. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٣.
فقد بين القرآن الكريم أن هذا تحريف منهم للعقيدة الصحيحة كما بين الاعتقاد الصحيح في عيسى ﵇ وأمه. قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ. انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٤.
والحق الذي لا يقبل الجدال ولا النزاع أنه لا يوجد على وجه الدنيا بأسرها كتاب تصح نسبته إلى الخالق ـ جل وعلا ـ سوى القرآن الكريم وهذه حقيقة لا يماري فيها عاقل يدل على صحة هذه الحقيقة أدلة حسية إضافة إلى ما أخبر به القرآن الكريم من التحريف والواقع في الكتب التي يدعي اليهود والنصارى نسبتها إلى موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ومن هذه الأدلة:
١ـ أن الكتب التي أنزلها الله قبل القرآن قد فقدت نسخها الأصلية، ولم يبق في أيدي الناس إلا تراجمها. أما القرآن فإنه ما زال محفوظاً، سوره وآياته وكلماته وحركاته كما ألقاه جبريل على النبي ﷺ ، وكما بلغه المصطفى ﷺ لصحابته الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.
٢ـ أن تلك الكتب قد اختلط فيها كلام الله تعالى بكلام البشر من سير الأنبياء
стр. 437
وتاريخهم وذكر تلاميذهم، واستنباطات علمائهم حتى أصبح كلام الله فيها لا يميز من كلام الأحبار والرهبان أما القرآن الكريم فإنه جميعه كلام الباري ـ سبحانه ـ ولم يختلط غيره من حديث رسول الله ﷺ أو أقوال الصحابة أو غيرهم١. جاء في كتاب "الوفاء بأحوال المصطفى" قال أبو الوفاء علي بن عقيل: "إذا أردت أن تعلم أن القرآن ليس من قول رسول ﷺ وإنما هو ملقى عليه، فانظر إلى كلامه كيف يمتاز عن القرآن، وتلمح ما بين الكلامين والأسلوبين ومعلوم أن كلام الإنسان يتشابه، وما للنبي ﷺ كلمة تشاكل القرآن" وقال أيضاً: "ومن إعجاز القرآن أنه لا يمكن أحد أن يستخرج منه آية قد أخذ معناها من كلام قد سبق فإنه ما زال الناس يكشف بعضهم عن بعض، فيقال مثلاً: المتنبي أخذ من البحتري"٢.
٣ ـ "إن تلك الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين ليس فيها كتاب تصح نسبته إلى الرسول الذي ينسب إليه فليس لأي كتاب منها سند صحيح متصل إلى ذلك النبي حتى يوثق بنسبته إليه فالأسفار الموجودة التي تسمى بالعهد القديم، ويطلقون عليها اسم "التوراة" إنما كان تدوينها بعد موسى ﵊ وأما القرآن الكريم فهو الكتاب الوحيد الذي ثبتت نسبته بصورة قطعية إلى النبي ﷺ فقد نقل إلينا هذا القرآن بسوره وآياته وطريقة ترتيبها، وكيفية تلاوته، إلى كل عصر جاء بعد عصر نزوله بالتواتر بحيث لا يشك في أن القرآن الذي نتلوه هو الذي نزله الله على نبيه محمد ﷺ "٣.
٤ ـ "من الأدلة على وقوع التحريف في تلك الكتب كثرة نسخها وتعددها واختلافها فيما اشتملت عليه من أقوال وآراء"٤.
стр. 438
٥ ـ ومن القرائن القوية القاطعة على وقوع التحريف في هذه الكتب ما تضمنته من العقائد الباطلة، والتصورات الفاسدة عن ـ الباري جل وعلا ـ وعن رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام فإنه يوجد فيها تشبيه الخالق بالمخلوق، والطعن في الأنبياء بما يمس كرامتهم ويتنافى مع عصمتهم١ وذلك من أعظم الأدلة وأقواها على أن ذلك من وضع البشر الذين اتبعوا أهواءهم وعبدوا شياطينهم.
والذي نخلص إليه مما تقدم أن الإيمان بالكتب السماوية الإلهية أحد أركان الإيمان التي بنيت عليها العقيدة الإسلامية، فلا إسلام صحيح ولا إيمان ثابت لأحد حتى يؤمن الإيمان الجازم بأنها نزلت من عند الله، وأنها كلامه تكلم بها حقيقة على ما يليق بجلاله، ويزاد في القرآن الكريم على ذلك أنه خاتمة الكتب والمهيمن عليها، والمعجزة الخالدة، وأن كل لفظ فيه محفوظ، ويجب الإقرار بما فيه، وإتباع أمره، واجتناب نهيه، وتصديق خبره، ورفض كل ما يخالفه، ويخالف سنة النبي ﷺ كما قال ﵊: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" ٢.
стр. 439
الفصل الثالث: دلالة السورة على وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل
المبحث الأول: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما
...
المبحث الأول: تعريف النبي والرسول والفرق بينهما
أولاً ـ تعريف النبي والرسول:
النبي في اللغة: مشتق النبأ وهو الخبر قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ ١ وإنما سمي النبي نبياً لأنه مخبر، فهو مخبر بمعنى أن الله أخبره وأوحى إليه قال تعالى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ٢ وبمعنى كونه مخبراً فهو يخبر عن الله تعالى بأمره ووحيه قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
وقيل: "إن النبوة مشتقة من "النبوة" وهي المكان المرتفع من الأرض، وتطلق العرب لفظ النبي على علم من أعلام الأرض التي يهتدي بها، والرابط بين لفظ النبي والمعنى اللغوي واضح ذلك أن النبي ذو رفعة وقدر عظيم في الدنيا والآخرة، فالأنبياء كما هو معلوم أشرف خلق الله وهم الأعلام التي يهتدي بها العباد فيما يكون فيه صلاح دينهم ودنياهم"٤.
تعريف النبي في الإصطلاح
النبي في الإصطلاح: هو الذي ينبئه الله بأن يعمل بشريعة من قبله ولم يرسل إلى كفار خالفوا أمر الله ليبلغهم رسالة من الله إليهم وقد يوحى إليه وحي خاص في قصة معينة فالأنبياء يأتيهم وحي من الله بما يفعلونه ويأمرون به المؤمنين بهم"٥.
стр. 440
وأما تعريف الرسول في اللغة:
فالإرسال في اللغة: هو التوجيه١ فإذا بعثت شخصاً في القيام بمهمة ما فهو رسولك قال تعالى حكاية عن ملكة سبأ ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٢.
فالرسل: إنما سموا بذلك لأنهم وجهوا من قبل ـ الباري جل وعلا ـ قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَاً﴾ ٣ قال ابن عباس: "يتبع بعضهم بعضاً" اهـ٤. فالله تعالى بعث رسله برسالة معينة وكلفهم بحملها وأمرهم بتبليغها إلى الناس. تعريف الرسول في الإصطلاح:
الرسول في الإصطلاح: "هو الذي ينبئه الله، ثم يأمره بأن يبلغ رسالته من خالف أمره كنوح فقد ثبت في الصحيح أنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس وقبلهما آدم كان نبياً مكلماً"٥.
ثانياً ـ الفرق بين النبي والرسول:
لا يصحُ قول من يقول أنه لا فرق بين النبي والرسول، إذ القرآن شاهد بعدم صحة هذا القول حيث ورد في كتاب الله العزيز عطف النبي على الرسول قال ـ تعالى ـ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ٦. وأيضاً وصف الله ـ تعالى ـ بعض الرسل بالنبوة والرسالة وهذا يدل على أن الرسالة أمر زائد على النبوة كقوله ـ تعالى ـ في شأن موسى ﵊: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ ٧.
والذي شاع عند أهل العلم أن الرسول أعم من النبي: قال شارح الطحاوية بعد أن
стр. 441
ذكر الفرق بين النبي والرسول: "ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها فالنبوة جزء من الرسالة إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها" أ. هـ١.
وجاء في لوامع الأنوار البهية في تعريفه للنبي قال: "وهو إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر بتبليغه فهو رسول أيضاً على المشهور فبين النبي والرسول عموم وخصوص مطلق، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، والرسول أفضل من النبي إجماعاً لتميزه بالرسالة التي هي أفضل من النبوة على الأصح" أ. هـ٢.
وما ذكره شارح الطحاوية وصاحب لوامع الأنوار فيه بعد لأمرين:
الأمر الأول: أن الله ـ تعالى ـ أخبر بأنه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٣. ولو كان الفرق بينهما إنما هو الأمر بالبلاغ فالإرسال يقتضي من النبي أن يبلغ ما أنزل الله إليه من الوحي.
الأمر الثاني: روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد ... " الحديث٤ فهذا الحديث دل على أن الأنبياء أمرهم الله بتبليغ ما أوحاه إليهم وأنه حصل بينهم تفاوت في الإستجابة لهم من قبل أممهم.
والتعريف الراجح هو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال: "فالنبي هو الذي ينبئه الله وهو ينبئ بما أنبأ الله به فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول.
"وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول" أ. هـ٥.
стр. 442
ومما يؤكد هذا أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما توفي نبي بعث الله بعده نبياً آخر بذلك كما أخبر بذلك الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام١. وأنبياء بني إسرائيل من بعد موسى كانوا يحكمون بالتوراة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا ... ﴾ الآية٣.
فالآيتان دلتا على أن النبي يوحى إليه شيء من السماء ويوجب على قومه أمراً، وهذا لا يحصل إلا بعد أن يجب عليه التبليغ.
стр. 443
المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالأنبياء السابقين
قبل أن نبين كيفية الإيمان بالأنبياء والمرسلين السابقين الذين بعثهم الله إلى أممهم قبل نبينا محمد ﷺ نذكر الآيات التي جاءت في سورة "الزمر" التي دلت على وجوب الإيمان بالأنبياء والمرسلين مع بيان وجه دلالتها على ذلك.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
فهذه الآيات الثلاث من السورة دلت على أن الله تعالى أرسل رسلاً وأنبياء إلى جميع خلقه ليبلغوهم عن ربهم ما أوحاه إليهم من النور والهدى الذي يسعدهم في دنياهم وأخراهم فيجب الإيمان بهم ووجه دلالة الآيات الثلاث على وجوب الإيمان بهم تتضح بما يلي:
فالآية الأولى: هي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فيها الإخبار المؤكد من الله ـ تعالى ـ بأنه أوحى إلى نبينا محمد ﷺ وإلى من سبقه من إخوانه الأنبياء والمرسلين بخطورة الشرك وأنه محبط، ومبطل لكل أعمال العبد متى تلبس به.
стр. 444
وأما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ... ﴾ الآية. ففيها الإخبار من الله ـ تعالى ـ بأن أرض المحشر ستضيء بنوره إذا تجلى لفصل القضاء بين الخلائق ويوضع كتاب الأعمال ويؤتى بالنبيين ليشهدوا على أممهم بأنهم بلغوهم رسالات الله ـ تعالى ـ لإقامة الحجة على المنكرين والمكذبين من الأمم.
قال عبد الله بن عباس ﵄ ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ قال: "يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله"١.
وأما الآية الثالثة: وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ الآية ففيها إخبار من المولى ـ جل وعلا ـ بأن خزنة جهنم من ضمن توبيخهم لأصناف الكفار الداخلين جهنم توبيخهم لهم بقولهم: ألم تجئكم رسل من جنسكم يمكنكم مخاطبتهم والأخذ عنهم وأقاموا عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه وحذروكم شر هذا اليوم؟ فيكون الجواب منهم بأن الرسل جاؤوهم وأنذروهم وأقاموا عليهم الحجج والبراهين ولكنهم كذبوهم كما قال تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ٢ فهذه الآيات الثلاث المتقدمة من السورة دلت على وجوب الإيمان بالأنبياء والرسل ومعنى الإيمان بالأنبياء والرسل الإعتقاد الجازم بأن الله ـ جل وعلا ـ أرسل رسلاً من البشر ليرشدوا الخلق إلى ما يهمهم في معاشهم ومعادهم فقد اقتضت حكمة الحكيم العليم أن لا يترك خلقه سدى، بل أرسل إليهم رسلاً مبشرين بثوابه ومنذرين عقابه، وقد قاموا بتبليغ ما أمرهم الله بتبليغه من تنزيه لذاته وتبيين لأحكامه من أوامر ونواهي فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يعتقد وجوب تصديقهم في أنهم يبلغون ذلك عن الله ـ تعالى ـ.
ويعتقد وجوب اقتداء أممهم بهم في سيرهم، وأن يأتمروا بما أمروا به ويكفوا عما نهوا عنه.
وأن يعتقد بأنهم مؤيدون بالمعجزات الإلهية الدالة على صدق دعواهم أنهم أنبياء الله ورسله.
стр. 445
أما كيفية الإيمان بالأنبياء والمرسلين:
فيجب الإيمان على التفصيل بمن سمى الله ـ تعالى ـ في كتابه من رسله وأنبيائه ويجب الإيمان إجمالاً بمن لم يسم الله ـ تعالى ـ منهم فإن لله رسلاً وأنبياء لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا هو ـ تعالى ـ.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢ وقال ـ عز شأنه ـ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ ٣ والذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم من الأنبياء والمرسلين خمسة وعشرون هم: آدم، ونوح، وإدريس، وصالح، وإبراهيم، وهود، ولوط، ويونس، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، واليسع، وذو الكفل، وداود، وزكريا، وسليمان، وإلياس، ويحيى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد ورد ثمانية عشر منهم في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
وورد ذكر الباقين في مواضع متفرقة من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً﴾ ٨ وقال تعالى:
стр. 446
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ١ وقال ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ فهؤلاء الأنبياء والرسل يجب الإيمان بهم إيماناً تفصيلياً بحيث لو عرض على إنسان واحد منهم لم ينكر نبوته ولا رسالته إذ من أنكر نبوة واحد منهم أو رسالته فهو كافر بالله العظيم، أما الأنبياء الذين لم يقصصهم الله علينا فالواجب علينا الإيمان بهم إجمالاً. وليس لأحد أن يقول بنبوة أحد أو رسالته طالما أن القرآن لم يذكره في عداد من ورد ذكرهم من الأنبياء والمرسلين ولم يأتنا الإخبار بنبوته عن طريق الرسول ﷺ .
أولو العزم من الرسل:
ذكر كثير من العلماء أن أولي العزم من الرسل عددهم خمسة ٣ وهم: محمد ﷺ وإبراهيم، وموسى، ونوح وعيسى عليهم أفضل الصلاة والسلام وهؤلاء الرسل جمعهم الله في آيتين من كتابه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٥.
стр. 447
المبحث الثالث: كيفية الإيمان بمحمد ﷺ
قال شارح الطحاوية رحمه الله تعالى: "وأما الإيمان بمحمد ﷺ فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالاً وتفصيلاً" أ. هـ١.
فيجب علينا أن نؤمن بأن محمد بن عبد الله ﷺ نبي الله ورسوله وعبده وصفيه فلم يعبد صنماً ولم يشرك بالله طرفة عين٢.
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "ومحمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته ولا يقضي بين الناس في يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا تدخل الجنة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد والمقام المحمود والحوض المورود وهو إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم، أمته خير الأمم"٣.
فيجب على الإنسان أن يؤمن بأنه خاتم الأنبياء لقوله ـ تعالى ـ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٤ فالآية نصت على أنه لا نبوة بعده ﷺ وكل من ادعاها بعده فهو كذاب لقوله ﷺ : "وأنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي" ٥.
стр. 448
كذلك يجب الإعتقاد الجازم بأنه ﵊ إمام المتقين الذي يقتدى به في الخير كله وأنه وحده الجدير بأن يقتدى ويتأسى به دون سواه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ ١.
ويجب الإيمان بأنه خليل الرحمن، وأن له أعلى مراتب محبة الله فقد قال ﵊ "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً"٢. ويجب الاعتقاد الجازم بأنه عليه الصلاة السلام مبعوث إلى عامة الورى بالحق والهدى قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ ٣ وقد حكى الله عن الجن أنهم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ٤ قال شارح الطحاوية: "وكونه ﷺ مبعوثاً إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة"أ. هـ٥.
ويجب على كل مسلم أن يقدم محبته ﵊ على الوالد والولد والنفس لقوله ﷺ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" ٦.
ويجب الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ أجرى على يديه ﷺ معجزات باهرات، وآيات بينات إذا تأملها من يريد الحق دلته على أنها شهادة صادقة من قبل الله لرسوله ﷺ بأنه رسول الله حقاً. ومعجزاته ﷺ كثيرة جداً ألفت فيها مؤلفات مستقلة، وتناولها علماء التوحيد والتفسير، والحديث والتاريخ، بالشرح والبيان، ومن تلك المعجزات التي دلت على صدقه ﷺ ما يأتي:
١ـ المعجزة العظمى:
من أعظم المعجزات التي أعطيها رسولنا ﷺ القرآن الكريم ـ الذي يخاطب النفوس والعقول، وهو الآية الباقية الدائمة إلى يوم الدين لا يعتريه التغيير والتبديل ﴿وَإِنَّهُ
стр. 449
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١. وقد تحدى الله بهذا الكتاب أرباب الفصاحة، وقادة البلاغة من العرب، فقد كانت البلاغة والفصاحة وجودة القول هي بضاعتهم وقد تصدوا لمعاداة دعوة الإسلام ورسول الإسلام ﷺ ولكن رغم فصاحتهم وبلاغتهم تحداهم الله عن أن يأتوا بشيء من مثله، ولكنهم عجزوا عن ذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٢.
٢ـ انشقاق القمر:
ومن المعجزات التي أيد الله بها نبيه ﷺ انشقاق القمر فقد سأل أهل مكة الرسول ﵊ آية فانشق القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما، وقد كان القمر حين انشقاقه بدراً، وقد ذكر الله هذه الآية العظيمة في كتابه فقال : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ ٣.
وقد نقل العلامة ابن كثير: "إجماع المسلمين على وقوع هذه الآية، كما ذكر أنه قد وردت أحاديث متواترة من طرق متعددة في انشقاق القمر"٤.
وقد شاهد هذه المعجزة الناس في أرجاء الجزيرة العربية، فإن أهل مكة لم يصدقوا وقالوا: سحرنا محمد، ولكنهم استدركوا قائلين: انظروا ما يأتيكم به المسافرون فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس جميعهم وفي اليوم الثاني سألوا من وفد إليهم، من خارج مكة، فأخبروهم أنهم قد رأوه.
وقد شاهد الناس انشقاق القمر في خارج جزيرة العرب. قال ابن كثير: "وشوهد انشقاقه في كثير من بقاع الأرض، ويقال إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند، وبني بناء في تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر"٥.
стр. 450
٣ـ تسليم الحجر:
ومن المعجزات التي أيد الله بها نبيه ﷺ أنه كان حجر بمكة يسلم على النبي ﷺ قبل بعثته.
فقد روى مسلم بإسناده إلى جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" ١.
٤ـ حنين الجذع:
جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه. وفي رواية أخرى عنه: فلما صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار٢.
٥ـ نبع الماء من بين أصابعه:
وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة ـ ظرف للماء ـ فتوضأ فجهش الناس٣ نحوه فقال: "مالكم؟ " قالوا: ليس عندنا ما نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة" ٤.
٦ـ تكثير القليل من الطعام:
من ذلك ما رواه أنس بن مال قال: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخرجت خماراً لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني٥
стр. 451
ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ قال فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال لي رسول الله ﷺ : "آرسلك أبو طلحة؟ " فقلت: نعم. قال: "بطعام؟ " قلت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا" فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه فقال رسول الله ﷺ : "هلمي يا أم سليم ما عندك؟ فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله ﷺ ففت وعصرت أم سليم عكة١ فأدمته ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء أن يقول: ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: "إئذن لعشرة" فأكل القوم كلهم حتى شبعوا والقوم سبعون رجلاً، أو ثمانون رجلاً٢.
٧ـ نطق ذراع الشاة الذي قدم له ليأكله بأنه مسموم:
روى أبو داود بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ أنه كان يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية٣ ثم أهدتها لرسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : "ارفعوا أيديكم" وأرسل رسول الله ﷺ إلى المرأة فدعاها فقال لها: "أسممت هذه الشاة؟ " قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال: "أخبرتني هذه التي في يدي" وهي الذراع قالت نعم قال: "فما أردت بذلك؟ " قالت: إن كنت نبياً فلن تضرك، وإن لم تكن نبياً استرحنا منك فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها ... الحديث. وفي رواية أخرى: عن أبي سلمة: "فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت" ٤.
٨ـ كف الأعداء عنه:
من ذلك أن أبا جهل حلف باللات والعزى أنه لو رأى الرسول ﷺ يصلي في
стр. 452
المسجد حيث مجامع قريش أن يطأ على رقبته، أو ليعفرن وجهه في التراب فلما رأى الرسول ﷺ ساجداً أراد أن يفعل ما أقسم عليه، فلما اقترب منه ما فاجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة فقال رسول الله ﷺ : "لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً" ١.
وفي معركة حنين انهزم المسلمون وثبت الرسول ﷺ في هذه الغزوة وأحاط الأعداء وأتوه من كل جانب فلما رأى ذلك ﵊ نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال "شاهت الوجوه" قال سلمة بن الأكوع: فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ الله عينيه تراباً بتلك القبضة فولوا مدبرين،. فهزمهم الله وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين٢.
٩ـ ما كان من شأن شاة أم معبد حين مسح بيده المباركة على ضرعها:
ومضمون هذه القصة أنه ﵊ عندما خرج مهاجراً إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد٣ الخزاعية، وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقي فسألوها هل عندها لحم، أو لبن يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئاً من ذلك، وقالت: لو كان عندي شيء ما أعوزكم القرى، وإذا القوم مرملون مسنتون، فنظر رسول الله ﷺ فإذا شاة في كسر خيمتها فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد؟ " فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم قال: "فهل بها من لبن؟ " قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "تأذنين لي أن أحلبها؟ " قالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها، وذكر اسم الله، ودعا بإناء لها يربض الرهط٤ فتفاجت٥ واجترت، فحلب فيه ثجاً حتى ملأه وأرسله إليها فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللاً بعد نهل حتى إذا رووا شرب
стр. 453
آخرهم وقال: "ساقي القوم آخرهم" ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدء فغادره عندهم ثم ارتحلوا١.
١٠ـ استجابة الله ـ سبحانه ـ لدعائه ﵊:
من ذلك ما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي قلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله ﷺ "اللهم أهد أم أبي هريرة" فخرجت مستبشراً بدعوة نبي الله ﷺ ، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف٢ فسمعت أمي خشف٣ قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة٤ الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيراً ... الحديث٥.
ومن معجزاته ﵊ إخباره بالمغيبات التي وقعت كما أخبر بها ﷺ ، وكذلك عصمته من القتل فقد عصمه الله من أعدائه وهم الجمع الغفير، والعدد الكثير وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه، وهو بينهم مسترسل ولهم مخالط ومكاثر، ترمقه أبصارهم شذراً وترتعد عنه أيديهم ذعراً، وقد هاجر عنه أصحابه حذراً حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليماً لم يكلم في نفس ولا جسد، وما كان ذاك بعصمة إلهية وعده الله تعالى بها فحققها حيث يقول: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٦ فعصمه منهم٧ "ومعجزاته ﵊ كثيرة
стр. 454
جداً لا نستطيع إحصاءها هاهنا وإنما ذكرنا ما تقدم منها كنماذج فقط، وإلا فمعجزاته ﷺ الحسية جاءت بها أخبار كثيرة بعضها متواتر، وكثير منها مشهور وهي في جملتها تفيد العلم اليقيني بوقوع تلك المعجزات أولاً: وبصدقه ﷺ ثانياً"١.
وللعلماء في معجزاته ﷺ تصانيف مستقلات٢.
стр. 455
المبحث الرابع: ما يجب للرسل، وما يجوز عليهم
أولاً ـ ما يجب للرسل:
لقد دلت السورة على وجوب تصديق الأنبياء والرسل وحذرت أشد تحذير من تكذيبهم فيما جاؤوا به عن الله ـ تعالى ـ وجعلت تكذيبهم أبلغ النهاية في الظلم وبينت أن جزاء من يفعل ذلك أن النار مسكنه ومأواه إذ هو من عداد الكافرين.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .
هاتان الآيتان من السورة دلتا على واجب واحد من الواجبات التي تجب للرسل على المبعوثين إليهم وهو وجوب تصديقهم فيما أخبروا به.
فالآية الأولى دلت على أنه لا أحد أظلم ولا أعظم فرية ممن كذب على الله بادعاء أن له ولداً وصاحبة أو أنه حرم ما لم يحرمه من المطاعم، ولا أحد أظلم ممن كذب بالقرآن الذي نزل على الرسول ﷺ وابتعثه الله به رسولاً فعارض ما جاء به منكراً قول "لا إله إلا الله"، ومن كذب بالقرآن وأنكر "لا إله إلا الله" فقد كذب الرسول ﷺ ومن كذب الرسول ﷺ فقد كذب سائر الأنبياء والمرسلين إذ المرسِل لهم واحد وهو الله ـ تعالى ـ لغاية واحدة وهي عبادة الله وحده لا شريك له.
ومن اعتقد تكذيب الرسول ﷺ وامتنع عن متابعته فيما يدعو إليه مما أتى به من عند الله من التوحيد وحكم القرآن فالنار مقامه ومستقره لأنه آثر الكفر على الإيمان بتكذيبه رسول ربه ـ جل وعلا ـ وعلى هذا دلت الآية على أن من حق المرسلين على من سواهم ممن بعثوا إليهم اعتقاد صدقهم فيما جاؤوا به من الوحي الإلهي الرباني.
стр. 456
وأما الآية الثانية: وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فهي شهادة قاطعة من الله ـ تعالى ـ لرسله بأنهم صادقون فيما قالوه عن الله ـ تعالى ـ كما اشتملت على الثناء والمدح للذين صدقوهم وآمنوا بهم ـ بأنهم متقون ـ بقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الذين اتقوا الله بتوحيده، والبراءة من الأوثان والأنداد فأدوا الفرائض واجتنبوا المعاصي فخافوا عقابه.
وقد وردت آيات كثيرة على غرار قوله ـ تعالى ـ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ وكلها تدل على صدق رسل الله وأنبيائه ووجوب تصديقهم قال تعالى: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى في شأن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾ ٢ وقال تعالى في شأن إسماعيل ﵇ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن رسل الله وأنبياءه هم أكمل البشرية صدقاً على الإطلاق، فيجب على كل مؤمن ومؤمنة اعتقاد صدق جميع أنبياء الله ورسله، ويجب الإعتقاد الجازم أنهم أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة على الوجه الأكمل وبينوا بياناً واضحاً شافياً كافياً. لا حاجة إلى بيان سواه، ويجب على العباد طاعتهم وعدم مخالفتهم لأن ذلك من طاعة الله، وأنهم أكمل البرية خلقاً وعملاً وأنهم مختصون بفضائل لا يصل إليها أحد سواهم، وأنهم معصومون من الكذب والخيانة والكتمان والتقصير في التبليغ وعن الكبائر كلها دون الصغائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تعالى ـ "القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا القول قول أكثر الأشعرية وهو أيضاً قول أهل التفسير والحديث والفقهاء بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ... " أ. هـ٤.
ويجب الإيمان بأن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا رجالاً من بني آدم وليسوا من
стр. 457
الملائكة ولم يبعث الله أنثى قط. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ١ وقد دعا القرآن الكريم إلى الإيمان بالرسل وحذر من الكفر بهم، أو التفريق بينهم.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ ٤. فهذه الآية فيها الوعيد الشديد للكافرين بالله ورسله من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك بل بمجرد الهوى والعصبية فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ .... والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيماناً شرعياً، وإنما هو عن غرض وهوى وعصبية"٥ فمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم أو كلهم لا غبار على وضوح كفره لأن كفره بالرسل كفر بالله تعالى.
ثانياً ـ ما يجوز عليهم:
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ .
هذه الآية إخبار مؤكد من الله ـ تعالى ـ لنبيه ﷺ بأنه سيموت عن قريب وأن
стр. 458
المكذبين به من قومه المؤمنين منهم ميتون كذلك، وإذا كان أشرف الخلق وأحبهم إلى الله ـ تعالى ـ قد ذاق الموت فكذلك غيره من إخوانه الأنبياء والرسل قد ذاقوه من قبله.
قال عماد الدين ابن كثير ﵀ تعالى ـ"هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق ﵁ عند موت الرسول ﷺ حتى تحقق الناس موته مع قوله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ومعنى هذه الآية أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله ـ تعالى ـ في الدار الآخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله فيفصل بينكم"١.
وهذه الآية دلت على أن الرسل يموتون ويقتلون كما يموت غيرهم من الخلق ويقتلون.
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٢ قال ابن جرير ﵀ تعالى ـ "يقول تعالى ذكره: لنبيه محمد ﷺ : وما خلدنا أحداً من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك من رسلنا" أ. هـ٣.
"وكونه ﷺ قد ذاق الموتة الأولى التي هي موتة الدنيا لا ينافي حياته البرزخية حيث أخبرنا الله ـ تعالى ـ في كتابه بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ولم ينالوا ذلك إلا بمتابعتهم وإيمانهم بهم الإيمان الصادق، وحياة الأنبياء البرزخية تفوق حياة الشهداء إذ هم أفضل الخلق على الإطلاق"٤.
وروى أبو داود في سننه بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم "٥.
стр. 459
فالسورة ذكرت أمراً واحداً مما يجوز على الرسل وهو أنهم يموتون كما يموت غيرهم من المخلوقات وهناك أمور أخرى تجوز على الرسل ذكرت في غير هذه السورة وبعضها دلت عليها السنة المطهرة فيجب على الإنسان أن يؤمن الإيمان الجازم بأن الله ـ تعالى ـ لم يخص أنبياءه ورسله بطبائع غير طبائع البشر، وإنما كان اختيارهم من الرجال الذين يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق وينامون ويجلسون ويضحكون ولهم أزواج وذرية وتمتد إليهم أيدي الظلمة، وينالهم الاضطهاد ويقتلون بغير حق ويتألمون ويصيبهم المرض وسائر الأعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص في مراتبهم العلية بين الخلق وكل هذه الأمور منصوص عليها في القرآن الكريم وبعضها نصت عليه السنة المطهرة.
ومن هنا يجب على المرء أن يعتقد بأن الرسل لا يملكون شيئاً من خصائص الألوهية فليس لهم التصرف في الكون ولا يملكون لأحد نفعاً ولا ضراً وليس لهم تأثير على إرادة الباري ولا يعلمون الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه، وقد خصهم ـ الباري سبحانه ـ بمؤهلات من المزايا والفضائل والأخلاق التي أهلتهم لأن يتلقوا الوحي عن الله ـ تعالى ـ وليقوموا بأعباء الرسالة ليكونوا الأسوة المثلى والقدوة الحسنة للناس يقتدون بهم في أمور الدنيا والدين.
стр. 460
المبحث الخامس: موضوع الرسالات السماوية
لقد دلت السورة على أن موضوع رسالة الأنبياء والمرسلين هو التبشير والإنذار وتبليغ أممهم ما أمرهم الله بتبليغه من الأوامر والنواهي التي فيها سعادة الأمم إن هم صدقوا المرسلين وآمنوا بهم، ولهم الشقاء المستمر إن هم كذبوهم وخالفوهم فيما يدعونهم إليه من توحيد العبادة وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
فهاتان الآيتان من السورة دلتا على أن الله تعالى بعث أنبياءه ورسله مبشرين ومنذرين ومبلغين وحي الله إلى العباد وهم الواسطة بين الله وعباده وهي الواسطة الشرعية الحقة التي العباد بأمس الحاجة إليها وهي واسطة تبليغ الوحي إلى العباد، وما سواها من الوسائط باطلة.
قال البيضاوي: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ بالثواب على ألسنة الرسل أو الملائكة عند حضور الموت" أ. هـ١.
وقال ابن جرير ﵀ تعالى ـ: " ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ يقول: جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ فبشر يا محمد عبادي الذين يستمعون القول من