← Фатава

Фатава · id 12064

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الأول)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (780 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

إذا ضحى اثنان أو ثلاثة أو أكثر ببدنة أو ببقرة هل يركبونها جميعا، أم كيف يكون الحكم في ذلك؟ (فالجواب) : أن هذا الحديث ليس من الأحاديث المعروفة، ولا هو مخرج في الكتب المعتمدة، وإنما أسنده الديلمي من طريق ابن المبارك عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة رفعه. هذا، ويحيى ضعيف جدا عند أهل الحديث، قال بعضهم: هذا الحديث ليس معروفا ولا ثابتا فيما علمنا. قال ابن العربي المالكي في شرح الترمذي: ليس في فضل الأضحية حديث صحيح. (ومنها) : قوله: "إنها مطاياكم إلى الجنة "ذكر ذلك السخاوي في (المقاصد الحسنة في الأحاديث المذكورة المشتهرة على الألسنة) فمثل هذا الحديث لا يحتج به، وإن ذكره بعض أهل العلم، فعادتهم يتساهلون في فضائل الأعمال في ذكر الأحاديث الضعيفة، فلا ينبغي للسائل أن يجزم بأن الرسول ﷺ قاله، بل يذكره بصيغة التمريض. وأما معناه فقيل أنها تسهل الجواز على الصراط والله- أعلم. (فصل) : وأمّا مَن كان يحلف بغير الله جهلاً منه أنّه شرك لا عناداً ولا معتقداً أنّ عظمته تساوي عظمة الله، بل لا يفعل ذلك الحلف تعظيماً لله واتّقاء خشيته، لا تهاوناً بالنَّبِيّ المحلوف به، ثم إنّه لما بلغه أنّ ذلك شرك تاب من ذلك وندم ويسبق لسانه بذلك من غير تعمّدٍ، فهل مَن فعل ذلك قبل بلوغه أنّه شركٌ يكون مشركاً أم يعذر بجهله مساواة عظمة المخلوق عظمة الله تعالى؟ (فالجواب) : أنّ الحلف بغير الله شرك كما في الحديث: أنّ رسول

стр. 212

الله ﷺ قال: " مَن حلف بغير الله فقد أشرك "١.رواه التّرمذي وغيره. وأمّا كونه يعذر بالجهل فالظّاهر أنّ الذي يجهل مثل ذلك يعذر بالجهل؛ لأنّ الشّرائع لا تلزم إلاّ بعد بلوغ الرّسالة، ولا يعذّب الله أحداً إلاّ بعد بلوغ الرّسالة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ، [الإسراء، من الآية: ١٥] . وأمّا سبق لسانه بذلك بعد بلوغه أنّه شرك فهذا لا يضرّه ـ إن شاء الله تعالى ـ إذا تاب واستغفر. وقال: لا إله إلاّ الله، كما ثبت في الصّحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: " ن حلف فقال في حلفه: واللات، والعزّى، فليقل: لا إله إلاّ الله، ومَن قال لصاحبه: تعال ـقامرك، فليتصدّق" فإذا كان يجري على ألسنة الصّحابة فكيف بغيرهم؟! وكذلك إذا فعل شيئاً من الشّرك غير الحلف جهلاً منه، وخطأ، فإذا نبّه على ذلك تنبّه وتاب ونزع كما جرى لقوم موسى ﵇، وكما جرى للصّحابة الذين قالوا لرسول الله ﷺ : اجعل لنا ذات أنواطٍ. وأمّا مَن يفعل ذلك جهلاً لا عناداً، وماتوا عليه قبل أن يبلغهم أنّه شرك، هل يُحكَم بإسلامهم ويُرجَى لهم العفو من الله والمغفرة وينفعهم استغفار الأحياء لهم؟ فهذه المسألة أحسن الأجوبة فيها أن يقال: الله أعلم بهم، كما قال موسى ﵇ لما قيل له: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ، [طه، آيتان: ٥١-٥٢] ؛ وذلك لأنّ مَن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجّة، ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ

стр. 213

وَمَنْ بَلَغَ﴾ ، [الأنعام، من الآية: ١٩] .وقال: ﴿لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ، [النساء، من الآية: ١٦٥] .وأكثر النّاس في هذه الأزمنة وغيرها من أزمنة الفترات والجهل معرضون عن السّؤال عن التّوحيد والشّرك، ودينه ما عليه أهل بلده، ولا يبحث، ولا يسأل عمّا جاء به محمّد ﷺ من عند الله، وما كان عليه السّلف الصّالح والتّابعون لهم بإحسانٍ. ومَن بحث وسأل وفحص عن ذلك وجد من يعلمه بذلك؛ لأنّه لا يزال في هذه الأمّة طائفة على الحقّ منصورون لا يضرّهم مَن خذلهم، ولا مَن خالفهم، حتّى تقوم السّاعة، وهي معصومة من الاجتماع على الضّلالة، والشّرك. والله أعلم. (فصل) : وأمّا المسألة الرّابعة ـ وهي التّنباك الذي يعتاد شربه كثير من النّاس، فاختلف علماء الإسلام في أجوبتهم عنه. فمنهم مَن أجاب بتحريمه مطلقاً. ومنهم مَن أجاب بتحريمه بقيدٍ وتعليقٍ. ومنهم مَن أجاب بإباحته. ومنهم مَن جعل فيه الأحكام الخمسة: الوجوب، والحرام، والنّدب، والكراهة، والإباحة، ولكلّ واحدٍ مِمَّن شربه حكم من الخمسة الأحكام، فهل هو حلال أو حرام؟ (فالجواب) : أن يقال: لا ريب أنّ الله بعث رسول بجوامع الكلم، وهي من خصائصه التي خصّه الله بها من بين الأنبياء، كما ثبت أنّ رسول الله ﷺ قال في ذكر خصائصه التي خصّه الله بها: "وأوتيتُ جوامع الكلم"، وهي: أن يقول الكلمة اليسيرة الجامعة لأحكام كثيرةٍ، لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ومن ذلك قوله ﷺ : "كلّ مسكرٍ حرام"، فدخل في هذه الكلمة جميع المسكرات التي تسكر، وتزيل العقل من الأطعمة والأشربة الموجودة في زمانه ﷺ ، والحادثة بعده إلى يوم القيامة. وقد تواترت الأحاديث عن

стр. 214

النَّبِيّ ﷺ قال: "كلّ مسكرٍ خمرٌ وكلّ خمرٍ حرام".ولفظ مسلم: "وكلّ مسكرٍ حرام". وعن عائشة ﵂ أنّه ﵇ سُئلَ عن البتع، فقال:" كلّ شرابٍ أسكر فهو حرام"، وفي روايةٍ لمسلمٍ:"كلّ شرابٍ مسكرٍ حرام ".متّفق عليه. ونقل ابن عبد البرّ إجماع أهل العلم بالحديث على صحّته، وأنّه ثبت لشيءٍ روي عن النَّبِيّ ﷺ في تحريم المسكر. وجاء التّصريح بالنّهي عن قليل ما أسكر كثيره، كما أرخرجه أبو داود والتّرمذي وحسّنه من حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: " كلّ مسكرٍ حرامٌ وما أسكر الفرق منه فملء الكفّ منه حرامٌ ".وفي روايةٍ: "فالحسو منه حرام". وقد احتجّ به أحمد وذهب إليه. وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك، والشّافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ المسكر الذي يزيل العقل نوعان: أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، قال العلماء وسواء كان المسكر جامداً أو مائعاً وسواء كان مطعوماً أو مشروباً، وسواء كان من حبٍّ، أو تمرٍ، أو لبنٍ، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق القنب وغيرها، مما يؤكل لأجل سكرته ولذّته. والثّاني: ما يزيل العقل ويسكر ولا لذّة فيه ولا طرب؛ كالبنج ونحوه، وأكثر العلماء الذين يرون تحريم قليل ما أسكر كثيره يرون حدّ مَن شرب ما يسكر كثيره، وإن اعتقد حلّه متأوِّلاً وهو قول الشّافعي، وأحمد. قال أحمد في رواية الأثرم: يحدّ مَن شرب النّبيذ متأوِّلاً؛ وذلك لضعف التّأويل عنده في ذلك، وبما ذكرنا من كلام رسول الله ﷺ ، وكلام أهل العلم يتبيّن لك تحريم التّتن الذي كثر في هذا الزّمان استعماله وصحّ بالتّواتر عندنا والمشاهدة إسكاره في بعض الأوقات خصوصاً إذا أكثر منه، أو قام يوماً أو يومين

стр. 215

لا يشربه ثم شربه فإنّه يسكر ويزيل العقل حتّى إنّ صاحبه يحدث عند النّاس ولا يشعر بذلك ـ نعوذ بالله من الخزي وسوء البأس ـ. فلا ينبغي لِمَن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلتفت إلى قول أحدٍ من النّاس إذا تبيّن له كلام الله وكلام رسوله في مسألةٍ من المسائل، وذلك لأنّ الشّهادة بأنّه رسول الله تقتضي طاعته فيما أمر، والانتهاء عمّا عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر. والله أعلم. (فصل) : وقد قال الشّيخ ابن علان الصّديقي الشّافعي ﵀ في (إعلام الأخوان بتحريم تناول الدّخان) : وقد اتّفق العلماء على حفظ العقول وصونها من المغيّرات والمخدّرات، وكلّ مَن امتصّ هذا الدّخان مقرّ بأنّه لا بدّ أن يدوخ أوّل تناوله ويكفي ذلك دليلاً على التّحريم؛ لأنّ كلّ ما غيّر العقل بوجهٍ من الوجوه أو أثّر فيه بطريق تناوله حرام. قال ﷺ :"كلّ مسكرٍ حرام"، والمراد بالإسكار فيه الإسكار القويّ، أي: مطلق التّغطية على العقل، وإن لم يكن مع الشّدّة المطربة، ولا شبهة أنها حاصلة لكلّ متناولٍ أوَّلَ تناوله، وكونه إذا تناوله بعد لا يؤثّر فيه ذلك لا يضرّ في ثبوت سبب التّحريم؛ لأنّ مدمن الخمر إذا اعتادها لا تؤثّر فيه تغيّر أصلاً، ولا يخرجها ذلك عن كونها حراماً اعتباراً بأصل التّغيّر الثّابت فيها للعقول، فكذا فيما نحن فيه. انتهى. (واعلم) ـ رحمك الله ـ أنّ إطلاق الحلّ والحرمة في الشّيء لا يعجز عنه أحدٌ، وإنّما الشّأن في تبيين الحجج الشّرعية ومدارك الأحكام المأخوذة من كلام سيّد الأنام ـ عليه من الله أفضل الصّلاة والسّلام ـ. (فصل) : وأمّا المسألة الخامسة وهي: ما معنى قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم

стр. 216

" ما منا إلاّ من عصى أو همّ بمعصية إلاّ يحيى بن ز كريا"، والإجماع منعقد على أنّ الأنبياء معصومون من الكبائر والصّغائر، وإذا قيل إنّهم معصومون من الكبائر والصّغائر فما بال أولاد يعقوب؟ ومعلوم بالضّرورة أنّهم أنبياء وحال آدم حين قال الله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ، [طه، من الآية: ١٢١] ، وكذلك داود مع قوله ﵇:" كلّنا خطّاؤون ". (فالجواب) : من وجوه: الوجه الأوّل: أنّ لفظ الحديث المروي في ذلك: "ما من أحدٍ يلقى الله يوم القيامة إلاّ ذا ذنبٍ إلاّ يحيى بن زكريا".أخرجه عبد الرّزّاق في مصنّفه: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ ، [مريم، من الآية: ١٤] .قال: كان ابن المسيب يذكر أنّ النَّبِي ﷺ قال: فذكره. وهذا مرسل، لكن أصحّ المراسيل عند أهل الحديث مرسل سعيد بن المسيب، لكن أخرج أحمد في مسنده عن ابن عبّاس ﵄ مرفوعاً إلى النَّبِيّ ﷺ : "ما من أحد من ولد آدم إلاّ قد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحدٍ أن يقول أنا خير من يونس بن متي ". الوجه الثّاني: أنّ الذي عليه المحقّقون من العلماء من الحنابلة والشّافعية والمالكية والحنفية، أنّ الأنبياء معصومون من الكبائر، وأمّا الصّغائر فقد تقع منهم لكنهم لا يقرّون عليها؛ بل يتوبون منها ويحصل لهم بالتّوبة أعظم مما كان قبل ذلك، وجميع أهل السّنة والجماعة متّفقون على أنّهم معصومون في تبليغ الرّسالة، ولا يجوز أن يستقرّ في شيءٍ من الشّريعة خطأ باتّفاق المسلمين. قال شيخ الإسلام تقي الدّين أبو العبّاس ابن تيمية الحنبلي ﵀ في كتاب: (منهاج السّنة النّبويّة في نقض كلام الشّيعة والقدرية) : واتّفق المسلمون على أنّ الأنبياء معصومون في تبليغ الرّسالة، فكلّ ما يبلّغونه عن

стр. 217

الله من الأمر والنّهي، فهم مطاعون فيه باتّفاق المسلمين. وما أمروا به ونهوا عنه فهم مطاعون فيه عند جميع فرق الأمّة إلاّ عند طائفةٍ من الخوارج أنّ النَّبِيّ معصوم فيما يبلغه عن الله لا فيما يأمر به وينهى عنه، وهؤلاء ضلال باتّفاق أهل السّنة والجماعة، وأكثر النّاس أو كثير منهم لا يجوزون عليهم الكبائر، والجمهور يجوزّون الصّغائر ويقولون إنّهم لا يقرّون عليها؛ بل يحصل لهم بالتّوبة منها من المنْزلة أعظم مما كان قبل ذلك. انتهى كلامه. فتبيّن بما ذكرنا وَهْمُ السّائل وخطؤه ﵀ في نقل الإجماع على أنّهم معصومون من الكبائر والصّغائر، ولعلّه قد غرّه كلام بعض المتأخرين الذين يقولون بذلك، أو يقلّدون مَن يقوله من أئمة الكلام الذين لا يحقّقون مذهب أهل السّنة والجماعة، ولا يميّزون بين الأقوال الصّحيحة والضّعيفة والباطلة، كيف والقرآن محشو من الدّلائل على وقوع الذّنب منهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ، [طه، من الآية: ١٢١] . وقول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ ، [القصص، من الآية: ١٦] . وقول يونس ﵇: ﴿أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، [الأنبياء، من الآية: ٨٧] . وقول نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، [هود، من الآية: ٤٧] . وقوله عن آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، [الأعراف، من الآية: ٢٣] . وقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ، [الشّعراء: ٨٢] . وقوله عن داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ الآية، [صّ: من الآية: ٢٤] . وقوله عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ، [الأعراف، من الآية: ١٥١] . وقوله عن نبيّه ﷺ : ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، [محمد، من الآية: ١٩] . وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية، [الفتح، من الآية: ٢] . وكذلك ثبت في الأحاديث

стр. 218

الصّحيحة أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو يقول: "يا ربّ اغفر لي ذنبي كلّه، دقّه وجلّه، وأوّله وآخره، وسرّه وعلاينته". وقوله: "اللهم اغفر لي جهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به منِّي، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكلّ ذلك عندي".وأشباه ذلك كثيرة عن جماعة من الصّحابة ﵃ والله أعلم. (فصل) : وأمّا المسألة السّادسة؛ وهي هل يتأكّد الأخذ بالإجماع السّكوتي عن الصّحابة ﵃ وبجمع عمر بن الخطاب ﵁ الصّحابة على التّراويح، وأمره أبي بن كعب أن يصلِّي بالنّاس لارتفاع العلّة؛ وهي خشيته ﵇ أن يفرض عليهم. (فالجواب) أنّ الذي عليه أكثر الفقهاء من الحنفية والمالكية والشّافعية والحنبلية أنّ الأمر إذا اشتهر بين الصّحابة فلم ينكره منهم أحد كان إجماعاً، قال ابن مسعود ﵁: إنّ الله نظر في قلوب العباد فوجد خيرهم أصحاب محمّد ﷺ فاختارهم لصحبة نبيّه ﷺ ، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن. انتهى. وباتّباع السّلف الصّالح والأخذ بهديهم وسلوك طريقتهم والسّكوت عمّا ستكوا عنه يزول عن المؤمن شبهات كثيرة، وبدع وضلالات شهيرة أحدثها المتأخرون بعدهم، كالكلام في تأويل آيات الصّفات، وأحاديثها بالتّأويلات المستكرهة التي لم تعهد عن الصّحابة والتّابعين لهم بإحسانٍ؛ فإنّهم سكتوا عن تفسير ذلك بالتّأويلات الباطة، وقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت. وقال بعضهم في صفة الاستواء لما سأله سائل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، [طه:٥] ، كيف الاستواء؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسّؤال عنه بدعة، كما تواتر ذلك عن الإمام مالك ﵀، وما أجاب به مالك ـ رحمه

стр. 219

الله ـ في هذه المسألة هو جواب أهل السّنة والجماعة في آيات الصّفات، وأحاديثها، فيقال: النّزول والمنْزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسّؤال عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصّفات مثل: المجيء، واليد، والوجه، والمحبّة، والغضب، والرّضا وغير ذلك من الصّفات الواردة في الكتاب والسّنة. وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أنّه قال: عليك بلزوم السّنة فإنّها لك بإذن الله عصمة، فإنّ السّنة إنّما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وأنّها سنة قد علم ما في خلافها من الزّلل، والخطأ، والحمق، والتّعمّق، فارض لنفسك بما رضوا به، فإنّهم عن علمٍ وقفوا، وببصرٍ ناقدٍ كفوا، ولهم على كشفها أقوى، وبتفاصيلها أحرى، وأنّهم لهم السّابقون، وقد بلغهم عن نبيّهم ما يجري من الاختلاف، فلئن كان الهدى ما أنتهم عليه، لقد سبقتموهم عليه، ولئن قلتم حدث بعدهم، فما أحدثه إلاّ من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيّهم وتلقوه عمَّن اتّبعهم بإحسانٍ، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا فيه بما يشفي، فمَن دونهم مقصر، ومَن فوقهم مفرط، ولقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمع آخرون فغلوا، وإنّهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم. والله أعلم. (فصل) : وأمّا المسّألة السّابعة؛ وهي: ما معنى قوله ﷺ في الحديث: "إذا استقرّ أهل الجنة في الجنة، وأهل النّار في النّار، يؤتى بالموت على صورة كبشٍ أملح فيذبح بين الجنة والنّار فيقال: يا أهل الجنة خلود في النّعيم بلا انقضاء، ويا أهل النّار خلود في الجحيم بلا انتهاء". ومعلوم أنّ الموت معدوم الرّوح التي بها حركة الجسد وهذا شيء معنوي، فإنّ الذّبح لا يحصل إلاّ في الأعيان الجسمانية ذات الأروح فإذا كان يؤتى به على صورة كبش كما

стр. 220

الله ـ في هذه المسألة هو جواب أهل السّنة والجماعة في آيات الصّفات، وأحاديثها، فيقال: النّزول والمنْزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسّؤال عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصّفات مثل: المجيء، واليد، والوجه، والمحبّة، والغضب، والرّضا وغير ذلك من الصّفات الواردة في الكتاب والسّنة. وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون أنّه قال: عليك بلزوم السّنة فإنّها لك بإذن الله عصمة، فإنّ السّنة إنّما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وأنّها سنة قد علم ما في خلافها من الزّلل، والخطأ، والحمق، والتّعمّق، فارض لنفسك بما رضوا به، فإنّهم عن علمٍ وقفوا، وببصرٍ ناقدٍ كفوا، ولهم على كشفها أقوى، وبتفاصيلها أحرى، وأنّهم لهم السّابقون، وقد بلغهم عن نبيّهم ما يجري من الاختلاف، فلئن كان الهدى ما أنتهم عليه، لقد سبقتموهم عليه، ولئن قلتم حدث بعدهم، فما أحدثه إلاّ من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيّهم وتلقوه عمَّن اتّبعهم بإحسانٍ، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا فيه بما يشفي، فمَن دونهم مقصر، ومَن فوقهم مفرط، ولقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمع آخرون فغلوا، وإنّهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم. والله أعلم. (فصل) : وأمّا المسّألة السّابعة؛ وهي: ما معنى قوله ﷺ في الحديث: "إذا استقرّ أهل الجنة في الجنة، وأهل النّار في النّار، يؤتى بالموت على صورة كبشٍ أملح فيذبح بين الجنة والنّار فيقال: يا أهل الجنة خلود في النّعيم بلا انقضاء، ويا أهل النّار خلود في الجحيم بلا انتهاء". ومعلوم أنّ الموت معدوم الرّوح التي بها حركة الجسد وهذا شيء معنوي، فإنّ الذّبح لا يحصل إلاّ في الأعيان الجسمانية ذات الأروح فإذا كان يؤتى به على صورة كبش كما

стр. 221

متولي الموت، وكلّهم يعرفه؛ لأنّه تولّى قبض أرواحهم. قلت: وارتضى هذا بعض المتأخّرين وحمل قوله هو الموت الذي وكلّ بنا على أنّ المراد به (ملك الموت الذي وكل بكم) ، واستشهد له من حيث المعنى بأنّ ملك الموت لو استمرّ حيّاً لنغص عيش أهل الجنة، وأيّده بقوله في حديث الباب: "فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النّار حزناً إلى حزنهم".انتهى. قلت: ويكفي المؤمن اللّبيب الإيمان بالله ورسوله فيما لا يتبيّن له حقيقة معناه وظاهر الحديث لا إشكال فيه عند من نور الله قلبه بالإيمان وشرح صدره بالإسلام. والله أعلم. (فصل) : وأمّا المسألة الثّامنة؛ وهي الرّهون التي كثر استعمالها في القرى والأمصار على غير الرّهن الشّرعي المستفاد من الكتاب والسّنة وخارجة عن حكمه المعروف. وذلك أنّه إذا احتاج الإنسان أخذ مال من آخر لا يعقد قرضه على سبيل الإباحة والتّراضي بل يدفع المحتاج إلى صاحب المال أرضه بالمخابرة والمزارعة بالعقد الشّرعي مقلدين من يقول بجوازها فيبذرها العامل ويأخذ نصف الغلة في مقابلة عمله وبذره، ويدفع لصاحب الأرض الشّطر الثّاني ويعمل الأرض مالكها ويجعل الأجر البذر، وكذا العمل لكلّ واحدٍ منهما شطر الغلة، وما تخرج تلك الأرض، وصاروا على ذلك خلفاً عن سلف. وحصل في هذه الأزمان الخوض في حكمها من علماء الزّمان منهم من حرم واستدلوا بأنّ المال دفع على سبيل القرض، وكلّ قرض جرّ منفعةٍ فهو ربا. ومنهم من أجازها قائلين بأنّ المال لم يدفع بصيغة القرض، وربما كان المال دينا في ذمّة صاحب الأرض فعجز عن براءة ذمته وخلاص دينه تسمح نفسه ببيع أرضه ودخل في هذه المعاملة وقبلها صاحب الدّين. فعلى كلّ حال إنّ

стр. 222

المنفعة التي جعلها المفتي سبباً للحرمة مقابلة بمنفعة أخرى تساوي تلك المنفعة وأكثر منها، وهي البذر، وكلّ العمل فلم تكن منفعة لا يقابلها شيء. فإن قلتم بجوازها فذاك، وإن قلتم بحرمتها وبطلانها، فهل يسوغ لِمَن سَعَى في المخارجة بين صاحب المال وبين صاحب الأرض أي بتنجيم في أوقات اليسار كما ذكر البغوي في تفسير آية الرّبا أنّها نزلت في أربعة أخوة من ثقيف. ومع ذلك فالعجز ظاهر عن الوفاء بالمال حالاً ولولا الفقر والحاجة لم يدخلوا في هذه المعاملة؛ فالجواب مطلوب بعد إمعان النّظر وبيان حكم المسألة جوازاً أو تحريماً. (فالجواب) وبالله التّوفيق أنّ الله ﵎ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ، [النّساء: ٥٩] . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [البقرة: ٢٧٨] . وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحلّ سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك".رواه أبو داود والتّرمذي وصحّحه. قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ بيّن ﷺ أنّه لا يحلّ أن يقرض الرّجل ويبيعه ليحابيه لأجل ذلك القرض وقد جاء عنه ﷺ وعن أصحابه ﵃ أجمعين ـ تحريم البيوع بعد عقد القرض قبل الوفاء. فعن أنس بن مالك ـ أنّه سُئل عن رجلٍ يقرض أخاه المال فيهدي إليه؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدي إليه أو حمله على الدّابة فلا يركبها ولا يقبلها إلاّ أن يكون بينه وبينه قبل ذلك ".رواه ابن ماجه بإسنادٍ حسن. وعن أبي بردة بن أبي

стр. 223

قت، فلا تأخذه؛ فإنّه ربا. رواه البخاري في صحيحه. وروى مثله سعيد بن منصور في سننه عن أبي بن كعب، وروي عن ابن مسعود نحو ذلك. وعن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال: إنّي أقرضت رجلاً يبيع السّمك عشرين درهماً فاهدى إلي سمكة فقومتها ثلاثة عشر درهماً، فقال: خذ منه سبعة دراهم. رواه سعيد في سننه، بإسنادٍ صحيحٍ. وعن ابن عمر أنّه أتاه رجل فقال: إنّي أقرضت رجلاً بعيراً فأهدى إليّ جزلة، فقال: ردّ إليه هديته، أو احسبها له. رواه سعيد أيضاً. فإذا كان هذا فيما يتبرّع به المقترض بعد القرض، فكيف إذا تواطآ على التّبرّع؟! مثل أن يقرض مَن يعيره دراهم أو يرهنها عند مَن يأذن له في سكناها١، أو يضاربه، بأقلّ من حقّ مثله، أو يبتاع منه الشّيء بأضعاف قيمته أو يكري داره بثلث كرائها، أو يدفع إليه شجره مساقاة بأضعاف جعل مثله. انتهى. فتأمّل ـ رحمك الله ـ هذا الكلام بعين الإنصاف يتبيّن لك أنّ الرّهون التي تفعل عندكم لأجل المال الذي في ذمته فيصبر عليه وينظره ما دام يستغل الشّجر، أو الأرض هو حيلة على أكل الرّهن والانتفاع به لأجل القرض ولو لم يكن في ذمته ذلك المال لم يتركه يستغل أرضه، وربما تركها له بدون قيمة مثلها، فهذا هو المحاباة، وهو الرّبا الذي نصّ العلماء على تحريمه سواء سُمِّي ذلك المال قرضاً أو غيره، أو كان ديناً في ذمته، وكان أهل الجاهلية قبل الإسلام

стр. 224

إذا كان لأحدهم دين على رجلّ إلى أجلٍ فحلّ الأجل قال له: إمّا أن تقضي، وإمّا أن تربي، فيزيده هذا في المال، ويزيده هذا في الأجل، فحرّم الله ذلك، فلولا أنّ الأرض أو الشّجر أو الدّار ينتفع بها لما صبر عليه وانظره. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ النَّبِيّ ﷺ قال: " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشّحوم فجمّلوها فباعوها ".متّفق عليه. قال الخطابي ﵀ (جمّلوها) معناه: أذابوها حتى تصير ودكاً فيزول عنه اسم الشّحم. وفي هذا الحديث بيان إبطال كلّ حيلةٍ يحتال بها للتّوسل بها إلى محرّم، وأنّه لا يتغيّر حكمه بتغيّر هيئته وتبديل اسمه. وأمّا إن كان صاحب المال لا يقدر على وفائه فينجمه عليه صاحب الدّين بقدر غلة أرضه كلّ سنةٍ، ويأخذ الغلة ويحسبها بسعر يومها فلا بأس بذلك إذا خلت عن المحاباة. والله أعلم. (١٢) وله أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ إجابة عن مسائل سُئِل عنها قال: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (الجواب) عن مسائلكم: (المسألة الأولى) : مذهب الزّيدية فالصّحبح منه ما وافق الكتاب والسّنة، وما خالفهما فهو باطل لا مذهب الزّيدية ولا غيره من المذاهب. (المسألة الثّانية) : هل يصحّ في الأذان حيّ على خير العمل أم لا؟ (فنقول) : الثّابت إنّ الأذان خمس عشرة كلمة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، أشهد أنّ محمّداً رسول الله، حيّ على الصّلاة، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر،

стр. 225

لا إله إلاّ الله. فهذا هو الثّابت الذي أمر رسول الله ﷺ بلالاً أن يؤذّن به كما ذكر أهل السّنن والمسانيد، وأمّا حيّ على خير العمل، فليس بثباتٍ، ولا عمل عليه عند أهل السّنة١. (المسألة الثّالثة) : أمّا الماء الذي تجوز الطّهارة به، ويرفع الحدث، فهو: كلّ ماء طاهر باقٍ على ما خلقه الله عليه، ولم يتغيّر، فإن تغيّر بالنّحاسة طعمه، أو لونه، أو ريحه، لم تجز الطّهارة به. والبرك التي فيها ماء ساكن لا يغتسل فيها من الجنابة، والأحسن أن يأخذ من الماء ويغتسل به خارجه أو يتوضّأ به، وأمّا غسل الأعضاء فيها فلا بأس به. وأمّا التّربة المنذورة للمساجد لعمارتها، أو للضوء بها، أو للمصلّين فيها، فهي على وقفها ولا يغيّرها الوارث يؤدّيها إلى أهل المساجد الذين يحفظونها ويصرفونها في مصارفها. وأمّا القبور التي في المساجد فإن كان المسجد بني قبل أن يحط فيه قبر فينبش القبر ويبعد عن المسجد، فإن كان المسجد ما بني إلاّ لأجل القبر فالمسجد يهدم ولا يصلّى فيه؛ لأنّه ثبت عن رسول الله ﷺ أنّه لعن الذين يتّخذون المساجد على القبور، ولا تصحّ الصّلاة فيه، ولا تجوز الصّلاة عند القبور ولا عليها؛ لأنّه ﵇ نهى عن الصّلاة في المقبرة. وأمّا التّيمّم فلا يجوز إلاّ عند عدم الماء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية، [النّساء، من الآية: ٤٣، والمائدة، من الآية: ٦] . وأمّا الصّلاة في النّعل فجائزة إذا لم يكن فيها نجاسة. وأمّا حدّ الزّنا والسّارق والقاذف فحدّ الزّاني إن كان محصناً ـ وهو

стр. 226

الذي قد تزوّج ـ يرجم حتّى يموت، وإن كان بكراً لم يتزّوج مائة جلدة ويغرّب عن بلده عاماً، والمرأة كالرّجل في ذلك، هكذا ثبت عن رسول الله ﷺ . وأمّا السّارق، فتقطع يده اليمنى بشرط أن يأخذ المال من حرزه، وأن يكون قيمة المأخوذ قدر ثلاث دراهم، وأن يكون مالاً محرزاً، وأن يكون أخذ المال على وجه الاختفاء، وأن لا يكون فيه شبهة؛ كالأخذ من مال ولده، والمرأة من مال زوجها، والذي يسرق دون النّصاب فلا قطع؛ بل يؤدّب، وكذلك الذي يأخذ الثّمر من البساتين والزّروع يؤدّب ويغرم قيمته مرّتين. وأمّا الذي يقذف المحصن، أو المحصنة، ولم يأتِ بأربعة شهداء عدول فيجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل شهادته، إلاّ إن تاب، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، الآيتين، [النّور: ٤] . وأمّا الذي يسبّ المسلمين ويؤذيهم بلسانه، فهذا يؤدّبه الأمير بما يزجره. وأمّا مصارف الزّكاة، وقدر ما تجب فيه فنصاب العيش والزّبيب قيمته ثلاثمائة تنقص عشرين صاعاً بصاع الوادي، وزكاة الذي يسقي بالسّواقي والغروب نصف العشر، والذي يسقى بالعيون والسّيل فيه العشر تاماً. ونصاب الفضّة ثمانية عشر ريالاً أو وزنها، والذي ما عنده إلاّ دون سبعة عشر ونصف ما عليه زكاة وزكاته ربع العشر. وأمّا شارب التنباك إذا شهد عليه شاهدان أنّهم رأوه يشرب فيجلد أربعين جلدة. وأمّا القبور التي عليها بناء فإنّه يهدم. وأمّا المسلم إذا قتل مسلماً متعمّداً فيخيّر ولي المقتول بين قتل مَن

стр. 227

قتله، أو أخذ الدّية، ومقدار الدّية مائة ناقة، تقدر اليوم بقدر ثمانمائة ريال، ودية المرأة نصف دية الرّجل، وإن كان قتله خطأ زلّة ما قصد قتله فتلزمه الدّية وتصير على عاقلته، وتصير أثلاثاً في ثلاث سنين ويلزمه معها عتق رقبة إن كان يقدر، وإن لم يقدر يصوم شهرين. والشّجاج التي في الرّأس تقدر بخمس من الإبل، وهي الموضحة التي توضح العظم، أي: يتبيّن ولو بقدر رأس إبرة فيها خمس قيمتها أربعون ريالاً للذي ما عنده أبعرة، وموضحة الوجه والرّأس واحد، وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز ففي كلّ وحدةٍ دية الموضحة. ثم الهاشمة، وهي التي توضح العظم وتهشمه ففيها عشر من الإبل، قيمتها ثمانون ريالاً. ثم المنقلة، وهي التي توضح وتهشم وتنقل عظامها بتكسرها ففيها خمسة عشر من الإبل، قيمتها مائة وعشرون ريالاً. ثم المأمومة، وهي التي تصل إلى أم الدّماغ، وهي الجلدة التي فيها الدّماغ، وفيها ثلث الدّية. وفي الدّامغة ثلث الدّية، وهي التي تخرق جلدة الدّماغ. وما سوى ذلك من الشّجاج فليس فيه تقدير؛ بل يجتهد فيه الحاكم واثنان من أهل العدالة، ويقدرونه باجتهادهم. وفي الجائفة ثلث الدّية، وهي التي تصل إلى باطن الجوف من بطن أو صدر أو ظهر، فإن كانا جائفتين وبينهما حاجز ففيهما ثلثا الدّية. وفي قطع مارن الأنف الدّية، وفي كلّ واحدٍ من المنخرين والحاجز بينهما ثلث الدّية، وفي كلّ واحدٍ من الشّفتين نصف الدّية. ووقت صلاة الصّبح إذا طلع الفجر المعترض الأبيض، وآخره عند طلوع الشّمس، والظّهر إذا زالت الشّمس، وآخر وقتها إذا صار ظلّ كلّ شيءٍ مثله مرّتين، والمغرب إذا غربت الشّمس والعشاء إذا غاب الشفق وآخره ثلث الليل. والله أعلم.

стр. 228

(١٣) وله أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ في أحكام الوقف: (الجواب) : وبالله التّوفيق؛ الأسبال والأوقاف يجب صرفها إلى أهلها، وإن كانت في يد مَن لا يصرفها إلى أهلها أخذت منه وصرفت إلى مَن يستحقّها. وأمّا الوقف الذي على المسجد ولا بين مصرفه فإنّه يُصرف على إمامه، ومؤذّنه وعمّارته، وما ينوبه ويحط على الرّكية منه شيء، وأسبال الجاهلية التي لا يعرف مصرفها تصرف على المساجد والجهاد وأبواب البر، وزرع العام الواحد يضاف بعضه إلى بعضٍ في تكميل النّصاب، ويؤخذ من زرع القيض زكاته إذا أضيف لزرع الربيع. (١٤) وسئل ـ رحمه الله تعالى ـ عن مسائل فأجاب عنها: (الأولى) : الذي يخرج من قبضة الأمير وأيش أدبه. (فنقول) : الذي يعصي الأمير يؤدّب بما يزجره عن المعصية، والأدب يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. (فمن النّاس) مَن يكفي فيه الكلام وتفشيله بين النّاس. (ومنهم) مَن لا يكفي فيه إلاّ الضّرب والحبس والجلاء. فإن كان العفو فيه مصلحة فهو أحسن، ولا يقال إنّ الأدب لازم لا بدّ منه؛ بل الواجب على الأمير أن يفعل ما فيه الأصلح. (الثّانية) : المرتدّ بقولٍ، أو فعلٍ، وثبت عليه بالبيّنة فهذا يحتاج أوّلاً إلى المعرفة بأنواع الكفر والرّدّة التي يذكرها أهل العلم، فإذا ارتدّ أحد عن الإسلام استتيب، فإن تاب كفّ عنه، وإن أصرّ على ردّته قتل.

стр. 229

(الثّالثة) : الذي يخرج من بلاد المسلمين إلى بلاد بغضاء الدّين وأهله، فهذا إذا ثبت كما وصف السّائل أنّه لاحق بالكفار رغبة في دينهم وبغضاً لدين المسلمين، فهو كافر حكه حكم الكفّار الذين رغب في دينهم. (الرّابعة) : حدّ الزّاني المحصن ـ وهو الذي قد تزوّج ـ؛ حدّه الرّجم إذا ثبت زناه بشهادة أربعة شهود عدول يشهدون بأنّهم رأوا ذكره في فرجها داخلاً كدخول الميل في المكحلة، فإن توقف واحد منهم في شهادته على ما ذكرنا فالشّهود يحدّون حدّ القذف، كلّ واحدٍ يضرب ثمانين جلدة، والشّهادة المعتبرة في الزّنا صعبة جدّاً، وإذا ثبت زناه بشهادة أربعة رجم بالحجارة التي تؤخذ في اليد ويرجم بها سواء كان واقفاً أو جالساً، والمرأة تشدّ عليها ثيابها عن التّعري، أو يحفر لها حفرة. وأمّا الرّجل الذي لم يتزوّج فإذا ثبت زناه بشهادة أربعة شهود فيجلد مائة جدلة ويغرّب عن وطنه عاماً، وأمّا السّوط الذي يجلد به فهو مثل الجريدة والعصا بشرط أنّها لا تكسر العظام. وأمّا السّارق، فإذا سرق وثبتت سرقته من حرز المال المعروف عند أهل البلد أنّه حزر له قطعت يده اليمنى من مفصل الكوع بشرط أن تكون سرقته نصاباً، وهو ربع دينار قيمته عندكم ثلاثة أخماس ريال. وأمّا الذي يعاهد أميره ويعصيه فالأمير تجب طاعته إذا أمر بطاعة الله ورسوله، وتحرم معصيته، فإذا عصى الأمير في ذلك جاز للأمير تأديبه، إمّا بالضّرب أو الحبس أو غير ذلك مما يزجره وليس فيه تحديد في الشّرع. وأمّا الذي يتخلف عن صلاة الجماعة أو الجمعة فيؤدّب على ذلك إمّا بالضّرب أو الحبس لا يزاد في الضّرب على عشر ضربات، وبالفشيلة والتّفشيل بين النّاس.

стр. 230

وأمّا المواريث التي تقاسموها في الجاهلية على خلاف الشّرع ثم بعد هذا أسلموا، فلا يطالبون بردّ القسمة بعد الإسلام إلاّ بالتّراضي. وأمّا دية المسلم الحرّ إذا قتل عمداً وقبل أولياؤه الدّية فهي مائة من الإبل خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون لقحة، وخمس وعشرون جذعة، وقيمتها في وقتنا هذا بتقدير أمير المسلمين عبد العزيز وأهل المعرفة ثمانمائة ريال، وتكون حالة. وأمّا دية الخطأ المخفّفة فهي خمسة أخماس على عشرين منها: عشرون ذكراً وهي على العاقلة مؤجَّلة في ثلاث سنين إلاّ إن كان القتل لم يثبت بالبيّنة بل ثبت بإقرار القاتل فلا تحملها العاقلة وتكون في مال القاتل. وأمّا المنقلة التي توضح وتهشم وتنقل عظامها ففيها خمس عشرة من الإبل قيمتها مائة وعشرون ريالاً. وأمّا دية العين والسّمع إذا ذهب البصر والسّمع مع عفو المجني عليه عن القصاص كم هي دراهم، فالبصر إذا ذهب كلّه الدّية كاملة، والسّمع إذا ذهب كلّه الدّية كاملة مائة من الإبل تقديرها عندنا ثمانمائة ريال. وأمّا الحبس والأدب للعاصي، فيجتهد فيه الأمير باجتهاده، ويؤدّب كلّ واحدٍ على قدره باختلافه. وأمّا حكم الصّائل المعاند. (فالجواب) : دفعه بالأسهل فالأسهل، فإن اندفع بغير قتالٍ لم يجز قتله، وإن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز قتله ودمه هدر. وأمّا حكم القذف بالزّنا؛ فإذا قذف رجلاً أو امرأة بالزّنا ولم يأت على ذلك بأربعة شهداء، يشهدون بأنّهم رأوا ذكره في فرجها كالميل

стр. 231

في المكحلة، فإنّه يجب عليه حدّ القذف ثمانون جلدة، ولا تقبل لهم شهادة أبداً، وحد القذف حقّ للمقذوف إن طلبه أقامه عليه الأمير فإن عفا عنه فلا يقيمه الأمير لكن إذا كان القاذف معروفاً بالشّر جاز للإمام تأديبه عن تعرّض أعراض المسلمين. وأمّا مصرف الزّكاة، فهي ثمانية أصناف ذكرها الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، [التوبة: ٦٠] . وأمّا حكم مَن تزوّج في عدّة الطّلاق، وهو جاهل من البوادي فلا يصير حكمه حكم الزّاني، بل يعذر بالجهل، ويفرّق بينهما حتّى تنقضي العدّة الأولى من الطّلاق الأوّل ثم تعتدّ من وطء الثّاني الذي وطئها في عدّتها، فإذا انقضت العدّتان حلّت للزّواج وهو من عرضهم. وأمّا الذي يتزوّج المرأة برضاها ورضاء أوليائها على مهر مفروض لكن بغير عقدٍ ولا شهود، فمثل هذا يعذر بالجهل ولا يصير عليه أدب والذي فعل هذا في الجاهلية فلا يطالب بنكثه في الإسلام. وأمّا الفجاج التي يحجرها أهل البلد لا يرعونها النّاس فهذا لا يجوز في الإسلام، وحكم الشّرع أنّ النّاس شركاء في الكلأ والمرعى. وأمّا بيع الحبّ بحبّ مثله متفاضلاً فلا يجوز، وأمّا إذا كانا من جنسين؛ كشعيرٍ بحبٍ أو حبٍّ بشعيرٍ، فإنّه يجوز التّفاضل فيه، ولا يجوز بيع بعضه ببعضٍ في الذّهب والفضّة والمطعومات إلاّ بشرط التّقابض في المجلس، كما في الحديث أنّ رسول الله ﷺ قال: "الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والتّمر بالتّمر، والبرّ بالبرّ، والشّعير بالشّعير، والملح بالملح وغير ذلك مثلاً بمثل، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيدٍ".والعمل على

стр. 232

هذا عند أهل العلم، لا يرون أن يباع البرّ بالبرّ، إلاّ مثلاً بمثلٍ، وباقي الأصناف المذكورة في الحديث كذلك، فإذا اختلفت الأجناس فلا بأس أن يباع بعضها ببعضٍ متفاضلاً بشرط التّقابض في المجلس. وأمّا إذا غاب ولي المرأة قدر مسافة القصر فلا يجوز لها أن توكّل مَن يزوّجها، فهذا يحتاج إلى تفصيلٍ، فإن كان لا يمكن الإرسال إليه ومشاورته إلاّ بمشقّةٍ شديدةٍ جاز لولي الأمر أن يوكّل مَن يزوّجها أو يزوّجها بنفسه على كفء مثلها. وأمّا الوقف على المسجد فهو جائز؛ بل مستحبّ؛ لأنّه من أعمال البرّ والقربات. والله أعلم. وأمّا الذي يقرأ في المواريث ويعرف قسمتها ويعرف ما ذكره أهل العلم المقتدى بهم؛ كالأئمة الأربعة جاز له أن يقتدي بما عرف. والله أعلم. ولا يجوز للرّجل أن يتزوّج المرأة إلاّ بعقد وولي وشاهدين هذا المفتَى به عندنا. وأمّا الصّلاة فوقت النّهار لا أعرف ضبطه بالأقدام؛ لأنّ الأقدام تختلف باختلاف كثيرٍ مع تغيير الفصول والموجود في كلام الرّسول ﷺ أنّ وقت الظّهر إذا زالت الشّمس إلى أن يصير ظلّ كلّ شيءٍ مثليه، ويعرف ذلك في جميع الأيام بأن ينصب عوداً في مكان مستوٍ فما دام ظل العود ينقص فالشّمس لم تزل حتّى يزيد فإذا زاد فقد زال الظّلّ. وأمّا النّذور لخدام النَّبِيّ ﷺ وغيره فإنّها تصرف لمصالح المسلمين يصرفها الإمام مثل أن يصرفها في الجهاد، وفي تألّف بعض النّاس على الإسلام، أو الفقراء والمساكين.

стр. 233

وأمّا الكتب المؤلَّفة في ذكر فضائل الأعمال؛ مثل: تنبيه الغافلين، وغيره فأكثر ما فيها حقٌّ وصوابٌ، وفيها ما هو خطأ ليس بصوابٍ، والقارئ فيها يحتاج إلى مَن يعلّمه بما يوافق الحقّ فيعمل به، وما يخالف الحقّ فيتركه. وأمّا البلاد ورهونها فيجوز أن يعطي الرّجل أرضه لِمَن يحرثها ولصاحب الأرض جزء معلوم من الثّمرة، وأمّا أن يرهنها رجلٌ آخر بدارهم معلومة ويأخذ صاحب الدّراهم غلتها من كلّ الثّمرة، فهذا لا يجوز سواء كان من الثّمرة أو غيرها من بقية الثّمار. وأمّا غسل الجنابة فيجوز للمرأة والرّجل أن يغسلا رؤوسهما من الجنابة وهو معقود إذا وصل إناء واحد. وأمّا فرش المساجد فيجوز أن يتّخذ فيها فرشاً من جميع الفرش الطّاهرة من الصّوف وغيره. وأمّا العاق لوالديه فيؤدّب أدباً بالغاً بالضّرب والحبس؛ لأنّ ذلك من أكبر الكبائر، وليس له حدّ معلوم. وأمّا الذي يشرب التتن ويزرعه فيجلد ثمانين جلدة١. وأمّا المراة التي تمشي مكشوفة الوجه فإذا سترت وجهها وصدرها وشعرها فليس عليها في ذلك إذا كان ذلك عادتهم، لكن لا تخالط الرّجال الأجانب، فإن بدنها كلّه عورة شعرها وبشرتها. وأمّا شراء اللّبن في الضّرع فلا يجوز، إلاّ أن يكون كيلاً معلوماً في ذمّته. وأمّا الرّهون التي تؤكل غلتها بغير بذر ولا حرث فلا يجوز، ويرد

стр. 234

صاحب الأرض على المرتهن ما قبضه منه دراهم كانت أو طعاماً، فإن كان معسراً لزمه إنظاره إلى ميسرةٍ، فإن قدر على وفاء بعض أوفاه بما قدر عليه. وأمّا الذّبائح التي تذبح صدقة للميت عند موته، أو وقت الأضحية. فهذا حسن لا بأس به؛ إذا قصد به صدقة لوجه الله يفرق على المساكين والأقارب، وكذلك الصّدقة من الطّعام أو غيره جائزة يصل ثوابها للميت. وأمّا إذا اجتمع أهل البلد على أن يجمعوا طعاماً عند رجلٍ فيما ينوبهم من جهاد أو ضعف أو دية قتيل المسمّى العشر في بلادكم، فهذا لا بأس به، والمتخلف عن الصّلاة يؤدّب بما يزجره. وأمّا لباس السّواد إذا كان من عادة أهل البلاد، فهذا لا بأس به، إلاّ أن يكون حريراً فلا يصحّ. والحناء لا بأس بها إذا اختضب بها الرّجل في يديه ورجليه غير قاصد للتشبّه بالنّساء، ولا يريد به الزّينة، وأمّا ما يلبس النّساء من الحلي والجواهر فليس فيه زكاة. (١٥) وله أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (الجواب) : الذّبيحة إذا ذبحت وذكر اسم الله عليها وقطع الحلقوم والودجان فهي حلال، وإن لم يبق في الرّأس من الحلقوم شيء. (الثّانية) : طلاق الشّرك يحسب عليه في الإسلام، فإن طلّقها في الشّرك ثلاثاً أو أكثر وجاء الإسلام وهي معه أمر بفراقها حتى تنكح زوجاً غيره، ونكاح الشّرك لا يحتاج لتجديد في الإسلام. وأمّا إذا خالعت

стр. 235

المرأة زوجها على شيءٍ مُسمًّى وشرطت عليه أنّها لا تعطيه إلاّ إذا تزوّجت، وطلّقها على ذلك فإنّها تعطيه إيّاه إذا تزوّجت. وأمّا مواريث الشّرك فإذا كان الوارث في الجاهلية قد طرد شريكه في الإرث وأسلم والمال في يده، فهو له دون شريكه سواء كان المطرود رجالاً أو نساء، وإن كان مزبوراً لم يقسم حتّى جاء الإسلام فإنّه يقسم على فرائض الله ويعطي كلّ نصيبه من المال. وأمّا إذا أوصى لإناث بوصية مدّة حياته وجاء الإسلام والمال في يد الإناث فإنّه يكون لهم ولورثتهم. وأمّا إذا كان لرجلٍ أرض ودفعها لرجلٍ يحرثها، ويزرعها هو وولده من بعده بلا أجل معلوم وجاء الإسلام والأرض في أيديهم فإنّ ذلك الأرض يرجع فيها. وما أحدث الزّراع من شجرٍ أو بناءٍ أو غرسٍ فهو له يأخذه بقيمته إن أراده. وأمّا إذا باع الرّجل المال الذي في أيدي الحريم بعد مورثهم، فهذا بيع فاسد يردّ على المشتري ثمنه الذي دفعه للبائع. وأمّا قتل الجاهلية والجراحات التي فيها فما كان من ذلك مقطوع ديته مضمون كثيراً أو قليلاً؛ فإنّه يدفع إلى صاحبه أو لِمَن يكن. وأمّا ديون الجاهلية من الرّبا والرّهون التي لا تجوز في الإسلام فليس لصاحبها إلاّ رأس المال، فإن كان الذي عليه الحقّ متعسراً لزم صاحب الدّين إنظاره إلى ميسرةٍ، وإن كان له كدود لا تفي قيمة كفايته وكفاية مَن تحته، ولا يقدر على حرفة غير ذلك تغنيه وتغني أولاده ومَن تحت يده فلا يجوز لصاحب الدّين أن يأخذ ذلك ويتركه يضيع ومَن تحت يده؛ بل يصبر إلى أن يغنيه الله أو يصالحه على شيء يعطيه إيّاه كلّ سنة لا يضر به.

стр. 236

وأمّا وقت الشّرك الذي على طاعة، فهذا يجب الوفاء به في الإسلام. وأمّا الصّدقة عد الختان والزّواج، أو الصّدقة للميت عند موته فلا بأس به. وأمّا تلاوة القرآن على الميت قبل أن يغسل فهذا لا بأس به. وأمّا إهداء ثواب البدن للميّت١ من قراءةٍ، وصلاةٍ، وحجٍّ وغير ذلك، فهذا فيه خلاف بين العلماء هل يصل إلى الميّت أم لا؟ ولا ينكر على مَن فعله أو تركه. وأمّا صدقة المال فهي تصل إلى الميّت باتّفاق العلماء. وأمّا النّائبة للضّيف ودية القتلى والجهاد الذي يجاهد دفاعاً عن بلد وأهلها، فهذا لا يدخل فيه مال اليتيم٢. وأمّا الأب فيجوز له الأخذ من مال ابنه سواء كان يتيماً من الأم أو لم يكن، ولا يجوز له أن يعطي منه ولا يهب ولا يتصدّق. وأمّا زكاة غنم الحضر التي في البلد، فهي تصير مع زكاة البلد. وأمّا المتطوّع الذي مسجد يصلي به ويقوم به فإنّه يعطى من الزّكاة إذا كان فقيراً، وإن كان غنياً فلا يجوز له الأخذ من الزّكاة، ويجوز له الأكل من وقف المسجد. وأمّا المتخلف عن الجمعة والجماعة فيؤدّبه الأمير بما يزجره عن ذلك، وكذلك المعاصي التي ليس فيها حدّ يجوز للأمير تعزير العاصي على المعصية من ضربٍ أو تأديبٍ.

стр. 237

وأمّا الحناء إذا كان ليس قصده التّشبه بالنّساء، وإنّما مقصوده إزالة أثر العمل أو التبّرد أو التّداوي فلا بأس به، وكذلك لبس الثّوب الأسود إذا كان رجال البلد يلبسونه. وصلاة التّراويح في رمضان مستحبة، وفعلها جماعة أفضل، وكذلك القنوت في النّصف الآخر من رمضان، وزكاة الفطر يجمعها الأمير وتفرق على فقراء البلاد خاصّة. والله أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم. (١٦) وله أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ: من عبد الله بن الشّيخ إلى الأخ رجب. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه، وما ذكرت من المسائل: (الأولى) : إذا باع رجل على رجلٍ شيئين ثم أنكر المشتري ووجد البائع أحد الشّيئين هل له الرّجوع في الموجود أم لا؟ (فالجواب) : وبالله التّوفيق، أنّ هذه المسألة فيها روايتان: (إحداهما) : لا يرجع. نقلها أبو طالب عنه. قال: لا يرجع بقية العين، ويكون أسوة الغرماء؛ لأنّه لم يجد المبيع بعينه فأشبه ما لو كان عيناً واحدةً، ولأنّ بعض المبيع تالف فلم يملك الرّجوع فيه كما لو قطعت يد العبد. ونقل الحسن بن ثوبان عن أحمد إن كان ثوباً واحداً فتلف بعضه فهو أسوة الغرماء، وإن كان رزماً فتلف بعضها فإنّه يأخذ بقيمتها إذا كان بعينه؛ لأنّ السّالم من المبيع وجده البائع بعينه فيدخل في عموم الحديث المذكور، ولأنّه مبيع وجده بعينه فكان للبائع الرّجوع فيه، كما لو كان جميع المبيع، فإن باع بعض المبيع

стр. 238

أو وهبه أو وقفه فهو بمنْزلة تلفه؛ لأنّ البائع ما أدرك ماله بعينه. (وأمّا الثانثة) : إذا باع رجل على رجلٍ سلعة قيمتها وقت البيع عشرة ثم أفلس المشتري وقد صارت قيمتها عشرين، هل له الرّجوع في الزّيادة المتّصلة أم لا؟ (فالجواب) : أنّ من شرط الرّجوع في السّلعة إذا وجدها صاحبها عند المفلس أن لا يكون المبيع زاد زيادة متّصلة، كالسّمن، والكبر، وتعلّم صنعةٍ، فإنّ هذا يمنع الرّجوع، وهو اختيار الخرقي. وعن أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ إنّ ذلك لا يمنع. قال في الشّرح الكبير، وهو مذهب مالك، والشّافعي، إلاّ أنّ مالكاً قال: يخيّر الغرماء بين أن يعطوه السّلعة أو ثمنها الذي باعها به، واحتجّوا بالخبر يعني قوله: "مَن وجد متاعه بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحقّ به"، وبأنّه فسخ لا يمنع الزّيادة المنفصلة فلم يمنع المتّصلة كالرّدّ بالعيب. قال: ولنا أنّه فسخ بسبب حادثٍ فلم يملك به الرّجوع في عين المال الزّائدة زيادة متّصلة؛ كفسخ النّكاح بالإعسار، أو الرّضاع، ولأنّها في ملك المفلس فلم يستحقّ البائع أخذها كالمنفصلة. انتهى. والذي يترجّح عندي مذهب مالك ﵀، وهو أنّ الغرماء يخيّرون بين أن يعطوه السّلعة بعينها، وبين أن يعطوه الثّمن الذي باعها به، فعلى هذا إن كان لهم مصلحة في زيادتها المتّصلة أعطوه ثمنه وأخذوا السّلعة، وتكون الزّيادة المتّصلة للمفلس يستوفون بها الغرماء. (الثالثة) : إذا كان على رجلٍ دينٌ وصار الدَّين أكثر من قيمة ماله لو يباع، وظهرت أمارات الفلس، ورهن بعض ماله قبل أن يطلب الغرماء الحجر عليه عند المفتي، هل يصحّ رهنه مع أنّ بعض الغرماء يدّعي عدم ظهور أمارات الفلس لغيبته أو غيرها ما الحكم؟

стр. 239

(فالجواب) : أنّ في نفوذ تصرّفه قبل الحجر عليه قولان هما روايتان عن أحمد: (أحدهما) : أنّه يصحّ تصرّفه وينفذ. قال في الإنصاف على الصّحيح من المذهب، نصّ عليه جماهير الأصحاب، وقيل: لا ينفذ تصرّفه. ذكره الشّيخ تقي الدّين وحكاه روياةً واختاره. وسأله جعفر ـ يعني الإمام أحمد ـ مَن عليه دين يتصدّق بالشّيء؟ قال: الشّيء اليسير وقضاء دينه أوجب عليه. (قلت) : وهذا القول هو الصّواب، خصوصاً وقد كثرت حيل النّاس وجزم به في القاعدة الثّالثة والخمسين، فقال: المفلس إذا طلب البائع منه سلعته التي يرجع بها قبل الحجر لم ينفذ تصرّفه، نصّ عليه، وذلك ثلاثة نصوص، لكن ذلك مخصوص بمطالبة البائع. انتهى كلامه في الإنصاف. وهذا القول، هو الذي اختاره الشّيخ تقي الدين، وصاحب الإنصاف، وهو الرّاجح إن شاء الله تعالى. (الرّابعة) : إذا استأجر رجلّ أرضاً بأربعين ريالاً، وتنقلت بعد الأربعين إلى أنّ المستأجر يؤجّرها بعشرة وصاحب الأرض قد شرط على المستأجر مدّة سنين، وأراد المستأجر الفسخ، هل تدخل في حكم وضع الجوائح أم لا؟ (فالجواب) : أنّ الذي نفهم من كلام أهل العلم أنّها ما تدخل في مسألة وضع الجوائح، وأنّ المراد بذلك إذا كانت الجائحة من قبل الله بآفةٍ سماوية كالمطر والبرد والسّيول وأشباه ذلك، وأمّا الإجارة فهي لازمة من قبل المؤجر والمستأجر إلاّ إذا انهدمت الدّار، أو تعطّلت الأرض بآفة سماوية انفسخت الإجارة فيما بقي من المدّة، وأمّا هذه الصّورة فهي مثل أن يشتري سلعة غالية ثم ترخص بعد ذلك بتغيّر الأسعار. والله أعلم. (الخامسة) : إذا وجد رجل ضالة من الإبل فأخذها يريد الحفظ، وهو معروف بالأمانة، ثم تلفت بعد ذلك بموتٍ أو ذهابٍ، هل يغرمها إذا طالبه صاحبها أم لا؟

стр. 240

(الجواب) : قال في الإنصاف: يجوز للإمام أو نائبه أخذ ما يمتنع من صغار السّباع وحفظه لربّه، ولا يلزمه تغريمه. قاله الأصحاب، ولا يكتفى فيها بالصّفة. قاله المصنّف وغيره، واقتصر عليه في الفروع. ولا يجوز لغيرهما أخذ شيء من ذلك لحفظه لربّه على الصّحيح من المذهب. وقال المصنّف ومَن تبعه يجوز أخذها إذا خيف عليها كما لو كانت في أرض مسبّعة أو قريباً من دار الحرب، أو موضع يستحلّ أهله أموال المسلمين، أو في برية لا ماء فيها ولا مرعى فلا ضمان على مَن أخذها؛ لأنّه إنقاذ من هلكة. قال الحارثي: قالوا كما قال. وجزم به في تجريد العناية. (قلت) : ولو قيل: بوجوب أخذها والحالة هذه لكان له وجه. انتهى. والذي يترجّح عدي أنّ الرّجل إذا عُرِفَ بالأمانة، وأنّه يحسن في حفظها ولم يتعرّض لها بركوبٍ وغيره، أنّه لا يضمن كما اختاره هؤلاء الأئمة. والله أعلم. (السّادسة) : إذا تزوّج رجل بامرأة وشرطت عليه طلاق ضرّتها، أو طلاقها بنفسها بعد شهرين هل يصحّ ذلك أم لا؟ (فالجواب) : أمّا شرطها طلاقها بنفسها بعد شهرين؛ فهذا لا يجوز اشتراطه، وهو شرط باطل، وأمّا اشتراط طلاق ضرّبها ففيه خلاف مشهور بين العلماء. والصّحيح أنّه شرط باطل بما ثبت في الصّحيحين وغيرهما أنّ النَّبِيّ ﷺ قال: "لا تسأل المرأة طلاق ضرّتها؛ فإنّه يأتيها ما قدر لها"، أو كما قال ﷺ . والله أعلم. (السّابعة) : إذا كان رجل معروفاً بالفلس ويعامله النّاس مع ظهور فلسه، وأراد رهن بعض ما في يده، أوفى به بعض الغرماء، وطلب غرماؤه الحجر عليه لزمه إجابتهم، وهذا هو الصّحيح إن شاء الله تعالى.

стр. 241

(الثّامنة) : العبد إذا ظاهر أو سرق من حرزٍ، هل يصير حكمه حكم الحرّ في ذلك أم لا؟ (فالجواب) : أنّ الذي عليه جمهور العلماء أنّ الظّهار يصحّ من كلّ زوجٍ يصحّ طلاقه. قال في الإنصاف: هذا هو الصّحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، فيصحّ ظهار الصّبي حيث صحّحنا طلاقه. قال في عيون المسائل: سوى أحمد بينه وبين الطّلاق إلى أن قال: (تنبيهان) : أحدهما: شمل قوله يصحّ من كلّ زوجٍ يصحّ طلاقه العبد، وهو الصّحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب. وجزم به في الفروع وغيره. وقيل: لا يصحّ، والذي يترجّح عندي هو قول جمهور العلماء. وأمّا العبد إذا سرق، فالظّاهر من كلامهم أنّه كالحرّ وصرّح به العلماء من الشّافعية. (التّاسعة) : ما معنى قوله: ولا يجوز استصناع سلعة بعينها؟ (فالجواب) : أنّ معنى ذلك: أن يأمر رجلاً أن يصنع له سلعة ولا يصفها بصفات السلم، فأمّا إذا ضبطها بأوصاف السّلم الذي لا يحصل معه الجهل ولا الغرر؛ فإنّه جائز؛ لأنّه داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ، [البقرة، من الآية: ٢٧٥] . وقوله ﵇: "المسلمون عند شروطهم ". (العاشرة) : إذا كان لرجلٍ على رجلٍ دين مؤجّل قدر عشرة وأراد أن يعجل له بخمسة ويترك الباقي هل يصحّ ذلك أم لا؟ (فالجواب) : أنّ فيها خلافاً مشهوراً بين العلماء. قال في الإنصاف: ولو صالح عن المؤجّل ببعضه حالاً لم يصحّ. هذا هو المذهب نقله الجماعة عن أحمد وعليه جماهير الأصحاب، وفي الإرشاد والمبهج رواية يصحّ، واختاره الشّيخ تقيّ الدّين؛ لبراءة الذّمّة هنا، وكدين الكتابة، جزم به الأصحاب في دين الكتابة، ونقله ابن منصور. انتهى كلامه. والذي يترجّح عندي هو

стр. 242

القول الأخير، وهو الذي اختاره الشّيخ تقي الدّين ـ قدّس الله روحه ـ. وأمّا إذا كان الدّين حالاً فوضع بعضه، وأجّل باقيه، قال في الإنصاف: صح الإسقاط دون التّأجيل، أمّا الإسقاط فيصحّ على الصّحيح من المذهب. وعنه: لا يصحّ الإسقاط، أمّا التّأجيل فقد يصحّ على الصّحيح من المذهب، وعليه الأصحاب؛ لأنّه وعد. وعنه يصحّ, وذكر الشّيخ تقي الدّين روايةً بتأجيل الحال في المعارضة لا التّبرّع. قال في الفروع: والظّاهر أنّها هذه الرّاوية. والله أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم. - _ ١٧ – وله أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن الشّيخ إلى الأخ رجب سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (وبعد) الخطّ وصل أوصلك الله إلى رضوانه، ونحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو على نعمة الإسلام والإيمان والعافية والاجتماع على دين الله بعد أجرى الله على أمير المسلمين ما أجرى، ونرجو من الله أن يفتح لنا فتحاً مبيناً، وينصرنا نصراً عزيزاً أعظم مما تقدّم. وأمّا المسائل التي تسأل عنها: (الأولى) : إذا قال رجل لزوجته: إن أعطيتِنِي كذا وكذا، فأنت طالق، أو إذا نزلت على أهلك، فأنت طالق، ومراده ونيّته وقت معلوم، كاليوم واليومين مثلاً، فلا تطلق إذا مضى الوقت الذي نواه، والظّاهر أنّه يحلف أنّ هذا مراده. وأمّا إذا علّق الطّلاق على شرطٍ فأراد الرّجوع عن ذلك التّعليق قبل وجود الشّرط، فالذي صحّحه في الإنصاف وغيره أنّه ليس له الرّجوع عن ذلك.

стр. 243

(الثّانية) : إذا طلبت المرأة من زوجها المريض طلاقها فطلّقها ثلاثاً صحّ طلاقه، وطلقت، والظّاهر أنّها لا ترث لعدم التّهمة، وأمّا كلام ابن عبّاس في الخلع وقوله: ليس الخلع بطلاق، فالظّاهر أنّ مراده الخلع الصّحيح، وهو المستكمل للشّروط المذكورة في القرآن: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ، [البقرة، من الآية: ٢٢٩] .وهي رواية عن أحمد، وهو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين، وهو مروي عن طاوس، وعكرمة، وإسحاق، وأبِي ثور، وهو أحد قولي الشّافعي. وأمّا خلع كثير من النّاس اليوم؛ فليس بخلعٍ صحيحٍ، والذي يفتى به لمثلهم أنّ الخلع طلاق بائن، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد، سواء نوى به الطّلاق أم لا. روي ذلك عن سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، ومالك، وأصحاب الرّاي. وأمّا مَن أراد تزويج أخته وليس معه إلاّ شاهد ويمين، فمثل هذا يشترط له كثير من أهل العلم شاهدين، وليس لليمين مدخل في مثل هذا، إنّما ذلك في المال، وما يقصد به المال. وأمّا الجار إذا كان شريكاً لجاره في طريق، وليس لغيرهما شركة فهي الشّفعة، خلاف مشهور. والرّاجح أنّ له الشّفعة، وهو المفتَى به عندنا، وهو اختيار الشّيخ تقيّ الدّين. وأمّا الصّبرة المشتراة، جزافاً فلا يجوز بيعها حتّى ينقلها المشتري من مكانها إلى آخر، ويكفي في ذلك أن ينقلها من موضعٍ في السّوق إلى آخر. وأمّا المساقاة والمزارعة إذا شرط ربّ الأرض أن لا يخرج منها سنين معلومة، فالظّاهر لزوم ذلك الشّرط، كما في الحديث: " المسلمون عند شروطهم "، وكثير من العلماء يقولون هي لازمة على المساقي والمزارع، وإن لم يشترط ربّ الأرض لزومه. وأمّا الذي خالع زوجته، وقال: أنت طالق

стр. 244

عدد الخوص، فإن كان الخلع صحيحاً فليس بطلاقٍ، وإن قال ذلك، وإن كان الخلع كخلع أكثر النّاس اليوم. وأمّا الأب فيجوز له الأخذ من مال ابنه صغيراً كان أو كبيراً بالشّروط المذكورة في كتب الفقه. وأمّا إذا اكترى رجل من آخر أرضاً أو نخلاً وأصابته جائحة؛ فإنّه يطرح عن المؤجّر بقدر ما نقصت الجائحة من الثّمرة من الأجرة. وأمّا إذا قال الزّوج لزوجته عند سؤالها منه الطّلاق: الله يرزقكِ، فهذا كناية يحتاج إلى نية الطّلاق، ويصدق بيمينه إن لم ينوِ الطّلاق. انتهى. وصلّى الله على نبيّنا محمّد وآله وصحبه وسلّم. - ١٨ – (أصل دعوة التّجديد في نَجد وقاعدتها) ورد على الشّيخ الإمام عبد الله بن الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب كتاب من الشّيخ عبد الله الصّنعاني يسأله فيه عمّا يدينون به، وما يعتقدونه من الحقّ، فأجابه بما هو الصّواب. قال رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، الصّلاة السّلام على سيّدنا محمّد سيّد الأنام، وعلى آله وصحبه البررة الكرام، إلى عبد الله بن عبد الله الصّنعاني، وفّقه الله وهداه وجنّبه الإشراك والبدعة وحماه، وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته.

стр. 245

أمّا بعد؛ فوصل الخط وتضمن السّؤال عمّا نحن عليه من الدّين. فنقول، وبالله التّوفيق: الذي ندين الله به عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بعبادة غيره ومتابعة الرّسول النَّبِيّ الأمّيّ حبيب الله وصفيّه من خلقه محمّد ﷺ . فأمّا عبادة الله وحده فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، [الذّريات: ٥٦] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، [النّحل، من الآية: ٣٦] . فمن أنواع العبادة الدّعاء وهو الطّلب بياء النّداء؛ لأنّه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة، أو بأحد أخواتها من حروف النّداء؛ فإنّ العبادة اسم جنس؛ فأمر الله عباده أن يدعوه ولا يدعو معه غيره. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ، [غافر: ٦٠] . وقال في النّهي: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، [الجن: ١٨] .وأحد كلمة تصدق على كلّ ما دُعِي به غير الله تعالى. وقد روى التّرمذي عن أنس أنّ النَّبِيّ ﷺ قال: "الدّعاء مخ العبادة". وعن النّعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : " الدّعاء هو العبادة، ثم قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ". رواه أحمد وأبو داود والتّرمذي. قال العلقمي في شرح الجاعم الصّغير: حديث: "الدّعاء مخ العبادة"، قال شيخنا: قال في النّهاية: مخّ الشّيء خالصه، وإنّما كان مخها لأمرين: أحدهما: أنّه امتثال لأمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، فهو مخ العبادة وخالصها. والثّاني: أنّه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع علقته عمن سواه ودعاه لحاجته وحده، ولأنّ الغرض من العبادة هو الثّواب عليها، وهو المطلوب بالدّعاء. وقوله:"الدّعاء هو العبادة"، قال شيخنا: قال الطّيبِي أتى بالخبر المعرّف باللام ليدلّ على الحصر، وأنّ العبادة ليست غير

стр. 246

الدّعاء".انتهى كلام العلقمي١. إذا تقرّر هذا؛ فنحن نعلم بالضّرورة أنّ النَّبِيّ ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء، لا الصّالحين، ولا غيرهم؛ بل نعلم أنّه نهى عن هذه الأمور كلّها، وأنّ ذلك من الشّرك الأكبر الذي حرمه الله تعالى ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ، [الأحقاف، الآيتان: ٥-٦] . وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ، [الشّعراء:٢١٣] . وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ ، [يونس، من الآية: ١٠٦] .الآيات. وهذا من معنى: (لا إله إلاّ الله) ؛ فإنّ (لا) هذه هي نافية للجنس، فتنتفي جميع الآلهة، (وإلاّ) حرف استثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله ، والإله اسم صفة لكلّ معبود بحقٍّ أو باطلٍ ثم غُلِّب على المعبود بحقٍّ؛ وهو الله تعالى الذي يخلق ويرزق، ويدبّر الأمور، وهو الذي يستحقّ الألهية وحده. والتّألّه: التّعبّد. قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] . ثُمّ ذكر الدّليل فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ، [البقرة، من الآية: ١٦٤] ، إلى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً﴾ الآية، [البقرة، من الآية: ١٦٥] . وأمّا متابعة الرّسول ﷺ ، فواجب على أمّته متابعته في الاعتقادات

стр. 247

والأقوال والأفعال. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، [آل عمران، من الآية: ٣١] . وقال ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو درٌّ".رواه البخاري ومسلم. وفي روايةٍ لمسلمٍ: " مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ ". فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله فما وافق منها قبل، وما خالف ردّ على فاعله كائناً مَن كان. فإنّ شهادة أنّ محمّد رسول الله، تتضمّن: تصديقه فيما أخبر به، وطاعته، ومتابعته في كلّ ما أمر به. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال:"كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلاّ مَن أبى"، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبى؟! قال:"مَن أطاعنِي دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبَى ". فتأمّل ـ رحمك الله ـ ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده والتّابعون لهم بإحسانٍ، وما عليه الأئمّة المقتدى بهم من أهل الحديث والفقهاء، كأبي حنيفة، ومالكٍ، والشّافعي، وأحمد بن حنبل ـ رحمهم الله تعالى ـ؛ لكي تتّبع آثارهم. وأمّا مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السّنة، ولا ننْكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نصّ الكتاب والسّنة، ولا إجماع الأمة ولا قول جمهورها. والمقصود بيان ما نحن عليه من الدّين، أنّه عبادة الله وحده لا شريك له، فبها نخلع جميع الشّرك، ومتابعة الرّسول، وبها نخلع جميع البدع إلاّ بدعة لها أصل في الشّرع؛ كجمع المصحف في كتابٍ واحدٍ، وجمع عمر ﵁ الصّحابة على التّراويح جماعةً، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كلّ خميس، ونحو ذلك. فهذا حسن. والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.

стр. 248

- ١٩ - أجاب الصّنعاني الشّيخ عبد الله ـ رحمهما الله ـ على كتابه بالموافقة على كلّ ما فيه إلاّ قوله: إنّ مذهبهم مذهب الإمام أحمد؛ فإنّه يقتضي تقليده، والتّقليد محظور، وإنّما ينبغي اتّباعه في الأخذ من الكتاب والسّنة، فأجابه الشّيخ عبد الله بهذا الكتاب. قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي نزل الكتاب على النَّبِيّ المختار، وبيّنه ﷺ ، وحمله عنه أصحابه الأخيار، ثم التّابعون لهم من الأبرار. إلى عبد الله بن عبد الله الصّنعاني، سلّمه الله من الشّرك والبدع، ووفّقه للإنكار على مَن أشرك وابتدع، والصّلاة والسّلام على محمّد الذي قامت به على الخلق الحجة، وبيّن وأوضح لهم المحجة، وعلى آله وصحبه القدوة بعده. أمّا بعد؛ فقد وصل كتابكم وسرّ الخاطر، وأقرّ النّاظر؛ حيث أخبرتم أنّكم على ما نحن عليه من الدّين، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ومتابعة الرّسول الأميّ سيّد ولد آدم ﷺ ، وما أوردتم على ذلك من الآيات الواضحات، والأحاديث الباهرات، وأنّ الرّدّ عند الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ثم إلى أقوال الصّحابة، ثم التّابعين لهم بإحسانٍ؛ فذلك ما نحن عليه، وهو ظاهر عندنا من كلّ قولٍ له حقيقة، وحقيقة العلم وثمرته العمل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، [آل عمران، من الآية: ٣١] .و ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ، [الصّفّ: ٢] . وكلّ يدعّي وصلاً ليلى وليلى لا تقرّ لهم بذاكا

стр. 249

فنحن أقمنا الفرائض والشّرائع والحدود والتّعزيرات، ونصبنا القضاة، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكرات، ونصبنا علم الجهاد على أهل الشّرك والعناد فلله الحمد والمنّة. وأمّا استفصالكم عن قولنا مذهبنا مذهب الإمام أحمد، وقولكم: إن تريدون أن نسلك في أخل المسائل من الكتاب والسّنة مثل مسلكه فنعم ما قلتم، وإن تريدون بقولكم ذلك التّقليد له فيما قاله من غير نظرٍ إلى الحجة من الكتاب والسّنة كما سلك بعض أتباع الأئمة الأربعة من جعل آرائهم وأقوالهم أصولاً لمسائل وأطرحوا الاحتجاج بالكتاب والسّنة وسدّوا بابهما إلى آخره. انتهى كلامكم ملخصّاً. فالجواب وبالله التّوفيق من أوجه: الوجه الأوّل: أنّ في رسالتنا التي عندكم ما يردّ هذا التّوهّم، وهو قولنا فيها: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، [آل عمران، من الآية: ٣١] . وقوله ﷺ : "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو درٌّ". رواه البخاري ومسلم. فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعال فما وافق منها قبل، وما خالف رُدَّ على قائله كائناً مَن كان إلى آخره. فتضمّن هذا الكلام أنّه لا يقدّم رأي أحدٍ على كتاب الله وسنة رسوله والعجب كيف نبا فهمكم عنها. الوجه الثّاني: قد صرّح العلماء أنّ النّصوص الصّريحة الصّحيحة التي لا معارض لها ولا ناسخ، وكذا مسائل الإجماع لا مذاهب فيها، وإنّما المذاهب فيما فهمه العلماء من النّصوص، أو علمه أحد دون أحد، أو في مسائل الاجتهاد ونحو ذلك. الوجه الثّالث: قد ذكر العلماء أنّ لفظة المذهب لها معنيان: معنىً

стр. 250

في اللّغة، ومعنى في الاصطلاح. فالمذهب في اللّغة: مفعل، ويصحّ للمصدر والمكان والزّمان بمعنى: الذّهاب، وهو المرور، أو محلّه وزمانه. واصطلاحاً: ما ترجّح عند المجتهد في أيّما مسألةٍ من المسائل بعد الاجتهاد، فصار له معتقداً ومذهباً. وعند بعضهم: ما قاله مجتهد بدليلٍ ومات قائلاً به. وعند بعضهم: أنّه المشهور في مذهبه كنقض الوضوء بأكل لحم الجزور، ومسّ الذّكر، ونحوه عند أحمد. ولا يكاد يطلق إلاّ على ما فيه خلاف. وقال بعضهم: هو في عرف الفقهاء: ما ذهب إليه إمام من الأئمة الاجتهادية١. ويطلق عند المتأخرين من أئمة المذاهب على ما به الفتوى، وهو ما قوي دليله. وقيل: ما كثر قائله. فقد تلخّص من كلامهم أنّ المذهب في الاصطلاح: ما اجتهد فيه إمام بدليلٍ، أو قول جمهورٍ، أو ما ترجّح عنده ونحو ذلك. وأنّ المذهب لا يكون إلاّ في مسائل الخلاف التي ليس فيها نصّ صريح ولا إجماع. فأين هذا من توهّمكم إنّ قولنا لكم: مذهبنا مذهب الإمام أحمد، أنا نقلّده فيما رأى وقاله، وإن خالف الكتاب والسّنة والإجماع؟! فنعوذ بالله من ذلك والله المستعان. الرّابع: قال ابن القيم في إعلام الموقّعين لما ذكر المفتين بمدينة السّلام، وكان بها إمام أهل السّنة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علماً وحديثاً وسنة إلى أن قال: وكانت فتاواه مبنية على خمسة أصول: أحدها: النّصوص فإذا وجد النّصّ أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولا مَن خالفه كائناً مَن كان، ثم ذكر أحاديث تمسّك بها الإمام
следующие страницы →