← Фатава

Фатава · id 12064

مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الأول)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (780 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فالجواب: إذا أعطى بعض أولاده عطية في حال الصّحّة وفضلهم على الآخرين أو خصّهم وقبض المعطى العطية ومات الوالد ولم يرجع في عطيته فإنّ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه ومالك والشّافعي وأصحاب الرّاي وأكثر العلماء إلى أنّه ليس لهم الرّجوع؛ لأنّها صارت لازمة في حقّ المعطى بانتقالها إليه في حياة المعطي واتّصل بها القبول والقبض، قالوا: والإثم على الوالد المفضل بينهم. وعن أحمد رواية ثانية: أنّها لا تثبت وللباقين الرّجوع. اختارها ابن بطة وأبو الوفاء ابن عقيل والشّيخ تقيّ الدّين الذي ذكره عنهم صاحب الإنصاف. وروي عن عروة بن الزّبير وإسحاق بن راهويه. فعلى هذه الرّواية الأخيرة إمّا أن تردّ، وإمّا أن تحسب عليه من ميراثه. قال الوالد والعمّ عبد الله في جوابهما للعماني: وهذا القول أقرب إلى الدّليل وأحوط. والله أعلم. انتهى. لكن الذي أفتى به شيخ الإسلام محمّد بن عبد الوهّاب واستمرّت عليه الفتوى مذهب الجمهور. السّادسة: رجل باع لآخر تمراً وقت جذاذ النّخل بدراهم حالة، ولم يكن عند المشتري دراهم يوفيه منها, ونيّة البائع عند بيع الثّمرة طمع في معاملته، فلمّا جاء وقت ثوار الزّرع ما أعطاه المشتري وعجز عن الدّراهم ولم يكن عند البائع دراهم يسلّمها عليه فاستقرض دراهم وأسلمها عليه بآصع بر أو شعير فغاب بها قدر نصف يومٍ أو يوم ثم ردّها المسلم على مَن أقرضه إيّاها، وربّما كانت أمانة عند المسلم أخذها بغير إذن صاحبها فأسلمها على مَن اشترى منه التّمر بعيش ثمّ ردّها عليه وردّها المسلم مكانها حيث أخذ فكأنّه قلب ثمن التّمر الذي في ذمّته بعيش، هل تصحّ هذه الصّورة أم لا؟

стр. 457

فالجواب: قد علمت أنّ قلب الدَّين على المعسر لا يجوز؛ لأنّه إنّما قلبه عليه لعجزه عن الوفاء فكأنّه حيلة، فإن كان هذا المسؤول عنه مليئاً ولم يكن المسلم شرط عليه الوفاء بها، فإذا قبضها البائع وذهب بها إلى بيته قدر اليومين أو الثّلاثة وتملّكها تملكاً تامّاً بحيث يتصرّف فيها بما شاء فلا بأس أن يوفيه بها عمّا في ذمّته له من الدّراهم وكونها قرضاً لا يضرّ، وأمّا إن كان أخذها من أمانته بغير إذن صاحبها فإنّه لا يصح. اللهم إلاّ أن يعلم منه الرّضا بذلك. هذا ما ظهر لنا. والله أعلم. السّابعة: رجل له أرض فقال مَن أراد أن يبني له فيها داراً يسكنها هو وأولاده ويكريها إن احتاج؛ فإذا أراد الانتقال عنها فليأخذ خشبه وأبوابه ولا يبيع ولتعد إلى أرضي فجاء إنسان فبنى في أرضه المذكورة فأخبر بعضهم بذلك الشّرط، وبعضهم سكت عنه مستكفياً بما قال أوّلاً فبنا فيها أناس كثير وسكنوا فيها مدّة من الدّهر وتصرّفوا بنحو رهن وكراء، وبعضهم منذ عشرين سنة وبعضهم منذ عشر سنين، وبعضهم منذ خمس سنين، ثم بعد ذلك مات ربّ الأرض الذي أذن في سكناها، فهل يكون إذنه في عمارتها والسكنى فيها هبة لا رجوع فيها أو هبة بشرط الرّجوع؟ ومع عدمه لا ترجع أو ملحقة بالعارية فإن قلتم: ترجع على ربّها فإذا قال ساكنها: أعطني قيمة الخشب والأبواب وأتركها لك فأبى صاحب الأرض دفع القيمة، فهل يلزم به؛ لأنّه أذن له في إشغال ملكه بالخشب والأبواب التي في ملكه أو يؤمر بقلعه؟ فالجواب: أنّ هذه فيما يظهر من سؤالكم ملحقة بالعارية، ونحن نذكر لك كلام صاحب الشّرح الكبير في أوّل باب العارية ملخّصاً حتّى يتبيّن لك الصّواب. قال فيه:

стр. 458

باب العارية: وهي إباحة الانتفاع بعينٍ من أعيان المال وتنعقد بكلّ لفظٍ وفعلٍ يدلّ عليه، وهي هبة منفعة تجوز في كلّ المنافع إلاّ منافع البضع، وتجوز مطلقة ومؤقتة، وللمعير الرّجوع فيها متى شاء سواء كانت مطلقة أو مؤقتة، وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعي. وقال مالك: إن كانت مؤقتة فليس له الرّجوع قبل الوقت، وإن لم يوقت مدّة لزمه تركه مدّة ينتفع بها في مثلها؛ لأنّ المعير قد ملكه المنفعة مدّة وصارت العين في يده بعقدٍ مباحٍ، فإن شغله بإذنه في شيء يستضرّ المستعير برجوعه لم يجز له الرّجوع. مثل: أن يعيره سفينة لحمل متاعه لم يجز له الرّجوع ما دامت في لجة البحر، وله الرّجوع قبل دخولها في البحر، وبعد خروجها منه لعدم الضّرر. وإن أعاره أرضاً للدّفن لم يرجع حتّى يبلى الميّت، وله الرّجوع فيها قبل الدّفن، وإن أعاره حائطاً ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع ما دام عليه، فإن سقط عنه بهدم أو غيره لم يملك ردّه، وإن أعاره أرضاً للزّرع لم يرجع إلى الحصاد، إلاّ أن يكون مما يحصد قصيلاً فيحصده. وإن أعارها للغرس أو البناء وشرط عليه القلع في وقت أو عند رجوعه ثم رجع لزمه القلع. لقول النَّبِيّ ﷺ :"المؤمنون على شروطهم". حديث صحيح. وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه ولا نعلم في هذا خلافاً. فأمّا تسوية الحفر فإن كان مشروطاً عليه لزمه لما ذكرنا، وإلاّ لم يلزمه، وإن لم يشرط المعير القلع لم يلزم المستعير لما فيه من الضّرر، فإن ضمن له النّقص لزمه، فإن قلع فعليه تسوية الأرض، وكذلك إن اختار أخذ بنائه وغراسه فإنّه يملكه، فإن أبى القلع في الحال التي لا يجبر عليها فبذل له المعير قيمة الغراس والبناء ليملكه أجبر المستعير قهراً عليه؛

стр. 459

كالشّفيع مع المشتري، والمؤجّر مع المستأجر، فإن قيل: المستعير أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لي لم يلزم المعير. وبهذا كلّه قال الشّافعي. وقال أبو حنيفة: يطالب المستعير بالقلع من غير ضمانٍ إلاّ أن يكون أعاره مدّة معلومة فرجع قبل انقضائها؛ لأنّ المعير لم يعره، فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النّقص وامتنع المستعير من القلع ودفع الأجرة لم يقلع، ثم إن اتّفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها وبنائها ودفع إلى كلّ واحدٍ منهما قدر حقّه، وإن أبيا البيع ترك بحاله وقلنا لهما انصرفا فلا حكم لكما عندنا حتّى تتّفقا. اهـ المقصود ملخصّاً. فتأمّله يستبين لك منه الجواب عن سؤالك ولاسيما قوله: وإن أعارها للغراس أو البناء إلى آخره. المسألة الثّامنة: إذا كان نهر بين قومٍ لكلٍ منهم فيه نصيب وأراد أحدهم بيع نصيبه من النّهر المذكور هل يصحّ أم لا؟ فالجواب: جواز بيعه مبنِيّ على ملك الماء وعدمه، والصّحيح أنّ الماء يملك بالعمل فيه لا نفس النّبع؛ فإنّه لا يملك إذا لم يكن قد نبع في ملكه، والعمل هو احتفار السّواقي وإصلاحها وبعث الآبار وعمارتها فبهذا تكون مملوكة. ونحن نذكر لك كلام صاحب الشّرح ملخّصاً، قال فيه: أمّا الأنهار النّابعة في غير ملك؛ كالأنهار الكبار فلا تملك بحالٍ، ولا يجوز بيعها ولو دخل إلى أرض رجلٍ لم يملكه بذلك كالطّير يدخل في أرضه، ولكلّ أحدٍ أخذه ويملكه إلاّ أن يحفر منه ساقيه فيكون أحقّ بها من غيره. وأمّا ما ينبع في ملكه كالبئر والعين المستنبطة فنفس البئر وأرض العين مملوكة لمالك الأرض والماء الذي فيها غير مملوك في ظاهر المذهب.

стр. 460

وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشّافعي، والوجه الآخر يملك؛ لأنّه نماء الملك، وقد روي عن أحمد نحو ذلك. فإنّه قيل له في رجلٍ له أرض ولآخر ماء يشترك صاحب الماء وصاحب الأرض وصاحب الزّرع يكون بينهما. فقال: لا بأس. اختاره أبو بكر. وهذا يدلّ من قوله على أنّ الماء مملوك أصحابه، وجواز بيع ذلك مبنِيّ على ملكه. قال أحمد: لا يعجبنِي بيع الماء البتة. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن قومٍ بينهم نهر تشرب منه أرضوهم لهذا يوم، ولهذا يومان، فيتّفقون عليه بالحصص فجاء يومي ولا أحتاج إليه أكريه بدارهم؟ قال: ما أدري. أمّا النَّبِيّ ﷺ فنهى عن بيع الماء. قيل له: إنّه ليس بيعه إنّما يكريه. قال: إنّما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شيءٍ هذا إلاّ البيع؟! وروى الأثر بإسناده عن جابر أنّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الماء. وروى أبو عبيد والأثرم أنّ النَّبِيّ ﷺ قال:"المسلمون شركاء في ثلاثة: الكلأ والنّار والماء". فإن قلنا: يملك جاز بيعه، وإن قلنا: لا يملك فصاحب الأرض أحقّ به من غيره لكونه في ملكه. والخلاف في بيع ذلك إنّما هو قبل حيازته. فأمّا ما يحوزه من الماء في إنائه أو يأخذه من الكلأ في حبله، أو يحوزه في رحله أو يأخذه من المعادن، فإنّه يملكه بذلك بغير خلافٍ بين أهل العلم. وليس لأحد أن يشرب منه ولا يأخذ ولا يتوضّا إلاّ بإذن مالكه؛ لأنّه ملكه. قال أحمد: إنّما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره. ويجوز بيع البئر نفسها والعين ومشتريها أحقّ بمائها. ثم ذكر حديث بئر رومة. وقال: بعد ذكره: وفي هذا دليل على صحّة بيعها وتسبيلها وملك ما يستقيه منها، وجواز قسمة مائها بالمهايأة، وكون مالكها أحقّ بمائها وجواز قسمة ما فيه حقّ وليس مملوك. فأمّا المصانع المتّخذة

стр. 461

لمياه الأمطار تجمع فيها ونحوها من البرك وغيرها فالأولى أن يملك ماؤها ويصحّ بيعه؛ لأنّه مباح حصل بشيءٍ معدّ له فملكه؛ كالصّيد يحصل في شبكةٍ، والسّمك في بركة معدّة له، ولا يحلّ أخذ شيء منه بغير إذن مالكه، وكذلك إن أجرى من نهرٍ غير مملوك ماء إلى بركة في أرضه يستقرّ الماء فيها لا يخرج منها فحكمه حكم مياه الأمطار تجتمع في البركة قياساً عليه. اهـ كلامه ملخّصاً. وقد عرفت ما قدمناه. والحمد لله وحده وصلّى الله على خيرٍ خلقه؛ محمّدٍ وآله ورضي عن صاحبته والتّابعين. فائدة: لا يجوز أن يجمع مع البيع ستة عقود ونظمها بعضهم فقال: عقود منعناها مع البيع ستة ... ويجمعها في اللّفظ جص مشنق فجعل وصرف والمساقاة شركة ... نكاح قراض منع هذا محقّق فالجيم للجعل، والصّاد للصّرف، والميم للمساقاة، والشّين للشّركة، والنّون للنّكاح، والقاف للقرض. اهـ. فائدة: قال في شرح الإقناع: ويكره زلزلة الكيل عند القبض لاحتمال زيادة الواجب. قال في شرح المنتهى: لأنّ الرّجوع عند الاكتيال إلى عرف النّاس في أسواقهم ولم يعهد فيها. اهـ. وفيه نظر، بل عهد ذلك في بعض الأشياء فعليه لا يكره فيها كالكشك. اهـ. فائدة: قال في حاشية المنتهى: قال في الإنصاف: ولا يضمن إذا استعاره وتلفت بغير تفريطه ككتب العلم وغيرها على ظاهر كلام أحمد والأصحاب. قاله في الفروع. فائدة: ذكر في الإنصاف في باب طريق الحكم وصفته عند قول المصنّف: ومَن كان له على إنسان حقّ ولم يمكنه أخذه بالحاكم وقدر له على

стр. 462

مال أخذه. أنّ محلّ الخلاف إذا لم يكن الدَّين الذي في ذمّته قد أخذه فهراً، فأمّا إن كان قد غصب ماله فيجوز له الأخذ بقدر حقّه. ذكره السّيخ تقيّ الدّين وغيره، وقال: ليس هذا من هذا الباب. انتهى. وجزم باختيار الشّيخ في الإقناع. مسألة: إذا غارس رجل رجلاً في أرضٍ على أن يغرس فيها قدراً معلوماً من النّخل والنّخل من العامل وينفق عليه العامل حتّى يثمر ثم يقتسمان النّخل والأرض هل يصحّ ذلك أم لا يصحّ إلاّ على أنّ الأرض لربّها والنّخل بينهما أو تصحّ في الصّورتين كما أفتى به أبو العبّاس رحمه الله تعالى؟ فالجواب: قال في الشّرح: لو دفع أرضه إلى رجلٍ يغرسها على أنّ الشّجر بينهما لم يجز، ويحتمل الجواز بناء على المزارعة، فإنّ الزّارع يبذر في الأرض فيكون بينه وبين صاحب الأرض. وهذا نظيره. فأمّا إن دفعها على الأرض والشّجر بينهما، فذلك فاسد وجهاً واحداً. وقال الشّيخ ـ قدّس الله روحه ـ: المذهب صحّته. وبه قال مالك والشّافعي وأبو يوسف ومحمّد ولا نعلم فيه مخالفاً. انتهى. وكذا قال أبو محمّد في المغني، وعلّله بأنّه شرط اشتراكهما في الأصل ففسد كما لو دفع إليه الشّجر والنّخل ليكون الأصل والثّمر بينهما أو شرط في المزارعة كون الأرض والزّرع بينهما. انتهى. وقال في الإنصاف: واختار الشّيخ جواز المساقاة على شجر يغرسه ويعمل عليه بجزءٍ معلومٍ من الشّجر أو الثّمر كالمزارعة. وذكر أنه هو المذهب. قال: ولو كان مغروساً، ولو كان ناظر وقفٍ وأنّه لا يجوز لناظر بعده بيع نصيب الوقف بلا حاجة. وأنّ للحاكم الحكم بلزومها ومحلّ النِّزاع فقط والحكم به من جهة عوض المثل، ولو لم يقم به بيّنة؛ لأنّه الأصل. ويتوجّه

стр. 463

اعتبار بيّنة. وقال في التّوضيح: وإن ساقاه على شجرٍ يغرسه ويعمل عليه حتّى يثمر بجزءٍ معلومٍ من الثّمر أو من الشّجر أو منهما، وهي المغارسة والمناضبة صحّ إن كان الغرس من ربّ الأرض، وقيل: يصحّ حكونه مساقاً ومناضباً وعليه العمل. انتهى. وقال في الرّوض المربع: ولا يشترط في المزارعة والمغارسة كون البذر والغراس من ربّ الأض، فيجوز أن يخرج العامل في قول عمر وابن مسعود وغيرهما، ونصّ عليه في روايةٍ منها، وصحّحه في المغني والشّرح. واختاره أبو محمّد الجوزي والشيخ تقيّ الدين، وعليه عمل النّاس؛ لأنّ الأصل المعول عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النَّبِيّ ﷺ أنّ البذر على المسلمين، وظاهر المذهب اشتراطه. نصّ عليه في رواية الجماعة، واختاره عامّة الأصحاب. وقدّمه في التّنقيح وتبعه المصنّف في الإقناع وقطع به في المنتهى. انتهى. فقد علمت أنّه فاسد في الثّانية بلا خلاف، وإنّما الخلاف في الأولى، وأنّ العمل على جوازه، وقوله: وهي عقد جائز، أي: من الطّرفين فلا تفتقر إلى ضرب مدّة؛ لأنّه ﵇ قال لأهل خيبر:"نقرّكم على ذلك ما شئنا".ولو كان لازماً لم يجز بغير تقدير مدّة، وقياساً على المضاربة؛ لأنّها عقد على جزء من النّماء في المال فعليها يبطل بما تبطل به الوكالة من موتٍ وجنونٍ وحجرٍ لسفهٍ وعزلٍ، وقيل: إنّها عقد لازم من جهة المالك فعلى المذهب أيضاً لكلّ منهما فسخها متى شاء، فإن فسخ بعد ظهور الثّمرة فهي بينهما، وعليه تمام العمل. وإن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له؛ لأنّه رضي بإسقاط حقّه للعامل أجرة عمله.

стр. 464

فائدة: إذا ظهر الشّجر مستحقاً؛ فله أجرة مثله على غاصبه ولا شيء على ربّه. فائدة: قال ابن رجب في الشّامخ: العقود الجائزة متى تضمن ضرراً على أحد المتعاقدين لم يجز ولا ينفذ إلاّ أن يمكن استدراك الضّرر بضمانٍ أو نحوه. فيجوز على ذلك. انتهى. - ٥ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (من حسن بن حسين إلى الشّيخ جمعان جمع الله شمله) سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والأسئلة وصلت وصلك الله تعالى تحقيق المعاني بتوحيد المباني، وسدّدنا وإيّاك في أفهامنا بلطفه وعطفه، وهذا الجواب واصلك إن شاء الله تعالى: المسألة الأولى: أشرتم في جوابكم عن السّؤال المتقدم عام اثنين وأربعين إلى الفرق بين النّكاح الفاسد والباطل، فأشكل علينا فأفيدونا بإيضاحه. الجواب: نعم. أسلفنا لكم في الجواب المتقدم بالتّاريخ المذكور أنّ النّكاح الباطل لا يحتاج إلى طلاق ولا فسخ ولا يوجب مهراً بدون الوطء بخلاف الفاسد، ونحن نذكر لكم هنا من عبارات الفقهاء ما تبدو معه وجوه الفرق في مسفرة ضاحكة. قال في الإقناع: ويقع الطّلاق في النّكاح المختلف في صحّته؛ كالنّكاح بولاية فاسقٍ، أو بشهادة فاسقين، أو نكاح الأخت في عدّة أختها، أو نكاح الشّغار، أو المحلّل، أو بلا شهود، أو بلا ولي وما أشبه ذلك، كفقد حكم بصحّته. ويثبت به النّسب والعدّة والمهر، ولا يقع في نكاح باطلٍ إجماعاً. ولا في نكاح فضولي قبل إجازته

стр. 465

وإن نفذناه بها. انتهى ملخّصاً. وقال في المنتهى وشرحه لتقيّ الدِّين الفتوحي: ولا فرق في عدّة وجبت بدون وطء بين نكاح فاسدٍ وصحيحٍ نصّ عليه. والمراد بالفاسد المختلف فيه؛ كالحنفي يتزوّج بلا ولي ونحو ذلك، ولا عدّة في نكاح باطلٍ أي مجمع على بطلانه إلاّ بوطء؛ لأنّ وجود صورته كعدمه. انتهى ملخّصاً. وقال في الرّوض المربع: تلزم العدّة كلّ امرأة فارقت زوجها بطلاقٍ أو فسخٍ أو خلعٍ حتى في نكاح فاسدٍ في خلاف كنكاح بلا ولي إلحاقاً له بالصّحيح. ولذلك وقع فيه الطّلاق. وإن كان النّكاح باطلاً وفاقاً أي: إجماعاً كنكاح خامسة أو معتدّة لم تعتدّ للوفاة إذا مات عنها، ولا إذا فارقها في الحياة قبل الوطء؛ لأنّ وجود هذا العقد كعدمه. انتهى. وبنحو ما ذكره مَن نقلنا كلامهم قاله غيرهم. فلا نطول بنقله. وقد أسلفنا لك في الجواب السّابق قول المغني والشّرح؛ لأنّه أي: النّكاح الفاسد يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى التّفريق. ولأنّ تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسلّط زوجين عليها كلّ منهما يعتقد صحّة نكاحه وفساد نكاح الآخر. ويفارق النّكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى كلامه في المغني والشّرح. فظهر مما نقلناه الفرق بين الفاسد والباطل، فالباطل لا يحتاج إلى طلاقٍ أو فسخٍ ولا يجب به عدّة ولا مهر بون الوطء. ومن صور الباطل أيضاً: نكاح الخامسة ونكاح المعتمد كما مثل به صاحب الرّوض. ومنها أيضاً: نكاح الموطوءة بشبهةٍ ونكاح زوجة الغير وذات المحرم من نسب ورضاع. والله أملم. المسألة الثّانية: ما معنى قوله في شرح الزّاد: ويقبل قول قابضٍ

стр. 466

في ثابت في ذمّة من ثمنٍ وقرضٍ وسلمٍ ونحوه إن لم يخرج عن يده انتهى. فما صورة ذلك؟ الجواب: معنى هذه العبارة: أنّه إذا ثبت على عمرو ليزدٍ عشرة آصع مثلاً، سواء كانت ثمن بيع باعه زيد إلى عمرو أو قرض أقرض زيد عمراً أو دَين سلم في ذمّمة عمرو لزيد أو أجرة دار في ذمّة عمرو لزيدٍ أو قيمة سلعة أتلفها عمرو لزيد فثبت غرمها في ذمّته فبعد ما قبضه زيد من عمرو بعيبٍ وجده فيها وأنكر عمرو كون الآصع المردودة هي الآصع التي دفعها، فإنّ القول في هذه الصّورة التي صوّرنا قول القابض للثّابت، وهو قول زيد بيمينه؛ لأنّ الأصل بثاء شغل الذّمّة بهذا الحقّ الثّابت، والقاعدة: أنّ القول قول مدّعي الأصل وإنّما عبّرنا بالقابض ليشمل البائع والمقرض والمسلم والمؤجّر ونحوهم. المسألة الثّالثة: هل تجوز الإقالة في غير المسلم بأكثر من رأس المال سواء تقابضا أم لا؟ وهذا كثير في النّاس إذا اشترى الإنسان سلعة بنقد أو غائب ثم طلب المشتري من البائع الإقالة ويدفع إليه شيئاً من المال يتراضيان عليه. الجواب: لا تصحّ مع زيادة على ثمن معقود به أو مع نقصه أو بغير جنسه؛ لأنّ مقتضى الإقالة ردّ الأمر على ما كان عليه ورجوع كلّ منهما إلى ماله، فلو قال: أقلنِي ولك كذا، ففعل فكرهه أحمد لشبهه بمسائل العينة؛ لأنّ السّلعة ترجع إلى صاحبها ويبقى له على المشتري فضل دراهم. قال ابن رجب: لكن محذور الرّبا هنا بعيد. انتهى من المنتهى وشرحه. ولا فرق فيما قبل القبض أو بعده حتى في مكيلٍ وموزونٍ لكونها فسخاً

стр. 467

على المشهور المختار للأصحاب؛ لإجماع العلماء كما حكاه ابن المنذر على جوازها في السّلم مع النّهي عن بيع الطّعام قبل قبضه. المسألة الرّابعة: إذا قلنا إنّه ليس إلاّ الرّدّ والإمساك في المعيب كما هو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة، وكان ظهور العيب بموضع ضرورةٍ كالمسافر على الدّابّة وراكب السّفينة فهل يتعيّن الأرش في هذه الحال على هذا القول حضر البائع أو غاب؟ الجواب: لا ريب أنّ القائلين بهذا القول كأبي حنيفة والشّافعي وأبي العبّاس يقيّدونه بما إذا لم يتعذر ردّه، لكن الذي يظهر من كلامهم أنّ ما ذكرته في السّؤال ليس من صور التّعذّر الذي عنوه، وإنّما الذي أرادوه كعتق العبد وإعتاقه وقتله وموته ونحو ذلك مما ييأس معه من الرّدّ غير عالمٍ بعينه. أمّا ما ذكرته فلا يظهر أنّه تعذر ولا يوصف بموضع الضّرورة؛ لاندفاعه بالإمساك مجاناً لاسيما واللّزوم والجواز عارض، ثم رأيت بعض القائلين بهذا القول صرّح في كتابه باعتبار اليأس من الرّدّ وانحصار أسبابه يستحقّ معها الأرش في ثلاثة أمور. فقال: ولغير مقصر أيس من ردّ بتلف ونكاح وتعيب لا بيع أرش. انتهى. قال الشّارح: قوله: أرش مبتدأ خبره: ولغيره مقصر أيس، ويجوز أن يجعل قوله: أرش فاعلاً لفعلٍ مقدّرٍ دلّ عليه قوّة الكلام، وأيس صفة لغير، والمعنى: ويثبت لغير مقصر في أداء المعيب أرش، وأفاد انحصار الأسباب في الأمور الثّلاثة. انتهى من بعض كتب الشّافعية. وقوله: لا بيع، جرى على أحد القولين عندهم من أنّ البيع لا يحصل به اليأس من ردّ المعيب؛ لأنّه ربّما عاد، والقول الثّاني لهم أنّ البيع أثر رابع يحصل به اليأس كالتّلف والنّكاح والتّعيب.

стр. 468

إذا تقرّر لك ما ذكرناه فاعلم أنّه إن كان من التزام ما لا يلزم أن يقوى عندنا من المذهبين في هذه المسألة ما عليه جماهير أصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ من القول بالأرش مع الإمساك مطلقاً، أو الرّدّ سواء أمكن الرّدّ أو تعذّر؛ لأنّه أمكن تقرير العقد من غير ضررٍ. قال في الشّرح الكبير: ولأنّه ظهر على عيبٍ لم يعلم به فكان له الأرش كما لو تعيب عنده. اهـ. ولرضاء المتعاقدين على أنّ العوض في مقابلة المعوض فكلّ جزء من العوض في مقابلة جزء من المعوض ومع العيب فإنّه جزء فيرجع ببدله، وهو الأرش. انتهى من شرح المنتهى لمنصور. وأجابوا عن حديث المصراة الذي استدلّ به المانعون من الإمساك مع الأرش سوى ما ذكروه بأنّ المبيع في المصراة ليس فيه عيب، وإنّما ثبت له الخيار بالتّدليس لا لفوات جزء كما في المعيب فلم يستحقّ شيئاً. اهـ. وحيث اختير الرّدّ على كلّ من المذهبين فإنّه لا يفتقر إلى حضور البائع كما لا يفتقر إلى رضاه، والمبيع بعد فسخ؛ لأنّه ذكره في المنتهى وغيره. المسألة الخامسة: إذا طلقت المرأة وهي حامل فلمّا انقضت عدّتها بوضع الحمل تزوّجت ثم طلّقها الثّاني ولم تحض بعد طلاقته هل تعتدّ بثلاثة أشهر أم يصير حكمها حكم مَن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه؟ الجواب: صرح الفقهاء من الحنابلة والشّافعية بأنّ المعتدّة إذا علمت ما رفع حيضها من رضاعٍ، أو نفاسٍ، أو مرضٍ، أو خوفٍ، أو قحطٍ أو ضيق عيش وجوعٍ ونحو ذلك، فإنّها لا تزال في عدّة حتّى يعود الحيض فتعتدّ به، وإن طال الزّمن أو تباعدت الأقراء أو حتّى تصير إلى سنّ الإياس فتعتدّ عدّة الآيسة. نصّ عليه الإمام أحمد في رواية صالح وأبي طالب وابن

стр. 469

منصور، وهو المجزوم به عند المتأخّرين من الأصحاب والمحقّقين من الشّافعية؛ لقصة حبان بن منقذ وزوجته، وهي مشهورة. وهذه المرأة المسؤول عنها تذكر أنّها عالمة لما رفع حيضها وهو الرّضاع فلا تزال في عدّة حتّى يعود إليها أو تبلغ سن الإياس على هذا القول المعتمد من الأقوال. المسألة السّادسة: إذا ارتفع حيض المرأة مدّة طويلة لا تدري ما رفعه، وهي تلك المدّة مع زوجٍ ثم طلّقها هل تعتدّ بسنة أو بثلاثة أشهر؟ الجواب: أنّها تعتدّ بسنة من الطّلاق. قال في شرح الإقناع: مَن ارتفع حيضها ولو بعد حيضةٍ أو حيضتين لا تدري ما رفعه اعتدّت بسنة منذ انقطاع بعد الطّلاق، فإن كان انقطاعه قبل الطّلاق فمن تسعة أشهر للحمل وثلاثة أشهر للعدّة. انتهى. والقاعدة: عود الضّمير إلى أقرب مذكورٍ. فقد عرفت أنّ العدّة المسؤول عنها سنة من الطّلاق. المسألة السّابعة: ما الرّاجح عندكم من الأقوال فيمَن اتّجر بمال الغير بغير إذنه إلى آخر السّؤال؟ الجواب: الأشبه بالقواعد الشّرعية ما اقتضته المعاقد المذهبية من تحريم التّصرّف في مال الغير بغير إذنه. إذا علم بالحال وأنّ حكمه حكم الغاصب لتعدّيه بتناوله المحظور عليه شرعاً بغير إذن مالكه، فنصحّح تصرّفه، يعنِي: أنّ الرّابح الحاصل بتصرّفه لمالك المال كأصله؛ لأنّه ملكه ونتيجته وليس للمتصرّف من الرّبح شيء، ونصّ عليه الإمام أحمد في المتجر بالوديعة في رواية الجماعة. قال ابن نصر: نصوص أحمد متّفقة على أنّ الرّبح للمالك. المسألة الثّامنة: إذا أوقف إنسان آصعاً في نخله أو أرضه عموماً ثم

стр. 470

اقتسم الورثة وجعلوا للوقف قطعة تفي بالآصع ثم تعطّل نفعها أو نقص فهل يرجع الوقف على أهل القسمة ويوزع على قدر السّهام النّقص أو الكلّ إذا تعطلّ؟ الجواب: الذي تقتضيه قواعد الفقهاء أنّ الإفراز المذكور للوقف لا يصحّ لوجوب العمل بنصّ الواقف وتعيينه. وهذا تحيل على إبطال الوقف أو تقليله بتحويله عن جميع الملك إلى جزءٍ يسيرٍ منه يتلف بتلفه ويضعف بضعفه، ومن المعلوم ضرورةً أنّ غرض الواقف أن يجعله في غلّة جميع الملك وبقاؤه على الدّوام، وعبارة الفقهاء طافحة بمنع التّصرّف في الوقف مِمَّن له الولاية عليه بالأحظّ أو مصلحة الوقف فيه، أو بما يقلّل الرّغبات فيه ولو مآلاً. فأقول: الآصع المذكورة باقية في غلّة جميع الملك ما بقي الملك، لا تزول ولا تغير والحال ما حال. الله أعلم. وصلّى الله على محمّدٍ وآله وصحبه وسلّم. - ٦ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُئِلَ الشّيخ حسن بن حسين عن رجلٍ أوصى لآخر بوصيّة فماتا بحادثٍ عمّهما ولم يعلم أيّهما السّابق، هل تنفذ الوصّية والحال ما ذكر فيستحقّها ورثة الموصى له أم لا تصح؟ فالجواب: الذي يظهر أنّها لا تنفّذ، ولا تصحّ من وجهين: الأوّل: أنّ الوصيّة هي () ١ بالتّصرّف بعد الموت، فهي جارية

стр. 471

مجرى الميراث من حيث كونها انتقال مالٍ من إنسانٍ بغير عوضٍ فلا تستحقّ إلا بتحقّق حياة الموصى له بعد الموت الوصيّ. الوجه الثّاني: أنّ الذي عليه جمهور الفقهاء أنّ الملك لا يثبت للموصى له إلاّ بالقبول بعد الموت إذا كان الموصى له واحداً أو جمعاً محصوراً، قال أحمد: الهبة والوصيّة واحد. وقد عرفت أنّ الوصيّة المذكورة لا تنفّذ ولا تصحّ. والله أعلم. - ٧ - وله أيضاً قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصّلاة والسّلام على رسول الله ﷺ وآله وصبحه أجمعين. أمّا بعد؛ فهذا جواب ما سأل عنه الأخ عبد الله الفائز كثّر الله تعالى فوائده على الوجه الأخصّ. قال السّائل: المسألة الأولى: إذا دخلت باء البدلية على المسلم فيه وكان بلفظ البيع هل يكون بيعاً أم سلماً؟ لأنّهم ذكروا أنّ ما دخلت عليه الباء فهو الثّمن ولو أنّ أحدهما نقد هنا دخلت على المثمن. الجواب: اعلم أنّ أصل تأسيس القاعدة المذكورة اختلاف وقع في الثّمن، هل هو النّقد أو ما التصقت به الباء؟ وإن كان أحد العوضين نقداً فهو الثمن. وإلا يكن فما دخلت عليه الباء فيه أقوال ثلاثة. إذا عرفت ذلك، فالمذكور على الوجه المزبور سلم؛ لأنّا إن قصرنا القاعدة على بيوع الأعيان دون غيرها بقرينة ذكرهم لها في قبض المبيع أو في الصّرف للاحتياج فيها أي: في بيوع الأعيان إلى تمييز الثّمن من المثمن المعينين

стр. 472

الخاضرين، فهي لا تتناول عقد السّلم ويرشحه ما نبّه عليه بعضهم من أنّ قواعد الأصحاب توكيلية وأكثرية، وإن لم تقصر القاعدة على بيوع الأعيان لكوننا لم نجده صريحاً في كلامهم، وإن صرّح به غيرهم في قوله لما تساوى الثّمن المعيّن والمبيع احتيج إلى معرفة الثّمن من المثمن بالباء. انتهى. فالذي أظهره أمام التّصحيح في التّنقيح أولى بالتّرجيح حيث قال: وقيل: إن كان أحدهما نقداً فهو الثّمن وإلاّ تميّز بالباء، وهو أظهر. انتهى. المسألة الثّانية: إذا أجّر إنسان أرضاً ونحوها من غير تقدير مدّة معلومة بل قال: كلّ سنة بكذا، هل يكون لهما أو أحدهما الفسخ عند مضي السنة أم لا؟ الجواب: إن أكرى الدّار ونحوها كلّ شهر بدرهم أو أكراه للسّقي كلّ دلو بثمنٍ صحّ العقد فعلى هذا تلزم الإجارة في الشّهر الأوّل بإطلاق العقد. قاله في المغني والشّرح, وما بعده يكون مراعى، ونبّه عليه بقوله: وكلّما دخل شهر لزمهما حكم الإجارة إن لم يفسخا الإجارة أو له ولكلّ واحدٍ منهما، أي: من المؤجِّر والمستأجر عقب انقضاء كلّ شهر الفسخ على الفور في أوّل الشّهر، وليس بفسخ على الحقيقة؛ لأنّ العقد الثّاني لم يثبت. قاله في المغني والشّرح والرّعاية. قال في المغني والشّرح: إذا ترك التلبس به فهو كالفسخ لا تلزمه أجرة. انتهى من الإقناع وشرحه. المسألة الثّالثة: هل يجوز خلط البرّ بالشّعير؟ الجواب: أمّا للبيت فيجوز. وأمّا للبيع ونحوه فمكروه لما فيه من الغشّ والتّدليس. وضابط الغشّ المحرم اشتمال البيع ونحوه على وصف نقصٍ لو علم به المشتري امتنع من شرائعه، وأكثر النّاس لا يعلمون قدر المشوب وإن شاهدوه. وروى ابن ماجه وابن عساكر عن صهيب مرفوعاً:

стр. 473

"ثلاثة فيهن البركة: البيع إلى أجل، والمعاوضة، وخلط البرّ بالشّعير للبيت، لا للبيع".لكن قال الحافظ الذّهبي: إنّه واهٍ جدّاً. وقال البخاري فيما نقله عنه ابن حجر: إنّه موضوع. المسألة الرّابعة: الأرض المحتكرة ما هي هل المسمّاة في زماننا المصبرة أم لا؟ الجواب١: لا تصحّ لكونها من أنواع البيع لكنها اختصت بهذه الأسماء كاختصاص الصّرف والسّلم باسمائهما والجميع بيع. فالتولية البيع برأس المال، والشّركة بيع بعضه بقسطه من الثّمن، ولا يصحّ بيع المسلم فيه قبل قبضه. قال في المغني والشّرح: بغير خلاف نعلمه لنهيه ـ عليه الصّلاة السّلام ـ عن بيع الطّعام قبل قبضه. انتهى. المسألة الخامسة: الرّهن المنقول كالسّيف ونحوه إذا رهنه شخص عند آخر ثم رهنه المرتهن عند غيره بغير إذن راهنه الأوّل، هل يزول لزومه بإخراجه عن يده؟ فإن قلتم: يزول، فهل عنهما أو عن أحدهما؟ الجواب: يزول لزومه عنهما معاً أمّا المرتهن فلإخراجه له باختياره واستدامة قبضه شرط للزومه فانتفاء المشروط بانتفاء شرطه. قال في شرح الإقناع: فإذا لم يكن المرهون في يده زال. انتهى. وأمّا الثّاني وهو راهنه؛ لأنّه ممنوع التّصرّف مطلقاً بغير إذن الرّاهن. صرّح به في شرح الإقناع وغيره. المسألة السّادسة: إذا استدان زيد من عمرو ديناً ورهنه به رهناً ثم استدان عمرو من بكرٍ دَيناً فرهنه به مرهون زيد برضا زيدٍ، هل يصحّ أم لا بدّ من فسخ عمرو للرّهن ويقع عقد الرّهن بين زيد وبكر أم لا يصحّ في الصّورتين؟

стр. 474

الجواب: ظاهر كلامهم صحّة رهن المرتهن للمرهون بإذن راهنه عند أجنبِي، ويكون فسخاً للرهن الأوّل كالبيع بالإذن. وأمّا قولهم: المشغول لا يشغل، والمرهون لا يرهن، فمرادهم به جعله مرهوناً بالدَّينين معاً فاعمله. المسألة السّابعة: إذا اشتريت مكيلاً فهوة أو نحوها كيلاً كلّ عشرة آصع بكذا فكانت من الصّبرة عشرة ووزنته بالميزان وعرفت مبلغ العشرة وزناً ثم أخذت الباقي وزناً على هذا التّقدير فهل يصحّ هذا القبض أم لا؟ الجواب: إذا انتفى الغرر وحصل العلم بالمبيع المكيل وزناً فلا مانع من صحّة القبض لنصّ الفقهاء على جواز قبض المكيل وزناً وبالعكس في غير بيع الجنس الواحد بعضه ببعض وفي غير اقتضاء دَين السّلم في رواية المروذي واختارها جمع منهم: ابن أبي عمر وجزم به في الوجيز، وسيأتي في جواب العاشرة قول المنتهى وشرحه كسمن مائع أو جامد مع وعائه موازنة مع أنّ كلّ مائع مكيل. المسألة الثّامنة: إذا اشترط المشتري على البائع قوّة الكيل وزاد بها زيادة بيّنة بمشاهدة البائع له ورضاه به، هل تحلّ هذه الزّيادة للمشتري؟ الجواب: إذا اتّفق البائع والمشتري على ما ذكر ولا غرر في ذلك فلا مانع، وقد نصّ الإمام أحمد ﵀ على كراهة الزلزلة عند القبض لاحتمال زيادة على الواجب. قال الفتوحي في شرح المنتهى: ولأنّ الرّجوع في كيفية الاكتيال إلى عرف النّاس في أسواقهم ولم تعهد فيها. انتهى. قال الشّيخ منصور: وفيه نظر. بل عهد ذلك في بعض الأشياء، فعليه لا يكره فيها. انتهى. قلت: وعليه أيضاً لا يكره في القهوة ونحوها لكون العرف

стр. 475

فيها زلزلة المكيال، وذكر الشّيخ محمّد الخلوتي أنّ الآية محمولة على ما يتضمّن أخذ زيادة لا تسمح بها النّفوس عادةً. المسألة التّاسعة: إذا باع إنسان آخر موزوناً كتمر متحيل مثلاً مشاهداً بظروفه على أنّ كلّ رطلٍ بدرهمٍ والظّروف تحسب تمراً ولم يعلما قدرها لا مع العقد ولا بعده هل يصحّ العقد أم لا؟ الجواب: يصحّ بيع بوعاء كسمن مائع أو جامد مع وعائه موازنة كلّ رطلٍ بكذا مطلقاً، أي: سواء علما مبلغ الوعاء أو ما به أو لا لرضاه بشراء الظّروف كلّ رطلٍ بكذا كالذي فيه. ويصحّ ما بوعاء دونه، أي الوعاء مع الاحتساب بزنته، أي: الوعاء على مشتريه إن علما حال العقد مبلغ كلّ منهما وزناً؛ لأنّه إذا علم أنّ ما بالوعاء عشرة أرطال وأنّ الوعاء رطلان، واشتري كذلك كلّ رطلٍ بدرهمٍ صار كأنّه اشترى العشرة التي بالوعاء باثني عشر درهماً، فإن لم يعلما مبلغ كلّ منهما لم يصحّ البيع لأدائه إلىجهالة الثّمن. انتهى من المنتهى وشرحه. فتأمّله، فإنّه صريح في المسألة وافهم الفرق بين الصّورتين. المسألة العاشرة: الأرض المغصوبة والنّخل إذا استأجرها إنسان وسوقي على النّخل بجزءٍ معلومٍ من الثّمرة وأجرة معلومة للأرض هل يحرم على العامل نصيبه لتولّده من الأرض المغصوبة أم يكره أم لا كراهة ولا تحريم في حقّه؟ الجواب: يد هذا العامل إحدى الأيدي المترتبة على يد الغاصب، وكلّها أيدي ضمان، وقد مثلوا الثّالثة بيد المستأجر والسّابعة بيد المساقي والمضارب والشّريك فأرجى هذه اليد العاشرة مما عدا التّحريم والتّغريم. المسألة الحادية عشرة: إذا آجر إنسان أرضاً ونحوها مدّة معلومةً

стр. 476

كلّ سنة بجديدة أو ربع مثلاً وبطل التّعامل بها ولم نعلم وقت العقد قيمتها ما الحكم فيها؟ الجواب: يبعد تعذر معرفة القيمة في الجديدة أو الرّبع لقرب العهد بالتّعامل بل بقاء التّعامل، وإذا فرضناه فقياس كلامهم فيما إذا كان رأس مال السّلم جوهرة ونحوها، وفيما إذا باعه الشّقص المشفوع بجوهرة ونحوها وجهلت القيمة أنّ القول قول المستأجر هنا؛ لأنّه غارم، وإن جهلها المؤجّر والمستأجر معاً فمقتضى القواعد الرّد إلى أجرة المثل، وهي ما انتهت إليه رغبات النّاس بعد الاشتهار لا ما قوّمه المقوّمون قياس ما ذكروه فيما إذا وقع ثمن الشقص المشفوع عوضاً وكان موجوداً أنّه يعرض على المقوّمين ليشهدوا بقيمته. المسألة الثّانية عشرة: إذا اشترط الغريم على المدين أنّ دَينِي قادم في زرعك أو نخلك هل يكون هذا رهناً إذا كان عرف البلد كذلك؟ الجواب: إذا توفّرت شروط الصّحّة واللّزوم واطّرد العرف بهذه الصّيغة أو بالمعاطاة فيما يتناول أو بالتّخلية المعتبرة في نحو ما ذكر بدون صيغةٍ لفظيةٍ فلا مانع. قال في الغاية: وينعقد بلفظ ومعاطاة. انتهى. فأمّا التزام لفظ مخصوص فليس فيه أثر ولا نظر. قاله أبو العبّاس. المسألة الثّالثة عشرة: ما ضابط الإعسار الذي يحرم قلب الدَّين على مَن قام به؟ الجواب: اختلف في ضابطه ولعلّه أقرب الأقوال فيه أنّه عدم القدرة على الوفاء بإعدام أو كساد متاع ونحوه أو كون موجوده أقلّ من دَينه. قال الشّيخ تقيّ الدِّين بعد كلام سبق: وإن كان معسراً وله مغلاة يوفى

стр. 477

منها أو في دَينه بحسب الإمكان. انتهى. فسمّاه معسراً وله مغلاة. المسألة الرّابعة عشرة: هل يقوم أمير البلد مقام الحاكم عند عدمه فيما يتعلّق بالحاكم أم لا؟ الجواب: أمّا مطلقاً فلا. وأمّا في الجملة أو في بعض المسائل فربّما. قال في الإقناع: فإن عدم الوليّ مطلقاً أو عضل زوجها ذو سلطانٍ في ذلك المكان كوالي البلد وكبيره وأمير القافلة ونحوه. فإن تعذر زوجها عدل بإذنها، قال أحمد في دهقان القرية، أي: رئيسها يزوّج من لا ولي لها إذا احتاط في الكفء والمهر إذا لم يكن في الرّستاق قاضٍ. انتهى. قال الزّركشي: لأنّ دهقان القرية هو كبيرها فهو بمنْزلة حاكمها والقائم بأمرها. انتهى. وقال ابن عقيل في الفصول في الصّلاة على الميّت: إذا اجتمع السّلطان وغيره قدّم السّلطان، فإن لم يحضر أمير البلد فالحاكم. انتهى. وصرح ابن عطوة ـ رحمه الله تعالى ـ بالإلزام بما يصدر من واحدٍ ككبار نجد الحاكمين على قراهم هو ووجوه أهل قريته من بيع تركة أو قضاء دَين على الوجه الشّرعي. المسألة الخامسة عشرة: هل يحرم إنشاء الحجّ على الحيوان المغصوب من بلد مريد الحجّ أم يختصّ التّحريم وعدم الصّحة بما بعد الإحرام. الجواب: أمّا التّحريم فمطلقاً، وأمّا عدم الصّحّة فظاهر كلامهم ما صرح به في الغاية حيث قال: أو حجّ بغصب عالماً به ذاكراً له وقت على عبادة لم تصحّ وإلاّ صحّت. ويتجّه لو تاب في حجّ قبل دفع من عرفة أو بعده إن عاد فوقف مع تجديد إحرام الصّحة لتلبسه بالمباح حال فعل الأركان. انتهى. ولا يبعد قبول خبر الأعرابي إن حفته قرائن ونحوها. المسألة السّادسة عشرة: تقدير وقت النّهي عن الصّلاة بعد طلوع

стр. 478

الشّمس بالرّمح هل هو الطّويل أم الزّانة في عرف أهل الوقت الخ؟ الجواب: في حديث عمرو بن عنبسة ثم أقصر عن الصّلاة حتّى ترتفع الشّمس قيس رمح أو رمْحين. قال في المبدع: والظّاهر أنّه الرّمح المعروف. وقال في المستوعب: حتّى تبيض. انتهى. ولأنّه المنصرف إليه عند الإطلاق، وذكر الفقهاء أنّه تقريب لا تحديد. والمراد قدره في رأي العين وإلاّ فالمسافة بعيدة جدّاً. كذا قال بعضهم. وأمّا الزّانة فهي أقرب شبهاً بالعنَزة لقول أبي السّعادات في النّهاية: العنَزة: مثل نصف الرّمح أو أكثر شيئاً. المسألة السّابعة عشرة: ما ضابط معاطن الإبل الخ؟ الجواب: هي التي تقيم فيها وتأوي إليها، قال أحمد: وقيل: مكان اجتماعها إذا صدرت عن المنهل. زاد بعضهم: وما تقف فيه لورود الماء. قال في المغني والشّرح: والأوّل أجود؛ لأنّه جعله في مقابلة مراح الغنم لا نزولها في سيرها. قاله في المبدع. المسألة السّابعة عشرة: إذا صلّى بعد التّراويح، وقبل الوتر، هل يُسَمّى تعقيباً أم لا؟ وهل يكون مسنوناً أو مباحاً أم كيف الحكم؟ الجواب: التّعقيب صلاته بعد التّراويح والوتر جماعة. نصّ عليه أحمد وجزم به جمهور الأصحاب. قال في المبدع: وظاهره أنّه إذا تطوّع بعدها وحده لا يكره، وصرّح به ابن القيم ﵀ وذكره منصوصاً وهو ظاهر المغني وغيره. انتهى. قال ابن القيم في البدائع: قال حنبل كان أبو عبد الله يصلّي معنا إذا فرغنا من التّرويحة جلس وجلسنا وربّما تحدّث ويُسْأَل عن الشَّيء فيجيب

стр. 479

ثم يقوم فيصلّي ثم يدعو بعد الصّلاة بدعوات، ثم ينصرف. انتهى. فقد عرفت أنّه لا يُسَمَّى تعقيباً، وأنّ الإمام أحمد كان يفعله فيكون مباحاً. المسألة التّاسعة عشرة: ما الفرق بين حدّثنا، وأخبرنا، وأنبأنا؟ الجواب: بينها فرق اصطلاحي عند المحدِّثين، فإذا قال المحدِّث: حدَّثنا، حمل على السّماع من الشّيخ، وإذا قال: أخبرنا، حمل على سماع الشّيخ فلفظ الأخبار أعم من التّحديث فكلّ تحديثٍ إخبارٌ ولا ينعكس. قاله ابن دقيق العيد. وأنبأنا من حيث اللّغة واصطلاح المتقدِّمين بمعنى: أخبرنا إلاّ في عرف المتأخرين فهو للإجازة كعنه، فلما كثر واشتهر استغنى المتأخّرون عن ذكره. قاله خاتمة المحدِّثين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى. والله أعلم. - ٨ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الرّحمن سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل، وتسأل فيه عن مسائل: الأولى: هل قيء الغلام طاهر أم نجس كبوله؟ الجواب: حكم قيئه حكم بوله إلاّ أنّه أخفّ منه صرح به في الإقناع وغيره. وهو ظاهر الرّوض وغيره. الثّانية: إذا أسلم عجلاً في بقرة موصوفة فلمّا حلّ الأجل وجدت الصّفة في عين رأس المال هل يجزئ دفعه ويلزم قبوله أم لا؟ الجواب: إذا اتّحدا صفةً ولم يفعل ذلك لينتفع بالعين أجزأ ولزم قبوله وقطع به في الإقناع.

стр. 480

الثّالثة: هل تصحّ المساقاة إلى أجلٍ مجهولٍ؟ الجواب: إن تكون عند الجمهور على أنّها عقدٌ لازمٌ فتفتقر إلى ضرب مدّةٍ معلومةٍ كالإجارة، والقول بأنّها عقد جائز من المفردات، واختار صاحب التّبصرة قولاً ثالثاً وهو أنّها لازمة من جهة المالك فقط. وقيد بعض المحقِّقين القول بجواز عقدها بقيدٍ حسنٍ. الرّابعة: إذا قلنا إنّها عقد لازم هل يثبت فيها خيار الشّرط؟ الجواب: نعم. على الأوّل قياساً على الإجارة. وقد اختار أبو العبّاس ثبوت خيار الشّرط في كلّ عقدٍ. الخامسة: هل يورث خيار الشّرط أم يسقط كسائر الحقوق؟ الجواب: إن طالب به قبل موته ورث عنه كالشّفعة وحد القذف وإلاّ فلا. السّادسة: هل يصحّ الخيار المجهول أم لا؟ فالجواب: لا يصحّ. سواء كان أبداً أو مدّة مجهولة أو أجلاً مجهولاً أو تعليقاً على مشيئةٍ أو على نزول مطرٍ ونحوه، كما صرّح بذلك الفقهاء رحمهم الله تعالى. والله أعلم. السّابعة: رجلان اشتركا في جمع زرعيهما بعد الصّلاح أو قبل الحصاد ويداسان معاً ويكونان نصفين ولأحدهما زيادة دراهم هل يصحّ أم لا؟ الجواب: الحمد لله، شرط زيادة الدّراهم يبطل الشّركة. والله أعلم. الثّامنة: ما قول العلماء ـ رحمهم الله تعالى ـ في امرأة ماتت عن زوجٍ وبنين وبنات وخلفت شيئاً من الصّوغ وصار تحت يد الزّوج جمعيه فمات ولم يوص به لعياله ولم يشهد، هل يملكه أبوهم بمجرّد ذلك أم لا يملكه إلاّ بشهادة أو القول قوله؟

стр. 481

الجواب: قال في المقنع: وإن تصرّف فيه يعنِي: الأب في مال ولده قبل تملكه ببيع أو عتق أو إبراء من دَين لم يصحّ تصرّفه. انتهى. وهذا المذهب، وله ملكه بالقبض نصّ عليه مع القول أو النّيّة. قاله الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ من أصحاب أحمد. فقد عرفت أنّه لا يصحّ التّصرّف قبل التّملك؛ لأنّ مجرّد قبض الوالد لمال ولده لا يكتفى به في ثبوت الملك، بل لا بدّ معه من القول المصرّح بالتّملّك مع القبض والإشهاد عليه، مع أنّ مذهب مالك والشّافعي وأصحاب الرأي أنّ الأب لا يتملّك من مال ولده إلاّ ما احتاج إليه فقط. ذكره عنهم في المغني وغيره خلافاً لأحمد. والله أعلم. - ٩ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسن بن حسين إلى الأخ جمعان بن ناصر سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وتضمّن السّؤال عن ستّ مسائل: الأولى: ما قول العلماء عفا الله عنهم في بيع الفضولي إذا حكم الحاكم بفساده والمبيع إبل أو غيرها من الدّواب ومضى مدّة لها قدر أجرة لكونه سقى عليها زرعه أو نخله فهل التّقويم في عينها بما ينقص إذا كانت موجودة أو تقدر المدّة بأجرة مثلها؟ فالجواب ـ وبالله التّوفيق ـ كلّ موضع فسد العقد لم يحصل به ملك وإن قبض؛ لأنّه مقبوض بعقدٍ فاسدٍ أشبه ما لو كان الثّمن ميتة، ولا ينفذ تصرّف المشتري فيه وعليه ردّه بنمائه المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة مقامه في يده ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن المغصوب؛ لأنّه

стр. 482

ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشّرع أشبه المغصوب. قاله في الكافي. وقال في الإنصاف: منافع المقبوض بعقدٍ فاسدٍ كمنافع المغصوب تضمن بالفوات والتّفويت. انتهى. وقال في الإقناع: والمقبوض بعقدٍ فاسدٍ لا مالك به ولا ينفذ تصرّفه فيه ويضمنه كالغصب ويلزمه ردّ النّماء المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة بقائه في يده، وإن نقص ضمن نقصه، وإن تلف فعليه ضمانه بقيمته. انتهى. وقال أيضاً في (باب الغصب) : وإن كان المغصوب منفعة تصحّ إجارتها، فعلى الغاصب أجرة مثله مدّة بقائه في يده استوفى المنافع أو تركها تذهب. وإن ذهب بعض أجزائه في المدّة كمخمل المنشفة لزمه الأجرة وأرش نقصه، وما لا تصحّ إجارته مما لا منفعة له لم يلزمه أجرة. انتهى ملخّصاً. فقد عرفت ـ رحمك الله ـ أنّه يلزم المشتري بالعقد الفاسد الأجرة وأرش النّقص معاً. المسألة الثّانية: أرض موات تبايعها أناس على الجاهلية أو في الإسلام كما إذا كان بإزاء بلاد عامرة ولو مسيرة ثلث فرسخ أو نصف فرسخ صار محتجراً لأهل العامرة على عادة مشوا عليها ولو عدمت شروط التّحجّر هل إذا أحياها إنسان يملكها ولو ادّعى مدّعٍ أنّها بشراء لكنها موات كما ذكرنا. الجواب عن هذا السّؤال: يظهر مما نورده من كلام الفقهاء. قال: في الشّرح الكبير: الموات قسمان: أحدهما: ما لم يجر عليه ملك لأحد ولم يوجد فيه أثر عمارة، فهذا يملك بالإحياء بغير خلاف. القسم الثّاني:

стр. 483

ما جرى عليه ملك وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما له مالك معيّن وهو ضربان: (أحدهما) : ما ملك بشراء أو عطية فهذا؛ لا يملك بالإحياء بغير خلاف. قال ابن عبد البرّ: أجمع العلماء على أنّ ما عرف بملك مالك غير منقطع أنّه لا يجوز إحياؤه لأحدٍ غير أربابه. (الثّاني) : ما ملك بالإحياء ثُمّ ترك حتّى دثر وعاد مواتاً فهو كالذي قبله سواء. النّوع الثّاني: ما يوجد عليه آثار ملك قديم جاهلي كآثار الرّوم ومساكن ثمود ونحوهم، فهذا يملك بالأحياء في أظهر الرّوايتين. (والثّانية) لا يملك لأنّها آثار لمسلم أو ذمي أو بيت المال أشبه ما لو تعيّن مالكه، قال شيخنا ويحتمل أنّ كلّ ما فيه أثر الملك ولم يعلم زواله قبل الإسلام أنّه لا يملك. النّوع الثّالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معيّن فظاهر كلام الخرقي، أنّه لا يملك بالإحياء وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد لما روى كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جدّه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:"مَن أحيا أرضاً مواناً في غير حقّ مسلم فهي له".فقيده في غير حقّ مسلم؛ ولأنّ هذه الأرض لها مالك فلم يجز إحياؤها كما لو كان معيناً، فإنّ مالكها إن كان له ورثة فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة ورثها المسلمون. (والثّانية) أنّها تملك بالإحياء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة لعموم الأخبار، وكلّما قرب من عامر وتعلّق بمصالحه من طرق ومسيل مائه ومطرح قمامته وملقى ترابه لا يجوز إحياؤه بغير خلاف في المذهب. وكذلك ما تعلّق بمصالح القرية كفنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها ومسيل مائها لا يملك بالإحياء لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم، وكلّ مملوك لا يجوز إحياؤه ما تعلّق بمصلحة لقوله ﷺ :"مَن أحيا أرضاً ميتة في غير

стр. 484

حقّ مسلمٍ فهي له".مفهومه: أنّ ما تعلّق به حقّ مسلمٍ لا يملك بالإحياء. انتهى من الشّرح الكبير ملخّصاً. وقال في الإقناع: وهي ـ أي: الموات ـ الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فإن كان الموات لم يجر عليه ملك لأحدٍ ولم يوجد فيه أثر عمارة ملك بالإحياء، وإن ملكها مَن له حرمة أو شكّ فيه فإن وجد واحد من ورثته لم يملك بالإحياء، وإن علم ولم يعقب لم يملك واقطعه الإمام مَن شاء، وإن كان قد ملك بالإحياء ثم ترك حتّى دثر وعاد مواتاً لم يملك بإحياء إذا كان لمعصومٍ، وإن علم ملكه لمعيّن غير معصومٍ فإن كان بدار حرب واندرس كان كموات أصلي يملكه مسلم بإحياء، وإن كان فيه أثر ملك غير جاهلي كالخرب التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها ملك بالإحياء، وكذا إن كان جاهلياً قديماً كديار عادٍ. انتهى. فقد عرفت أنّ هذا المحي الثّاني للأرض المذكورة لا يملكها بإحيائه لها إذا ثبت الإحياء الأوّل بشروطه وثبت التّبايع المذكور ودعوى الشّراء. والله أعلم. المسألة الثّالثة: إذا تزوّج إنسان امرأة بعقدٍ فاسدٍ هل المفتَى به عندكم أنّه يطلق فإن أبى فسخه الحاكم أم لا يحتاج؟ إلى آخر السّؤال. الجواب: المعتمد المفتَى به عندنا أنّه لا يحل تزويج من نكاحها فاسد لغير مَن تزوّجها حتّى يطلقها أو يفسخ نكاحها فإن أبى فسخه الحاكم. وهذا المنصوص عن الإمام أحمد، وهو المذهب المقرّر عند أصحابه خلافاً للشّافعي. قال في المغني والشّرح: لأنّه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتاج إلى التّفريق، ولأنّ تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسلّط زوجين عليها

стр. 485

كلّ منهما يعتقد صحّة نكاحه وفساد نكاح الآخر، ويفارق النّكاح الباطل من هذين الوجهين. انتهى. فافهم الفرق بين الفاسد والباطل؛ فالباطل لا يحتاج إلى طلاقٍ ولا فسخٍ ولا يجب به مهر فهو بخلاف الفاسد. المسألة الرّابعة: أصول دية النّفس من الإبل والذّهب والفضّة والبقر والغنم والحلل غير خافٍ عليكم. وقدر عبد العزيز مائة من الإبل بثمانمة ريال، فهل هذا التّقدير برخصة من الشّيخ ﵀ أم لا؟ والآن صارت قيمة الإبل ناقصة عما هو معلوم فما المعمول به؟ إلى آخر السّؤال. الجواب: لا نزاع أنّ دية الحرّ المسلم مائة من الإبل وإنّ الإبل أصل في الدّية. واختلف عن أحمد هل هي الأصل لا غير أو معها غيرها؟ وهل ذلك الغير أربعة أو خمسة فعنه؛ لأنّها الأصل لا غير أو معها غيرها؟ وهل ذلك الغير أربعة أو خمسة فعنه أنّها الأصل؛ لأنّ في حديث عمرو بن حزم:"في النّفس مائة من الإبل"، رواه النّسائي ومالك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه. قال: قضى رسول الله ﷺ أنّ مَن قتل خطأ فديته من الإبل مائة ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقّة وعشرة ابن لبون ذكر. رواه أبو داود والنّسائي، وذكر حديث عقبة ابن عامر بن أويس وحديث عبد الله بن عمرو، ثم قال: وظاهر هذه الأحاديث أنّ الدّيّة هي الإبل خاصّة، ويؤيّد ذلك أنّ النَّبِيّ ﷺ فرق بين دية العمد والخطأ فغلظ دية العمد وخفّف الخطأ ولم يرد ذلك عنه إلاّ في الإبل، وعنه أنّها خمسة أشياء كلّ منها أصل برأسه: الإبل، والبقر، والغنم، والذّهب، والفضّة. أمّا في الإبل فلّما تقدّم، وأمّا في البقر والغنم فلأنّ في حديث لعمرو بن شعيب مرفوعاً. قضى على أهل البقرة بمائتي بقرة، ومَن كان دية عقله في شاء فألفا شاة. وأمّا في الذّهب والفضّة فلِمَا روى

стр. 486

ابن عبّاس أنّ رجلاً من بنِي عدي قتل فجعل رسول الله ﷺ ديته اثنَي عشر ألفا. رواه التّرمذي والنّسائي وأبو داود، وهذا لفظه. ولمالك في الموطأ بلغه أنّ عمر بن الخطاب قوّم الدّية على أهل القرى فجعل على أهل الذّهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم. قال مالك: فأهل الذّهب أهل الشّام ومصر وأهل الورق أهل العراق. وعنه أنّها ستة أشياء فيضاف إلى الخمسة السّابقة مائتا حلّة. وهذا اختيار القاضي وكثير من أصحابه لما روى عطاء بن أبي رباح أنّ رسول الله ﷺ قضى في الدّية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشّاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئاً لم يحفظه محمّد بن إسحاق والرّواية الأولى أظهر دليلاً على أنّ أحاديث تلك الرّواية لا تقاوم تلك الأحاديث وعلى تقدير مقاومتها فيحمل على أنّه جعل ذلك بدلاً عن الإبل، وظاهر في حديث عمرو بن شعيب إذاً، وله أنّ رسول الله ﷺ كان يقوّم على أثمان الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقوّمها على أثمان الإبل إذا غلت رفع في قيمتها. وإذا"هاجت رخصت".نقصت من قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ أربعمائة إلى ثمانمائة، وعدلها ثمانية آلاف درهم، قال: وقضى على أهل البقر بمائتي بقرة، ومَن كان دية عقله في شاء فألفا شاة، وهذا ظاهر في أنّه إنّما كان يعتبر الإبل لا غير، بل هو نصّ في الذّهب والورق، أنّه كان يعتبرهما بالإبل، وحديث ابن عبّاس واقعة عينٍ لا عموم له، وفعل عمر ظاهر في أنّ تلك على سبيل التّقويم فهو مؤيّد لما قلناه. وأبو محمّد يختار في العمد قولاً رابعاً هو بعض الرّواية الثّانية، وهو أنّ الدّية مائة من الإبل أو ألف مثقال أو اثنا عشر ألف

стр. 487

درهم، وهذا ظاهر في الورق لحديث ابن عبّاس إن صحّ، وعلى الرّواية الأولى مَن وجب عليه الدّيّة متى قدر على الإبل لا يجزؤه غيرها، وإن عجز عنها انتقل إلى ما شاء من الأربعة أو الخمسة على اختلاف الرّوايتين، وكذلك إذا لم توجد إلإّ بأكثر من ثمن المثل. قال أبو محمّد: وهذا ينبغي فيما إذا كانت الإبل موجودة بثمن مثلها إلاّ أنّ هذا لا يجدها لكونها في غير بلده ونحو ذلك، فإذن ينتقل إلى غيرها. أمّا إذا غلت الإبل كلّها فلا ينتقل إلى غيرها، وظاهر كلام الخرقي أنّ الواجب الإبل من غير نظر إلى قيمة. وهذا إحدى الرّوايتين، واختيار الشّيخين لظاهر حديث عمرو بن حزم وحديث عمرو بن شعيب وغيرهما، فإنّه ﷺ أطلق الإبل ولم يقيّدها بقيمة فتقييدها بها يحتاج إلى دليلٍ، وكذلك الأحاديث التي فيها ذكر البقر والغنم والحلل ليس فيها اعتبار قيمة، وأيضاً فإنّه ﷺ فرّق بين دية العمد والخطأ فغلّظ دية العمد وشبّهه، وخفّف دية الخطأ، واعتبار القيمة يفضي إلى التّسوية بينهما وهو خلاف ما تضمنته سنة رسول الله ﷺ . (والرّواية الثّانية) يعتبر أن لا تقص بغير المائة عن دية الأثمان نظراً لأن عمر قوّمها كذلك فجعل على أهل الذّهب ألف مثقال، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وظاهره أنّ قيمتها كذلك، وأجيب بأنّه اتّفق أنّ قيمتها في ذلك الوقت كان كذلك فصرنا إليه عند ذلك حذراً من التّنازع، وحكى أبو محمّد الكافي في الرّواية أنّه يعتبر أن يكون قيمة كلّ بعيرٍ مائة وعشرين درهماً، وقال في المغني: إنّ الأصحاب ذكروا أنّ ذلك مذهب أحمد والتّحقيق هو الأوّل. انتتهى ملخّصاً من شرح الزّركشي على الخرقي.

стр. 488

إذا تقرّر هذا، فالمتعيّن المعمول به هو ما نصّ عليه الشّارع ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ مهما أمكن، ولا يقال بالقيمة إلاّ عند التّعذر، فحينئذٍ يرجع إلى القيمة في الجميع كلّ أصلٍ بقيمته. وقيمة الرّيال بالدّراهم الإسلامية بالتّحرير تقريب تسعة دراهم كذا قيل. وما علمنا فيما بلغنا عن شيخ الإسلام رخصة بتقدير قيمة الإبل خاصّة بما ذكر. وإنّما ذلك من ولي الأمر في دية أعوز السّن فيها ذلك الوقت، فقومت المائة بثمانمائة ريال؛ لأنّها بدل وقيمة مطلقاً بل في وقت تكون قيمتها الثّمان، وفي وقتٍ آخر أربعاً، وفي غيره ثلاثاً وغير ذلك بحسب الغلاء والرّخص، وقد عرفت المتعيّن المعمول به. وهذا ما ظهر لي. والله أعلم. المسألة الخامسة: هل ورد حديث في تسنين الإبل في دية الشّجاج والحكومات وما دون دية النّفس، وهل ذكر ذلك الفقهاء؟ فالجواب: إنِي لم أقف على حديث في ذلك. وما رأيته في كلام الفقهاء ﵏، ولعلّه فيما فاتنا، ثم رأيت صاحب الإقناع أفاد ذلك بقوله: وتغلّظ دية طرف كتقل ـ إلى أن قال ـ: فإن لم يكن قسم دية الطّرف مثل أن يوضحه عمداً أو شبه عمدٍ فإنّه يجب أربعة أرباع، والخامس من أحد الأنواع الأربعة قيمته قيمة ربع الأربع، وإن كان خطأ وجبت الخمس من الأنواع الخمسة من كلّ نوعٍ بعير، وإن كان الواجب دية أنملة وجبت ثلاثة أبعرة وثلث قيمتها نصف قيمة الأربعة وثلثها، وإن كان خطأ ففيها ثلثها ثلثا قيمة الخمس. انتهى. ووجهه ـ والله أعلم ـ اتّفاقهما في السّبب الموجب. المسألة السّادسة: إذا ضمن ضامن لصاحب حقّ على غيره، وقال: الضّمين للمضمون عنه: لا أضمن عليك إلاّ أن ترهنَنِي كذا وكذا، وأرهنه،

стр. 489

فهل يصحّ أم لا؟ فإن قلتم يصحّ فما وجه الصّحّة والدَّين لغيره؟ فالجواب: الذي يظهر الصّحّة، فيما ذكر؛ لكونه تبرّع بالتزام حقّ إنّما يلزم ويثبت ويجب بالتزامه، فإذا أراد التزامه وطلب الوثيقة عليه فلا مانع كسائر الدّيون، وكون الدَّين لغيره ليس مانعاً، فإنّ للإنسان أن يرهن مال نفسه على دَين غيره ويأذن لعبده أن يضمن على غيره كما هو مقرّر في موضعه. هذا حسب ما ظهر لي. والله سبحانه أعلم بالصّواب. وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ وآله وصحبه. وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدِّين. ذكر النّاقل أنّه نقله بتاريخ رجب سنة: ١٢٤٢هـ مائتين واثنين وأربعين وألفا. - ١٠ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من حسن بن حسين إلى الأخ عبد الله سلّمه الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛ هذا جواب سؤالك الذي صورته: ما قولكم ـ دام فضلكم ـ فيما إذا انقضت مدّة إجارة أرض طلق أو موقوفة استؤجرت للغراس أو البناء وقد أوقف المستأجر بعض الغرس فما الحكم في الطّلق من هذا الغراس أو البناء والوقف؟ الجواب: حاصل ما ذكره فقهاؤنا ﵏ في حكم هذه المسألة أنّه إن كان شرط قلع الغراس أو البناء عند انقضاء مدّة الإجارة أو في وقت معيّن وليست مشاعاً للشّريك، فإنّ المستأجر يقلعه مجاناً ولا يسوي الحفر، ولا يغرم مالك الأرض نقصه بالقلع، وإن لم يشترط قلعه أو شرط بقاءه ولم يقلعه مالكه خيّر مالك الأرض بين ثلاثة أمور: أخذه بقيمته،

стр. 490

فتقوّم الأرض مغروسة أو مبنية ثم تقوّم خالية منهما فما بينهما فهو القيمة، ومحلّ تملكه بقيمته إذا كان مالك الأرض تام الملك فخرج الموقوف عليه والمستأجر والمرتهن ونحوهم؛ لأنّ ملكهم غير تامٍّ. الأمر الثّاني: تركه بالأجرة. الأمر الثّالث: قلعه وضمان نقصه. هذا إذا لم يختر مالكه قلعه كما تقدم. أمّا إن اختاره فله ذلك، قال في الغاية: ويتّجه لو أبى الثّلاثة ومالك القلع بيع أرض بما فيها كعارية. انتهى. وكون المستأجر وقف الغراس أو البناء في الأرض المستأجرة لا يمنع الخيرة بين الثّلاثة الأمور، وإذا لم يترك لم يبطل وقفه بالكلّيّة، فيكون كما يؤخذ بسبب قلعه وضمان نقصه أو تملكه بقيمته ويشتري بها ما يقوم بها ما يقوم مقامه كقيمته إذا أتلف يشتري بها ما يقوم مقامه ذكر معناه في الفروع وغيره، قال في الإقناع وهو ظاهر: وظاهر كلامهم لا يقلع الغراس إذا كانت الأرض وقفاً. قال في الشّرح: وتقدم أنّه لا يتملكه إلاّ تام الملك وحينئذٍ فيبقى بأجرة المثل. انتهى. قال في منته: بل قال الشّيخ: ليس لأحدٍ أن يقلع غرس المستأجر وزرعه صحيحة كانت الإجارة أو فاسدة. بل إذا بقي فعليه أجرة المثل، وفي الفائق قلت فلو كانت الأرض وقفاً لم يتملّك إلاّ بشرط واقف أو رضاء مستحقّ. انتهى. قال: المنقح إذا حصل به نفع كان له ذلك. انتهى. والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حضر عندي عثمان الغرشي وكيلاً لأبيه وعبد العزيز بن زامل وكيلاً لابن مسعد من طرف مشتري سهم الغرشي الكائن في النّخل الْمُسَمَّى بالطّرفية في الحوطة، فادّعى عبد العزيز أنّ الرّوم أجبروا الغرشي على بيع

стр. 491

السّهم المذكور بعينه دون ابن مسعد، والجماعة فلا لهم مدخل في الإجبار وأنكر عثمان وقوع المباشرة للإكراه من الرّوم، وادّعى أن ابن مسعد وبعض الجماعة هم الذّين أكرهوا والده على البيع، وأقام عثمان البيّنة على ذلك فحكمت بأنّ البيع والحالة هذه غير صحيح لعدم الشّرط المعتبر. وما قبضه ابن مسعد من مصالح السّهم المذكور مضمون عليه، وقت أخذه له ويحسب مما ساقه من مطلب السّهم بعد ما يثبت بالبيّنة أنّه سائق والباقي منه يدفعه الغرشي لابن مسعد حالاً. قاله حاكماً به حسن بن حسين بن الشّيخ محمّد عفا الله عنهم. ويرفع ابن مسعد يده عن السّهم.

стр. 492

رسائل وفتاوي للشيخ علي بن حسين بن الشيخ ... رسائل وفتاوى الشّيخ عليّ بن حسين بن الشّيخ - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عليّ بن حسين إلى الأخ المكرّم الأجل الأحشم الشّيخ جمعان ابن ناصر جمع الله له بين العلم والعمل، وسدّ به طرق الميل والخلل. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد؛ فقد وصل إلينا كتابكم السّابق المتضمّن للبحث والسّؤال عن المسائل الدّقائق فتركنا الجواب عن المبادرة به من أجل أن وافق ذلك وفاة الشّيخ حسن ـ رحمة الله عليه ـ فتشوش الخاطر واشتغل القلب، ثم على أثر ذلك سافرنا إلى العارض من أجل تعزية الأهل والأخوان والاجتماع بهم من أجل ذلك قدر حصول المقصود من ردّ الجواب بحسب الطّاقة

стр. 493

والإيجاز فذكر أوّلاً: إذا قال لأجنبية: أنت علي كظهر أمِّي أو قاله لِمَن أبانها ثم تزوّجها ما المفتَى به عند علمائنا؟ فالجواب: أنّ الأمر كما قال صاحب المحرّر وعليه تدلّ نصوص أحمد. قال في الإقناع: وإن قال لأجنبيّة أنتِ عليّ كظهر أمِّي أو إن تزوّجتك فأنت عليَّ كظهر أمِّي فتزوّجها لم يطأها حتّى يكفّر كفّارة الظّهار؛ لأنّه إذا تزوّجها تحقّق معنى الظّهار بينها وعلم صحّة الظّهار من الأجنبيّة. روى ذلك الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال في رجلٍ قال: إن تزوّجت فلانة فهي علي كظهر أمِّي، فتزوّجها. فقال عمر: عليه كفّارة الظّهار. قال الشّارح: لأنّها يمين مكفِّرة فصحّ عقدها قبل النّكاح كاليمين بالله تعالى والآية الكريمة خرجت مخرج الغالب وهي قوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ، [الْمجادلة، من الآية: ٢، و٣] .والفرق بينه وبين الطّلاق أنّ الطّلاق حلّ قيد النّكاح ولا يمكن حلّه قبل عقد والظّهار تحريم للوطء فيجوز تقديمه على العقد، وإنّما اختصّ حكم الإيلاء بنسائه لكونه يقصد الإضرار بيمين والكفّارة في الظّهار لكون المنكر والزّور فلا يختصّ ذلك بنسائه. الثّانية: قول السّائل: هل حكم مَن ظاهر منها ووقت كشهر سمّاه وجامع قبل مضي المدّة ولزمته الكفارة هل إذا مضى الوقت المحدود الذي وقع الظّهار فيه قبل أن يكفّر هل حكمه حكم المظاهر منها مطلقاً حتّى يكفّر أم لا؟ الجواب: قال في الإقناع وشرحه: وإن وطئ المظاهر التي ظاهر منها قبل التّكفير أثم واستقرّت عليه الكفّارة ولو كان مجنوناً فلا تسقط

стр. 494

بعد ذلك كالصّلاة، وتحريم المظاهر باقٍ عليه لقوله ﷺ :"لا تقربها حتّى تفعل ما أمرك الله تعالى به"، وتجزؤه كفّارة واحدة لحديث سلمة بن صخر؛ لأنّه وجد الظّهار والعود في عموم الآية. والله أعلم. المسألة الثّالثة: سفر المظاهر هل يقطع التّتابع أم لا يقطعه لأجل عذر السّفر؟ الجواب: أنّ فيه نظراً. قال في الإقناع وشرحه: سفر المظاهر إذا أفطر فيه لا يقطع التّتابع. وقال في موضع آخر: وإذا تخلّله فطر كالسّفر أو المرض المبيحان للفطر في السّفر لم ينقطع التّتابع، أو تخلّله فطر لحامل أو مرضع لخوفهما على أنفسهما أو على ولديهما لم ينطقع التّتابع؛ لأنّه فطر أبيح لعذر. والله أعلم. المسألة الرّابعة: قول السّائل عافاه الله: إذا كان لرجلٍ على آخر فضة كريالات النّاس وللأخر عليه مثلها فتصارفا بالقول الذي عندك لك عن الذي عليّ لك هل يصحّ ذلك أم لا بدّ كلّ واحدٍ يدفع لصاحبه ما عليه؟ الجواب: أنّ هذا ليس بصرفٍ، وإنّما هو تساقط، وليست هذه الصّورة التي ذكرها صاحب الشّرح بقوله: إذا كان لرجلٍ في ذمّته لآخر ذهب وللآخر عليه دراهم فاصطرفا لم يصحّ؛ لأنّه بيع دَين بدَينٍ؛ لأنّه تصارف في الذّمم، وهذا تساقط فيصحّ. قال في المنتهى وشرحه: ومَن استحقّ على غريمه مثل ما له عليه من دَينٍ جنساً، وقدراً وصفة حالين بأن اقترض زيد من عمرو ديناراً مصرياً ثم اشترى عمرو من زيد شيئاً بدينار مصري حال أو من أجلين أجلاً واحداً، كثمنين اتّحد أجلهما تساقطا إن استويا أو سقط من الأكثر بقدر الأقلّ إن تفاوتا قدراً؛ لأنّه لا فائدة

стр. 495

في أخذ الدَّين من أحدهما ثم ردّه إليه. انتهى. والله أعلم. المسألة الخامسة: رجل بينه وبين آخر معاملة فأوصى عند الموت بقوله: صدّقوا فلاناً فيما ادّعى به. فالجواب: إذا كان المقرّ له غير وارث فظاهر كلام أهل المذهب أنّه يصدق فيما ادّعى به إذا كان يمكن أن يتصوّر منه التزامه بخلاف ما لو ادّعى بما لا يتصوّر كدعواه عليه جناية من عشرين سنة وعمره عشرون سنة أو أقلّ، فهذا لا يصحّ إقراره بذلك. قلت: ومثل ذلك: لو كان هذا المصدّق فقيراً كالذي يعرفه أهل بلده بالفقر فيدعي أنّ عند هذا المقرّ ما لا يعرف أنّه قد ملكه كمَن رأسُ مالِهِ الذي يعامل فيه عشرون درهماً مثلاً أو قريباً، فيدّعي على هذا المقرّ لما سمع قوله صدّقوه لي عنده مائة دينار أو مائتان، فالظّاهر أنّه لا يصدق وما أمكن صدقه فيه صدق. والله أعلم. المسألة السّادسة: قول السّائل: كتاب عمر لأبي موسى ﵄ المسلمون عدول بعضهم على بعضٍ إلاّ مجلود في حدٍ أو مجرّب عليه شهادة زورٍ أو ظنّين في ولاء أو نسب. فالجواب: أنّ الظّنين هو المتّهم. قاله صاحب النّهاية. ومنه حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :" لا تجوز شهادة خائنٍ ولا خانئةٍ ولا مجلود في حدٍّ ولا ذي غمرٍ على أخيه ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولا القانع مع أهل البيت". رواه التّرمذي. وقال: هذا حديث غريب. وفي إسناده يزيد بن زياد الدّمشقي الرّاوي منكر الحديث. والله وأعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
следующие страницы →