Полный текст (780 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
لو جرحه أحدهما جرحاً والآخر مائه أو أوضحه أحدهما، وشجّه الآخر آمة أو أحدهما جائفة والآخ غير جائفة كانا سواء في القصاص والدّية؛ لأنّ اعتبار التّساوي يفضي إلى سقوط القصاص على المشتركين؛ إذ لا يكاد جرحان يتساويان من كلّ وجهٍ، ولأنّ الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الآمة، ومن غير الجائفة دون الجائفة ... إلى أن قال:
وإذا اشترك ثلاثة في قتل فقطع واحد يده والآخر رجله، وأوضحه الثّالث فمات فللولي قتل جميعهم والعفو عنهم إلى الدّية، فيأخذ من كلّ واحدٍ ثلثها، وله العفو عن واحدٍ فيأخذ منه ثلث الدّية، ويقتل الآخرين، وأن يفعو عن اثنين فيأخذ منها ثلثي الدّية ويقتل الثّالث، وإن برئت جراحة أحدهم ومات من الجرحين الأخيرين، فله أن يقتصّ من الذي برئ جرحه بمثل جرحه، ويقتل الآخرين أو يأخذ منها دية كاملة أو يقتل أحدهما ويأخذ من الآخرين نصف الدّية. وله أن يعفو عن الذي برئ جرحه ويأخذ منه دية جرحه إلى أن قال:
وإن فعل أحدهما فعلاً لا تبقى معه الحياة كقطع خشونه أو مريئه أو ودجيه ثم ضرب عنقه آخر فالقاتل هو الأوّل ويعزر الثّاني، وإن شقّ الأوّل بطنه أو قطع يده ثم ضرب الثّاني عنقه، فالثّاني هو القاتل، وعلى الأوّل ضمان ما أتلف بالقصاص أو الدّية. انتهى.
وقال في الإنصاف: وتقتل الجماعة بالواحد، هذا المذهب بلا ريب عليه جماهير الأصحاب. قال في الهداية: عليه عامّة شيوخنا، وعنه لا يقتلون به نقلها حنبل إلى أن قال:
стр. 632
فعلى المذهب من شرط قتل الجماعة بالواحد أن يكون فعل كلّ واحدٍ منهم صالحاً للقتل به، قاله الأصحاب إلى أن قال:
ولو قتلوه بإفعالٍ لا يصحّ واحد منها لقتله نحو أن يضربه كلّ واحدٍ سوطاً في حالة أو متوالية فلا قود، وفيه عن تواطؤ وجهان في التّرغيب واقتصر عليه في الفروع.
قلت: الصّواب القود ـ إلى أن قال:
قال المصنّف ﵀ والشّارح إن فعل ما يموت به يقيناً وبقيت معه حياة مستقرّة كما لو خرق خشوته ولم يبنها ثم ضرب آخر عنقه كان القاتل هو الثّاني؛ لأنّه في حكم الحياة لصحّة وصية عمر ﵁. قال في الفروع: ويتوجّه تخريج من مسألة الذّكاة أنّهما قاتلان. قلت: وهو الصّواب.
قال في الفروع: ولهذا اعتبروا إحداهما بالأخرى. قال: ولو كان فعل الثّاني كما فعل الأوّل لم يؤثّر مثل غرق حيوان في الماء يقتله مثله بعد ذبحه على إحدى الرّواتين. انتهى.
وقال في الإقناع وشرحه: وتقتل الجماعة بالواحد إذا كان فعل كلّ واحدٍ منهم صالحاً للقتل به لو انفرد، وإن لم يصلح فعل كلّ واحدٍ من الجماعة للقتل كما لو ضربه كلّ واحدٍ منهم بحجرٍ صغيرٍ فمات فلا قصاص عليهم؛ لأنّه لم يحصل من واحدٍ منهم ما يوجب القود ما لم يتواطأوا على ذلك الفعل ليقتلوه فعليهم القصاص لئلا يتّخذ ذرية إلى ردّ القصاص إلى أن قال:
وإن قتله جماعة اثنان فأكر بأفعال لا يصلح واحد منها لقتله نحو أن يضربه كلّ واحدٍ سوطاً في حالة أو متوالية فلا قود فيه عن تواطؤ وجهان قاله في التّرغيب، والصّواب وجوب القود. انتهى ملخّصاً.
ومعنى قولهم: أن يكون فعل كلّ واحدٍ منهم صالحاً للقتل به أي:
стр. 633
أن يكون فعل كلّ واحدٍ صالحاً؛ لأن يكون سبباً لموت المجنِي عليه، لا أنّه يغلب حصول الموت من تلك الجناية؛ لأنّهم مثلوا بالموضحة مع أنّ حصول الموت بها نادر. وصرّحوا بأنّ القصاص إنّما يجب على المباشر بالشّرط المذكور. فخرج المشير والآمر، فلا يجب عليهما القصاص لاسيما وقد صرّحوا بعدم وجوب القصاص على الآمر في جملة. وإن كان بعض الأصحاب حكى رواية بوجوب القصاص على الآمر. فالمذهب خلافها.
قال في الشّرح: وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل فقتل فالقصاص على القاتل لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنّه قاتل ظلماً فوجب عليه القصاص كما لو لم يأمر. ثم ذكر حكم ما إذا أمر السّيّد عبده بقتل رجلٍ وما فيه من التّفصيل المذكور في كتب الفقه إلى أن قال:
وإن أمر السّلطان بقتل إنسانٍ بغير حقٍّ مَن يعلم ذلك فالقصاص على القاتل، وإن لم يعلم فعلى الآمر. فإذا كان المأمور يعلم أنّ الإنسان المأمور بقتله لا يستحقّ القتل فالقصاص عليه؛ لأنّه غير معذورٍ في فعله؛ فإنّ النَّبِيّ ﷺ قال:"لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق".وعنه ﵊:"مَن أمركم من الولاة بمعصية الله فلا تطيعوه ".فلزمه القصاص كما لو أمره غير السّلطان. وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور؛ لأنّ المأمور معذور بوجوب طاعة الإمام في غير المعصية. فالظّاهر أنّه لا يأمر إلاّ بالحقّ.
وإن كان الآمر غير السّلطان فالقصاص على القاتل بكلّ حالٍ علم أو لم يعلم؛ لأنّه لا تلزمه طاعته وليس له القتل بخلاف السّلطان، فإنّ إليه القتل في الرّدّة والزّنا، وقطع الطّريق إذا قتل القاطع ويستوفي القصاص للنّاس، وهذا ليس له شيء من ذلك. انتهى.
стр. 634
وقوله ﵀: وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور، هكذا قال جماعة من الأصحاب. وقال الشّيخ تقيّ الدِّين ﵀: هذا بناء على وجوب طاعة السّلطان في القتل المجهول. وفيه نظر. بل لا يطاع حتّى يعلم جواز قلته. وحينئذٍ فتكون الطّاعة له معصية لاسيما إذا كان معروفاً بالظّلم، فهنا الجهل بعدم الحلّ كالعلم بالحرمة. انتهى.
وما في شرح رسالة ابن أبي زيد: أنّه إذا باشر القتل بعضهم وحبسه البعض قتلوا جميعاً، فهذا مذهب مالك وهو رواية عن أحمد، واحتجّ بعض مَن قال بقتل الممسك بقول عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء، أي: تعاونوا، والممسك له ليقتل معِين للقاتل. وأجاب الآخرون عن قول عمر: لو تمالأ عليه، أي: لو تشاوروا في قتله.
قال في الشّرح: وإن أمسكه له ليقتله مثل أن أمسكه له حتّى ذبحه فاختلف الرّواية فيه عن أحمد، فروي عنه أنّ الممسك يحبس حتّى يموت. وهذا قول عطاء وربية. وروي عن عليّ ﵁. وروي عن أحمد أنّه يقتل أيضاً. وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة والشّافعي وأبو ثور يعاقب ويأثم ولا يقتل. وأمّا القاتل فيقتل بغير خلافٍ.
فقوله ﵀ وإن أمسكه له ليقتله. يدلّ من كلامه على أنّ هذا الحكم مخصوص بما إذا أمسكه له ليقتله لا ما إذا أمسكه له ولم يعلم أنّه يريد قتله، وهكذا قيّد كثير من الأصحاب.
قال في الإنصاف: شرط في المغنِي في الممسك أن يعلم أنّه يقتله. وتابعه الشّارح. قال القاضي: إذا أمسكه للعب أو الضّرب، وقتله القاتل فلا قود على الماسك. وذكره محلّ وفاق. وقال في منتخب الشّيرازي: لا مازحاً
стр. 635
متلاعباً. انتهى. وظاهر كلام جماعة الإطلاق. انتهى.
وقال في الإقناع وشرحه: وإن كان الممسك لا يعلم أنّ القاتل يقتله فلا شيء عليه؛ لأنّ موته ليس بفعله ولا بأثر فعله بخلاف الجارح؛ فإنّه لا يعتبر فيه، قصد القتل؛ لأنّ السّراية أثر جرحه المقصود له. انتهى.
وأمّا الرّدء فلم يذكروه هنا لم يعطوه حكم المباشر في هذا الباب. وإنّما جعلوا حكم ردء قطاع الطّريق حكم مباشرهم للعلة التي علّلوا بها.
قال في الشّرح في (باب قطاع الطّريق) وحكم الرّدء حكم المباشر. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، وقال الشّافعي: ليس على الرّدء إلاّ التّعزير؛ ولأنّ الحدّ يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلّق بالمعين كسائر الحدود.
ولنا أنّه حكم يتعلّق بالمحاربة فاستوى فيه الرّدء والمباشر كاستحقاق الغنيمة؛ وذلك لأنّ المحاربة مبنية على حصول المنفعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكّن المباشر من فعله إلاّ بقوّة الرّدء بخلاف سائر الحدود، فعلى هذا إذا قتل واحد منهم ثبت حكم القتل في حقّ جميعهم، فيجب قتل الكلّ، وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم وصلبهم كما لو فعل الأمرين واحد منهم. انتهى.
وقال في الإقناع وشرحه: وردء للمحارب وهو المساعد والمغيث له عند احتياجه إليه كمباشر وطليع وهو الذي يكشف للمحاربين حال القافلة. ليأتوا إليها كمباشر كما في جيش المسلمين إذا دخلوا دار الحرب وباشر بعضم القتال وأخذ المال ووقف الباقون للحفظ والحراسة مِمَّن يدهمهم من ورائهم أو أرسل الإمام عيناً ليتعرّف أحوال العدو، فإنّ الكلّ يشتركون في الغنيمة، وذكر أبو الفرج السّرقة كذلك. فإذا قتل واحد منهم ثبت
стр. 636
القتل في حقّ جميعهم فيجب قتل الكلّ؛ لأنّ حكم الرّدء حكم المباشر، وإن قتل بعضهم وأخذ المال بعضهم قتلوا كلّهم وجوباً. انتهى.
قال في الإنصاف: وحكم الرّدء حكم المباشر. هذا المذهب. وعليه الأصحاب. قال في الفروع: وكذا الطّليع. واختار الشّيخ تقيّ الدِّين يقتل الآمر كردء، وإنّه في السّرقة كذلك. انتهى.
وقول عمر ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء، أي: لو تعاون، وفي رواية: لو أنّ أهل صنعاء شركوا في قتله لقتلته أجمعين.
قال بعض العلماء في الكلام على أثر عمر المذكور: قوله: (تمالأ) مهموز ـ أي: تعاون ـ قال عليّ ﵁ وأرضاه ـ: والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت في قتله ـ أي: عاونت ـ قال الخطابي في تصاحيف الرّواة: هو مهموز من الملأ، أي: صاروا كلّهم ملأ واحداً في قتله. قال: والمحدِّثون يقولونه بغير همز. والصّواب الهمز؛ لأنّ (الملأ) مهموز غير مقصور. انتهى.
واشترط الفقهاء المباشرة للقتل من الجميع وأن يكون فعل كلّ واحدٍ منهم صالحاً للقتل به، ومالك ﵀ يلحق الممسك بالمباشر يدلّ على أنّهم حملوا قول عمر ﵁ على التّعاون فقط، لا على التّشاور.
المسألة الثّالثة: إذا ادّعى شخص عند الحاكم بأنّه حكم له بكذا ولم يذكره الحاكم فشهد به شاهدان.
فالمذهب أنّه تقبل شهادتهما ما لم يتيّقن صواب نفسه. وهذا مذهب مالك. وقال أبو حنيفة والشّافعي: لا يقبل شهادتهما. ولا يرجع إلى قولهما حتّى يذكر أنّه حكم به. وظاهر كلام الأصحاب أنّه لا بدّ من شاهدين فلا يكفي الشّاهد ويمين المدّعي للحكم, وقد احتجّو لما ذكروه بقصة ذي اليدين واقصتارهم على الشّاهدين دليل على أنّه لا يكتفي
стр. 637
بغيرهما ولم يذكر في الفروع ولا في الإنصاف خلافاً. فدلّ على اعتبار الشّاهدين لاسيما والخلاف في عدم قبول الشّاهدين مشهور. والفقهاء يحكون الخلاف في قبول الشّاهدين وعدمه ولم يذكروا الشّاهد واليمين فدلّ على أنّه لا خلاف في عدم قبول الشّاهد مع اليمين. والله أعلم.
المسألة الرّابعة: ما صفة العدالة باطناً؟ وهل يعتبر اليوم في الشّاهد ما ذكروه في صفة العدل من الشّروط أم لا؟
فالجواب: أنّه ليس مرادهم باطناً معرفة ما في القلوب، فهذا أمر لا يعلمه إلاّ الله. لكن مَن طالت صحبته لإنسان أو كثرت معاملته عرف من أحواله ما يستدلّ به على حسن باطنه. فهذا معنى العدالة في الباطن، ولهذا قالوا: يشترط في التّزكية خبرة المزكّي للشّاهد خبرة باطنة بصحبته ومعاملته ونحوهما.
قال في الشّرح: يحتمل أن يريد الأصحاب بما ذكروه أنّ الحاكم إذا علم أنّ المعدل لا خبرة له لم يقبل شهادته بالتّعديل كما فعل عمر ﵁، ويحتمل أنّهم أرادوا لا يجوز للمعدل الشّهادة بالعدالة إلاّ أن تكون له خبرة باطنة، فأمّا الحاكم إذا شهد عنده العدل بالتّعديل فله أن يقبل الشّهادة من غير كشف، وإن استكشف الحال كما فعل عمر فحسن. انتهى.
قال الزّركشي: لا يقبل التّعديل إلاّ مِمَّن له خبرة باطنة ومعرفة بالتّعديل والجرح غير متّهمٍ بعصبيةٍ ولا غيرها. قال: ومعنى الخبرة الباطنة كما جاء عن عمر ﵁ أنّه أتى بشاهدين، فقال: لست أعرفكما ولا يضرّكما إن لم أعرفكما جيئا بِمَن يعرفكما، فأتيا برجلٍ فقال له عمر: أتعرفهما؟ قال: نعم. فقال عمر: صَحِبْتَهما في السّفر الذي يبيّن فيه جواهر النّاس؟ قال: لا.
стр. 638
قال: عَامَلتَهما في الدّنانير والدّراهم التي تقطع فيها الرّحم؟ قال: لا. قال: كُنْتَ جاراً لهما تعرف صباحهما ومساءهما؟ قال: لا. قال يا ابن أخي لسْتَ تعرفهما. جيئانِي بِمَن يعرفكما.
وأمّا اعتبار الصّفات المكذورة في كتب الفقهاء في الشّاهد فلا يمكن اعبتارها في هذه الأزمنة إذ لو اعتبرت لم يمكن الحكم بين النّاس. قال أبو العبّاس ﵀ العدل في كلّ زمانٍ ومكانٍ وطائفة بحسبها فيكون الشّهيد في كلّ قومٍ مَن كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدلاً على وجهٍ آخر. وبهذا يمكن الحكم بين النّاس، وإلاّ فلو اعتبر في كلّ طائفةٍ ألا يشهد عليهم إلاّ مَن يكون قائماً بأداء الواجبات وترك المحرمات كما كان الصّحابة لتعطلت الشّهادات كلّها أو غالبها.
وقال أبو العبّاس في موضعٍ آخر: إذا فسر الفاسق في الشّهادة بالفاجر أو بالمتّهم فينبغي أن يفرّق بين حال الضّرورة وعدمها، كما قلنا في الكافر. وقال في موضعٍ آخر: ويتوجّه أن تقبل شهادة المعروفين وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود عند الضّرورة مثل: الجيش وحوادث البدو، وأهل القرية الذين لا يوجد فيهم عدل، وله أحوال منها شهادة أهل الذّمة في الوصيّة في السّفر إذا لم يوجد غيرهم، وشهادة بعضهم على بعضٍ في قول، وشهادة النّساء فيما لا يطّلع عليه الرّجال. انتهى. ويشهد لكلام الشّيخ ﵀ ما ذكروه في القاضي إذا تعذرت عدالته.
وقد قال الشّيخ ﵀: الولاية لها ركنان: القوّة والأمانة. فالقوّة في الحكم ترجع إلى العلم بالعدل وتنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله. قال: وهذه الشّروط تعتبر حسب الإمكان ويجب تولية الأمثل فالأمثل.
стр. 639
وقال: على هذا يدلّ كلام أحمد وغيره فيولى لعدم أنفع الفاسقين وأقلّهما شرّاً، وأعدل المقلّدين وأعرفهما بالتّقليد، قال في الفروع: وهو كما قال. وقال في الإقناع وشرحه بعد أن أورد كلام الشّيخ هذا: وهو كما قال. وإلاّ لتعطلّت الأحكام واختل النّظام.
قال القرافي: ونصّ ابن أبي زيد على أنّا إذا لم نجد في جهة العدول أقمنا أمثلهم وأقلّهم فجوراً للشّهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاء وغيره لئلا تضيع المصالح. قال القراقي: وما أظنّ أحداً يخالفه في هذا. فإنّ التّكليف مشروط بالإمكان.
المسألة الخامسة: إذا تعذّر حصول الأرش الواجب على العاقلة لعدمهم أو فقرهم وتعذر الأخذ من بيت المال، فهل يلزم به الجاني أم لا؟
الصّحيح من المذهب السّقوط والحالة هذه. ولا يطالب الجاني بذلك. قال في الإنصاف: هو المذهب. وعليه أكثر الأصحاب بناء على أنّ الدّية وجبت على العاقلة ابتداء، وجزم به الخرقي وصاحب الوجيز والمنور ومنتخب الآمدي وغيرها. قال ابن منجا في شرحه: هذا المذهب. وقدّمه في المحرّر والنّظم والرّعايتين والحاوي الصّغير والفروع وغيرها. وهو من مفردات المذهب. ويحمل أن تجب في مال القاتل.
قال المصنّف ﵀ هنا: وهو أولى فاختاره يعنِي: اختاره المصنّف، وهو الشّيخ موفّق الدِّين ابن قدامة. هذا القول الثّاني. قال في الشّرح: فإن لم يمكن الأخذ من بيت المال فليس على العاقلة شيء، وهذا أحد قولي الشّافعي، ولأنّ الدّية لزمت العاقلة ابداء بدليلٍ أنّها لا يطالب بها غيرهم إلى أن قال: فعلى هذا إن وجد بعض العاقلة حملوا بقسطهم وسقط الباقي فلا يجب على أحدٍ.
стр. 640
قال شيخنا: ويحتمل أن تجب في مال القاتل إذا تعذر حملها عنه. وهذا القول للشّافعي لعموم قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ، [النّساء، من الآية: ٩٢] .ولأنّ قضية الدّليل وجوبها على الجاني جبراً للمحلّ الذي فوته، وإنّما سقط عن القاتل لقيام العاقلة مقامه في جبر المحلّ، فإذا لم يوجد ذلك بقي واجباً عليه بمقتضى الدّليل، ولأنّ الأمر دائر بين أن يبطل دم المقتول وبين إيجاب ديته على المتلف لا يجوز الأوّل؛ لأنّ فيه مخالفة للكتاب والسّنة وقياس أصول الشّريعة فتعيّن الثّاني. ولأنّ إهدار الدّم المضمون لا نظير له وإيجاب الدّية على قاتل الخطأ له نظائر. وأطال الكلام في تقوية هذا القول. واختار هذا القول الثّاني أيضاً الشّيخ تقيّ الدِّين.
قال في الاخيتارات: وتؤخذ الدّية من الجاني خطأ عند تعذّر العاقلة في أصحّ قولي العلماء. قال في شرح الإقناع: وعنه تجب في مال القاتل. قال في المقنع: وهو أولى، أي: من إهدار دم الأحرار في غالب الأحوال؛ فإنّه لا يكاد توجد عاقلة تحمل الدّية كلّها ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال فتضيع الدّماء.
المسألة السّادسة: إذا لم تنقص الجناية المجني عليه بعد البرء ولا حال جريان الدّم.
فالمشهور في المذهب أنّه لا شيء فيها، سوى التّعزير. فقد صرّحوا بوجوب التّعزير في ذلك. قال في الإنصاف في هذه المسألة: فإن لم تنقصه شيئاً بحال أو زادته حسناً كإزالة ليحة امرأة أو إصبع زائدة ونحوه فلا شيء فيها. هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب.
قال في المحرّر: فلا شيء فيها على الأصحّ. قال في الفروع: فلا شيء فيها في الأصحّ. وكذا قال النّاظم وصحّحه في المغنِي والشّرح وغيرهما.
стр. 641
وقيل: بلى. قال القاضي: نصّ أحمد على هذا. قال المصنّف: فعلى هذا يقوم في أقرب الأحوال إلى البرء، فإن لم ينقص في ذلك الحال قوّم حال جريان الدّم؛ لأنّه لا بدّ من نقص للخوف عليه. ذكره القاضي. وجزم بهذا القول في الهداية. والمذهب والخلاصة. انتهى.
وعلى القول الأوّل: يعزّر الجاني؛ لأنّهم صرّحوا بوجوب التّعزير في جناية لا قصاص فيها؛ كالصّفع والوكز ونحو ذلك، مع أنّ في اللّطمة ونحوها رواية بثبوت القصاص في ذلك. قال في الإنصاف: لما ذكر عدم وجوب القصاص في ذلك، وقال: إنّه المذهب وعليه الأصحاب. قال: ونقل حنبل والشّالنجي القود في اللّطمة ونحوها.
ونقل حنبل عن الإمام أحمد والشّعبي والحكم وحماد قالوا: ما أصاب بسوطٍ أو عصا وكان دون النّفس ففيه القصاص. قال أحمد: وكذلك أرى. ونقل أبو طالب لا قصاص بين المرأة وزوجها في أدب يؤدّبها به، فإن اعتدى أو جرح أو كسر يقتص لها منه. ونقل ابن منصور إذا قتله بعصا أو خنقه أو شدخ رأسه بحجرٍ يقتل بمثل الذي قتل به؛ لأنّ الجروح قصاص، ونقل أيضاً كلّ شيءٍ من الجراح والكسر يقدّر على القصاص يقتصّ منه للأخبار. واختار ذلك الشّيخ تقيّ الدِّين وقال: ثبت عن الخلفاء الرّاشدين. انتهى. والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين إلى الأخ حسين بن عليّ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
موجب الخط إبلاغك
стр. 642
وأمّا القنوت إن كان إماماً جهر به، وأمن المأمومون جهراً.
وأمّا الأجرة على الأذان فقال ﷺ لبعض أصحابه:"اتّخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أرجاً".
وأمّا الأذان قبل الوقت فلا يجزئ بل يعاد في الوقت.
وأمّا بيع القهوة بطعام نسيئة فبعض أهل العلم يمع من هذا الجنس، وبعضهم يبيحه.
وأمّا أخذ الطّعام عن دراهم ثمن سمن فالخلاف في مثل هذه المسألة مشهور في زمن السّلف. هذا إذا كان الطّعام حاضراً ليس مؤخّراً وأرى في مثل هذه المسألة الغفلة عن الفاعل.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن إلى الأخ عليّ بن عثمان سلّمه الله
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
نذكر لك من جهة الذي تذكر أنّه يأخذ عن الدّراهم ثمن الغنم زاداً، فهذا لا بأس به إن شاء الله. فإن كان الدّراهم ثمن لحمٍ فلا ينبغي أخذ الزّاد عنها خروجاً من الخلاف.
ومن جهة شهود الطّلاق هل يجوز نقل شهادتهم، فإذا جاز نقل الشّهادة فشهود الطّلاق وغيرهم سواء، ونذر الطّاعة يلزم الوفاء به ويجبر عليه الممتنع، والمرأة إذا كانت رشيدة يصحّ تصرّفها في مالها ولا يمنعها زوجها من التّصرّف في مالها.
وأمّا اشتراط الرّجل على زوج ابنته عند العقد، فهذا جائز بخلاف غير الأب.
وأمّا قضاء رمضان فلا يجب فيه التّتابع. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
стр. 643
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشّيخ أبو بطين: وهذه الصّور التي نهى عنها رسول الله ﷺ في البيع نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن السّنور، وكسب الحجام، وبيع الخمر، وكلّ ما حرم أكله وبيع الميتة، وبيع الأصنام، وبيع الحرّ، وبيع عسب الفحل، وبيع فضل الماء، وبيع الكلأ، وبيع الحصاة، وبيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملامسة، وبيع المنابذة والمزابنة، والمحاقلة والمخابرة والمعاوضة والثّنيا، وبيع الثّمر قبل الصّلاح، وبيع الطّعام قبل قبضه، والبيع على بيع أخيه، والنَّجش والتّصرية، وبيع حاضر لبادٍ، وتلقي الرّكبان، والغشّ والكذب، والاحتكار، وأكل الرّبا، وتوكيله، وبيع الذّهب بمثله متفاضلاً، وبيع الفضّة بمثلها متفاضلةً، والبرّ بالبرّ متفاضلاً، والذّهب بالذّهب نساء, والفضّة بالفضّة نساء، والتّمر بالتّمر نساء، والشّعير بالشّعير نساء، والبرّ بالبرّ نساء، والملح بالملح نساء، والذّهب بالفضّة نساء، والتّمر بالبر نساء، والتّمر بالشّعير نساء، والتّمر بالملح نساء، والبرّ بالشّعير نساء، والبر بالملح نساء، والشّعير بالملح نساء، واشتراط ما ليس في كتاب الله، وكلّ ما تقدّم في الصّحيحين أو أحدهما.
قوله: المزانبة: وهي أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمرٍ كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعاماً، نهى عن ذلك كلّه، ويورى المزابنة أن يباع ما في رؤوس النّخل بتمرٍ كيلاً مُسمَّى إن زاد فلي وإن نقص فعلي.
قوله: نهى عن المخابرة والمحاقلة، فالمحاقلة: أن يبيع الرّجل الزّرع
стр. 644
بمائة فرق حنطة، والمزابنة أن يبيع الثّمر في رؤوس النّخل بمائة فرق مثلاً، والمخابرة: كراء الأرض بالثّلث أو الرّبع، والمعاومة: أن يبيع حمل الشّجر المستقبل أعواماً.
قوله: المنابذة: وهي طرح الرّجل ثوبه للبيع إلى الرّجل قبل أن يقبله أو ينظر إليه.
قوله: الملامسة: هي لمس الثّوب لا ينظر إليه.
قوله: حبل الحبلة: وكان بيعاً يبيعه أهل الجاهلية، كان الرّجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج النّاقة ثم أن تنتج التي في بطنها، وقيل: إنّه كان يبيع الشّارف وهي الكبيرة بالمسنة بنتاج الجنين الذي ببطن ناقته.
وقوله: بيع الحصاة، وهو: أن يقول: أيّ موضعٍ وقعت عليه هذه الحصاة من هذه الأرض فهو لي بكذا وكذا. اهـ.
فائدة لأبي بطين:
إذا غلب حكم الكفر في بلدةٍ صارت دار حربٍ، وعند أبي حنيفة: لا تصير دار حربٍ إلاّ باجتماع ثلاثة شروط: ظهور أحكام الكفر، وأن لا يبقى فيها مسلم ولا ذميّ بالأمان الأصلي، وأن تكون ملحقة بدار الحرب. اهـ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الأخ المحبّ الشّيخ عثمان ابن عيسى وفّقه الله لطاعته وحفظه بحراسته.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
تذكر من حال كتاب الحاكم
стр. 645
برؤية الهلال، وما ذكر لك عبد الرّحمن النّميري أنِّي ذكرت لك شيئاً في ذلك عن العسكري فعبد الرّحمن يثبت لكن ما حضرنِي الآن. والذي يظهر لي العمل به والاعتماد عليه في ذلك؛ لأنّ الفقهاء ذكروا أنّه إذا رئي هلال رمضان بمكان لزم جميع النّاس الصّوم، وإنّما يثبت ذلك غالباً في حقّ غير أهل موضع الرّؤية بإخبار الثّقات فرعاً عن أصل وخطوط القضاة، بل أهل موضع الرّؤية ليسوا كلّهم يأتون إلى الشّاهد برؤية الهلال ليسمعوا شهادته، بل يعتمدون على إخبار بعضهم بضعاً عن الشّاهد؛ كشهادة الفرع على الأصل، فإذا تقرّر قبول خبر الفرع أو شهادته في ذلك، فكذا كتاب القاضي؛ لأنّ الفقهاء ذكروا أنّه لا تقبل الشّهادة على الشّهادة إلاّ فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وأنّ كتاب القاضي حكمه كالشّهادة على الشّهادة، وكلامه في الكافي صريح في قبول الشّهادة على الشّهادة في ذلك لما ذكر وجهين في قبول قول المرأة في هلال رمضان. قال في تعليل الوجه الثّاني: وهذا لا يقبل فيه شهادة الفرع مع إمكان شهادة الأصلن فدلّ كلامه على قبول شهادة الفرع مع عدم الإمكان، ونظره صاحب الفروع بقوله: كذا قال. والذي يظهر لي أنّ تنظيره إنّما هو اعتباره لقبول شهادة الفرع إمكان شاهد الأصل، كما قدّمنا أنّ المسلمين يعتمدون على ذلك مع الإمكان وعدمه. والله سحبانه وتعالى أعلم.
ولعلّك وفقت على قول شارح الإقناع عند قول المتن في حكم كتاب القاضي: لا يقبل في حدّ الله كالزّنا ونحوه. قال الشّارح: وكالعبادات ووجه ذلك؛ أنّه لا مدخل لحكمه في عبادة، فكذا كتابه. قال الشّيخ تقيّ الدِّين: أمور الدِّين والعبادات المشتركة لا يحكم فيها إلاّ الله ورسوله إجماعاً.
стр. 646
قال في الفروع عقبه: فدلّ على أنّ إثبات سبب الحكم كرؤية الهلال والزّوال ليس بحكم الخبر، فدلّ ذلك على أنّ كتاب القاضي بإثبات رؤية الهلال ليس حكماً في عبادةٍ ولا إثباتاً لها. وإنّما هو لإثبات سببها فلا ينافي كونه لا يقبل في عبادةٍ ولا يحكم فيها، وقد صرّحوا بأنّه لا مدخل لحكمه في عبادةٍ أو وقتٍ، وإنّما هو فتوى فدلّ كلامهم على أنّ إثبات رؤية الهلال مثلاً فتوى، والفتوى يعمل فيها بالخط، وإن كان كتابه شهد عندي فلان وفلان مثلاً، برؤية الهلال، ففرع على أصلٍ لا فتوى. مطلقاً. والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي بطين إلى الأخ عثمان بن عيسى.
قال بعد السّلام:
وما ذكرت من حال المرأة التي استدخلت ذكر زوجها وهما محرمان، مرادكم وهو نائم، هل يجب عليه الكفارة أم لا؟ وهل تتحملها عنه الزّوجة كالنّفقة أم لا؟
فالظّاهر وجوب الفدية عليه؛ لأنّ هذا نوع إكراه، والمكره تجب عليه الفدية على الصّحيح من المذهب. قال في الإنصاف في باب ما يفسد الصّوم ... الخ: فتبيّن بذلك أنّ المذهب وجوب الكفارة على مَن استدخلت زوجته ذكره، وهو نائم، وأنّها لا تتحملها عنه على الصّحيح من المذهب.
وأمّا مَن قيل له: لم ضربت غلامك ولم أدميته؟ فقال: إن كان ظهر منه دم فهو حرّ، هل يعتق بذلك التّعليق إذا وجد الشّرط وهو ظهور الدّم؟
فالظّاهر أنّه يعتق إذا كان قد وجد الشّرط، وهو ظهور الدّم، والتّعليق
стр. 647
على الماضي معلوم من الكتاب والسّنة، ونحو هذا التّعليق يُسَمّى حلفاً؛ لأنّ التّعليق الذي يقصد به الحنث على فعلٍ أو المنع منه أو يراد به تصديق خبرٍ أو تكذيبه يُسمَّى حلفاً. وأمّا التّعليق الذي لا يقصد به شيء من ذلك فلا يُسَمَّى حلفاً على الصّحيح من المذهب. فلو قال: إن كنت فعلت كذا فزوجتِي طالق، وكان قد فعله حنث، وكذا لو قال: إن لم أكن فعلت كذا فزوجتِي طالق، أو فعبدي حرّ، وكان لم يفعله حنث إن لم يتأوّل حيث جاز التّاويل كما ذكره في باب التّأويل في الحلف. وما ذكرتموه من كلام منصور بأنّ المعلّق عليه لا يكون ماضياً، فلعلّ مراده إذا تجرّد الشّرط عن لفظ كان، كما قال القاضي فيما روي عن أحمد في رجلٍ قال لامرأته: إن وهبت كذا فأنت طالق، وإذا هي قد وهبته. قال الإمام: أخاف أن يكون قد حنث.
قال القاضي: هذا محمول على أنّه قال: إن كنت قد وهبته، وإلاّ فلا يحنث حتّى تبتدئ هبته. انتهى. فإذا اتّصلت كان بأداة الشّرط جاز كون المعلّق عليه ماضياً وحالاً.
وقال م. ص: وقد يكون المعلّق عليه موجوداً في الحال، وقد يكون مستقبلاً ولا يكون ماضياً، ولذلك تقلب أدوات الشّرط الماضي إلى الاستقبال، فدلّ قوله: وكذلك ... الخ على أنّ مراده بقوله: ولا يكون ماضياً، إذا تجرّد من كان؛ لأنّ الماضي إذا اقترنت به كان لا يكون مستقبلاً، بل يبقى على مضيه، وهي إنّما تقلب الماضي إلى الاستقبال إذا لم تقترن بكان أو يكون أو مضارعاً، فدلّ قوله: ولذلك الخ، تقلب أدوات الشّرط، آخر ما وجد من هذه الرّسالة. والله أعلم.
стр. 648
وله أيضاً ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ما قولكم ـ رفع الله قدركم ـ في ريع وقف عقار انتقل من طبقة إلى طبقة أرضاً أو نخلاً من مزارعة أو مساقاة أو إجارة بعد ظهور الثّمرة، ومتى تستحقّ الطّبقة الثّانية لذلك، وهل بين مَن كان يستحقّها بوصفٍ أو مقابلة عملٍ فرق، أفتونا مأجورين.
الجواب: الحمد لله ربّ العالمين، الكلام في هذه المسألة كالكلام في الحمل في أنّه يتجدّد حقّه من الوقف بوصعه لا قبله من ثمرٍ وزرعٍ، كتجدّد حقّ المشتري. هذا هو المشهور في المذهب. ومن المعلوم أنّه إذا بيعت أرض وفيها زرع كبر ونحوه أنّه للبائع ما لم يشترط مشترٍ. وكذا إذا بيع نخل قد تشقّق طلعه أنّه للبائع ما لم يشترطه المشتري. فهكذا حكم الحمل المستحقّ للوقف بعد وضعه. قال في المغنِي: ومَن وقف على أولاده أو أولاد غيره وفيهم حمل لم يستحقّ شيئاً قبل انفصاله. قال أحمد في رواية جعفر بن محمّد فيمَن وقف نخلاً على قومٍ وما توالدوا، ثم ولد مولود فإن كان النّخل قد أُبِّرَ فليس له فيه شيء، وهو للأوّل، وإن لم يكن قد أُبِّرَ فهو معهم، وإنّما قال ذلك؛ لأنّها قبل التّأبير تتبّع الأصل في البيع، وهذا الموجوب يستحقّ نصيبه فيتبعه حصته من الثّمر كما لو اشترى ذلك النّصيب من الأصل، وبعد التّأبير، لا تتبع الأصل، ويستحقّ مَن كان له الأصل، فكانت للأوّل؛ لأنّ الأصل كان كلّه له فاستحقّ ثمرته كما لو باع هذا النّصيب منها، ولم يستحقّ المولود منها شيئاً كالمشتري. وهكذا الحكم في سائر ثمر الشّجر الظّاهر، فإنّ المولود لا يتستحقّ
стр. 649
منه شيئاً، ويستحقّ مما ظهر بعد ولادته. وإن كان الوقف أرضاً فيها زرع يستحقّه البائع فهو للأوّل، وإن كان مما يستحقّه المشتري فللمولود حصّته منه؛ لأنّ المولود يتجدّد استحقاقه للأصل كتجدّد ملك المشتري فيه. انتهى كلامه.
وهذا التّعليل الذي علّل به ظاهر في أنّ حكم الطّبقة الثّانية حكم الحمل. وهو واضح. ولله الحمد.
قال في الإنصاف: تجدّد حقّ الحمل بوضعه من ثمرٍ وزرعٍ لمشترٍ نقله المروذي وجزم به في المغنِي والشّرح والحارثي. وقال: ذكره الأصحاب في الأولاد وقدمه في الفروع. ونقل جعفر يستحقّ من زرع قبل بلوغه الحصاد، ومن نخل لم يؤبّر، فإن بلغ الزّرع الحصاد، وأُبِّرَ النّخل لم يستحقّ شيئاً إلى أن:
قال في الفروع: ويشبه الحمل إن قدم إلى ثغر موقوف عليه فيه أو خرج منه إلى بلد موقوف عليه فيه، نقله يعقوب. قال: وقياسه من نزل في مدرسته ونحوه. قال ابن عبد القوي: ولقائل أن يقول: ليس كذلك؛ لأنّ واقف المدرسة ونحوها جعل ريع الوقف في السّنة كالجعل على اشتغال مَن هو في المدرسة عاماً، فينبغي أن يستحقّ بقدر عمله من السّنة من ريع الوقف في السّنة لئلا يفضي إلى أن يحضر الإنسان شهراً مثلاً فيأخذ جميع مغل الوقف ويحضر غيره باقي السّنة بعد ظهور الثّمرة، فلا يستحقّ شيئاً. وهذا يأباه مقتضى الوقوف. ومقاصدها. انتهى.
قال الشّيخ تقيّ الدِّين: يستحقّ بحصّته من مغله. وقال: من جعله كالولد فقد أخطأ. وللورثة من المغل بقدر ما باشر مورثهم. انتهى.
قال في القواعد الفقهية: واعلم أنّما ذكرناه في استحقاق الموقوف عليه ههنا إنّما هو إذا كان استحقاقه بصفةٍ محضةٍ مثل كونه ولداً أو فقيراً ونحوه، أمّا إن كان استحقاقه الوقف عوضاً عن عملٍ، وكان المغل كالأجرة فيقسط على جميع السّنة كالمقاسمة
стр. 650
القائمة مقام الأجرة حتّى مَن مات في أثنائه استحقّ بقسطه وإن لم يكن الزّرع قد وجد. وبنحو ذلك أفتى الشّيخ تقيّ الدِّين. انتهى.
فظهر من كلامهم أنّ مَن كان استحقاقه بصفةٍ لكونه ولداً أو فقيراً ونحو ذلك أنّ حكمه في الاستحقاق من زرع الأرض الموقوفة، وثمر الشّجر الموقوف حكم المشتري. هذا هو المعمول به في المذهب.
وأمّا مَن كان استحقاقه في مقابلة عملٍ ففيه الخلاف، كما تقدّم. فصاحب الفروع قاس هذه المسألة قبلها، فقال: وقياسه مَن نزل في مدرسةٍ ونحوه وتبعه. في الإقناع وغيره وكلام الشّيخ تقيّ الدِّين وابن عبد القوي وابن رجب بخلاف ذلك. والعمل به أولى إن شاء الله تعالى.
وأمّا إن كان الوقف مؤجّراً فالذي ظهر لنا من كلامهم أنّ الأجرة تقسط على جميع السّنة، فَمَن مات من المستحقّين في أثناء السّنة فله من الأجرة بقدر ما مضى من السّنة. وهو صريح في كلام بعضهم، كما قال ابن رجب ﵀ في أثناء كلامٍ له. قال: كما تقول في الوقف إذا انتقل إلى البطن الثّاني، ولم تنفسخ إجارته أنّهم يستحقّون الأجرة من يوم الانتقال. انتهى.
فهذا يدلّ على القول بأنّها لا تنفسخ بموت المؤجّر من الطّبعة الأولى، وعلى القول الثّاني الذي هو الصّحيح عند ابن رجب وصحّحه أيضاً الشّيخ تقيّ الدِّين وصوّبه في الإنصاف أنّها تنفسخ، فإنّ المنافع تنتقل للطّبقة الثّانية، فتكون الأجرة لهم من حين انتقل الوقف إليهم.
قال ابن رجب أيضاً في أثناء كلامٍ له: وفي أمثلة ذلك الوقف إذا زرع فيه أهل البطن الأوّل أو مَن آجروه ثم انتقل إلى البطن الثّاني والزّرع قائم، فإن قيل: إنّ الإجارة لا تنفسخ وللبطن الثّاني حصّتهم من الأجرة فالزّرع مبقى لمالكه بالأجرة
стр. 651
السّابقة، وإن قيل: بالانفساخ، وهو المذهب الصّحيح فهو كزرع المستأجر بعد انقضاء المدّة إذا كان بقاؤه بغير تفريطٍ من المستأجر فيبقى بالأجرة إلى أوان أخذه، وقد نصّ عليه الإمام أحمد في رواية مهنا في مسألة الإجارة المنقضية، وأفتى به في الوقف الشّيخ تقيّ الدِّين. والله أعلم. اهـ.
والمجيب هو: الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبا بطين. رحمه الله تعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسألة: ما قول شيخنا ـ وفّقه الله ـ لإيضاح المشكلات في إنسانٍ اشترى قهوة من آخر مثلاً، واكتالها كيلاً جيداً، أو اشترط أنّه يكيلها فلان مثلاً، وأراد بعد ذلك بيعها فلما باعها، قال: أكيلها أنا، والحالة أنّ كيله هو أو فلان أنقص من ذلك الكيل الأوّل، هل يكون ذلك ممنوعاً في الشّرع المطهر أم لا؟
أيضاً ـ سلّمك الله ـ: إذا اشترط البائع على المشتري أنّه لا يكيلها إلاّ أنت أو فلان، والحالة أنّه هو أو فلان لا يحسنون الكيل الذي يساوي كيله أو لا والتزم له المشتري بذلك هو يسوغ له الشّرط أم لا؟ نلتمس من فيض إفضالكم تحرير الجواب باختصارٍ وإيجاز. ولكم من الله بذلك الثّواث الجزيل والمفاز.
وأيضاً ـ سلّمك الله ـ: حصل زيادة بين كيلٍ البائع وكيل المشتري بلا شرط على المشتري، والحال أنّ المشتري الأوّل شرط على البائع الأوّل أنّه يكيلها فلان والمشتري الثّاني لم يشترط كيل أحدٍ.
فأجاب ـ رحمه الله تعالى ـ: الذي أرى ـ والله أعلم ـ أنّه إذا قال المشتري:
стр. 652
أكيلها أنا أو فلان والحالة أنّ كيله أو كيل فلان أنقص من الكيل الأوّل الذي اكتاله البائع أنّ ذلك لا يمنع.
وأمّا إذا شرط البائع على المشتري أنّه لا يكيلها إلاّ أنت أو فلان، فهذا الشّرط غير صحيحٍ، ويجوز أن يتولّى الكيل غير المعيّن للمشروط، كما قالوا: إذا شرط في السّلم مكيالاً معيّناً له عرف أنّه لا يصحّ هذا الشّرط ولا يلزم التّعيين. والله أعلم.
فائدة: قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ في بدائع الفوائد: الحاكم محتاج إلى ثلاثة أشياء لا يصحّ له الحكم إلاّ بها: معرفة الأدلّة، والأسباب، والبيّنات. فالأدلّة تعريفه: الحكم الشّرعي لا الكلّيّ، والأسباب معرفة ثبوته في هذا المحلّ المعتبر وانتفاؤه عنه. والبيّنات معرفة طريق الحكم عند التّنازع. ومَن أخطأ واحداً من هذه الثّلاثة أخطأ في الحكم وجميع خطأ الحكام مداره على هذه الثّلاثة أو بعضها.
مثال ذلك: إذا تنازع اثنان في ردّ سلمة مشتراة فحكمه موقوف على العلم بالدّليل الشّرعي الذي سلط المشتري على الرّدّ، وهو إجماع الأمّة المستند إلى حديث المصراة، وعزاه على العلم بالسّبب المثبت بحكم الشّارع في هذا المبيع المعيّن، ويقولون هذا الوصف عيب سلط على الرّدّ أم لا؟ وهذا لا يتوقّف العلم به على الشّرع بل على الحسّ والعادّة أو العرف أو الجزاء ونحو ذلك، وعلى البيّنة التي هي طريق الحكم بين المتنازعين، وهي كلّ يبيّن ما له صدق أحدهما، أو ظنا من إقرار أو شهادة أربعة عدول، أو ثلاثة في دعوى الإعسار بتلف ماله على أصحّ القولين أو شاهدين، أو رجلٍ وامرأتين، أو شاهد ويمين، أو شهادة رجلٍ. انتهى.
стр. 653
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين إلى الولد المحبّ عليّ بن عبد الله القاضي ألهمه الله رشده وهداه، ووفّقه لما يحبّه ويرضاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
موجب الخطّ إبلاغك السّلام. والخط وصل وصلك الله إلى ما تحب. ومن حال ما ذكرت من أخذ الرّجل من طول لحيته إذا كانت دون القبضة فالظّاهر الكراهة، لقول النَّبِيّ ﷺ :" اعفوا اللّحى"، وفي حديثٍ آخر:" ارخوا اللُّحى". والسّنة عدم الأخذ من طولها مطلقاً. وإنّما رخص بعض العلماء في أخذ ما زاد على القبضة لفعل ابن عمر ﵄، وبعض العلماء يكره ذلك لقول النَّبِيّ ﷺ :" اعفوا اللّحى ".
وأمّا حلق ما على الخدّين من الشّعر فلا شكّ في كراهته لمخالفته قوله ﷺ :"اعفوا اللّحى".واللّحية في اللّغة اسم لمحلّ الشّعر النّابت على الخدّين والذّقن. ومعنى قوله ﷺ :"اعفوا اللّحى"، أي: وفرّوها واتركوها على حالها مع أنّه ورد حديث في النّهي عن ذلك، فروى الطّبراني عن ابن عبّاس ﵄ أنّ النَّبِيّ ﷺ قال:"مَن مثّل بالشّعر ليس له عند الله من خلاق".قال الزّمخشري: معناه: صيّره مثلة بنتفه أو حلقه من الخدود، وقيل: نتفه أو تغيير بسواد. وهذا الحديث ظاهر في تحريم هذا الفعل. والله أعلم.
وقال أصحابنا: يباح للمرأة حلق وجهها وحفّه، ونصّ الإمام أحمد على كراهة حفّ الرّجل سوى وجهه، والحفّ أخذه بالمقراض والحلق
стр. 654
بالموسى. فإذا كره الحفّ فالحلق أولى بالكراهة. ويكفي ذلك أنّه يخالف سنة النَّبِيّ ﷺ في قوله:"اعفوا اللّحى".وفي الحديث:" وفّروا اللُّحى خالفوا المشركين ".الله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه مسائل سُئِلَ عنها الشّيخ العالم العلاّمة البحر الفهّامة عبد الله ابن عبد الرّحمن أبو بطين ﵀ وعفا عنه:
المسألة الأولى: إذا ترك السّاعي في الخرص لربّ المال شيئاً من كمال النّصاب كما إذا صار عنده خمسة أوسق فترك منها وسقاً فقد ذكروا إن كان ربّ المال أكل هذا الوسق المتروك فلا يجب عليه شيء في الأوسق الأربعة الباقية، وإن لم يأكل هذا الوسق المتروك زكى الأسوق الأربعة فقط.
الثّانية: وجوب الزّكاة في غلة الوقف فإن كان الوقف على معيّنٍ واحدٍ أو جماعةٍ وحصل لكلّ وحدٍ نصاب زكّاه، وإن كان الوقف على غير معيَّنٍ لم يجب شيء.
الثّالثة: إذا كان عند إنسانٍ نصاب في الشّتاء وبعض نصاب في القيظ أخرج زكاة نصاب الشّتاء ولم يجب عليه شيء في زرع القيظ إذا لم يبلغ نصاباً.
الرّابعة: إذا دبر عبده وأوصى بثلث ماله في جهة فزكاة الجميع تخرج من الثّلث؛ لأنّ التّبدير وصية على المشهور، وله الرّجوع في الوصية وبيع المدبّر على اختلاف في ذلك.
стр. 655
الخامسة: السّلم فلا يباع قبل قبضه ولا يؤخذ مِمَّن هو عليه عوض عن دَين السّلم في قول أكثر العلماء.
السّادسة: إذا مات الوصي أقام الحاكم عدلاً في ذلك من العصبة أو غيرهم، وليس للعصبة ولاية إلاّ مع عدم حاكمٍ أو وصي على قول غير مشهورٍ لكنه متوجّه مع عدم الحاكم.
السّابعة: إذا طلق الرّجل زوجته ثلاثاً فإنّها تقع الثّلاث ولو كان على عوضٍ.
الثّامنة: إذا قال الزّوج لزوجته: إن خرجت فأنت طالب وكرّرها ثلاثاً ثم خرجت فإنّها تطلق ثلاثاً ولو لم ينو شيئاً، وإن ادّعى أرادة الإفهام بالتّكرير قُبِلَ منه.
التّاسعة: إذا قال الرّجل لامرأته: أمرك بيدك، فإنّها تملك ثلاثاً، ولو قال: طلِّقي نفسك، لم تملك إلاّ واحدةً.
العاشرة: إذا وقف نخلة معيّنة فالذي نرى أنّ موضعها لا يكون وقفاً بذلك، فإذا سقطت النّخلة زال حقّ أهل الوقف، وقد صرّح بذلك الفقهاء فيما إذا أقرّ له بنخلة أو باعه إيّاها تناول ذلك الجذع فقط، فإذا سقطت لم يكن له إعادتها كما نصّ عليه الإمام أحمد فيما إذا أقرّ له بنخلةٍ. والله أعلم.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم
مسألة: ما حكم ما يغرس أو ينبت من النّخل ونحوه على ماء الشّريك في المشاع إذا أراد الشّركاء القسمة؟
الجواب: الحمد لله. أمّا ما غرس الشّريك في الأرض المشاعة بغير إذن شريكه فقد صرّح الأصحاب بأنّ حكمه حكم غرس الغاصب، ونصّ
стр. 656
على ذلك الإمام أحمد، فإنّه سُئِلَ عَمَّن غرس نخلاً في أرض بينه وبين قوم مشاعاً، قال: إن كان بغير إذنهم قلع نخله. قال في الإنصاف:
قلت: وهذا مما لا إشكال فيه. قالوا: وكذا لو غرس نوى فصار شجراً فحكمه حكم الغرس لا كالزّرع على الصّحيح من المذهب.
وأمّا قول الشّيخ ﵀: مَنْ رَزَعَ بلا إذن شريكه، والعادّة بأن مَن زَرع فيها له نصيب معلوم ولربّها نصيب قسم غلة ما زرعه في نصيب شريكه كذلك. فالظّاهر أنّ هذا في الزّرع خاصّة دون الغرس ولجريان العادّة بذلك.
وأمّا إذا نبت في الأرض المشاعة شجر بغير فعل صاحب الماء وإنّما نبت على مائه بغير فعلٍ منه، فلم أرَ في كتب الأصحاب ذكراً لهذه المسألة بعينها.
ورأيت جواباً للشّيخ عبد الله بن ذهلان النّجدي في هذه المسألة:
اعلم أنّ الغرس النّابت في الأرض المأجورة والموقوفة لم نظفر فيه بنصٍّ وتعبنا من زمن، وجاءنا فيه جواب للبلياني وأظنّه غير محرّر، وأرسلنا من زمنٍ طويلٍ للشّيخ عبد الرّحمن بن عبد الله الشّافعي المفتِي بالأحساء فيمَن استأجر أرضاً مدةً طويلةً فنبت فيها غراس الظّاهر سقوطه في مدّة الإجارة ونما من عمل مستأجر ما حكمه؟
فأجاب: إذا استجأر شخص مدّة طويلةً ووقع منه نوى في الأرض المذكورة ولم يعرض عنه كان النّابت ملكاً لمستأجر إن تحقّق أنّ النّوى ملكه، وإن لم يتحقّق أنّه ملكه أو أعرض عنه، وهو مِمَّن يصحّ إعراضه، فهو ملك لصاحب الأرض، وإنّما نما بعمل المستأجر. هذا جوابه.
стр. 657
ومن جواب محمّد بن عثمان الشّافعي: الودي النّابت في الأرض لمالكها لا للمستأجر. وإن حصل نمو بفعل المستأجر من سقيه وتعاهده. اهـ.
قال في الشّرح: وإن رهن أرضاً نبت فيها شجر فهو رهن؛ لأنّه نبات الأرض سواء نبت بفعل الرّاهن أو بغيره. وكذا قال في المغنِي وغيره، فتعليلهم أنّ النّابت من نماء الأرض ربّما يلحظ منه شيء. والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نقل من إملاء الشّيخ عبد الله أبي بطين:
ما قول العلماء هل للحيوان عهدة من جهة الجرب؟
فقال: وأمّا عهد الحيوان إذا بان فيه جرب بعد البيع بمدّة فقول أهل الخبرة بذلك أنّه يمكن حدوثه في هذه المدّة. وإنّما نعتقد تقدّمه على البيع أثبتنّا الرّدّ بفسخ البيع، وإن احتمل الأمرين أوجبنا اليمين على البائع بنفي تقدّم الجرب عملاً بإحدى الرّوايتين من أنّ القول قول البائع بيمينه على البتّ إذا اختلفا في حدوث العيب، وكان محتملاً لأمرين. انتهى.
قال في شرح الزّاد في باب الخيار: ويقبل قول قابضٍ في ثابتٍ من ثمنٍ وقرضٍ وسلمٍ إن لم يخرج عن يده ما صورته؟
الجواب: معناه: أنّه إذا ثبت في ذمّة عمرو لزيد عشرة آصع مثلاً، سواء كانت ثمن ميبعٍ باعه زيد على عمرو، أو قرضٍ أقرضه زيد عمرواً، أو دَين سلم في ذمّة عمرو لزيد، أو أجرة دار في ذمّته أو قيمة سلعة أتلفها عمرو لزيدٍ، فثبت غرمها لزيد فبعد ما قبضه زيد من عمرو ردّها زيد بعيبٍ وجده فيها،
стр. 658
وأنكر عمرو كون الآصع المردودة ليست هي التي دفعها، فإنّ القول في هذه الصّورة التي صوّرنا قول القابض للثّابت، وهو زيد بيمينه؛ لأنّ الأصل بقاء شغل الذّمّة بهذا الحقّ الثّابت.
والقاعدة: أنّ القول قول مدّعي الأصل وإنّما عبر بالقابض لشمل البائع والمقرض والمسلم والمؤجّر والمتلف ونحوهم. انتهى.
وقال أيضاً في الشّرح: ومَن اشترى متاعاً فوجده خيراً مِمَّا اشترى فعليه ردّه إلى بائع، وعبارة الحاشية على المنتهى لعثمان النّجدي: وفي الإقناع أيضا: لو اشترى متاعاً فوجده خيراً مِمَّا اشترى فعليه ردّه إلى بائعه، وكما لو وجده رديئاً كان له ردّه، ولعلّ محلّ ذلك إذا كان البائع جاهلاً به.
وفيه أيضاً: وإن أنعل الدّابة ثم أراد ردّها بعيبٍ مثلاً ينْزع النّعل ما لم يعيبها فيتركه إلى سقوطه أو موتها وليس له قيمته على البائع. انتهى.
ونقل أيضاً من حاشية عثمان على المنتهى على صورة البيع الذي لا يصحّ تصرّف المشتري فيه قبل قبضه سبع صور: المكيل والموزون والمعدود والمذروع إذا بيع ذلك بالكيل ونحوه، والبيع بصفة إذا كان معيّناً، والمبيع برؤية متقدمة. فهذه ستّ صور المبيع فيها معيّن ومع ذلك لا يصحّ تصرّف المشتري فيها بغير ما استثنى. وهو العبد والدّار ومثله في ذلك الثّمن إذا دفع بإحدى الصّور السّتّ.
والسّابعة: كلّ عوضٍ في عقدٍ تتوقف صحّته على القبض كالصّرف والسّلم؛ فإنّه لا يصحّ التّصرّف أيضاً في العوض قبل قبضه. وحاصل ما يكون للبائع على ما ذكره ثمان صور السّتّ المتقدّمة والثّمر على الشّجر وكلّ مبيع
стр. 659
منع البائع المشتري من قبضه، وقال أيضاً: فلو بيع أو أخذ بشفعة ... الخ في العبارة صورتان:
الأولى: قوله: فلو بيع، صورتها: أن يشتري زيد من عمرو دراً بصبرة طعام على أنّها عشرة أرادب بمثل بيع زيد لمشتري الدّار المذكورة لبكر بثنم معلومٍ ثم يتلف الطّعام بغير فعل آدمي قبل قبضه بالكيل، فإنّ البيع الأوّل ينفسخ وحده دون الثّاني، فتستقرّ الدّار لبكر بثمنها الذي اتّفق هو وزيد عليه، وهو المشتري الثّاني، ولعمرو وهو البائع الأوّل قيمة الدّار لتعذّر ردّها. انتهى.
مسألة على باب الضّمان: قال شيخ الإسلا أحمد بن تيمية في النّبذة التي في المظالم المشتركة: وإذا كان الإعطاء واجباً لرفع ضرر هو أعظم منه فمذهب مالك وأحمد بن حنبل المشهور عنه وغيرهما أنّ كلّ مَن أدّى عن غيره فله أن يرجع به إذا لم يكن متبرّعاً بذلك. وإن أدّاه بغير إذنه مثل مَن قضى دَين غيره بغير إذنه سواء كان قد ضمنه بغير إذنه أو أدّاه عنه بلا ضمان، وكذلك مَن افتك أسيراً من الأسرى بغير إذنه، يرجع عليه بما افتكه به، وكذلك مَن أدّى عن غيره نفقة واجبة عليه مثل أن ينفق على ابنه أو زوجته أو بهائمه فيها حقّ مثل أن يكون مرتهناً أو مستأجراً أو كان مؤتمناً عليها مثل المودع ومثل ردّ العبد الآبق، ومثل اتّفاق أحد الشّريكين على البهائم المشتركة.
وقد دلّ على هذا الأصل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، [الطّلاق، من الآية: ٦] .فأمرنا بإيتاء الأجر بمجرّد رضاعتهن ولم يشترط لذلك استئجاراً ولا إذن الأب لها إن رضع بالأجر، بل لما كان إرضاع الطّفل واجباً على
стр. 660
أبيه إذا أرضعته المرأة استحقّت بمجرّد إرضاعها. انتهى.
فائدة: إذا أخلّ الجاهل في أحكام صلابته بركنٍ أو واجبٍ أو فعل مبطلاً واعتقد أنّ صلاته صحيحة ثم أخبر أنّها غير صحيحة وقد صلّى فروضاً أعادها فقط، وأمّا العالم أو الشّاكّ فيعيد الصّلوات كلّها. وهذه مسألة مَن جهل أنّ عليه صلاة في الرّواية المشهورة. وأمّا مَن ذكر فائتة وجهل وجوب التّرتيب وصلّى قبلها أعاد. انتهى.
فائدة: وأمّا زكاة الفطر فيعتبر أيضاً لها إخراجها إلى المستحقّ لا إخراجها عن يده إلى وكيل ونحوه.
فائدة: إذا أراد إنسان أن يضحّي بأضحيةٍ عن جماعةٍ جاز تشريكهم فيها، وتكفي النّيّة فلا يشترط أن يسمِّي مَن أرادهم بالأضحية، لكن تستحبّ تسميتهم، فيقول بعد التّسمية والتّكبير عن فلان وفلان، أو عن أهل بيتِي أو عن والدي ونحوه. انتهى.
فائدة: وقال أيضاً ﵀ وفرض على كلّ أحدٍ معرفة التّوحيد وأركان الإسلام بالدّليل ولا يجوز التّقليد في ذلك، لكن العامّي الذي لا يعرف الأدلّة إذا كان يعتقد وحدانية الرّبّ ورسالة محمّد ﷺ ويؤمن بالبعث بعد الموت، والجنة والنّار، ويعتقد أنّ هذه الأمور الشّركية التي تفعل عند هذه المشاهد باطل وضلال، فإذا كان يعتقد ذلك اعتقاداً جازماً لا شكّ فيه، فهو مسلم، وإن لم يترجم بالدّليل؛ لأنّ عامّة المسلمين ولو لقنوا الدّليل فإنّهم لا يفهمون المعنى غالباً. انتهى.
стр. 661
- ١٥ -
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُئِل الشّيخ عبد اله أبو بطين ﵀ عن التتن هل يطلق عليه التّحريم وما وجه تحريمه؟
فأجاب ﵀ أمّا التتن فالذي نرى فيه التّحريم لعلتين:
إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدّة ثم شربه وإن لم يسكر ولم يحصل له إسكار فقد يحصل له تخدير وتفتير، وقد روى الإمام أحمد ﵀ حديثاً مرفوعاً: نهى رسول الله ﷺ "عن كلّ مخدر ومفتر".
والعلة الثّانية: أنّه دخان منتن فهو مستخبث عند مَن لم يعتده.
واحتجّ بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ، [الأعراف، من الآية: ١٥٧] .فهو بلا شكّ مستخبث. وأمّا مَن ألفه واعتاده فلا يرى خبثه كالجعل لا يستخبث العذرة. والله أعلم.
قال الفضيل بن عياض: أفضل العلم ما دلّك على معرفة الله وخشيته ومحبّته، ومحبّة ما يحب، وكراهة ما يكره، لاسيما عند غبلة الجهل والتّعبّد به أفضل من عمل الجوارح، وفائدة العلم العمل وإلاّ فهو حجّة على صاحبه. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
مسألة: إذا كان رجلان شريكان في ثمرة نخلّ واحتاج أحدهما إلى أخذ ثمرة نخلة بعضها تمر وبعضها بسر، فقال لشريكه: إذا صرم النّخل فخذ قيمة الثّمر هل يصحّ أم لا؟
الجواب: الحمد لله، فقد ذكر العلماء أنّه يجوز قسمة الثّمار خرصاً، ولو كانت الثّمار على الشّجر قبل بدوّ صلاحه، أي: الثّمر ولو بشرط التّبقية،
стр. 662
وأنّه لا يجوز تفرّقهما قبل القبض؛ لأنّها إفراز حقّ لا بيع.
وأمّا المسألة المسؤول عنها فلا يجوز؛ لأنّه في الحقيقة بيع، وهو غير صحيحٍ أظنّه جواب الشّيخ أبو بطين ﵀.
قال ﵀: أمّا شرط المرأة على الزّوج طلاق زوجته فأكثر الأصحاب يصحّحون هذا الشّرط بمعنى أنّ لها الفسخ إذا لم يفِ. واختار الموفّق وجماعة من الأصحاب عدم صحّة هذا الشّرط. وأنّها لا تملك الفسخ إذا لم يف؛ للنّهي عنه في الحديث الصّحيح، وأرجو أنّ هذا القول أقرب. والله أعلم.
فائدة: إذا كان مثلاً عند إنسانٍ لآخر مائة صاع سلم جاز أن يشتري منه بنقد ثم يقبضه ثم يدفعه إليه عما في ذمّته سلماً. وإن كان غير سلم جاز أن يقضيه عنه عوضه.
فائدة: ذكر ابن عقيل فيمَن عليه فائتة وخشي فوات الجماعة روايتين:
إحداهما: يسقط التّرتيب؛ لأنّه اجتمع واجبان لا بدّ من تفويت أحدهما، فكان مخيّراً فيهما.
والثّانية: لا يسقط التّرتيب لما ذكرنا. قال شيخنا: وهذه الرّواية أحسن وأصلح إن شاء الله.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومن جوابٍ للشّيخ عبد الله أبي بطين ﵀:
وما سألت عنه من الاقتصار في التّراويح على أقلّ من عشرين ركعة فلا بأس بذلك، وإن زاد فلا بأس، قال الشّيخ تقيّ الدِّين: له أن يصلّي عشرين كما هو المشهور في مذهب أحمد والشّافعي، قال: وله أن يصلّي ستة وثلاثين، كما هو مذهب مالك، قال الشّيخ: وله أن يصلّي أحدى عشرة
стр. 663
أو ثلاث عشر. قال: وكلّه حسن، كما نصّ عليه أحمد ﵀. قال الشّيخ: فيكون تكثير الرّكعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، وقد استحبّ أحمد أنّه لا ينقص في التّراويح عن ختمة، يعنِي في جميع الشّهر. وأمّا قوله سبحانه: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ، [الذّاريات: ١٧] ، فالهجوع اسم للنّوم باللّيل.
والمشهور في معنى الآية: أنّهم كانوا يهجعون قليلاً من اللّيل ويصلّون أكثره، وقيل: المعنى أنّهم لا ينامون كلّ اللّيل بل يصلّون فيه، إمّا في أوّله أو آخر. أمّا الاستغفار فيراد به الاستغفار المعروف وأفضله سيّد الاستغفار. وقال بعض المفسِّرين: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ، [الذّاريات: ١٨] .أي: يصلّون؛ لأنّ صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة، وإذا صار الإنسان يجلس في المسجد فلا بأس من كونه يجعل عصاه في مكانٍ فاضلٍ بحيث إنّه لا يخرج إلاّ لما بدّ منه من نحو وضوء وفطور وسحور ونحوه، وأمّا إن كان يخرج لنحو بيع وشراء وكد فلا يجوز. والله أعلم.
فائدة: سُئِل الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبو بطين ﵀، وعفا عنه عن الذي يروى:"مَن كفّر مسلماً فقد كفر".
فأجاب ـ عفا الله عنه ـ: لا أصل لهذا اللّفظ فيما نعلم عن النَّبِيّ ﷺ ، وإنّما الحديث المعروف:" مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". ومَن كفّر إنساناً أو فسّقه أو نفّقه متأوّلاً غضباً لله تعالى فيرجى العفو عنه كما قال عمر ﵁ في شأن حاطب بن أبي بلتعة أنّه منافق، وكذا جرى من غيره من الصّحابة وغيرهم.
وأمّا مَن كفّر شخصاً أو نفّقه غضباً لنسفه أو بغير تأويلٍ فهذا يخاف عليه، وأمّا مَن جعل سبيل الكفار أهدى من سبيل المؤمنين، فإن كان
стр. 664
مراده حال أهل الزّمان اليوم كأن يقول: إنّ فعل مشركي الزّمان عند القبور وغيرها أحسن مِمَّن لا يدعو إلاّ الله ولا يدعو غيره، فهذا كافر بلا شكّ، وكذا قولنا: إن فعل مشركي الزّمان عند القبور من دعاء أهل القبور وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والذّبح والنّذر لهم، وقولنا: إنّ هذا شرك أكبر وأنّ مَن فعله فهو كافر، والذين يفعلون هذه العبادات عند القبور كفار بلا شكّ، وقول الجهال إنّكم تكفّرون المسلمين، فهذا ما عرف الإسلام ولا التّوحيد. والظّاهر عدم صحّة إسلام هذا القائل، فإن لم ينكر هذه الأمور اليت يفعلها المشركون اليوم، ولا يراها شيئاً فليس بمسلمٍ. اهـ.
فائدة: قال الأصحاب: الدّار داران: دار إسلامٍ ودار كفرٍ، فدار الإسلام هي التي تجري أحكام الإسلام فيها وإن لم يكن أهلها مسلمين، وغيرها دار كفرٍ، وكرهوا التّجارة والسّفر إلى أرض العدوّ، وبلاد الكفر مطلقاً. قوله: مطلقاً، سواء أظهر دِينه أم لا؟ وإن عزج عن إظهار دِينه حرم السّفر إليها. قال في الفروع: وجزم غيره، يعنِي غير شيخه بكراهة التّجارة السّفر إلى أرض كفرٍ ونحوه كأرض بدع.
وقال شيخنا أيضاً: لا يمنع منه إذا لم يلزموه بفعل محرمٍ أو ترك واجبٍ، وينكر ما يشاهد من المنكر. انتهى. وذكر قبل ذلك تحريم شهود عيد اليهود والنّصارى إلى أن قال: لا بيع لهم فيها، نقله مهنا. وحرمه شيخنا، وخرّجه على ما ذكره من روايتين منصوصتين في حمل التّجارة إليهم.
قال حرب: قال عبد الله بن أحمد: سألت أبِي عن رجلٍ اكتسب مالاً من شبهة هل صلاته وتسبيحه تحط عنه من مأثم ذلك؟ فقال: إن صلّى وسبّح يريده بذلك فأرجو. قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئا﴾ الآية، [التّوبة، من الآية: ١٠٢] .
стр. 665
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين، إلى الولد عليّ بن عبد العزيز بن سليم، زاده الله علماً ووهب لنا وله حكماً.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
موجب الخط السّلام والخط وصل، وصلك إلى الخير، وسرّنا ما ذكرت أتم الله نعمته على الجميع، وغير ذلك سألت عن معنى الحديث أنّه ﷺ نهى عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان: صاع البائع، وصاع المشتري، فهذا مثل الحديث الآخر:"إذا بعت فكل، وإذا ابتعت فاكتل"، يستدلّ بذلك إذا اشترى شيئاً بكيلٍ أو وزنٍ فإنّما يحصل قبضه بالكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، ولا يتصرّف فيه قبل كيله، فإذا اشترى شيئاً بالكيل قبضه بصاعه، وإذا باعه قبضه المشتري منه بصاعه.
وأمّا حديث عهدة الرّقيق فاستدلّ بهذا المكالية في قولهم: عهدة الرّقيق ثلاثة أيّام، يعنون إذا اشترى فأصابه عيب أو غيره فهو من ضمان البائع، واحتجّوا بحديث عقبة لكن الذي رأينا فيه ثلاثة أيّام، وأكثر العلماء لا يرون ذلك. قال الإمام أحمد: ليس فيه حديث. وقال ابن المنذر: لا تثبت العهدة في حديث. وأمّا حديث اعطوا كلّ سورة حظّها من الرّكوع والسّجود فالظّاهر أنّ المراد لا يزيد في الرّكعة على سورة وفي هذه المسألة خلاف، فالأكثرون من العلماء على أنّه لا يكره الجمع بين سورتين فأكثر في الرّكعة الواحدة لقراءة النَّبِيّ ﷺ .
стр. 666
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين، إلى الأخ المكرّم عبد الله بن شومر سلّمه الله تعالى وعافاه ووفّقه لما يحبّ ويرضاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد؛
وموجب الخط إبلاغك السّلام، والسّؤال عن الأحوال نسأل الله أن يصلح لنا ولكمن الدّنيا والآخرة.
والخط وصل وصلك الله إلى رضوانه، وسرّنا ما ذكرت من صلاح الأمور، وما سألت عنه من أنّه هل يجوز تعيين إنسانٍ بعينه بالكفر إذا ارتكب شيئاً من المكفِّرات فالأمر الذي دلّ عليه الكتاب والسّنة وإجماع العلماء على أنّ مثل الشّرك بعبادة غير الله سبحانه كفر.
فَمَن اركتب شيئاً من هذا النّوع أو حسّنه، فهذا لا شكّ في كفره ولا بأس بِمَن تحقّقت منه أشياء من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل، يبيّن هذا أنّ الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتدّ أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدّاً كافراً، ويستفتحون هذا الباب بقولهم: مَن أشرك بالله فقد كفر، وحكمه أنّه يستتاب، فإن تاب وإلاّ قُتِل، والاستتابة إنّما تكون مع معيّن.
ولما قال بعض أهل البدع عند الشّافعي ﵀ إنّ القرآن مخلوق، قال: كفرت بالله العظيم. وكلام العلماء في تكفير المعيَّن كثير. وأعظم أنواع هذا الشّرك عبادة غير الله، وهو كفر بإجماع المسلمين، ولا مانع من تكفير مَن اتّصف بذلك؛ لأنّ مَن زنا قيل: فلان زانٍ، ومَن رابا قيل: فلان ربا.
стр. 667
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُئِلَ شيخنا أبو بطين أيّده الله تعالى عن بيان حكم الرّافضة وعن قول مَن يقول: إنّ مَن تكلّم بالشّهادتين ما يجوز تكفيره.
فأجاب ﵀ عنه ورضي عنه:
سألت عن بيان حكم الرّافضة فهم في الأصل طوائف:
منهم: طائفة يسمّون المفضلة لتفضليهم عليّ بن أبي طالب على سائر الأصحاب، لا يلعنون.
ومنهم: طائفة يزعمون غلط جبريل في الرّسالة، ولا شكّ في تكفير هذه الطّائفة. وأكثرهم في الأصل يعترفون برسالة محمّد ﷺ ، ويزعمون أنّ الخلافة لعليّ، ويلعنون الصّحابة ويفسّقونهم، ونذكر ما ذكره شيخ الإسلام تقيّ الدِّين ـ رحمه الله تعالى ـ في حكمهم:
قال ـ رحمه الله تعالى ـ في الصّارم المسلول: ومَن سبَّ أصحاب الرّسول، أو واحداً منهم، واقترن بسبّه دعوى أنّ عليّاً إله، أو نبِيّ، أو أنّ جبريل غلط فلا شكّ في كفر هذا بل لا شكّ في كفر مَن توقّف في تكفيره. ومَن قذف عائشة وقبّح ـ يعنِي لعن الصّحابة ففيه خلاف، هل يكفر في أو يفسق، توقّف أحمد في كفره. وقال: يعاقب ويجلّد ويحبس حتّى يموت أو يتوب.
قال الشّيخ: وأمّا مَن جاوز ذلك كَمَن زعم أنّ الصّحابة ارتدّوا بعد موت النَّبِيّ ﷺ إلاّ نفراً قليلاً، يبلغون بضعة عشرة، أو أنّهم فسقوا فلا ريب أيضاً في كفر قائل ذلك، بل مَن شكّ في كفره، فهو كافر. انتهى.
فهذا حكم الرّافضة في الأصل، فأمّا حكم متأخّريهم الآن، فجمعوا يبن الرّفض والشّرك بالله العظيم بالذي يفعلونه عند المشاهد وهم الذين ما بلغهم
стр. 668
شرك العرب الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ .
وأمّا مَن يقول إنّ مَن تكلّم بالشّهادتين ما يجوز تكفيره، فقائل هذا القول لا بدّ أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله في مثل مَن أنكر البعث أو شكّ فيه مع إتيانه بالشّهادتين، أو أنكر نبوّة أحد من الأنبياء الذين سَمّاهم الله تعالى في كتابه. أو قال: الزّنا حلال، أو اللّواط، أو الرّبا، ونحو ذل، أو أنكر مشروعية الأذان أو الإقامة أو أنكر الوتر أو السّواك، ونحو ذلك، فلا أظنّه يتوقّف في كفر هؤلاء ومثالهم إلاّ أن يكابر أو يعاند، فإن كابر أو عاند فقال لا يضرّ شيء من ذلك ولا يكفر به مَن أتى بالشّهادتين فلا شكّ في كفره ولا في كفر مَن شكّ في كفره؛ لأنّه بقوله هذا مكذِّب لله ولرسوله ولجميع المسلمين. والأدلّة على كفره ظاهره من الكتاب والسّنة والإجماع.
ويقال لِمَن قال: إنّ مَن أتى بالشّهادتين لا يتصوّر كفره، ما معنى الباب الذي يذكره الفقهاء في كتب الفقه وهو: (باب حكم المتردّ) ؟ والمرتدّ هو الذي يكفر بعد إسلامه بكلامٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ أو شكٍّ، وهو قبل ذلك يتلفّظ بالشّهادتين ويصلّي ويصوم، فإذا أتى بشيء مما ذكروه صار مرتدّاً، مع كونه يتكلّم بالشّهادتين، ويصلّي ويصوم، ولا يمنعه تكلّمه بالشّهادتين وصلاته وصومه عن الحكم عليه بالرّدّة. وهذا ظاهر بالأدلّة من الكتاب والسّنة والإجماع.
وأوّل ما يذكرون في هذا الباب الشّرك بالله، فَمَن أشرك بالله فهو مرتدّ، والشّرك عبادة غير الله، فَمَن جعل شيئاً من العبادة لغير الله فهو مشرك، وإن كان يصوم النّهار ويقوم اللّيل فعمله حاط. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، [الزّمر: ٦٥] .والشّرك عبادة غير الله. والعبادة هي ما أمر
стр. 669
الله به رسوله من إيجابٍ أو استحبابٍ. قال القاضي عياض في كتابه: (الشّفاء) :
(فصل: في بيان ما هو من المقالات كفر) إلى أن قال:
والفصل البيّن في هذا أنّ كلّ مقالةٍ صرحت بنفي الرّبوبية أو الوحدانية أو عبادة غير الله أو مع الله فهي كفر إلى أن قال:
والذين أشركوا بعبادة الأوثان أو أحد الملائكة أو الشّياطين أو الشّمس أو النّجوم أو النّار أو أحد غير الله من مشركي العرب أو أهل الهند أو السّودان أو غيرهم إلى أن قال: أو أن ثَمَّ للعالم صانعاً سوى الله أو مدبِّراً فذلك كلّه كفر بإجماع المسلمين".
فانظر حكاية إجماع المسلمين على كفر مَن عبد غير الله من الملائكة وغيرهم، وهذا ظاهر ولله الحمد.
ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، فمَن قال إنّ مَن أتى بالشّهادتين وصلّى وصام لا يجوز تكفيره أو عبد غير الله، فهذا كافر، ومَن شكّ في كفره فهو كافر. إلى أن قال: على هذا القول: فهو مكذِّب لله ولرسوله وللإجماع القطعي الذي لا يستريب فيه مَن له أدنى نظر في كلام العلماء، لكن الهوى والتّقليد يعمي ويصمّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ، [النّور، من الآية: ٤٠] .
وليعلم مَن أنعم الله عليه بمعرفة الشّرك الذي خفي على كثير من النّاس اليوم أنّه قد منح أعظم النّعم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ، [يونس: ٥٨] .
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ ، [الْحجرات، من الآيتين: ٧-٨] .ثم لا يؤمن عليه من ربّه الافتتان بذلك.
اللهم إذا هديتنا للإسلام فلا تنْزعه منّا، ولا تنْزعنّا منه حتّى توفّانا عليه: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ
стр. 670
أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ، [آل عمران: ٨] .انتهى من خطّ الشّيخ عبد الله بن عبد الرّحمن أبي بطين. آتاه الله من رحمته كفلين، ونصر به الوحيين.
وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم. والسّلام.
ثم اعلم أنّ ضدّ التّوحيد الشّرك، وهو ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي. والدّليل على الشّرك الأكبر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النّساء: ١١٦] .
وقال المسيح: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ، [المائدة، من الآية: ٧٢] .وهو أربعة أنواع:
الأوّل: شرك الدّعوة. والدّليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ، [العنكبوت: ٦٥] .
النّوع الثّاني: شرك النّيّة والإرادة والقصد، والدّليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، [هود: ١٥-١٦] .
النّوع الثّالث: شرك الطّاعة، والدّليل قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، [التّوبة: ٣١] .وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية لادعاؤهم إيّاهم كما فسّرها النَّبِيّ ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله، فقال: لسنا نعبدهم. فذكر له أنّ عبادتهم طاعتهم في المعصية.
النّوع الرّابع: شرك المحبّة، والدّليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
следующие страницы →