Полный текст (780 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
رسالة الشّيخ أحمد بن محمّد بن حسن القصير الأشيقري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سئل الشّيخ أحمد بن محمّد بن حسن القصير الأشيقير ﵀ عن رجل أوصى بقدر معلوم يشتري به أرض ثمّ توقف هل يجوز شراء نخل معها أرض أو أوصى بشراء نخل هل يجوز شراء أرض إذا ظنّ أنّها أصلح ومراد الموصي والله أعلم أنّ الأرض والنّخل سواء لكن ما عنده بهذا شيء أم لا يجوز؟
وعن امرأة وقفت نخلاً على المسجد واستثنت غلته مدة حياتها وأكلته ثلاث سنين ثمّ توفيت والنّخل قد ركب الجريد، فقال إمام المسجد الموقوف عليه الثّمرة تابعة للأصل، وقال ورثة المرأة الثّمرة إرث لنا؛ لأنّها مستثناة.
وعمّا إذا كان لإنسان دار بجنب المسجد والسّوق بينها وبين المسجد فأراد صاحب الدّار أن يخرج سطحاً على السّوق ويجعل خشبه على جدار المسجد ويكون المسجد فيه سعة له وظلّ لمن مشى تحته أو قعد وذلك بأمر والي البلد هل يصحّ ذلك أم لا؟
وعمّا إذا كان ثمّ حمل هدوم بين شركاء وليس هو مشاع بينهم بل كلّ واحد له هدوم معلومة متميّزة موسوعة وأخذ منها ظالم عشر عبيات مثلاً من هدوم أحدهم والظّالم آخذهنّ من جميع الهدوم أي الحمل أو منعهم قاطع طريق بجزء مشاع من الهدوم وقاسمهم وصار نصيب القاطع هدوم أحدهم هل تذهب المأخذات على صاحبهنّ أم يرجع صاحبهنّ على شركائه
وعمّا إذا أخذ ظالم من إنسان بسبب دين أو إتلاف أو غضب مالاً للظّالم المذكور عند أقارب الإنسان المظلوم المذكور أو جيرانه أو
стр. 737
أهل بلده هل يرجع به المظلوم عليهم أم لا؟
وعمن لم يمكنه استنقاذ مال غيره من يد نحو قاطع طريق إلا بشرائه منه بثمن ونوى الشّراء لمالكه على وجه المصلحة لمالكه هل يرجع بالثّمن على مالكه أم لا؟
أجاب ـ رحمه الله تعالى ـ: إذا أوصى بشراء أرض ثمّ توقف أو نخل وجب العمل بما قال فلا يجوز شراء غيره عملاً بقول الموصي ولو كان غيره أنفع. وأمّا ثمرة النّخل المذكور فالّذي نفهم من كلامهم أن ثمرة النّخل الموقوف إذا تشقق والموقوف عليه حي والواقف استثنى ثمر ما وقف كمسألتكم فإنّ الثّمر يصير للوارث من بعده لصيرورة الثّمر إذا ظهر على ملك مورثهم كما يقال في مولود من قوم موقوف عليهم، فإن كان وضعه قبل التّأبير شاركهم، وإن كان مولوداً بعده فلا يستحق معهم شيئاً لظهور الثّمرة على ملكهم صرح به غير واحد من الأصحاب.
وأمّا وضع الخشب على السّوق وعلى المسجد فإن كان الأمر كما ذكرتم وأذن فيه والي البلد القاهر لهم بسيفه حتّى أذعنوا له جاز ذلك على صحيح المذهب لكن بشرط انتفاء الضّرر عن المارة وعن جدار المسجد، مثل أن يوضع على الجدار أطراف خشب تعيبه، فإن خيف شيء من ذلك لم يصحّ وضعه عليه.
وأمّا إذا قصد ظالم مال قوم فضرب عليهم ضريبة تعديا منه ولم يقصد مال أحد منهم دون غيره وجب على الملاك التّساوي في غرم ذلك وتكون قيمته موزعة على قيم أموالهم كلّ بقدره، وإذا ظلم قوماً دفعة واحدة أي لم يخص أحداً منهم دون غيره وجب عليهم التّساوي في الظّلم كما يجب التّساوي
стр. 738
في العدل ذكره الشّيخ تقي الدّين، ولم يزل يفعل ذلك في كلّ عصر ومصر، إذا ضرب السّلاطين الظّلمة أو نوابهم ونحوهم من أهل البادية على أهل بلد أو قافلة أو حاج ضريبة ظلماً أنّه يجب عليهم التّساوي على قدر أموالهم ولم يظهر في ذلك نكير فجرى مجرى الإجماع، فعلى هذا لو أخذ الظّالم مال أحدهم , بعضهم عن مال الآخرين فله الرّجوع عليهم بقدر مال كلّ منهم.
وأما إذا ظلم إنسان إنساناً بأخذ ماله أو نحوه فأكره أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه على أن يؤدّوا عنه فلهم الرّجوع عليه مع النّية عند الدّفع منه إذا دفعوا جنس ما لزم الظّالم، هذا المذهب فيمن أدى عن غيره ديناً واجباً غصبا أو غيره، وعند الشّيخ تقي الدّين يرجع مطلقاً حيث قال: ومن صودر على أخذ مال وأكره أقاربه أو أصدقاءه أو جيرانه على أن يؤدوا عنه فلهم الرّجوع؛ لأنّهم ظلموا لأجله ولم يذكر هو بنية رجوع ولا غيره، فظاهره لهم الرّجوع عليه مطلقاً لظاهر تعليله.
وأمّا إذا وجد إنسان مال مسلم في يد ظالم أخذه الظّالم بغير حق فلكل مسلم أن يستنقذ مال أخيه من يد ذلك الظّالم بأي حيلة وكيد بشرط أن ينوي بذلك الثّواب باستنقاذ مال أخيه المسلم فعند ذلك له من الله الثّواب. وأمّا المعاوضة عنه بمال لأجل استنقاذه فذلك جائز في نفس الاستنقاذ وهو محسن في ذلك كلّه بشرطه المذكور لكن لا يرجع بذلك العوض الّذي سمّاه ثمناً على المالك بغير إذنه له، وعند الشّيخ تقي الدّين وفي زعمي وابن القيّم إنّه يرجع مطلقاً والله أعلم.
وسئل أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ: عن أكيلة السّبع إذا أكل بعض أمعائها
стр. 739
وذكيت هل تحل أم لا؟ وعن قولهم أو أبنيت حشوته ما معناه، وإذا أصلح مفت بين خصمين وتراضيا هل يلزم أم لا؟ وإذا كان أرض قادم في غلتها كل عام أضحية وما بقي فعلى الفقراء والمساكين وغاب وليّها ولم تذبح تلك السّنة فهل يذبح في القابل أضحيتين قادمتين في الغلة أم كيف الحكم؟ وهل إذا لم يوجد تلك السّنة أضاحي تباع هل يرصد من غلّة هذا العام أضحية، وهل يجوز ذبحها في غير أيّام النّحر أم لا يجوز إلاّ في العام المقبل؟ وما معنى قوله في الإقناع: وإن فات الوقت قبل ذبح هدي أو أضحية ذبح الواجب قضاء وسقط التّطوّع، والوليّ على الأضحية هل يحرم عليه أخذ شيء من بدنه وشعره أم لا؟ وهل يجوز له الأكل منها والادخار أم لا؟ والدّهن المتنجس هل يجعل في طعام الصّبيان الّذين لا يصلون يأكلونه وتدهن به رؤوسهم أم لا؟ وإذا لمس الطّفل الّذي لا يصلي طعاماً أو شراباً أو أكل أو شرب منه فهل يكون ذلك في حكم النّجس المحرم أكله وشربه إذا لم ير على الصّغير نجاسة وهو كما تخبرون يباشر النّجاسات.
فأجاب ـ رحمه الله تعالى ـ: أمّا أكيلة السّبع فإذا لم يستكمل السّبع أمعاءها وإبان بعض الأمعاء ولم تبن كلّها ووجد بها حياة مستقرة فذكيت وهي فيها حلت والعكس بالعكس.
وأمّا المفتي إذا أصلح بين الخصمين ورضيا بذلك الصّلح ثمّ افترقا على الرّضا به فلا يحل لأحد منهما بعد ذلك نقضه. وأمّا لزوم ذلك وعدمه فلا يلزم إذا لم يحكم به من هو للحكم أهل.
وأمّا الأضحية الموصى بها مقدمة في غلة أرض موقوفة تذبح في كلّ عام فيجب العمل بذلك لكن إن فات وقت الذّبح ولم تعين الأضحية ذبحت من العام المقبل في أيّام النحر تكون قضاء عن الماضي، وإن اشتريت
стр. 740
من الغلة ومضت أيّام النّحر ولم تذبح لعذر أو غيره ذبحت أي وقت كان لأنّها وجبت بنفس الشّراء من الغلة فتعيّنت به، وإن مضت أيّام النّحر قبل الشّراء فكما ذكرنا تذبح في العام المقبل مع أضحية فيكونان اثنتين، وكذا عامان أو أكثر فيذبح لكلّ عام أضحية فلا تسقط بمضي الزّمان، وكذا لو عدمت في عام ثمّ وجدت في آخر لكن مع العدم لا إثم بالتّأخير على النّاظر ومع الوجود يأثم إثماً عظيماً بتأخيرها عن وقتها.
وأمّا قوله: وإن فات الوقت الخ فمراده إذا عين الإنسان شاة مثلاً ناوياً بقلبه قائلاً بلسانه: هذه أضحية أضحيها وهذا هدي سواء كان ذلك الهدي عن واجب كهدي التّمتع أو القران أو من فعل محصور أو ابتدأه تطوّعاً سماه هدياً يريد التّقرب به إلى فقراء الحرم ونحوه، فهذا هو الواجب فيجب ذبحه متى زال عذره، ويكون قضاء؛ لأنّ وقته قد فات وما سواه بأن لم يعين شيئاً من بهيمة الأنعام وطلب القربة بذبح شيء يريده هدياً أو أضحية وفات الوقت وهو أيّام النّحر فلا يستفيد شيئاً من ذلك؛ لأنّه والحالة هذه تطوع فسقط، وإن فعل فهو لحم يأكله ما لم يكن نذر فلا يأكل ولا يبيع منه شيئاً بل يتصدّق به على الفقراء والمساكين.
وأمّا النّجس فلا يجوز أكله وكذلك المتنجّس قبل تطهيره فلا يجوز أكل ذلك ولا شربه سوى دفع لقمة غص بها، ولا يجوز إطعامه الأطفال؛ لأنّ كلّ نجس العين كالميتة وكذا المتنجس وهو الطّاهر الّذي طرأت عليه النّجاسة وهو يمكن تطهيره كلّ ذلك حرام أكله وشربه، ولا يحلّ لولي الطّفل ونحوه كالمجنون ومن ليس بمكلّف إطعامه من ذلك؛ لقوله ﷺ : "لحم نبت على السّحت ـ وهو الحرام ـ فالنّار أولى به "وليس
стр. 741
الأربعة، ومات أحدهما هل يتوارثان أم لا؟
وعن الأرض المشتراة بشرط الخيار إذا أجّرها المشتري لِمَن يزرعها وفسخ البيع بعد ما زرعت من يستحقّ الأجرة، هل للبائع أو للمشتري أم كيف الحكم؟
أجاب ـ رحمه الله تعالى ـ: أمّا إذا انهدم جدار بستانه وهو متّحد بملكه لا مشارك له فيه فلا يجبر على بنائه بخلاف الجدار المشترك، فإنّ الشّريك يجبر شريكه على إعادته.
وأمّا إذا قال لزوجته، أو لغيرها ما هي معي أو لا تحلّ لي في المذاهب الأربعة فالصّحيح أنّ هذه قرينة يرجع فيها إلى نيّته بهذا اللّفظ، فإن نوى به طلاقاً فهو طلاق أو ظهاراً فهو ظهار، أو يميناً فهو يمين. هذا في الصّورة الأخيرة نظير قوله: أنتِ عليّ كالميتة، أو الدّم، أو الخنْزير، فإنّ هذا اللّفظ يصلح لذلك كلّه، ثم إذا مات الزّوج مثلاً ولم تعلم نيّته فبينونة الزّوجة منه في حياته شكّ لعدم الاطّلاع على قصده بما تلفظ تلفّظ به، لكن نحكم بأنّ النّكاح ثابت عقده بيقين وانحلاله هنا شك، فلا يزال انعقاده ابتداء إلاّ بيقين انحلاله انتهاء، فعلى هذا، الزّوجية بحالها، ويتوارثان، وإن كان الموت أصاب الزّوج ويسأل الزّوج عن قصده بنيّته؛ لأنّ ذلك لا يعرف إلاّ من قبله فقبل قوله في نيّته ثم يعمل بمقتضى قوله.
وأمّا الأرض المشتراة بشرط الخيار فأجّرها المشتري وزرعت ثم فسخ البيع فالأجرة كلّها للمشتري؛ لأنّها حصلت في زمن ملكه. ولأنّها تجب بالعقد ولو لو تسلم إليه.
ولما ورد في الحديث:"الخراج بالضّمان"، لكن الذي يظهر لي أنّ المشتري لا يسوغ له أن يؤجّرها مدّة تزيد على مدّة الخيار، فإن فعل فالإجارة
стр. 742
صحيحة لصدورها ابتداء من مالك العين والمنفعة والأجرة له قبل الفسخ وبعده لبائعها؛ لأنّه لو يحكم بها أي بالإجارة فيما بقي من المدّة بعد الفسخ للمشتري ونحوه أضرّ بالبائع؛ لأنّ المشتري لو يظفر بملك منفعة عين في مدّة لم يملك الرّقبة فيها لأجرها أمداً بعيداً. وهذا لا سبيل إليه لقوله ﷺ :" لا ضرر ولا ضرار". والله أعلم.
стр. 743
رسائل الشيخ أحمد بن حسن القصير الأشقري
...
هو المغصوب فقط، بل كلّ ما حرم الله ورسوله فهو سحت كائناً ما كان.
وأمّا إذا لمس الطّفل شيئاً وبه بلل أي اللامس أو ما لمسه، فإن علم نجاسة العضو الّذي لمس به الشّيء يقينا فنجس، وإن علمت طهارته يقيناً فطاهر، وإن شك في ذلك فما لمسه طاهر بيقين والنّجاسة الطّارئة عليه من الطّفل شك ولا يزال اليقين بالشّك، لكن الأطفال معلوم أنّهم لا يتنَزهون من النّجاسات جداً فالتنَزُّه عنهم وعمّا يباشرونه أحوط وأسلم، وإن لم يكن طهر بعد ولادته فهو نجس لمباشرته النّجاسة الّتي لا تخفى غالباً تعرف بالعقل والحس ولا ينكرها إلا جاهل فتطهيرهم أحسن.
وأمّا الوصي على تفريق لحم الأضاحي ونحوها كالصّدقات المتقرب بها فلا يجوز له أخذ شيء منها.
وأمّا الوارث ونحوه الّذي يستحق الولاية بأصل الشّرع لا بالوصية فيجوز له الأكل والادخار.
واعلم أنّه من أراد التّضحية فدخل عليه عشر ذي الحجة حرم عليه أخذ شيء من شعره أو ظفره أو بشرته إلى الذّبح، قال ابن منجا في شرحه على المقنع إجماعاً للحديث الشّريف المتّفق على صحته.
وأمّا الوكيل والوصي على شرائها أو تفريق لحماً فليس من النّهي في شيء ولا جناح عليه لو أخذ شيئاً من ذلك بخلاف المضحي عن نفسه والمضحى عنه كما قدمنا والله أعلم.
وسئل أيضاً ﵀ عن رجل له بستان وعليه جدار فانهدم الجدار فقال له جاره: ابن جدارك؛ لأنّك إذا تركته أضر بي فأبى فهل يجبره على بنائه أم لا؟ وإذا قال الزّوج لزوجته: ما هي معي أو قال: ما تحلّ لي بالمذاهب
стр. 744
رسائل الشيخ محمد بن عبد الله ين إسماعيل
...
(رسالة الشّيخ محمّد بن عبد الله بن إسماعيل)
سُئِلَ الشّيخ محمّد بن عبد الله بن إسماعيل الأشيقري ـ رحمه الله تعالى ـ عن رجلٍ قال لزوجته: اشتري نفسك منِّي بعوض وعوضته شيئاً. وقال: أنا خالع زواجك وجهازك من رقبتِي، هل تبين منه أم لا؟ وعن الغزاة إذا أرادوا أن يشتروا ذهاباً وحملاناً ونحوه مما يحتاجون إليه هل يحرم البيع عليهم، ويكون حكمه حكم السّلاح أم لا؟ وعمّا إذا ظلم واحد من الغزو إنساناً وأخذ منه مالاً وقدر المظلوم على واحدٍ من الغزو هل له أن يأخذ قدر ماله منه؛ لأنّهم يعين بعضهم بعضاً والرّدء كالمباشر أم لا؟ وعما إذا أوصى شريك شريكه على أولاده هل له أن يقاسم نفسه أم لا؟ وإذا كان عليه جرح في اجتماع المال كيف يصنع في عزل المالين.
أجاب ـ رحمه الله تعالى ـ: الخلع المذكور صحيح تبين به الزّوجة، لأنّ الخلع يصح بكل لفظ يؤدي معناه مع أنّ هذا لفظ صحيح؛ صريح لأنّه إذا قال أنا خالع زواجك من رقبتي فهذا صريح، وقولها أنا شارية نفسي أوهاك هذا واخلعني أو خلني صحيح أيضاً.
وأمّا لفظة الجهاز فلا أصل لها وهي زيادة ما تضر.
وأمّا قطاع الطّريق وأهل الفتنة فلا يجوز بيع السّلاح عليهم ونحوه كدرع وترس.
وأمّا بيع الزّاد
стр. 745
والثّياب والقرب فلا عندي فيه علم بالمنع، والظّاهر صحة بيعة إلا بدليل.
وأمّا الرّحل والدّابة فلا أدري، لكن أكره ذلك؛ لأنّه يعين على المعصية، وهو من التّعاون على الإثم والعدوان.
وأمّا الغزو إذا اجتمعوا واعتصبوا وتظاهروا لقطع الطّريق ثمّ أخذ بعضهم مالاً وهم حوله يكونون ردءاً له إذا رأى ما يكره؛ فالكل منهم ضامن، ومن وجدت منهم فلك أخذ قدر مالك منه قهراً؛ لأنّ أهل العلم قالوا ردء وطليع كمباشر وإن أخذ مالك بعضهم والباقي بعيد بحيث لا يكون ردأ لو رأوا ما يكرهون فلا ضمان على البعيد، بل على الآخذ ومن حوله فقط.
وأمّا الوصي على الأيتام وهو شريك لهم فله أخذ نصيبه وإفرازه من المكيل ونحوه وغير المكيل والموزون لا يقاسم نفسه، فإن تضرر بعدم القسمة ولم يصبر حتّى يرشدوا فله عزل نفسه عن الوصية ثمّ ينظر في مال الأيتام الحاكم إن كان حاكم وإلا فعدل إن تعذر الحاكم، ثمّ ينظر الحاكم أو العدل فإن كانت قسمة أجبار قاسمك، وإن كانت نوع قسمة التّراضي فإن رأى لهم مصلحة ظاهرة في القسمة وحظاً فله المقاسمة وإلاً فلا والله أعلم.
وسئل أيضاً عن مسائل:
(منها) إذا وهب إنسان ملكه لورثته في حياته واستثنى من غلته ثلثها مدة حياته هل يصحّ ذلك أم لا؟
(ومنها) : إذا أبرأ الغريم غريمه بعد ما ضمن له ظانا عدم براءة الضّامن منه؛ لأنّه جاهل بحكم الشّرع هل تصحّ براءة الغريم على هذه الصّفة أم لا؟
(ومنها) : إذا كان الملك كلّه وقفاً أو بعضه وقف وبعضه طلق هل يجبر الشّريك شريكه على القسمة إن لم يكن فيها ضرر ولا رد عوض أم لا؟ وإذا
стр. 746
ادعى أحدهم الضّرر والآخر عدمه ولا بيّنة فهل الأصل عدم الضّرر أم لا؟
(أجاب رحمه الله تعالى) : أمّا إذا وهب الإنسان ملكه لورثته أو أجنبي واستثنى الغلة مدة حياته أو بعضها فالشّرط باطل إلاّ في الثّمرة الظّاهرة وقت الهبة وغير الظّاهر فلا؛ لأنّ ذلك معدوم فلا يصح هبة المعدوم كالّذي تحمل به أمته أو شجرة واستثناؤه كذلك لا يصحّ سواء كان مدة حياته أو مدة معلومة بخلاف الوقف.
وأمّا عقد الهبة المذكورة فلا أدري أتبطل الهبة ببطلان الشّرط أم لا ولكن الرّاجح في القلب بطلانها.
وأمّا إذا أبرأ الغريم غريمه من الدّين بعد ما ضمن له ظاناً عدم براءة الضّامن منه كما يفعله بعض الجهال بأحكام الشّرع فإنّه لا يبرأ المدين ولا الضّامن، بل الدّين باقٍ بحاله حتى يوفى أو ببراءة يعرف حقيقة أمرها.
وأمّا العقار إذا كان بعضه طلقاً وبعضه وقفاً وكان ممّا لا ضرر في قسمه بإمكان تعديله بلا رد عوض، فالظّاهر أنّ قسمته قسمة إجبار، فإذا طلب أحدهما إمّا صاحب الطّلق أو مستحق الوقف أو النّاظر للقسمة وكانت ممّا لا ضرر فيها ولا رد عوض أجبر أحدهما صاحبه فيما ظهر لي، فإن كان الكلّ وقفا وطلب بعض المسحقّقين للوقف القسمة وأبى الآخر وكانت القسمة ممّا لا ضرر فيها ولا رد عوض فلا يخلو الوقف من حالتين: إمّا أن يكون الوقف على جهتين أو جهة واحدة. قال في الإقناع في باب القسمة في فضل نوع الإجبار وهي إفراز حق لا بيع فيصحّ قسم وقف بلا رد عوض من أحدهما إن كان على جهتين فأكثر، فأمّا على جهة واحدة فلا تقسم عينه قسمة لازمة اتّفاقاً؛ لتعلّق حق الطّبقة الثّانية والثّالثة، لكن تجوز
стр. 747
المهايأة وهي قسمة المنافع. قاله الشّيخ تقي الدّين عن الأصحاب وهذا وجه، فظّاهر كلام الأصحاب لا فرق.
قال في الفروع: وهو أظهر، وفي المبهج لزومها إذا اقتسموا بأنفسهم ورضوا وتهايؤوا. انتهى كلام الشّرح والمتن، وفي الغاية: لا يصحّ قسم موقوف ولو على جهة خلافاً له اهـ.
وقال في المغني: ومتى جازت قسمة الوقف وطلبها أحد الشّريكين أو ولي الوقف أجبر الآخر؛ لأنّ كلّ قسمة جازت بلا رد عوض ولا ضرر فهي واجبة انتهى.
وأمّا إذا ادعى أحد الشّريكين الضّرر والآخر عدمه فالشّيخ أحمد القصير يفتي بأن الأصل عدم الضّرر؛ لأنّ أحدهما يدعيه وخصمه ينكره، والّذي يظهر أنّ الشّريك لا يجبر ألاّ بشروط:
(أحدها) ثبوت انتفاء الضّرر. ذكره في شرح الإقناع وشرح المنتهى كما لا يخفى عليكم، فإذا لم يثبت انتفاء الضّرر فلا إجبار. والله أعلم.
стр. 748
رسائل الشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل
...
(رسالة الشّيخ محمّد بن أحمد بن إسماعيل)
سُئِلَ الشّيخ محمّد بن أحمد بن إسماعيل ﵀ عمّا إذا دفع رجل لآخر مائة محمّدية مثلاً أو وكله في شراء سلعة بها ثم يبيعها على نفسه بمائة وخمسين إلى أجل وهما متواطئان على أنّ المائة بمائة وخمسين، هل يصحّ أم لا؟ وعمّا إذا كان عند زيد لعمرو حمران، وقال له: أنت بريء ثم قال بعد ذلك: أنت بريء من غير تلك الحمران وليس له عليه دين غيرهن هل تصحّ هذه البراءة ولو لم يقل من مالي عليك، أو مما في ذمّتك لي أو من هذه الحمران أم لا؟
стр. 749
وعن قاتل النّفس عمداً إذا تاب توبةً نصوحاً هل تصحّ إمامته أم لا؟ وعن الذي يؤكل لحمه من البقرة والغنم والإبل ما خرج منهن مع الولادة من الدّم والسّلا طاهر أم لا؟
وعن رجلين رَهنَا رَهْناً بدينين لهما على آخر كلّ واحد منهما دينه منفرد وحده وشرط أحدهما على الآخر أن دينه مقدم ولا للآخر إلاّ ما بقي، فإن استغرق دين الأوّل الرّهن فهو له، وإن بقي منه شيء فهو للثّاني أو يقضي دينه من غلة الرّهن وليس للثّاني شيء حتّى يقضي الأوّل دينه هل يثبت ذلك أم لا؟
وعمّا إذا استأجر إنسان إنساناً يأتي له بإبل أو غنم من البادية أو من البلد الفلاني وأتى بهن واسترفق عليهنّ أو استخفر عليهنّ خفيراً أو خيالاً كما هو العادة، وقال صاحبهنّ ما أمرتك تسترفق ولا تشترط للخيال وهو فاعل ذاك للمصلحة عليهن وعلى غيرهن هل يستحق ذلك أم لا؟ وعمّا إذا استأجرت رجلا يأتي بشيء من عند فلان وذهب إليه فلم يجده فما يستحق علي؟
(فأجاب رحمه الله تعالى) : إذا نفع شخص بالغ عاقل لمثله ملاً معلوماً يشتري به عيناً معلومةً أو موصوفةً ويقبضها لموكله وتكون من ضمان الموكل ثمّ يبيعها على نفسه بزيادة الثّلث أو أقلّ أو أكثر إلى أجل صحّ، ولو كان قبل ذلك العقد مواعداً؛ لأنّ وجود هذا المواعد كعدمه لا يلزم بشيء من العقد، أمّا إذا قال: اشتر بهن سلعة ولم يعينها ولم يصفها تصحّ الوكالة.
وأمّا إذا كان لزيد على عمرو دين وقال: أبرئني من الّذي علي لك، أو
стр. 750
عندي لك، أو ما يدل على ذلك وأجابه بقوله أنت بريء ولم يزد على ذلك صحّ؛ لأنّ هذا جواب صحيح ويبرأ ممّا له عليه كلّه، وأمّ إذا قال أنت بريء ولم يتقدّمه كلام يدلّ على أنّه يريد من الدّين الّذي له عليه ولا جواب لكلام متقدّم ثمّ فسّره بمحتمل بأن يكون له عليه دين آخر أو عين أو مظلمة في مال أو عرض، أو فسّره بأنّه يريد بريء من شيء من ذلك قبل تفسيره، وإن لم يفسّره بمحتمل فالّذي يظهر لي براءته ممّا له عليه.
وأمّا قاتل النّفس عمداً إذا تاب إلى الله توبة صحيحة بشروطها وهي ندم وإقلاع وعزم أن لا يعود، وأيضاً يتخلص من حقوق الورثة بأن يسلم نفسه إلى وارث المقتول، فإن شاء الوارث قلته، وإن شاء عفا عنه مجاناً أو رضي الوارث بدية أو ديات، فإذا تم ذلك بقي حق المقتول وتخلص من حقّين: حقّ الله بالتّوبة وحقّ الوارث بتسليم نفسه أو بذل ديات حتّى يرضوا وبقي حقّ المقتول وقد تعذر الخلاص منه في دار الدّنيا ثم بعد ذلك يدعو له جهده ويتصدّق له، ثم بعد ذلك إمامته صحيحة وشهادته.
وأمّا الولد من آدمي أو بهيمة يؤكل لحما فطاهر إذا عُرِيَ عن الدّم، والماء الخارج عند الولادة طاهر إذا لم يكن فيه دم.
وأمّا السّلا فما دم متّصلاً بالحيوان فهو طاهر أيضاً، وكذا إذا عُرِيَ عن الدّم فإن انفصل عن الحيوان فنجس من غير الآدمية، وأمّا من الآدمي فطاهر؛ لأنّ ما أبين من حي فهو كميتته.
وأمّا إذا رهن اثنان عيناً في دينين بشرط تقديم أحد الدّينين فالّذي يظهر لي صحّة الرّهن دون الشّرط فيكونان بالسوية في الدّينين ولم أقف فيها على نصّ صريح.
стр. 751
وأمّا إذا استأجر رجل رجلاً يأتي بماله من مكانٍ معيَّن أو غير معيَّنٍ فقبض مالاً صار أمانة بيده له أن يفعل فيه ما يقوم بحفظه مما جرت به العادة. فإذا خاف عليه من ضياعٍ أو ظالمٍ فبذل شيئاً في حفظه وصيانته بما جرت العادة به العادة من الملاّك في أملاكهم وأهل الأموال في أموالهم صحّ وله الرّجوع به على أهل المال. لكن إذا زاد على أجرة المثل ضَمِنَ الزّيادة فقط؛ لأنّه متبرِّع فإن نقد الأجرة من ماله بنيّة الرّجوع وكذلك يرجع.
وأمّا إذا استأجر إنسان إنساناً إلى موضعٍ معيَّن ليأتي له بشيءٍ معيَّنٍ معلومٍ صحّ. فإن لم يجده وتعذر عليه إتيانه بغير تقصيرٍ ولا تفريطٍ فله أجرة عمله ويسقط من الأجرة قدر حمله على المالك إن كان لحمله مؤنة. وإن كان التّقصير من الأجير لم يستحقّ شيئاً وهذا مع صحّة الإجارة وإلاّ فله أجرة المثل. والله أعلم.
وسئل أيضاً ـ عفا الله عنه ـ عمّا إذا لم يكن بالبلد حاكم وغاب الرّاهن أو امتنع من بيع الرّهن أو من وفاء الدّين فماذا يكون؟
وعن المفلس إذا أراد توليج ماله عن غرمائه من الّذي يحجر عليه ويوفي غرماءه إذا امتنع؟
وعمّا إذا أقرّ المفلس أن ما بيدي أو شيئاً معلوماً ممّا بيده لفلان أو لزوجة أو غيرها هل للغرماء اليمين على المقرّ له أنّه ليس بتلجئة أم لا؟
وعمّا إذا كان عند رجل لآخر دين أو وديعة وقال الّذي عنده الدّين أو الوديعة أن الّذي دينني أو أودعني أشهدني أنّه لفلان ومات المالك وقال ورثته: هذا مال مورثنا ولا نعمل بقولك، فهل تصحّ شهادته ويحلف المقرّ له معه أم لا؟ أو يكون المال للورثة، وهل إن صحّ المال للورثة هل
стр. 752
يلزم المودع أو المدين ما أقرّ به للمقرّ أم لا؟
(الجواب وبالله التّوفيق) : إذا حلّ الدّين الّذي به رهن وجب على الرّاهن بيعة بطلب المرتهن وإيفاء الدّين من غيره، فإن أبى لزم الحاكم إجباره على ذلك فإن لم يكن حاكم أجبره رئيس القرية بالحبس والضّرب ونحوه ما أمكنه حتّى يبيع ويسلم للمرتهن ثمنه أو حقه، فإن أبى عن البيع وأصرّ وقف الأمر ولا يبيعه المرتهن.
وأمّا المفلس فلا يحجر عليه إلا حاكم فإن خصص بعض الغرماء قبل الحجر نفذ تخصيصه لكن يحرم عليه التّخصيص، وإن أقرّ بماله كلّه أو بعضه لغيره أو وهبه صحّ إذا كان المفلس مكلّفا رشيداً، وليس للغرماء مطالبة المقرّ له أو الموهوب له ولا استحلافه لكن لهم على المدين يمين بالله لا مال له ولا يقدر على الوفاء ولا بعضه انتهى.
وأمّا إذا أودع إنسان إنساناً وديعة وقال هي لفلان صحّ ذلك وقبل قول المودع بلا بينة إن كان الإيداع بلا بيّنة نصّ عليه في حاشية الإقناع قال فيها:
(فائدة) : قال في الاختيارات: لو قال المودع أودعنيها الميت، وقال هي لفلان، وقال: ورثته بل هي له، ولم تقم بيّنة إنّها كانت للميّت ولا على الإيداع. قال أبو العبّاس: أفتيت أنّ القول قول المودع بيمينه؛ لأنّه قد ثبتت له اليد انتهى كلامه.
وأمّا الدّين في الذّمة فلا يقبل قوله أي الّذي هو في ذمّته إذا أقرّ إنّه لفلان وهذا إقرار ممن هو في ذمّته لا شهادة فيلزمه تسليمه لمن أقرّ له به، ويسلم أيضاً ثانية لوارث الميّت إن كان ميتاً وإلاّ فلمالكه إن كان حياً؛ لأنّه أقر به لغير مالكه بلا بينة، وهذا كلّه مع إقراره به أو تصديقه للميّت
стр. 753
أنّه لفلان مع إنكار الورثة.
وأمّا إن قال: أقرّ الميّت أنّ الدّين الّذي عليّ لفلان ولست مصدقه بما قال، فلا يلزمه شيء للمقرّ له به إذا أنكره الورثة ولم تقرّ به بيّنة، وإن علم الدّين أنّه للمقرّ له به لزمه تسليمه إليه، فإن طالب الوارث به فله الحلف أنّك لا تستحقّ عليّ شيئاً ما لم تقم به بيّنة للميّت، فإن قامت به بيّنة لزمه أيضاً تسليمه إلى الوارث؛ لأنّ المدين يدعي أنّ الورثة ظلموه والله أعلم.
стр. 754
رسائل للشيخ عبد العزيز بن عبد الجبار
...
رسالة للشّيخ عبد العزيز بن عبد الجبّار.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
من عبد العزيز بن عبد الجبّار إلى الأخ المكرّم محمّد بن نصر الله ـ سلّمه الله تعالى ـ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد،
يا أخي وصل خطن وما ذكرت صار معلوماً وتذكر أنّ الشّيخ ذكر لكم أنّ شركة بيت المال ما تثبت بها الشّفعة، وهذا حقّ؛ لكونه وقفاً والوقف ما يشفع به، ولكن وقت الخصومة ما ذكرتم لي أن الّذي شافع به ابن مهيدب بيت مال، وثبت عندي بعد ذلك أنّه بيت مال فعلى هذا الحال ليس لابن مهيدب شفعة عليكم لشركة بيت المال وما أفتيت به بثبوته الشّفعة له إنا ناقضه لمخالفته نص مذهبنا ليكون لديك معلوماً والسّلام.
стр. 755
رسائل الشيخ حمد بن عتيق
...
رسالة الشّيخ حمد بن عتيق.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
قال شيخنا حمد بن عتيق في جوابه لمن ناظره في حكم أهل مكّة وما يقال في البلد نفسه.
فأجاب بقوله (سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم) جرت المذاكرة في كون مكّة بلد كفر أم بلد إسلام.
стр. 756
فنقول ـ وبالله التّوفيق ـ: قد بعث الله محمّداً ﷺ بالتّوحيد الّذي دين جميع الرّسل، وحقيقته هو مضمون شهادة أن لا إله إلاّ الله وهو أن يكون الله معبود الخلائق فلا يتعبدون لغيره بنوع من أنواع العبادة، ومخ العبادة هو الدّعاء ومنها: الخوف والرّجاء والتّوكّل والإنابة والذّبح والصّلاة وأنواع العبادة كثيرة، وهذا الأصل العظيم الّذي هو شرط في صحّة كلّ عمل.
(والأصل الثّاني) : هو طاعة النّبي ﷺ في أمره وتحكيمه في دقيق الأمور وجليلها وتعظيم شرعه ودينه والإذعان لأحكامه في أصول الدّين وفروعه:
(فالأوّل) : ينافي الشّرك ولا يصحّ مع وجوده:
(والثّاني) : ينافي البدع ولا يستقيم مع حدوثها، فإذا تحقق وجود هذين الأصلين علماً وعملاً ودعوةً، وكان هذا دين أهل البلد أيّ بلد كان بأن عملوا به ودعوا إليه وكانوا أولياء لمن دان به ومعادين لمن خالفه فهم موحدون.
وأمّا إذا كان الشّرك فاشياً مثل دعاء الكعبة والمقام والحطيم ودعاء الأنبياء والصّالحين، وإفشاء توابع الشّرك مثل الزّنا والرّبا وأنواع الظّلم ونبذ السّنن وراء الظّهر، وفشو البدع والضّلالات وصار التّحاكم إلى الأئمّة الظّلمة ونواب المشركين وصارت الدّعوة إلى غير القرآن والسّنة، وصار هذا معلوماً في أيّ بلد كان فلا يشكّ من له أدنى علم أنّ هذه البلاد محكوم عليها بأنّها بلاد كفر وشرك لاسيّما إذا كانوا معادين أهل التّوحيد وساعين في إزالة دينهم وفي تخريب بلاد الإسلام.
وإذا أردت إقامة الدّليل على ذلك وجدت القرآن كلّه فيه، وقد أجمع عليه العلماء فهو معلوم بالضّرورة عند كلّ عالم.
وأمّا قول القائل: ما ذكرتم من الشّرك إنّما هو من الأفاقية لا من أهل
стр. 757
البلد، فيقال له أوّلاً: هذا إمّا مكابرة وإمّا عدم علم بالواقع فمن المتقرر أنّ أهل الآفاق تبع لأهل تلك البلاد في دعاء الكعبة والمقام والحطيم كما يسمعه كلّ سامع ويعرفه كلّ موحد.
ويقال ثانياً: إذا تقرر وصار هذا معلوما فذاك كافٍ في المسألة ومن الّذي فرق في ذلك ويا لله العجب إذا كنتم تخفون توحيدكم في بلادهم ولا تقدرون أن تصرحوا بدينكم وتخافتون بصلاتكم لأنّكم علمتم عداوتهم لهذا الدّين وبغضهم لمن دان به فكيف بقع لعاقل إشكال! أرأيتم لو قال رجل منكم لمن يدعو الكعبة أو المقام أو الحطيم ويدعو الرّسول والصّحابة يا هذا لا تدعو غير الله أو أنت مشرك هل تراهم يسامحونه أم يكيدونه؟ فليعلم المجادل أنّه ليس على توحيد الله فوالله ما عرف التّوحيد ولا تحقق بدين الرّسول ﷺ أرأيت رجلاً عندهم قائلا لهؤلاء راجعوا دينكم أو اهدموا البناآت الّتي على القبور ولا يحلّ لكم دعاء غير الله هل ترى يكفيهم فيه فعل قريش بمحمّد ﷺ ؟ لا والله لا والله.
وإذا كانت الدّار دار إسلام لأيّ سيء لم تدعوهم إلى الإسلام وتأمروهم بهدم القباب واجتناب الشّرك وتوابعه، فإن يكن قد غركم أنّهم يصلّون أو يحجّون أو يصومون ويتصدّقون، فتأمّلوا الأمر من أوله وهو أنّ التّوحيد قد تقرر في مكّة بدعوة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ ومكث أهل مكّة عليه مدّة من الزّمان، ثمّ إنّه فشا فيهم الشّرك بسبب عمرو بن لحي وصاروا مشركين وصارت البلاد بلاد شرك مع أنّه قد بقي معهم أشياء من الدّين، وكما كانوا يحجّون ويتصدّقون على الحاج وغير الحاج.
стр. 758
ولقد بلغكم شعر عبد المطّلب الّذي أخلص فيه قصّة الفيل وغير ذلك من البقايا ولم يمنع الزّمان ذلك من تكفيرهم وعداوتهم، بل الظّاهر عندنا وعند غيرنا أنّ شركهم اليوم أعظم من ذلك الزّمان، بل قبل هذا كلّه أنّه مكث أهل الأرض بعد آدم عشرة قرون على التّوحيد حتّى حدث فيهم الغلوّ في الصّالحين فدعوهم مع الله فكفروا فبعث الله إليهم نوحا ﵇ يدعو إلى التّوحيد.
فتأمل ما قصّ الله عنهم وكذا ما ذكر الله عن هود ﵇ أنّه دعاهم إلى إخلاص العبادة لله لأنّهم لم ينازعوه في أصل العبادة، وكذلك إبراهيم دعا قومه إلى إخلاص التّوحيد وإلا فقد أقرّوا لله بالآلهة، وجماع الأمر أنّه إذا ظهر في بلد دعاء غير الله وتوابع ذلك واستمرّ أهلها عليه وقاتلوا عليه، وتقرّرت عندهم عداوة أهل التّوحيد وأبوا عن الانقياد للدّين، فكيف لا يحكم عليها بأنّها بلد كفر؟ ولو كانوا لا ينتسبون لأهل الكفر وأنّهم منهم بريؤون مع مسبّتهم لهم وتخطأتم لِمَن دان به والحكم عليهم بأنهم خوارج أو كفّار، فكيف إذا كانت هذه الأشياء كلّها موجودة فهذه مسألة عامّة كلّيّة؟
وأمّا القضايا الجزئية فنقول: قد دلّ القرآن والسّنة على أنّ المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشّرك والانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه.
فتأمل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ . [محمد: ٢٥] .
مع قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ ، [المائدة، من الآية: ٥١] .وأمعن النّظر في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ ، [النّساء، من الآية: ١٤٠] .
стр. 759
وأدلّة هذا كثيرة ولا تنسوا ما ذكر الله في سورة التّوبة: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ، [التّوبة، من الآية: ٦٦] .
وقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْر﴾ ، [التّوبة، من الآية: ٧٤] .واذكر قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، [آل عمران: ٨٠] .
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ، [الحجّ، من الآية: ٧٢] ، في موضعين وقد علمت حالهم إذا دعوا إلى التّوحيد انتهى والله أعلم.
стр. 760
رسالة لبعض علماء المسلمين من أهل الرّياض.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على محمّد وآله وصحبه أجمعين.
قال ابن القيّم ـ رحمه الله تعالى ـ في الهدي النّبوي:
(فصل) : في حكمه ﷺ في قسمة الغنائم حكم ﷺ إنّ للفارس ثلاثة أسهم وللرّاجل سهم، هذا حكمه الثّابت عنه في مغازيه كلّها عند الجمهور العلماء، وحكم أنّ السّلب للقاتل ثمّ قال: وقال عبادة بن الصّامت خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى بدر، فلّما هزم الله العدوّ وتبعتهم طائفة يقتلونهم وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ وطائفة استولت على المعسكر والغنيمة فلمّا رجع الّذين طلبوهم قالوا لنا النّقل ونحن طلبنا العدوّ، وقال الّذين أحدقوا برسول الله ﷺ نحن أحقّ به لأنا أحدقنا برسول الله ﷺ أن لا ينال العدوّ غرّته، وقال الّذين استولوا على المعسكر هو لنا نحن حويناه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ اْلأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [لأنفال، من الآية: ١] ، فقسمه رسول الله ﷺ عن بواء قبل أن ينْزل ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ
стр. 761
لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال، من الآية: ٤١] ، اهـ ثمّ قال ابن القيّم في الهدي:
(فصل) : في حكم النّبيّ ﷺ بالسّلب للقاتل ولم يخمسه ولم يجعله من الخمس بل من أصل الغنيمة وهذا حكمه وقضاؤه. قال البخاري في صحيحه: السّلب للقاتل إنّما هو من غير الخمس وحكم به بشهادة الواحد وحكم به بعد القتل؛ فهذه أربعة أحكام تضمّنها حكمه ﷺ بالسّلب لمن قتل قتيلا ـ ثمّ قال ـ والصّحيح أنّه يكتفى في هذا بالشّاهد الواحد ولا يحتاج إلى شاهد آخر ولا يمين كما جاءت به السّنّة الصّحيحة الصّريحة الّتي لا معارض لها اهـ.
(مسألة) : قال في الشّرح الكبير"والسّلب ما كان عليه من ثياب وحلي وسلاح والدّابة بآلتها، وعنه أنّ الدّابة ليست من السّلب ونفقته وخيمته ورحله غنيمة"سلب القتيل ما كان لابسه من ثياب وعمامة وقلنسوة ومنطقة ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورة وران وخف بما في ذلك من حلية لأنّ المفهوم من السّلب اللّباس، وكذلك السّلاح من السّيف والرّمح واللت والقوس ونحوه؛ لأنّه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللّباس.
فأمّا المال الّذي معه في هميانه وخريطته فليس بسلب، لأنّه ليس من الملبوس ولا ممّا يستعين به في الحرب وكذلك رحله وإناؤه وما ليست يده عليه ـ ثمّ قال ـ واختلفت الرّواية عن أحمد في الدّابة فنقل عنه أنّها ليست من السّلب اختاره أبو بكر؛ لأنّ السّلب ما كان على بدنه والدّابة ليست كذلك فلا تدخل في الخبر ثمّ ـ قال ـ: ونقل عنه أنّها من السّلب وهو المذهب وبه قال الشّافعي لما روى عوف بن مالك قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ووافقني مددي من أهل اليمن فلقينا جموع الرّوم وفيهم
стр. 762
لأنّ الكفّار ملكوه بالاستيلاء فصار غنيمة كسائر أمولهم.
ولنا ما روى ابن عمر أن غلاماً له أبق إلى العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّه النّبيّ ﷺ إلى ابن عمر ولم يقسمه، وعنه قال ذهب فرس له فأخذها العدوّ فظهر عليه المسلمون فردّ عليه في زمن النّبيّ ﷺ رواهما أبو داود.
وعن رجاء بن حيوة أنّ أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطّاب فيما أحرز المشركون من المسلمين ثمّ ظهر المسلمون عليهم بعد، قال من وجد ماله بعينه فهو أحقّ به مالم يقسم. رواه سعيد والأثرم، وكذلك إن علم الإمام بمال مسلم قبل قسمه فقسمه وجب ردّه وصاحبه أحقّ به بغير شيء ـ ثمّ قال ـ:
(فصل) : فإن أخذه أحد الرّعية نهبة أو سرقة أو بغير شيء فصاحبه أحقّ به بغير شيء ـ ثمّ قال ـ: ولنا ما روي أنّ قوماً أغاروا على سرح النّبيّ ﷺ فأخذوا ناقة وجارية من الأنصار فأقامت عندهم أيّاماً ثمّ خرجت في بعض اللّيل قالت فما وضعت يديّ على ناقة الأرغب قالت حتّى وضعتها على ناقة ذلول فامتطيتها ثمّ توجّهت إلى المدينة ونذرت أن نجاني الله عليها أن أنحرها، فلمّا قدمت المدينة إستعرفت النّاقة فإذا هي ناقة رسول الله ﷺ فأخذها فقلت يا رسول الله إنّي نذرت أن أنحرها، قال:" بئسما جازيتها لا نذر في معصية الله "وفي رواية"لا نذر لابن آدم فيما لا يملك"أخرجه مسلم، ولأنّه لم يحصل في يده بعوض فكان صاحبه أحقّ به بغير شيء كما لو أدركه في الغنيمة قبل القسمة انتهى.
وهذا عام في كلّ مال مسلم أخذ من العدوّ سواء ذهب إليهم من الغزو أو أخذه منهم أو من بلادهم ثمّ قال في الشّرح الكبير:
стр. 763
(مسألة) : وإذا أراد القسمة بدأ بالأسلاب فدفعها إلى أهلها فإن كان فيها مال مسلم دفعه إليه؛ لأنّ صاحبه متعين؛ ولأنّه استحقه بسبب سابق ثمّ بمؤنة الغنيمة، من أجرة النّقال والجمال والحافظ والمخزن والحاسب؛ لأنّه لمصلحة الغنيمة، ثمّ بالرّضخ في أحد الوجهين؛ لأنّه استحق بالمعاونة في تحصيل الغنيمة أشبه أجرة النّقالين والحافظين وفي الآخر يبدأ بالخمس قبله؛ لأنّه استحق بحضور الوقعة وهذا أقيس. ثمّ قال ويرضخ لمن لا سهم له وهم العبيد والنّساء والصّبيان، ومعنى الرّضخ أن يعطوا شيئاً من الغنيمة دون السّهم ولا تقدير فيما يعطونه بل ذلك إلى اجتهاد الإمام فإن شاء التّسوية بينهم سوَّى، وإنّ رأي التّفضيل فَضَّلَ. وهذا قول أكثر العلماء ـ ثمّ قال ـ.
(مسألة) : وإن غزا العبد على فرس لسيّده قسم للفرس ورضخ للعبد ـ ثمّ قال: وقال أبو حنيفة والشّافعي: لا يسهم للفرس لأنّها تحت من لا يسهم له فلم يسهم له كما لو كانت تحت مخذل، ولنا أنّه فرس حضر الوقعة وقوتل عليه فأسهم له كما لو كان السّيّد راكبه، إذا ثبت هذا فإنّ سهم الفرس ورضخ العبد لسيّده لأنّه مالكه ومالك فرسه سواء حضر السّيّد القتال أو غاب عنه ـ ثمّ قال ـ: أجمع أهل العلم على أنّ للغانمين أربعة أخماس الغنيمة، وقد دلّ النّص على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال، من الآية:٤١] ، يفهم منه أنّ أربعة أخماسها الباقية لهم؛ لأنّه أضافها إليهم ثمّ أخذ منها سهماً لغيرهم فبقي سائرها لهم ويقسم بينهم للرّاجل سهم وللفارس ثلاث أسهم سهم له وسهمان لفرسه ـ ثمّ قال ـ: قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ من غزا على بعير فله سهم راجل، كذلك قال الحسن ومكحول والثّوري والشّافعي وأصحاب الرّأي، وهو الصّحيح إن شاء الله
стр. 764
تعالى؛ لأنّ النّبيّ ﷺ لم ينقل عنه أنّه أسهم لغير الخيل من البهائم ولو أسهم لها لنقل وكذلك بعد النّبيّ ﷺ من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمنا أنّه أسهم لغير الخيل، قال في الشّرح الكبير وهي لمن شهد الوقمة من أهل القتال قاتل أو لم يقاتل وقال فيه أيضا ومن بعثه الإمام لمصلحة الجيش مثل الرّسول والدّليل والجاسوس وأشباههم فإنّه يسهم له وإن لم يحضر لأنّه لمصلحة الجيش أشبه السّريّة.
قال أحمد: إذا غنم المسلمون غنيمة فلحقهم العدوّ وجاء المسلمين مدد فقاتلوا العدوّ معهم حتّى سلموا الغنيمة فلا شيء لهم من الغنيمة؛ لأنّهم قاتلوا عن أصحابهم دون الغنيمة؛ لأنّ الغنيمة قد صارت في أيديهم وحووها. قيل له فإن أهل المصيصة غنموا ثمّ استنقذ منهم العدوّ فجاء أهل طرسوس فقاتلوا معهم حتّى استنقذوه؟ فقال: أحب أن يصطلحوا. أمّا في الصّورة الأولى فإنّ أهل الغنيمة قد أحرزوها وملكوها بحيازتها فكانت لهم دون من قاتل معهم. وأمّا في الصّورة الثّانية فإنّما حصلت الغنيمة بقتال الّذين استنقذوها في المرّة الثّانية فينبغي أن يشتركوا فيها؛ لأنّ الإحراز الأوّل قد زال يأخذ الكفّار لها. ويحتمل أنّ الأوّلين قد ملكوها بالحيازة الأولى ولم يزل ملكهم بأخذ الكفّار لها منهم فلهذا أحبّ أحمد أن يصطلحوا على هذا انتهى ملخصاً من الشّرح الكبير.
وقال في الشّرح الكبير أيضا: والنّفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام:
(أحدها) : هذا وهو أنّ الإمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيا بعث بين يديه سريّة تغيّر على العدوّ ويجعل لهم الرّبع بعد الخمس فما قدمت به السّريّة أخرج خمسه وأعطى السّريّة ما جعل لهم وهو ربع الباقي وقسم ما بقي
стр. 765
في الجيش والسّريّة معاً فإذا قفل فبعث سريّة تغيّر وجعل لهم الثّلث بعد الخمس فما قدمت السّريّة أخرج خمسه ثمّ أعطى السّريّة ثلث ما بقي ثمّ قسم سائره في الجيش والسّريّة معه.
(القسم الثّاني) : أن ينفل الإمام بعض الجيش لعنائه وعنايته وبأسه أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش.
(القسم الثّالث) : أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السّور أو نقب هذا النّقب أو فعل كذا فله كذا، أو من جاء بأسير فله كذا، فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم. انتهى ما نقلته من الشّرح الكبير رحم الله مؤلّفه، فظهر ممّا نقل الجواب عن المسائل المسؤول عنها وبيان حكمها.
وأمّا من منع إنسانا من العدوّ وأمنه على أن يعطيه فرسه أو بعيره أو سلاحه أو ما معه فالظّاهر أنّه لا يستحقّه وحده إلاّ أن يجعله الإمام له وإلاّ فيجعل مع الغنيمة والله أعلم. وصلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلّم.
وقال في الشّرح الكبير:
(مسألة) وإذا لحق مدد وجاء أسير وأدركوا الحرب قبل تقضيها أسهم لهم وإن جاؤوا بعد إحراز الغنيمة فلا شيء لهم.
стр. 766
رسالةلبعض علماء المسلمين من أهل نجد
...
رسالة لبعض علماء المسلمين أهل نجد.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
(مسألة) : هل يجوز إطلاق لفظة تبارك على غير الله مثل من قول تبارك علينا فلان أو تباركت الدّابة ونحو ذلك وهل هو دعاء أو إخبار فلا يمنع منه أو صفة من الصّفات فلا تطلق إلا على الله؟
(الجواب) : الحمد لله هذه المسألة قد كفانا جوابها شمس الدّين ابن القيّم ـ رحمه الله تعالى ـ في بدائع الفوائد بأوضح عبارة وأبيّنها لمن أراد الإنصاف
стр. 767
وسلّم من التّعصب والاعتساف وصرف المعاني عن حقائقها إلى مالا تدلّ عليه ولا تفهم منه قال ﵀:
(فصل) : وأمّا البركة فهي نوعان أحدها بركة هي فعله ﵎، والفعل من بارك يتعدّى بنفسه تارة وبأداة على تارة وبأداة في تارة والمفعول منها مبارك وهو ما جعل كذلك فكان مباركاً بجعله تعالى.
(والنّوع الثّاني) : بركة تضاف إليه تعالى إضافة الرّحمة والعزّة والفعل منها تبارك ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلاّ له فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك وذلك كما قال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم، من الآية:٣١] , فما بارك الله فيه وعليه فهو المبارك.
وأمّا صيغة تبارك فمختصة به تعالى كما أطلقها على نفسه بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون، من الآية: ١٤] ، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الزخرف، من الآية: ٨٥] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان، من الآية: ١] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان، من الآية: ١٠] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان، من الآية: ١٠] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ [الفرقان، من الآية: ٦١] ، أفلا تراها كيف أطردت في القرآن جارية عليه مختصّة به لا تطلق على غيره وجاءت على بناء السّعة والمبالغة كتعالى وتعاظم ونحوه فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الّذي هو دال على كمال العلوّ ونهايته؛ فكذلك تبارك دال على كمال بركته وعظمتها وسعتها، وهذا معنى قول من قال من السّلف تبارك تعاظم، وقال آخر: إن مجيء البركات من قبله، فالبركة كلّها منه وقال غيره: كثرة خيره وإحسانه إلى خلقه، وقيل: اتّسعت رأفته ورحمته بهم، وقيل: تزايد على كلّ شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، ومن هنا قيل: معناه تعالى وتعاظم، وقيل: تبارك تقدس وطهر الطّهارة، وقيل: تبارك أي: اسمه مبارك في كلّ شيء، وقيل: تبارك ارتفع المبارك المرتفع ذكره البغوي.
стр. 768
وقيل: تبارك أي: البركة تكتسب وتنال بذكره، وقال ابن عبّاس حاز كلّ بركة وحقيقة اللّفظة أنّ البركة كثرة الخير ودوامه ولا أحقّ بذلك وصفاً وفعلاً منه ﵎، وتفسير السّلف يدور على هذين المعنيين وهما متلازمان لكن الأليق باللّفظ معنى الوصف لا الفعل؛ فإنّه فعل لازم مثل تعالى وتقدس وتعاظم، ومثل هذه الألفاظ لا يصحّ أن يكون معناها أنّه جعل غيره عالياً ولا قدوساً ولا عظيماً وهذا ممّا لا يحتمله اللّفظ بوجه وإنّما معناها في نفس من نسبت إليه وهو المتعالي المتقدّس في نفسه، فكذلك تبارك لا يصحّ أن يكون معناها بارك في غيره وأين أحدهما من الآخر لفظاً ومعنى هذا لازم، وهذا متعد فقد علمت أنّ مَن فسّر تبارك بمعنى ألقى البركة وبارك في غيره لم يصب معناها، وإن كان هذا من لوازم كونه تعالى متباركا، فتبارك من باب مجد، والمجد صفات الجلال والكمال والسّعة والفضل، وبارك من باب أعطى وأنعم.
ولمّا كان المتعدّي في ذلك يستلزم الّلازم من غير عكس فسّر من فسّر من السّلف اللّفظة بالتّعدي لينتظم المعنيين فقال مجيء البركة كلّها من عنده أو البركة كلّها من قبله، وهذا فرع على تباركه في نفسه وتدبّر النّبيّ ﷺ في حديث ثوبان الّذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافه من الصّلاة:" اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، فتأمّل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعي الثّناء أعني ثناء التّنْزيه والتّسبيح، وثناء الحمد والتّحميد بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمّه معنى فأخبر أنّه السّلام ومنه السّلام، فالسّلام له وصفاً وملكاً، وقد تقدّم بيان هذا في وصفه تعالى بالسّلام، وأنّ صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلّها سلام.
وكذا الحمد كلّه له
стр. 769
وصفاً وملكاً فهو المحمود في ذاته وهو الّذي بجعل من يشاء من عباده محموداً.
وكذلك العزّة كلّها له وصفاً وملكاً، وهو العزيز الذّي لا شيء أعزّ منه ومن عزّ من عباده فبإعزازه له.
وكذلك الرّحمة كلّها له وصفاً وملكاً.
وكذلك البركة فهو المتبارك في ذاته والّذي يبارك فيمن يشاء من خلقه، وعليه فيصير بذلك مباركاً: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [غافر: من الآية: ٦٤] ، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَاْلأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزّخرف، الآية: ٨٥] ، وهذا البساط إنّما هو غاية معارف العلماء الّذين من أهل حواشيه وأطرافه.
وأمّا ما وراء ذلك فكما قال أعلم الخلق وأقربهم إلى الله وأعظمهم عنده جاها"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"وقال في حديث الشّفاعة الطّويل:"فأخبر ساجداً لربّي فيفتح عليّ من محامده بما لا أحسنه الآن"وفي دعاء الهمّ والغمّ"أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، فدل على أنّ لله سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في غيبه دون خلقه لا يعلمها ملك مقرب ولا نبيّ مرسل، وحسبك الإقرار بالعجز والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك، فلا نغلو فيه ولا نجفو عنه. وبالله التّوفيق انتهى وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وسلّم.
стр. 770
رسائل الشيخ محمد بن أحمد بن محمد القصير
...
رسالة الشّيخ محمد بن أحمد بن محمّد القصير.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
من محمّد بن حسن بن شبانة إلى جناب الشّيخ المكرّم محمّد بن أحمد بن محمّد القصير ـ سلّمه الله تعالى ـ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 771
وبعد،
أشكل علينا مسائل:
منها: بيّنة الإكراه هل هي مقدّمة على بيّنة الطّواعية أم لا؟ وذاكرت فيها الشّيخ عمي فقال إذا كانت البيّنتان على إقرار قدّمت بيّنة الإكراه وإن كانتا على عقد بيع قدّمت بيّنة الطّواعية، هكذا قال فإن ظفرت فيها بجواب فأفد به أخاك جزيت خيراً.
(الثّانية) : وقع في القصيم خصومة وهي رجل خلع زوجته بحضرة شاهدين لكن الّذي بذل العوض أحد الشّاهدين فقال ابن عضيب تصحّ شهادة الّذي بذل العوض وإن لم تصحّ حلفت ضرّتها وأخذت المال لأنّه المقصد وذلك بعد موت الزّوج فنازعه آل زامل في ذلك، ووصلت إلى العارض أسئلة ابن عضيب فقال فيها الشّيخ أحمد: إمّا أنّها تحلف مع الشّاهد فلا يتصوّر، وأمّا شهادة الّذي بذل العوض فلا عندي فيها شيء إلاّ ما قال في آخر باب شروط من تقبل شهادته.
قوله: وتقبل شهادة الشّخص على فعل نفسه الخ، وهو مترجّح عنده الصّحة لكن توقف عنها، وأمّا آل سليمان فجزموا بأنّها لا تصحّ وإنّ ما قال في باب شروط من تقبل شهادته محصور على الحاكم والقاسم والمرضعة فقط فإن رأيت فيها شيئاً فنبّهنا عليه.
(وغير ذلك) رجل دفع إلى آخر أحمرين، وقال: ادفعهما إلى زيد مضاربة فلمّا حضروا للمحاسبة قال الدّافع للعامل دفعت لك أحمرين لفلان ودفعت لك سبعة من مالي ضاربتك عليها فأنكر العامل الأحمرين وأقرّ بالسّبعة، فهل إذا حلف العامل أنّه لم يصل إليه سوى السّبعة تقبل يمين الدّافع أنّه دفع للعامل أحمرين وأنّ هذه السّبعة له ولا شيء لصاحب الأحمرين أم كيف الحكم؟ أفتنا أثابك الله الجنّة والسّلام.
الحمد لله وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته. وبعد،
فاعلم أنّ بيّنة
стр. 772
الإكراه مقدّمة على بيّنة الطّواعية؛ لأنّ معها زيادة علم ولم يظهر لي الفرق بين ذلك في الإقرار دون العقد.
وأمّا شهادة الدّافع للعوض الباذل له في الخلع فلا تصحّ؛ لأنّه يشهد على تصرّفه بنفسه في حل عقد النّكاح.
وقولهم في المرضعة والقاسم والحاكم فمختصّ بذلك، والقول قول الوكيل في دفع الأحمرين إلى فلان، وأنّه دفع إذا كان أمانة فإن اتّهم حلف، والقول قوله أيضاً في سبعة الحمران أنّها له؛ لأنّه أمين ولا يعرف ذلك إلاّ من جهته، فإن حلف العامل أنّه لم يدفع إليه أحمرين سوى السّبعة ولا شيء منهما ذهب المال على المالك والله أعلم.
стр. 773
رسائل لبعض علماء الدرعية
...
رسالة لبعض علماء الدّرعية.
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
(المسألة الأولى) : الرّكن والسّنّة في قول التّنقيح في واجبات الصّلاة وركوع مأموم أدرك إمامه راكعا فركن وسنّة.
(الجواب) : اعلم وفقك الله أنّ المأموم إذا لم يدرك الإمام إلاّ في ركوع فإنّه يكبّر معه للإحرام ثمّ يركع معه؛ لأنّ تكبيرة الإحرام ركن مطلقاً وتكبيرة الرّكوع في هذه الحال سنّة لا واجب؛ لا اجتزاء عنها بتكبيرة الإحرام، ووجهه أنّه اجتمع عبادتنان من جنس واحد في محل فأجزأ الرّكن عن الواجب؛ كطواف الزّيارة والوداع، وفيما سوى هذه الصّورة تكبيرة الرّكوع واجبة وهنا ليس إلاّ ركن وسنّة فقط.
(المسألة الثّانية) : عن قوله في الإقناع في الشّفعة: وإن نما عنده نماء متّصلاً كشجر كبر وطلع لم يؤبر تبعه في عقد وفسخ هل للشّفيع أخذ النّماء المتّصل إذا كان سببه مال المشتري الخ.
стр. 774
(الجواب) : المجزوم به عند جمهور الحنابلة أنّ النّماء المتّصل كالشّجر يكبر وطلع لم يؤبر يتبع في الأخذ بالشّفعة والرّد بالعيب فيكون ملكاً للشّفيع قال في الإنصاف قاله الأصحاب منهم القاضي في المجرد وابن عقيل في الفصول، والمصنّف في المغني، والكافي والشّرح وغيرهم اهـ.
وفي شرح الإقناع كالرّد بالغيب فيأخذه الشّفيع بزيادته، لا يقال: فلم لا يكون حكمه حكم الزّوج إذا طلق قبل الدّخول؛ لأنّ الزّوج يقدر على الرّجوع بالقيمة إذا فاته الرّجوع في العين وهذا يسقط حقّه منها إذا لم يرجع في الشّقص فافترقا انتهى.
فهذا كلام فقهاء الحنابلة ولم يحك في الإنصاف خلافاً في المذهب، لكن إذا قاسوه على الرّد بالغيب فأبو العبّاس ابن تيمية اختار هناك أنّ النّماء المتّصل كالمنفصل يكون للمشتري لا للبائع وقال: نصّ عليه أحمد في رواية ابن منصور، قال في الإنصاف: فعلى هذا يقوم على البائع انتهى، أي في الرّد بالعيب ولا يبعد قياس مسألتنا عليه. إنّي أتوقف عن الإفتاء في هذه المسألة والله أعلم.
стр. 775
رسالة للشّيخ محمّد بن عمر بن سليم .
بسم الله الرّحمن الرّحيم.
ما قولكم ـ وفقكم الله ـ في رجل خرج من بيته بعد ما ارتفعت الشّمس فلقيه رجل آخر فقال له أنّه لم يصل الصبح حتّى الآن، قال له ما منعك عن الصّلاة؟ قال إنّه كانت عليه جنابة وكان الماء بارداً فلم يغتسل ثمّ مضى في شأنه حتّى كاد أن يدخل وقت الظّهر ما يجب عليه وما يقال فيه؟
وفي رجل لقيه رجل آخر يريد أن يسلم عليه فقال: له ألا تركت السّلام
следующие страницы →