← Тараджим

Тараджим · id 12066

من أعلام المجددين

صالح الفوزان

Полный текст (98 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين١، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وبعد: فمن المعلوم أنه كلما تأخر الزمان وبعد الناس عن آثار الرسالة حدثت البدع، والخرافات وفشا الجهل واشتدت غربة الدين، وظن الناس أن ما وجدوا عليه آباءهم هو الدين وإن كان بعيداً عنه، ولكن الله سبحانه لا يخلى الأرض من قائم لله بحجة. وقد أخبر الرسول ﷺ بأن طائفة من المسلمين لا تزال على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا

стр. 2

من خالفهم حتى يأتي أمر الله تعالى، كما أخبر ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وغيره حيث قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، قال المناوي في فيض القدير: (٢/٢٨١-٢٨٢) أي يقيض لها (على رأس كل مائة سنة) من الهجرة أو غيرها، والمراد الرأس تقريباً (من) أي رجلاً أو أكثر (يجدد لها دينها) أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويكسر أهل البدعة ويذلهم –قالوا ولا يكون إلا عالماً بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، قال ابن كثير: قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر أنه يعم جملة من العلماء من كل طائفة وكل صنف من مفسر ومحدث وفقيه ونحوي ولغوي وغيرهم /انتهى. وقد وقع مصداق ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الحديث فلا يزال –والحمد لله- فضل الله على هذه الأمة يتوالى بظهور المجددين عند اشتداد الحاجة إليهم، ومن هؤلاء المجددين الإمام بن حنبل في القرن الثالث، وشيخ الإسلام ابن تيمية في آخر القرن السابع وأول الثامن، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في القرن الثاني عشر، وقد أحببت في هذه العجالة أن أقدم بعض المعلومات عن هؤلاء الأئمة، وما قاموا به من تجديد هذا الدين مما لا تزال آثاره باقية في هذه الأمة ولله الحمد والمنة، والقصد من ذلك تعريف من يجهل مجهود هؤلاء الأئمة والتنبيه للانتفاع بآثارهم والاقتداء بهم، والله الهادي إلى سواء السبيل ...

стр. 3

١- الإمام أحمد بن حنبل ١-نسبه: هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان١. ٢-نشأته وتعلمه: قدم به والده من مرو وهو حمل، فوضعته أمه ببغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة وتوفي أبوه وهو ابن ثلاث سنين فكفلته أمه، وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبي يوسف، ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث، وكان سنه ست عشرة سنة، ثم حج عدة مرات وجاور بمكة مرتين، ثم سافر إلى عبد الرزاق في اليمن وكتب عنه، وقد طاف في البلاد والآفاق وسمع من مشايخ العصر وكانوا يجلونه ويحترمونه٢. قال ابن الجوزي: ابتدأ أحمد ﵁ في طلب العلم من شيوخ بغداد ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء كل بلد، ثم ذكر أسماء من لقي من كبار العلماء وروى عنهم مرتبين على حروف المعجم من الألف إلى الياء،

стр. 4

ثم ذكر من روى عنهم ممن عرف بكنيته ولم يتحقق عنده اسمه، ثم ذكر من روى عنهن من النساء١ وقد ذكر خلقاً كثيراً من شيوخه. ٣-غزارة علمه: قال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء، وقال أحمد بن سعيد الرازي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل. وقال أبو عاصم: ليس ثمة ببغداد إلا ذلك الرجل يعني أحمد بن حنبل ما جاءنا من ثم أحد مثله يحسن الفقه، وقال الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها ثم لم يلتفت إليها. وكان إذا تكلم في الفقه تكلم كلام رجل قد انتقد العلوم فتكلم عن معرفة، وقال أبو زرعة كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث٢ فقيل له وما يدريك، قال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب٣. وقال ابن الجوزي: وقد كان أحمد يذكر الجرح والتعديل من حفظه إذا سئل عنه كما يقرأ الفاتحة –ومن نظر في كتاب العلل لأبي بكر الخلال عرف ذلك، ولم يكن هذا لأحد من بقية الأئمة، وكذلك

стр. 5

إنفراده في علم النقل بفتاوي الصحابة وقضاياهم وإجماعهم واختلافهم لا ينازع في ذلك، وأما علم العربية فقد قال أحمد كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمرو الشيباني، وأما القياس فله من الاستنباط ما يطول شرحه١، قال الإمام ابن الجوزي: واعلم أنا نظرنا في أدلة الشرع وأصول الفقه، وسبرنا أحوال الأعلام المجتهدين فرأينا هذا الرجل أوفرهم حظاً من تلك العلوم، فإنه كان من الحافظين لكتاب الله ، قال أبو بكر بن حمدان القطيعي: قرأت على عبد الله بن أحمد بن حنبل قال لقنني أبي أحمد بن حنبل القرآن كله باختياره، وقرأ ابن حنبل على يحيى بن آدم وعبيد بن الصباح وإسماعيل بن جعفر وغيرهم بإسنادهم. وكان أحمد لا يميل شيئاً في القرآن ويروى الحديث: "أنزل مفخماً ففخموه"، وكان لا يدغم شيئاً من القرآن إلا (اتخذتم) وبابه كأبى بكر، ويمد مداً متوسطاً وكان ﵁ من المصنفين في فنون العلم من التفسير والناسخ والمنسوخ والمقدم والمؤخر إلى غير ذلك، وأما النقل فقد سلم الكل له إنفراده فيه بما لم ينفرد به سواه من الأئمة من كثرة محفوظه منه ومعرفة صحيحه من سقيمه وفنون علومه، وقد ثبت أنه ليس في الأئمة الأعلام قبله من له حظ في الحديث كحظ مالك. ومن أراد معرفة مقام أحمد في ذلك مقام مالك فلينظر فرق ما بين المسند والموطأ٢.

стр. 6

قال ابن بدران في كتاب المدخل١ في ذكر مؤلفاته: والمسند وهو ثلاثون ألف حديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماماً، وقال عبد الله قرأ علينا أبي المسند وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: هذا كتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث.. انتهى. وهذا يدل على غزارة علمه بالحديث وتميزه فيه وقوة نقده. وهكذا من يتعلم العلم من مصادره الأصيلة: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وتتلمذ على حملته من جهابذة العلماء مع النية الصادقة والعمل به، فإنه حري أن يوفق لتحمل العلم النافع ويكون إماماً في الدين، كما كان الإمام أحمد وغيره من أئمة الإسلام وحملة الشريعة. فعسى أن يكون في هذا حافزاً لشباب المسلمين اليوم وقد توفرت لهم وسائل التعلم ليهبوا لحمل هذا العلم الذي به عزهم وشرفهم في الدنيا والآخرة –نرجو ذلك. ٤-علمه وأخلاقه: من المعلوم أن العلم وسيلة للعمل ومصحح له، فالغاية المطلوبة هي العمل الصالح والعلم وسيلة لتلك الغاية –وفي الحكمة المأثورة: "علم بلا عمل كشجر بلا ثمر"، والله تعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٢.

стр. 7

والصحابة ﵃ يقول قائلهم: ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نتعلم معانيهن والعمل بهن، قالوا فتعلمنا العلم والعمل جميعاً، وكان سلفنا الصالح على هذه الصفة، ومنهم الإمام أحمد فقد اتصف بالعلم الغزير والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة. ذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة١ قال: وعن عبد الله بن أحمد قال كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد إلا في مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض، وكان يكره المشي في الأسواق. وعنه قال: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط٢ أضعفته فكان يصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وقد كان قرب من الثمانين وكان يقرأ في كل يوماً سبُعاً يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليال سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي عشاء الآخرة ينام نومة خفيفة، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو، وحج أبي خمس حجات، ثلاث حجج ماشياً واثنتين راكباً، وأنفق في بعض حجاته عشرين درهما، وعنه قال: كنت أسمع أبي كثيراً يقول في دبر الصلاة: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك صنه عن المسألة لغيرك، وقال صالح بن أحمد بن حنبل: ورد كتاب علي بن الجهم: أن أمير المؤمنين (يعني المتوكل) قد وجه إليك يعقوب المعروف بقوصرة ومعه جائزة ويأمرك بالخروج، فالله الله أن تستعفي أو ترد المال فيتسع القول لمن يبغضك، فلما كان من

стр. 8

الغد ورد يعقوب فدخل عليه فقال: يا أبا عبد الله أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول قد أحببت أن آنس بقربك وأن أتبرك بدعائك –وقد وجهت إليك عشرة آلاف درهم معونة على سفرك وأخرج صرة فيها بدرة نحو مائتي دينار والباقي دراهم صحاح، فلم ينظر إليها ثم شدها يعقوب، وقال له أعود غداً حتى أبصر ما تعزم عليه، وانصرف فجئت بإجانة خضراء فكببتها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح خذ هذا فصيره عندك، فصيرتها عند رأسي فوق البيت، فلما كان سحراً إذا هو ينادي يا صالح فقمت فصعدت إليه فقال: ما نمت ليلتي هذه فقلت: لم يا أبت؟ فجعل يبكي وقال: سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، قد عزمت على أن أفرق هذا الشيء إذا أصبحت فقلت ذاك إليك، فلما أصبح قال: جئني يا صالح بميزان، وقال: وجهوا إلي أبناء المهاجرين والأنصار. ثم قال: وجه إلى آل فلان، فلم يزل يفرقها كلها ونفضت الكيس ونحن في حالة الله تعالى بها عليم، وكتب صاحب البريد أنه قد تصدق بالدراهم من يومه حتى تصدق بالكيس، قال علي بن الجهم فقلت يا أمير المؤمنين قد علم الناس أنه قد قبل منك، وما يصنع أحمد بالمال وإنما قوته رغيف، فقال لي صدقت يا علي –وبهذه النقولات عن ابني الإمام وقد عايشا أباهما معايشة خاصة أكبر دليل على مدى صلاح الإمام أحمد وتقواه وزهده وورعه. وأما تواضعه: فقد قال ابن الجوزي١ بلغني عن أبي الحسين بن المنادي قال

стр. 9

سمعت جدي يقول: كان أحمد من أحب الناس وأكرمهم نفساً وأحسنهم عشرة وأدباً، كثير الإطراق، معرضاً عن القبيح واللغو، لا يسمع منه إلا المذاكرة بالحديث، وذكر الصالحين والزهاد في وقار وسكون ولفظ حسن، وإذا لقيه إنسان بش به وأقبل عليه، وكان يتواضع للشيوخ تواضعاً شديداً وكانوا يكرمونه ويعظمونه، قال الخلال: وأخبرني محمد بن الحسين أن أبا بكر المروذي –حدثهم قال: كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جهل عليه احتمل وحلم، ويقول: يكفى الله، ولم يكن بالحقود ولا العجول، ولقد وقع بين عمه وجيرانه منازعة فكانوا يجيئون إلى أبي عبد الله فلا يظهر لهم ميله مع عمه ولا يغضب لعمه، ويتلقاهم بما يعرفون من الكرامة، وكان كثير التواضع يحب الفقراء، لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلسه، مائلاً إليهم مقصراً عن أهل الدنيا، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعض العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر يقعد حيث انتهى به المجلس، وكان لا يمد قدمه في المجلس ويكرم جليسه، وكان حسن الخلق، دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، وكان يحب في الله ويبغض في الله، وكان إذا أحب رجلاً أحب له ما يحب لنفسه، وكره له ما يكره لنفسه ولم يمنعه حبه إياه أن يأخذ على يديه ويكفه عن ظلم وإثم أو مكروه إن كان منه، وكان إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع للأمر سأل عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة. وأحب أن يعرف أحواله، وكان رجلاً فطناً. إذا كان شيء لا يرضاه اضطرب لذلك، ويغضب لله ولا يغضب لنفسه فلا ينتصر لها، فإذا كان في أمر من الدين اشتد له غضبه حتى كأنه ليس هو، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان حسن الجوار، يؤذى فيصبر ويحتمل الأذى من الجار ... انتهى.

стр. 10

هذه أخلاق الإمام أحمد. علم وعمل وتواضع وصبر واحتمال، وجدير بمن تربى على الكتاب والسنة وتتلمذ على العلماء العاملين وخالط الصالحين أن يكون كذلك، بخلاف من يتربى على نظريات الفلاسفة وأفكار الغرب فإنه يتأثر بها ويتخلق بها، فيجب على المسلمين أن يوجهوا أولادهم إلى الكتاب والسنة وأخلاق السلف الصالح، ليتربوا التربية الصحيحة، ويتوجهوا الوجهة السليمة ويتركوا استيراد النظريات التربوية من الكفار وفلاسفة الغرب. ٥-محنته وصلابته في الحق: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله١ باب ذكر ما جاء في محنة أبي عبد الله أحمد بن حنبل / في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق بسبب القرآن العظيم. وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب وقلة مبالاته بما كان منهم من ذلك إليه وصبره عليه وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم، وكان أحمد عالماً بما ورد بمثل حاله من الآيات المتلوة والأخبار المأثورة. وبلغه بما أوصي به في المنام واليقظة فرضي وسلم إيماناً واحتساباً –وفاز بخير الدنيا ونعيم الآخرة، وهيأه الله بما آتاه من ذلك لبلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أوليائه، ثم قال ابن كثير ﵀: وقد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفي الصفات عن الله قال البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب

стр. 11

السلف ومنهاجهم، فلما ولي الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك، وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبه ببغداد –إسحاق بن إبراهيم بن مصعب- يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين، فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع من ذلك الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الجند يسابورى، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك. وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد –فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، قال فجثى الإمام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته، قال فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، قال أحمد ففرحنا ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة، وقد انضم إليه أحمد بن أبي دؤاد وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسرى ونالني منهم أذى كثير، وكان في رجليه القيود ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق وصلى عليه أحمد –فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان فأودع السجن نحواً من ثمانية وعشرين شهراً وقيل نيفاً وثلاثين شهراً، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم، وكان أحمد وهو في

стр. 12

السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه، ولما أحضره المعتصم من السجن زاد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشي بها –فربطتها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاءوني بدابة فحملت عليها فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود. وليس معي أحد يمسكني فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم فأدخلت في بيت وأغلق علي. وليس عندي سراج فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت منه ثم قمت ولا أعرف القبلة فلما أصبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد –ثم دعيت فأدخلت على المعتصم-. وذكر ابن كثير ﵀ المناظرة التي دارت بينه وبين خصومه بحضرة المعتصم في موضوع خلق القرآن –إلى أن قال: ثم لم يزالوا يقولون له يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر، فأمر بي فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقمت عليه، وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين –ويقول له -يعني المعتصم- شد قطع الله يدك- ويجيء الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطاً فأغمي علي وذهب عقلي مراراً –فإذا سكن الضرب يعود علي عقلي –وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم فلم أجبه- وجعلوا يقولون: ويحك الخليفة على رأسك فلم أقبل. فأعادوا الضرب ثم عاد إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء الثالثة فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب، وأرعبه ذلك من أمري وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت وقد أطلقت الأقياد من رجلي، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفاً وثلاثين سوطاً، وقيل ثمانين

стр. 13

سوطاً ولكن كان ضرباً مبرحاً شديداً جداً، ولما رجع إلى منزله جاء الجراح فقطع لحماً ميتاً من جسده وجعل يداويه، ولما شفاه الله بالعافية بقى مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد –وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ الآية، ويقول ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك، انتهى باختصار. وهكذا ثبت الإمام أحمد ﵀ على الحق، وصبر على السجن والضرب ولم تأخذه في الله لومة لائم، ولم ترهبه السلطة والجبروت، فكانت العاقبة والعقوبة لأعدائه، ومع هذا يعفو ويصفح عن خصومه ويجعلهم في حل ما عدا المبتدعة –لأن المبتدعة انتهكوا محارم الله ولم تكن إساءتهم قاصرة عليه، إنه الإيمان الراسخ والتربية النافعة المستمدة من الكتاب والسنة يصنعان الرجال، ويبعثان على الثبات في مواقف الفتن والأهوال، وهكذا تكون مواقف الأبطال. ٦-مميزات مذهبه والأصول التي بناه عليها: مذاهب أهل السنة كلها مذاهب حق لا سيما مذاهب الأئمة الأربعة –أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وكل مذهب من هذه المذاهب السنية له مميزات، ويمتاز مذهب الإمام أحمد من بينها بقربه من النصوص١ وفتاوي الصحابة. قال الإمام ابن القيم رحمه الله٢: رويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرناً بعد قرن، فصارت إماماً وقدوة لأهل السنة على اختلاف

стр. 14

طبقاتهم حتى إن المخالفين لمذهبه بالاجتهاد والمقلدين لغيره يعظمون نصوصه وفتاواه ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوي الصحابة، ومن تأمل فتاواه وفتاوي الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى، ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تحريه لفتاوي الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه بل أعظم، حتى إنه ليقدم فتاويهم على الحديث المرسل. أصول مذهبه: كان مذهبه مبنياً على خمسة أصول وهي: ١- النصوص، فإذا وجد نصاً أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه. ٢- ما أفتى به الصحابة –فإذا وجد لأحدهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها، ولم يقل إن ذلك إجماع- بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئاً يدفعه أو نحو هذا. ٣- إذا اختلف الصحابة في المسألة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال للدليل حكى الخلاف ولم يجزم بقول. ٤- الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه ويرجح ذلك على القياس، والمراد بالحديث الضعيف عند قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل والمنكر ولا ما في روايته متهم. ٥- فإذا لم يكن هناك نص ولا قول للصحابة أو أحدهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى القياس فاستعمله للضرورة.

стр. 15

فهذه الأصول الخمسة هي أصول مذهبه –وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين، وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف-كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام١. أي لم يسبق أن قال فيها أحد من الأئمة بشيء. ٧-مؤلفاته: قال الإمام ابن القيم٢: كان الإمام أحمد ﵀ شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه ويشتد عليه جداً، فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفراً، ومنّ الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفتنا منها إلا القليل، وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفراً أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرناً بعد قرن، فصارت إماماً وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، وقال ابن الجوزي: كان الإمام أحمد ﵁ لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب عنه كلامه ومسائله ولو رأى ذلك لكانت تصانيفه كثيرة، ولنقلت عنه كتب٣ واقتصر الإمام أحمد على التصنيف في النقول –أي الأحاديث والآثار وهذه بعض مؤلفاته: ١) المسند في الحديث، وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماماً٤.

стр. 16

٢) التفسير –وهو مائة ألف وعشرون ألفاً- يعني من الأحاديث والآثار. ٣) الناسخ والمنسوخ. ٤) التاريخ. ٥) المقدم والمؤخر في القرآن. ٦) جوابات القرآن. ٧) المناسك الكبير والصغير. ٨) الزهد. ٩) الرد على الجهمية. ٨- وفاته: مرض في أول شهر ربيع الأول من سنة أحدى وأربعين ومائتين، وتوفي ليلة الجمعة وهي ليلة الثاني عشر من هذا الشهر، ولم حضرته الوفاة أشار إلى أهله أن يوضؤه فجعلوا يوضؤنه وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعي وهو يذكر الله في جميع ذلك، فلما أكملوا وضوءه توفي ﵀ ورضي عنه، فغسلوه وكفنوه بثوب كان قد غزلته جاريته، وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله ما لم يعلم عددهم إلا الله، ثم صلي عليه وأعيدت الصلاة عليه عند القبر. ثم أعيدت الصلاة أيضاً على القبر بعد دفنه، ولم يستقر في قبره ﵀ إلا بعد العصر وذلك لكثرة الخلق الذين حضروا. وقد قدر عدد الذين صلوا عليه وشيعوه إلى قبره بألف ألف، وفي رواية وسبعمائة ألف –أي مليون وسبعمائة ألف –رحم الله الإمام أحمد رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيراً، وجعله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 17

شيخ الاسلام أحمد بن تيمية ... -شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية نبذة عن حياته وجهاده وثمرات دعوته والرد على الشبهات التي أثيرت حوله

стр. 18

أولاً: التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية: هو شيخ الإسلام الحافظ المجتهد تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية الحراني الحنبلي. ولد بحران يوم الإثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء التتار على البلاد إلى دمشق سنة ٦٦٧هـ. مشائخه وتحصيله: أخذ الفقه والأصول عن والده وسمع عن خلق كثير منهم الشيخ شمس الدين والشيخ زين الدين ابن المنجا والمجد بن عساكر، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم أخذ كتاب سيبويه فتأمله وفهمه، وعني بالحديث وسمع الكتب الستة والمسند مرات، وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه، وأحكم أصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة، وغير ذلك من العلوم، ونظر في الكلام والفلسفة وبرز في ذلك ورد على أكابر المتكلمين والفلاسفة، وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين من السنين، وتضلع في علم الحديث وحفظه، وكان سريع الحفظ قوي الإدراك آية في الذكاء رأساً في معرفة الكتاب والسنة والاختلاف بحر في النقليات، وكان له باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين. اشتغاله في التدريس: كان والده من كبار أئمة الحنابلة فلما مات خلفه في وظائفه وكان عمره تسع عشرة سنة، فاشتهر أمره وبعد صيته في العالم، وأخذ في

стр. 19

تفسير القرآن الكريم أيام الجمع من حفظه –قال عنه الحافظ أبو حفص عمر بن علي البزار وكان من معاصريه١: لقد كان إذا قريء في مجلسه آيات من القرآن العظيم شرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته والدرس بزمنه وهو في تفسير بعض آية منها، وقد منحه الله تعالى معرفة اختلاف العلماء ونصوصهم وكثرة أقوالهم واجتهادهم في المسائل، وما روي عن كل واحد منهم من راجح ومرجوح ومقبول ومردود، حتى كان إذا سئل عن شيء من ذلك كأن جميع المنقول عن الرسول ﷺ وأصحابه والعلماء فيه من الأولين والآخرين متصور مسطور بإزائه، وهذا قد اتفق عليه كل من رآه أو وقف على شيء من علمه ممن لم يغلظ عقله الجهل والهوى ... انتهى. وقال أيضاً: وأما ذكر دروسه فقد كنت في حال إقامتي بدمشق لا أفوتها، وكان لا يهيئ شيئاً من العلم ليلقيه ويورده، بل يجلس بعد أن يصلي ركعتين فيحمد الله ويثني عليه ويصلي على رسوله ﷺ على صفة مستحسنة مستعذبة لم أسمعها من غيره، ثم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث وأقوال العلماء، ونقد بعضها وتبيين صحته أو تزييف بعضها وبإيضاح حجته واستشهاد بأشعار العرب وربما ذكر ناظمها، وهو مع ذلك يجري كما السيل ويفيض كما يفيض البحر، من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن، بل فيض إلهي حتى يبهر كل سامع وناظر، فلا يزال كذلك إلى أن يصمت، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد

стр. 20

القلوب ويحير الأبصار والعقول –وكان لا يذكر رسول الله ﷺ قط إلا ويصلي ويسلم عليه، ولا والله ما رأيت أحداً أشد تعظيماً لرسول الله ﷺ ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى إذا كان أورد شيئاً من حديثه في مسألة ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به، ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائناً من كان، وقال ﵁: كل قائل إنما يحتج لقوله لا به إلا رسول الله، وكان إذا فرغ من درسه يقبل على الناس بوجه طلق بشيش وخلق دمث كأنه لقيهم حينئذ، وربما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك الحال، ولقد كان درسه الذي يورده حينئذ قدر عدة كراريس. وهذا الذي ذكرته من أحوال درسه أمر مشهور يوافقني عليه كل حاضريه وهم بحمد الله خلق كثير لم يحصر عددهم علماء ورؤساء وفضلاء من القراء والمحدثين والفقهاء والأدباء وغيرهم من عوام المسلمين ... انتهى كلام البزار في كتابه الأعلام العلية. مؤلفاته: لشيخ الإسلام ابن تيمية مؤلفات قيمة ضخمة ورسائل وفتاوى بلغ الموجود منها مجلدات ضخمة وعديدة، طبع منها الآن حسب علمي ما يقارب أربعة وثمانين مجلداً، وهي: ١) مجموع الفتاوى خمسة وثلاثون مجلداً، وقد طبع عدة مرات ووزع في كثير من الأقطار الإسلامية، وانتفع به المسلمون لما يحتويه من علم غزير في العقائد والفقه والتفسير والحديث والأصول. ٢) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وقد طبع في عشر مجلدات.

стр. 21

١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (رد على شبه النصارى) ، وقد طبع في أربع مجلدات. ٢) منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية، وقد طبع في ثمانية مجلدات محققة. ٣) الفتاوى المصرية، وقد طبعت في خمس مجلدات. ٤) الاختيارات الفقهية، وقد طبعت في مجلد. ٥) القواعد النورانية الفقهية، وقد طبعت في مجلد. ٦) نقض منهاج التأسيس، وقد طبع الموجود منه في مجلدين١. ٧) إقامة الدليل على إبطال التحليل، وقد طبع في مجلد. ٨) شرح العقيدة الأصفهانية، وقد طبع في مجلد. ٩) الصفدية وقد طبع المجلد الأول منها، والبقية في الطريق إن شاء الله. ١٠) الاستقامة، وقد طبع المجلد الأول منه والبقية في الطريق إن شاء الله. ١١) كتاب الإيمان، وقد طبع في مجلد. ١٢) كتاب نقض المنطق، وقد طبع في مجلد. ١٣) كتاب النبوات، وقد طبع في مجلد. ١٤) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، مجلد. هذا ولا يزال الكثير من كتبه ورسائله وفتاويه مفقوداً ويعثر بين حين وآخر على شيء منه فيبادر من وجده إلى نشره للانتفاع به، وقد لمعت كتبه في هذا العصر وانتفع بها الخلق الكثير لما تحويه من العلم

стр. 22

العزيز والتحقيق والتدقيق والأصالة، وقد شهد بذلك كل من اطلع عليها ممن لم تأخذه العصبية الجاهلية والتقليد الأعمى. ثناء العلماء عليه: قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١٤/١١٨-١١٩) وقل أن سمع شيئاً إلا حفظه ثم اشتغل بالعلوم وكان ذكياً كثير المحفوظ، فصار إماماً في التفسير وما يتعلق به عارفاً بالفقه، فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره، وكان عالماً باختلاف العلماء عالماً في الأصول والفروع والنحو واللغة وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما قطع في مجلس ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه ورآه عارفاًبه متقناً له، وأما الحديث فكان حامل رايته حافظاً له مميزاً بين صحيحه وسقيمه عارفاً برجاله متضلعاً من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع ... انتهى. وقال الحافظ المزي في الثناء عليه١: ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا اتبع لهما منه، وقال الحافظ ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً كل العلوم بين عينيه، يأخذ ما يريد ويدع ما يريد، وقال الشيخ إبراهيم الرقى: إن ابن تيمية يؤخذ عنه ويقلد في العلوم، فإن طال عمره ملأ الأرض علماً وهو على الحق، ولا بد من أن يعاديه الناس، لأنه وارث علم النبوة، وقال قاضي القضاة ابن الحريري: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن هو؟

стр. 23

نقل هذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة في الثناء على شيخ الإسلام ابن تيمية الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه: الكواكب الدرية. رد الشبهات التي وجهت في حق الشيخ: لقد ضاق خصومه قديماً وحديثاً به ذرعاً ووجهوا ضده الاتهامات: ١) من ذلك ما افتراه الرحالة ابن بطوطة حيث قال في رحلته (في حق شيخ الإسلام ابن تيمية: وكنت إذ ذلك بدمشق فحضرته يوم الجمهة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا. ونزل درجة من درج المنبر) . وقد رد على هذه الفرية الشيخ العلامة محمد بهجة البيطار١ بما يلي: ١- أن ابن بطوطة لم يسمع من ابن تيمية ولم يجتمع به إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام ستة وعشرين وسبعمائة (٧٢٦هـ) وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شهر شعبان من ذلك العام، ولبث فيه إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الإثنين لعشرين من ذي القعدة عام ثمانية وعشرين وسبعمائة هجرية، فكيف رآه ابن بطوطة يعظ على منبر الجامع وهو إذ ذاك في السجن. ٢- لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية يعظ الناس على منبر الجامع، وإنما كان يجلس على كرسي، قال الحافظ الذهبي عنه: وقد اشتهر أمره

стр. 24

وبعد صيته في العالم وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أياك الجمع على كرسي من حفظه. ٣- أن هذا الذي ذكره ابن بطوطة يخالف ما ذكره الشيخ في جميع كتبه من أنه يجب إثبات أسماء الله وصفاته إثباتاً بلا تشبيه وتنزيهها عن مشابهة صفات المخلوقين تنزيهاً بلا تعطيل، وهذا الذي ذكره ابن بطوطة تشبيه ينهى عنه شيخ الإسلام ويحذر منه غاية التحذير. ٤- لشيخ الإسلام ابن تيمية في موضوع النزول كتاب مستقل اسمه شرح حديث النزول وهو مطبوع ومتداول وليس فيه ما ذكره ابن بطوطه، بل فيه ما يرد عليه ويبطله من أصله والحمد لله رب العالمين. ٢- قالوا عنه إنه يخالف الإجماع، وقد أجاب عن هذه الشبهة الشيخ محمد١ بهجة البيطار بقوله: اشتهر ابن تيمية بمسائل أثرت عنه وظن كثير من الناس أنه انفرد بها عن غيره، بل ظنوا أنه خالف في بعضها الإجماع، وهي أمور اجتهادية يقع في مثلها الخلاف بين العلماء، ومن المفروغ منه أن ابن تيمية قد بلغ رتبة الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وأنه كان يفتي الناس بما أدى إليه اجتهاده٢، وأنه موافق في فتاواه بعض الصحابة أو التابعين أو أحد الأئمة الأربعة أو غيرهم ممن عاصرهم أو جاء قبلهم أو بعدهم، وقد قال العلامة برهان الدين بن الإمام محمد المعروف بابن قيم الجوزية: لا نعرف مسألة خرق فيها الإجماع، ومن ادعى ذلك فهو إما جاهل وإما كاذب، ولكن ما نسب إليه الانفراد به ينقسم إلى أربعة أقسام: الأول: ما يستغرب جداً فينسب إليه أنه خالف فيه الإجماع لندور القائل به وخفائه على الناس لحكاية بعضهم

стр. 25

الإجماع على خلافه. الثاني: ما هو خارج عن مذاهب الأئمة الأربعة، وقال بعض الصحابة أو التابعين أو السلف به والخلاف فيه محكي. الثالث: ما اشتهرت نسبته إليه مما هو خارج عن مذهب الإمام ﵁ لكن قد قال به غيره من الأئمة وأتباعهم. الرابع: ما أفتى به واختاره مما هو خلاف المشهور في مذهب أحمد وإن كان محكياً عنه، وعن بعض أصحابه. انتهى من كتاب حياة شيخ الإسلام ابن تيمية للشيخ محمد بهجة البيطار ص ٥٤/٥٥. قلت: وبهذا يعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم ينفرد بقول لم يقم عليه دليل من الكتاب والسنة ولم يقل به أحد من الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ومن أراد الحق في هذا فلينظر في مجموع فتاواه الكبير الذي بلغ خمسة وثلاثين مجلداً وطبع عدة مرات ووزع على نظاق واسع في العالم الإسلامي، ولا يصدق ما أشاعه منه المغرضون. فإن قول الخصم غير مقبول على خصمه –وإنما يرجع إلى كلام الشخص نفسه ويحكم عليه بموجبه، واليوم والحمد لله كتب شيخ الإسلام وفتاواه قد انتشرت واشتهرت وهي تدحض ما افتراه عليه خصومه من الأكاذيب، ومن رجع إلى هذه المؤلفات القيمة أدرك أنه مفترى عليه ووجد في هذه المؤلفات العلم الغزير الموروث عن النبي ﷺ ، ولا يسع المنصف الخالي من التعصب الأعمى إلا أن يقر له بالعلم والفضل والاستقامة على الحق. ٣- قالوا إنه أفتى بفتاوى الأئمة أهل السنة والجماعة، وهذا من الكذب على شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو لم ينفرد بقول يخالف به الأئمة جميعاً سواء الأئمة الأربعة أو أئمة السلف الذين هم قبل

стр. 26

الأربعة، كما سبق بيانه، فلم يقل قولاً إلا وله سلف فيه من الأئمة وأهل السنة والجماعة، اللهم إلا أن يريد هذا القائل بأن أهل السنة والجماعة جماعة الأشاعرة والماتريدية –فهذا اصطلاح خاطئ، لأن المراد بأهل السنة والجماعة حقاً من كان على طريقة الرسول ﷺ وأصحابه، وهم الفرقة الناجية، وهذا الوصف لا ينطبق إلا على الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم واتبع طريقهم، والأشاعرة والماتريدية خالفوا الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة في كثير من المسائل الاعتقادية وأصول الدين، فلم يستحقوا أن يلقبوا بأهل السنة والجماعة. وهؤلاء لم يخالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية وحده، بل خالفهم عامة الأئمة والعلماء الذي ساروا على نهج السلف. وهذه الفتاوى التي نسبوها كذباً للشيخ، وقالوا إن الشيخ خالف فيها فتاوى الأئمة أهل السنة والجماعة، هي قولهم: ١- أنه يرى جلوس الله على العرش كجلوسه هو، وأنه قال ذلك على المنبر في مسجد بني أمية مراراً في دمشق وفي مصر. ونقول: هذا من الكذب الواضح على شيخ الإسلام ابن تيمية، فشيخ الإسلام في هذه المسألة يثبت ما أثبته الله لنفسه، من أنه استوى على العرش استواء يليق بجلاله سبحانه بلا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه –كما قال الإمام مالك وغيره: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإليك ما قاله ﵀ في هذه المسألة من إثبات. استواء الله على عرشه مع نفي مشابهة المخلوقين في ذلك حيث قال ﵀ (ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة، وللعبد استواء على الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين.

стр. 27

فإن الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى شيء، بل هو الغني عن كل شيء) انظر مجموع فتاوى الشيخ (٥/١٩٩) ، فقال ﵀: (لله استواء) ولم يقل لله جلوس، وفرق بين استواء الله واستواء الخلق. ٢- قالوا إنه يقول: (نزول الله إلى سماء الدنيا كل ليلة كنزوله هو من المنبر) ، وهذا من الكذب على شيخ الإسلام ومما افتراه عليه ابن بطوطة، وقد بينا كذبه في ذلك ولله الحمد. ونحن نسوق عبارة الشيخ في هذه المسألة لما سئل عن حديث النزول فكان من جوابه: (لكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه كتمثيله بصفات المخلوقين ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه فقد أخطأ في ذلك. وإن أظهر ذلك منع منه. وإن زعم أن هذا الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضاً في ذلك) انظر مجموع الفتاوى (٥/٣٢٣) . وقال أيضاً: (من قال إنه ينزل فيتحرك وينتقل كما ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار كقول من يقول إنه يخلو منه العرش، فيكون نزوله تفريغاً لمكان وشغلاً لآخر، فهذا باطل يجب تنزيه الرب عنه) . انظر المجموع (٥/٥٧٨) . ٣-قالوا إنه يحرم زيارة قبر النبي ﷺ ، ونقول هذا أيضاً من الكذب الواضح، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لم يحرم زيارة قبر النبي ﷺ ولا زيارة غيره من القبور إذا وقعت هذه الزيارة وفق الأدلة الشرعية بأن يكون الزائر رجلاً والقصد من هذه الزيارة التذكر والاعتبار

стр. 28

والدعاء للموتى من المسلمين بالرحمة والمغفرة. وكانت هذه الزيارة بدون سفر، فإن كانت زيارة القبور بقصد التبرك بها وطلب المدد وقضاء الحوائج وتفريج الكربات من الموتى، أو كانت هذه الزيارة تحتاج إلى سفر. أو الزائر من النساء، فشيخ الإسلام ليس وحده الذي يمنع من هذه الزيارة، بل يمنع منها كل المحققين من علماء السلف والخلف، لأنها زيارة شركية أو بدعية، قد جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بمنعها وإليك ما قاله في هذه المسألة- قال ﵀: (فإن زيارة القبور على وجهين: وجه شرعي ووجه بدعي، فالزيارة الشرعية مقصودها السلام على الميت والدعاء له سواء كان نبياً أو غير نبي، ولهذا كان الصحابة إذا زاروا النبي ﷺ يسلمون عليه ويدعون له ثم ينصرفون ولم يكن أحد منهم يقف عند قبره ليدعو لنفسه، ولهذا كره مالك وغيره ذلك وقالوا: إنه من البدع المحدثة، ولهذا قال الفقهاء: إذا سلم المسلم عليه وأراد الدعاء لنفسه لا يستقبل القبر، بل يستقبل القبلة، وتنازعوا وقت السلام عليه هل يستقبل القبلة أو يستقبل القبر. فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة، وقال مالك والشافعي: يستقبل القبر- وهذا لقوله ﷺ : " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد"، وقوله ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيداً"، وقوله ﷺ : " لعن الله اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا"، وقوله ﷺ : " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك "، ولهذا اتفق السلف على أنه لا يستلم قبراً من قبور الأنبياء وغيرهم، ولا يتمسح به ولا يستحب الصلاة عنده ولا قصده للدعاء عنده أو به، لأن هذه الأمور كانت من أسباب الشرك وعبادة الأوثان، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً

стр. 29

وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ، قال طائفة من السلف هؤلاء كانوا قوماً صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم. وهذه الأمور ونحوها هي من الزيارة البدعية. وهي من جنس دين النصاري والمشركين. وهو أن يكون قصد الزائر أن يستجاب دعاؤه عند القبر، أو أن يدعو الميت ويستغيث به ويطلب منه أو يقسم به على الله في طلب حاجاته وتفريج كرباته، فهذه كلها من البدع) انتهى من مجموع التفاوى (٢٧/٣١-٣٢) . وبه يتضح رأي الشيخ في زيارة القبور وأنه يتمشى مع الأدلة الشرعية فيجيز ما أجازته، ويمنع ما منعته من الزيارة الشركية والبدعية. ٤- قالوا إنه يقول إن التوسل في الدعاء كفر أو شرك، وهذا أيضاً من الكذب الصريح على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه لم يحكم على التوسل بأنه كفر أو شرك، وإنما كان يفصل في ذلك بين التوسيل المشروع والتوسل الممنوع، وإليك عبارته في ذلك –يقول ﵀: (فلفظ التوسل يراد بن ثلاثة معان: أحدها: التوسل بطاعته (يعني النبي ﷺ فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته –وهذا كان في حياته. ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفه مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة، وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه إنه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا: (لا يسأل بمخلوق

стр. 30

ولا يقول أحد أسألك بحق أنبيائك) انتهى من مجموع الفتاوى (١/٢٠٢) فبين الشيخ أن هذا النوع من التوسل لا يجوز وليس هو من فعل الصحابة، ولم يقل إنه كفر أو شرك كما قال هذا الكاذب عليه. ٥- قالوا إنه يكفر الناس الذين لا يتبعون آراءه مثل تكفيره الذين يزورون قبر الرسول، وهذا من جنس ما قبله من الأكاذيب، فالشيخ تقي الدين لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله بارتكاب ناقضاً من نواقض الإسلام، كدعاء غير الله من الموتى وغيرهم. ولم يكفر الذين يزورون قبر الرسول ﷺ الزيارة الشرعية كما سبق بيانه. ٦- قالوا إنه يحرم الطرق الصوفية، وجواباً عن هذا الموضوع ننقل لك عبارة الشيخ ﵀ في هذا: قال ﵀: (الحمد لله أما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهوراً في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك- إلى أن قال: ولأجل ما وقع من كثير منهم من الاجتهاد والتنازع، تنازع الناس في طريقهم، فطائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام، وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهادهم، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطيء، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا

стр. 31

يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة- ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلاً، انتهى مجموع الفتاوى (١١/٥، ١٧-١٨) . هذا كلامه ﵀ في التصوف المعتدل المعروف في وقته وقبله، أم التصوف المنحرف في وقته وبعده فلا أحد يجيزه. فالطرق الصوفية تغيرت ودخلها من البدع والخرافات والشركيات الشيء الكثير، فيجب تركها والابتعاد عنها وملازمة السنة. ٧- قالوا إنه أفتى بفتاوى تخالف الإجماع وهي كما يلي: ١- لا يعتبر الحلف بالطلاق طلاقاً، وإنما يعتبره يميناً مكفرة، والجواب عن هذا أن نقول: إن دعوى الإجماع في هذه المسألة دعوى كاذبة، فإن الشيخ ﵀ ذكر في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهذا نص كلامه حيث يقول: (إذا حلف بالطلاق أو العتاق يميناً تقتضي حصناً أو منعاً –كقوله الطلاق أو العتق يلزمه ليفعلن كذا أو لا يفعل كذا أو قوله إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو فعبدي حر، ونحو ذلك فللعلماء فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إذا حنث وقع به الطلاق والعتاق، وهذا قول بعض التابعين وهو المشهور عند أكثر الفقهاء. الثاني: لا يقع به شيء، ولا كفارة عليه –وهذا مأثور عن بعض السلف وهو مذهب داود وابن حزم وغيرهما من المتأخرين، ولهذا كان سفيان بن عيينة شيخ الشافعي وأحمد لا يفتي بالوقوع.

стр. 32

والقول الثالث: أنه يجزئه كفارة يمين اهـ من مجموع فتاوى (٣٣/١٩٥-١٩٦) فتبين بهذا أنه لم ينفرد بهذا القول وأن المسألة خلافية. ٢- قالوا إنه يعتبر الطلاق الثلاث واحدة، إذا قاله الزوج دفعة واحدة، والجواب: أن هذا لم يخالف فيه الشيخ ﵀ إجماعاً ولم ينفرد به، فقد سبقه إليه كثير من الأئمة. وهو مبني على أدلة استدلوا بها. قال ﵀: "وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله ﷺ مثل الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم، مثل طاووس وخلاس بن عمرو ومحمد بن إسحاق وهو قول داود وأكثر أصحابه". انظر مجموع الفتاوى (٣٣/٨) . قال القرطبي: وشذ طاووس وبعض أهل الظاهر إلى أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة يقع واحدة، ويروى هذا عن محمد بن إسحاق والحجاج بن أرطأة، وقيل عنهما لا يلزم منه شيء وهو قول مقاتل ويحكى عن داود أنه قال: لا يقع، والمشهور عن الحجاج بن أرطأة وجمهور السلف والأئمة أنه لازم واقع ثلاثاً –انتهى (٣/١٢٩) . من تفسير القرطبي. ٣- وقالوا إنه لا يصحح طلاق الحائض والطلاق في الطهر الذي جامعها فيه، والجواب أن هذا الطلاق طلاق بدعة وقد اختلف العلماء هل يقع أو لا، فإذا قال الشيخ بعدم وقوعه فإنه لم يخالف بذلك إجماعاً كما يدعي هذا المفتري، فالمسألة خلافية. وكل له دليله. ومن تبين له

стр. 33

رجحان قول وجب عليه الأخذ به. قال القرطبي: وقال سعيد بن المسيب في آخرين لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة انتهى (١٧/١٥١) من تفسير القرطبي. ٤- قالوا إنه لا يرى قضاء الصلاة المتروكة عمداً، والجواب أن الموجود من كلام الشيخ في مجموع الفتاوى (٢٢/١٠٣) في هذه المسألة ما نصه: (وأما من كان عالماً بوجوبها وتركها بلا تأويل حتى خرج وقتها المؤقت فهذا يجب عليه القضاء عند الأئمة الأربعة، وذهب طائفة منهم ابن حزم وغيره إلى أن فعلها بعد الوقت لا يصح من هؤلاء، وكذلك قالوا فيمن ترك الصوم متعداً- والله أعلم انتهى. وقال الحافظ في فتح الباري (=١/٧١) على حديث "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك" قال: وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل إن العامد لا يقضي الصلاة، لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي ا. هـ. فالشيخ إنما حكى الخلاف فقط، فالمسألة خلافية ليست محل إجماع والله أعلم. فإذا اختار القول بعدم القضاء لرجحانه عنده بالدليل فلا حرج عليه. وقال الشيخ أيضاً في مجموع الفتاوى (٢٢/١٨-١٩) واختلف الناس فيمن ترك الصلاة والصوم عامداً هل يقضيه؟ فقال الأكثرون يقضيه، وقال بعضهم لا يقضيه ولا يصح فعله بعد وقته كالحج ... انتهى، ولم يزد على حكاية الخلاف. ٥- وقالوا عنه إنه قال إن الذي ينكر الإجماع لا يعتبر كافراً أو فاسقاً، وهذا كذب على الشيخ ﵀ لأنه يحترم الإجماع ويحث على التمسك

стр. 34

به وينهى عن مخالفته، قال في مجموع الفتاوى (٢٠/١٠) الحمد لله: معنى الإجماع أن يجتمع علماء المسلمين على حكم من الأحكام، وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة ... انتهى. ٦- قالوا: إنه يرى أن ذات الله مركبة بعضها يحتاج إلى بعض، وأن الله له جسم وله جهات وينتقل من مكان إلى مكان آخر، وهذا من الكذب الشنيع على شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه ﵀ في كل كتاباته ومؤلفاته يقرر مذهب السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان في أسماء الله وصفاته، وهو إثباتها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . قال في مطلع الرسالة الحموية الكبرى لما سئل: (ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات وأحاديث الصفات، فأجاب: الحمد لله رب العالمين قولنا فيها ما قاله الله ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره –انتهى من مجموع الفتاوى (٥/٥-٦) . وقال أيضاً في موضوع الحركة والانتقال في المجموع (٥/٥٧٨/٥٧٩) والذي يجب القطع به أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يصف به نفسه، فمن وصفه بمثل صفات المخلوقين في شيء من الأشياء فهو مخطئ قطعاً كمن قال إنه ينزل فيتحرك وينتقل كما

стр. 35

ينزل الإنسان من السطح إلى أسفل الدار كقول من يقول إنه يخلو منه العرش، فيكون نزوله تفريغاً لمكان وشغلاً لآخر، فهذا باطل يجب تنزيه الرب عنه، كما تقدم، وهذا هو الذي تقوم على نفيه وتنزيه الرب عنه الأدلة الشرعية والعقلية ... انتهى. وقال في موضوع الجسم والتركيب في مجموع الفتاوى (١٧/٣١٧) فمن قال إنه جسم وأراد أنه مركب من الأجزاء فهذا قول باطل، وكذلك إن أراد أنه يماثل غيره من المخلوقات فقد علم بالشرع والعقل أن الله ليس كمثله شيء في شيء من صفاته، فمن أثبت لله مثلاً في شيء من صفاته فهو مبطل، ومن قال إنه جسم بهذا المعنى فهو مبطل، ومن قال إنه ليس بجسم بمعنى أنه لا يرى في الآخرة ولا يتكلم بالقرآن وغيره من الكلام ولا يقوم به العلم والقدرة وغيرهما من الصفات، ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء، ولا عرج بالرسول ﷺ إليه، ولا يصعد إليه الكلم الطيب ولا تعرج الملائكة والروح إليه فهذا باطل، وكذلك كل من نفي ما أثبته الله ورسوله، وقال إن هذا تجسيم فنفيه باطل وتسمية ذلك تجسيماً تلبيس منه. إلى أن قال: بل لم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى لا نفياً ولا إثباتاً فليس لأحد أن يبتدع إسماً مجملاً يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع، ويعلق به دين المسلمين ... انتهى. وقال أيضاً: وهذه الألفاظ المجملة المحدثة مثل لفظ: (المركب) و (المؤلف) و (المنقسم) ونحو ذلك قد صار كل من أراد نفي

стр. 36

شيء مما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات عبر بها عن مقصوده فيتوهم من لا يعرف مراده أن المراد تنزيه الرب الذي ورد به القرآن، وهو إثبات أحديته وصمديته، ويكون قد أدخل في تلك الألفاظ ما رآه هو منفياً وعبر عنه بتلك العبارة وضعاً له واصطلاحاً اصطلح عليه هو ومن وافقه على ذلك المذهب، وليس ذلك من لغة العرب التي نزل بها القرآن ولا من لغة أحد من الأمم، ثم يجعل ذلك المعنى هو مسمى الأحد والصمد والواحد ونحو ذلك من الأسماء الموجودة في الكتاب والسنة. انتهى من مجموع الفتاوى (١٧/٣٥١-٣٥٢) . وبهذه المنقولات من كلام الشيخ ﵀ ظهر بطلان ما نسبه إليه أعداؤه الكذابون من هذه الأباطيل ... والحمد لله. ٧- قالوا إنه يرى أن القرآن حديث ليس بقديم، والجواب أن نسوق عبارة الشيخ ﵀ في هذا الموضوع، قال في مجموع الفتاوى (١٢/٥٤) إن السلف قالوا القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وقالوا لم يزل متكلماً إذا شاء، فبينوا أن كلام الله قديم أي جنسه قديم لم يزل، ولم يقل أحد منهم أن نفس الكلام المعين قديم، ولا قال أحد منهم القرآن قديم، بل قالوا إنه كلام الله منزل غير مخلوق، وإذا كان الله قد تكلم بالقرآن بمشيئته كان القرآن كلامه وكان منزلاً غير مخلوق، ولم يكن مع ذلك أزلياً قديماً بقدم الله، وإن كان الله لم يزل متكلماً إذا شاء فجنس كلامه قديم، فمن فهم قول السلف وفرق بين هذه الأقوال زالت عنه الشبهات في هذه المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض ... انتهى.

стр. 37

فتبين بهذا أن نفي القدم عن القرآن ليس رأيه وحده كما يزعم المفترون، وإنما هو رأي سلف هذه الأمة قاطبة، وأن هناك فرقاً بين جنس الكلام وأفراد الكلام، والله أعلم. ٨- قالوا إنه يقول بقدم العالم، وهذا من الكذب الصريح على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإنه لا يقول بقدم العالم، وإليك عبارته ﵀ في إبطال هذا القول ورده، قال في مجموع الفتاوى (٩/٢٨١) فإن الرسل مطبقون على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق كائن بعد أن لم يكن ليس مع الله شيء قديم بقدمه، وأنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، والعقول تعلم أن الحوادث لا بد لها من محدث، وفي الجزء الثاني من هذا المجموع المبارك في الصفحة (١٨٨) صرح بتكفير من قال بقدم العالم. ٩- قالوا إنه يقول إن الأنبياء غير معصومين، والجواب: أن هذا كذب صريح وبهتان واضح، فإن شيخ الإسلام ﵀ يقرر عصمة الأنبياء ويثبتها، وهذا نص عبارته في هذا الموضوع حيث يقول: إن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه- إلى أن قال: وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة، فللناس فيها نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع، ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها، أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها، أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط، وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أو لا.

стр. 38

والكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضع، والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقاً –انتهى من مجموع الفتاوى (١٠/٨٩، ٢٩٢، ٢٩٣) .

стр. 39

الخاتمة: وهكذا والحمد لله –وجدنا في كلام الشيخ رداً على كل ما افتراه عليه خصومه ونفياً لما نسبوه إليه، هذا يدل على غزارة علمه وإمامته، ونحن لا ندعي له العصمة، فهو كغيره من الأئمة يخطئ ويصيب. قال الإمام ابن كثير في ترجمته له في البداية والنهاية (١٤/١١٩) وأثنى عليه وعلى علومه جماعة من علماء عصره مثل القاضي الخوبي، وابن دقيق العيد، وابن النحاس، والقاضي الحنفي وقاضي قضاة مصر ابن الحريري وابن الزملكاني وغيرهم، ووجدت بخط ابن الزملكاني أنه قال: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهتها وأن له اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتدين. إلى أن قال ابن كثير: وبالجملة كان ﵀ من كبار العلماء وممن يخطئ ويصيب، ولكن خطؤه بالنسبة إلى صوابه كنقطة في بحر لجي –وخطؤه أيضاً مغفور له كما في صحيح البخاري: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) فهو مأجور، وقال الإمام مالك بن أنس: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر –انتهى١. وكما قلنا قريباً أن مؤلفات هذا العالم موجودة ومبذولة لكل من أرادها، فمن أراد أن يعرف الحقيقة بلا مكابرة فليطالعها ولا يستمع لما يقوله عنه خصومه وحساده والمغرضون المضللون، فإن العدل والإنصاف أن تحكم على الشخص من واقع كلامه المذكور في كتبه لا

стр. 40

من كلام خصومه. فأعداء الدين دائماً في صراع مع دعاء الحق الذين يردون كيدهم، ويبينون زيفهم ويظهرون للناس حقيقتهم. فقد ظهر شيخ الإسلام في عصر قد اشتدت فيه غربة الإسلام وتفرقت كلمة المسلمين، وظهرت الفرق المخالفة لما كان عليه السلف الصالح في العقائد والفروع، وخيم الجمود الفكري والتقليد الأعمى فأثر في الجو العلمي، ظهرت فرق الشيعة والصوفية المنحرفة والقبورية ونفاة الصفاة والقدرية، وطغى علم الكلام والفلسفة حتى حلا محل الكتاب والسنة لدى الأكثر من المتعلمين في الاستدلال، هذا كله في داخل المجتمع الإسلامي في ذلك العصر. ومن خارج المجتمع تكالب أعداء الإسلام فغزوا المسلمين في عقر دارهم فجاءت جيوش التتار تداهم ديار المسلمين وتفتك بهم في هذا الجو المعتم عاش شيخ الإسلام ابن تيمية ضياء لامعاً بعلمه الأصيل الغزير يدرس الطلاب ويؤلف الكتب والرسائل ويفتي في النوازل والمسائل. ويناظر المنحرفين. ويرد على المخرفين. وينازل الفرق والطوائف. فيرد على الشيعة والقدرية ويرد على علماء الكلام والفلاسفة، ويرد على المعطلة والمؤولة في الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ويرد على الصوفية المنحرفة وعلى القبوريين والمبتدعة. ويحرك أهل الجمود الفقهي والخمول الفكري برد الفقه إلى أصوله الصحيحة، ومنابعه الصافية، وتصحيح الصحيح وتزييف الزائف حتى أعاد للشريعة نقاءها وإلى العلوم الشرعية صفاءها. يظهر ذلك في مؤلفاته التي خلفها ثروة علمية هائلة، وإلى جانب مجهوده العلمي العظيم شارك في الجهاد في سبيل الله فحمل السلاح وخاض المعارك ضد التتار عدة مرات، مما كان له أطيب الأثر في تقوية معنوية المجاهدين حتى انتصروا
следующие страницы →