← Указатели

Указатели · id 12068

مصادر تلقي السيرة النبوية

محمد أنور البكري

Полный текст (90 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مصادر تلقي السيرة النبوية والعناية بها عبر القرون الثلاثة الأولى إعداد الدكتور: محمد أنور محمد علي البكري بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين، وسيد الأولين والآخرين وقائد الناس يوم الحشر المبين، صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، صاحب المثاني والقرآن الكريم، والكوثر والشفاعة يوم الحشر، والمبعوث بالحنيفية السمحة (١) ، وبعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي سيدنا محمد ﷺ ، وخير الأخلاق الحسنة خلقه الأعظم، وخير الطرق الموصلة إلى الله تعالى طريقه الأقوم (٢) ولهذا "قال الله تعالى ترغيباً للأول والآخر في اكتساب تلك المحامد والمفاخر: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] ، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] . فالقرآن الكريم كتاب الله، محكم التنزيل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعد الله تعالى بحفظه فقال جل من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] ، هذا الكتاب لا تنقضي عجائبه إلى يوم القيامة، وهو مائدة الله التي أكرم بها عباده المؤمنين الصادقين المخلصين من أمة

стр. 2

سيدنا محمد ﷺ ، منذ أن نزل به الروح الأمين على قلبه الطاهر المنير. كان هذا الكتاب، وما يزال نبع الصفا الذي نهل منه المسلمون منذ عهد الصحابة، وسيظل بإذن الله تعالى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أجمعين. وكانت آياته الأولى وما زالت هي المفتاح الذي فتح لهذه الأمة وبخاصة علماؤها كنوز الخير، وفي مقدمتهم الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، ثم من جاء بعدهم من الأتباع وأتباعهم من أهل القرون المفضلة، عليهم من الله تعالى سحائب الرحمات. لقد نبههم هذا التنزيل العزيز، ووجههم الله تعالى فيما وجههم لسيرة المصطفى، وسيد الكائنات، المبعوث رحمة للعالمين، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ، ويقول جل شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] . لهذا فقد أولوا سيرته جل عنايتهم، وغاية اهتمامهم، فلقنوها أبناءهم، ونساءهم، ومواليهم، حتى كانوا يُحفِّظونَهُمْ مَغَازِيهُ كما يُحفِّظونهم السورة من القرآن. يقول زين العابدين علي بن الحسين ﵄: "كنا نُعَلَّم مغازي رسول الله ﷺ كما نُعَلَّم السورة من القرآن" (١) . ويقول الإمام الزهري - يرحمه الله تعالى - في علم السيرة "علم الدنيا والآخرة" (٢) ، وكان إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ﵃ يقول: "كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول يا بني هذه شرف آبائكم فلا

стр. 3

تعدموا ذكرها" (١) . لقد ظهر منهم أجيال جعلت عنايتها حفظ هذه السيرة العطرة وروايتها وتدوينها وكانوا يتناقلونها جيلاً بعد جيل، وطبقة بعد طبقة بأسانيدها وطرقها المختلفة حتى توافر لدينا قدر هائل، وثروة عظيمة، وميراث صحيح عن سيرة سيد الكائنات ﷺ . ففيما يتعلق بنسبه الشريف ﷺ ، وَقَفوا عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ ، وفي قراءة شاذة: ﴿أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] ، فهو نسيب وحسيب، وسيد عظيم من ساداتهم، فهو خيرهم نفساً وخيرهم أباً (٢) ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران:٣٣-٣٤] ، فهو المصطفى من جهة الآباء والأمهات، والأجداد، والعشيرة، والقبيلة، والقوم (٣) ، فهو خيار من خيار، خرج من نكاح ولم يخرج مِنْ سِفاح، من لدن آدم إلى أن ولده أبوه وأمه (٤) . وتحدث القرآن الكريم عن طفولته ويفعه، وعناية الله له في هذه الطفولة

стр. 4

فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى:٦] ، وهي مِنَّةٌ لا يعلم قدرها إلا الله تعالى، ولم تكن لأحد قبله ولا بعده ﷺ . وأما فيما يتعلق بأخلاقه فقد أدركوا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، ولهذا عندما سئلت السيدة عائشة ﵂ عن خلقه قالت: "كان خلقه القرآن" (١) ، أي إن ما في القرآن من آداب، وفضائل، ومكارم، وخشية، وورع، وتقوى، وأخلاق كلها تتمثل في شخصيته ﵊، ولم يُمْتَنَّ بهذا على نبي ولا رسول، فأفاد أنه انفرد بهذه الأخلاق دون سائر الخلائق (٢) . وأما حديث القرآن عن رحمته ورأفته فقد أدركوها في قوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ، ولقد فاز على جميع الخلائق بهذه الرحمة "فهو الرحمة المهداة في الدنيا والآخرة" (٣) ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٤) [الأنبياء: ١٠٧] . وحديث القرآن الكريم عن المزايا التي وهبه الله إياها، حديث أكثر من أن

стр. 5

يحصى (١) ، فدفاع الله عنه، ونداؤه بوصف النبوة والرسالة، ونهي المؤمنين أن ينادوه باسمه المجرد، وتجنيد الملائكة للقتال معه وإنذارهم على لسانه، وعموم بعثته، وختمه للنبوة، وإقسام الله تعالى بحياته، وإعطاؤه السبع المثاني والقرآن العظيم، وإعطاؤه خمساً لم يعطهن أحد من قبله ولا من بعده (٢) ، وغيرها من الخصائص المشهورة التي خَصَّه الله تعالى بها دون غيره من الأنبياء والمرسلين بل جَمَعَ خصائصهم، وزاد عليهم أجمعين. ولم يقتصر القرآن الكريم على ما تقدم من ذِكْر أخباره، ونسبه، وخلقه، ورسالته، ونبوته، ورحمته، وعلو منزلته عند ربه، ومعجزاته، وذكر كثير من صفاته، بل تعدى القرآن الكريم إلى وصفه وذكر بعض أعضائه الشريفة. فقال عن وجهه الشريف: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء﴾ [البقرة:١٤٤] . وقال عن يده الشريفة: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء:٢٩] . وقال عن عينه الشريفة: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] . وقال عن صدره الشريف: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الانشراح:١] . وقال عن لسانه الشريف: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة:١٦] .

стр. 6

وقال عن قلبه الشريف: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] . وقال عن قلبه الشريف أيضًا: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤] . وقد وجَّه القرآن الكريم الصحابة إما بصريح العبارة أو بطريق الإشارة إلى سرد كثير من أخباره وفضائله، وشمائله، ومنزلته عند ربه، وفضله على جميع الخلائق ﷺ فكان حَرِيَّاً بهم أن يولوا هذه السيرة العطرة جُلَّ عنايتهم، فتخصص فريق منهم في روايتها، وبرز فريق آخر في حفظها، وبرع ثالث في تدوينها والتصنيف فيها، وهذا هو موضوع بحثنا إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق، وعليه التوكل، فهو نعم المولى ونعم الوكيل. هذا وقد جعلت هذا البحث في مقدمة وثلاثة فصول: الفصل الأول: مدخل إلى علم السيرة النبوية. وفيه مبحثان: المبحث الأول: أهمية علم السيرة النبوية في حياة المسلمين. المبحث الثاني: التعريف بالسيرة النبوية وأهم مميزاتها. الفصل الثاني: أهم مصادر السيرة النبوية وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: القرآن الكريم. المبحث الثاني: كتب الحديث الشريف (كتب السنة المطهرة) المبحث الثالث: كتب الشمائل المحمدية. المبحث الرابع: كتب الدلائل النبوية (المعجزات المحمدية) .

стр. 7

المبحث الخامس: كتب الخصائص المحمدية. المبحث السادس: كتب المغازي والسير المتخصصة. الفصل الثالث: أشهر من صنف في السيرة النبوية في القرون الثلاثة الأولى. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الرواية. المبحث الثاني: التصنيف. المبحث الثالث: التأليف. أسأله تعالى مزيد الفضل، وأن يكرمنا برضاه، ويجعل هذا البحث عنده مقبولاً، إنه نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 8

الفصل الأول: مدخل إلى عالم السيرة النبوية المبحث الأول: أهمية علم السيرة النبوية في حياة المسلمين ... الفصل الأول: المدخل إلى علم السيرة النبوية المبحث الأول: أهمية علم السيرة النبوية في حياة المسلمين إن لسيرة النبي ﷺ العطرة، سِجِلاً حافلاً بالمآثر، مليئاً بالمكرمات، مفعماً بالفضائل والدروس، إنها كثيرة المواعظ والعبر التي تنبض بالنور، وترشد إلى الخير، وتوقظ الهمم، وتشحذ العزائم، وتزيد الإيمان، وترسم الطريق إلى مرضاة الله ، وتضع المعالم أمام الدعاة والمصلحين. إنها تجسد القيم العليا والمبادئ الرفيعة في شخص النبي محمد ﷺ ، واقعاً محسوساً لحياة كريمة فاضلة، سار على هديها الصحابة الأجلاء ﵃، ومَنْ جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم بإحسان، فاستنارت العقول، وصلحت القلوب، وزكت النفوس، واستقامت الأخلاق، فكانوا بحق خير أمةٍ أُخرجت للناس. لقد كان السلف الصالح يعلِّمون أبناءهم هذه السيرة كما يعلمونهم السورة من القرآن، فنشؤوا على الفضائل، ونهضوا إلى المكارم، وطمحوا إلى معالي الأمور، واتخذوا من الرسول ﷺ مثلاً أعلى، ومناراً شامخاً، وقدوة حسنة ينالون باتباعه واقتفاء أثره والعمل بسنته خير الدنيا وسعادة الآخرة (١) . يقول تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] . ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] .

стр. 9

ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢] ، ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢] . فالسيرة النبوية هي الترجمة العملية للقرآن الكريم، وهي التطبيق الصحيح للكتاب والسنة المطهرة، في واقع الحياة على جميع محاورها، ولهذا تقول السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂:"كان خلقه القرآن". ففي العبودية والتعلق بالله كان المثل الأعلى حيث عرف ربه وعبده، وتوكل عليه حتى أتاه اليقين، وفي دعوته إلى الله تعالى دعا بالحسنى، فحاز على رضوان الله ، وفي تربيته لأصحابه كان من أرفق الناس بهم، وذلك بتوفيق وأمر من الله تعالى. وفي جهاده، وفي علاقاته، وفي بيعه وشرائه، وفي سفره وحضره، وفي طعامه وشرابه، ومع أهل بيته وجيرانه، ومع الفقراء والمساكين، والأطفال والنساء، حتى مع الجمادات والحيوانات، ومع كل شيء يحيط به، ويدخل في دائرة احتياجاته كان القدوة والمثل الكامل.... لقد كان ﷺ رحمة مهداة من المولى لجميع مخلوقاته. يقول تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] . من هنا يجمع المحدثون، والمؤرخون، وجمهور هذه الأمة، على أن السيرة

стр. 10

النبوية تجسيد حي للتاريخ الإسلامي المجيد في عصر النبوة، من الناحية العملية؛ لأن حوادثها ارتبطت بشخصه الكريم ﷺ في كل جوانب حياته العملية والفكرية والنفسية والاجتماعية، حتى الإنسانية (١) . فعلم السيرة النبوية من أشرف العلوم وأعزها وأسناها هدفاً ومطلباً، بها يعرف المسلم أحوال دينه، ونبيه ﷺ ، وما شَرَّفه المولى من أصل كريم، ثم ما أكرمه به من اختياره للوحي والرسالة، وحمل عبء الدعوة الكاملة. ثم ما قام به من بذل الجهود المتواصلة، وما عاناه من البلاء والمحن في هذا السبيل، وما حظي به ﷺ من نصرة الله وتأييده بجنود غيبية، وملائكة كرام بررة، وتوجيه الأسباب له، وإنزال البركات، وخوارق العادات (٢) . إن التاريخ لم يتحدث عن سيرة أحدٍ وصفاته، ولا عن أطوار حياة إنسان ومنهجه مثلما تحدث عن سيدنا محمد ﷺ ، وما هذا إلا لأنه جاء بالرسالة الجامعة، والدين الخاتم، فنسخ ما قبله، ولاشيء بعده. لقد انقطع بعده حديث السماء إلى الأرض، فكان خليقاً به أن يكون طرازاً من البشرية النقية الصرفة التي تعطي البشر القدوة والمثالية في الاستقامة على النهج الواضح، وجادة السواء، وسبيل التوحيد (٣) . إن الواقع اليوم وفي ظل الإمكانات الهائلة التي وفرها عصر المعلوماتية عبر

стр. 11

وسائله المختلفة، كالبرامج، والموسوعات الحديثية، والتاريخية، أو عبر وسائل الاتصال بالمكتبات العالمية، وما تزخر به من مصادر ومراجع عن المعرفة الإنسانية، وبخاصة التاريخ الإسلامي يحتم علينا أن نستثمر هذه الإمكانات والخدمات لجمع مرويات السيرة النبوية وأخبارها، وبداياتها الأولى رواية وحفظاً وتدويناً عبر العصور والعصور الثلاثة الأولى على وجه الخصوص، جيلاً بعد جيل، وطبقة بعد طبقة (١) ، اعتماداً على المراجع الصحيحة الموثوقة التي اعتمدت صحة الأسانيد والمتون. وهذا ما سوف يكون بإذن الله تعالى الاعتماد عليه في هذه الدراسة.

стр. 12

المبحث الثاني: التعريف بالسيرة النبوية وأهم مميزاتها عند تعريف كلمة السيرة لابد من الرجوع إلى كتب اللغة ومعاجمها للوقوف على مدلول هذا اللفظ عند اللغويين، وذلك لكي يتضح ما يتضمنه هذا المصطلح الذي إذا أطلق ذهب المعنى تلقائياً إلى سيرة المصطفى ﷺ . من هنا وجب التعريف بهذا المصطلح لغوياً حتى نتمكن من تعريفه بعد ذلك عند عموم المؤرخين، وعند أهل الاختصاص ممن يذهب إلى أبعد من التعريف الاصطلاحي، ليضمنه أموراً حسية ومادية، وظاهرة وباطنة عن شخص الرسول ﷺ ، وذلك ليشمل التعريف كل شيء يتعلق بالرسول ﷺ منذ ولادته حتى وفاته، في شؤون الحياة كلها؛ العقدية، والفكرية، والاجتماعية، والأخلاقية، والإنسانية. بهذا المفهوم الواسع، لا بد أن يوفر التعريف اللغوي ما يوضح هذه الحقيقة عن مصطلح السيرة النبوية، وكيف تطور ليعطي هذا المدلول الواسع الشامل عن حياة نبي الإسلام، ومنقذ البشرية، وقدوة المؤمنين في كل زمان ومكان ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . [الأحزاب:٢١] . يقول أهل اللغة: سار سَيراً، وتَسْياراً، ومَساراً، وسار السنَّةَ أو السِّيرةَ: سلكها واتبعها (١) .

стр. 13

ويقولون أيضاً: السيرَة: معناها الهيئةُ، والسنةُ، والطريقةُ، والمذهبُ، ووصفُ السلوك (١) ، ونحن في السيرة النبوية نتطرق وبشكل أساسي إلى هيئته، ووصفه ظاهراً وباطناً في باب الشمائل المحمدية والتي أشار القرآن الكريم إلى كثير منها. كما نقف طويلاً عند سنته القولية والفعلية والإقرارية في أطوار حياته بعد البعثة في كل موطن ومشهد من أحداث السيرة العطرة. ويستمتع الدارسون والمتلقون من أبناء هذه الأمة المحمدية عندما يصف المحدثون والمؤرخون سلوكه الرباني العظيم مع ربه أولاً، ثم مع أتباعه من الأصحاب والأحباب وخاصة مع أهل بيته، وخدمه، ومواليه، حتى مع دوابه ﷺ . ويقولون أيضاً: استارَ بسَيرْ فُلاَن، أي مشى على خطته واستن بسنته (٢) ونحن أمة محمد ﷺ مطالبون بالسير على خطاه، وباتباع سننه بقدر المستطاع؛ حتى ننال الأجر والثواب: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ، ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٢] . وآيات الطاعة والاتباع والتعزير والتوقير كثيرة في كتاب الله الحكيم، فلا يكمل إيمان المسلم إلا إذا كان اللهُ ورسولهُ أحَبَّ إليه مما سواهما.

стр. 14

ولا يكمل إيمان المرء المسلم إلا إذا قدّم محبة هذا النبي ﷺ على محبة والديه وولده ونفسه والناس أجمعين، كما في حديث أنس ﵁ المتفق عليه وحديث أبي هريرة وحديث عمر بن الخطاب ﵄ عند البخاري (١) . أما تعريف السيرة عند عموم المؤرخين وفي حالة الإطلاق: فهو يعني التعرض إلى كل الأحداث المبكرة من تاريخ الإسلام، وعلى التحديد بدايةً من بعثته ﷺ ، وبدء رسالته، وانتشار الإسلام، كما يقصد بها تاريخ الجهاد لنشر الدعوة الإسلامية، وإقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، والتي جمعت الناس تحت لوائه، حتى أصبحوا أمة واحدةً، لم تلبث بعد فترة وجيزة أن خرجت خارج حدود المدينة المنورة لتُؤَسِّس الدولة الفتية، التي عاصمتها المدينة المنورة، وما لبثت بعد وفاته أن خرجت حتى خارج حدود جزيرة العرب (٢) . تعريف السيرة عند أهل الاختصاص: ولو أردنا أن نعرف مصطلح السيرة عند أهل الاختصاص من المحدِّثين والمؤرخين الذين أَوْلَوْا السيرة عناية خاصة معتمدين على النصوص القرآنية الواضحة والأحاديث النبوية الثابتة نصاً ومتناً، لرأيناهم يتجاوزون به إلى ما صحَّ من الإرهاصات النبوية منذ مولده، ونشأته، وصباه، وشبابه، ومظاهر حفظ وعناية الله به ﷺ ، حتى كمل سنه أربعين، فجاءه الوحي المبارك، وأمره بتبليغ هذا الدين القويم إلى الناس كافة (٣) .

стр. 15

ثم ما لقي في سبيل ذلك من معارضة، وعنت، وتحدّ، واضطهاد، وإيذاء، ثم تطور إلى صراع ومقاومة مع المشركين أدت إلى الهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة المنورة المباركة هو وأصحابه بأمر من الله تعالى، كما في قوله: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] . ولقد جاء وصوله ﷺ إلى المدينة المنورة عندهم مشروعاً إنسانياً عظيماً كبيراً، كان مقدمة لتأسيس دولة الإسلام على المؤاخاة، وهو النظام الاجتماعي الذي لم تعرف العرب له مثيلاً من قبل، ثم تأسيس هذه الدولة على ركائز أخرى كبناء المسجد، وتوقيع المعاهدات بين سكانها وبين مَنْ جاورها، ثم الانطلاق بالدعوة نحو كل اتجاه خارج حدود المدينة المنورة. ثم جاءت بعد ذلك مرحلة مواجهة التحديات الكبرى في تلك المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام في مرحلة الدفاع في كل من بدر، وأحد، والخندق، والحديبية، حتى تغيَّرت الموازين لصالح المسلمين، وخرجوا بعد ذلك بأمر من الله تعالى لقتال الناس من أجل رفع راية التوحيد، والقضاء على مظاهر الشرك والوثنية البغيضة، التي فَرَّقَتْ الناس إلى سيد، وعبد، وشريف، ووضيع، فقاتل بعضهم بعضاً، وعاشوا قبل أن يُسْلموا ردحاً من الزمن في الفوضى والعبث. وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ لفظ السيرة عندهم يعني أيضاً المنهج النبوي، والخلق المحمدي، فيما يتعلق بصفاته، وأخلاقه ﷺ ، وما خَصَّه الله تعالى به من خصائص عظيمة، وما أيَّده به من معجزات باهرة خارجة عن المألوف والمعروف بقدرة الله .

стр. 16

وكذلك طريقة تعامله مع المسلمين نبياً مشرعاً ورسولاً قدوة في جميع الأحوال، حتى كان لهم المثل الكامل الأعلى. لقد جمعت السيرة النبوية بهذا التعريف والمفهوم الواسع عدة مزايا جعلت دراستها متعة روحية، وعقلية، وتاريخية، ونفسية، وهي إلى جانب ذلك كله ضرورية لكل مسلم ومسلمة. ذلك من أجل أن ينضموا إلى ركْب الدعاة والمصلحين ممن يقع على عاتقهم إبلاغ الناس المنهج الرباني الصحيح، الذي تلقاه هذا النبي العظيم ﷺ عن ربه تعالى، فبلَّغ ونصح الأمة حتى لقي ربه ﷺ فكان القدوة الحسنة للناس في القول والعمل، في كل تصرفاته العامة والخاصة. كما حكت لنا ذلك كتب السيرة، والشمائل، والدلائل، والخصائص، والمعجزات وما جمع فيها من الآثار، والأخبار، والقصص، والحوادث، وما جمع فيها من الأدعية، والأذكار، والمناجاة، والعمل بالليل والنهار، وما حفظت لنا هذه الكتب من جوامع كلمه ﷺ ، وما حفظه لنا بعض أصحابه وآل بيته من صفته وصفاته (١) والتي لم تحفظ كتب الأدب، والتاريخ، والأنساب صفة أكثر دقة، وأعظم استيعاباً لكائن من كان منذ أن خلق الله آدم ﵇، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها سواه. فكانت بحق أعظم وأكمل سيرة لإنسان على وجه الأرض، كيف لا، وهي السيرة المؤسسة على النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، والوثائق التاريخية، والتي جعلتها صالحة لكل زمان ومكان؟ ويكفيه أن قال عنه ربه:

стр. 17

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، وقوله تعالى: ﴿ ... بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ، وقوله ﷺ : "أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأدِيبي" (١) ، وقوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (٢) . ولهذا قالت أم المؤمنين الصدِّيقة بنت الصديق ﵂ عندما سُئلت عن خلقه ﷺ . فقالت: "كان خلقه القرآن" (٣) . والخلاصة: أننا لو أردنا أن نجمل مزايا هذه السيرة النبوية العطرة لأكمل إنسان على ظهر الوجود فإننا لن نستطيع أن نجملها في عبارات أو حتى في أشعار أو صفحات، لكن هذا كله لا يعفينا من أن نذكر قدر المستطاع أهم مميزات هذا العلم المبارك - علم السيرة النبوية- في نقاط محدودة لتكون واضحة يمكن استيعابها، وتكون ضوءاً لكل ما تقدم في هذا البحث عن السيرة النبوية ومباحثها المختلفة على النحو الآتي: أولاً- أنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل، فقد وصلت إلينا عبر أصح الطرق دقة وضبطاً ووضوحاً، بما لا يترك مجالاً للشك في وقائعها البارزة، وأحداثها الكبرى (٤) . ثانياً- أنها واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها منذ زواج أبيه عبد الله بأمه آمنة وحتى وفاته ﷺ ، مما يجعل سيرته واضحة وضوح الشمس وضياء القمر (٥) .

стр. 18

ثالثاً- أنها سيرة واقعية تحكي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة فلم تخرجه عن إنسانيته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تُضْفِ عليه الألوهية قليلاً ولا كثيراً (١) ، ولهذا ظلت سيرته المثل النموذجي للإنسان الكامل، وهي القدوة لكل من أراد أن يعيش سعيداً كريماً في نفسه وأسرته ومرضياً لربه . رابعاً - أنها سيرة شاملة لكل النواحي الإنسانية، كأب، وزوج، وقائد، وصديق، ومربّ، وداعية، وسياسي، وقبل كل ذلك نبي ورسول ﷺ (٢) . خامساً- أنها سيرة تعطي الدليل الذي لا ريب فيه عن صدق نبوته ورسالته لأنها سيرة إنسان سار بدعوته من نصر إلى نصر (٣) ، ودعا الناس إلى ربه في تأدب وخشية وشفقة ورأفة ورحمة حتى أتاه اليقين. سادساً- أنها مستوفية لكل الجزئيات والكليات التي تحويها السيرة بأدق العبارات وأشمل الأوصاف لحياته ﷺ . فصلى الله عليه وسلم كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون صلاةً كما يحب ربنا ويرضى.

стр. 19

الفصل الثاني: أهم مصادر السيرة النبوية المبحث الأول: القرآن الكريم ... الفصل الثاني: أهم مصادر السيرة النبوية خلال القرون الثلاثة الأولى المبحث الأول: القرآن الكريم لابد لأي باحث يريد أن يصنف في السيرة النبوية أو يكتب فيها أن يجعل من القرآن الكريم مصدراً أساسياً له. لقد ضم القرآن الكريم جزءاً كبيراً من أخبارها الصحيحة التي لا يتطرق إليها الشك أو الظن، وبهذا فقد وفر القرآن الكريم قدراً عظيماً من الأخبار الصحيحة للسيرة وصاحبها ﵊. لهذا فإن القرآن الكريم يعدُّ في مقدمة مصادر السيرة في حالة أي مشروع موسوعي يتعلق بتدوينها، وروايتها، وحفظها، لأن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه لفظاً بطريقة الوحي (١) ولا يأتيه الباطل، وقد وعد الله تعالى بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . فالناظر المدقق في القرآن الكريم يرى إشاراته إلى سيرته ﷺ ، إما بتصريح العبارة، أو بطريق الإشارة، أو بطريق التضمين، أو الموازنة (٢) ، فهو في ذلك أصل الأصول، ومصدر النور، ليس وراء حجته حجة، ولا مع دليله دليل، ونصه هو القاطع للخصومة، وقوله هو الفصل (٣) . ولأن الصورة الواضحة الصادقة لشخصية الرسول الكريم ﷺ في القرآن الكريم، هي أصدق ما وصلنا عنه من أخبار، وهي أصح وصفاً لحقيقة سيرته،

стр. 20

وشمائله، ودلائل نبوته، وأخلاقه، وخصائصه، وهي أوثق تقرير لما كان عليه ﷺ في جميع حالاته (١) . ففي ثنايا القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تعرضت لحياته ﷺ قبل بعثته، وأثناءها، وبعدها.... فحديث القرآن عن يُتْمِه ورد في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٦-٧] . وحديثه عن بدء نزول الوحي عليه، كما في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] . وحديثه عن حاله ﷺ عند تلقيه الوحي، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦-١٧] . وحديث القرآن عن عداوة الأعداء وخصومة الكافرين له، واتهامه بشتى أنواع المعايب في قوله تعالى (٢) : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٥-٣٦] . كذلك حديث القرآن عن بشريته واضحاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] . وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولاً﴾ [الإسراء:٩٤] .

стр. 21

كما تحدث القرآن عن أمته الأمية في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] (١) . وتحدث القرآن الكريم عن أمِّيَّته، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . أما حديث القرآن عن غزواته فقد ورد في القرآن الكريم ما يقارب (٢٨٠) آية، وهي تساوي نسبة ٤،٦٥% من كتاب الله تعالى (٢) جاء بعضها صريحاً كالغزوات الكبرى، بدر، وأحد، والخندق، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة العظيم (٣) ، كما شمل هذا التصريح بعض قضايا الجهاد، ومواجهة الخصوم والأعداء. لقد خصص القرآن الكريم قدراً وافياً للحديث عن أساليب دعوته للناس كما في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] . وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٤-٩٥] . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم:٩] .

стр. 22

وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] . ولم يقف القرآن عند ذلك، بل تعدى إلى أمر في غاية الأهمية، وهو تأييد المولى تعالى لنبيه ورعايته له في دعوته وجهاده، كما في قوله تعالى في الآيات الآتية: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] . وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] . كما أوضح القرآن الكريم على أن دينه ناسخ للأديان كلها كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران:١٩] . أمَّا إذا نظرنا إلى المساحة والحيز الذي أفرده القرآن الكريم لعلاقة الرسول ﷺ بالمشركين، وأهل الكتاب، والمنافقين، فإننا سوف نقف على قدر كبير من الآيات القرآنية تتجاوز المئات بل قد تفوق الألف آية عن هذه الجماعات، ويكفي أن نذكر بعضاً منها على سبيل المثال، لا الحصر: فعن علاقة الرسول ﷺ بالمشركين، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥] .

стр. 23

وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٤٣] . وقوله عن أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] . وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة:١٩] . وقوله تعالى عن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] . لقد تحدَّث القرآن الكريم عن حياته وسيرته، وفضائله وأخلاقه، ورحمته، وصلاته، وتهجده، ودعائه وذكره وتسبيحه، وقبلَتِهِ، وما أوحى إليه، وعلاقته بأصحابه من المهاجرين والأنصار، كما تحدث القرآن الكريم عن هجرته، وقضائه، وعن حياته العائلية حتى عن بعض الجوانب الخاصة في حياته ﷺ (١) . بل إن القرآن الكريم انفرد بشيء مهم دون المصادر كلها ألا وهو الحديث عن حالته النفسية والشعورية (٢) ، كما صَوَّرَ حسرته الباطنية، وحرقته

стр. 24

على مَن لم يؤمن مِن قومه، وهم يتساقطون في طريق جهنم واحداً بعد الآخر (١) . ولعل الصورة تكون أوضح إذا عرفنا أن القرآن الكريم أشار إلى مجمل السيرة النبوية من غير تفصيل، عندما تحدث حتى عن العرب قبل بعثته في كثير من مناحي حياتهم الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية والتركيبية، والعقائدية. كما حدثنا عن الحضارات الغائرة، والأقوام الغابرة في الجزيرة العربية، مما يعطينا فكرة صحيحة عن المجتمع الإنساني قبيل ظهور الإسلام (٢) . إن كل هذه الصور، والمواقف، والإرشادات، عن سيرته، وعن شمائله، وأخباره لتدل دلالة واضحة في الجملة والتفصيل على أن القرآن هو المعجزة الخالدة التي وَضَّحت وأظهرت نبوته ﷺ (٣) ، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وسيد العالمين.

стр. 25

المبحث الثاني: كتب الحديث الشريف (كتب السنة المطهرة) ... المبحث الثاني: كتب الحديث الشريف لقد شغلت السيرة النبوية حيزاً كبيراً من كتب الحديث الشريف، وكل من ألف في الحديث لم تخل كتبهم من ذكر ما يتعلق بحياة النبي ﷺ ، وبعثته، ودعوته، وجهاده وهجرته، ومغازيه، بل حتى عن صحابته الكرام رضوان الله عليهم أجمعين (١) . وتأتي أهمية كتب الحديث في دراسة السيرة النبوية المطهرة لأنها توضح العقائد، والآداب الإسلامية، وكثيراً من الأحكام التعبدية، والتشريعية، والأخلاقية (٢) . كما أن كثيراً من كتب الحديث تخصص أقساماً، وأبواباً وكتباً لجهاده، ومغازيه، وجوانب كثيرة من سيرته وحياته ﷺ وليس ثمة كتاب في الحديث إلا وقد خصص باباً أو كتاباً، أو ضمن الأبواب المختلفة مادة عن السيرة النبوية وحوادثها المختلفة (٣) ، غير أنها غير مرتبة حسب التتابع الزمني للأحداث (٤) . وقد استمر هذا المنهج عند المحدثين حتى بعد انفصال السيرة عن الحديث، وجعلها علماً مستقلاً عنه (٥) ؛ ذلك لأن كتب الحديث موثقة، ومنهجها أدق،

стр. 26

لذا يجب الاعتماد عليها، وتقديمها على غيرها من الكتب، حتى على روايات كتب المغازي والسير (١) . غير أن هذه الكتب وهي كتب الحديث اعتنت بجمع أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، وأحكامه، وقضاياه، ... وأفردت في الوقت نفسه أبواباً لمولده، وبعثته، وهجرته، ومغازيه ... إلا أن مقصد مؤلفي هذه الكتب كان منصَبًّا على قضية الأحكام الفقهية (٢) . وكانت مشاهد السيرة تأتي في ثناياها ليستدل بها على الحكم الشرعي، كما في أبواب حجته ﷺ ، وبعض ما وقع له من المعجزات والخوارق (٣) وهذا على سبيل المثال لا الحصر. وهنا يجب أن نشير إلى قضية مهمة، وهي أن كتب الحديث بحكم عدم تخصصها، لا تورد التفاصيل، عن مولده، ونشأته، وبعثته، وهجرته، وغزواته، وجهاده، ... وبقية أخبار حياته (٤) بل كانت تقتصر على بعض تلك الأخبار وفق منهج أهل الحديث في الرواية. لكننا نستطيع ومن خلالها أن نكوِّن فكرة شاملة، وإن كانت غير متكاملة أحياناً عن سيرته ﷺ ، لأنها رويت بالسند المتصل إلى صحابته رضوان الله عليهم، وهم أكمل وأصدق أجيال هذا التاريخ العظيم عن حياته وسيرتهصلى الله عليه وسلم (٥) .

стр. 27

كما يمكننا استكمال هذه الأخبار بتفاصيلها من كتب السيرة المتخصصة؛ التي نثق بها والتي كتبها الأوائل، لنقف على الصور الكاملة الواضحة عن أحداث السيرة النبوية (١) . لقد اتفق العلماء على أن أشهر وأقدم كتب الحديث التي زخرت بأخبار السيرة النبوية، وحياة صاحبها ﵊، هو الكتاب العظيم: موطأ الإمام مالك - يرحمه الله - (ت ١٧٩هـ) ، حيث أورد جملة من الأحاديث تتعلق بسيرة النبي ﷺ ، وأوصافه، وأسمائه، وذكر ما يتعلق بالجهاد (٢) . كذلك فعل صاحب أعظم كتاب في الحديث بعد القرآن الكريم الإمام الشهير أبو عبد الله البخاري ﵀ (ت٢٥٦هـ) في صحيحه، حيث ذكر جوانب من حياته ﷺ قبل البعثة، وبعدها، وخصص كتاباً في المغازي وآخر في الجهاد (٣) كما ذكر كثيراً من خصائصه، ودلائل معجزاته، وشمائله العطرة، بما يوازي عُشْرَ الجامع الصحيح (٤) . وهكذا سار من بعده الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ (ت٢٦١هـ) صاحب الصحيح، وهو الكتاب الثاني بعد البخاري بلا خلاف بين المسلمين، حيث اشتمل على جزء كبير من سيرته، وفضائله، وجهاده، وأفرد كتاباً سماه (كتاب الجهاد والسير) (٥) .

стр. 28

وكان كل من جاء بعدهم من أئمة هذا العلم يسير على المنهج نفسه مع اختلاف في التبويب والترتيب، كأصحاب السنن: الإمام أبي داود (ت٢٧٥هـ) ، والترمذي (ت ٢٧٩هـ) ، وابن ماجه (ت ٢٧٣هـ) ، والدارمي (ت ٢٥٥هـ) ، والإمام أحمد في المسند (ت ٢٤١هـ) (١) ، وهكذا بقية كتب الحديث، فالطبراني في كتبه الثلاثة، وصاحب المجمع، والحاكم في المستدرك. بل إن أغلب كتب المتون المعتمدة، لم تَخْلُ مِنْ ذكر لسيرة هذا النبي العظيم ﷺ ، الأمر الذي يجعل الدارس المتعمق في السيرة النبوية، وتاريخ تطورها عبر العصور، أن يجزم بأن السيرة ومروياتها، تجاوزت كتب الحديث إلى كتب الرجال والطبقات، وبخاصة طبقة الصحابة ﵃ الذين شاركوا في الغزوات النبوية، والسرايا والبعوث المختلفة (٢) . ولعله يأتي على الأمة المسلمة يوم تستطيع فيه جَمْعَ كل ما روي وكتب عن السيرة النبوية من مولده إلى وفاته في ظل الإمكانات التي توفرها الموسوعات الحديثية، وموسوعات الرجال والطبقات من خلال جهاز الحاسب الآلي (٣) ومن خلال الوقوف على القدر الكبير من المراجع والمكتبات والتي يمكن التواصل معها من خلال شبكة (الإنترنت) العالمية.

стр. 29

إن هذه الثورة (المعلوماتية) التي وفرتها الشبكة العنكبوتية سوف تجعل من السهل بإذن الله، عمل الموسوعة الضخمة التي يتطلع إليها المسلمون، سواء من كتب الحديث أو من كتب الرجال والطبقات، وكتب السيرة المتخصصة المعتمدة في هذا الميدان، تلك التي كتب أغلبها في بداية القرن الثاني الهجري بمشيئة الله تعالى.

стр. 30

المبحث الثالث: كتب الشمائل المحمدية وهي الكتب التي قصد أصحابها العناية بذكر أخلاقه، وعاداته وفضائله، وسلوكه القويم في الليل والنهار (١) ،كما تناولت آداب النبي ﷺ وصفاته الخَلْقية والخُلُقية (٢) . والشمائل فن يشتمل على صفاته السَّنيِة، ونعوته البهيَّة، وأخلاقه الزكية، التي هي وسيلةٌ إلى امتلاء القلب بتعظيمه ومحبته ﷺ ، وذلك سبب لاتباع هديه وسنته، ووسيلةٌ إلى تعظيم شرعه وملته، وتعظيم الشريعة واحترامها وسيلة إلى العمل بها والوقوف عند حدودها، والعمل بها وسيلة إلى السعادة الأبدية، والفوز برضا رب العالمين (٣) . وإذا كان من تمام الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إلى الناس من نفوسهم التي بين جنوبهم (٤) ، فقد ملأ حبه ﷺ شغاف قلوب المؤمنين، مما جعلهم يسيرون على هداه مترسمين خطاه، يصفون شمائله وأحواله، ويسجلون خلجات ذاته، وملامح صفاته ﷺ (٥) . لقد حفظ لنا الصحابة ﵃ أجمعين صوراً كاملةً شاملةً تامةَ المبنى والمعنى، جامعةً لكل لمحةٍ وخلجةٍ، وحركةٍ، وإشارة لسيدنا رسول الله ﷺ ، من مولده الشريف إلى اختياره إلى الرفيق الأعلى (٦) .

стр. 31

وموضوع الشمائل اهتم به علماء المسلمين منذ القدم، وكان أحد أغراض كتب الحديث، التي تهتم بأحوال الرسول ﷺ ، في عبادته وخلقه، وهديه، ومعاملته (١) مع كل شيء حوله في الطعام، والشراب، واللباس، والأدوات، والدواب، والسلاح، والكبير، والصغير، وعلى عدّ صفاته وأحواله جانباً من جوانب سنته الشريفة (٢) . ثم أفرد المحدثون والعلماء موضوع الشمائل في كتب مستقلة، كان في مقدمتهم أبو البختري وهب بن وهب الأسدي (ت ٢٠٠هـ) في مؤلفه "صفة النبي ﷺ " ثم أبو الحسن علي بن محمد المدائني (ت٢٢٤هـ) في كتابه "صفة النبي"، ثم كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي (ت ٢٧٩هـ) ، ثم داود بن علي الأصبهاني (ت٢٧٠هـ) في كتابه "الشمائل المحمدية" (٣) ، ثم إسماعيل القاضي المالكي (ت٢٨٢هـ) في كتابه "الأخلاق النبوية"، كذلك أبو الحسن أحمد بن فارس اللغوي (ت٢٩٥هـ) في كتابه "أخلاق النبي" (٤) . ثم جاء بعدهم في القرون التالية خلق كثيرٌ. كما نجد أن كتب الصحاح (٥) والسنن والمسانيد ضمت كثيراً من أبواب

стр. 32

الشمائل، فقد جاءت منثورةً بين أبواب العبادات والمعاملات والأخلاق، والآداب والزهد، والرقاق (١) . ولهذا فإن كتب الشمائل تعد من المصادر الأساسية في سيرة الرسول الكريم ﷺ ولا يمكن مَنْ يؤلف في السيرة أو يؤرخ لبدايتها من الرواية أو التدوين إلا أن يقف على هذه الكتب، لينهل منها ما يتعلق بأوصافه ﷺ ، وصفاته، وتصرفاته في كل حياته ودقائقه أثناء الليل وأطراف النهار لنتعرف على خُلُقِهِ (٢) وخَلْقِهِ (٣) في الظاهر والباطن، في الخاص والعام، والتي تعد كلها من دلائل نبوته ﷺ .

стр. 33

المبحث الرابع: كتب الدلائل النبوية (المعجزات المحمدية) يُعرِّف العلماء الدلائل النبوية بأنها الحجج البالغة القاطعة، والبراهين الواضحة الساطعة، الدالة على صدق وصحة نبوة سيدنا محمد ﷺ ، وعلى شمول وعموم رسالته، بدلالات واضحة لا جدل فيها (١) . وهي أيضاً المعجزات الدالة على صدقه ﷺ ، المبينة لفضله، النافية لشك المرتابين، المطمئنة لقلوب المؤمنين، الفاضحة لقلوب المنافقين، القاهرة للكافرين (٢) ، وفيها الأدلة على معجزاته وظهور آياته، والرد على من أنكر ذلك (٣) . وموضوع علم الدلائل: واسع المعنى والمضمون، يندرج تحته جُلّ علوم السيرة النبوية، كالشمائل، والخصائص، والمعجزات المعنوية والمادية، وجميع أبواب المغازي، وكل ما ورد عنه في القرآن الكريم، مما يثبت بالنص الواضح القاطع نبوته، ورسالته (٤) . بل قيل: إن القرآن الكريم بإعجازه، وبيانه، وفصاحته، وقصصه، وأخباره عن الأنبياء، وأقوامهم، وما ذكر عن الجنة، والنار، والبعث والحساب، وعن مشاهداته في الإسراء والمعراج، هو كله من دلائل نبوته بالنصوص القطعية،

стр. 34

التي لا يأتيها الباطل، ولا الشك تصديقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] . وفي هذا يقول الإمام النووي ﵀: "محمد عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، خاتم النبيين، صاحب الشفاعة العظمى، ولواء الحمد، والمقام المحمود، سيد المرسلين، المخصوص بالمعجزات الباهرة المستمرة على تكرار السنين؛ التي تحدى بها أفصح القرون، وأفحم بها المنازعين، وظهر بها خزيُ مَنْ لم يَنْقَدْ لها من المعاندين، المحفوظة من أن يتطرق إليها تغيير الملحدين، أعني بها القرآن العزيز، كلام ربنا الذي نزل به الروح الأمين؛ على قلبه ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين" (١) . بل عدَّ بعضهم صفاته الخَلقية والخُلقية الظاهرة والباطنة وجميع شمائله هي باب الدلائل على نبوته، لأن جميع الصفات الإنسانية جاءت فيه على الوجه الأكمل والمثال الأجمل، ولهذا فقد عدَّ بعضهم - وبخاصة الإمام البيهقي ﵀ (ت ٤٥٨هـ) في موسوعته العظيمة (دلائل النبوة) - كتب الدلائل هي أشمل وأعظم كتب السيرة، لما تضمنته من أخبار، ومرويات، وقصص، وحوادث، ومعجزات، وخصائص، وطبائع، وصفات خَلقية وخُلقية. بل إنَّ ما يتعلق به من بشارات، وإرهاصات، ومقدمات وكل ما يتعلق بقومه، وعشيرته، وحسبه، ونسبه، واصطفاء الله تعالى له، وفضله في الدنيا والآخرة، وما أعطاه الله فيهما لنفسه ولأمته، هي كلها دلائل واضحة على صدق نبوته وعموم رسالته المؤيدة بالمعجزات الحسية والمعنوية.

стр. 35

وتنقسم الدلائل النبوية إلى قسمين (دلائل معنوية) و (دلائل حسية) أما الدلائل المعنوية فيأتي في مقدمتها القرآن الكريم الذي هو أعظم المعجزات، وأبهر الآيات وأبين الحجج الواضحات، لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الذي تحدَّى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك (١) . كذلك من المعجزات المعنوية أخلاقه الطاهرة الكاملة مثل، حلمه، وكرمه، وشجاعته، وزهده، وقناعته، وإيثاره، وجميل صحبته، وصدقه وأمانته (٢) . أما الدلائل الحسية فهي المعجزات الواضحات، الباهرات، كانشقاق القمر (٣) ، ونبع الماء، وتكثير الطعام، وتسليم الشجر والحجر عليه، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه، وتسبيح الحصى في كفِّه، واستجابة الشجر لدعوته ﷺ (٤) . وكتكثير الطعام، لأبي بكر الصديق، وجابر بن عبد الله، وأبي طلحة، وإطعام مائة وثلاثين رجلاً من شاة واحدة، وما وجدته عائشة ﵂ من بركة الشعير ... . وكإبرائه للمرضى، كدعائه لأبي هريرة، وعبد الله بن عتيك، وسلمة بن الأكوع، وعلي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. وكإجابة دعائه ﷺ ، بهطول المطر، وبرفع الوباء عن المدينة، وبالنصر يوم بدر، ويوم الأحزاب، ودعائه ﷺ على من أكل بشماله، وعلى كسرى، ودعائه لعكاشة بأن يكون ممن يدخل الجنة من غير حساب ولا عقاب.

стр. 36

وكإخباره ﷺ عن وقائع وأحداث خارج المدينة، كإخباره بموت النجاشي، واستشهاد زيد، وجعفر وابن رواحة في غزوة مؤتة، وإخباره برسالة حاطب وبهلاك كسرى وقيصر، وعن مصارع المشركين يوم بدر، ... . وكإخباره ﷺ عَمَّن قبله من الأنبياء، كآدم ﵇، وإخباره عن إبراهيم ﵇، وقصة موسى مع قومه، وإخباره عن أيوب ﵇ وداود وسليمان ﵉، ... . وكإخباره ﷺ عن الأمم السابقة، كإخباره بقصة الثلاثة الذين حُبسوا في الغار، وقصة جريج، ومن تكلم في المهد، وقصة أصحاب الأخدود، ووصف هلاك الأمم السابقة، ... . وكإخباره ﷺ عن الأحداث التي ستقع بعد وفاته، وإخباره عن الملاحم وأشراط الساعة الصغرى، وكذلك إخباره عن أشراطها الكبرى (١) . أما كتب الدلائل فهي تلك التي ألفها أصحابها بقصد جمع المعجزات النبوية التي ظهرت على يدي النبي ﷺ ، مما يدل على صدق نبوته كما تقدم في التعريف. وقد ضمت كتب الحديث كثيراً من ذلك (٢) وقد شملت المعجزات وهذه الدلائل كتباً كثيرة وأبواباً عديدة في كتب السنة المطهرة، إلا أن هناك كتباً عدة تخصصت في هذا النوع من التأليف وهو موضوع (دلائل النبوة، أو ما

стр. 37

يعرف بالمعجزات النبوية) فلا يخلو عصر من مصنف فيها ما بين مطنب وموجز، ومكثر ومقل (١) . ومن أبرز المصنفات في هذا المجال الكتب الآتية مرتبةً حسب تاريخ وفاة أصحابها للقرون الثلاثة الأولى فقط وهي المدى الزمني لهذا البحث. جدول يوضح أشهر كتب دلائل النبوة حسب التسلسل الزمني لها م ... اسم الكتاب ... المؤلف ... تاريخ الوفاة التأليف - الطبع ١ ... دلائل النبوة ... محمد بن يوسف الفريابي ... (٢١٢هـ) ٢ ... أعلام النبوة ... المأمون العباسي ... (٢١٨هـ) ٣ ... دلائل النبوة ... الحميدي عبد الله بن الزبير المكي ... (٢١٩هـ) ٤ ... آيات النبي ... علي بن محمد المدائني ... (٢٢٥هـ) ٥ ... دلائل النبوة ... أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم ... (٢٦٤هـ) ٦ ... أعلام النبوة ... داود بن علي الأصفهاني ... (٢٧٠هـ) ٧ ... أعلام النبوة ... أبو داود السجستاني ... (٢٧٥هـ) ٨ ... دلائل النبوة ... ابن قتيبة عبد الله بن مسلم ... (٢٧٦هـ) ٩ ... دلائل النبوة ... أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ... (٢٧٧هـ) ١٠ ... دلائل النبوة ... إبراهيم بن الهيثم البلدي ... (٢٧٧هـ) ١١ ... دلائل النبوة ... ابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد ... (٢٨١هـ) ١٢ ... دلائل النبوة ... إبراهيم بن إسحاق الحربي ... (٢٨٥هـ) ١٣ ... أمارات النبوة ... إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ... (٢٩٥هـ) ١٤ ... دلائل النبوة ... أبو بكر الفريابي جعفر بن محمد ... (٣٠١هـ)

стр. 38

المبحث الخامس: كتب الخصائص المحمدية ... المبحث الخامس: الخصائص المحمدية يُعرِّف العلماء الخصائص بأنها الأمور التي اختصَّ بها النبي محمد ﷺ عن غيره من الأنبياء، والأمة، وقد يشترك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معه في شيء قليل من تلك الخصائص، لكنها في مجموعها لم تكن لأحد سوى سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ (١) . الخصائص نوعان: ١- ما اختص به ﷺ عن جميع الأنبياء ﵈، وهذا لا يشاركه فيه أحد. ٢- ما اختص به ﷺ عن الأمة، وهذا قد يشاركه فيه أو في بعضه الرسل ﵈. وتشمل هذه الخصائص كل ما يتعلق بذاته الشريفة في الدنيا والآخرة من الواجبات، والمباحات، والمحرمات، والفضائل والكرامات، وما اختص به في أمته في الدنيا والآخرة أيضاً من الفضائل والكرامات والدرجات والخصوصيات (٢) . هذه الخصائص في مجموعها مادة عظيمة من موسوعة علم السيرة النبوية فهي إحدى علومها المختلفة التي لا يستغنى عنها عند تدريس السيرة النبوية.

стр. 39

وللخصائص كتب كثيرة تتناول في مضمونها جملة من الأحكام والفضائل التي اختص بها نبي الإسلام ﷺ وأمته في الدنيا والآخرة (١) . ويأتي في مقدمة مَنْ ألَّف في هذا العلم الإمام الشافعي يرحمه الله تعالى حيث تناول جملة من الخصائص النبوية باختصار في كتابيه أحكام القرآن، وكتاب النكاح، وتبع الإمام الشافعي - يرحمه الله - عدد كبير من العلماء ألفوا كتباً خاصةً في الخصائص النبوية في الفترات الزمنية اللاحقة، وهي كثيرة يمكن أن تؤلف موسوعة علمية عظيمة في هذا الباب، لكنها خارجة عن النطاق الزمني لهذا البحث.

стр. 40

المبحث السادس: كتب المغازي والسير المتخصصة وهي الكتب التي تعنى بصفة أساسية بمغازي رسول الله ﷺ وحروبه، ولا تخلو من التمهيد لذلك بالحديث عن أشياء أخرى (١) . لقد كانت المغازي النبوية محط عناية المسلمين منذ الصدر الأول، وظهرت هذه العناية واضحة عند أبناء الصحابة الكرام ﵃، وهم يسألون آباءهم عن مشاهدهم مع رسول الله ﷺ ، وذكرياتهم عنها، لأن هؤلاء الأبناء كانوا يعتزون بسابقة آبائهم أو بمواقفهم المشرفة إلى جانب النبي ﷺ (٢) . نشأت هذه المرويات أول ما نشأت أحاديث في مجالس الخاصة، وكانت تدار حول مغازي رسول الله ﷺ ، فيسأل بعض الولاة، أو الأعيان في الأمصار الكبرى، عالماً ممن اشتهر بالحفظ والرواية: كيف كانت غزوة بدر؟ ومن هم الذين استشهدوا في هذه الغزوة؟ أو ما عددهم؟ فيحدثُ القوم بما يعلم من ذلك، مسنداً الحديث إلى من أفاده إياه من الصحابة (٣) . وفي الحقيقة كانت تلك الأحاديث أحياناً تفسيراً لبعض الآيات من تاريخ تلك الوقائع والغزوات النبوية، مثل بدر، وأحد، والخندق، وحنين، وكان بعض الرواة يزيد ما عنده على ما عند الآخرين وذلك بحسب المصادر التي أمدته (٤) .
следующие страницы →