← Акыда

Акыда · id 12078

مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول)

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (49 стр.). Показаны 36–49 · переход к 41.

стр. 36

رحمه الله أيضا: أخبرنا أسد أخبرنا رجل عن ابن المبارك١. قال: قال ابن مسعود: "إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا من أوليائه يذب عنه، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن وتوكلوا على الله". قال ابن المبارك٢. وكفى بالله وكيلا ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف ٣ قال: "لأن أرد رجلا عن رأي سيئ أحب إليّ من اعتكاف شهر". أخبرنا أسد عن أبي إسحاق الحذاء عن الأوزاعي قال: كان بعض أهل العلم يقولون: "لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صدقة ولا صياما ولا جهادا ولا حجة ولا صرفا ولا عدلا". وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم. قال: ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس، ما كان لأحد أن يهتك عنهم سترا، ولا يظهر منهم عورة الله أولى بالأخذ بها أو بالتوبة عليها، فأما إذا جاهروا به ٤ فنشر العلم حياة، والبلاغ عن رسول الله ﷺ رحمة يعتصم بها على مصر ملحد. ثم روى بإسناده قال: "جاء رجل إلى حذيفة وأبو موسى الأشعري قاعد فقال: أرأيت رجلا ضرب بسيفه غضبا لله حتى قتل، أفي الجنة أم في النار؟ فقال أبو موسى في الجنة فقال حذيفة: استفهم

стр. 37

الرجل وأفهمه ما تقول١ حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فلما كان في الثالثة قال: والله لا أستفهمه. فدعا به حذيفة فقال: رويدك! وما يدريك أن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة وإن لم يصب الحق ولم يوفقه الله للحق فهو في النار. ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا". ثم ذكر بإسناده عن الحسن قال: "لا تجالس صاحب بدعة؛ فإنه يمرض قلبك". ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: "من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث: إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به فيدخله الله النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموه وإني واثق بنفسي، فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه". ثم ذكر بإسناده عن بعض ٢ السلف قال: "من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام". أخبرنا أسد قال: حدثنا كثير أبو سعيد قال: "من جلس إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه٣". أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا حماد بن زيد عن

стр. 38

أيوب قال: قال أبو قلابة: "لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم ١ تعرفون". قال أيوب: وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب. أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا زيد٢ عن محمد بن طلحة قال: قال إبراهيم: "لا تجالسوا أصحاب البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم". أخبرنا أسد بالإسناد ٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" ٤. أخبرنا أسد: أخبرنا مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن أيوب قال: "دخل على محمد بن سيرين يوما رجل فقال: يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله، لا أزيد على أن أقرأها ثم أخرج. فوضع أصبعيه في أذنيه ثم قال أحرج عليك إن كنت مسلما لما خرجت من بيتي. قال: فقال: يا أبا بكر٥ إني لا أزيد على أن أقرأ ثم أخرج، قال: فقام بإزاره يشده عليه، وتهيأ للقيام. فأقبلنا على الرجل فقلنا: قد حرج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلا من بيته؟ قال: فخرج. فقلنا: يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية، ثم خرج؟ قال: إني والله لو ظننت

стр. 39

أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكنني خفت أن يلقي في قلبي شيئا أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع". أخبرنا أسد قال: أخبرنا ضمرة ١ عن سودة قال: سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول: "ما كان عبد على هوى فتركه، إلا آل إلى ما هو شر منه". قال فذكرت هذا الحديث٢ لبعض أصحابنا فقال: تصديقه في حديث عن النبي ﷺ "يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرجع السهم إلى فوقه"٣. أخبرنا أسد قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن زيد عن أيوب قال "كان رجل يرى رأيا فرجع عنه، فأتيت محمدا فرحا بذلك أخبره فقلت: أشعرت أن فلانا ترك رأيه الذي كان يرى؟ فقال: انظروا إلى ما يتحول. إن آخر الحديث أشد عليهم من أوله يمرقون من الإسلام لا يعودون٤ إليه". ثم روى بإسناده عن حذيفة "أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفه ثم قال: إن هذا ٥ الدين قد استضاء استضاءة ٦ هذه الحصاة.

стр. 40

ثم أخذ كفا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الدين ١ كما دفنت هذه الحصاة ٢". أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده ٣ عن أبي الدرداء قال: "لو خرج رسول الله ﷺ اليوم إليكم ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة". قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى يعني الراوي عن الأوزاعي: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟ أخبرنا محمد بن سليمان بإسناده ٤ عن علي أنه قال: "تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعدكم زمان ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم٥". أخبرنا يحيى بن يحيى بإسناده٦ عن أبي سهل بن مالك عن أبيه أنه قال: "ما أعرف منكم شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة". حدثني إبراهيم بن محمد

стр. 41

بإسناده١ عن أنس قال: "ما أعرف منكم شيئا كنت أعهده على عهد رسول الله ﷺ ليس قولكم لا إله إلا الله٢". أخبرنا محمد بن سعيد قال: نا٣ أسد بإسناده ٤ عن الحسن قال: "لو أن رجلا أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا. قال: ووضع يده على خده ثم قال: إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرا ولم يدرك هذا السلف الصالح فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه فعصمه الله عن ذلك وجعل قلبه يحن إلى ذكر هذا السلف الصالح يسأل عن سبيلهم ٥ ويقتص آثارهم ويتبع سبيلهم ليعوض أجرا عظيما، فكذلك فكونوا ٦ إن شاء الله تعالى". حدثني عبد الله بن محمد بإسناده عن ميمون بن مهران ٧ قال: "لو أن رجلا نشر فيكم من السلف

стр. 42

ما عرف فيكم غير هذه القبلة". أخبرنا محمد بن قدامة الهاشمي١ بإسناده٢ عن أم الدرداء قالت: "دخل علي أبو الدرداء مغضبا فقلت له: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد ﷺ شيئا إلا أنهم يصلون جميعا" وفي لفظ٣: "لو أن رجلا تعلم الإسلام وأهمه ثم تفقده ما عرف منه شيئا". حدثني إبراهيم بإسناده٤ عن عبد الله بن عمرو قال: "لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه". قال مالك وبلغني أن أبا هريرة ﵁ تلا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً٥﴾ فقال: "والذي نفسي بيده إن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجا كما دخلوا فيه أفواجا". قف تأمل رحمك الله إذا كان هذا في زمن التابعين بحضرة أواخر الصحابة، فكيف يغتر المسلم بالكثرة، أو تشكل عليه، أو يستدل بها على الباطل؟ ثم روى ابن وضاح بإسناده عن أبي أمية قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: ﴿لا يَضُرُّكُمْ

стр. 43

مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١. قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر؛ للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله. قيل: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم" ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: "طوبى للغرباء، ثلاثا. قالوا: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل في أناس سوء كثير، من يبغضهم أكثر، ممن يحبهم٢ ". أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده٣ عن المعافري٤. قال: قال رسول الله ﷺ : "طوبى للغرباء الذين يتمسكون بكتاب الله حين ينكر٥، ويعملون بالسنة حين تطفى". أخبرنا محمد بن يحيى٦ أخبرنا أسد بإسناده٧ عن سالم بن عبد الله عن أبيه

стр. 44

أن رسول الله ﷺ قال: "بدأ الإسلام غريبا ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا كما بدأ١، فطوبى للغرباء حين يفسد الناس، ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس". نا محمد بن يحيى٢ نا أسد بإسناده٣ عن عبد الرحمن٤ أنه سمع رسول الله يقول: "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال الذين يصلحون إذا فسد ٥ الناس". هذا آخر ما نقلته من كتاب البدع والحوادث للإمام الحافظ محمد بن وضاح ﵀ فتأمل رحمك الله. أحاديث الغربة، وبعضها في الصحيح مع كثرتها، وشهرتها وتأمل إجماع العلماء كلهم أن هذا قد وقع من زمن طويل حتى قال ابن القيم ﵀: الإسلام في زماننا أغرب منه في أول ظهوره. فتأمل هذا تأملا جيدا لعلك أن تسلم من هذه الهوة الكبيرة التي هلك فيها أكثر الناس، وهي الاقتداء بالكثرة والسواد الأكبر، والنفرة من الأقل. فما أقل من سلم منه، اما أقله ما أقله! ! ولنختم ذلك٦

стр. 45

بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره"١. وفي رواية: "يهتدون بهديه ويستنون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون، ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" ٢. انتهى ما نقلته والحمد لله رب العالمين. وقد رأيت ٣ للشيخ تقي الدين رسالة كتبها وهو في السجن إلى بعض إخوانه لما أرسلوا إليه يشيرون عليه بالرفق بخصومه ليتخلص من السجن، أحببت أن أنقل أولها لعظم منفعته قال رحمه الله تعالى: الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد فقد وصلت الورقة التي فيها رسالة الشيخين الناسكين القدوتين أيدهما الله وسائر الإخوان بروح منه وكتب في قلوبهم الإيمان وأدخلهم

стр. 46

مدخل صدق وأخرجهم مخرج صدق وجعل لهم من لدنه ما ينصر ١ به من السلطان، سلطان العلم والحجة بالبيان والبرهان، وسلطان القدرة والنصرة بالسنان والأعوان وجعلهم من أوليائه المتقين وحزبه الغالبين لمن ناوأهم من الأقران، ومن الأئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان، والله محقق ذلك ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن، لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان الذي يميز الله به أهل الصدق والإيمان من أهل النفاق والبهتان، إذ قد دل كتابه على أنه لا بد من الفتنة لكل من ادعى الإيمان والعقوبة لذوي السيئات والطغيان. فقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢، فأنكر سبحانه على من ظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب الغالب، وأن مدعي الإيمان يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب، وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله. فقال تعالى ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٣. وأخبر بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة، الذي يعبد الله فيها على

стр. 47

حرف وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر من هو عليه، بل لا يثبت على الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا. فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ١. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٣. وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٤. وهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان الصابرون على الامتحان كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ٥ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . فإذا أنعم الله على الإنسان بالصبر والشكر كان جميع ما يقضي له من القضاء خيرا له كما قال النبي ﷺ : "لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له" ٦. والصبار الشكور هو المؤمن الذي ذكر الله في غير موضع من كتابه، ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشر حال؛ وكل واحد من السراء والضراء في حقه يفضي به إلى قبيح المآل. فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة التي هي من محن الأنبياء والصديقين؟

стр. 48

وفيها تثبيت أصول الدين وحفظ الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان؟ فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله والله المسؤول أن يثبتكم وسائر المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم نعمه عليكم الظاهرة والباطنة، وينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين الذين أمرنا بجهادهم والإغلاظ عليهم في كتابه المبين. انتهى ما نقلته من كلام أبي العباس ﵀ في الرسالة المذكورة، وهي طويلة١. ومن جواب له ﵀ لما سئل عن الحشيشة، ما يجب على من يدعي أن أكلها جائز؟ فقال: أكل هذه الحشيشة حرام، وهي من أخبث الخبائث المحرمة، سواء أكل منها كثيرا أو قليلا، لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين. ومن استحل ذلك فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا، لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين. وحكم المرتد أشر من حكم اليهودي والنصراني٢، وسواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة أو للخاصة الذين يزعمون أنها لقمة الذكر والفكر، وأنها تحرك العزم الساكن، وتنفع في الطريق وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر يباح للخاصة متأولا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ ٣. "فاتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا". انتهى ما نقلته من كلام الشيخ رحمه الله تعالى.

стр. 49

فتأمل كلام هذا الذي ينسب إليه عدم تكفير المعين إذا جاهر بسب دين الأنبياء وصار مع أهل الشرك ويزعم أنهم على الحق ويأمر بالمصير معهم، وينكر على من لا يسب التوحيد ويدخل مع المشركين، لأجل انتسابه إلى الإسلام. انظر كيف كفر المعين ولو كان عابدا باستحلال الحشيشة، ولو زعم حلها للخاصة الذين تعينهم على الفكرة، واستدل بإجماع الصحابة على تكفير قدامة وأصحابه إن لم يتوبوا، وكلامه في المعين وكلام الصحابة في المعين فكيف بما نحن فيه مما لا يساوي استحلال الحشيشة جزء من ألف جزء منه؟ والله أعلم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.