← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12082

مكارم الأخلاق لابن عثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه" ١, أي شروره وغوائله. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالجار والإحسان إليه وإكرامه. والجار إن كان مسلماً قريباً, كان له ثلاثة حقوق: حق الإسلام, وحق القرابة, وحق الجوار. وإن كان قريباً جاراًً, فله حقان: حق القرابة وحق الجار. وإن كان مسلماً غير قريب وهو جار فله حقان: حق الإسلام وحق الجوار. وإن كان جاراً كافراً, فله حق واحد فقط, وهو: حق الجوار. فمن مكارم الأخلاق حسن الجوار مطلقاً: أياً كان الجار, ومن كان أقرب فهو أولى. ومن المؤسف أن بعض الناس اليوم يسيئون إلى الجار أكثر مما يسيئون إلى غيره, فتجده يعتدي على جاره بالأخذ من ملكه وإزعاجه. وقد ذكر الفقهاء ﵏ في آخر باب الصلح في الفقه شيئاً من أحكام الجوار فليرجع إليه ومن مكارم الأخلاق أيضاً الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل

стр. 37

واليتامى: جمع يتيم وهو الذي مات أبوه قبل بلوغه. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى اليتامى, وكذلك النبي ﷺ حث عليه في عدة أحاديث١. ووجه ذلك: أن اليتيم قد انكسر قلبه بفقد أبيه, فهو في حاجة إلى العناية والرفق. والإحسان إلى اليتامى يكون بحسب الحال. والمساكين: هم الفقراء, وهو هنا شامل للمسكين والفقير. فالإحسان إليهم مما أمر به الشرع في آيات متعددة من القرآن, وجعل لهم حقوقاً خاصة في الفيء وغيره. ووجه الإحسان إليهم أن الفقراء أسكنهم, وأضعفهم وكسر قلوبهم, فكان من محاسن الإسلام ومكارم الأخلاق أن نحسن إليهم جبراً لما حصل لهم من النقص والانكسار. والإحسان إلى المساكين يكون بحسب الحال: فإذا كان محتاجاً إلى طعام, فالإحسان إليه بأن تطعمه, وإذا كان محتاجاً إلى كسوة, فالإحسان إليه بأن تكسوه, ويكون أيضاً بأن توليه اعتباراً, فإذا دخل المجلس, ترحب به, وتقدمه لأجل أن ترفع معنويته. فمن أجل النقص الذي قدره الله عليه بحكمته أمرنا عز

стр. 38

وجل أن نحسن إليهم. كذلك ابن السبيل وهو المسافر: وهو هنا المسافر الذي انقطع به السفر أو لم ينقطع بخلاف الزكاة, لأن المسافر غريب, والغريب مستوحش, فإذا آنسته بإكرامه والإحسان إليه, فإن هذا مما يأمر به الشرع. إذا نزل ابن سبيل بك ضيفاً, فمن مكارم الأخلاق أن تكرم ضيافته, لكن قال بعض العلماء: إنه لا يجب إكرامه بضيافته إلا في القرى دون الأمصار! ونحن نقول: بل هي واجبة في القرى والأمصار, إلا أن يكون هناك سبب, كضيق البيت مثلاً, أو أسباب أخرى تمنع أن تضيف هذا الرجل, لكن على كل حال ينبغي إذا تعذر أن تحسن الرد. ومن مكارم الأخلاق أيضاً " الرفق بالمملوك والخادم " والمملوك يشمل المملوك" الآدمي والبهيم, فالرفق بالمملوك الآدمي بأن تطعمه إذا طعمت وتكسوه إذا اكتسيت, ولا تكلفه ما لا يطيق. - والرفق من البهائم سواء كانت مما تركب, ا, تحلب أو تقتنى, يختلف بحسب ما تحتاج إليه, ففي الشتاء تجعل في الأماكن الدافئة إذا كانت لا تتحمل الحر ويؤتى لها بالطعام, وبالشراب إن لم تحصل عليه بنفسها بالرعي, وإذا كانت مما تحمل, فلا تحمل ما لا تطيق.

стр. 39

وهذا يدل على كمال الشرع ,وأنه لم ينس حتى البهائم بل جعل لها حقاً. ومن مكارم الأخلاق أيضاً ترك الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق فالفخر بالقول والخيلاء بالفعل والبغي والعدوان والاستطالة: الترفع والاستعلاء. فالإنسان منهي أن يتفاخر على غيره بقوله, فيقول: أنا العالم! أنا الغني! أنا الشجاع! وإن زاد على ذلك يستطيل على الآخرين ويقول: ماذا أنتم عندي؟ فيكون هذا فيه بغي واستطالة على الخلق. والخيلاء تكون بأفعال, يتخايل في مشيته وفي وجهه وفي رفع رأسه ورقبته إذا مشي, كأنه إلى السماء, والله وبخ من هذا الفعل فقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ . فالواجب أن تكون متواضعاً في القول وفي الفعل, لا تثن على نفسك بصفاتك الحميدة, إلا حيث دعت الضرورة أو الحاجة إلى ذلك, كقول ابن مسعود ﵁: "لو أعلم أحداً أعلم مني بكتاب

стр. 40

الله تبلغه الإبل لركبت إليه" ١, فإنه ﵁ قصد بذلك أمرين: الأول: حث الناس على تعلم كتاب الله تعالى. الثاني: دعوتهم للتلقي عنه. والإنسان ذو الصفات الحميدة لا يظن أن الناس تخفى عليهم خصاله أبداً, وساء ذكرها الناس أم لم يذكرها, بل إن الرجل إذا صار يعدد صفاته الحميد أمام الناس, سقط من أعينهم, فاحذر هذا الأمر. والبغي: العدوان على الغير ومواقعه ثلاثة بينها الرسول ﷺ في قوله: "إن دماءكم, وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" ٢, فالبغي على الخلق يكون في الأموال, والدماء والأعراض. ففي الأموال: مثل أن يدعي ما ليس له, أو ينكر ما كان عليه, أو يأخذ ما ليس له, فهذا بغي في الأموال. وفي الدماء: القتل فما دونه, كأن يعتدي على الإنسان بالجرح والقتل. وفي الأعراض: يحتمل أن يراد بالأعراض: السمعة, فيعتدي

стр. 41

عليه بالغيبة التي يشوه بها سمعته, ويحتمل أن يراد بها الزنى وما دونه, والكل محرم, فمن مكارم الأخلاق ترك الاعتداء على الأموال والدماء والأعراض. وكذلك الاستطالة على الخلق, يعني: الاستعلاء عليهم بحق أو بغير حق. فالاستعلاء على الخلق منهي عنه سواء كان بحق أو بغير حق والاستعلاء هو أن يترفع الإنسان على غيره. وحقيقة الأمر أن يكون من شكر الله عليه أن إذا منَّ عليك بفضل على غيرك من مال أو جاه أو سيادة, أو علم , أو غير ذلك, فإنه ينبغي أن تزداد تواضعاً, حتى تضيف إلى الحسن حسنى, لأن الذي يتواضع في موضع الرفعة هو المتواضع حقيقة. وقد قال النبي ﷺ : " ... وما تواضع أحد لله إلا رفعه" ١. وقال النبي ﷺ : "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا, حتى لا يفخر أحد على أحدِ, ولا يبغي أحدٌ على أحد" ٢.

стр. 42

أخلاق غير المسلمين يورد كثير من الناس أن أهل الغرب أحسن أخلاقاً منا في تعاملهم ووبيعهم وشرائهم بينما تجد الغش والكذب وإنفاق السلة بالحلف الكاذب منتشراً بين صفوفنا نحن المسلمين. وللرد على هذه الفرية نقول: قال النبي ﵊: "البينة على المدعي" ١, وما كان مشهوراً بين الناس من أن الغرب عندهم حسن الخلق في المعاملة فهذا ليس بصحيح, فإن عندهم من سوء المعاملة ما يعرفه من ذهب إليهم ونظر إليهم بعين العدل والإنصاف دون النظر إليهم بعين الإجلال, والإكبار فقد قال الشاعر: وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ... كما أن عين السخط تبدي المساويا ولقد حدثني كثير من الشباب الثقات الذين ذهبوا إلى الغرب عن أفعال من أسوأ الأخلاق, لكنهم هم إذا نصحوا فيما ينصحون فيه من البيع والشراء, فليس لأنهم ذوو أخلاق, وإنما لأنهم عباد مادة, والإنسان كلما كان أنصح في معاملة من هذه المعاملات الدنيوية كان

стр. 43

الناس إليه أقبل وإلى شراء سلعته وترويجها أسرع. فهم لا يفعلون ذلك لأنهم كاملوا الأخلاق, لكن لأنهم أصحاب مادة, ويرون من أكبر الدعايات لتنمية أموالهم أن يحسنوا المعاملة, من أجل أن يجذبوا إليهم الأعداد الكبيرة. وإلا فهم كما وصفهم الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ ١, ولا أظن أحداً أصدق وصفاً من الله للكافرين, فإنهم شر البرية, وكيف يرجى خيرٌ مقصود لذاته من قوم وصفهم الله بأنهم شر البرية, لا أعتقد أن ذلك يكون أبداً, لكن ما يوجد فيهم من الصدق والبيان, والنصح في بعض المعاملات, إنما هو مقصود لغيره عندهم, وهو الحصول على المادة والكسب, وإلا فمن رأى ظلمهم وغُشمهم واستطالتهم على الخلق في مواطن كثيرة, عرف مصداق قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ . وأما بالنسبة لما وقع من كثير من المسلمين, من الغش والكذب والخيانة في المعاملات فإن هؤلاء المسلمين نقصوا من إسلامهم وإيمانهم بقدر ما خالفوا الشريعة فيه من هذه المعاملات فلا يعني أن مخالفة بعض المسلمين وخروجهم عن إطار الشريعة في مثل هذه الأمور, لا يعني ذلك النقص في الشريعة نفسها, فالشريعة كاملة, وهؤلاء الذين أساءوا إلى شريعة الإسلام, ثم إلى إخوانهم المسلمين, هؤلاء أساءوا إلى

стр. 44

أنفسهم فقط, والعاقل لا يجعل إساءة العامل سوءاً في الشريعة التي ينتمي إليها هذا العامل. ولذلك فإنني أرجو من جميع المسلمين أن تكون لهم حملة قوية في محاربة هذه الأمور التي لا يقرها الإسلام من الكذب والخيانة والغش والخداع وما أشبه ذلك. فلا بد أن نبين للناس أن من كمال الدين كمال الخلق كما صح عن النبي ﵊ أنه قال: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" ١. وعلى هذا فكل من كان ناقص الخلق٢ فهو ناقص الدين, فكمال الدين بكمال الخلق, ولذلك فإن تأثير كامل الخلق على غيره من جَلبِهِ إلى الإسلام وإلى الدين أكبر من تأثير ذي الديانة السيئ الخلق, فإذا وفق من كان قوياً في العبادة إلى كمال الخلق كان ذلك أحسن وأكمل.

стр. 45

كمال خلق النبي ﷺ من أحسن الخلق أخلاقا؟ الرسول ﵊،وقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١ وفي الصحيح أن هشام بن حكيم سأل؟ أم المؤمنين عائشة ﵂ عن خُلق الرسول ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن. فقال: لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا" ٢!! فهو ﷺ أكمل الناس خلقا في جميع محاسن الأخلاق وجميل الخصال والأفعال. والحوادث والوقائع التي وقعت في عهد الرسول ﵊, تدل على حسن خلقه. بل إنه ﷺ ،كان حسن الخلق حتى مع الأطفال: فكان يلاطفهم ويلاعبهم, وكان يقول لأحد الأطفال: "يا أبا عمير, ما فعل النغَيْر؟ " ٣، وأبو عمير كنية لطفل وكان معه "نغير" وهو طائر صغير مثل العصفور هلك هذا النغير،فحزن عليه الصبي واغتم فكان ﵊ يلاطفه قائلا: "ماذا فعل النغير". وكذلك من حسن خلقه ﷺ , ورحمته بالخلق أن أعرابياً جاء وبال في المسجد, فزجره الناس ونهروه بشده, فنهاهم النبي عليه الصلاة

стр. 46

والسلام فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ , بذَنوب من ماء فأريق على البول, ثم دعا الأعرابي فقال له: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر إنما هي للصلاة وقراءة القرآن" ١, أو كما قال النبي ﵊. وجه حسن الخلق في هذه القصة ظاهر, فهو لم يوبخ هذا الأعرابي ولم يأمر بضربه, بل إنه تركه حتى قضى بوله, ثم أعلمه أن المساجد لا تصلح لما فعل إنما هي للصلاة, والذكر, وقراءة القرآن. وكذلك من حسن خلقه ﵊ ورحمته بالمؤمنين،أن رجلا أتى إليه ﵊, وقال: يا رسول الله هلكت!! فقال له النبي ﷺ : "وما أهلكك؟ " فقال الرجل: وقعت على امرأتي في رمضان – يعني جامعها في نهار رمضان – فقال له النبي ﵊: "فهل تجد ما تعتق به رقبه؟ " قال لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتاليين" فقال: لا. قال: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا. ثم جلس. فأتي النبي ﷺ بعرق٢ فيه تمر, فأعطاه إياه وقال له: "تصدق بهذا" فقال الرجل: على أفقر منا؟! فما بين بتيها أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه, ثم قال: "اذهب فأطعمه أهلك" ٣.

стр. 47

وحسن خلق النبي ﵊ في هذه القصة ظاهر بين: فإنه لم ينهر هذا الرجل, ولم يشتمه ولم يوبخه, لأنه جاء نادماً تائباً خائفاً, فرأى النبي ﵊ بعلمه وحكمته أن هذا الرجل لا يستحق أن يوبخ, بل يبين له الحق الذي جاء من عند الله, ويعامل بالرفق واللين وهذا من رحمته ﷺ , التي مدحه الله تعالى بها في كتابه حيث قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ وأما صفاته ﷺ فهو المقدم في كل صفه حميدة عرفت شرعاً أو طبعاً. ففي الكرم: كان ﷺ أكرم الناس, يعطي عطاءً لا يعطيه أحد من بشر, جاءه رجل فأعطاه غنما من جبلين, فرجع إلى قومه فقال: يا قوم, أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة٣. وقال جابر بين عبد الله ﵄ ما سئل رسول الله ﷺ

стр. 48

قط فقال: "لا" ١. ولما قفل رسول الله ﷺ من غزوة حنين تبعه الأعراب يسألونه, فألجؤوه إلى شجرة،فخطفت رداءه وهو على راحلته فقال: "ردوا علي ردائي أتخشون علي البخل؟ فوالله لو كان لي عدد هذه العِضاه٢ نعما, لقسمته بينكم, ثم لا تجدوني بخيلا, ولا جبانا, ولا كذوبا" ٣. وكان ﷺ يؤثر على نفسه, فيعطي العطاء ويمضي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار٤. أهدت امرأة إلى النبي ﵊ شمله منسوجة فقالت: "يا رسول الله, أكسوك هذه فأخذها النبي ﵊, محتاجا إليها, فلبسها, فرآها عليه رجل من الصحابة فقال:يا رسول الله, ما أحسن هذه! فكسنيها, فقال: "نعم" , فلما قام النبي ﵊ لامه أصحابه, فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجا إليها, ثم سألته إياها, وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه, فقال: "رجوت ربكتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها" ٥.

стр. 49

وكان كرمه ﷺ كرماً في محله, ينفق المال له وبالله, إما لفقير, أو محتاج, أو في سبيل الله, أو تأليفا على الإسلام،أو تشريعا للأمة. وفي الشجاعة: كان ﷺ أشجع الناس, وأمضاهم عزما وإقداما, كان الناس يفرون وهو ثابت, قال العباس بن عبد المطلب ﵁: لما التقى المسلمون والكفار – يعني في حنين – وولى المسلمون مدبرين, طفق الرسول ﷺ يركض بغلته نحو الكفار, وأنا آخذ بلجامها أكفها لإرادة ألا تسرع, وكان يقول حينئذ: "أنا النبي لا كذب, أنا ابن عبد المطلب" ١. وقال علي ﵁: "كنا إذا احمر البأس, ولقي القوم القومَ, اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب من العدو منه" ٢. وقال أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس, وكان أجود الناس, وكان أشجع الناس, ولقد فزع أهل المدينة ذات ليله, فانطلق ناس قبل الصوت, فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا – وقد سبقهم إلى الصوت – وهو على فرس لأبي طلحة عري, في عنقه السيف وهو يقول: "لم تراعوا٣ لم تراعوا" قال: "وجدناه

стр. 50

بحرا١ أو إنه لبحر وكان فرساً يبطأ"٢. أما لينه وحسن خلقه: فقد كان ﷺ لطيفا رحيما, فلم يكن فاحشا ولا متفحشاً٣، ولا صخاباً في الأسواق, ولا يجزي السيئة بالسيئة, ولكن يعفو ويصفح٤، قال أنس ﵁: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين والله ما قال لي أف قط ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ لي أف قط, ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ "٥.

стр. 51

وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم, ويداعب صبيانهم, ويضعهم في حجره, وربما بال الصبي في حجره, فلا يعنف١. وكان ﷺ يجيب دعوة الحر والعبد, والغني والفقير, ويعود المريض في أقصى المدينة, ويقبل عذر المعتذر٢ وكان يسمع بكاء الصبي وهو يصلي بالناس فيسرع في الصلاة مخافة أن تفتن أمه٣. و"كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب بنت رسول الله ﷺ , ولأبي العاص بن الربيع, فإذا قام حملها, وإذا سجد وضعها!! "٤. قال أبو بريده: كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذا جاء الحسن والحسين

стр. 52

– ﵉ – عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران١, فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه, ثم قال: "صدق الله ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ٢, نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" ٣. قال الحسين بن علي ﵄: سألت أبي عن سير النبي ﷺ في جلسائه فقال: "كان النبي ﷺ دائم البشر, سهل الخلق, لين الجانب, ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا عياب ولا مشاح٤ يتغافل عما لا يشتهي, ولا يؤيس منه راجيه ولا يُخيب فيه, قد ترك نفسه من ثلاث: المراء, والإكثار, وما لايعنيه, وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيبه, ولا يطلب عورته, ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه, وإذا تكلم أطرق جلساؤه, كأنما على رءوسهم الطير, فإذا سكت تكلموا, لا يتنازعون عنده الحديث, من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ, حديثهم عنده حديث أولهم, يضحك مما يضحكون منه, ويتعجب مما يتعجبون منه, ويصبر للغريب على الجفوة٥ في منطقه ومسألته, حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم٦, ويقول: "إذا رأيتم

стр. 53

طالب حاجة يطلبها فأرفدوه" ١, ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ, ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز, فيقطعه بنهي أو قيام" ٢. وفي الزهد والتقلل من الدنيا: كان النبي ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة, خيره الله تعالى بين أن يكون ملكاً نبياً أو عبداً نبياً, فاختار أن يكون عبداً نبياً, وخيره بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش وبين ما عند الله فاختار ما عند الله. قال أنس: دخلت على النبي ﷺ وهو على سرير مرمل بالشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف, فدخل عليه نفر من أصحابه ودخل عمر, فانحرف رسول الله ﷺ فلم ير عمر بين جنبيه وبين الشريط ثوباً, وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ فبكى عمر فقال له النبي ﷺ : "ما يبكيك يا عمر"؟ قال: والله إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر, وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه, وأنت يا رسول الله بالمكان الذي أرى! فقال النبي ﷺ : "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " قال عمر: بلى, قال: "فإنه كذلك" ٣.

стр. 54

هذه درر من أخلاق النبي ﷺ فاتخذوها نبراساً لكم تأتمون به وتأخذون بهديه وتسيرون على منهاجه فتهتدوا, فإن الله جبله على مكارم الأخلاق, وأمرنا بالاقتداء به. قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتََدُون﴾ ١ رزقنا الله وإياكم محبة خذا النبي ﷺ , ووفقنا إلى اتباع سنته وهديه حتى يأتينا اليقين.