← Сира

Сира · id 12084

من أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم

عبد المحسن العباد

Полный текст (91 стр.). Показаны 71–91 · переход к 76.

стр. 71

أخرجه البخاري وغيره. وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: أتى رجل النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا قال فما رأيت النبي ﷺ قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ. قال: فقال: "يا أيها الناس إن فيكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة." وعن أبي هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ماشاء". وعن أبي قتادة ﵁ عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه".

стр. 72

وعن أنس ﵁ قال: "ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي ﷺ وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه". وعن أبي قتادة قال: خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت العاص على عاتقه فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها"، وقال ﷺ :"لولا أن أشق الى أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري، ولما قام ﷺ بأصحابه ليلا يصلي بهم في رمضان خشي أن يفرض عليهم فترك الصلاة بهم، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ صلى في المسجد فصلى بصلاته الناس ثم صلى الثانية فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم

стр. 73

رسول الله فلما أصبح قال: "رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفترض عليكم وذلك في رمضان". وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم"، ولما واصل ﷺ في صيامه وعلم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك واصلو معه فنهاهم عن الوصال إشفاقا عليهم قالوا فإنك تواصل, قال: "اني لست كهيئتكم" , ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله قال: "وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" فلما أبو أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم

стр. 74

يوما ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزدتكم" كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا". فإنه ﷺ نهاهم عن الوصال رحمة بهم وشفقة عليهم فلما راجعوه في ذلك رغبة منهم في موافقته واصل بهم وكان ذلك آخر الشهر يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال وقال: "لو تأخر لزدتكم", كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا وهذا منه ﷺ إرشاد عملي وتأديب نبوي للصحابة الكرام ﵃ ليوقفهم على ضعفهم وأن الوصال يشق عليهم فيبتعدوا عنه من تلقاء أنفسهم وهذا التأديب النبوي يشبهه ما لو رأى والد ولده يحاول العبث بالنار فيعمل على تجنيبه ضررها بأن يأخذ بيده ويضع أصبعه برفق على طرف جمرة منها ليدرك مدى ضررها فيكون حذرا منها ويبتعد عن الوقوع فيها لأن والده قد أوقفه على مدى ضررها. وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم

стр. 75

السلمي ﵁ لما شمت وهو في الصلاة رجلا عطس ووجد من الصحابة إنكار عليه قال: فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: "إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" أو كما قال ﷺ . وكان ﷺ إذا بلغه عن أحد من أصحابه ما يحتاج إلى تنبيهه عليه قال في خطبة: "ما بال قوم يفعلون كذا ما بال رجال من أمتي يقولون كذا", وما أشبه ذلك, وذلك ليعدل عنه من صدر منه وليحذر الوقوع فيه من لم يباشره. ٤ـ عفوه وحلمه ﷺ : وكما كان ﷺ غاية في الرحمة والشفقة فهو غاية في العفو والحلم والصفح والصبر والتحمل.

стр. 76

وسيرته العطرة حافلة بالوقائع الدالة على ذلك. ففي الصحيحين عن جابر ﵁، قال: "غزونا مع الرسول الله ﷺ غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاة, فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها, قال: فقال رسول الله ﷺ : "إن رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده فقال لي: من يمنعك مني، قال: قلت الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني، قال: قلت الله، قال: فشام السيف فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله ﷺ ". وهذا لفظ مسلم. وعند البخاري: "ولم يعاقبه وجلس". وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها

стр. 77

قالت: "دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليكم, قالت عائشة ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة قالت: فقال رسول الله ﷺ : "مهلا يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله فقلت يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ قد قلت: وعليكم.." وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت:"ماخير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها"، وروى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس ﵁ قال:"كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة،

стр. 78

قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء." ٥– نصحه ﷺ في الدعوة إلى دين الله لما بعث الله رسوله محمداً ﷺ بالدين القويم قام بأعباء هذه المهمة على الوجه الأكمل وصبر على ما اعترضه في هذا السبيل من أذى. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب

стр. 79

فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا". إنّ هذا لهو الخلق العظيم يناله ﷺ مثل هذا الأذى وتحف به المصائب فينطلق على وجهه مهموما ثم تعرض عليه ملائكة الله القضاء على أعدائه بأن يطبقوا عليهم الاخشبين – وهما جبلا مكة – فلا يستجيب لهذا العرض ويجيب بالإجابة التي تبرهن على تمام نصحه ومحبته لأن يعبد الله

стр. 80

وحده فيقول: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا". وقد ترك ﷺ الناس على محجة بيضاء واضحة كفيلة لمن سلكها بعز الدنيا وسعادة الآخرة جاء ذلك نتيجة لاتصاف الرسول ﷺ بكمال النصح وقوة البيان ونهاية الأمانة فما من شيء يقرب إلى الله إلا دل عليه أمته ورغبها فيه كما حذرها مما يخالف ذلك فلم يقصر في ﷺ في إبلاغه شرع الله ولم يقصر في بيانه عند الإبلاغ. أخرج مسلم في صحيحه عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قيل له: "قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة، قال فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو عظم". وقد أعلن ﷺ قيامه بواجب

стр. 81

التبليغ في أعظم جمع لقيه وذلك في حجة الوداع واستشهد الناس على أنفسهم فشهدوا الشهادة الحق بإبلاغه رسالة ربه وتأديته ما أمر به على أكمل وجه ونصحه في ذلك في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﷺ الذي أخرجه مسلم في صحيحه وفيه قوله ﷺ وهو يخطب الناس يوم عرفة: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات". ولم يدع ﷺ وسيلة فيها إيضاح وإفهام للناس وحفز للهمم إلى القيام بطاعة الله والبعد عن معصيته إلا سلكها في سبيل دعوته إلى الله وتحذيراً منه من النكوب عن الشرع القويم الذي جاء به ﷺ فكان يضرب الأمثلة

стр. 82

التي تجعل الشيء المبين في صورة المحسوس المشاهد، ففي مسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وأنا النذير العريان فالنجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلتهم وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق"، وفي صحيحه أيضا عن جابر ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي" , واتفق البخاري ومسلم على إخراج هذا الحديث

стр. 83

عن أبي هريرة ﵁. وكان ﷺ إذا سئل عن شيء وكانت الأهمية لغير المسؤول عنه لفت نظر السائل برفقه وحكمته ﷺ إلى ذلك الأهم. ففي الصحيحين عن أنس ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال: "متى الساعة؟ قال: وماذا أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ فقال ﷺ : أنت مع من أحببت ". إلى غير ذلك من الوسائل التي اتبعها ﷺ في هدايته وإرشاده. ٦ – قوته وشجاعته ﷺ المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير كما قال ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه. وقد جمع الله أنواع القوة في عبده ورسوله محمد

стр. 84

صلى الله عليه وسلم, جمع له إلى القوة الإيمانية الكاملة القوة البدنية فاستعمل هذه القوة في عبادة الله وطاعته والسعي الحثيث إلى كل ما يقربه إليه وهو الأسوة والقدوة لأمته في كل خير. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا؟ ". وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة". وفي الصحيحين أيضا عن أنس رضي الله عنه

стр. 85

قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قبل الصوت فاستقبلهم النبي ﷺ قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول: لم ترعوا لم ترعوا وهو على فرس لأبي طلحة عرى ما عليه سرج في عنقه سيف فقال: لقد وجدته بحرا أو أنه لبحر". وكان رسول الله ﷺ يتقدم أصحابه في الجهاد في سبيل الله وقد شج وجهه وكسرت رباعيته ﷺ يوم أحد. وفي غزوة حنين ثبت رسول الله ﷺ حين انهزم الكثير ممن معه ففي الصحيحين عن البراء بن عازب ﵁ أن رجلا قال له: "يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر، إن هوازن كانوا قوماً رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا فأقبل الناس على

стр. 86

الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانهزم الناس فلقد رأيت رسول الله ﷺ وأبا سفيان بن الحارث آخذ في لجام بغلته البيضاء وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب". قال ابن كثير ﵀ في تفسيره بعد سياق هذا الحديث: " قلت وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة أنه في مثل هذا اليوم في حومة الوعي وقد انكشف عنه جيشه وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة الجري ولا تصلح لفر ولا كر ولا هرب وهو مع هذا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلا عليه وعلما منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به ويظهر دينه على سائر الأديان".

стр. 87

٧ – حقه ﷺ على أمته وحق أمته عليه: ولعل أن أختم هذه المحاضرة المشتملة على نماذج من أخلاقه ﷺ بالإشارة إلى مجمل حقه على أمته وحق أمته عليه ﷺ فأقول: من حقه على أمته – وقيامهم بهذا الحق عنوان سعادتهم – أن يشهدوا بأنه رسول الله حقا إلى جميع الثقلين الجن والإنس وأن شريعته باقية إلى قيام الساعة وأنها عامة لكل أحد فلا يسع أحد الخروج عنها. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار.."

стр. 88

وأن شريعته صالحة لكل زمان ومكان وأنه لا سعادة في الدنيا ولا نجاة في الآخرة إلا لمن سلك سبيله وسار على نهجه وأنه هو الأسوة والقدوة لأمته وأنه الصادق المصدوق في أخباره غائبها وماضيها ومستقبلها وأن تكون القلوب عامرة بحبه محبة أعظم من محبة النفس والوالد والولد والناس أجمعين، ومن محبته ﷺ محبة شريعته وتعظيمها وتحكيمها والتحاكم إليها كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ وأن تكون العبادة لله خالصة وعلى وفق الخطة التي رسمها رسوله ﷺ فلا يعبد الله إلا بما شرع كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وما أحسن قول أبي عثمان النيسابوري إذ يقول: "من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة".

стр. 89

وقد جمع هذه الأمور في عبارة وجيزة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث قال في بيان المراد بشهادة أن محمداً رسول الله ﷺ قال: "طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع". ومن حقه على أمته ﷺ أن تكون الألسنة رطبة بالثناء عليه بكل ما يليق به مع الحذر من الغلو الذي لا يرضاه الله ولا رسوله ﷺ ، وبالثناء على سنته وإيضاح محاسنها وبيان ضرورة الناس إلى التمسك بها وأن تكون الألسنة رطبة بالصلاة والسلام عليه ﷺ وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان، والبخيل حق البخيل من ذكر عنده النبي ﷺ فلم يصل عليه، وأرغم الله أنف من ذكر عنده النبي ﷺ فلم يصل عليه، وأبخل ممن يبخل بالدرهم والدينار من يبخل بالصلاة على النبي ﷺ عند ذكره صلوات الله وسلامه الأتمان الأكملان عليه وعلى آله

стр. 90

وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما حق الأمة عليه فهو إبلاغهم رسالة ربهم وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ , وقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ . روى البخاري في صحيحه عن ابن شهاب الزهري ﵀ أنه قال: "من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم". انتهى. وقد من الله على المؤمنين بإرسال رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وقام رسول الله ﷺ بإبلاغ الرسالة على أكمل الأحوال وأتمها وأنزل الله تعالى عليه في أواخر حياته في حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ .

стр. 91

وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات" رواه مسلم، فالذي من الله وهو الرسالة والذي على الرسول ﷺ وهو البلاغ كل منهما قد حصل على التمام والكمال أما الذي على الأمة وهو التسليم فالسعيد من وفق للقيام بذلك قولا وفعلا واعتقادا والشقي الطريد المخذول من كان بخلاف ذلك. وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا جميعا للتأدب بآداب هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وأن يمن علينا بالتوفيق لاقتفاء