أولاً: آداب الطالب في نفسه
١ - تطهير القلب من كل غش وغل وحسد وسوء معتقد أو خلق، ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه.
٢ - حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى، والعمل به، وإحياء السنة، وتنوير قلبه، وتحلية باطنه.
قال سفيان الثوري ﵀: "ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي" ١.
وقال أبو يوسف القاضي ﵀: "يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع إلاّ لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح. والعلم عبادة من العبادات وقربة من القرب" ٢.
٣ - المبادرة إلى تحصيل العلم في وقت الشباب، ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض. ويقطع ما يقدر على قطعه من العلائق الشاغلة والمانعة من تمام الطلب، وبذلك الاجتهاد والجد في التحصيل، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن أثناء الطلب.
وما أكثر الذين غرتهم خدع التسويف والتأميل من الطلبة اليوم، فتجد الطالب منهم في مرحلة الدارسة يؤجل كثيراً من الأمور المهمة كحفظ كتاب الله، وحفظ المتون، والتدرج في أساسيات العلم وغير ذلك، وذلك بحجة أنه بعد التخرج سيتفرغ لكل هذه الأمور وغيرها، ثم يفاجأ بعد التخرج من الدراسة
стр. 37
بكثير من الأعمال والمشاغل التي ما كانت تلزمه وهو طالب، إذ بعد تخرجه يصبح مدرساً، أو موظفاً ورب أسرة، وكل ذلك له مسؤولياته. ومن المقطوع به أن الشاب في مرحلة الطلب أفرغ ما يكون حيث لا علائق ولا مشكلات - في الغالب - لكن كثيراً من الطلبة يهدرون أوقاتهم في الأكل والنوم والجدل والخصومات، والاشتغال بما لا يلزمهم الاشتغال به في هذه المرحلة، عكس ما كان عليه السلف ﵏، من الجد والمثابرة والحرص على التحصيل، واغتنام الفرص والأوقات في مرحلة الطلب لحفظ العلم والتفقه فيه والعمل به.
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" ١.
٤ - أن يقنع من القوت بما تيَسَّر ومن اللباس بما يستر مثله، وإن كان خَلِقاً، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب من مفترقات الآمال. وقال الإمام الشافعي ﵀: "لا ينال أحد هذا العلم بالمال وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح" ٢.
٥ - أن يقسّم أوقات ليله ونهاره، ويغتنم ما بقي من عمره، فإن بقية العمر لا قيمة له، وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.
قال الخطيب البغدادي ﵀: "أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط
стр. 38
النهار ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود أماكن الحفظ الغرف، وكل موضع بعيد عن الملهيات. وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات، والخضرة، والأنهار، وقوارع الطرق، وضجيج الأصوات، لأنها تمنع من خلو القلب غالباً" ١.
٦ - أن يقلل من نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة عن ثمان ساعات، وهي ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل.
ولا بأس أن يريح نفسه، وقلبه، وبصره إذا كلّ شيء من ذلك، أو ضعف بتنزه في المتنزهات، بحيث يعود إلى حاله ولا يضيع عليه زمانه، ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن به، فقد قيل إنه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط وينشط البدن.
٧ - من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال بالعلم والفهم وعدم الملال أكل القدر اليسير من الحلال. وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن والفتور الحواس، وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر الأسقام البدنية، ولم يوصف أحد من الأولياء والأئمة العلماء بكثرة الأكل، ولا حُمِدَ به، وإنما يُحمد كثرة الأكل من الدواب التي لا تعقل.
стр. 39
قال أبو محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني في نونيته:
لا تحشُ بطنَك بالطعام تَسَمُّناً ... فَجُسُومُ أهلِ العلمِ غيرُ سِمانِ
أقلِلْ طعامَك ما استطعتَ فإنهُ ... نَفعُ الجُسومِ وصحَّةُ الأَبْدانِ
واملِكْ هواك بضبطِ بَطنِكَ ... إنهُ شرُّ الرِّجالِ العاجزُ البَطنَانِ
والأولى أن أكثر ما يأخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما ملأ ابن آدم وِعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لُقيمات يُقِمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامِه، وثلثٌ لشرابه، وثلث لنفَسِهِ" ١.
٨ - أن يقلل استعمال المطاعم التي هي من أسباب البلادة وضعف الحواس كالتفاح الحامض، والباقلاء، وشرب الخل وكذلك استعمال ما يسبب البلغم المبلد للذهن، المثقل للبدن، ككثرة الألبان، والسمك وأشباه ذلك. وينبغي أن يستعمل ما جعله الله تعالى سبباً لجودة الذهن كمضغ اللبان، والمصطكى حسب العادة، وأكل الزبيب بكرة، ولعق العسل ونحو ذلك.
كان الإمام الزهري (ت ١٢٤هـ.) يحث تلاميذه على حفظ الحديث، ويقول: "من أحب أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب"، وكان ﵀ يتصبح بلعق العسل ٢.
٩ - أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه ويتحرى الحلال في طعامه، وشرابه، ولباسه، ومسكنه، وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله ليستنير قلبه
стр. 40
ويصلح لقبول العلم ونوره، والنفع به، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعاً مهما أمكنه التورع، ولم تلجئه حاجة، أو يجعل حظه الجواز بل يطلب الرتبة العالية، ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه.
قال أبو الدرداء: "تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيَه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يُرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، حجاباً بينه وبين الحرام".
وعن ابن عمر قال: "إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها" ١.
وعن ميمون بن مهران: "لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال" ٢.
وعن سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال" ٣.
وأحق من يقتدى به في ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومن نظم عبد الله بن المبارك ٤:
يا طالبَ العلمِ بادِرِ الورعاَ ... وهاجرِ النومَ واهجُرِ الشبعا
١٠ - ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه، فإن تسرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه، ولا يعينه على
стр. 41
ما هو بصدده فليتلطف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكنها، فإن الأمور إن تمكنت عسُرت إزالتُها. فإن احتاج إلى من يصحبه فليكن صاحباً صالحاً ديِّناً تقياً ورِعاً ذكياً ١، كثير الخير قليل الشر، حسن المداراة قليل المماراة، إن نسي ذكَره، وإن ذكر أعانه وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبّره.
قال الزرنوجي: "وأما اختيار الشريك فينبغي أن يختار المُجد الورع، وصاحب الطبع المستقيم والمتفهم، ويفر من الكسلان والمعطل والمكثار والمفسد والفتان ٢" ٣.
стр. 42
١١ - قال الخطيب البغدادي: "يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب والعبث والتبذل في المجالس بالسخف والضحك، والقهقهة، وكثرة التنادر، وإدمان المزاح، والإكثار منه. وإنما يستجاز من المزاح يسيره ونادره، وطريفه الذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم. فأما متصله، وفاحشه، وسخيفه، وما أوغر منه الصدور، وجلب الشر فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر ويزيل المروءة" ١.
ثانياً: آداب الطالب مع شيخه ٢
١ - ينبغي للطالب أن يقدم النظر، ويستخير الله فيمن يأخذ العلم عنه، ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وليكن إن أمكن ممن كملت أهليته وتحققت شفقته، وظهرت مروءته، وعُرفت عفّته، واشتهرت صيانته، وكان أحسن تعليماً وأجود تفهيماً، ولا يرغب الطالب في زيادة علم مع نقص في ورع، أو دين، أو عدم خلق جميل. فقد رُوي عن كثير من السلف قولهم: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" ٣.
قال الخطيب: "ينبغي للمتعلم أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة وعُرف
стр. 43
بالستر والصيانة، قد رسم نفسه بآداب العلم من استعمال الصبر والحلم، والتواضع للطالبين، والرفق بالمتعلمين، ولين الجانب، ومداراة الصاحب وقول الحق، والنصيحة للخلق وغير ذلك من الأوصاف الحميدة ... " ١.
قال بدر الدين بن جماعة:"إذا سبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع يحصل غالباً والفلاح يدرك طالباً إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر، وعلى شفقته ونصحه للطلبة دليل ظاهر، وكذلك إذا اعتبرت المصنفات وجدت الانتفاع بتصنيف الأتقى والأزهد أوفر، والفلاح بالاشتغال به أكثر" ٢.
ولا يأخذ ممن أخذ علمه من بطون الأوراق، ولم يُعرف بصحبة المشايخ الحذاق. وقال بعضهم: "من أعظم البلية تشييخ الصُّحُفِيَّة - أي الذين تعلموا من الصحف".
وقال ثور بن يزيد: "لا يفتى الناس الصحفيون". وقال أبو زرعة: "لا يفتى الناس صحفي ولا يقرئهم مصحفي" ٣.
٢ - تقديره وتواضعه وإجلاله لشيخه، وبذل الجهد في خدمته وعدم التقدم بين يديه.
قال الإمام شعبة بن الحجاج الواسطي (ت ١٦٠هـ.) :
"كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنتُ له عبداً ما حيي" ٤.
стр. 44
ويعظم حرمته، ويرد غيبته، ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس. وينبغي أن يدعوا له، وأن يرعى له حقه في ذريته وأقاربه من بعده ١.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: "وينبغي للمتعلم أن يحسن الأدب مع معلمه، ويحمد الله إذ يسر له من يعلمه من جهله، ويحييه من موته، ويوقظه من سِنَتِه، وينتهز الفرصة كل وقت في الأخذ عنه، ويكثر الدعاء له حاضراً وغائباً ... " ٢.
٣ - ملازمته لشيخه للاستفادة من أدبه وأخلاقه وسمته.
قال أبو الدرداء: "مِن فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم" ٣.
وقال إبراهيم النخعي (ت ٩٦هـ.) :
"كنا نأتي مسروقاً فنتعلم من هديه ودلِّه".
وعن ابن وهب قال: "ما تعلمت من أدب مالك أفضل من علمه".
ولقد أحسن عبد الله بن المبارك حيث يقول ٤:
أيُّها الطالب عِلماً ... ائتِ حمادَ بنَ زَيْدِ
فَالْتَمِسْ حِلْماً وعِلْماً ... ثمَّ قيِّدْهُ بِقَيْدِ
٤ - أن يتأدب في الجلوس بين يديه ويشد ذهنه إليه ويُحضر له كامل حواسه، ولا يقصر في الإصغاء فيتشاغل بفكر، أو حديث أو نحو ذلك. وعن الحسن بن
стр. 45
علي ﵄ قال لابنه: "يا بُنيّ! إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثاً وإن طال حتى يمسك" ١.
٥ - أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه، أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته، وحسن عقيدته، ويحمل أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن محمل، ويتأولها على أحسن تأويل، والتماس العذر له ٢.
عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب ﵁ قال:
"إن من حق العالم ألا تُكثر عليه بالسؤال، ولا تُعنته في الجواب، وألا تُلحَّ عليه إذا كسل، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشينّ له سراً، ولاتغتابنّ عنده أحداً، ولا تطلبنّ عثرته، وإن زلّ قبلت معذرته، وعليك أن توقره، وتعظمه لله، ما دام يحفظ أمر الله، ولا تجلسنّ أمامه، وإن كانت له حاجة سبقتَ القوم إلى خدمته" ٣.
٦ - إذا سمع من شيخه شيئاً قد سمعه أو يحسنه فليصغ إليه إصغاء من يسمع ذلك لأول مرة. قال عطاء بن أبي رباح (ت ١١٤هـ.) :
"إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأُريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً" ٤.
وقال أيضاً: "وإني لأسمع الشاب ليتحدث بالحديث فأسمع له كأني لم أسمع به، ولقد سمعته قبل أن يُولد" ٥.
стр. 46
ولا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة، أو جواب سؤال منه، أو من غيره، ولا يساوقه فيه" ١.
٧ - أن لا يستحي من السؤال عما أشكل عليه فهمه بتلطف وحسن خطاب وحسن أدب، ولا يسأل عن شيء في غير موضعه، وإذا سكت الشيخ عن الجواب لم يلح عليه، وإن أخطأ في الجواب تلطف في التصحيح ٢.
٨ - قال عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت ٢١٦هـ.) :
"إذا كانت في العالم خصال أربع، وفي المتعلم خصال أربع، اتفق أمرهما وتمَّ، فإن نقصت من واحد منها خصلةٌ لم يتِمَّ أمرهما. أما اللاتي في العالم: فالعقل، والصبر، والرفق، والبذل. وأما اللاتي في المتعلم: فالحرص، والفراغ، والحفظ، والعقل؛ لأن العالم إن لم يحسن تدبير المتعلم بعقله خلط عليه أمره، وإن لم يكن له صبر عليه ملَّهُ، وإن لم يرفق به بغّض إليه العلم، وإن لم يبذل له علمه لم ينتفع به. وأما المتعلم فإن لم يكن له عقل لم يفهم، وإن لم يكن له حرص لم يتعلم، وإن لم يفرِّغ للعلم قلبه لم يعقل عن معلمه، وساء حفظه، وإذا ساء حفظه كان ما يكون بينهما مثل الكتاب على الماء" ٣.
ثالثاً: آداب الطالب في درسه وبرنامجه فيه
١ - قال أبو عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣هـ.) :
"طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعدّيها، ومن تعدّاها جملة فقد تعدّى سبيل السلف - رحمهم
стр. 47
الله - ومن تعدّى سبيلهم عامداً ضلّ، ومن تعدّاه مجتهداً زلّ. فأول العلم حفظ كتاب الله جلّ وعزّ، وتفهّمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه، ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن أقول إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً، ليس من باب الفرض" ١.
وقال الحافظ ابن جماعة (ت ٧٣٣هـ.) :
"يبتدئ أولاً بكتاب الله فيتقنه حفظاً، ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه، فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها" ٢.
وقال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ.) :
"ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله ، إذ كان أجلّ العلوم وأولاها بالسبق والتقديم" ٣.
٢ - ثم يحفظ من كل فنٍّ مختصراً يجمع فيه بين طرفي الحديث وعلومه، والفقه وأصوله، والنحو والتصريف، ولا يشغله ذلك عن مدارسة القرآن وتعهده وملازمته وِرده من كل يوم أو أيامٍ أو جمعةٍ، وليحذر من نسيانه بعد حفظه، فقد ورد فيه أحاديث تزجر عنه ٤.
٣ - ثم يشتغل بشرح تلك المختصرات على المشايخ، وليحذر من الاعتماد في ذلك على الكتب أبداً، بل يعتمد في كل فن من هو أحسن تعليماً له، وأكثر تحقيقاً فيه وتحصيلاً منه، وأخبرهم بالكتاب الذي قرأه، بعد مراعاة الصفات التي تقدم ذكرها من الصلاح، والاستقامة، وحسن المعتقد، الورع ونحو ذلك ٥.
стр. 48
٤ - وليأخذ من الحفظ والشرح ما يمكنه ويطيقه حاله من غير إكثار يُملّ، ولا تقصير يُخلّ بجودة التحصيل.
قال الخطيب البغدادي: "ولا يأخذ الطالب نفسه بما لا يطيقه، بل يقتصر على اليسير الذي يضبطه ويُحكم حفظه ويُتقنه".
ثم ذكر بإسناده إلى إسماعيل بن علية قال: "كنت أسمع من أيوب خمسة أحاديث، ولو حدثني بأكثر من ذلك ما أردت".
وعن سفيان الثوري قال: "كنت آتي الأعمش ومنصوراً فأسمع أربعة أحاديث، خمسة، ثم أنصرف كراهة أن تكثر وتفلت".
وفي ترجمة سفيان الثوري في الحلية لأبي نعيم الأصبهاني:
عن زيد بن الحُباب قال: "سمعت الثوري وسأله شيخ عن حديث فأجابه، ثم عن آخر فأجابه، ثم عن ثالث فأجابه، ثم سأله في الرابعة، فقال: إنما كنت أقرأ على الشيوخ الحديثيْن والثلاثة، لا أزيد حتى أعرف العلم والعمل بها. فألح الشيخ عليه فلم يجبه. فجلس الشيخ يبكي، فقال له سفيان: يا هذا تريد ما أخذتُه في أربعين سنة تأخذه أنت في يوم واحد؟ ".
وعن شعبة أيضاً قال: "كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثيْن، فيحدثني، ثم يقول: أزيدك؟ فأقول: لا، حتى أحفظهما وأُتقنهما" ١.
وعن يونس بن يزيد قال: قال لي ابن شهاب: "يا يونس، لا تكابر العلم، فإن العلم أودية بأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي. ولا تأخذِ العلم جملةً، فإن من رام أَخْذَه جملةً ذهب عنه جملةً، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي" ٢.
стр. 49
وعن عبد الرزاق عن معمر قال: سمعت الزهري يقول: "من طلب العلم جُملةً فاتَه جملةً، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان" ١.
وعن أبي عمرو الأوزاعي قال: "عرضنا على مالك "الموطأ" في أربعين يوماً، فقال: كتاب ألفته في أربعين سنة أخذتموه في أربعين يوماً! قلما تفقهون فيه" ٢.
٥ - إذا شرح محفوظاته المختصرات وضبط ما فيها من الإشكالات والفوائد المهمات، انتقل إلى بحث المبسوطات ٣ مع المطالعة الدائمة وتعليق ما يمر به، أو يسمعه من الفوائد النفيسة والمسائل الدقيقة. ولا يستقلُّ فائدة يسمعها، أو يتهاون بقاعدة يضبط بها، بل يبادر إلى تعليقها وحفظها. ولتكن همته في طلب العلم عالية، فلا يكتفي بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا يقتنع من إرث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بيسيره، ويغتنم وقت فراغه ونشاطه، وزمن عافيته، وشرخ شبابه، ونباهة خاطره، وقلة شواغله قبل عوارض البطالة، أو موانع الرياسة ٤.
قال عمر ﵁: "تفقهوا قبل أن تسودوا" ٥.
стр. 50
وقال الشافعي: "تفقه قبل أن ترأس، فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه" ١.
٦ - أن يرغّب بقية الطلبة في التحصيل ويدلهم على مظانه ويصرف عنهم الهموم المشغلة عنه، ويهون عليهم مؤنته ويذاكرهم بما حصله من الفوائد والقواعد والضوابط، وينصحهم في الدين، فبذلك يستنير قلبه، ويزكو عمله، ومن بخل عليهم بعلمه لم يثبت عمله، وإن ثبت لم يثمر، ولا يفخر على بقية الطلبة أو يعجب بجودة ذهنه، بل يحمد الله تعالى على ذلك، ويستزيده منه بدوام شكره ٢.
٧ - التبكير بسماع الحديث، ولا يهمل الاشتغال به وبعلومه والنظر في إسناده ورجاله ومعانيه وأحكامه، ويعتني بالصحيحين، ثم السنن، والموطأ، والمسانيد، وبقية كتب الحديث، ويعتني بمعرفة صحيح الحديث، وحسنه، وضعيفه، ومسنده، ومرسله، وسائر أنواعه، فإنه أحد جناحي العالم بالشريعة، والآخر هو القرآن. ولا يكتفي بمجرد السماع، بل يعتني بالدراية أشد من اعتنائه بالرواية.
قال الخطيب البغدادي: "من أول ما ينبغي أن يستعمله الطالب شدّة الحرص على السماع، والمسارعة إليه والملازمة للشيوخ ... " ثم قال: "ويبتدئ بسماع الأمهات من كتب أهل الأثر والأصول الجامعة للسُّنن، وأحقها بالتقديم كتاب "الجامع" والمسند الصحيحان لمحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري. ومما يتلو الصحيحين سنن أبي داود، وأبي عبد الرحمن النسائي، وأبي عيسى الترمذي، وكتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، الذي شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده بنقل العدل عن العدل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 51
ثم كتب المسانيد الكبار، كمسند الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وأبي يعقوب إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، وعبد بن حُميد الكشي وغيرهما ... " إلى أن قال: "وأما موطأ الإمام مالك بن أنس فهو المقدم في هذا النوع، ويجب أن يبتدئ بذكره على كل كتاب غيره، ثم الكتب المتعلقة بعلل الحديث، منها: كتب أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي حاتم الرازي، وأبي علي الحافظ النيسابوري، وأبي الحسن الدارقطني، وكتاب "التمييز" لمسلم بن الحجاج. ثم تواريخ المحدثين وكلامهم في أحوال الرواة، مثل كتاب ابن معين، الذي يرويه عنه عباس الدوري، وكتاب خليفة بن خياط العصفري، ويعقوب بن سفيان الفسوي، وأبي خيثمة النسائي، وأبي زرعة الدمشقي، وحنبل بن إسحاق الشيباني، ومحمد بن إسحاق النيسابوري، وكتاب "الجرح والتعديل" لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ويُربي على هذه الكتب كلها "تاريخ محمد بن إسماعيل البخاري" فإذا أحرز صدراً مما ذكرناه فلا عليه أن يشتغل بالسماع والكَتْبِ للفوائد المنثورة غير المدونة المجموعة، يَعْمد إلى استيعابها دون انتخابها" اه. ملخصاً ١.
وقال الحافظ ابن عبد البر:
"واعلم - رحمك الله - أن طلب العلم في زماننا هذا، وفي بلدنا قد حاد أهله عن طريق سلفهم وسلكوا في ذلك ما لم يعرفه أئمتهم، وابتدعوا في ذلك ما بان به جهلهم وتقصيرهم عن مراتب العلماء قبلهم. فطائفة منهم تروي الحديث وتسمعه، قد رضيت بالدؤوب في جمع ما لا تفهم، وقنعت بالجهل في حمل ما لا تعلم، فجمعوا الغث والسمين، والصحيح والسقيم، والحق والكذب في كتاب واحد، وربما في ورقة واحدة. ويدينون بالشيء وضده، ولا يعرفون ما في ذلك عليهم. قد شغلوا أنفسهم بالاستكثار
стр. 52
عن التدبر والاعتبار، فألسنتهم تروي العلم، وقلوبهم قد خلت من الفهم، غاية أحدهم معرفة الكتب الغريبة، والاسم الغريب، والحديث المنكر. وتجده قد جهل ما لا يكاد يسع أحداً جهلُه من علم صلاته، وحجه، وصيامه، وزكاته. وطائفة هي في الجهل كتلك أو أشد، لم يُعْنَوا بحفظ سُنَّة ولا الوقف على معانيها، ولا بأصل من القرآن ولا اعتنوا بكتاب الله ، فحفظوا تنزيله، ولا عرفوا ما للعلماء في تأويله، ولا وقفوا على أحكامه، ولا تفقهوا في حلاله وحرامه، قد اطّرحوا علم السنن والآثار، وزهدوا فيها، وأضربوا عنها فلم يعرفوا الاجتماع من الاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عوّلوا على حفظ ما دُوّن لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان، وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم من الفتوى فيه، ويودُّن أن حظهم السلامة فيه ... " اه. مختصراً ١.
وعن عبد الله بن وهب عن مالك بن أنس قال:
"إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نور يجعله الله في القلب" ٢.
وقال الخطيب البغدادي:
"العلم هو الفهم والدراية، وليس بالإكثار والتوسع في الرواية" ٣.
وقال أيضاً:
"وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلوم كثير، ورعاتها قليل. ورب حاضر كالغائب، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء، إذ كان في اطِّراحه لحكمه بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه" ٤.
стр. 53
وروى بإسناده إلى الحسن البصري (ت ١١٠هـ.) ﵀ قال: "تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يجازيكم الله على العلم حتى تعملوا، فإن السفهاء همتهم الرواية، وإن العلماء همتهم الرعاية" ١.
وقال أبو عمر يوسف بن عبد البر (ت ٤٦٣هـ.) :
" ... أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم دون تفقه فيه ولا تدبر لمعانيه، فمكروه عند جماعة أهل العلم" ٢.
وقال أيضاً: "الذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذم الإكثار دون تفقه ولا تدبر، والمكثر لا يأمن مواقعة الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لروايته عمن يؤمن وعمن لا يؤمن" ثم ذكر بإسناده إلى ابن شبرمة قال: "أقلل الرواية وتفقه" ٣.
وقال الحافظ ابن القيم (ت ٧٥١هـ.) :
"صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطيَ عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل، ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذي أُمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة. وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل ... ، ويمده حسن القصد وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى" ٤.
стр. 54
٨ - ينبغي أن يتذاكر مع زملائه ما وقع في مجلس الشيخ من الفوائد والقواعد والضوابط وغير ذلك، وأن يعيدوا ما سمعوه بينهم، فإن في المذاكرة نفعاً عظيماً.
قال الخطيب البغدادي: "وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يبدؤون في المذاكرة من العشاء فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح" ١.
"فإن لم يجد الطالب من يذاكره ذاكر نفسه بنفسه، وكرر معنى ما سمعه ولفظه على قلبه، فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان سواء بسواء، وقل ما يفلح من يقتصر على حضور الفكر والعقل في مجلس الشيخ خاصة، ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده بالمذاكرة" ٢.
وقال ﵀: "وإذا لم يجد الطالب من يذاكره، أدام ذكر الحديث مع نفسه وكرره على قلبه" ٣.
стр. 55
ومما ورد عن السلف في المذاكرة وبيان أهميتها ما يأتي:
- عن أنس بن مالك ﵁ قال:
"كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه" ١.
- وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال:
"تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يَدرُس" ٢.
- وعن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال:
"إذا سمعتم مني حديثاً فتذاكروه بينكم" ٣.
- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
"تحدثوا وتذاكروا، فإن الحديث يذكر بعضُه بعضاً" ٤.
- وعن ابن أبي ليلى عن عطاء قال:
"كنا نكون عند جابر بن عبد الله ﵄ فيحدثنا، فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه" قال: "فكان أبو الزبير أحفظنا للحديث" ٥.
- قال أبو هريرة ﵁:
"جزأت الليل ثلاثة أجزاء: ثلثاً أصلي، وثلثاً أنام، وثلثاً أذاكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم" ٦.
- وعن ابن جرير:
"كان عمرو بن دينار يُجزى الليل ثلاثة أجزاء: ثلثاً ينام، وثلثاً يصلي، وثلثاً يذاكر فيه الحديث" ٧.
وقال عبد الله بن المعتز " من أكثر مذاكرة العلماء لم ينس ما علم، واستفاد مالم يعلم".
стр. 56
- وعن عبد العزيز بن أبي حازم قال: قال لي أبي:"كان الناس فيما مضى من الزمان الأول إذا لقي الرجل من هو أعلم منه قال: اليوم يوم غُنمي، فيتعلم منه، وإذا لقي من هو مثله قال: اليوم يوم مذاكرتي فيذاكره، وإذا لقي من هو دونه علّمه ولم يَزْهُ عليه" قال: "حتى صار هذا الزمان، فصار الرجل يعيب من فوقه ابتغاء أن ينقطع منه حتى لا يرى الناسُ أن له إليه حاجة، وإذا لقي من هو مثله لم يذاكره، فهلك الناس عند ذلك" ١.
هناك محاذير يجب على الطالب تجنبها ٢ منها:
أ - يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال بالخلافيات بين العلماء أو بين الناس مطلقاً في السمعيات أو العقليات، فإنه يحير الذهن، ويدهش العقل، بل عليه أن يتقن أولا كتاباً واحداً في فن واحد، أو كتباً في فنون إن كان يحتمل ذلك على طريقة يرتضيها له شيخه.
ب - يحذر في ابتداء طلبه من المطالعات في تفاريق المصنفات، فإنه يضيع زمانه، ويفرق ذهنه، بل يعطي الكتاب الذي يقرؤه أو الفن الذي يأخذه كليّته حتى يتقنه.
ج - وكذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب، أو من شيخ إلى شيخ من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح.
أما إذا تحققت أهليته، وتأكدت معرفته فأولى أن لا يدع فناً من علوم الشريعة
стр. 57
إلا نظر فيه، فإن ساعده القدر وطول العمر على التبحر فيه فذاك، وإلا فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك العلم.
د - يحذر من تقديم المهِمّ على الأهمّ بل الأهمّ ثم المهِمّ.
هـ - يحذر من الغفلة عن العمل الذي هو المقصود بالعلم.
و وليحذر من النظر إلى نفسه بعين الكمال والاستغناء عن المشايخ، فإن ذلك عين الجهل، وقلة المعرفة، وما يفوته أكثر مما حصله. وقد قال سعيد بن جبير ﵀: "لا يزال الرجل عالماً ما تعلّم، فإذا ترك التعلّم وظن أنه قد استغنى فهو أجهل ما يكون".
وقال ابن جماعة:
"لا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه، بل يكون حريصاً على الفائدة حيث كانت، والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها. وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم ما ليس عندهم. قال الحُميدي - وهو تلميذ الشافعي -: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر، فكنت أستفيد من المسائل، وكان يستفيد مني الحديث. وصح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين" ١.
وعن وكيع، وسفيان بن عيينة، وأبي عبد الله البخاري قالوا:
"لا يكون المحدث كاملاً أو الرجل عالماً حتى يحدث عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه" ٢.
ز - وليحذر الاشتغال بالغرائب والشواذ من العلم. قال عبد الرحمن بن مهدي: "لا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم" ٣.
стр. 58
وقال أحمد بن حنبل: "شر الحديث الغرائب التي لا يعمل بها، ولا يعتمد عليها" ١.
متى يتصدَّر للتصنيف والتأليف:
قال ابن جماعة (ت ٧٣هـ.) :
"فإذا كملت أهليته، وظهرت فضيلته، ومرّ على أكثر كتب الفن، أو المشهور منها بحثاً، ومراجعة، ومطالعة، اشتغل بالتصنيف وبالنظر في المذاهب، سالكاً الإنصاف فيما يقع له من الخلاف" ٢.
وقال أيضاً:
"والأولى أن يعتني بما يعم نفعه وتكثر الحاجة إليه، وليكن اعتناؤه بما لم يسبق إلى تصنيفه متحرياً إيضاح العبارة في تأليفه، معرضاً عن التطويل الممل، والإيجاز المخل مع إعطاء كل مصنف ما يليق به" ٣.
وقال الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ.) :
"ينبغي أن يُفرِّغ المصنف للتصنيف قلبه، ويجمع له همَّه، ويصرف إليه شغله، ويقطع به وقته ... ".
ثم قال:
"ولا يضع من يده شيئاً من تصانيفه إلا بعد تهذيبه وتحريره، وإعادة تدبره وتكريره" ٤.
وقال أيضاً:
"قلَّ ما يتمهر في علم الحديث، ويقف على غوامضه، ويستثير الخفي من فوائده، إلا من جمع متفرقه، وألف مشتته، وضم بعضه إلى بعض، واشتغل بتصنيف أبوابه، وترتيب أصنافه، فإن ذلك الفعل مما يقوّي النفس، ويثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البيان،
стр. 59
ويكشف المتشبه، ويوضح الملتبس، ويكسب أيضاً جميل الذكر وتخليده إلى آخر الدهر" ١.
وقال ابن جماعة:
"الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف - لكن مع تمام الفضيلة وكمال الأهلية - يُطلع على حقائق الفنون، ودقائق العلوم للاحتياج إلى كثرة التفتيش، والمطالعة، والتنقيب، والمراجعة، وهو كما قال الخطيب البغدادي: يثبت الحفظ، ويذكي القلب، يشحذ الطبع، ويجيد البيان، ويكسب جميل الذكر وجزيل الأجر، ويخلده إلى آخر الدهر" ٢.
стр. 60
الملحق الأول: طريقة تعليم المتعلم، وإرشاد المعلم في تعليمه
(كما يراها ابن خلدون، وابن بدران، وابن باديس)
أولاً: طريقة تعليم المتعلم
١- قال عبد الرحمن بن محمد بن خلدون (ت ٨٠٨هـ.) :
"اعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج شيئاً فشيئاً، وقليلاً قليلاً. يُلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأتها لفهم الفن وتحصيل مسائله. ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه، وإلى أن ينتهي إلى آخر الفن، فتجود ملكته، ثم يرجع به وقد شدَّ فلا يترك عويصاً ولا مهماً ولا مغلقاً إلا وضّحه وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته" ١ ثم قال: "هذا وجه التعليم المفيد، وهو كما رأيت إنما يحصل في
стр. 61
ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك" ١.
٢ - قال عبد القادر بن أحمد بن بدران (ت ١٣٤٦هـ.) :
"واعلم أن للمطالعة وللتعليم طرقاً ذكرها العلماء، وإننا نثبت هنا ما أخذناه بالتجربة، ثم نذكر بعضاً من طرقهم لئلا يخلو كتابنا هذا من هذه الفوائد. إذا تمهد هذا فاعلم أننا اهتدينا بفضله تعالى أثناء الطلب إلى قاعدة، وهي أننا كنا نأتي إلى المتن أولاً، فنأخذ منه جملة كافية للدرس، ثم نشتغل بحل تلك الجملة من غير نظر إلى شرحها، ونزاولها حتى نظن أننا فهمناها، ثم نقبل على الشرح فنطالعه المطالعة الأولى امتحاناً لفهمنا، فإن وجدنا فيما فهمناه غلطاً صححناه، ثم أقبلنا على تفهّم الشرح على نمط ما فعلناه في المتن، ثم إذا ظننا أننا فهمناه راجعنا حاشيته إن كان له حاشية مراجعة امتحان لفكرنا، فإذا علمنا أننا فهمنا الدرس تركنا الكتاب واشتغلنا بتصوير مسائله في ذهننا فحفظناه حفظ فهم وتصور، لا حفظ تراكيب وألفاظ. ثم نجتهد على أداء معناه بعبارات من عندنا غير ملتزمين تراكيب المؤلف، ثم نذهب إلى الأستاذ للقراءة. وهناك نمتحن فكرنا في حل الدرس، نقوّم ما عساه أن يكون من اعوجاج، ونوفر الهمة على ما يورده الأستاذ مما هو زائد على المتن والشرح. وكنا نرى أن من قرأ كتاباً واحداً من فن على هذه الطريقة سَهُلَ عليه جميع كتب هذا الفن مختصراتها ومطولاتها، وثبتت قواعده في ذهنه" ٢.
стр. 62
٣ - قال الشيخ عبد الحميد بن باديس (ت ١٣٥٩هـ.) :
"فهم قواعد العلم وتطبيقها حتى تحصل ملكة استعمالها، هذا هو المقصود من الدرس على الشيوخ، فأما توسيع دائرة الفهم والاطلاع فإنما يتوصل إليها الطالب بنفسه بمطالعته للكتب ومزاولته للتقرير والتحرير. ثم إن الدروس إنما تحصل فيها قواعد بعض العلوم، وتبقي فنون كثيرة من فنون العلم يصل إليها الطالب بمطالعته بنفسه وحده، أو مع بعض رفاقه، فلا ينتهي من مدة دراسته العلمية في الدروس إلا وقد اتسع نطاق معلوماته بفنون كثيرة. ونرى الطلاب اليوم في أكبر المعاهد - كالزيتونة - لا يخرج الطالب عن كتبه الدراسية إلى مطالعة شيء بنفسه مما يكسبه علماً أو خبرةً بالحياة، فيخرج الطالب بعد تحصيل الشهادة وهو غريب عن الحياة. فعلى الطلبة والمتولين أمر الطلبة أن يسيروا على خطة التحصيل الدرسي، والتحصيل النفسي ليقتصدوا في الوقت ويتسعوا في العلم، ويوسعوا نطاق التفكير" ١.
ثانياً: إرشاد المعلم في تعليمه:
١- عن ذلك يقول ابن خلدون:
"وقد شاهدنا كثيراً من المعلمين في هذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته، ويُحْضِرون للمتعلم في أول تعليمه المسائل المقفلة من العلم، ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلها، ويَخلِطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها، وقبل أن يستعد لفهمها. فإن قبول العلم والاستعداد لفهمه تنشأ تدريجياً، ويكون المتعلم أول الأمر عاجزاً عن الفهم بالجملة إلا في الأقل، وعلى سبيل التقريب والإجمال والأمثال الحسية. ثم لا يزال الاستعداد فيه يتدرج قليلاً قليلاً بمخالفة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه، وإذا ألقيت عليه الغايات في البداءات وهو حينئذٍ عاجز عن الفهم والوعي،
стр. 63
وبعيد عن الاستعداد له كَلَّ ذهنه عنها وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه، فتكاسل عنه وانحرف عن قبوله، وتمادى في هجرانه، وإنما أتى ذلك من سوء التعليم" ١.
٢ - ويرى الشيخ عبد القادر بن بدران أن من أسباب تنفير الطالب من العلم:
الجهل بطرق التعليم فيقول: "وهذا وقع فيه غالب المعلّمين، فتراهم يأتي إليهم الطالب المبتدئ ليتعلم النحو مثلاً فيشغلونه بالكلام على البسملة، ثم على الحمدلة أياماً بل شهوراً ليوهموه سعة مداركهم، وغزارة علمهم. ثم إذا قدر له الخلاص من ذلك أخذوا يلقنونه متناً أو شرحاً بحواشيه وحواشي حواشيه. ويحشرون له خلاف العلماء، ويشغلونه بكلام من رد على القائل، وما أجيب به عن الرد، ولا يزالون يضربون له على ذلك الوَتَر حتى يرتكز في ذهنه أن نوال هذا الفن من قبيل الصعب الذي لا يوصل إليه" ٢.
ثم ذكر صنفاً آخر من المعلمين على عكس الصنف السابق، وهم من أنزل نفسه منزلة العلماء المحققين وجلس للتعليم، فيأتيه الطالب بكتاب مطول أو مختصر، فيتلقاه منه سرداً لا يفتح له منه مغلقاً ولا يحل له طلسماً فإذا سأله ذلك الطالب المسكين عن مشكل انتفخ أنفُه وورم، وقابله بالسب والشتم، وأشاع عنه أنه يطلب الاجتهاد.
ثم قال: "ومن هؤلاء من يقول: إنما نقرأ الكتب للتبرك بمصنفيها!! ... " ٣.
٣ - قال ابن خلدون أيضاً: "ولا ينبغي للمعلم أن يزيد متعلمه على فهم كتابه
стр. 64
الذي أكبَّ على التعلم منه بحسب طاقته، وعلى نسبة قبوله للتعليم، مبتدئاً كان أو منتهياً. ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوله إلى آخره، ويحصِّل أغراضه ويستولي منه على ملكة بها ينفذ في غيره، لأن المتعلم إذا حصّل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي، وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق، حتى يستولي على غايات العلم. وإذا خُلِطَ عليه الأمر عجز عن الفهم، وأدركه الكلال، وانطمس فكره ويئس من التحصيل، وهجر العلم والتعليم، والله يهدي من يشاء".
ثم قال: "وكذلك ينبغي لك أن لا تطول على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس، وتقطيع ما بينها لأنه ذريعة إلى النسيان، وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض، فيعسر حصول الملكة بتفريقها ... ، ومن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يُخلَط على المتعلم علمان معاً، فإنه قلّ أن يظفر بواحد منهما، لما فيه من تقسيم البال، وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر فيستغلقان معاً ... وإذا تفرغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله مقتصراً عليه، فربما كان ذلك أجد لتحصيله والله الموفق للصواب" ١.
٤ - يرى الشيخ عبد القادر بن بدران أن الواجب على المعلم إذا أراد إقراء المبتدئين أن يقرئهم متناً مختصراً، ويشرح لهم ذلك المتن بلا زيادة ولا نقصان، بحيث يفهم ما اشتمل عليه، وأن يصور مسائله في ذهنه، ولا يشغله بما زاد على ذلك.
ثم ذكر عن شيخه محمد بن عثمان الحنبلي المعروف بخطيب دوما (ت ١٣٠٨هـ.) أنه قال:
"لا ينبغي لمن يقرأ كتاباً أن يتصور أنه يريد قراءته مرة ثانية،
стр. 65
لأن هذا التصور يمنعه عن فهم جميع الكتاب، بل يتصور أنه لا يعود إليه مرة ثانية أبداً".
وكان يقول: "كل كتاب يشتمل على مسائل ما دونه وزيادة فحقق مسائل ما دونه لتوفر جدك على فهم الزيادة" اه.
ثم قال: "ولما أخذت نصيحته مأخذ القبول لم أحتج في القراءة على الأساتذة في العلوم والفنون إلى أكثر من ست سنين، فجزاه الله خيراً ... " ١.
٥ - وقال ﵀: "ثم إن الأولى في تعليم المبتدئ أن يجنبه أستاذه عن إقرائه الكتب الشديدة الاختصار العسِرة على الفهم ك- "مختصر الأصول" لابن الحاجب، و"الكافية" له في النحو، لأن الاشتغال بمثل هذين الكتابين المختصرين إخلال بالتحصيل لما فيهما وفي أمثالهما من التخليط على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم يستعد لقبولها بعد، وهو من سوء التعليم. ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها، فينقطع في فهمها حظ صالح من الوقت ... ".
ثم قال: "وحاصل الأمر أن الأستاذ ينبغي أن يكون حكيماً يتصرف في طرق التعليم بحسب ما يراه موافقاً لاستعداد المتعلم، وإلا ضاع الوقت بقليل من الفائدة، وربما لم توجد الفائدة أصلاً. وطرق التعليم أمر ذوقي، وأمانة مودعة عند الأساتذة، فمن أداها أثيب على أدائها، ومن جحدها كان مطالباً بها" ٢.
٦ - قال الشيخ عبد الحميد بن باديس (ت ١٣٥٩هـ.) : "أغلب المعلمين في
стр. 66
المعاهد الإسلامية الكبرى كالأزهر لا يتصلون بتلامذتهم، إلا اتصالاً عاماً لا يتجاوز أوقات التعليم، فيتخرج التلامذة في العلوم والفنون، لكن بدون تلك الروح الخاصة التي ينفخها المعلم في تلميذه - إذا كان للمعلم روح - ويكون لها الأثر البارز في أعماله العلمية في سائر حياته. فعلى المعلم الذي يريد أن يكوّن من تلامذته رجالاً أن يشعرهم - واحداً واحداً - أنه متصل بكل واحد منهم اتصالاً خاصاً زيادة على الاتصال العام، وأن يصدق لهم هذا بعنايته خارج الدرس بكل واحد منهم عناية خاصة في سائر نواحي حياته حتى يشعر كل واحد منهم أنه في طور تربية وتعليم، في كفالة أب روحي يعطف عليه ويُعنى به مثل أبيه أو أكثر" ١.
стр. 67
الملحق الثاني
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: "وأحسن ما رأيت في آداب التعلم والتفقه من النظم ما ينسب إلى اللؤلؤي من الرجز، وبعضهم ينسبه إلى المأمون، وقد رأيت إيراد ما ذكر من ذلك لحسنه، ولما رجوت من النفع به لمن طالع كتابي هذا، نفعنا الله وإياه به: قال:
واعلَمْ بأنَّ العلمَ بالتَّعلُّمِ ... والحفظِ والإتقانِ والتفهُّمِ
والعلمُ قد يُرزَقه الصغيرُ ... في سنِّه ويُحرَمُ الكبير
وإنَّما المرءُ بأَصْغَريْهِ ... ليس برجليْه ولا يديْهِ
لسانُه وقلبُه المركَّبُ ... في صدرِهِ وذاك خَلْقٌ عَجَبُ
والعلمُ بالفهمِ وبالمذاكرَهْ ... والدرسِ والفكرةِ والمناظرَه
فربَّ إنسانٍ يَنال الحِفْظَا ... ويُوردُ النصَّ ويَحكي اللَّفْظاَ
وما له في غيرِهِ نصيبُ ... مِمّا حواه العالمُ الأديبُ
وربّ ذي حرصٍ شديد الحبِّ ... للعلمِ والذَكر بليدِ القلبِ
معجز في الحفظِ والروايهْ ... ليستْ له عمَّن رَوَى حِكايهْ
وآخَرُ يُعطى بلا اجْتهادِ ... حفظاً لما قد جاء في الإسنادِ
يهذّه بالقلب لا بناظرهْ ... ليس بمضطرٍ إلى قَماطِرهْ
فالتمسِ العلمَ وأَجْمِل في الطلَبْ ... والعلم لا يَحسنُ إلا بالأَدَبْ
والأدبُ النافعُ حسنُ الصمتِ ... وفي كثير القولِ بعضُ المقتِ
فكُن لحسن الصمت ما حَيِيتَا ... مقارفاً تُحمد ما بقيتَ
стр. 68
وإنْ بدت بين أناسٍ مسألهْ ... معروفةٌ في العلمِ أو مُفتعَلهْ
فلا تكن إلى الجوابِ سابقا ... حتى تَرَى غيرَك فيها ناطقا
فكم رأيتُ من عجولٍ سابقِ ... من غير فهمٍ بالخطأ ناطقِ
أزرى بهِ ذلك في المجالسِ ... عند ذوي الألبابِ والتنافسِ
وقُلْ إذا أعياكَ ذاك الأمرُ ... ما لي بما تسأل عنه خُبْرُ
فذاك شطرُ العلمِ عند العلما ... كذاك ما زالتْ تقول الحُكما
والصمت فاعلم بك حقاً أزينُ ... إنْ لم يكن عندك علمٌ متقنُ
إياك والعُجبَ بفضلِ رأيِكا ... واحذر جوابَ القولِ من خطائكا
كم من جوابٍ أعقبَ الندامهْ ... فاغتَنِمِ الصمتَ مع السَّلامهْ
العلم بحرٌ منتهاه يبعدُ ... ليس له أحدٌ إليه يقصدُ
وليس كلُّ العلمِ قد حويتَه ... أجَل ولا العُشر ولو أحصيتَه
وما بَقِي عليكَ منه أكثرُ ... مما علِمتَ والجوادُ يَعْثُرُ
فكُنْ لما سمعتَهُ مستفهِما ... إن أنتَ لم تفهمْ منه الكلِما
القولُ قولانِ: فقولٌ تعقِلُهْ ... وآخرُ تسمعُهُ فتجهَلُهْ
وكلُّ قولٍ فلهُ جوابُ ... يجمعُهُ الباطلُ والصواب
وللكلامِ أولٌ وآخِر ... فافهمهما والذهنُ منك حاضرُ
فربما أَعْيا ذوي الفضائلِ ... جوابُ ما يُلقى من المسائل
فيُمسكوا بالصمتِ عن جوابه ... عند اعتراضِ الشكِّ في صوابه
ولو يكون القولُ في القياسِ ... من فضَّةٍ بيضاءَ عند الناسِ
إذا لكان الصمت من خير الذهب ... فافهم هداك الله آداب الطلبْ
стр. 69
مصادر ومراجع
...
فهرس المصادر
١- الإبانة عن شربعة الفرقة الناجية
عبد الله بن بطة
دار الراية بالرياض، تحقيق رضا نعسان
٢ - ابن باديس حياته وآثاره
د. عمار الطالبي
٣ - الأصول الثلاثة
للشيخ محمد بن عبد الوهاب
دار الإفتاء بالرياض
٤ - أعلام الموقعين عن رب العالمين
لابن القيم
مكتبة الكليات الأزهرية تحقيق طه بن عبد الرؤوف سعد
٥ - اقتضاء العلم العمل
للخطيب البغدادي
المكتب الإسلامي بيروت
٦ - تحفة الأحوذي
للمباركفوري
ضياء السنة فيصل آباد باكستان
٧
تحفة الأشراف
للحافظ جمال الدين المزي
الهند الطبعة الأولى، تحقيق عبد الصمد شرف الدين
٨ - تذكرة السامع والمتكلم
لبدر الدين ابن جماعة
دار الكتب العلمية بيروت تحقيق محمد هاشم الندوي
٩ - تفسير ابن كثير
للحافظ أبي الفداء ابن كثير
مطبعة الشعب
١٠ - التمهيد
لأبي عمر ابن عبد البر
وزارة الأوقاف بالمغرب العربي
١١ - جامع بيان العلم وفضله
لأبي عمر ابن عبد البر
دار الكتب العلمية بيروت
١٢ - جامع الترمذي
لأبي عيسى الترمذي
طبعة الشيخ أحمد شاكر
١٣ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع
للخطيب البغدادي
دار المعارف بالرياض، تحقيق د. محمود الطحان
١٤ - جامع العلوم والحكم
للحافظ ابن رجب
مكتبة الحلبي بالقاهرة عام ١٣٩٣هـ.
стр. 70
١٥ - الحلية
للحافظ أبي نعيم الأصبهاني
دار السعادة بالقاهرة
١٦ - زاد المعاد
للحافظ ابن القيم الجوزية
مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى بيروت
١٧ - الزهد
للإمام عبد الله بن المبارك
دار الكتب العلمية بيروت
١٨ - سنن الدارمي
للإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي
طبعة عبد الله هاشم اليماني بالمدينة المنورة
١٩ - سنن أبي داود
لأبي داود سليمان بن الأشعث
طبعة الدعاس
٢٠ - سنن ابن ماجه
لأبي عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه
طبعة محمد فؤاد عبد الباقي
٢١ - سير أعلام النبلاء
لأبي عبد الله الذهبي
مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة الأولى
٢٢ - شرح التبصرة والتذكرة
لزين الدين العراقي
دار الكتب العلمية بيروت
٢٣ - شرح حديث أبي الدرداء
للحافظ ابن رجب
الخافقين بدمشق، تحقيق محمد الخيمي
٢٤ - شرف أصحاب الحديث
للخطيب البغدادي
نشر دار إحياء السنة، تحقيق محمد سعيد خطيب
٢٥ - شرح علل الترمذي
لابن رجب
تحقيق نور الدين عتر
٢٦ - صحيح البخاري
لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري
تصوير دار إحياء التراث العربي بيروت
٢٧ - صحيح الإمام مسلم
لأبي الحسين مسلم بن الحجاج
تحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي
٢٨ - صفة الصفوة
للحافظ ابن الجوزي
دار المعرفة بيروت
стр. 71
٢٩ - العلم لأبي خيثمة
زهير بن حرب النسائي
المكتب الإسلامي، بيروت، تحقيق الشيخ ناصر الألباني
٣٠ - علوم الحديث
لابن الصلاح
المكتبة العلمية بالمدينة المنورة تحقيق نور الدين عتر
٣١ - غاية النهاية
لابن الأثير الجزري
دار الكتب العلمية بيروت
٣٢ - فتح المغيث
للحافظ السخاوي
دار البحوث الإسلامية بنارس، تحقيق علي حسين علي
٣٣ - فضل علم السلف
للحافظ ابن رجب
دار البشائر الإسلامية، تحقيق يحيى غزاوي
٣٤ - الفقيه والمتفقه
للخطيب البغدادي
دار الكتب العلمية بيروت، تحقيق إسماعيل الأنصاري
٣٥ - كشف الظنون
حاجي خليفة
مكتبة المثنى بيروت
٣٦ - مجموع الفتاوى
لشيخ الإسلام ابن تيمية
دار الإفتاء بالرياض، جمع ابن قاسم
٣٧ - المحدث الفاصل
لابن خلاد الرامهرمزي
دار الفكر بيروت
٣٨ - المدخل
للحافظ البيهقي
دار الخلفاء بالكويت، تحقيق محمد ضياء الأعظمي
٣٩ - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد
لعبد القادر بن بدران
دار الكتب العلمية بيروت
٤٠ - المستدرك
لأبي عبد الله الحاكم
دار الكتاب العلمية بيروت
٤١ - المسند
للإمام أحمد بن حنبل
المكتب الإسلامي بيروت
٤٢ - المعرفة والتاريخ
ليعقوب بن سفيان الفسوي
مكتبة الدار بالمدينة المنورة، تحقيق د. أكرم العُمري
стр. 72
٤٣ - مفتاح دار السعادة
لابن القيم
دار زمزم بالرياض
٤٤ - مقدمة ابن خلدون
لعبد الرحمن بن خلدون
مؤسسة الأعلمي بيروت
٤٥ - موارد الظمآن
للهيثمي
دار الكتب العلمية بيروت
٤٦ - هدي الساري
للحافظ ابن حجر
المكتبة السلفية بالقاهرة