[الجزء الأول]
[المقدمة:]
بسم الله الرّحمن الرّحيم تشتمل الأمالى على أربعة وثمانين مجلسا، تقدّمت بتسعة وأربعين مجلسا منها، مع دراسة بعنوان (ابن الشجرى وآراؤه النحوية) إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة للحصول على درجة الدكتوراه، من قسم النحو والصرف والعروض، بها. وقد نوقشت الرسالة يوم الأربعاء ١٨ من شوال ١٣٩٨ هـ-٢٠ من سبتمبر ١٩٧٨ م.
وناقشها الأساتذة:
الدكتور عبد الله درويش-﵀-مشرفا، والدكتور حسن عون- ﵀-عضوا، والدكتور محمد بدوى المختون-حفظه الله-عضوا.
وأجيزت الرسالة بمرتبة الشرف الأولى.
هذا، وقد كان أمر تلك الرسالة فى مراحلها الأولى بيد أستاذى الفاضل النبيل الدكتور تمام حسان. ثم حال سفره دون أن يمضى بها إلى نهايتها، فحرمته خيرا كثيرا:
مدحتك بالحقّ الذى أنت أهله ... ومن مدح الأقوام حقّ وباطل
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المحقق:]
الحمد لله ذى العزّة والجلال، والطّول والإنعام، أحمده سبحانه على توالى مننه، حمدا يبلغ رضاه، ويوافى نعمه ويكافئ مزيده. وأصلّى وأسلّم على خير خلق الله، سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه، وعلى إخوانه المصطفين الأخيار، وآله الأطهار، وصحبه الأبرار، وعلى كلّ من سلك سبيله وسبيلهم إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
فهذا إمام من أئمة العربية، وكتابه أصل من أصولها، لم يؤت حظّه من الدرس والتأمّل، وكاد الرجوع إليه ينحصر في دائرة تخريج الشعر وتوثيقه. ومن عجب أن يظلّ هذا الكتاب بعيدا عن ميدان الدراسات النحوية (١)، مع أنه اشتمل على جملة صالحة من أصول النحو وفروعه، بل إنه عرض لمسائل منه لا تكاد توجد فى كتب النحو المتداولة، ولعلّ الذى صرف دارسى النحو عنه ما يوحى به عنوانه من أنه خالص للأدب؛ للّذى سبق به أبو عليّ القالى، ﵀. وما أكثر العنوانات الخادعة فى مكتبتنا العربية لمن لا يحسن النظر والتأمل، ثم ما أكثر النحو المفرّق فى كتب العربية المختلفة. . . وهذا حديث طويل:
فدع عنك نهبا صيح فى حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل
وقد كان من صنع الله لى وتوفيقه إيّاى أن تقدمت بتحقيق الجزء الأول (تسعة وأربعون مجلسا) من أمالى ابن الشجرى إلى قسم النحو والصرف والعروض، بكلية دار العلوم للحصول على درجة الدكتوراه.
стр. 3
وقد قدّمت لهذا التحقيق بدراسة أدرتها على ثلاثة أبواب:
تحدثت فى الباب الأول عن حياة ابن الشجرىّ وتقلّبه فى العالمين. ولم أسرف فى الحديث عن التحولات السياسيّة والاجتماعية التى طرأت على المجتمع البغدادىّ فى العصر الذى عاش فيه ابن الشجرىّ-وهو عصر السّلاجقة-إذ كان ذلك ممّا يلتمس من مظانّه من كتب التاريخ. ثم إنّى لم أحاول أيضا أن أتصيّد مظاهر علوّ لهذا العصر الذى عاشه ابن الشجرىّ، ذلك أن كثيرا من الدراسين يخطئون حين يسرفون فى تقسيم عصور الفكر العربى إلى عصور علوّ وعصور انحطاط. وإن المتتبّع لحركة الفكر العربى فى عصوره المختلفة يروعه هذا الحشد الهائل من العلماء وطلاب المعرفة، فلم يكد ينتصف القرن الثانى الهجرى، وأظلّ عصر التدوين والتسجيل حتى اندفع العلماء فى التنصيف والجمع، وعمرت حلقات الدّرس بالطلاب، وزخرت المكتبات بالمصنّفات فى شتّى فروع الثقافة. وقد شمل هذا النشاط العالم الإسلامىّ كلّه، مشرقه ومغربه، ولم يفضل عصر أو مصر سواهما إلاّ ما يكون من بعض الفروق الهيّنة التى تفرضها طبائع الزمان والمكان، أمّا حركة العقل العربىّ من حيث هى فلم تخمد جذوتها، ولم تسكن حدّتها، بتغيّر الحكّام وتبدّل الأيام، وإن أردت أن تعرف صدق ما أقول فانظر إلى ما اشتمل عليه القرنان السادس والسابع من كبار المفكّرين والعلماء، وأنت تعلم أن هذين القرنين قد شهدا أعنف هجوم تعرّضت له الأمة الإسلامية: الحروب الصليبية، والغزوة التّتريّة، وقد كان هذا الهجوم الكاسح كفيلا بالقضاء على هذه الأمة الإسلامية لولا دفع الله وصيانته، بما أودعه فى روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار.
أمّا ما تسمعه الآن من ثرثرة حول الحروب، وما تحدثه من إحباط وانكسار، فهو من التعلاّت الباطلة، والكذب على النفس، وكلّ أولئك مما يلجأ إليه الضّعفة ويحتمى به الكسالى، وإنما هو فساد الزمان وسقوط الهمم.
ودعك من الدراسات الحديثة التى تعكس وجهات نظر أصحابها، واصبر نفسك مع تلك الكتب التراثية الموسوعيّة فى فنّ التراجم-وليس كالتراجم كاشفا لتاريخنا الحضارىّ، ومسيرتنا الثقافية-مثل سير أعلام النبلاء، لأبى عبد الله الذهبىّ
стр. 4
(٧٤٨ هـ)، والوافى بالوفيات، لصلاح الدين الصفدىّ (٧٦٤ هـ)، وطبقات الشافعية الكبرى، لتاج الدين السبكى (٧٧١ هـ) واقرأ على مهل وتؤدة، وأعط نفسك حظّها من التأمل والتدبّر، ولمح الأشباه، ورصد النظائر، وسترى أن مفكرينا وعلماءنا، رضى الله عنهم، كانوا يعملون فى الحلّ والتّرحال، وعلى المنشط والمكره، وفى اليسر والعسر، بل إن بعضهم كان يبدع مع تزاحم العلل عليه، وتقسّم نفسه مع الأوصاب والأوجاع والصّوارف. . . وهذا أيضا حديث طويل (١).
والباب الثانى-وهو لبّ الرّسالة وعصبها-وقفته على آراء ابن الشجرىّ النحوية، وقد سلكت سبيلين فى التعرّف إلى تلك الآراء: ما ذكره هو نفسه من قوله:
وهذا ما خطر لى، أو: والقول عندى كذا، أو: والصحيح كذا، والاختيار كذا، أو: فتأمّل ما استنبطته لك. ونحو ذلك. ثم ما أورده النحاة المتأخّرون، كابن هشام والمرادىّ والسّيوطىّ والبغدادىّ، من أقوال وآراء نسبوها إلى ابن الشجرى.
وأريد أن أنبّه بادئ ذى بدء، إلى أنى وجدت فى «الأمالى» آراء كثيرة فى النحو والصرف واللغة، ساقها ابن الشجرىّ غير معزوّة إلى أحد، ولم أقطع بنسبتها إليه، لاحتمال وجودها فى كلام غيره ممّن سبقه، وقد أمكننى عون الله وتوفيقه أن أردّ بعض هذه الآراء إلى أصحابها.
وقد وجدت بعضا ممّن يدرسون علما من الأعلام يحشدون آراءه حشدا، دون فصل بين ما قال وما حكى، وبعض مصنّفى الكتب القديمة لم يعنوا بعزو كلّ رأى إلى قائله، خوفا من الإملال والإطالة. هذا أمر، وأمر آخر أنّ حركة التأليف العربىّ عرفت لونا من ألوان التصنيف، تمثل فى تلك الرسائل والكتب الصغيرة التى
стр. 5
التقمتها الكتب الكبار، فضاعت فى غمارها، وطويت فى لجّتها، وحين جاء أصحاب الموسوعات النحوية شغل بعضهم بما انتهى إليهم من هذه الكتب الكبار، فنسبوا الآراء إلى أصحاب هذه الكتب، ثم نسج على نولهم من جاء بعدهم.
على أنّى فى ذكر آراء ابن الشجرىّ لم أحاول أن أضعه فى غير موضعه، أو أرتفع به على من سبقوه، فإن من آفات البحث العلمىّ العصبيّة الطائشة للشخصية المدروسة. فقد جاء ابن الشجرىّ وقد استوى النحو العربىّ على سوقه أو كاد، فقد فرغ النحاة الأوائل من وضع الأصول وتمهيد الفروع، ولم يكد أبو الفتح بن جنى يضع قلمه المبدع بعد هذه التصانيف الجياد التى نفذ بها إلى أسرار العربية، حتى كان هذا إيذانا ببدء مرحلة جديدة من التصنيف النحوى، يعكف فيها النحاة على هذا الموروث العظيم الذى آل إليهم: كشفا عن أسراره، ونفاذا إلى دقائقه، وتنبيها على غوامضه، واستدراكا لفائته.
ونعم كان للجيل الذى تلا ابن جنى آراء مبتكرة، والعربية فسيحة الأرجاء، متراحبة الأطراف، وقد يفتح الله على الأواخر بما لم يفتح به على الأوائل، ولكن يظلّ الفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما ترى من الفرق بين الجدول الصغير والبحر الزخّار، ولو أتيح لكل مصنّفات الأوائل أن تذيع وتنتشر-وخاصة تصانيف أبى على الفارسى -لظهر لك صدق هذا الكلام.
وابن الشجرىّ واحد من هذا النّفر الكريم الذين عرفوا للغتهم حقّها من دقّة النظر، وحسن الفقه، وكريم الرعاية. ولقد عكف على ذلك الحصاد الطيب الذى سبق به الأوائل: شارحا ومفسّرا، ومتعقّبا وناقدا، ومضيفا ومستدركا.
وقد جمعت له أربعة وستّين رأيا، ذكرتها وأوردت ما قيل حولها من آراء النحاة، استحسانا أو نقدا، وناقشته وناقشتهم فى بعضها.
وقد وقفت عند ظاهرتين غلبتا على أمالى ابن الشجرىّ، ولم يكد يخلو منهما مجلس من مجالسه، وهما ظاهرة الإعراب وظاهرة الحذوف، وقد رأيت أن أفرد كلّ ظاهرة منهما بكلمة، إذ كان جمهور مسائل النحو راجعا إليهما ومبنيّا عليهما، ثم
стр. 6
لأن هاتين الظاهرتين قد ثار حولهما لغط كثير، وتناولهما بعض الدراسين بكثير من السهولة واليسر، دون مراجعة الأصول واستقراء النصوص.
ولمّا كان ابن الشجرى من أهم من عرضوا لمبحث الأدوات: معانيها وعملها وشواهدها، ودخول بعضها مكان بعض، فقد تكلمت عن الكتب التى عالجت هذا المبحث، وعن مكان ابن الشجرى وكتابه بين هذه الكتب.
ثم درست الشواهد عند ابن الشجرىّ (القرآن الكريم، والحديث الشريف، والأثر، والشّعر)، وقد ظهر لى أن ابن الشجرىّ لم يعرض لأصل من الأصول، أو قاعدة من القواعد إلا استشهد لها بآية أو أكثر من الكتاب العزيز، وقد استشهد بالقراءات السّبعيّة، ووجّه بعض القراءات الشاذّة.
ثم وقفت وقفة طويلة عند شواهد الشعر عند ابن الشجرىّ، وقد ظهر لى أن كتابه ضمّ قدرا ضخما من الشواهد الشعرية، فقد بلغت شواهده أكثر من مائة وألف بيت، غير المكرّر. وشواهد ابن الشجرىّ منتزعة من شعر الجاهليّين والمخضرمين والإسلاميين والمحدثين، والاستشهاد بشعر هذه الطبقة الأخيرة محلّ خلاف كبير، وقد استكثر ابن الشجرىّ من شعر هذه الطبقة، من أمثال دعبل الخزاعيّ، ومروان بن أبى حفصة، وابن المعتزّ، وأبى تمّام، والبحترىّ ومن إليهم، بل إنه احتفل احتفالا زائدا بشعر أبى الطيب المتنبى، ممّا يجعله من شرّاحه البارزين.
وقد أوردت جمعة ملاحظات حول منهج ابن الشجرىّ فى رواية الشواهد ونسبتها.
ثم تحدثت عن مصادر ابن الشجرى وموارده فى تأليف «الأمالى» مبتدئا بإمام النحاة سيبويه، ومنتهيا بالخطيب التّبريزى. وقد نقل ابن الشجرى كثيرا عن أعلام النحو واللغة المتقدّمين. وتظهر أهمية هذه النّقول فيما حكاه عن كتبهم المفقودة، من مثل كتاب «الأوسط» للأخفش سعيد بن مسعدة، وكتاب «الواسط» لأبى بكر بن الأنبارى، وبعض كتب أبى علىّ الفارسىّ، ثم فيما حكاه عن سيبويه والمبرد، مما ليس يوجد فى المطبوع من «الكتاب» و «المقتضب والكامل».
ولم أذكر من أعلام النحاة من نقل عنهم ابن الشجرىّ الرأى والرأيين، وإنما
стр. 7
ذكرت من أكثر من النقل عنهم والانتصار لهم، والاستدراك عليهم، بما يجلو شخصيته النحوية، ويبرز موقفه من مصنّفات الأوائل، وهو موقف ذو ثلاث شعب كما ترى.
والحديث عن مصادر ابن الشجرىّ وموارده مفض إلى الحديث عن أثره فيمن جاء بعده من النحاة. ويمثّل ابن الشجرى ومن إليه من نحاة القرنين الخامس والسادس حلقة الوصل بين المتقدّمين من النحاة والمتأخرين، فقد كان لقرب هذا الجيل من المنابع الأولى بالتلقّى والمشافهة، وما ظهر به نحاة هذا الجيل أيضا من الكتب والمصنّفات التى عمرت بها دور العلم وخزائن المكتبات، قبل أن تعصف بها عوادى الناس والأيام، كان لذلك كلّه فضل حفظ آراء المتقدّمين، ممّا أمدّ النحاة المتأخرين بذلك الفيض الزاخر من الوجوه والآراء.
وقد تتبّعت ابن الشجرى فى مصنّفات النحويين المتأخرين، باستقراء أرجو ألاّ يكون فاتنى معه شيء، ثم أفضى تخريج شواهده من كتب العربية إلى تأثّر خفىّ من أصحاب هذه الكتب، لم يصرّحوا به، وقد ابتدأت بأبى البركات الأنبارى، وانتهيت بالمرتضى الزّبيدىّ.
وفى ختام هذا الباب أبنت عن مذهب ابن الشجرىّ النحوىّ، وانتهيت إلى أنه بصرىّ خالص، وقد قوّى حجج البصريّين، وانتصر لهم فى أكثر من موضع من الأمالى، بل إن كثيرا من حجج البصريين فى المسائل الخلافية التى أوردها الأنبارىّ فى كتابه «الإنصاف» منتزعة من كلام ابن الشجرىّ.
أمّا الباب الثالث فقد قصرته على كتاب «الأمالى» فتحدثت عن معنى الأمالى، والفرق بينها وبين المجالس، وذكرت الأمالى المصنّفة فى علوم العربية قبل أمالى ابن الشجرىّ، وبيّنت أن هذه انفردت بظاهرة لم تعرف فى الأمالى الأخرى، وهى ظاهرة التأريخ للمجالس، ثم تكلمت على منهج ابن الشجرىّ فى أماليه، وأنه مع طول الأمالى وتشعّب القول فيها يبدو متنبها لبعض الموضوعات التى عالجها من قبل، مما يدلّ على أنه احتشد للأمالى احتشادا، فليست آراء يمليها على الطلبة ثم يفرغ منها.
стр. 8
ثم تحدثت عن علوم العربية فى الأمالى، وذكرت أن ابن الشجرى أفسح أماليه لمسائل من اللغة والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ والأخبار والجغرافية والبلدان. وقد ظهر لى أن أهمّ فنّ عالجه ابن الشجرىّ بعد النحو والصرف هو فنّ اللغة، فقد عنى ابن الشجرىّ عناية فائقة باللغة: دلالة واشتقاقا، ثم عرض لقضايا وظواهر لغوية كثيرة، كالمشترك اللفظىّ، وتركّب اللغات وتداخلها، ولغة العامة ولهجات القبائل، والأصوات ومخارج الحروف، وتطوّر دلالات الألفاظ.
وفى ختام هذا الباب تحدّثت عن نسخ الأمالى المخطوطة، ثم أفردت كلمة عن النسخة التى اتخذتها أصلا، وهى نسخة مكتوبة بخطّ نسخى نفيس جدا، تمّ نسخها فى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، أى بعد وفاة ابن الشجرىّ بتسع وثلاثين سنة. والنسخة مقابلة على أصلها، وبآخرها سماع لعلماء القرنين: السادس والسابع، وجاء بحواشيها تعليقات جيدة، وقد تضمنت هذه التعليقات فوائد كثيرة منها النصّ على أوهام ابن الشجرى، ونسبة بعض الأقوال إلى أصحابها، وتصحيح نسبة بعض الشواهد. وبعض هذه التعليقات لأبى اليمن الكندى، تلميذ ابن الشجرى، وبعضها لأحد تلاميذ ابن هشام.
وقد انتهيت من خلال دراستى لابن الشجرىّ وأماليه إلى هذه النتائج:
أولا: يعدّ كتاب الأمالى من كتب الدراسات القرآنية، حيث بسط ابن الشجرىّ الكلام فيه على مسائل من تفسير القرآن وإعرابه وحذوفه ومشكله.
ثانيا: يعدّ ابن الشجرىّ من شرّاح سيبويه وأبى علىّ الفارسىّ، وقد حفظ لنا نصوصا وشواهد عن سيبويه ليست فى المطبوع من «الكتاب». ومعروف عند الدراسين أنّ بين أصول «الكتاب» القديمة اختلافا فى عدّة الأبيات، وأن بعضها ربّما انفرد بشواهد أخلّ بها غيره، وقد صرّح ابن الشجرىّ نفسه بأن لكتاب سيبويه أكثر من نسخة. ثم عرض ابن الشجرىّ لشرح مسائل كثيرة من كلام سيبويه وأبى على الفارسىّ، وذكر أن الشرّاح قصّروا فى الإبانة عن مرامى أبى على.
стр. 9
ثالثا: حفظ لنا ابن الشجرىّ نصوصا من كتب مفقودة، مثل كتاب «الأوسط». للأخفش سعيد بن مسعدة. و «الواسط» لأبى بكر بن الأنبارى، وبعض كتب أبى علىّ الفارسى.
رابعا: يعتبر كتاب الأمالى على رأس الكتب التى تحدثت عن الحذوف، وعالجت مسائل الإعراب، وتحدّثت عن الأدوات وحروف المعانى.
خامسا: يمثّل ابن الشجرىّ الخطوات الأولى للنحو التعليمىّ الذى يعنى ببسط العبارة، وكثرة التنظير، والبعد عن التكلّف والتعقيد.
سادسا: يحتلّ كتاب الأمالى مكانة طيبة فى ميدان الدراسات اللغوية: دلالة واشتقاقا.
سابعا: وسّع ابن الشجرىّ دائرة الاستشهاد بالشعر على مسائل النحو، ولم يقف كما وقف غيره عند إبراهيم بن هرمة والعصر الأموىّ.
ثامنا: احتفظت الأمالى بنصوص شعرية، ليست فى دواوين الشعراء المطبوعة، مثل الأخطل وكثيّر، وأبى دؤاد الإيادى، وأبى حيّة النّميرىّ.
تاسعا: حقّق ابن الشجرىّ الأمنيّة التى نادى بها كثير من الدراسين، وهى أن تعالج مسائل النحو من خلال النصوص الأدبية؛ خروجا من دائرة التجريد.
عاشرا: يعدّ ابن الشجرىّ من شرّاح المتنبى، وقد ذكره فى خمسة وثمانين موضعا من الأمالى، عدا المجلس الأخير الذى نبّه فيه على فضائله، وأورد فيه غررا من حكمه وشعره الذى يتمثّل به.
وقد أورد ابن الشجرى شعر المتنبى، مستشهدا به على إعراب أو قاعدة، ومتعقّبا شرّاحه، وشارحا ومعربا ما أغفله هؤلاء الشرّاح. وهذا الذى ذكره ابن الشجرى حول شعر المتنبى ينهض كتابا مستقلاّ يضمّ إلى ما كتب عن أبى الطيّب.
وبعد: فإذا كان لصاحب هذه الدراسة أن يقترح، فإنه يرى أن تجمع مسائل النحو من بطون كتب العربية المختلفة، فإن مجاز كتب العربية مجاز الكتاب
стр. 10
الواحد، ففى كتب التفسير وعلوم القرآن نحو كثير، وفى معاجم اللغة وكتب الأدب والبلاغة نحو كثير، بل إنك واجد فى كتب أصول الفقه والسّير والتاريخ، والمعارف العامة، من أصول النحو وفروعه ما لا تكاد تجده فى كتب النحو المتداولة، والأمثلة عندى حاضرة كثيرة، لا داعى للإطالة بذكرها، وحسبى أن أشير إلى مثالين: الأول أنى خرّجت مسألة نحويّة من كتاب «مثالب الوزيرين» لأبى حيان التوحيدى، ويا بعد ما بين كتابه وكتب النحو! والمثال الثانى طريف جدّا: وهو أن الشاهد النحوىّ المعروف «أكلونى البراغيث» لم أجده منسوبا لقائل فى كتاب من كتب النحو التى أعرفها، على حين وجدته منسوبا فى كتاب أبى عبيدة «مجاز القرآن».
والاقتراح الثانى: أن تفهرس مسائل النحو فهرسة دقيقة، تجمع الأشباه والنظائر، ثم ترتّب أبواب النحو ومسائله ترتيبا هجائيا؛ فإن كتب النحو الأولى ترتّب مسائل النحو، وتضع لها عنوانات تخالف ما ألفه الطلبة والدارسون فى أيامنا هذه، بعد ما سادت طريقة ابن مالك وشرّاحه. وبمثل هذا الجمع والفهرسة تظهر صورة النحو العربىّ على وجهها الصحيح، وتستقيم دراسته وتمضى إلى ما يراد لها من كمال.
أما تحقيق الكتاب فقد مضيت فيه وفق مناهج التوثيق والتحقيق التى ارتضاها شيوخ الصنعة، وقد حرصت على تتبّع مسائل الكتاب وشواهده فى كتب العربية المختلفة؛ للذى ذكرته من قبل، من أن مجاز هذه الكتب مجاز الكتاب الواحد، وأريد أن أنبّه إلى أننى وجدت فى حواشى بعض الكتب تحقيقات وتخريجات جيدة، أفدت منها وأحلت عليها، ولم أستبح لنفسى أن أنسبها إلى جهدى-كما يفعل كثير من الناس فى زمان السّوء هذا-ذلك لأنى لم أرد أن أتشبّع بما لم أعط فأكون كلابس ثوبى زور. وأيضا:
فإن الدرهم المضروب باسمى ... أحبّ إلىّ من دينار غيرى
وثالثة يقولها أبو منصور الأزهرىّ:
«ولقليل لا يخزى صاحبه خير من كثير يفضحه».
стр. 11
ولن أدع مقامى هذا حتى أقدّم أصدق الشكر وأخلصه إلى الأستاذ الدكتور عبد الله درويش، الذى تفضل فقبل الإشراف على هذه الرسالة العلمية، ثم إلى الأستاذين الفاضلين: الدكتور حسن عون-برّد الله مضجعه، ورحمه رحمة واسعة سابغة-والدكتور محمد بدوى المختون، بارك الله فى أيامه، ومتّعه بالصحة والعافية، لتفضّلهما بقبول مناقشة الرسالة، وإخلاصهما فى النّصح والتوجيه والنقد.
ودعاء بالمغفرة والرضوان للشاعر المبدع، والمحقّق الثبت الأستاذ حسن كامل الصيرفى، هذا الرجل الذى عبر دنياه كنسمة هادئة، والذى عاش حياته كلّها محبّا ودودا، بارّا كريما، لم يسع إلى جاه، ولم يركض خلف شهرة، ووقف هادئا يرقب الناس وهم يتواثبون ويقفزون، مخلصا لفنّه الشّعرىّ، باذلا أقصى جهده فى إخراج نصوص التراث (١). ولهذا الرجل الكريم فضل علىّ سابغ، فى بداياتى العلمية، ثم فضل آخر على هذه الرسالة، فقد فتح لى قلبه ومكتبته الحافلة بنوادر كتب الأدب والشعر، أوثّق منها شواهد أمالى ابن الشجرى. ﵀ ورضى عنه.
أما شيخ العربية، أبو فهر محمود محمد شاكر، هذا الإمام الجليل: فإن له علىّ أيادى كثيرة أعدّ منها ولا أعدّدها، كما يقول صاحبه أبو الطيّب، وحسبه أنه أشعر قلبى حبّ هذا التراث والعصبيّة له، وتلقّيه بما ينبغى له من الجلال والحيطة والحذر. ثم إنه قد وقف خلفى فى هذه الرسالة، يستحثنى ويطلب عجلتى، ويتولّى عنى ما يئودني ويثقل كاهلى، بل إنه كان يفتح علىّ اتّصالا هاتفيّا مع عصر كلّ يوم (٢)؛ يرقب خطوى ويجبر نقصى. . . إلى أشياء أخرى، لا يحبّ أن أذكرها، ولا أحبّ أن أخالف عن أمره. جزاه الله خير الجزاء.
стр. 12
اللهم اغفر زلاّتى وآمن روعاتى، واجبرنى وعافنى واعف عنى، وبارك لى فى ذرّيتى، وزدنى علما، وتقبّل منى صالح عملى، وتجاوز لى عن سيّئه؛ فإن الأمر كلّه لك، بيدك الخير وأنت على كلّ شيء قدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمد خاتم الأنبياء وسيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
أبو محمد
محمود محمد الطناحى
٦ شارع بشّار بن برد-المنطقة السادسة-مدينة نصر-القاهرة فى يوم: الجمعة ٢٨ من جمادى الآخرة ١٤١٢ هـ
٣ من يناير ١٩٩٢ م
стр. 13
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الباب الأول
ابن الشجرى
حياته وعصره
هو الشريف (١) ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن على بن محمد بن حمزة، ينتهى نسبه إلى الحسن (٢) بن على بن أبى طالب، رضى الله عنهما. ويعرف بابن الشجرى. وقد اختلف فى هذه النسبة، فقال ياقوت: «نسبة إلى بيت الشجرى من قبل أمه» وقال ابن خلكان: «هذه النسبة إلى شجرة، وهى قرية من أعمال المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وشجرة أيضا: اسم رجل، وقد سمت به العرب ومن بعدها، وقد انتسب إليه خلق كثير من العلماء وغيرهم، ولا أدرى إلى من ينتسب الشريف المذكور منهما، هل هو نسبة إلى القرية، أم إلى أحد أجداده، كان اسمه شجرة، والله أعلم».
стр. 14
ونقل الصفدى عن بعضهم أنه كانت فى دارهم شجرة، ليس فى البصرة غيرها، ومثل هذا حكى السيوطى، لكن عنده: «ليس فى البلد غيرها».
وجاء بهامش مطبوع عمدة الطالب، نقلا عن مخطوطته: «الشجرى منسوب إلى شجرة، وهى قرية مشرفة على الوادى، على سبعة أميال من المدينة».
ولد ابن الشجرى ببغداد فى شهر رمضان، سنة خمسين وأربعمائة، وتوفى بها فى شهر رمضان (١) سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. ودفن من الغد فى داره بالكرخ، وأمّ الناس فى الصلاة عليه أبو الحسن على بن الحسين الغزنوى الواعظ.
ولم تذكر كتب التراجم شيئا عن أسرة ابن الشجرى، سوى أن والده كان نقيبا للطالبيين بالكرخ، ثم ذكر ابن عنبة فى «عمدة الطالب» أن عقب ابن الشجرى انقرض، وأن لأخيه بقيّة بالنيل والحلّة.
стр. 15
عصر ابن الشجرى
عاصر ابن الشجرى من خلفاء بنى العباس: القائم بأمر الله (٤٦٧ هـ)، والمقتدى بأمر الله (٤٨٧ هـ)، والمستظهر بالله (٥١٢ هـ)، والمسترشد بالله (٥٢٩ هـ)، والراشد بالله (٥٣٢ هـ) والمقتفى لأمر الله (٥٥٥ هـ).
وقد ولد ابن الشجرى ومات ببغداد، كما ترى، وبغداد يومئذ تحت سلطان السلاجقة الذين دخلوها (١) عام سبعة وأربعين وأربعمائة، بقيادة محمد بن ميكائيل ابن سلجوق المعروف بطغرل بك، الذى عمل مع جنده على إعادة الخليفة العباسى القائم بأمر الله، من الحديثة إلى بغداد، ورجع الخطبة باسمه، ثم أزال ملك بنى بويه من العراق وغيره.
وقد أفاض المؤرخون فى الحديث عن التحولات السياسية والاجتماعية التى طرأت على المجتمع البغدادى فى ظل الدولة السلجوقية، والذى يعنينا فى هذا المجال حركة الفكر والثقافة، وأود أن أشير إلى أمر هام، يغفل عنه كثير من الدراسين، حين يسرفون فى تقسيم العصور إلى عصور علو وعصور انحطاط، فالمتتبع لحركة الفكر العربى فى عصوره المختلفة يروعه هذا الحشد الهائل من العلماء وطلاب المعرفة، فلم يكد ينتصف القرن الثانى الهجرى حتى اندفع العلماء فى الجمع والتصنيف، فعمرت حلقات الدرس بالطلاب، وزخرت المكتبات بالتآليف فى شتى فروع الثقافة، وقد شمل هذا النشاط العالم الإسلامى كله، مشرقة ومغربه، ولم يفضل عصر أو مصر سواهما إلا ما يكون من بعض الفروق الهيّئة التى تفرضها طبائع الزمان والمكان، أما حركة العقل العربى من حيث هى فلم تخمد جذوتها، ولم تسكن حدّتها، بتغير الحكام أو تبدل الأيام، وإن أردت أن تعرف صدق ما أقول فانظر إلى ما اشتمل عليه القرنان السادس والسابع، من كبار المفكرين والعلماء، مع أن هذين القرنين قد شهدا أعنف هجوم تعرضت له الأمة الإسلامية: الحروب الصليبية والغزوة التترية، وقد كان هذا الهجوم الكاسح كفيلا بالقضاء على الأمة الإسلامية، لولا دفع الله وصيانته، بما أودعه فى روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار.
стр. 16
فهذا العصر السلجوقى الذى عاش فيه ابن الشجرى لم يتميز على غيره من العصور، من حيث وفرة العلماء وكثرة التصنيف، إلا ما كان من التوسّع فى إنشاء المدارس، فلم يعد المسجد هو المكان الوحيد الذى يتحلّق فيه التلاميذ وطلاب المعرفة، بل ظهر إلى جواره المدارس التى تنافس سلاطين السلاجقة ووزراؤها فى بنائها، ويبرز من بين رجالات هذا العصر وزير كبير، هو نظام الملك الحسن بن على بن إسحاق الطوسى، المولود فى سنة ثمان وأربعمائة، والمقتول بيد الباطنية سنة خمس وثمانين وأربعمائة. وهذا الرجل كان من جلّة الوزراء. «وكانت مجالسه معمورة بالعلماء، مأهولة بالأئمة والزهاد، لم يتفق لغيره ما اتفق له من ازدحام العلماء عليه، وتردادهم إلى بابه، وثنائهم على عدله، وتصنيفهم الكتب باسمه (١)».
وقد بنى نظام الملك أشهر مدرسة فى تاريخ المدارس الإسلامية، وهى المدرسة النظامية ببغداد، سنة ٤٥٧، ثم بنى مدارس أخرى فى عواصم كثيرة، فيقال: إن له فى كل مدينة بالعراق وخراسان مدرسة. وقد أقام نظام الملك هذه المدارس على أسس مذهب السنة، ليحارب المذاهب الأخرى كالشيعة والباطنية، ثم وقف عليها ضياعا وحمامات ودكاكين للإنفاق عليها، ويقال: إن نظام الملك هو أول من قدّر المعاليم للطلبة (٢).
ثم تنافس وزراء السلاجقة بعد ذلك فى تأسيس المدارس وجلب العلماء إليها.
وقد شهد هذا العصر كوكبة من أفذاذ الفقهاء والعلماء فى مختلف فروع الفكر الإسلامى، أذكر منهم إمام الحرمين الجوينى وأبا إسحاق الشيرازى والقشيرى وأبا حامد الغزالى وأبا الوفاء بن عقيل والدامغانى والزوزنى وعبد القاهر الجرجانى والخطيب البغدادى وأبا سعد السمعانى والميدانى والتبريزى والزمخشرى والجواليقى وابن الخشاب وأبا البركات الأنبارى.
وقد كان لابن الشجرى خصوصية ببعض هؤلاء الأعلام: فقد تلمذ للتبريزى، وأخذ عنه اللغة والأدب، ثم كان شيخا لابن الخشاب وأبى البركات
стр. 17
الأنبارى، وحكى ابن خلكان فى ترجمة ابن الشجرى، قال: «وذكره الحافظ أبو سعد السمعانى فى كتاب الذيل (١)، وقال: اجتمعنا فى دار الوزير أبى القاسم على بن طراد الزينبى وقت قراءتى عليه الحديث، وعلقت عنه شيئا من الشعر فى المدرسة، ثم مضيت إليه وقرأت عليه جزءا من أمالى أبى العباس ثعلب النحوى».
أما الإمام الزمخشرى، فقد ذكر أبو البركات الأنبارى فى ترجمته (٢)، قال:
«وقدم إلى بغداد للحج، فجاءه شيخنا الشريف ابن الشجرى، مهنئا له بقدومه، فلما جالسه أنشده الشريف، فقال:
كانت مساءلة الركبان تخبرنى ... عن أحمد بن دواد أطيب الخبر (٣)
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذنى بأحسن ممّا قد رأى بصرى
وأنشده أيضا:
وأستكثر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغّر الخبر الخبر (٤)
وأثنى عليه، ولم ينطق الزمخشرى حتى فرغ الشريف من كلامه، فلما فرغ، شكر الشريف وعظّمه وتصاغر له، وقال: إن زيد الخيل دخل على رسول الله ﷺ ، فحين بصر بالنبى ﷺ رفع صوته بالشهادة، فقال له الرسول ﷺ :
«يا زيد الخيل، كل رجل وصف لى وجدته دون الصفة، إلا أنت، فإنك فوق ما وصفت»، وكذلك أنت يا أيها الشريف (٥)، ودعا له وأثنى عليه. قال:
فتعجب الحاضرون من كلامهما، لأن الخبر كان أليق بالشريف، والشعر أليق بالزمخشرى».
стр. 18
شيوخه
تلمذ ابن الشجرى لمشيخة جليلة من علماء عصره، وأنا ذاكرهم بترتيب وفياتهم:
١ - الشريف أبو المعمّر يحيى بن محمد بن طباطبا العلوى. كان عالما بالشعر والأدب، وإليه انتهت معرفة نسب الطالبيين فى وقته. توفى سنة ٤٧٨ هـ (١).
٢ - أبو الحسن على بن فضّال المجاشعى القيروانى. صاحب المصنفات فى العربية والتفسير. توفى سنة ٤٧٩ هـ (٢).
٣ - أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الصيرفى. من كبار الحفاظ، يقال: كان عنده ألف جزء بخط الدارقطنى. توفى سنة ٥٠٠ هـ، وقد روى ابن الشجرى عنه كتاب «المغازى» لسعيد بن يحيى الأموى، كما ذكر الذهبى فى سير أعلام النبلاء (٣).
٤ - أبو زكريا يحيى بن على الخطيب التّبريزى. من أئمة النحو واللغة والأدب والعروض توفى سنة ٥٠٢ هـ، وسأخصه بكلمة فى حديثى عن مصادر ابن الشجرى. وقد ذكر صاحب كتاب (٤) «نضرة الإغريض» شيئا من مرويات ابن الشجرى عن شيخه التبريزى، قال: «وروى لى الغزنوى عن هبة الله المعروف بابن الشجرى، قال: حدثنى أبو زكريا التبريزى، قال: كنت أسأل المعرى عن شعر أقرؤه عليه، فيقول لى: هذا نظم جيد، فإذا مرّ به بيت جيد، قال: يا أبا زكريا هذا هو الشعر».
٥ - أبو على محمد بن سعيد بن نبهان الكرخى الكاتب، مسند العراق، وهو صاحب شعر وأدب، وكان فيه تشيع. توفى سنة ٥١١ هـ (٥).
стр. 19
٦ - أبو البركات عمر بن إبراهيم بن محمد العلوى الزيدى الكوفى. من أئمة النحو واللغة والفقه والحديث. توفى سنة ٥٣٩ هـ. قال القفطى فى ترجمته (١):
«وسافر إلى الشام وأقام بدمشق مدة، ثم بحلب مدة، وقرأ بها «الإيضاح» لأبى على الفارسى، فى سنة خمس وخمسين وأربعمائة، على رجل يقال له: أبو القاسم زيد ابن على الفارسى، عن خاله أبى على الفارسى، وروى هذا الشريف الكتاب-أعنى الإيضاح-بهذا الطريق بالكوفة، المدة الطويلة، وأخذه عنه بهذا السبيل الجمّ الغفير من علماء الرواة والنحاة».
٧ - أبو الفرج سعيد بن على السّلالى الكوفى. ذكر تلمذة ابن الشجرى له: ياقوت والصفدى والسيوطى، ولم أقف له على ترجمة، وقد ذكره ابن الشجرى فى المجلس السادس والستين من الأمالى، ونقل من خطه فائدة عن أبى العلاء المعرى.
هؤلاء هم شيوخ ابن الشجرى الذين ذكرهم مترجموه، ولم يصرح ابن الشجرى فى «أماليه» بأىّ منهم، إلا بأبى الفرج السّلالى وأبى المعمر بن طباطبا، والتبريزى، أما ابن طباطبا، فقد كان يفتخر به، وقد ذكره مرة واحدة فى الأمالى، فى إنشاد شعر لحاجب بن زرارة (٢)، وأما التبريزى فقد صرح بالنقل عنه فى غير.
موضع من الأمالى، ثم تعقبه فى بعض شروحه على شعر المتنبى، ويأتى هذا-إن شاء الله-فى الحديث عن مصادر ابن الشجرى.
وقد أنشد ابن الشجرى عن الطغرائى شيئا من شعره (٣). والطغرائى هو إسماعيل بن على، وهو صاحب «لامية العجم» الشهيرة. توفى سنة ٥١٣ هـ.
هذا وقد ذكر محققا كتاب «الجمان فى تشبيهات القرآن» لابن ناقيا البغدادى، ذكرا أن ابن الشجرى (٤) قد تلمذ لابن ناقيا، وأنه أثنى على مصنفاته،
стр. 20
وأنه سمع منه كتابه «الجمان» ثم نقلا عن ابن الشجرى قوله فى وصف ابن ناقيا:
«شاعر مطبوع»، ثم قوله فى وصف الكتاب: «سمعته منه ولم يسبق إلى مثله».
ولست أعرف من أين جاء المحققان بهذا الكلام، فقد تتبعت ترجمة ابن الشجرى ثم ترجمة ابن ناقيا، فلم أجد أحدا ذكر علاقة بين الرجلين، ثم رأيت الدكتور مصطفى الصاوى الجوينى قد نبّه على هذا الوهم، وذكر أن قائل هذا الكلام فى وصف ابن ناقيا، وفى وصف كتابه هو أبو نصر هبة الله بن على بن المجلى (١).
стр. 21
تلاميذه
جلس ابن الشجرى للناس جلوسا عامّا، حين أملى «الأمالى»، وقد أقرأ أيضا كتابه «الانتصار» الذى ردّ به على انتقادات ابن الخشاب، ثم كانت له حلقة بجامع المنصور، يوم الجمعة، يقرئ الناس فيها الأدب والنحو، فكثر تلاميذه والآخذون عنه، على أن كتب التراجم قد أفردت بعض هؤلاء التلاميذ بالذكر، فى ترجمة ابن الشجرى، ثم فى تراجم هؤلاء التلاميذ أنفسهم، وأنا ذاكرهم-كما صنعت فى ذكر شيوخه-بحسب وفياتهم:
١ - أبو منصور محمد بن إبراهيم بن زبرج العتّابى. له معرفة بالنحو واللغة وفنون الأدب. توفى سنة ٥٥٦ هـ (١).
٢ - أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعانى. الحافظ الكبير، صاحب كتاب «الأنساب» وغيره، توفى سنة ٥٦٢ هـ، وقد قرأ على ابن الشجرى جزءا من «أمالى ثعلب» كما سبق.
٣ - أبو الغنائم حبشىّ بن محمد بن شعيب الواسطى الضرير، النحوى المقرئ، توفى سنة ٥٦٥ هـ (٢) وقد ذكره ابن الشجرى فى المجلس الحادى والثلاثين من «الأمالى» مجيبا له عن بعض مسائل من الإعراب، وقد رأيت سماعا لحبشى هذا على ابن الشجرى، بآخر نسخة الرباط من «الأمالى» وتاريخ هذا السماع سنة ٥٣٩ هـ.
٤ - أبو محمد عبد الله بن أحمد، المعروف بابن الخشاب النحوى البغدادى، من كبار النحاة المعاصرين لابن الشجرى، وهو صاحب كتاب «المرتجل فى شرح الجمل» لعبد القاهر الجرجانى. أخذ عن ابن الشجرى، ثم أورد عليه بعض الانتقادات، يأتى ذكرها فى حديثى عن «الأمالى». توفى سنة ٥٦٧ هـ.
стр. 22
٥ - أبو الحسن على بن أحمد بن بكرى-ويقال: على بن عمر بن أحمد ابن عبد الباقى بن بكرى. خازن كتب المدرسة النظامية. توفى سنة ٥٧٥ هـ (١).
٦ - أبو الحسن على بن عبد الرحيم بن الحسن السلمى الرّقّى البغدادى المعروف بابن العصار. من علماء النحو واللغة. توفى سنة ٥٧٦ هـ (٢).
٧ - أبو البركات عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنبارى. صاحب «الإنصاف فى مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين». ومن كبار علماء العربية فى القرن السادس، ومن أنبه تلاميذ ابن الشجرى، توفى سنة ٥٧٧ هـ، وقد أفردته بكلمة فى حديثى عن أثر ابن الشجرى فى الدراسات النحوية.
٨ - أبو الفرج محمد بن أحمد بن حمزة بن جيا. الشاعر الأديب. توفى سنة ٥٧٩ هـ (٣).
٩ - أبو العباس الخضر بن ثروان بن أحمد الثعلبى الضرير. توفى سنة ٥٨٠ هـ (٤).
١٠ - أبو محمد الحسن بن على بن بركة النحوى المقرئ الفرضى، المعروف بابن عبيدة-بفتح العين-توفى سنة ٥٨٢ هـ (٥).
١١ - أبو الفرج محمد بن الحسين بن على الجفنى النحوى اللغوى، المعروف بابن الدباغ. توفى سنة ٥٨٤ هـ (٦).
стр. 23
١٢ - أبو الحسن على بن المبارك بن على القمّى، المعروف بابن الزاهدة النحوى. توفى سنة ٥٩٤ هـ (١).
١٣ - أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد البغدادى. من كبار الحفاظ، توفى سنة ٦٠٧ هـ، وقد روى «الأمالى» عن ابن الشجرى، وأقرأها بدمشق، وترجمت له فى صدر المجلس الأول من «الأمالى».
١٤ - أبو اليمن تاج الدين زيد بن الحسن الكندى، الإمام النحوى اللغوى المقرئ المحدث الحافظ. توفى سنة ٦١٣ هـ. قال ابن الجزرى (٢) فى ترجمته:
«وتلقن القرآن على سبط الخياط وله نحو من سبع سنين، وهذا عجيب، وأعجب من ذلك أنه قرأ القراءات العشر وهو ابن عشر، وهذا لا يعرف لأحد قبله، وأعجب من ذلك طول عمره وانفراده فى الدنيا بعلو الإسناد فى القراءات والحديث، فعاش بعد أن أقرأ القراءات ثلاثا وثمانين سنة، وهذا ما نعلمه وقع فى الإسلام».
وقد قرأ الكندى على ابن الشجرى «الإيضاح» لأبى على الفارسى، و «اللمع» لابن جنى، وقد وجدت له تعليقات على مخطوطة «الأمالى» نقلتها فى حواشى التحقيق.
هذا وقد ذكر الذهبى فى «سير أعلام النبلاء» تلاميذ آخرين لابن الشجرى، لم أر فائدة من التطويل بذكرهم، ولأنهم لم يشتهروا شهرة من ذكرتهم.
стр. 24
علمه وخلقه
استفاضت كتب التراجم بالثناء على ابن الشجرى، ووصفه بالجلالة وغزارة العلم، فيصفه تلميذه أبو البركات الأنبارى بأنه «كان فريد عصره ووحيد دهره فى علم النحو، وكان تامّ المعرفة باللغة، وكان فصيحا حلو الكلام حسن البيان والإفهام». ثم قال فى آخر الترجمة: «وكان الشريف ابن الشجرى أنحى من رأينا من علماء العربية، وآخر من شاهدنا من حذاقهم وأكابرهم».
وقال ياقوت عنه: «كان أوحد زمانه وفرد أوانه فى علم العربية، ومعرفة اللغة وأشعار العرب وأيامها وأحوالها، متضلعا من الأدب، كامل الفضل. . . وأقرأ النحو سبعين سنة».
ويقول ابن النجار-فيما حكى عنه الذهبى فى سير أعلام النبلاء-: «ابن الشجرى شيخ وقته فى معرفة النحو، درس الأدب طول عمره، وكثر تلامذته وطال عمره».
وقال الذهبى فى «تاريخ الإسلام»: «أحد الأئمة الأعلام فى علم اللسان. . . وطال عمره، وانتهى إليه علم النحو، ومتّع بحواسّه وجوارحه».
وبمثل هذه الأقوال قال كل من ترجم لابن الشجرى، ثم امتدحوا «أماليه» بما أنا ذاكره فى موضعه إن شاء الله. وقد تجلى علم ابن الشجرى فى هذه المعارف التى ملأ بها كتابه «الأمالى»، والتى تدل على تبحره وعلوّ مقامه، ويأتى الكلام على ذلك كلّه مبسوطا فى الباب الثانى من هذه الدراسة.
وكما أثنى المترجمون على علمه أثنوا على خلقه، فيقول أبو البركات الأنبارى:
«وكان وقورا فى مجلسه، ذا سمت حسن، لا يكاد يتكلم فى مجلسه بكلمة إلا وتتضمن أدب نفس أو أدب درس، ولقد اختصم إليه يوما رجلان من العلويين، فجعل أحدهما يشكو ويقول عن الآخر: إنه قال فىّ كذا وكذا، فقال له الشريف:
«يا بنى احتمل، فإن الاحتمال قبر المعايب».
قال الأنبارى: «وهذه كلمة حسنة نافعة، فإن كثيرا من الناس تكون لهم
стр. 25
عيوب، فيغضون عن عيوب الناس، ويسكتون عنها، فتذهب عيوب لهم كانت فيهم، وكثير من الناس يتعرضون لعيوب الناس، فتصير لهم عيوب لم تكن فيهم».
ويقول عنه ابن النجار: «وكان حسن الخلق رفيقا».
ولن يغضّ من هذا الوصف الكريم الذى وصف به ابن الشجرى ما تراه فى «الأمالى» من هجومه الحادّ وتجريحه العنيف لمن خالفهم أو خالفوه، صنيعه مع مكى بن أبى طالب، ثم مع تلميذه ابن الخشاب، ومعاصره أبى نزار الحسن بن صافى، المعروف بملك النحاة (١)، وقد استعمل ابن الشجرى فى هجومه هذا ألفاظا كان الأولى به الإمساك عنها، ولكنها غضبة العالم حين يرى حدّا من حدود العلم قد انتهك.
стр. 26
مذهبه
ابن الشجرى من ذرية جعفر بن الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب، رضى الله عنهم، فهو حسنى علوى، وقد عدّه مؤرخو (١) الشيعة من مشايخ الإمامية وأكابر علمائهم. وقد تولى ابن الشجرى نقابة الطالبيين بالكرخ نيابة عن والده (٢) الطاهر، وهو منصب دينى رفيع، يكون لمن يتولاه رعاية شئون أتباعه وتفقد أحوالهم، وتقسيم الأموال عليهم، وإليه معرفة أنسابهم وحفظها.
ومع انتماء ابن الشجرى للعلويّة، وكونه من أكابر علماء الإمامية، لم يؤثر عنه أنه ألّف أو كتب شيئا عن عقيدة القوم وأصول مذهبهم، بل دارت تصانيفه فى فلك النحو واللغة والأدب، ولم يظهر فى شيء من تصانيفه-وبخاصة الأمالى وهى أعظم تصانيفه-شيء من عقائد الشيعة أو أصول الإمامية، إلا ما كان من حكاية أقوال سيدنا على بن أبى طالب (٣) رضى الله عنه، وكلامه كرم الله وجهه فى الذروة من الفصاحة والبلاغة، إذ كان مشتملا على كريم الألفاظ وشريف المعانى، والاستشهاد بكلام الإمام على، ليس وقفا على الشيعة، فأنت تراه فى كتبهم وكتب مخالفيهم، من علماء اللغة والأدب والبلاغة.
على أن استشهاد ابن الشجرى بكلام الإمام لم يأت مفتعلا متكلّفا، بل جاء فى حاقّ موضعه من الاستشهاد على مسائل النحو واللغة، ثم إن ابن الشجرى قد استشهد أيضا بكلام سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه، على خروج النداء إلى الاستغاثة (٤)، ثم ترضّى عليه، وعلى سيدنا أبى بكر الصديق، وسيدنا عثمان بن عفان، رضى الله عنهم أجمعين (٥).
стр. 27
وليس من التشيع أيضا استشهاده بشعر الشريف الرضى (١)، وشرحه المستفيض لقصيدة من قصائده الجياد، فالشريف الرضى من فحول شعراء العربية، وتأمل شعره وشرحه حقّ على كل ذى بيان.
ثم ليس من التشيع الخالص أخيرا ما حكاه ابن الشجرى من قول الإمام الحسن البصرى، فى وصف سيدنا على بن أبى طالب كرم الله وجهه، قال (٢):
«وقال رجل للحسن البصرى: يا أبا سعيد إن العامة تزعم أنك تبغض عليا، فأكب يبكى طويلا، ثم رفع رأسه، وقال: والله لقد فارقكم بالأمس رجل كان سهما من مرامى الله على أعدائه، ربّانىّ هذه الأمة، ذو شرفها وفضلها، وذو قرابة من رسو الله ﵌ قريبة، لم يكن بالنّومة عن حق الله، ولا بالغافل عن أمر الله، ولا بالسّروقة من مال الله، أعطى القرآن عزائمه فى ماله وعليه، فأشرف منها على رياض مؤنقة وأعلام بيّنة، ذلك على بن أبى طالب يا لكع».
فلو لم يكن فى هذا الكلام إلا ما تراه من حلاوة اللفظ وكمال المعنى، لكان ذلك من أقوى الأسباب إلى نشره وإذاعته.
стр. 28
هل كان ابن الشجرى معتزليّا ؟
العلاقة وثيقة بين التشيّع والاعتزال، فقد ذكر كثير من الباحثين قديما وحديثا أن الشيعة وافقوا المعتزلة فى كثير من أصولهم، وذكروا أيضا أن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب-وهو رأس الشيعة والزيدية-قد تلمذ فى الأصول لواصل بن عطاء، رأس المعتزلة، واقتبس منه علم الاعتزال.
ولم يذكر أحد من مترجمى ابن الشجرى أنه معتزلى، لكنك تجد فى «الأمالى» شيئا من مصطلحات المعتزلة وأفكارهم، فمن ذلك استعمال ابن الشجرى تعبير «المنزلة بين المنزلتين»، وهو من مبادئ المعتزلة الخمسة المشهورة، قال فى رده على معاصره ملك النحاة (١): «وقد كان شافهنى هذا المتعدّى طوره بهذا الهراء الذى ابتدعه، والهذاء الذى اختلفه واخترعه، فقلت له: إن ضمة المنادى لها منزلة بين منزلتين، فقال منكرا لذلك: وما معنى المنزلة بين المنزلتين؟ فجهل معنى هذا القول، ولم يحسّ بأن هذا الوصف يتناول أشياء كثيرة من العربية، كهمزة بين بين، التى هى بين الهمزة والألف، أو الهمزة والياء، أو الهمزة والواو، وكألف الإمالة التى هى بين ألف التفخيم والياء، وكالصاد المشربة صوت الزاى، وكالقاف التى بين القاف الخالصة والكاف».
على أن استعمال ابن الشجرى لذلك المصطلح المعتزلى فى هذا السياق يؤذن بأنه استعمال لغوى، بمعنى التوسّط، ليس غير.
وأصرح من ذلك ما ذكره ابن الشجرى فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾، قال (٢): «ومعنى أغفلنا قلبه: وجدناه غافلا، كقولك:
لقيت فلانا فأحمدته، أى وجدته محمودا».
стр. 29
وقد وجدت بهامش أصل الأمالى حاشية، تعليقا على هذا الذى ذكره ابن الشجرى، قال كاتب الحاشية: «قال شيخنا الإمام العلامة جمال الدين بن هشام، أبقاه الله سبحانه: هذه المقالة-أعنى كون «أغفلنا» بمعنى وجدناه غافلا، تقدمه إليها ابن جنى، نص عليها فى «المحتسب» وغيره، وحامله عليها الاعتزال».
وابن هشام يشير إلى قاعدة المعتزلة المعروفة، أن الله لا يخلق فعل الضلال والمعصية، وإنما ذلك من فعل العبد.
стр. 30
شعره
نظم ابن الشجرى الشعر، كما ينظم العلماء، فجاء خاليا من النّفس الشعرىّ الذى يسرى فى قصيد الشعراء، وقد نبّه على هذا الأقدمون، فيقول العماد الأصفهانى (١): «وفضله أعلى من شعره»، وقال فى موضع آخر (٢): «وكان له شعر مقارب».
ويقول الأدفوى (٣): «وله نظم غير طائل»
وقد حكم عليه معاصره أبو محمد الحسن بن أحمد بن حكّينا (٤)، الشاعر، فكتب إليه:
يا سيدى والذى يعيذك من ... نظم قريض يصدا به الفكر
ما فيك من جدّك النبىّ سوى ... أنك ما ينبغى لك الشعر
ومن شعر ابن الشجرى الذى أورده مترجموه، قوله:
لا تمزحنّ فإن مزحت فلا يكن ... مزحا تضاف به إلى سوء الأدب
واحذر ممازحة تعود عداوة ... إن المزاح على مقدّمة الغضب
وقوله، وقد استجاده الأدفوى:
هل الوجد خاف والدموع شهود ... وهل مكذب قول الوشاة جحود
وحتى متى تفنى شئونك بالبكا ... وقد حدّ حدّا للبكاء لبيد (٥)
وإنى وإن لانت قناتى لضعفها ... لذو مرّة فى النائبات شديد
стр. 31
وقوله:
وتجنّب الظلم الذى هلكت به ... أمم تودّ لو أنها لم تظلم
إياك والدنيا الدنيّة إنها ... دار إذا سالمتها لم تسلم
وهذا شعر كما ترى.
ثم ذكروا له قصيدة طويلة فى مدح الوزير نظام الدين أبى نصر المظفر بن على ابن محمد بن جهير، أولها:
هذى السديرة والغدير الطافح ... فاحفظ فؤادك إننى لك ناصح (١)
ثم أورد له محققا (٢) الحماسة قصيدة غزلية، أولها:
ليلة الرمل جددت لى وصالا
ولم يذكر المحققان مرجعا لهذه القصيدة، ولم أجدها فيما بين يدىّ من تراجم ابن الشجرى. وقد أورد بهاء الدين العاملى (٣) قصيدة رثاء، مطلعها:
كلّ حىّ إلى الفناء يؤول ... فتزوّد إن المقام قليل
ونسبها إلى أبى السعادات الحسينى النحوى، فهل هو ابن الشجرى؟ فإن كان العاملى يعنى ابن الشجرى فيكون الصواب «الحسنىّ» بغير ياء.
هذا وقد ذكر الأستاذ الزركلى (٤) أن لابن الشجرى ديوان شعر مطبوعا، وهذا ما لم أعرفه، ولا ذكره أحد من مترجمى ابن الشجرى.
стр. 32
مصنّفاته
طال عمر ابن الشجرى، وتوفّى عن اثنين وتسعين عاما، ومع ذلك لم تكثر تصانيفه، لاشتغاله بالتدريس والإقراء منذ صباه، فقد ذكر ياقوت أنه أقرأ النحو سبعين سنة، وقد دارت تآليفه فى فلك النحو واللغة والأدب، وهذا بيانها:
١ - الأمالى: وهو أكثر مصنفاته شهرة وذيوعا، وهذه الدراسة معقودة لها.
٢ - الانتصار: وهو ردّه على انتقادات ابن الخشاب (١) على الأمالى. قال القفطي: «وهو كتاب على صغر جرمه فى غاية الإفادة، وملكته والحمد لله بخطه ﵀، وقد قرأه عليه الناس». وهذا الانتصار من الكتب المفقودة.
٣ - الحماسة: وهى مجموعة قصائد (٢) ومقطوعات وأبيات، اختارها ابن الشجرى على غرار ما فى الحماسات الأخرى، ولا سيما حماسة أبى تمام، لشعراء الجاهلية وصدر الإسلام والعصرين الأموى والعباسى. وقد أثنى العلماء على كتاب الحماسة، فيقول ابن خلّكان عنه: «ضاهى به حماسة أبى تمام الطائى، وهو كتاب غريب مليح أحسن فيه».
وقد نقل العلامة البغدادى فى موسوعته «الخزانة» عن حماسة ابن الشجرى، وامتدحها، قال فى شرح قول مضرّس بن ربعىّ:
وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتا حصينة ... مسوحا أعاليها وساجا كسورها
«(٣) قال غلام ثعلب فى كتاب اليوم والليلة: يقال: إن أشعر ما قيل فى الظلمة قول مضرس. . . وكذلك قال الشريف ضياء الدين هبة الله بن على بن محمد ابن حمزة الحسنى، فى حماسته التى صنفها كحماسة أبى تمام، وزاد عليه أبوابا كثيرة، وأورد فيها أشعارا جيدة، وقد أجاد فى الاختيار والنقد عند ما أورد هذا الشعر فيها».
стр. 33
وقد طبع كتاب الحماسة طبعة حجرية فى مصر سنة ١٣٠٦ هـ، ثم طبع بمصر أيضا سنة ١٣٢٦ هـ، وفى حيدرآباد الدكن بالهند سنة ١٣٤٥ هـ بتصحيح المستشرق الألمانى كرنكو، وآخر طبعاته الطبعة التى أصدرتها وزارة الثقافة بدمشق سنة ١٩٧٠ م، وهى طبعة جيدة، قام على تحقيقها عبد المعين الملّوحى وأسماء الحمصىّ.
ديوان مختارات الشعراء-مختارات أشعار العرب.
٤ - الردّ على أبى الكرم بن الدبّاس (١) فى كتابه الذى سماه «المعلم» وهذا الكتاب لم يذكره أحد ممن ترجموا لابن الشجرى، أو كتبوا عنه، قديما وحديثا، وقد ذكره هو فى المجلس الثانى والثمانين من «الأمالى». وهذا «الردّ» من الكتب المفقودة، وهو الكتاب الوحيد من بين مصنفات ابن الشجرى الذى أشار إليه فى «الأمالى».
٥ - شرح التصريف الملوكى، لابن جنى، وهو والذى بعده من الكتب المفقودة.
٦ - شرح اللمع، لابن جنى أيضا.
٧ - ما اتفق لفظه واختلف معناه، ومنه نسخة خطية ببرلين (٢)، برقم (٣١٤٢) باسم: معجم للمشترك اللفظى.
وقد وجدت فى دفاترى القديمة اسم كتاب مخطوط لابن الشجرى، بعنوان «كتاب فى اللغة» محفوظ بمكتبة إسماعيل صائب بأنقرة (٣)، ويحمل هذا المخطوط رقم (٢٤٥٩) فلعله هو كتاب «ما اتفق لفظه واختلف معناه».
стр. 34
٨ - مختارات أشعار العرب، ويسمى ديوان مختارات الشعراء، ويعرف عند المحققين باسم مختارات ابن الشجرى. وقد طبع هذا الكتاب بمصر سنة ١٣٠٦ هـ طبعة حجرية، ثم فى سنة ١٣٤٤ هـ-١٩٢٦ م بمصر أيضا، بإشراف محمود حسن زناتى، ثم أعاد نشره على محمد البجاوى بالقاهرة سنة ١٣٩٤ هـ- ١٩٧٤ م.
ومن هذا الكتاب نسخة بخط ابن الشجرى نفسه (١)، وخطه نسخى نفيس، يجرى على نمط خطوط القرن السادس الجيدة المضبوطة.
٩ - شرح لاميّة العرب، للشّنفرى.
وهذا الشرح لم يذكره أحد من الذين ترجموا لابن الشجرىّ، قديما وحديثا.
وقد ذكره العلاّمة البغدادى، فى حديثه عن اللاميّة، لكنه ذكر أنه لم يره (٢).
وقد وقفت على نقل عنه، فى كتاب «الإكسير فى علم التفسير» لنجم الدين الطوفىّ الحنبلىّ، المتوفى سنة (٧١٦)، قال: «وابن الشجرىّ من أعيان أهل الأدب، حكى عن شرحه لامية العرب، أنه قال فيه فى قوله:
«وأستفّ ترب الأرض» إن أصله استفعل. وقد عيب [عليه] لأنه وهم قبيح. . . ووزن أستف: أفتعل. والسّين أصل (٣)».
... وهناك ملاحظة عامة على كتب ابن الشجرى المطبوعة: الأمالى والحماسة والمختارات، وهى أنها كلها خلت من مقدمة، كالتى نراها فى أول المصنفات، تبين عن منهج المؤلف، والدافع له إلى تأليف كتابه. وقد يدل هذا على أن ابن الشجرى كان يملى مصنفاته إملاء.
...
стр. 35
الباب الثانى
آراء ابن الشجرى النحوية
سلكت سبيلين فى التعرّف على آراء ابن الشجرى: ما ذكره هو نفسه من قوله: وهذا ما خطر لى، أو: والقول عندى كذا، أو: والصحيح كذا والاختيار كذا، أو: فتأمل ما استنبطته لك، ونحو ذلك. ثم ما أورده النحاة المتأخرون، كابن هشام والمرادى والسيوطى والبغدادى، من أقوال وآراء نسبوها إلى ابن الشجرى.
وأريد أن أنبه بادىء ذى بدء إلى أنى وجدت فى «الأمالى» آراء كثيرة فى النحو والصرف واللغة، ساقها ابن الشجرى غير معزوّة إلى أحد ممن تقدمه، ولم أقطع بنسبتها إليه، لاحتمال وجودها فى كلام غيره ممن سبقه، وقد أمكننى عون الله وتوفيقه أن أردّ بعض هذه الآراء إلى أصحابها، وإذا كنت قد وقفت عند بعض هذه الآراء التى نسبها ابن الشجرى إلى نفسه أو نسبت إليه ورددتها إلى أصحابها من النحاة المتقدّمين، فما ظنّك بهذه الآراء التى جاءت فى «الأمالى» غير معزوّة ولا منسوبة؟
وقد وجدت كثيرا ممن يدرسون علما من الأعلام يحشدون آراءه حشدا، دون فصل بين ما قال وما حكى، وبعض مصنفى الكتب القديمة لم يعنوا بعزو كل رأى إلى قائله، خوفا من الإملال والإطالة، ولا نظنّ بهم إلا خيرا، هذا أمر، وأمر آخر أن حركة التأليف العربى عرفت لونا من ألوان التصنيف، تمثّل فى تلك الرسائل والكتب الصغيرة التى التقمتها الكتب الكبار، فضاعت فى غمارها وطويت فى لجّتها، وحين جاء أصحاب الموسوعات النحوية شغل بعضهم (١) بما انتهى إليهم
стр. 36
من هذه الكتب الكبار فنسبوا الآراء إلى أصحاب هذه الكتب، ثم نسج على نولهم من جاء بعدهم (١).
والأمر من قبل ومن بعد موكول إلى ثقافة الدارس ومحاولته التعرّف على مسار التأليف العربى، وإدراك العلائق بين الكتب: تأثرا أو نقدا أو شرحا أو اختصارا أو تذييلا، وهذا مفض لا محالة إلى التوقّف والحذر فى نسبة الآراء وعزوها.
وهذه آراء ابن الشجرى، أسوقها بحسب تسلسلها فى «الأمالى» إلا إذا اقتضت المناسبة أن أجمع ما يتصل بالمسألة الواحدة فى مكان واحد:
١ - قسم ابن الشجرى التثنية إلى ثلاثة أضرب (٢): تثنية لفظية وتثنية معنوية وردت بلفظ الجمع، وتثنية لفظية كان حقها التكرير بالعطف. وعن الضرب الثانى، وهو تثنية آحاد ما فى الجسد، كالأنف والوجه والبطن والظهر، نحو ضربت رءوس الرجلين، وشققت بطون الحملين، قال: «وربما استغنوا فى هذا النحو بواحد، لأن إضافة العضو إلى اثنين تنبئ عن المراد، كقولك: ضربت رأس الرجلين، وشققت بطن الحملين، ولا يكادون يستعملون هذا إلا فى الشعر، وأنشدوا شاهدا عليه:
كأنه وجه تركيين قد غضبا ... مستهدفين لطعن غير تذبيب
وقد حكى البغدادى (٣) هذا الكلام، ثم قال: «والعجب من ابن الشجرى فى حمله الإفراد على ضرورة الشعر، فإنه لم يقل أحد إنه من قبيل الضرورة. . . وتبعه ابن عصفور فى كتاب ضرائر الشعر، والصحيح أنه غير مختص بالشعر».
هذا كلام البغدادى، والمتأمل لعبارة ابن الشجرى: «ولا يكادون يستعملون هذا إلا فى الشعر» يراها غير قاطعة بأن استعمال ذلك خاصّ بالشعر، وصدر
стр. 37
كلامه يشعر بهذا، فإنه يقول: «وربما استغنوا فى هذا النحو بواحد». إلى آخر ما قال، ولو كان يرى قصر استعمال مثل هذا على الشعر لصرّح به من أول الأمر.
٢ - ضعّف ابن الشجرى مجىء الحال من المضاف إليه، وتأول ما ورد من ذلك، فقال فى المجلس الثالث: «وأنشدوا فى الحال من المضاف إليه قول تأبط شرا:
سلبت سلاحى بائسا وشتمتنى ... فيا خير مسلوب ويا شرّ سالب
ولست أرى أن «بائسا» حال من ضمير المتكلم الذى فى «سلاحى» ولكنه عندى حال من مفعول «سلبت» المحذوف، والتقدير: سلبتنى بائسا سلاحى، وجاء بالحال من المحذوف، لأنه مقدّر عنده منوىّ، ومثل ذلك فى القرآن قوله جل وعز: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ فوحيدا حال من الهاء العائدة فى التقدير على (من)، ومثله: ﴿أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً﴾ ألا ترى أنك لا بدّ أن تقدر:
خلقته وحيدا، وبعثه الله رسولا، لأن الاسم الموصول لا بدّ له من عائد، لفظا أو تقديرا، وإنما وجب العدول عن نصب «بائس» على الحال من الياء التى فى «سلاحى» لما ذكرته لك من عزّة حال المضاف إليه، فإذا وجدت مندوحة عنه وجب تركه».
وقال فى المجلس السادس والسبعين (١): «فإن قيل: قد جاءت الحال من المضاف إليه فى القرآن فى قوله : ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ فالقول عندى أن الوجه أن تجعل (حنيفا) حالا من الملّة، وإن خالفها بالتذكير، لأن الملّة بمعنى الدّين، فجاءت الحال على المعنى، ألا ترى أن الملّة قد أبدلت من الدين فى قوله: ﴿دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾».
٣ - ذهب ابن الشجرى إلى أن الإشارة بمنزلة الإضمار. قال (٢):
«ألا ترى أنها قد سدت مسدّ الضمير فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ﴾
стр. 38
﴿كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ فالإشارة من (أولئك) قامت مقام الضمير العائد من الجملة إلى المخبر عنه، فكأنه قيل: كلّهن كان عنه مسئولا».
٤ - وجّه ابن الشجرى التأنيث فى قول أعشى تغلب (١):
وقد خاب من كانت سريرته الغدر
بأنه أنث «الغدر» لمّا كان السريرة فى المعنى، واستشهد لذلك بقراءة النصب فى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ قال: فالتقدير: ثم لم تكن فتنتهم إلا قولهم، وجاز تأنيث القول لأنه الفتنة فى المعنى، ومثله رفع «الإقدام» ونصب «العادة» فى قول لبيد:
فمضى وقدّمها وكانت عادة ... منه إذا هى عرّدت إقدامها
وإنما استجاز تأنيث «الإقدام» لتأنيث خبره، لأن الخبر إذا كان مفردا فهو المخبر عنه فى المعنى، وقد قيل فى الآية وفى بيت لبيد قول آخر، وذلك أنهم حملوا «أن قالوا» على معنى المقالة، وحملوا «الإقدام» على معنى التقدمة. قال: والقول الأول هو المأخوذ به، والثانى قول الكسائى، وليس فى بيت أعشى تغلب إلا ما ذكرناه أولا فيجب أن يكون العمل عليه.
وأقول: كأن ابن الشجرى ينكر تأنيث المذكر، لأن فيه ردّ أصل إلى فرع.
قال ابن جنى (٢): «وتذكير المؤنث واسع جدا، لأنه ردّ فرع إلى أصل، لكن تأنيث المذكر أذهب فى التناكر والإغراب».
٥ - ذكر ابن الشجرى (٣) أن «أبى يأبى» مما شذ عن القياس، لمجيئه على فعل يفعل، بفتح العين من الماضى والمستقبل، وليست عينه ولا لامه من حروف الحلق، وكان قياسه: يأبى، مثل يأتى.
ثم حكى ثلاثة أقوال فى تعليل ذلك، وصحّح الأول منها.
стр. 39
٦ - ذهب ابن الشجرى إلى أن الفصل بالأجنبى يمنع التعلّق، وساق عليه شواهد من القرآن الكريم والشعر، وقد تعقبه ابن هشام فى «المغنى» لكنه تناقض ورجع إلى تأويل ابن الشجرى فى «شرح بانت سعاد» ذكرت كل ذلك فى حواشى تحقيق المجلس التاسع والعشرين (١).
٧ - جمع ابن الشجرى (٢) «المكان» بمعنى الموضع على «مكانات».
وهو جائز على قاعدة أن كل مذكر غير عاقل يجوز جمعه بالألف والتاء، كما تقول فى حمّام: حمّامات.
وقد ذكر ابن الشجرى ذلك فى تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ قال: «أى مكانات حرب». والذى رأيته فى كتب التفسير فى شرح «مواطن»: أماكن حرب. وفى لسان العرب، مادة (مكن وكون) عن ابن سيده: «المكان: الموضع، والجمع: أمكنة، كقذال وأقذلة، وأماكن: جمع الجمع». وذكر صاحب اللسان عن ابن سيده أيضا أن المكانات جمع المكانة، بمعنى المنزلة عند الملك.
٨ - يرى ابن الشجرى (٣) أن «الأحباب» فى قول المتنبى:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
جمع حبّ، كعدل وأعدال، قال: ولا ينبغى أن يكون جمع حبيب، كشريف وأشراف، ويتيم وأيتام، لأمرين: أحدهما أن الأول أقيس وأكثر، والثانى أن يتيما وشريفا من باب فعيل الذى بمعنى فاعل، وحبيبا: فعيل الذى بمعنى مفعول، فأصله محبوب، كما أن قتيلا أصله مقتول، فافترقا.
هذا كلام ابن الشجرى، وقد كان ينبغى عليه أن يذكر على أى شيء يجمع «حبيب» الذى هو فعيل بمعنى مفعول، وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أنه يجمع
стр. 40
على أفعلاء: أحبّاء، كما جاء فى قوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾. وعدم تصريح ابن الشجرى بذكر هذا الجمع غريب على أسلوبه فى «الأمالى»، فقد درج على الاستطراد وذكر الغرائب والفوائد، لأدنى ملابسة.
٩ - وكما قصّر ابن الشجرى فى ذكر جمع فعيل الذى بمعنى مفعول، قصّر أيضا فى ذكر جمع «النادى»، وهم القوم المجتمعون، قال فى بيت فارعة بنت شدّاد (١):
رفّاع ألوية شهّاد أندية ... سدّاد أوهية فتاح أسداد
«والأندية ليست بجمع ناد، لما قلنا من أن فاعلا لا يجمع على أفعلة، لكنها جمع نديّ، كرغيف وأرغفة، وهو مجلس القوم ومتحدّثهم» وقد قلت فى حواشى التحقيق إن «النادى» جمع فى الحديث على أنداء، ففى حديث أبى سعيد الخدرى: «كنا أنداء فخرج علينا رسول الله ﷺ ». قال ابن الأثير (٢):
«الأنداء. جمع النادى، وهم القوم المجتمعون».
١٠ - أثبت ابن الشجرى جمع جمع الجمع، فقال فى أصائل (٣):
«الواحد أصيل، فقدّروا جمعه على أصل، كقضيب وقضب، ثم جمعوا الأصل فى التقدير على آصال، كمشط وأمشاط، وعنق وأعناق، ثم جمعوا الآصال على أصائل».
وابن الشجرى مسبوق فى ذلك بابن عزيز فى كتابه «غريب القرآن»، والزجاجى فى «الجمل». وقد تعقّب ابن الخشاب ابن الشجرى فى ذلك، وذكر كلاما طويلا أوردته فى حواشى التحقيق، وممن أنكر هذا الجمع أيضا السهيلى فى «الروض الأنف». وحكيت كلامه أيضا.