الكلام على أحوال القلوب وسيرها، وتوجهاتها إلى الملك العلي الأعلى.
وعبارة البيضاوي في الكلام على أول فاتحة الكتاب: وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها، فيتوجه بشراشره إلى جناب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق، ويشغل سره بذكره والاستمداد به عن غيره. قال البيضاوي: وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى: من كونه موجداً للعالمين، رباً لهم، منعما عليهم بالنعم كلها ظاهرها وباطنها، عاجلها وآجلها، مالكاً لأمورهم يوم الثواب والعقاب: للدلالة على أنه الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه، بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعلِّيته له، وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يتأهل لأن يحمحد فضلا عن أن يعبد، ليكون دليلاً على ما بعده. فالوصف الأول: لبيان ما هو الموجب للحمد، وهو الإيجاد والتربية. والثاني، والثالث: للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه، ليس يصدر منه لإيجاب بالذات أو وجوب عليه قضت به سوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد، والرابع: لتحقيق الاختصاص، فإنه لا يقبل الشركة فيه. وتضمين الوعد اللحامدين والوعيد للمعرضين" انتهى.
وإن شئت المزيد على هذا، ولم تكتف بما ذكرناه من التمثيل بالبسملة، وما فيها من الأبحاث فنتكلم على فاتحة الكتاب بما قاله أهل العلم والتأويل لينتفع بذلك من وقف على كتابنا.
فاعلم أن الحمد على ما أفاده بعض المحقيقين ذكر محاسن المحمود على وجه الثناء عليه بها، مع محبته والرّضا عنه والخضوع له. فلا يحمده من أعرض عن محبته والخضوع له، أو جعل له شريكاً في ذلك. ولا يرضى عنه من أعد غيره لحاجته وفاقته واستغاث به في شدته وضرورته. وهذا الحد أتم
стр. 107
وأكمل من تعريف بعضهم له بأنه اصطلاحاً: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، لوجوه لا تخفى على الذكي. فلا نطيل بذكرها، وإذا كانت "أل" فيه للاستغراق وعموم الأفراد ـ كما هو الراجح ـ فجميع أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال التي يحمد من قامت به ثابت لله أكملها لكمال صفاته وكثرتها. ولهذا لا يحصي أحد من خلقه ثناءً عليه. وبها يستدل على آلهيته وأنه الإله الحق، ولذلك يستدل الله تعالى على بطلان إلهية ما سواه بفقد صفات الكمال التي يستحق بها أن يعبد ويعظم ويقصد وحده، كما قال عن خليله في مخاطبته لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ (مريم: من الآية٤٢) ، وقال في عُبّاد العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ (لأعراف: من الآية١٤٨) ، فجعل نفي صفات الكمال موجباً لبطلان آلهيته وعبادته. وهذا يعرف بالفطر والعقول.
فهذه ثلاثة مواضع في أول كلمة من كتاب الله دلت على بطلان دعاء غيره وعبادته والاستعانة بسواه، والعبد وإن علت درجته وارتتفعت رتبته فهو فقير إلى بارئه وفاطره، لا نسبة لقدرته وعلمه وحكته وفضله وكرمه وحياته إلى ما اتصف به خالقه وإلهه الحق من صفات الكمال ونعوت الجلال. قال الشيخ الإسلام:
والفقر لي وصف ذات لازم أبداً ... كما الغني أبداً وصف له ذاتي
وأما اسمه "الله" فهو دال على الإلهية المتضمنة لسائر صفات الإلهية والكمال، مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال بالوضع والمطابقة على كونه مألوهاً معبوداً، تألهه الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً ومفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، بخلاف من أله سواه ممن لا يستحق الإلهية، ولم يخرج عن رتبة العبودية، وصار مفزعه في الحوائج والنوائب إليه، واعتماده في المهمات والملمات عليه، فمن كان هكذا كعبّاد الملائكة والأنبياء والصالحين، فلم يعط هذا الاسم الشريف حقه من العبودية، وإفراد الله بالإلهية.
стр. 108
وأمّا "الربّ" فهو دال على ربوبيته لجميع مخلوقاته، وكمال الربوبية هو بما اتصف به من صفات الكمال، كقدرته وعلمه ورحمته وقيوميته، وهو يربي عباده بالخلق والتدبير والملك وهو من أكبر الأدلة وأوضحها وأجلاها على وجوب عبادته تعالى، وأن إلهية ما سواه وعبادة غيره أبطل الباطل وأضل الضلال، ولهذا يستدل على إلهيته تعالى ووجوب توحيده بأفعاله الصادرة عن ربوبتيه، كخلقه وقيوميته. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:١٧) ، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الرعد: من الآية٣٣) ، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (الاحقاف: من الآية٤) ، وهذا كثير في القرآن، ولكن يحول بين عباد القبور والصالحين وفهمه ما على قلوبهم من رين الشرك وطابعه، فلا جرم قال العراقي: لم يذكر هذا أحدٌ من العلماء والمفسرين.
وأما اسمه "الرحمن" فهو كما تقدم دال على أن الرّحمة وصفه وصف ذات لا ينفك عنه، ولهذا لا يطلق على غيره.
و"الرحيم" هو الراحم لعباده البالغ في إيصال الرحمة. لأن فعيل من صيغ المبالغة. لكن فعلان أبلغ. فسعة الرحمة وكثرتها وإحاطتها من أدلة عظمة الموصوف وكمال صفاته، ووجوب عبادته وإلهيته، وإنابة القلوب إليه. فالمستغيث بغيره الراغب إلى سواه فيما لا يقدر عليه غيره من الأمور المهمة العظام، وما ليس من جنس الأسباب العادية، كمن يستغيث بالأنبياء، والصالحين والملائكة، ويرجع إليهم في حاجاته وملماته: ما أعطي هذا الاسم حقه، ولا آمن به حق الإيمان الواجب. ولو استشعر شيئاً من كمال مدلوله وسعته وإحاطته لما عدل بربه سواه، ولا التفت إلى غير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما, ومشهد الأسماء الحسنى والصفات العلي مشهد عظيم لا يعرفه ويسير به إلا الصّديقون العارفون بالله. وما يجب له وما يستحيل عليه, وأما من تعلق على غيره والتفت إلى سواه، وصار مبلغ علمه وغاية حذقه وفهمه تعلقه على الأولياء والصالحين ورجاء رحمتهم وإحسانهم وعطفهم. فهو محجوب عن هذا غير عارف بربّه،
стр. 109
جاهل بصفات كماله ونعوت جلاله. قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (الزمر:٦٤) فسجّل على من أمر بدعاء الصالحين والاستغاثة بهم بالجهالة، سواء سمي ذلك توسلاً وتشفعاً واستظهاراً وكرامة أو لم يسمه.
وأمّا ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة:٤) فهو وصف كمال ومجد، يقتضي وجوب معاملته وحده لا شريك له، وإسلام الوجه له، لأنّ الاختصاص والانفراد بالملك يوجب خوفه ورجاءه وطاعته. والتعلق على المملوك المقهور الذي لا شركة له ولا ملك بوجه من الوجوه، وقصده في طلب الإعطاء والمنع، والخفض والرفع والنجاة من النار، والفوز بدار الأبرار: سفه وضلال مبين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (البقرة: من الآية١٣٠) وقد تمدح سبحانه باختصاصه بملك هذا اليوم في مواضع من كتابه مع أنه الملك المالك في الدنيا والآخرة لسر اقتضى ذلك، وحكمة أوجبته، وهي انقطاع كل العلائق والأسباب والمؤاخاة والوصل التي يتعامل بها أهل الدنيا في دنياهم. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (البقرة:١٢٣) ،
فاعرف ما في هذا الخطاب من العموم، ,ما دل عليه التنكير من الشمول المتناول لكل معبود مع الله، ولو نبياً أو ملكاً، وما يجري على يد الشفعاء ذلك اليوم لا يرد على الآية ولا ينفي العموم، لأنه لا يقع إلا بإذنه تعالى فيمن يرضى قوله وعمله. فعاد الأمر له جل ذكره بدءا وعوداً أولاً وآخراً.
و"الدين" هو الجزاء والمكافأة على الأعمال حسنها وقبيحها، وما لم ينزل به سلطان ولم ترد به حجة من الأعمال والديانات، يجازي فاعله، ويعاقب إن لم يمنع مانع كتوحيد الله والإيمان به وبرسله. وأي توحيد يبقى وينفع مع عبادة الأولياء والصالحين والاستغاثة بهم، وصرف الوجوه إليهم.
قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر: ٩٢ ـ٩٣) ، قال جمعٌ من العلماء: عن شهادة أن لا إله إلا الله.
وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:٥) ففيها اختصاصه وانفراده
стр. 110
بالعبادة والاستعانة وأن ذلك حق لا يشركه فيه نبي مرسل، ولا ملك مقرب. والعبادة هي الغاية المقصودة من العباد المكلفين, والاستعانة وسيلة إلى هذه الغاية المقصودة من العباد المكلفين. والمؤمنون بالرسل أخلصوا له العبادة وأفردوه بالاستعانة. فهو معبودهم ومستعانهم وجميع الأعمال داخلة في هاتين الكلمتين الشريفتين، وقد دلت صيغة الحصر والاختصاص فيهما على التوحيد. والعبد همام وحارث، لا بد له من ذلك، وهمه وحرثه غاية ووسيلة فيجب أن يكون غاية قصده ومراده وجه الله، والتماس طاعته ومرضاته، ويجب أن تكون الوسيلة إلى ذلك استعانته بخلاف من عبد غيره واستعان بسواه، أو من عبده لكن قصر وأضاع ما يحصل به مقصوده من الاستعانة، أو من استعان به ولكن على ما لا يحبه وما لم يشرعه من الأعمال الصالحة أو وسائلها. ويدخل في النوع الثاني: من تعلق على الأنبياء والصالحين عبادة واستغاثة واستعانة، كعبّاد القبور، وفي حديث ابن عباس: "ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" الحديث.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "إياك أن تستعين بغير الله فيكلك الله إليه"، وقال أبو عبد الله القرشيّ" استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق" وقال غيره: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون" والكلام هنا يطول.
وغرضنا التنبيه على أن القرآن كله دال على التوحيد. آمر به مشير إليه مستلزم له، مقرر لوصف أهله وما لهم من الكرامة في المعاد ومبين لأحوال من تركه، ولم يرفع به رأساً أو أشرك في عبادته. وما لهذا الصنف من الجزاء والعقاب والإهانة في الدار الآخرة.
وأما قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (الفاتحة: ٦ ـ ٧) فهذا فيه توحيد الطريق وأن من سلك سواه وأراد الوصول من غيره فالسبل والطرق عليه مسدودة قاطعة غير موصلة. وفي حديث ابن مسعود: "خطّ لنا
стр. 111
رسول الله ﷺ خطّاً، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) إذا عرف هذا فالصراط المستقيم ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان من أئمة الهدى, ودعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم والتوجه إليهم كل هذا ليس مما كان عليه النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان، بل وليس عليه أحد من رسل الله ولا أوليائه، وقد توافرت النصوص وتظاهرت على المنع منه. كما سيمر بك مفصّلا، ,قد مر منه جملة صالحة، فإذا كان خارجاً عن الصراط المستقيم ناهيا عنه سالكيه ومؤتميه، فهو سبيل يفضي بسالكه إلى النيران والدخل في طاعة الشيطان، وأهل هذا الصراط المستقيم دأبهم وشأنهم إفراد الله بالعبادة والاستعانة والاستغاثة والإنابة والخوف والرجاء والتوكل والاعتماد، ومباينتهم في الأوصاف خروج عن صراطهم وطريقهم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
فلواحد كن واحدا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان
فسبيل الله واحد لا متعدد، ولا يمكن أن يأتي أحد بحجة وسلطان على أن دعاء الأولياء والصالحين من أهل القبور أو غيرهم مشروع مسنون أو مباح، ولا يمكن أن تأتي شريعة بهذا، وما يقوله الجاهلون من الشبه الواهية لا يعتد به؛ ولا يلتفت إليه، بل هي قاطعة عن الطريق حائلة بين أربابها وبين الصراط المستقيم، وما كان عليه النبي ﷺ وما جاء به من عند الله، وإن زعموا أنها أدلة وبينات، فهي جهالات وخيالات وضلالات. وسيأتيك الكلام على ما أورده العراقي منها.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فغير: صفة ونعت لما قبلها من الاسم الموصول، على ما وجهه بعض المفسرين.
стр. 112
والمعنى: أنّ الذين أنعم الله عليهم خالفوا وباينوا المغضوب عليهم والضالين في صفاتهم الشنيعة، وأفعالهم القبيحة، فالأولون عرفوا الحقّ ولم يتبعوه ولم يريدوه، بل آثروا أغراضهم الفاسدة وشهواتهم القاطعة، واستمتعوا بخلاقهم، ولم يعبثوا بما عداه مما فيه صلاح العبد وهداه. والآخرون غلبت عليهم الشبهات، وتاهوا في أودية الجهالات والضلالات، ولم يهتدوا إلى ما نصبه الله تعالى من الآيات الواضحات، والأدلة الظاهرات على وجوب توحيده وإلهيته وصمديته وتنزهه عن الصاحبة والولد، وأحق الناس بالوصف الأول: اليهود، وبالوصف الثاني: النصارى؛ لغلبة الوصف الأول على اليهود، وغلبة الثاني على النصارى، ولذلك جاء في حديث عدي بن حاتم: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" ولكن هذا الوصف لا يختص بهم، بل كل منحرف عن الصراط المستقيم إيثاراً لهواه ورأيه فله نصيب من الوصف الأول، ومن انحرف لجهله وعدم فقهه فله نصيب من الوصف الثاني، وهذا الانحراف إن بقي معه أصل الدين الذي لا يقوم الإيمان والتوحيد إلا به فهو من أهل الذنوب من المسلمين وأمره إلى الله، وإن كان الانحراف يخل بأصل الدين والإيمان، ويمنع التوحيد، كحال من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين مع الله في مهماته وملماته ويعتمد عليهم، ويستغيث بهم في شدائده فهذا له حظ وافر ونصيب كامل من الضلال، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: من الآية٦٢) انظر هذا الاستفهام وحسن موقعه بعدما تقدم من الاستفهامات التي هي حجج وآيات على ما بعدها تعرف به فحش ما جاء به عباد القبور من دعاء آلهتهم والاستغاثة بهم في الملمات والشدائد المدلهمات وأن الجاهلية كانوا يخلصون في الشدائد، ويعترفون بأنه المختص بإجابة المضطر وكشف السوء وهؤلاء يشتد شركهم عند الضر ونزول الشدائد.
ثم من المعلوم أن أخصّ أوصاف النصارى الضالين: عبادة الأنبياء والصالحين وجعلهم شركاء لله فيما يختص به ويستحقه، وطاعة علمائهم
стр. 113
وأحبارهم في التحليل والتحريم، المخالف لما عهد إليهم في الكتب السماوية على ألسنة أنبيائهم، وعبّادُ القبور ضربوا في هذا بسهم وافر، وحصلوا على نصيب من عبادة الأنبياء والصالحين ودعائهم مع الله استحقوا به إطلاق وصف الضلال عليهم، فيما أتو به وابتدعوه من طاعة الدّعاة إلى عبادة القبور من المنتسبين إلى العبادة أو العلم.
وهذه إشارة تطلعك على ما وراءها. وفي فاتحة الكتاب والسبع والمثاني من العلوم والتوحيد والرّد على أصناف الضالين وشيع المبطلين، ما لا يمكن حصره واستقصاؤه وإنما أردنا بيان كذب العراقي بقوله: لم يذكر المفسرون هذا. والتسجيل على جهله في ذلك، وليس لنا فيما مر إلا تقريبه في عبارة يفهمها الذكي والبليد، وإبرازه في قالب معناه على الطالب غير متعسر ولا بعيد، والفضل للمتقدم. ولولا الحاجة والضرورة لما تصديت لمثل هذه المباحث، خوفاً من زلة القدم، وهفوة القلم، ومعرّة النّدم، وأستغفر الله العظيم من التقصير في فهم كتابه، وعدم الاشتغال بمعرفة ما يراد من حكمه وخطابه.
стр. 114
فصل
قال العراقي: النقل الثالث: قال الشيخ ـ بعد أن سئل عمن قال: يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كلّ ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث الله فيه، وأن من نفى الاستغاثة بالنبي يكفر؛ لأنه نقص من قدر وما يستحقه ـ إلى آخر ما قال السائل، فأجاء بجواب طويل قال في آخره: "وأمّا التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن من رواية النسائي والترمذي وغيرهما: "أن أعرابيّاً أتى النّبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّي أُصبت في بصري، فادع الله لي، قال له النّبي ﷺ : توضأ وصل ركعتين وقل: اللهم، إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ـ وفي لفظ: أتوسل إليك بنبيك ـ يا محمد إني أتشفع بك في ردّ بصري، اللهم فشفعه فيّ، وقال له النّبي ﷺ : إن كان لك حاجة فمثل ذلك، فرد الله بصره" فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ عز الدين بن عبد السلام التوسّل به وللناس في معنى ذلك قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هذا الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: "كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقنا، وإنا نتوسل إليك بعمّ نبيك فاسقنا، فيسقون" فقد ذكر أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه ويكون وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته، ولا في مغيبه، والنّبي كان في مثل ذلك شافعاً داعياً.
стр. 115
القول الثاني: أن التوسل به يكون في حياته وبعد موته ومغيبه وحضرته ولم يقل أحد إن من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية، وليس أداتها جلية، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المجمع عليها، واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه ﷺ عند الذبح، وليس ذلك من مسائل السبب.
ثم قال العراقي: فانظر كيف أثبت حديث الأعمى وفيه الاستغاثة بالنبي ﷺ بقوله: "يا محمد" والنبي ﷺ كان غائباً؛ وقوله: "وإن كان لك حاجة فمثل ذلك" يدل على التشريع، بناء على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقول الشيخ: إن القائل بالجواز لا يكفر من قال بالمنع؛ لأن هذه المسألة ليست أدلتها ظاهرة جلية، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، والمجمع عليه المتواتر من هذه المسألة شبيهة بالصلاة عليه ﷺ عند الذبح، هل تشرع أو لا تشرع؟ وجعل حكم الاستغاثة والتوسل، كالذبح واختلافهم في الصلاة عليه عنده.
لا يقال: مراد الشيخ قول القائل: اللهم بجاه محمد أو بحرمته، لأنا نقول: جواب الشيخ مبني على السؤال، والسؤال إنما هو في الاستغاثة لا التوسل.
وأيضاً: فالشيخ يمنع التوسل كما يمنع الاستغاثة، وإن عذر المجتهد. وجوابه هذا أخرج به نفسه من التكفير، فإنه يقول بالمنع والمجوزون يقولون: من منع فقد نقص من قدر النّبي ﷺ .
والجواب عن هذا الكلام من وجوه:
الأول: أن هذا العراقي تصرف في كلام الشيخ بحذف وزيادة ونقصان، وهذا هو تحريف الألفاظ والإلحاد في النقل، والخيانة في الحكاية وأول جواب الشيخ ﵀ نص في مسألة النزاع، يبطل دعوى العراقي، ويجتث
стр. 116
أصلها. فلذلك أعرض عنه وتركه، ونقل ما يقبل التصرف والتبديل، مع ارتباط الكلام، وهكذا صنع فيما سيمر بك من نقوله وأدلته، فما أشبهه بعبد الله بن صوريا اليهودي، لما أحضر التوراة يتلوها عند النّبي ﷺ لينظر حكم الله في حد الزاني بالرجم، وهم قد زعموا أن الذي في التوراة التحميم، فلما قرأ وضع يده على آية الرجم فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فإذا آية الرجم تلوح، وقد قدمت لك أن بين هذا وبين اليهود مشابهة كلية من جهة التحريف للفظ والمعنى.
إذا عرفت هذا، فأول جواب الشيخ وطالعة خطابه، قوله: الحمد لله رب العالمين. لم يقل أحد من علماء المسلمين: إنه يستغاث بشىء من المخلوقات، في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى، لا بنبي، ولا بملك، ولا بصالح، ولا غير ذلك، بل هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أنه لا يجوز إطلاقه.
ولم يقل أحد: إن التوسل بنبي، هو استغاثة به، بل العامة الذي ن يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم، أو بالكعبة، أو غير ذلك، مما يقولونه في أدعيتهم، يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالنبي ﷺ طالب منه وسائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يُسأل، وإنما يُطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به.
والاستغاثة طلب الغوث، وهو إزالة الشدة، كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعليكم النَّصْرُ﴾ (الأنفال: ٧٢) ، وكما قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥) ، وكما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٢) .
وأمَّا ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا من الله؛ ولهذا كان المسلمون لا يستغيثون بالنبي ﷺ ويستسقون به، ويتوسلون به، كما في صحيح البخارى: أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس وقال: اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنَا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم
стр. 117
نبينا فاسقنا فيسقون. وفي سنن أبى داود: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله، فقال: " شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه ".
فأقره على قوله: نستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله: نستشفع بالله عليك.
وقد اتفق المسلمون على أن نبينا شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأما عند الوعيدية فإنما يشفع في زيادة الثواب.
وقول القائل: إن من توسل إلى الله بنبي، فقال: أتوسل إليك برسولك، فقد استغاث برسوله حقيقة، في لغة العرب وجميع الأمم، قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بنى آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول به مدعو، ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به، سواء استغاث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على التصرف فيه، والنبي ﷺ أفضل مخلوق يستغاث به في مثل ذلك.
ولو قال قائل لمن يستغيث به: أسألك بفلان، أو بحق فلان، لم يقل أحد: إنه استغاث بما توسل به، بل إنما استغاث بمن دعا، وسأله؛ ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال.
والتوسل إلى الله بغير نبينا ﷺ سواء سُمِّىَ استغاثة أو لم يُسَمَّ ـ لا يعلم أحدًا من السلف فعله، ولا روى فيه أثرًا، ولا نعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ من المنع.
كلّ هذا أسقطه العراقي، وضرب عنه صفحاً، لأنه شجى في حلقه وقذى في عينه وغصّة في صدره، وحذف أيضاً من آخر الجواب: قول الشيخ: " وأما من قال: إن من نفي التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر، وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله، فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المُكَفِّر بمثل هذه الأمور، يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله، من المفترين على الدين، لا سيما مع قول النبي ﷺ : " من قال لأخيه: كافر فقد باء بها أحدهما ".
وأما من قال: ما لا يقدر عليه إلا الله لا يستغاث فيه إلا به، فقد قال
стр. 118
الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشى: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة المطلقة، كما قال النبي ﷺ لابن عباس: " إذا سألت فاسأل اللّّه، وإذا استعنت فاستعن بالله ".
وإذا نفي الرسول عن نفسه أمرًا كان هو الصادق المصدوق في ذلك، كما هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به، من نفي، وإثبات، وعلىنا أن نصدقه في كل ما أخبر به من نفي وإثبات، ومن رد خبره تعظيما له، أشبه النصارى، الذي ن كذبوا المسيح في إخباره عن نفسه بالعبودية، تعظيما له، ويجوز لنا أن ننفي ما نفاه، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة، والله أعلم.
فحذف العراقي هذا كله وكتمه، لما فيه من إلطال مذهبه، والدفع في صدره وحف من أثناء الكلام عبارة أخرى وهي قول الشيخ في حديث الأعمى: فعلم أن النّبي ﷺ شفع له، فسأل الله أن يشفعه فيه.
ومن بلغ تحريفه وخيانته إلى هذا الحدّ فهو من أوفر الناس نصيباً من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (لأنفال: من الآية٥٨) وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة:١٥٩) وهذه المسائل التي قررها الشيخ منسوبة إلى أحكام الكتاب مأخوذة من نصوصه.
الوجه الثاني: إن قول الشيخ: وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن لا يريد به التوسل في عرف العراقي، وعبّاد القبور. وهو دعاء المخلوق والاستغاثة به، وإنّما يريد به سؤال الله تعالى أن يشفع عبده فيه، بإجابة دعائه لهذا السائل وأرشده في هذا إلى التوسل إلى الله بالصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية وأن يوحده بالدعاء والمسألة في أن قيبل شفاعة نبيه: أي دعاءه له، وهذا ليس الكلام فيه، وليس من توسل عباد القبور، وتقدم قول الشيخ:
стр. 119
إن هذا لا يسمى استغاثة، وفرق بين التوسل والاستغاثة، والعراقي يسمي كل ما يفعله عبّاد القبور من العبادات توسلاً، ويسقط من كلام الشيخ ما رد عليه هذه التسمية، وأنها لا تعرف في لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم، وقوله في الحديث: "أتوجه بعبده ورسوله، ومسألة التوجه على الله بجاه عباده ومسألته بهم مسألة معروفة مشهورة، قد تكلم فيها الأئمة وسيأتيك كلامهم فيها، وعلى كل فليست من محل النزاع، وأما قوله: "يا محمد إني أتشفع بك في ردّ بصري، اللهم شفعه فيّ" فهذه الكلمة لم تثبت في الطرق المعروفة لهذا الحديث. ولم يذكرها الترمذي وأمثاله من الحفّاظ، وليس فيها استغاثة بالنّبي ﷺ فإن هذا لايسمى استغاثة، كما قاله الشيخ فيما أسقطه العراقي، والداعي ليس مستغيثاً، والمغيث هو المجيب، وهذا كلام الشيخ الذي كتمه العراقي، وقال الشيخ: إن من نسبه إلى أحد من الأمم فهو كاذب.
وقول العراقي: والنبي ﷺ كان غائباً، كلام من لا يدري الحقائق، فليس في نفس الحديث ما يدل على الغيبة، بل فيه ما يدل على الحضور، وهو قوله: "يا محمد إني أتشفه بك"، فقوله: "والنبي كان غائباً" زيادة عراقية ليست في الأحاديث النبوية، وقوله: "وإن كان لك حاجة فمثل ذلك" ليس فيه ما زعمه العراقي من الدلالة على التشريع لوجوه:
منها: أن الحديث فيه مقال، وقد تكلم الحافظ في سنده، والشيخ عز الدين علّق الجواز على صحة الحديث، وبين العراقي وبين الكلام في التصحيح والحكم به مفاوز تتقطع أعناق مطايا الحفاظ دونها، فكيف بالمقعدين الذين هم صفر من فنون العلم والدين؟.
الوجه الثاني: أن اللّفظ ليس بعام كما زعمه هذا العراقي، ثم كيف يقول هذا وهو ينكر تناول العام لإفراده، ويقتصر على مورد السبب فيما يحتج عليه به من الآيات القرآنية، كما قاله لما احتج عليه بعض أصحابنا بقوله
стр. 120
تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ (الزمر: من الآية١٩) قال: هذا في أبي لهب. فظهر أنه متلاعب، وهذا هو:
الوجه الثالث منها: أن الذي رجح الشيخ ومن وافقه من المحققين أن هذا خاص في حياته؛ لأن المقصود به شفاعته بالدّعاء كما كان يستغفر لأصحابه ويدعو لهم، وهذا هو الذي فهمه الفاروق، وناهيك به، فإنه قال: "وكنّا نتوسّل إليك بنبيّنك فتسقنا" وهو ﷺ في حياته كان يدعو لهم فتجاب دعوته، وبعد موته لا يشرع طلب الدعاء منه؛ لأنّ عمر عدل إلى العباس ولم ينكره منكر ولم يذهب إلى القبر الشريف أحد من أفاضل الأمة وأكابرها، مع أنّ قبره ﷺ بين ظهرانيهم، وهذا اتفاق منهم على تصويب عمر ومتابعته، وهذا من باب التنزل مع هذا العراقي، وإلا فعدم مشروعيته هذا في سائر الكتب السماوية معلوم من الدين بالضرورة.
الوجه الرابع: أن الحديث إن صحّ فهو مخصوص بالنبي ﷺ عند من قال بالجواز، كابن عبد السلام، فسؤال الله بغيره لم يقل به أحد ممن حكى الشيخ قولهم بالجواز، قال الشيخ فيما تقدم ولا يعلم أحدٌ من السلف فعله؛ ولا روي فيه أثر ولا يعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ عز الدين من المنع، وعباد القبور يسألون الله بجاه من اعتقدوا فيه، بل آل الأمر إلى أن يسألوه تعالى بجاه كل من رفع قبره، وجعلت عليه قبّة، بل بالبله والمجانين الذين يعتقدهم عبّاد القبور. وقد حدثني شيخنا محمد بن محمود الجزائري بداره بالإسكندرية أن مذهب الحنفية يمنع سؤال الله بجاه أحد لقوله ﷺ : "لا تزكوا على الله أحداً" وهذا مشهور عن أبي حنيفة، وعن أبي يوسف وكثير من أتباعهما هذا مع أنها مسألة أخرى غير محل النزاع، فإيراد العراقي لها هنا مغالطة، وما تمسّك به من قول الأعمى: "يا محمد" ليس هو من سؤال الغائب وندائه كما زعمه العراقي، والالتفات له مقتضيات تذكر في فن المعاني. فأي فائدة في إيراد هذا؟ ثم هذه اللفظة وهي قوله: "يا محمد" لم يخرجها أهل السنن، ولم تثبت من الطرق المشهورة لهذ الحديث.
стр. 121
وفي كلام الشيخ: " أن الكفر يكون بإنكار ما علم من الدّين بالضرورة، وبإنكار ما أجمع عليه أو ما تواتر" وقد أعمى الله بصيرة العراقي عن هذا، كيف يكرر فيما تقدم أن دعاء القبور والتوسل بمسألة أربابها والاستغاثة بهم من مسائل الاجتهاد، التي يكفر المخطئ فيها، ولا يؤثم؟ بل هو مأجور. ثم يكتب بيده عن الشيخ الذي نسب إليه ما تقدم من إفكه أن الكفر يكون بإنكار ما علم بالضرورة أو ما أجمع عليه أو ما تواتر.
ومسألة المخلوق والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله تحريمها والمنع منها من الضروريات عند كل من تصور الإسلام وتحريمها مجمع عليه، والنهي عنها متواتر. فسبحان من طبع على قلبه، والذي جزم الشيخ أن أدلتها ليست ظاهرة جلية هي مسألة سؤال الله بجاه رسوله كأن يقول، ما في الحديث: "اللهم إني أتوجه إليك بنبيك أو أسألك بجاه نبيك" فالموسؤول هو الله، والمتوجه به عبده ورسوله. هذه هي أدلة جوازها خفية على القول به، فلا يكفر منكرها. وليست من مسألة المخلوقين في شيء أصلاً، وهذه هي المشبهة بالصلاة عليه عند الذبح.
وقول العراقي: لا يقال مراد الشيخ قول القائل: اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بحرمته، لأنّا نقول: جواب الشيخ مبني على السؤال، والسؤال إنما هو الاستغاثة لا التوسل.
يقال في جوابه: هذا المنع جهل صرف وتخليط محض، لا يصدر عمن يتصور ما يقول، فإن السؤال في الاستغاثة والتوسل، والسائل جعل الاستغاثة توسلاً، فرد عليه الشيخ وكذبه؛ وجزم بأن هذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم وميز الشيخ ما في السؤال من اللّبس، فمنع الاستغاثة بغير الله، وقرّر أنّها لا تجوز وأنّ من منعها فقد قال الحق؛ وأن من ردّ أخبار الرسول بقصد التعظيم فهو يشبه النصارى في غلوهم في المسيح، وتكذيبه فيما أخبر به عن نفسه من العبودية وتكلم على المسألة الأخرى، وهي سؤال الله بجاه نبيه وسمّاها توسّلاً ومنع من تسميتها استغاثة؛ وحكى فيها لهم قولين: قولاً بالمنع في مغيبه وبعد موته وحملوا الحديث على التشفع بدعائه في حياته فقط، وقولاً
стр. 122
بالجواز في مغيبه أو بعد موته. ورجّح الأوّل بفعل عمر، وما كان عليه الصحابة وأهل العلم. فكيف يقول هذا الغبي: كلامه في الاستغاثة؛ لأنّ السؤال فيها؟ والسؤال فيه مجموع الأمرين، ولو فرض أن السؤال فيه إجمال فالتفصيل والاستفصال في جواب السؤال يتعين دفعاً للعموم والإجمال، وقد وقى الشيخ ﵀ بهذا فيما قرره من المقال.
وأما كون الشيخ يعذر المجتهد في مسألة الله بجاه رسوله، فلا يلزم منه أن يعذر في الاستغاثة بالمخلوقين ودعائهم مع الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، لوضوح الأدلة المانعة هنا وخفائها في الأولى، فبطل قول العراقي. وأيضاً فالشيخ يمنع التوسل كما يمنع الاستغاثة.
стр. 123
فصل
قال العراقي: في النقل الرابع: قال في الفتاوى أيضاً في جواب من سأله فيمن قال: لا يستغاث بالنّبي ﷺ هل يحرم عليه هذا القول؟ وهل هو كافر به أم لا؟ وإن استدل بآية من كتاب الله وأحاديث النّبي ﷺ أم لا؟ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة، فما يجب على من خالف ذلك والحالة هذه؟ الجواب: الحمد لله، قد ثبت بالسنة المستفيضة، بل المتواترة، واتفاق الأمة: أن نبينا ﷺ الشافع المشفع في الخلائق يوم القيامة وأن الناس يستشفعون به، ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربه.
وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، فهؤلاء مبتدعة ضُلال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل. وأما من أنكر ما ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة عليه، سواء سمى هذا استغاثة أو لم يسمه. وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به، فمن أنكر هذا فهو ضال مخطئ مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل.
والتوسل به نحو ذلك ولكن قال: لا يدعى إلا الله وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه، مثل غفران الذّنوب، وهداية القلوب، وإنزال المطر، وإنبات النبات، ونحو ذلك ـ فهذا مصيب في ذلك. روى الطبراني: "أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق، فقال أبو بكر الصديق ﵁: قوموا بنا نستغيث بالنّبي ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : " إنه لا يستغاث بى، وإنما يستغاث بالله "، فهذا إنما أراد به النبي ﷺ المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه
стр. 124
الدعاء ويستسقون به، كما في البخارى، عن عمر قال: "ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقى، فما ينزل حتى يجيش له الميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبى طالب؛ ولهذا قال العلماء في أسماء الله تعالى: يجب على المكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل غوث فمن عنده، وإن كان ذلك على يد غيره فالحقيقة له ولغيره مجاز ـ إلى أن قال الشيخ ـ: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من النبي ﷺ ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع فى هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطئ ضال.
ومن خالف ما يكون ثبت فى الكتاب والسنة، فإنه يكون إما كافراً، وإما فاسقاً، وإما عاصيا، إلا أن يكون مجتهداً مخطئًا فيثاب على اجتهاده، ويغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذى تقوم عليه الحجة به" انتهى.
فانظر إلى قوله: "قال العلماء المصنفون في أسماء الله: يجب على المكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل غوث فمن عنده، وإن كان ذلك على يد غيره فالحقيقة له وبغيره مجاز" وهذه القاعدة الراسخة في قلوب المسلمين، فإذا طلبوا من أحد غير الله من أنبيائه وأوليائه فمرادهم أنهم يتسببون لهم والله هو الفاعل الحقيقي، بل عوام الناس يعرفون ذلك، وأعظم من هذا قول الشيخ رحمه الله تعالى: "والاستغاثة بمعنى أن يطلب من النبي ﷺ ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيه مسلم، ومن نازع فيه فهو إما كافر ومخطئ ضال"، والمستغيثون بالنبي طالبون منه أن يشفع لهم إلى ربّهم في قضاء مآربهم بدعائه أو وسيلته، وهذا هو اللائق بمنصبه ﷺ ، فتبين أن المنازع في هذا كما قاله الشيخ إما كافر أو ضال؛ فواللهِ إنّ هذه العبارة تكفي ردعاً لمن يتعرض للمسلمين في هذه الأمور.
стр. 125
والجواب أن يقال:
قد اعترى هذا النقل ما قبله من التحريف والحذف والتصرف في كلام الشيخ حتى أخرجه عن مقصوده. فإنّه حذف منه ما يرد قوله ويهدم أصله. قال بعض أهل العلم: أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل البدع لا يكتبون إلا ما لهم.
قلت: هم لا يتجاسرون على هذا الصنيع والتصرف والخيانة، غايتها ترك ما لم يوافق أصولهم ومذهبهم، بخلاف العراقي، فإنه محرّف كذّاب لا يؤمن على النقل، فحذف من هذا الجواب المختصر نحو سبعة مواضع:
الأول: قول الشيخ: "ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد". فانظر ما النكتة في حذف هذه الجملة وتفطن لذلك.
الموضع الثاني: قول الشيخ في الخوارج والمعتزلة: لم ينكروا شفاعته للمؤمنين". والنكتة في حذف هذا أنه لم يفقه الجمع بين ما أنكروه وما أثبتوه.
الموضع الثالث: حذف ما حكاه الشيخ من توسل الصحابة واستشفاعهم بنبيهم، وأن ما كان يفعله من الدّعاء لهم والاستغفار لأن هذا البيان يبطل دعواه، فحذف الأحاديث، وحذف كلام الشيخ عليها ليلبّس على النّاس بأن الصحابة يتوسّلون بالرّسول والتوسّل عنده هو دعاء الرسول ﷺ مع الله، والاستغاثة به في حياته وبعد مماته، فقاتل الله الملبسين والملحدين، وما أشدّ جنايتهم على الإسلام والمسلمين؟ فإنّ الشيخ بيّنه بما رواه البخارى في صحيحه عن أنس: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا لتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون"، وفي سنن أبى داود وغيره: "أنّ أعرابيا قال للنبي ﷺ : جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله. فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف
стр. 126
ذلك في وجوه أصحابه وقال: " ويحك، إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك "، وذكر تمام الحديث، فأنكر قوله: "نستشفع بالله عليك"، ولم ينكر قوله: "نستشفع بك على الله"، بل أقره عليه، فعلم جوازه ". كلّ هذا حذفه العراقي.
الرّابع: حذف قول الشيخ: " بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضًا. كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ (آل عمران: ١٣٥) ، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (القصص: ٥٦) ، وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عليكم هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ﴾ (فاطر: ٣) ، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ﴾ (آل عمران: ١٢٦) ، وقال: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذي نَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ (لتوبة: ٤٠) . فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنتفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعاني نفيًا وإثباتًا إن وجدت في كلام الله ورسوله، وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه، وإلا رجع فيه إليه.
وقد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله، وهذا يرد عليه فهمه ".
حذف العراقي هذا كله لأن فيه تفصيلاً وفيه حكاية الإجماع بين المسلمين، أنّه لا يطلب من الرسول ولا من غيره فيما يختص به تعالى كمغفرة الذنوب وهداية القلوب والنصر على الأعداء والرزق من الأرض والسماء ونحو ذلك من أفعال الربوبية. وتقدم أن الشيخ يكفّر بإنكار ما علم من الدين بالضرورة وما تواتر الخبر به. وفيه قوله: والمعاني المنتفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، فضرب الملحد عن هذا صفحاً وأسقط من كلام الشيخ بقصد الترويج، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
الخامس: مما حذف من قول الشيخ ﵀: قالوا ومن أسماء الله
стр. 127
تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبى هريرة، قالوا: وأجمعت الأمة على ذلك. وقال أبو عبد الله الحليمى: "الغياث هو المغيث"، وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين، ومعناه المدرك عباده فى الشدائد إذا دعوه، ومجيبهم ومخلصهم. وفى خبر الاستسقاء فى الصحيحين: " اللهم أغثنا" يقال: أغاثه إغاثة وغياثًا وغوثًا، وهذا الاسم فى معنى المجيب والمستجيب، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩) ، إلا أنّ الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر.
قالوا: الفرق بين المستغيث والداعى: أن المستغيث ينادى [بالغوث، والداعى ينادى] (١) بالمدعو والمغيث. وهذا فيه نظر؛ فإنّ من صيغة الاستغاثة: "يا الله يا للمسلمين"، وقد روي عن معروف الكرخى أنه كان يكثر أن يقول: "واغوثا بالله"، ويقول: "إنى سمعت الله يقول: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ "، وفى الدعاء المأثور: " يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث، أصلح لى شأنى كله، ولا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك ". والاستغاثة برحمته استغاثة به فى الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به فى الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به فى الحقيقة، ففى الحديث: " أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق "، وفيه " أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ".
ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: " أعوذ بكلمات الله التامات " قالوا: والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق، وكذلك القَسَم، وقد ثبت فى الصحيحين أن النبى ﷺ قال: " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت "، وفى لفظ: " من حلف بغير الله فقد أشرك " رواه الترمذي وصححه. ثم قد ثبت فى الصّحيح: الحلف بـ " عزة الله "، وبـ " عمر الله "، ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذى نهى عنه.
كل هذا حذفه العراقي، وأسقطه، لما فيه من رد كلامه، وهدم أساسه، وقد بين فيه الشيخ معى الإغاثة، وأن الله هو المغيث، والفرق بينه
стр. 128
وبين الدّاعي، وفيه أن الاستغاثة لا تصح بالمخلوق، وهي نوع من الدّعاء وكذلك القسم وأسقط العراقي هذا كله.
الموضع السادس: حذف قول الشيخ: وأما بالمعنى الذي نفاها النّبي ﷺ فهو أيضاً مما يجب نفيها، ومن أثبت لغير لله ما لا يكون إلا لله فهو أيضاً كافر إذا قامت عليه الحجة، ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطاميّ: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق"، وقال الشيخ أبو عبد الله القرشى: "استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون ". وفى دعاء موسى ﵇: " اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله "، ولما كان هذا المعنى هو المفهوم عند الإطلاق وكان مختصاً بالله، صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوَّز مطلق الاستغاثة بغير الله، وكذا الاستعانة أيضا، منها ما لا يصح إلا لله، وهى المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله. وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: ٧٢) ، والنصر المطلق هو به ما يغلب العدو ولا يقدر عليه إلا الله ".
فهذا حذفه كلّه، واقتصر على قول الشيخ: "والاستغاثة أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه، لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإلا مخطئ ضال".
حذف ما بعد هذه العبارة وظنّ أنها تؤيد مذهب عبّاد القبور، وأن منصب الرسالة يقتضي أن يدعى مع الله ويستغاث به الاستغاثة المطلقة، كما يفعل من يستغيث بالمسيح وأمه، والملائكة، هذا فهم العراقي. والشيخ قد فصل وبين ما يليق بالمنصب الشريف وما يختص بمقام الربوبية، فأسقط ما لا يقبل التحريف وأثبت ما حرفه وألحد فيه.
وهذا الجواب حجّة لشيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيره من
стр. 129
أهل الإسلام. وهذا مما يفضح هذا العراقي وشيعته من عبّاد القبور. وأسقط قول أبي يزيد البسطاميّ وقول أبي عبد الله القرشي في الاستغاثة بالمخلوق؛ لأنه يهدم أصله ويبين زيفه وتحريفه. وأسقط دعاء موسى ﵇، لما فيه من حصر المشتكي وحصر الاستعانة والاستغاثة. والعراقي لا يرى حصر ذلك بل يرى أن الاستغاثة والاستعانة والشكوى لغير الله مما يستحب في الكتاب والسنة، ولو كان المستغاث والمستعان بهم أمواتاً وغائبين فلم يجد من الحيل لما أصاب الحديث مقاتله إلا أن أسقطه ومحاه.
فالحمد لله على تأييد دينه ونصر عباده الموحدين.
ومن المحذوف قوله: "ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوّز مطلق الاستغاثة بغير الله، وكذلك الاستعانة أيضاً منها ما لا يصلح إلا لله، وهي المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نِسْتَعِينُ﴾ خاف العراقي من هذا؛ لأنّه يأتي على كلّ ما ذكر، فيهدم أصله، ويسقط ما بناه من الشبه.
الموضع السابع: حذف كلام الشيخ على قيام الحجة، قال ﵀: "فإن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: ١٥) . وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها: فإنه يعاقب بحسب ذلك".
قلت: فهذا صريح في عقاب من قامت عليه الحجة في مسألة النزاع، وهي دعاء الصالحين مع الله. وهذا دأب هذا الملحد، يكذب على أهل العلم، ويلحد في آيات الله وفي أحاديث رسوله. والله الموعد بيننا وبينه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية٢٢٧) .
وأما قوله بعد حكاية كلام الشيخ: "في أنّ كلّ غوث فمن عنده تعالى، وإن كان ذلك على يد غيره، فالحقيقة له ولغيره مجاز".
قال العراقي: "وهذه القاعدة هي الراسخة في قلوب المسلمين، فإذا طلبوا من أحد غير الله من أنبيائه وأوليائه فمرادهم أنهم يتسببون لهم، والله هو الفاعل الحقيقي، بل عوام الناس يعرفون ذلك".
стр. 130
فجواب هذا أن يقال: ليس هذا هو الرّاسخ في قلوب عباد القبور، فإن أقوالهم وأدعيتهم وتوجهاتهم صريحة في أن مدعوهم ومستغاثهم مع الله يعطي ويمنع ويخفض ويرفع، ويقضي حاجة من دعاه، ويجبر من لاذ بحماه، ولا تستبين العقائد وما في القلوب إلا بترجمة المترجم وعنوان المعبر وهو اللسان، قال الشاعر:
إنّ البيان لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
وقد قرّر الفقهاء، وأهل العلم في باب الرّدة وغيرها أن الألفاظ الصريحة يجري حكمها وما تقتضيه وإن زعم المتكلم بها أنه قصد ما يخالف ظاهرها.
وهذا صريح في كلامهم يعرفه كل ممارس، ولكن الهوى أحال عقول عبّاد القبور وفهومهم عن مستقرها.
وأيضاً فإطلاق السبب ليس عذراً مبيحاً لدعاء غير الله والاستغاثة به فإن المشركين قصدوا السبب ليس إلا، كما حكى الله عنهم ذلك في مواضع من كتابه، ولم يريدوا أنها فاعلة مستقلة، بل اعترفوا بالفعل والاستقلال لله تعالى، وقد مرّت أدلة ذلك، وتأتيك في مواضعها إن شاء الله تعالى فبطل كلامه.
وإن سلمنا الدعوى وأنه إنما أراد السبب، فهذا الموضع هو منشأ الغلط، فإن القوم لم يفرقوا بين توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله سبحانه بالدعاء والاستعانة والخوف والرجاء والحب والإنابة والذل والخضوع، وظنوا أن هذا لا يكون شركاً إلا إذا اعتقد فاعله أن غير الله مستقل مدبر مؤثر، وإلا فلا شرك على زعم هؤلاء الضلال، وقد تقدم أنّ عبّاد القبور أو جمهورهم صرّحوا بأن المشايخ والأولياء يتصرفون، فراجع ما مرّ من حكاية معتقدهم، فالعراقي كاذب، وعلى تسليم صدقه فهو قول المشركين من جاهلية العرب سواء بسواء.
стр. 131
وأما قوله: "وأعظم من هذا قول الشيخ ﵀: والاستغاثة بمعنى أن يطلب من النبي ﷺ ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيه مسلم، ومن نازع فيه فهو إما كافر أو مخطئ ضال. والمسلمون المستغيثون بالنبي ﷺ طالبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم في قضاء مآربهم بدعائه أو وسيلته. وهذا هو اللائق بمنصبه ﷺ فتبين أن المنازع في هذا كما قال الشيخ: إما كافر أو ضال، فوالله إن هذه العبارة تكفي ردعاً لمن يتعرض للمسلمين في هذه الأمور".
والجواب عن هذا أن يقال: الفرق بين اللائق بمنصبه، وما لا يليق إلا بمقام الربوبية ومرتبة الإلهية موضح في الكتاب والسنة، وهو الأصل المهم، وهو الزبدة المقصودة، فإن المرجع لتفسير كلام الشيخ وعبارته إليه نفسه، فقد فسر ذلك وبيّنه ووضّح اللائق بمنصبه ﷺ بما مر في حديث أنس، وما مرّ من رواية أبي داود وغيره، ولكن أنت أيها العراقي أبيت هذا البيان والتفصيل.
وفررت منه كالحمر المستنفرة، وموهت على الجهّال بأول العبارة، وتركت ما قبلها وما بعدها، وقد سقنا العبارة برمتها، والواقف عليها يعرف مراد الشيخ وما هو اللائق بالمنصب النبوي، لأنه موضح فيما مر. وإن رجعنا إلى الأصل الأصيل ونظرنا إلى الكتاب والسنة عرفنا ما يليق بمنصبه ﷺ من الإيمان به والتصديق له، وتعزيره وتوقيره ومحبته وتحكيمه والرضى بحكمه والتسليم له ونصرته والذّب عن سنته وجهاد من أشرك به وغلا فيه، وطلب منه ما لا يليق إلا بالحي الحاضر، كالدعاء والاستغفار، وعرفنا أيضاً ما هو اللائق برتبة الربوبية وما هو المختص لمستحق الألوهية والعبودية من الحب والذل والتعظيم والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة، والخوف والرجاء ونحو ذلك من العبادات المختصة اللائقة بالله، وكل جملة من هذه الجمل قد مرت بك أو يمر دليلها فلا نطيل بتكراره، والشيخ يكفر أو يضلل من نازع فيما يليق بالمنصب النبوي.
وأما من قال: لا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه،
стр. 132
فهذا محق عرف الحق، وما يجب لله وما يليق بعبده ورسوله ﷺ ، فهذه العبارة تكفي ردعاً لمن يتعرض للموحّدين المسلمين لأنها تؤيدهم، وليست ردعاً لمن يتعرض لعبّاد القبور المحرفين الكلم عن مواضعه، والملحدين في آياته، وإن روّجوا على الناس بأنهم مسلمون: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام:١١٥) .
стр. 133
فصل
قال العراقي: النقل الخامس، قال في اقتضاء الصراط المستقيم: صارت النذور المحرمة مأكلاً للسدنة والمجاورين والعاكفين على بعض المشاهد وغيرها، وأولئك الناذرون يقول أحدهم: مرضت فنذرت، ويقول الآخر: خرج المحاربون فنذرت، وقد قام في نفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، بل تجد كثيرا من الناس يقولون: إن المشهد الفلاني والمكان الفلاني يقبل النذر بمعنى أنهم نذروا له نذوراً فقضيت حاجتهم ـ إلى أن قال ـ: وما روي أن رجلاً جاء النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، قال: ومثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ حاجة أو غيره من أمته، فتقضى هذا يوقع كثيراً. ولكن عليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ أو غيره من أمته لهؤلاء السائلين الملحين لما هم عليه من ضيق الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم، كما أنّ السائلين له في الحياة كانوا كذلك" انتهى.
فانظر إلى تسليمه ﵀ للآثار الواقعة، والأخبار الواردة في هذه الوقائع فإنّ عام الرمادة الذي يشير إليه الشيخ هو ما رواه البيهقي وابن أبي شيبة بسند صحيح عن مالك الدارمي ـ وكان خازن عمر ـ قال: "أصاب النّاس قحط في زمن عمر بن الخطّاب، فجاء رجل إلى قبر النّبي ﷺ ، فقال: يا
стр. 134
رسول الله استسق لأمّتك، فإنّهم قد هلكوا فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، فقال له: ائت عمر، واقرأه السلام، وأخبره أنهم مسقون" إلى آخر الحديث، وسيأتيك في الأدلة، ويسمون تلك السنة: عام الرمادة لكن عند الشيخ باجتهاده لا يستحب، وعند غيره من جماهير الأمة قام الدليل على الاستحباب لهذا الأثر، وحديث الأعمى وغيرهما. ثم إن الشيخ أثبت قضاء الحوائج من أهل القبور كالأنبياء والأولياء من أمته، وأنه واقع كثيراً وأن رحمته للسائلين لئلا يضطرب إيمانهم، فلا ينبغي أن ينسب إلى هذا الشيخ ما هو بريء منه مثل تكفير الناس وتفسيقهم.
ثم قال العراقي: النقل السابع: قال في اقتضاء الصراط المستقيم: "وكذلك ما حكى لنا أن بعض المجاورين بالمدينة أتى إلى قبر النبي ﷺ فاشتهى نوعاً من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه فقال: إن النبي ﷺ بعث إليك ذلك، وأعطاه الطعام، وقال: إنه يقول لك: من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا، اخرج من عندنا. وآخرون قضيت حوائجهم ولم يقل لهم مثل هذا لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم؛ فإنه يغفر للجاهل مالا يغفر لغيره كما حكى عن برخ العابد الذي استسقى في بني إسرائيل" انتهى.
فاستدل العراقي بها على أن الشيخ يجوز الطلب من المقبورين على أنهم وسائل للمجتهد والمقلد أو الجاهل حسن القصد أنه مغفور له.
ثم قال العراقي: الثامن قال أيضاً في اقتضاء الصراط المستقيم: وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحاً ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه، لعدم علمه، وهذا باب واسع، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مجتهداً مخطئاً أو مقلداً، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع في المجتهد المخطئ، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع" انتهى.
стр. 135
قال العراقي: وذكر الشيخ بعد هذا حكاية العتبي وأنه استغاث بالنبي ﷺ وقضيت حاجته، فليراجع.
ثم قال: النقل التاسع: قال الشيخ في هذا الكتاب أيضاً: "وقد علمت جماعة ممن سأل المقبورين من الأنبياء والصالحين، فقضيت حاجتهم، وهو لا يخرج عمّا ذكرته " انتهى.
ثم قال العراقي: النقل العاشر قوله: " ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أنّ قوماً سمعوا رد السّلام من قبر النبي ﷺ أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك. فهذا كله حق ليس مما نحن فيه والأمر أجل من ذلك وأعظم، وكذلك ما يروى: أنّ رجلاً جاء إلى قبر النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرّمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس، ومثل هذا يقع كثيرا ممن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع. وكذلك سؤال بعضهم النبي ﷺ أو لغيره من أمته حاجة فإن هذا قد وقع كثيراً ـ وليس هو مما نحن فيه. وعليك أن تعلم أن إجابة النبي ﷺ وغيره لهؤلاء السائلين ليس مما يدل على استحباب السؤال؛ فإنه هو القائل: "إن أحدهم يسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها ناراً. فقالوا: يا رسول الله فلم تعطِهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل". وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم عليه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم كما أن السائلين له في الحياة كانوا كذلك. فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر، أما أنه يدل على حسن حال السائل فلا" انتهى.
قال العراقي بعده: فانظر إلى تسمية سؤال أهل القبور ووقوعه وأنهم لو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم وأنه كرامة لصاحب القبر.
قلت: قد حرّف العراقي كلام الشيخ، والشيخ قصده أن الإجابة قد تكون كرامة لصاحب القبر، وليس المقصود سؤال الميت كما زعم هذا
стр. 136
الملحد، بل المسؤول لا يكون كرامة، كما قال الشيخ بعد هذا الموضع في هذا الكتاب بعينه: "ثم من غرور هؤلاء وأشباههم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله لعبده، وليس هو في الحقيقة كرامة، وإنما يشبه الكرامة، والكرامة في الحقيقة ما نفعت في الآخرة".
ثم قال العراقي: "النقل الحادي عشر في اقتضاء الصراط المستقيم: "ومن هذا أني أعرف رجالاً يستغيثون ببعض الأحياء أو ببعض الأموات، فيراه يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضارباً له بسيف وإن كان الحال لا شعور له بذلك. وإنما ذلك من فعل الله سبحانه بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من أتباعه له في طاعة الله، فيما يأمره به من طاعة الله أو نحو ذلك، فهذا قريب" انتهى.
قال العراقي بعده: ووجه قربه أنه كرامة، وهو من فعل الله، والمجوزون لذلك يقولون: إن الله هو الفاعل وذلك المستغاث يكون سبباً ووسيلة، ولا ينكر هذا حتى العوام؛ فإنهم لا يقولون إن ذلك المستغاث يفعله بنفسه استقلالا، بل هو من الله تعالى وبأمره وبإذنه.
ثم قال: النقل الثاني عشر: قال في هذا الكتاب: " وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن يجاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الدفن عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها، فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه. وفي قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق. وكل هذا لا يقتضي استحباب الصلاة أو قصد الدعاء والنسك عندها، لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع كما تقدم. فذكرت هذه الأمور لأنها مما يتوهم معارضته لما قدمناه وليس كذلك".
стр. 137
هذا ما نقله العراقي من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم.
وحاصل ما احتج به هذا الجاهل قول الشيخ: "وما روي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فشكى إليه الجدب عام الرّمادة، وأن مثل هذا يقع كثيراً لمن هو دون النبي ﷺ وأعرف من هذا وقائع، وكذلك سؤال بعضهم للنبي ﷺ حاجة أو غيره من أمته فتقضى لهؤلاء السائلين الملحين ولو لم يجابوا لاضطرب إيمانهم. وكذلك من أتى إلى القبر واشتهى نوعاً من الأطعمة، فجاء إليه بعض الهاشميين به، وقال: إنه يقول: من يكون عندنا لا يشتهي مثل ذلك، اخرج من عندنا، وآخرون قضيت حوائجهم لاجتهادهم، وتقليدهم وقصورهم في العلم فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره. فزعم العراقي أن هذا دليل على جواز الطلب من أصحاب القبور.
وكذلك في دليله الثامن: نقل عن الشيخ: "وقد يعمل الرجل العمل الذي يعتقده صالحاً ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه"، والنقل التاسع والعاشر نحو هذا، ونقل قول الشيخ: "وهذا ليس مما نحن فيه" ولم يفهم أن هذا يرد عليه ما نقل، وأن الكلام في التشريع وتقرير المنع والتحريم ليس في الأمور القدرية، والحوادث الكونية، ولم يفقه مراد الشيخ ومقصوده.
وحينئذ فنقول في جوابه:
لا بد من مقدمة نقدمها قبل الجواب؛ ليعلم الواقف على كتابنا ما صنع هؤلاء القبوريون من التحريف والتبديل لدين الله، والكذب على أهل العلم، فنقول:
موضوع هذا الكتاب الذي نقل منه العراقي في بيان النهي عن التشبه بالكفار في أعيادهم وما جاءت به الشريعة من مخالفتهم، ومخالفة الأعاجم والمشركين في هديهم وزيّهم وما هم عليه من الأوصاف المقتضية لغضب الله والطرائق الضالة الموجبة لسخط الله ومقته، وبالأخص مسألة الغلو في
стр. 138
الأنبياء والصالحين وما يفعله أهل الكتاب من الضلال الواضح المستبين؛ وقرّر أدلة ذلك وقواعده، وأصوله ووسائله وذرائعه وذكر من النصوص والآثار والاعتبار ما فيه كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وأما ما نقله العراقي من هذا الكتاب فهي أسئلة وإيرادات أوردها الشيخ بقصد ردها ودفعها والجواب عنها، لئلا يغتر بها الغالون، ويشبه بها المحرفون، فأخذ العراقي تلك الإيرادات وانتزعها من الكلام وترك جوابها وكشفها بما قبلها وبما بعدها، وموّه على الجهّال والأغمار بأنّ الشيخ ذكر هذا في كتابه، وهذا من جنس لي الألسن بالكتاب، الذي وصف الله به اليهود في قوله تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (آل عمران: من الآية٧٨) ، وقد فسّر بهذا الجنس، وأن منه إقامة ما يظن أنه حجة في الدين وليس بحجّة، بل هذا أبلغ ما فسروا به ليّ الألسن، فإنه من جنس ما جرى لكثير من الفسّاق والكفّار في أخذ بعض الكلام، أو كلمة فقط في الجملة، ويدعون تمامها وما ارتبط بها، حتى أنشد بعضهم:
دع المساجد للعبّاد تسكنها ... واذهب بنا إلى حانة الخمّار يسقينا
ما قال ربك ويل للأولى سكروا ... بل قال ربك ويل للمصلينا
ولا يتبين لك ما قلناه إلا بسياق كلام الشيخ في هذا المبحث، فإنه ﵀ ذكر مشابهة المغضوب عليهم والضالين في أعيادهم الزمانية وقرّر ما في ذلك من المفاسد الموجبة للخروج عن الصراط المستقيم، بعد ما مهّد جملة من القواعد الكلية العامة والمسائل المفيدة التامة، وقرّر وأطال وبحث وأجاد المقال، ثم ذكر فصلاً في الأعياد المكانية، ,قسمها كالزمانية إلى ثلاثة أقسام، أحدها: مكان لا فضل له في الشريعة أصلاً، ولا فيه ما يوجب تفضيله، بل هو كسائر الأمكنة أو دونها، فقصد ذلك المكان أو قصد الاجتماع فيه لصلاة أو دعاء أو ذكر أو غير ذلك ضلال مبين، ثم إن كان به بعض آثار الكفار من اليهود والنصار أو غيرهم، صار أقبح وأشنع، وأدخل هذا
стр. 139
الباب والباب قبله في مشابهة الكفار، وهذا نوع لا يمكن ضبطه، بخلاف الزماني، فإنه محصور. وهذا الضرب أقبح من الذي قبله، فإن هذا يشبه عبادة الأوثان أو هو ذريعة إليها أو نوع من عبادة الأوثان، كانوا يقصدون بقعة بعينها لتمثال هناك أو غير تمثال. يعتقدون أن ذلك يقربهم إلى الله، وكانت الطواغيت الكبار التي يشد إليها الرحال ثلاث: اللات، والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى، كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز حيث قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (لنجم: ١٩ ـ٢٢) كل واحدة من الثلاثة لمصر من أمصار العرب، والأمصار التي كانت من ناحية الحرم ومواقيت الحج ثلاثة: مكة والمدينة والطائف، فكانت اللات لأهل الطائف، وذكروا أنه كان في الأصل رجلاً صالحاً يلت السويق للحاجّ فلمّا مات عكفوا على قبره مدة ثم اتخذوا تمثاله، ثم بنوا عليه بنية سموها بيت الربة، وقصتها معروفة لما بعث النبي ﷺ لهدمها حين افتتحت الطائف بعد مكة سنة تسع من الهجرة. وأما العزّى فكانت لأهل مكة قريباً من عرفات هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد عقب فتح مكة فأزالها وقسم النبي ﷺ مالها وخرجت منها شيطانة ناشزة شعرها فيئست الجزيرة أن تعبد في الجزيرة بعد ذلك، وأما مناة فكانت لأهل المدينة، بهلون لها بالمشلل شركاً بالله، وكانت حذو قديد، الجبل الذي بين مكة والمدينة من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمّه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب وما ذكره الأزرقي قي أخبار مكة وغيره من العلماء، ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط قال بعض الناس: "يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: الله أكبر قلتم كما قال موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، ثم قال: إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم" فأنكر النبي ﷺ مجرد مشابهتهم الكفار في اتخاذ شجرة يستظلون بها معلقين عليها سلاحهم،
стр. 140
فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهة المشركين أو هو الشرك بعينه؟ فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه، أو ليتنسّك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادات التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا ـ ثم ذكر النذر لتلك الأماكن وقرّر تحريمه والمنع منه، ولو للمجاورين والسدنة العاكفين، وقرّر مشابهتهم للسدنة التي كانت للات والعزّى ومناة، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وفيه شبه من النذر لسدنة الصلبان، وسدنة الأبدال التب بالهند ـ ثم قال: فمن هذه الأمكنة عدّة أمكنة بدمشق مثل: مشهد لأبي بن كعب خارج الباب الشرقي، ولا خلاف بين أهل العلم أن أبي بن كعب إنما توفي بالمدينة ولم يمت بدمشق، وكذلك مكان بالحائط القبلي بجامع دمشق يقال: إن فيه قبر هود ﵇، وما علمتُ أحداً ذكر أن هوداً النبي مات بدمشق، بل قد قيل: إنه مات باليمن، وقيل: بمكة، فإن مبعثه كان باليمن ومهاجره بعد هلاك قومه إلى مكة ـ وعدّ جملة من المشاهد المكذوبة بدمشق ومصر والحجاز ـ ثم قال: هذه البقاع التي يعتقد لها خصيصة كائنة ما كانت، فإن تعظيم مكان لم يعظمه الشرع شر من تعظيم زمان لم يعظمه. فإن تعظيم الأجسام بالعبادة عندها أقرب إلى عبادة الأوثان من تعظيم الزمان، حتى إن الذي ينبغي تجنب الصلاة عندها وإن كان المصلي لا يقصد تعظيمها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى تخصيصها بالصلاة فيها، كما ينهى عن الصلاة عند القبور المحققة، وإن لم يكن المصلي يقصد الصلاة لأجلها. ـ إلى أن قال ـ: وهذه المشاهد الباطلة إنما وضعت مضاهاة لبيوت الله وتعظيماً لما لم يعظمه الله وعكوفاً على أشياء لا تنفع ولا تضر، وصداً للخلق عن سبيل الله. وهي عبادته وحده لا شريك له بما شرعه الله على لسان رسوله ﷺ ، واتخاذها عيداً
стр. 141
والاجتماع عندها واعتياد قصدها؛ فإن العيد من المعاودة ـ إلى أن قال ـ: وأكثر ما تجد الحكايات المتعلقة بهذا عند السدنة والمجاورين لها الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، وقد يحكى من الحكايات التي فيها تأثير مثل: أن رجلا دعا عندها فاستجيب له، أو نذر لها إن قضى الله حاجته فقضيت حاجته ونحو ذلك. وبمثل هذه الأمور كانت تعبد الأصنام؛ فإن القوم أحياناً كانوا يخاطبون من الأوثان، وربما تقضي حوائجهم إذا قصدوها، وكذلك يجري لأهل الأبدال من أهل الهند وغيرهم، وربما قيست على ما شرع الله تعظيمه من بيته المحجوج والحجر الأسود الذي شرع الله استلامه وتقبيله كأنه يمينه. والمساجد التي هي بيوته، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس وبمثل هذه الشبهات حدث الشرك في أهل الأرض.
قلت: فأين العراقي عن هذه العبارة التي فيها أن الاستدلال باستجابة الدعاء وقضاء الحاجة من الشبهات التي حدث الشرك في الأرض بسببها؟.
ثم قال الشيخ: وأما إجابة الدعاء فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه. وقد يكون سبه مجرد رحمة الله، وقد يكون أمراً قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى وإن كانت فتنة في حقّ الدّاعي، فإنّا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم، فيسقون وينصرون ويعافون ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم، وقد قال : ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ (الاسراء:٢٠) ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (الجن:٦) ، وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها. ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة، ثم قال:
стр. 142
فصل:
النوع الثاني من الأمكنة: ماله خصيصة، لكن لا يقتضي اتخاذه عيدا ولا الصلاة ونحوها من العبادات عنده؛ فمن هذه: قبور الأنبياء والصالحين وقد جاء عن النبي ﷺ والسلف النهي عن اتخاذها عيداً، عموما وخصوصا بين معنى العيد ـ ثم ساق حديث أبي هريرة في النهي عن اتخاذ قبره ﷺ عيداً، وصحّح الحديث، وجزم بأنّ كل جملة منه رويت عن النبي ﷺ بأسانيد معروفة، وساق طرفاً من ذلك وقرّر وأفاد، ثم ذكر استحباب زيارة القبور الشرعية، وساق الأحاديث في ذلك، وذكر حرمة قبر المسلم، ثم ذكر مسألة السفر لقبور الأنبياء والصالحين هل هو جائز يباح فيه قصر الصلاة أو هو معصية لا يجوز فيه قصر الصلاة؟ وذكر في المسألة قولين لأهل العلم ورجّح المنع، لحديث: "لا تشد الرّحال إلا لثلاثة مساجد" ثم ذكر الصلاة عند القبور مطلقاً، وبناء المساجد عليها، وساق الأحاديث والنصوص المانعة من ذلك، وما فيها من التغليظ، وذكر ذلك عن عامة علماء الطوائف، وذكر الأحاديث التي فيها لعن من فعله من أهل الكتابين، ثم قال ـ: فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين ـ ثم ذكر العلة في تحريم الصلاة عند القبور، وإنذها ذريعة إلى تعظيم من فيها بالعبادة، وإنّها مظنة لاتخاذها أوثاناً، كما قال الشافعي ﵀: "أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى
стр. 143
من بعده من الناس"، وذكر هذا عن أبي بكر الأثرم وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء، ثم ردّ تعليل بعضهم النهي عن اتخاذ القبور مساجد بالنجاسة أو مظنتها، ورده بوجوه منها: أن قبور الأنبياء أطهر البقاع، وقد لعن من اتخذها مساجد، وتواتر الحديث بذلك، وبوجوه غير هذا ذكرها وقرّرها. وذكر أن سبب عبادة اللات تعظيم قبره، وكذلك ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح ﵉، وصوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. قال: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع، وهي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك؛ فإنّ النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب، ونحو ذلك. فإن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد أقواماً كثيرين يضرعون عندها ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد بل ولا في السحر. ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال، فهذه المفسدة التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره هي التي حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقاً وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ذلك سداً للذّريعة. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين متبركاً بالصّلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادة لله ورسوله والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول ﷺ من أن الصلاة عند القبر أي قبر كان لا فضل فيها لذلك ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلاً بل مزية شر. واعلم أن تلك البقعة وإن كانت تنزل عندها الملائكة والرحمة، ولها شرف وفضل لكن دين الله تعالى بين الغالي فيه
стр. 144
والجافي عنه، فإنّ النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم فلم يغلوا فيهم غلو النصارى ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود؛ ولهذا قال ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". إلى أن قال: وإنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال وإيثار طاعتهم ومتابعة سننهم ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم، كما أن عامة من يشرك بهم شركاً أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليه من طاعتهم بقدر ما ابتدعه من الإشراك بهم ـ ثم ذكر نزاع الفقهاء في الصلاة في المقبرة، هل هي محرمة أو مكروهة؟ ورجّح التحريم للنصوص الدّالة، ثم ذكر الدعاء عندها وقرّر المنع ـ ثم قال: وما يرويه بعض الناس من أنه قال: "إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور" ونحو هذا فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء. والذي يبين ذلك أمور: أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي ﷺ لأجلها ـ ثم بسط الكلام في هذه المسألة، واحتج واستدل.
ثم أورد سؤالاً يورده من يتبرك بالدّعاء عند القبور، ويرى فضله: "فإن قيل: قد نقل عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، ويروى عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وذكر أبو علي الخرقي في قصص من هجره أحمد أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء إلى عند قبر أحمد ويتوخى الدعاء عنده وأظنه ذكر ذلك المروزي، ونقل عن جماعات بأنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم فاستجيب لهم الدعاء. وعلى هذا عمل كثير من الناس، وقد ذكر العلماء في مناسك الحج إذا زار قبر النبي ﷺ فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له، وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر أنه بقعة يجوز السلام والذكر والدعاء عندها فجازت القراءة. فقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض
стр. 145
الأشياخ، وجرّب أقوام استجابة الدّعاء عند قبور معروفة كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي وغيره، وقد أدركنا في أزمامنا وما قاربها من ذوي الفضل علماً وعملاً من كان يتحرى الدعاء عندها والعكوف عليها، وفيهم من كان بارعاً في العلم وفيهم من له كرامات، فكيف يُخالَف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق العلم والدين؛ لأنه غاية ما يتمسك به القبوريون".
ثم أجاب عن هذا السؤال بقوله: "قلنا الذي ذكرنا كراهته لا ينقل في استحبابه شيء ثابت عن القرون الثلاثة التي أثنى النبي ﷺ عليها حيث قال: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" مع شدة المقتضى فيهم لذلك لو كان فيه فضيلة. فعدم أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضى لو كان فيه فضل يوجب القطع بأن لا فضل فيه. وأمّا من بعد هؤلاء فأكثر ما يفرض أن الأمة اختلفت فصار كثير من العلماء إلى فعل ذلك وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه لا يمكن أن يقال: قد اجتمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين:
أحدهما: أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره قديماً وحديثاً.
الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسناً لفعله المتقدمون ولم يفعلوه. فإنّ هذا من باب تناقض الاجماعات وهي لا تتناقض. وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب أوالسنة وإجماع المتقدمين نصاً واستنباطاً. فكيف ـ والحمد لله ـ لم ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع؟ بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذباً على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي ﵀ أنه قال: "إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة الله فأُجاب" أو كلاما هذا معناه، وهذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له أدنى معرفة بالنقل؛ فإن الشافعي لما قدم ببغداد لم يكن ببغداد لأبي حنيفة ولا غيره قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة، بل ولم يكن هذا معروفاً على عهد االشافعي، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والعراق والشام