٤ ـ ومن الطبيعي أن تَحْظَى بعض المواد اللغوية بغزارة أحاديثها وشواهدها، واختلاف دلالتها واستعمالاتها ومقاصدها، فتجد في المادة اللغوية الواحدة عشرات النصوص من أحاديث الغريب، وذلك من مثل: هود، خلف، ركب، دين، دخل، سمع، وفي مقابل ذلك قد لا يتوافر في بعض المواد أكثر من حديث غريب واحد في المادة من مثل: رصح، رصغ، رتت، رتم، رثأ.
وقد يورد مادةً لغويةً ولا يذكر ضمنَها أيَّ حديث، وإنما يشير إلى تكرار ذكر لفظة معينة، فيتحدث عنها مفردةً، كقوله في"هَلُمَّ (١) : "قد تكرر في الحديث ذكر"هَلُمَّ"ومعناه: تعال، ومنه لغتان، فأهل الحجاز يُطْلقونه على الواحد والجميع والاثنين والمؤنث، بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم تُثَنِّي وتجمع وتؤنث فتقول: هلُمَّ وهَلُمّي وهَلُمَّا وهَلُمُّوا".
وكقوله (٢) : "تكرر ذكر التوكل في الحديث، يقال: تَوَكَّل بالأمر إذا ضَمن القيام به، ووكَلْتُ أمري إلى فلان أي: ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه. وكقوله (٣) : "قد تكرر ذكر"المُزْن"وهو الغيم والسَّحاب، واحدته مُزْنة. وقيل: هي السحابة البيضاء".
٥ ـ ومن معالم منهجه أنه يحرص على تعيين موارده التي يستقي منها، وذلك شأن المحقق الذي يسبر هذه الموارد، ويقف على أقوال صاحبها؛ ليُمَكِّنَ المُراجعَ من مراجعة المسائل العلمية في مظانِّها، ويدرس ما هو مبثوث
стр. 37
فيها من أقوال. ففي الحديث (١) "أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ قلوباً وأبخَعُ طاعة" يقول: "أي: أبلغُ وأنصحُ في الطاعة من غيرهم. قال الزمخشري: "هو من بَخَع الذبيحة إذا بالغ في ذبحها، وهو أن يقطع عَظْمَ رقبتها ويبلُغ بالذبح البِخَاع -بالباء- وهو العِرْقُ الذي في الصُّلب، والنَّخْع بالنون دون ذلك. هكذا ذكره في كتاب"الفائق في غريب الحديث"، وكتاب"الكشاف"في تفسير القرآن، ولم أجده لغيره، وطالما بحثت عنه في كتب اللغة والطب والتشريح فلم أجد البِخَاع بالباء مذكوراً في شيء منها".
وعرض لحديث علي (٢) ﵁ "فبعث الله السكينة، وهي ريح خَجُوجٌ فتطوَّقَتْ بالبيت"، ويقول: "وأصل الخَجِّ الشَّق، وجاء في كتاب"المعجم الوسيط"للطبراني عن علي ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: السكينة ريحٌ خجوج".
وذكر حديث جرير (٣) : "حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنَّه مُذْهَبَةٌ"يقول: هكذا جاء في سنن النسائي، وبعض طرق مسلم، والرواية بالدال المهملة والنون، فإن صحَّت الرواية فهي من الشيء المُذْهَب".
وقد يُعَيِّن موارده من خلال تحديد المصنِّف الذي أخرج الأثر، فقد أورد حديث (٤) ابن عباس ﵁"أرض الجنة مَسْلوفة". ثم قال: "هكذا
стр. 38
أخرجه الخطابي والزمخشري عن ابن عباس، وأخرجه أبو عبيد عن عُبيد بن عمير الليثي، وأخرجه الأزهري عن محمد بن الحنفية".
ويذكر حديث (١) أسيد بن مظعون "طِرْت بغنائها وفُزْت بحيائها" يقول: هكذا ذكره الدارقطني من طرق في كتاب"ما قالت القرابة في الصحابة"، وفي كتاب"المؤتلف والمختلف"، وكذلك ذكره ابنُ بَطَّة في الإبانة".
ومن الطبيعي أن يستقي ابن الأثير جُلَّ النصوص التي يستشهد بها على مادته اللغوية، من الحديث الشريف نفسه، وكان من منهجه أن يسوق شواهد عديدة منه، تتفق وحديثَ الباب الذي انطلق منه، وكان يحرص على بيان الصلة التي تربط بين هذه الشواهد.
ففي مادة (أشر) يورد في الخيل حديث (٢) : "ورجل اتخذها أشَراً وبَذَخاً" ثم يقول: الأشَرُ: البطَر، ومنه حديث الزكاة"كأَغَذِّ ما كانت وأسمَنِه وآشَرِه". أي: أبطرِه وأنشطِه، ومنه حديث الشعبي: "اجتمع جوارٍ فأَرِنَّ وأَشِرْنَ".
وفي مادة (حثل) يورد حديث (٣) : "لا تقوم الساعة إلا على حُثالةٍ من الناس" ثم يقول: "الحُثالة الرديء من كل شيء". ومنه الحديث: "كيف أنت إذا بَقِيتَ في حُثالة من الناس" يريد: أراذلهم، ومنه الحديث: "أعوذ بك من أن أبقى في حَثْلٍ من الناس".
وفي مادة (نضب) يورد حديث (٤) : "ما نضب عنه البحر وهو حيٌّ
стр. 39
فمات فكُلوه". يقول: "نَضَبَ الماءُ: إذا غار ونَفِد"، ومنه الحديث: "كنَّا على شاطئ النهر بالأهواز وقد نَضَبَ عنه الماء". وقد يُستعار للمعاني، ومنه حديث: "نَضَبَ عُمْرُه"أي نَفِدَ".
وفي مادة (دأل) يورد حديث خزيمة (١) : "إنَّ الجنة محظورٌ عليها بالدآليل". ويقول: "أي: بالدواهي والشدائدِ. وهذا كقوله: "حُفَّت الجنةُ بالمكاره".
وفي مادة (نكر) يورد حديث أبي سفيان (٢) : "إنَّ محمداً لم يُناكِرْ أحداً قطُّ إلا كانت معه الأهوالُ". ويقول: "أي: لم يحارب، والأهوالُ: المخاوِفُ"
ولم يكن ابن الأثير يحرص على أن يستشهد على معنى الغريب الذي عقد له المادة اللغوية بالقرآن الكريم، ومن هنا ندرت الشواهد القرآنية في"النهاية". ومن ذلك استشهاده بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء الآية: ٢٠] على مادة الحَظْر بمعنى المنع (٣) .واستشهاده بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ [يوسف الآية: ٨٠] على مادة (خلص) (٤) أي: تميَّزُوا عن الناس متناجِين.
وقد يركن إلى بعض القراءات المتواترة أو الشاذة ليُجلي المعنى الذي يذهب إليه في شرح غريبه. ففي مادة (طيف) يقول (٥) : "وأصل الطَّيف الجنون، ثم استعمل في الغضب ومَسِّ الشيطان ووسوسته، ويقال له: طائف.
стр. 40
وقد قرئ بهما قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف الآية: ٢٠١] (١) ، وفي الحديث (٢) : "أنشدك اللهَ لمَّا فعلتَ كذا"، يقول: أي: إلا فَعَلْته، وتُخَفف الميم وتكون"ما"زائدة. وقُرئ بهما قولُه تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق الآية: ٤] (٣) أي: ما كل نفس إلا عليها حافِظ، وإن كلُّ نفسٍ لعليها حافظ".
وفي حديث فَضالة (٤) : "حتى يقول الأعراب مجانينُ أو مجانُون". يقول: "المجانين جمع تكسير لمجنون، وأمَّا مجانون فشاذٌّ كما شَذَّ شياطون في شياطين، وقد قُرئ: "واتَّبَعوا ماتتلو الشياطون" (٥) .
أما شواهده من الشعر العربي الفصيح، فقد عني بها ابن الأثير عناية واضحة، وكان يوردها في المادة اللغوية التي عقدها، فيشرحها أو يُوردها ليؤكِّد معنىً ذهب إليه في شرح غريبه، ومن ذلك قوله في مادة (بدر) في حديث المبعث"فرجَعَ بها ترجُفُ بوادِرُه". (٦) هي جمع بادِرَة، وهي لَحْمَةٌ بين المَنكِب والعنق، والبادِرَة من الكلام الذي يسبق الإنسان إليه في الغضب. ومنه
стр. 41
قول النابغة:
ولا خيرَ في حِلْمٍ إذا لم تكن له ... بوادِرُ تَحْمي صَفْوَه أن يُكَدَّرا
وفي مادة (حتف) (١) يورد حديث عبيد بن عمير: "ما مات من السمك حَتْفَ أنفه فلا تأكله". يعني الطافي، ومنه حديث عامر بن فُهيرة: "والمرء يأتي حَتْفُه من فوقه"
أي: "إنَّ حِذْرَه وجُبْنه غيرُ دافع عنه المنيَّة إذا حَلَّتْ بِه".
ويورد ابن الأثير في حديث الاستسقاء (٢) قولَ الشاعر:
أتيناكِ والعَذْراءُ يَدْمَى لَبانُها
فيقف على لفظة"لَبانها"ويقول: "أي يَدْمَى صدرُها لامتهانِها نفسَها في الخدمة، حيث لا تجد ما تُعطيه من يَخْدُمها من الجَدْب وشدَّة الزمان، وأصل اللَّبانِ في الفرس موضع اللَّبَب ثم اسْتُعير للناس".
ومن القصائد التي عُني بها ابن الأثير في"نهايته"قصيدة كعب بن زهير: "بانت سعاد". حيث أوْرَد معظمها في مظانِّها من الغريب وفق الترتيب الهجائي، وشَرَح ألفاظها حسب منهجه.
стр. 42
ج - أوجه عناية"ابن الأثير"بالغريب:
أسهمت كتب غريب الحديث بنصيبٍ وافرٍ في بناء المعجم اللغوي العربي؛ لِما قَدَّمَتْه من تأصيلٍ واسعٍ لمفردات العربية، من حيث استعمالاتُها وشواهدُها، وجذورُها اللغوية، ولغاتُها وضبطُ حروفها، والتمييزُ بين الفصيح وغير الفصيح منها، وما طرأ عليها من انتقالها من المعنى المحسوس المحدود إلى المعنى الحضاري الواسع.
وكتاب"النهاية في غريب الحديث والأثر"من المراجع اللغوية التي كان لها أثر في مَدِّ المعاجم العربية بمادتها الغزيرة، ويكفي أن نعلم أنَّ معجم"لسان العرب"لابن منظور قد أقام كتابه على أُمَّاتٍ من المصنفات اللغوية كان منها"نهاية"ابن الأثير. يقول في مقدمته (١) : "فرأيت أبا السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجَزَري، قد جاء في ذلك بالنهاية، وجاوز في الجودة حدَّ الغاية"، ثم يقول: "وليس لي في هذا الكتاب -يعني اللسان- فضيلةٌ أَمُتُّ بها، ولا وسيلةٌ أتمسَّك بسببها، سوى أني جمعتُ فيه ما تفرَّق في تلك الكتب من العلوم".
لقد خدم ابن الأثير في معجمه: "النهاية"غريبَ الحديث خدمة وافية جعلَتْه يستوعب تراثاً غنياً سبقه، فتمثَّله وأضاف إليه نظرات نقدية فاحصة. ويمكن أن نقسم هذه الخدمة إلى جانبين:
١ ـ جانب التأصيل اللغوي للغريب.
٢ ـ جانب البيان المعنوي للغريب.
стр. 43
١ ـ جانب التأصيل اللغوي للغريب
أمَّا جانب التأصيل اللغوي للغريب الوارد في الأحاديث التي رتَّبها في كتابه وَفْقَ الترتيب الهجائي المعروف، فيتضح في الجوانب التالية:
١ـ كان ابن الأثير يشرح معنى اللفظة الغريبة بعبارة قريبة مأنوسة، فحديث"خيرُ المال مُهْرَةٌ مأمورة وسِكَّةٌ مأبورةٌ" (١) يورده تحت مادة (أبر) ويقول: "السِّكة: الطريقة المصطفَّة من النخل، والمأبورة: هي الملقَّحة. يقال: أبَرْتُ النخلة وأبَّرْتُها، فهي مأبورة ومُؤَبَّرة، أراد: خيرُ المال نِتاجٌ أو زرعٌ". وفي قوله: "إذا سافرتم في الخِصْب فأعطوا الرُّكُبَ أسِنَّتها (٢) ". يقول: "الرُكُب جمع رِكاب وهي الرَّواحل من الإبل. وقيل: جمع رَكُوب، وهو ما يُرْكَبُ من كل دابَّة، فَعُول بمعنى مفعول".
ويُعنى بضبط الفعل في الماضي والمضارع، ويُورد مصدره، كقوله (٣) في حديث أبي الأسود: "إن سُئِل أرَزَ"أي: "تقبَّض مِنْ بخله، يقال: أرَزَ يأرِِزُ أرْزاً فهو أرُوزٌ"، وكقوله في حديث (٤) : "أنَّ عبداً لابن عمر أَبَقَ فلحق بالروم".
فيورده تحت مادة (أَبق) ويقول: "أبَقَ العبدُ يأبَقُ ويأبِقُ إباقاً إذا هرب، وتأبَّق إذا استتر".
ويقول في حديث (٥) "فجعل المشركون يُؤَبِّسون به العباس"أي: يُعَيِّرونه،
стр. 44
يُقال: أَبَسْتُه أَبْسَاً وأَبَّسْتُه تَأْبِيساً".
وقد يرى مناسبة لذكر لغات الفعل، ففي الحديث (١) : "لمَّا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينة انجفل الناسُ قِبَلَه"، يقول: "أي: ذهبوا مسرعين نحوه. يُقال: جَفَلَ وأَجْفَلَ وانجَفَل".
وفي حديث (٢) : "أنَّ عجوزاً دخلت عليه فسألها فأَحْفَى"، يقول: "أَحْفَى فلانٌ بصاحبه، وحَفِي به، وتَحَفَّى، أي: بالغ في بِرِّه، والسؤال عن حاله".
ويُعْنى ابنُ الأثير بضبط الغريب الوارد في المادة، والنصُّ على هذا الضبط، كأن يقول (٣) في حديث": "إنكم سَتَلْقَوْنَ بعدي أَثَرَة"."الأَثَرة -بفتح الهمزة والثاء- الاسم من: آثَرَ يُؤْثِر إيثاراً، إذا أعطى، والاستئثار: الانفراد بالشيء". وقد يكون ثمة أقوال في تفسير الغريب الوارد في الشاهد، فيجمع ابن الأثير هذه الأقوال، ففي حديث (٤) : "لا تقتلوا عَسِيفاً ولا أسيفاً"."الأسيف: الشيخُ الفاني، وقيل: العبد، وقيل: الأسير".
وقد يرى حاجةً إلى بيان لغات قبائل العرب ونسبةِ كلِّ لغة إلى قبيلةٍ بعينها، وذلك في سياق بيان المادة اللغوية المتصلة بغريب الحديث، وقد كان اللغويون مَعْنِيِّين بتصنيف قبائل العرب، ومعرفة بطونها وأفخاذها، لتمييز الفصيح من غير الفصيح منها، وعَزْوِ ما وَرَدَ من شواهد السماع العربي إلى أصولها من القبائل العربية.
стр. 45
وقد يُبدي ابنُ الأثير في"نهايته"حِرْصاً على تعيين اسم القبيلة التي تجري على لسانها اللهجة الواردة في غريبه، أو تراه ينقل أقوال اللغويين في المسألة. من ذلك قوله في الحديث (١) : "أَصْبح بحمد الله بارئاً"، أي: مُعافى. يقال: بَرَأتُ من المرض أبْرَأُ بَرْءاً بالفتح، فأنا بارِئٌ، وأبرأني الله من المرض. وغير أهل الحجاز يقولون بَرِئْتُ - بالكسر- بُرْءاً".
ومن ذلك قولُه في حديث صلاة الحائض (٢) : "قد كُنَّ نساءُ رسول الله ﷺ يَحِضْنَ فأَمَرَهُنَّ أن يَجْزِين"، أي: يَقْضِين". قال الجوهري (٣) : "وبنو تميم يقولون: أجزَأَتْ عنه شاةٌ، بالهمز. أي: قَضَتْ".
وعَرَض لحديث: "واغفر لنا حَوْبَنا" أي: إثمنا وتفتح الحاءُ وتضم. وقال (٤) : "وقيل: الفتح لغة الحجاز، والضم لغة تميم".
وفي حديث ابن عباس (٥) : "أجاز لها العِِيَرات"جمع عِير. قال سيبويه (٦) : "اجتمعوا فيها على لغة هُذَيل"يعني تحريك الياء والقياس التسكين.
وقد يَحْكُمُ بغير الفصاحة على بعض اللغات التي قيلت إزاء لغة الحديث، من دون أن ينسبَ هذه اللغة إلى قبيلة بعينها. يقول في حديث (٧) "آمِرُوا
стр. 46
النساءَ في أنفسهن"أي: "شاوِروهُنَّ في تزويجهن. ويقال فيه: "وامَرْتُه"، وليس بفصيح".
ويقول في حديث (١) : "أنَّ النبي ﷺ أعطى الآهِلَ حَظَّيْن، والأعزب حَظَّّاً": "الآهلِ: الذي له زوجة وعِيال، والأعزب: الذي لا زوجة له. وهي لغة رديئة، واللغة الفصحى عَزَب".
وفي الحديث (٢) : "ما إخالُك سَرَقْتَ"، أي: "ما أظنك. تقول: خِلْتُ إخال بالكسر والفتح، والكسر أفصح وأكثر استعمالاً، والفتح القياس".
وقد ينثر صاحب"النهاية"في مادة الغريب التي عقدها قواعد كلية يحصر من خلالها مفردات مسألة معينة، أو يسعى في تأصيلها وبيان حدودها، شأنه في ذلك شأن المعياريِّ الخبير بطبيعة المفردات التي يتعرض لها. ففي حديث (٣) : "فهذا أوان قطعتْ أَبْهَري"، ينقل "أنَّ الأَبْهرَ عرقٌ منشؤه من الرأس ويمتد إلى القدم، وله شرايينُ تتصل بأكثرِ الأطراف والبدن، فالذي في الرأس منه يسمَّى النَّأْمة، ويمتد إلى الحلق فيسمّى فيه الوريد، ويمتد إلى الصدر فيسمّى الأبهر، ويمتد إلى الظهر فيسمَّى الوَتين، ويمتد إلى الفخذ فيسمَّى النَّسَا، ويمتد إلى الساق فيسمَّى الصافِنَ".
وفي حديث (٤) عمرو بن معد يكرب: "وأشربُ التِّبْنَ من الَّلبَن"، يقول: "التِّبْن أعظم الأقداح، يكاد يُرْوي العشرين، ثم الصحن يُرْوي العشرة، ثم
стр. 47
العُسّ يُروي الثلاثة والأربعة، ثم القَدَح يُرْوي الرجلين، ثم القَعْب يُرْوي الرجل".
وفي حديث (١) : "وأطعموا مُلْفَجيكم" يقول: "المُلْفَجُ بفتح الفاء: الفقير، يقال: ألفج الرجل فهو مُلْفَج، على غير قياس، ولم يجئ إلا في ثلاثة أحرف: أسهب فهو مُسْهَب، وأحصن فهو مُحْصَن، وألفج فهو مُلْفَج، الفاعل والمفعول سواء".
ويقول ابن الأثير في موضع آخر (٢) : "تكرر ذِكْرُ الوعد والوعيد، فالوعدُ يستعمل في الخير والشر، يقال: وعدتُه خيراً، ووعدتُه شَرَّاً، فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: الوعد والعِدَة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد".
ويُعنى أصحاب المعاجم عادة بجموع المفردات وضوابطها وأنواعها، وما هو سماعي وقياسي منها، وكثيراً ما كان صاحب"النهاية" في تأصيله لِلَّفْظ الغريب يذكر أوجه جمعه ويضبطها. ففي حديث عائشة (٣) ﵂: "اغتسلي من ثلاثة أبْؤُر"، يقول: "أبْؤُر جمع قلة للبئر، وتُجمع على: آبار وبِئار".
ويقول في حديث مجاهد (٤) : "ليس في الخَضْرَوات صدقة": "وقياس ما كان على هذا الوزن من الصفات؛ ألا يُجْمَعَ هذا الجمع، وإنما يجمع به ما
стр. 48
كان اسماً لا صفةً نحو: صحراء وخُنفُساء، وإنما جَمَعه هذا الجمعَ لأنه قد صار اسماً لهذه البقول لا صفةً، تقول العرب لهذه البقول: الخضراء، لا تريدُ لونَها".
وقد يكون اللفظ الغريب الذي عَقَدَ له المادة مُعرَّباً فينص على ذلك، ففي الحديث (١) : "من لعب بالأَسْبَرَنج والنرد فقد غمس يده في دم خنزير". يقول: "هو اسم الفَرَس الذي في الشطرنج، واللفظة فارسية مُعَرَّبة".
وفي الحديث (٢) : "ولا أَحْبِس البُرْدَ". يقول: "أي لا أَحْبس الرسُل الواردِين عليَّ، والبريد كلمة فارسية يُراد بها البغل، وأصلها بريده دم، أي: محذوف الذَّنَب لأنَّ بِغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأُعْرِبَتْ وخُففت".
وشغلت مسائل التذكير والتأنيث بال اللغويين، وكان لهم في ذلك مصنفات ودراسات غزيرة، منها مؤلفات تخصصت في هذا الجانب، ومنها ما هو مبثوث في معاجمهم. ويشارك ابن الأثير في كثير من مسائل التذكير والتأنيث، ولا سيَّما ما يتعلق بمادة الغريب الذي عقد له المادة، فقد أورد من شعر العباس يمدح النبي ﷺ :
وأنتَ لمَّا وُلِدْتَ أشرَقَتِ الْ ... أرضُ وضاءَتْ بنورِكَ الأُفُقُ
يقول (٣) : "أنَّث الأفق ذهاباً إلى الناحية".
وفي قصة حنين (٤) : "كإمرار الحديد على الطَّسْت الجديد". يقول:
стр. 49
"وصف الطَّسْت وهي مؤنثة بالجديد وهو مذكَّر: إمَّا لأنَّ تأنيثها غير حقيقي، فأوَّله على الإناء والظرف، أو لأنَّ فَعِيلاً يوصف به المؤنث بلا علامة تأنيث نحوُ: امرأة قتيل، وكفٌّ خَضيب".
ويشير إلى الحديث (١) : "بادروا بالأعمال ستاً". يقول: "في تأنيث الست إشارة إلى أنها مصائبُ ودواهٍ".
كما يشير إلى حديث (٢) أمِّ زَرْع: "بَرُود الظلِّ". أي: طيِّب العِشْرة"، ويقول: "وفَعول يستوي فيه الذكر والأنثى".
ومن أوجه عنايته بشرحه لمادة الغريب التي عقد لها المادة، أنه قد يمرُّ بعَلَمٍ من أعلام الأمكنة، فيُعنى بضبطه وتحديد موقعه، ففي الحديث (٣) : "اغِرْ على أُبْنى صباحاً". يقول: "هي بضم الهمزة والقصر، اسم موضع من فلسطين، بين عَسْقَلان والرَّملَة، يُقال لها"يُبْنى"بالياء".
وورد في الحديث (٤) : "الأبْواء". يقول: "هو بفتح الهمزة وسكون الباء والمد. جبل بين مكة والمدينة، وعنده بلد ينسب إليه".
ويُعَرِّف بـ"أَبْيَن"فيقول (٥) : "بوزن أحمر، قرية على جانب البحر ناحية اليمن. وقيل: هو اسم مدينة عَدَن".
стр. 50
وورد"بَرْثان"فيقول (١) : "بفتح الباء وسكون الراء، وادٍ في طريق رسول الله ﷺ إلى بدر، وقيل في ضبطه غير ذلك".
وقد يكون بيان معنى الحديث الغريب في حاجة إلى تقدير محذوف، فيُعنى بتعيينه ليتمَّ المعنى في ذهن من يراجع"نهايته". ففي الحديث (٢) : "كان يأمرنا أن نصوم الأيام البيض". يقول: "هذا على حذف المضاف، يريد أيام الليالي البيض، وهي الثالثَ عشرَ والرابعَ عشرَ والخامس عشرَ".
وفي الحديث (٣) : "قالت: أجَنَّك من أصحاب محمد تقول هذا؟ ". قال: "تريد من أجل أنَّك، فحذفت "من" واللام والهمزة، وحُرِّكت الجيم بالفتح والكسر، والفتح أكثر. وللعرب في الحذف باب واسع".
وفي حديث عائشة (٤) ﵂: "تزوَّجني رسول الله ﷺ على بيتٍ قيمته خمسون درهماً". قال: "أي متاع بيت، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامه".
وقد يُعنى ابن الأثير بإيراد نظائر لِلَّفْظة الواردة في غريب الباب، وشأنُ مُصَنَّفه شأنُ بعض المصنفات في فقه اللغة، التي تخصصت بهذا الجانب. وما كتاب الثعالبي: "فقه اللغة" عنَّا ببعيد، إذ حشد لكل معنىً من المعاني الواردة على ألسنة الكتَّاب، نظائر ومتشابهات، تُعين المتأدب في رسائله، وتعبيره عن مقصوده.
стр. 51
ومن ذلك قوله في حديث (١) : "من لم يُجْمِع الصيام من الليل فلا صيامَ له". "أجْمَعْتُ الرأي، وأَزْمَعْتُه، وعزمتُ عليه بمعنىً".
وفي حديث (٢) : "جمّ الغفير" يقول: "يقال: جاء القوم جمَّاً غفيراً، جُعلت الكلمتان في موضع الشمول والإحاطة، وهو منصوب على المصدر كـ: طُرَّاً وقاطبة".
وفي حديث (٣) : "الأرواح جنود مُجَنَّدة". يقول: "مجنَّدة أي: مجموعة كما يقال: ألوف مؤلَّفة، وقناطير مقنطرة".
ويقول في حديث سطيح (٤) : "فإنَّ ذا الدهر أطوار دهارير"، قال الجوهري (٥) : يقال: "دهرٌ دهارِير، أي: شديد، كقولهم: ليلة ليلاء، ويوم أَيْوَم".
وتعاملَ ابنُ الأثير مع طرف من لحن العامَّة، إن اتصلت مسائله بمادة الغريب، التي يَعْرِضُ لها، وشارك في جهودِ كثيرٍ من اللغويين في هذا الباب، فقد يمرُّ بلفظٍ أو تركيبٍ أو استعمالٍ أو دلالةٍ، فيشير إلى اللحن الشائع في صياغتها. فقد أورد الحديث (٦) : "فَضْلُ عائشة على النساء، كفضل الثَّريد على سائر الطعام"أي: باقيه، ويقول: "والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث، وكلها بمعنى باقي الشيء".
стр. 52
وفي حديث عثمان (١) : "وأنا أشرب ماء المِلْح". يقول: "ماء مِلْح إذا كان شديد الملوحة، ولا يقال: مالح، إلا على لغةٍ ليست بعالية".
وكان صاحب"النهاية"- وهو الخبير بمفردات اللغة واشتقاقاتها وأوزانها- يتذوَّق الكلمة، ويلمح ما تحمله من سعة في دلالاتها، وامتداد في تأثيرها، فيحكم على هذا الوزن - أو هذه اللفظة - بأنه أبلغُ من قَسيمه.
يقول في أسماء الله تعالى الرحمن الرحيم (٢) : "وهما من أبنية المبالغة، ورحمن أبلغ من رحيم، والرحمن خاصٌّ لله لايُسَمَّى به غيره، ولا يُوصف، والرحيم يوصف به غيرُ الله تعالى، فيُقال: رجل رحيم، ولا يُقال: رحمن".
وقد يلحظ صاحب"النهاية"أنَّ اللفظ الغريب الذي يتحدث عنه ينتمي إلى أسرة لغوية عُرِفَتْ في مصنفات اللغويين بالأضداد، فيشير إليها، ويحيط بدلالتها، ومن ذلك حديث (٣) : "كان يبدو إلى هذه التِّلاع"، فيقول: "التِّلاع: مسايل الماء من عُلْوٍ إلى سُفْل، واحدها تَلْعَة. وقيل: هو من الأضداد يقع على ما انحدر من الماء وأشرف منها".
وفي حديث ابن مسعود (٤) : "كنَّا عند النبي ﷺ ذات ليلة فَأَكْرَيْنَا في الحديث". أي: أَطَلْنَاه، يقول: "وأكرى من الأضداد، يقال: إذا طال وقَصُرَ، وزادَ ونقص".
стр. 53
٢ ـ جانب البيان المعنوي للغريب:
تتضح خدمة ابن الأثير للغريب من جانب المعنى في المظاهر التالية:
١ ـ قد لا يلمح صاحب"النهاية"في حديث الباب الذي يعرض له، لفظة غريبة معينة، وإنما يلحظ جلاء معناه العام، ومقاصده، فيشرحه شرحاً إجمالياً، لأنه لم يستوقفه فيه غريب معين، وكأنَّ الغريب معناه العام، فيشرع في بيانه. ففي الحديث (١) "الهَدْيُ الصالح والسَّمْتُ الصالح جزء من خمسةٍ وعشرين جزءاً من النبوَّة". يقول: "أي إنَّ هذه الخِلال من شمائل الأنبياء، ومن جملة الخصالِ المعدودةِ من خصالِهم، وأنها جزءٌ معلومٌ من أجزاء أفعالهم، فاقتَدوا بهم فيها، وتابِعوهم عليها. وليس أنَّ المعنى أنَّ النبوَّة تتجزَّأُ، ولا أنَّ من جَمَعَ هذه الخلالَ كان فيه جزءٌ من النبوَّة، فإنَّ النبوَّةَ غيرُ مكتسَبة ولا مجتلَبَةٍ بالأسباب، وإنما هي كرامة من الله تعالى، ويجوز أن يكون أراد بالنبوَّة هاهنا ما جاءت به النبوةُ ودَعَتْ إليه من الخيرات".
ويعرض للحديث (٢) "يُبْصِرُ أحدكم القَذَى في عين أخيه ويَعْمَى عن الجِذْعِ في عينه". فيقول: "ضربه مثلاً لمن يرى الصغير من عيوبِ الناس ويُعَيِّرهم به. وفيه من العُيوب ما نِسْبَتُه إليه كنسبة الجِذْعِ إلى القَذاة".
ويشير إلى الحديث (٣) : "أنَّ الرسول ﷺ قال لأبي بكر: متى تُوتِرُ؟ قال: أولَ الليل. وقال لعمر: متى تُوتِرُ؟ فقال: من آخر الليل. فقال لأبي بكر: أخَذْتَ بالحزم، وقال لعمر: أخَذْتَ بالعزمِ". يقول ابن الأثير: "أراد أنَّ أبا بكر حَذِرَ فواتَ الوِتْر بالنوم فاحتاط وقَدَّمه، وأنَّ عمر وَثِقَ
стр. 54
بالقوة على قيام الليل فأخَّره، ولا خيرَ في عَزْمٍ بغير حزم، فإنَّ القوة إذا لم يكن معها حَذَرٌ أوْرَطَتْ صاحبها".
وفي الحديث (١) : "لولا أنَّا نَعْصي الله ما عصانا". يقول: "أي: لم يمتنع عن إجابتنا إذا دعوناه، فجعل الجواب بمنزلة الخطاب فسمَّاه عصياناً، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران الآية: ٥٤] .
٢ ـ ويُعْنَى صاحبُ"النهاية"بتحرير الأصل الدلالي للاستعمال اللغوي الوارد في الحديث الغريب، من قبيل فقه معاني اللغة وعَقْدِ صلةٍ بين أصل الدلالةِ اللفظيةِ الحسيَّة، وانتقالِ هذا الأصل إلى دلالة معنوية فيها جِدَّةٌ وسَعَةٌ. ففي الحديث (٢) : "اللهم أرِّ بينهما". يقول ابن الأثير: "أي ألِّفْ، وأثْبِتِ الوُدَّ بينهما، من قولهم: الدابَّةُ تَأْرِي الدابَّةَ إذا انضمَّت إليها، وأَلِفَتْ معها مَعْلَفَاً واحداً، وآريْتُها أنَا".
ويذكر حديث عائشة (٣) ﵂ في والدها"وَرَأَبَ الثَّأْيَ". يقول: "أي: أَصْلَحَ الفَسادَ، وأصلُ الثَّأْيِ خَرْمُ مَواضِعِ الخَرْزِ وفسادُه".
وفي الحديث الآخر (٤) : "ونَجَح إذ أكْدَيْتُمْ". يقول: "أي: ظَفِرَ إذ خِبْتُمْ ولم تَظْفَروا، وأصله من حافِرِ البئر، ينتهي إلى كُدْيَةٍ، فلا يمكنُه الحفرُ فيتركه".
وفي الحديث (٥) : "أحبط الله عمله". يقول: "أي: أبْطله، يقال: حَبِط
стр. 55
عملُه، وهو مِنْ قولهم: حَبِطَتْ الدابةُ حَبَطاً، إذا أصابَتْ مَرْعىً طيباً فأفْرَطَتْ في الأكل حتى تنتفِخَ فتموت".
٣ ـ وقد يسوق ابنُ الأثير في"نهايته"الاحتمالاتِ المختلفةَ لمعاني اللفظ الغريب، في الحديث الذي يورده. وفي ذلك فُسْحَةٌ لمن يطالع في كتابه لاختيار ما يراه مناسباً لمعنى الحديث ومقاصِدِه، وهذا يَدُلُّ على اطِّلاعه على أقوال علماء الحديث والغريب، في فهم منطوق الحديث. ففي حديث الصدِّيق (١) لمَّا عُرِض عليه كلامُ مسيلَمة قال: "إنَّ هذا لم يَخْرُجْ من إلّ". يقول: "أي: من رُبُوبيَّةٍ، والإلُّ هو الله تعالى. وقيل: الإلُّ هو الأصلُ الجيد. وقيل: الإلُّ النسَبُ والقرابة فيكون المعنى: إنَّ هذا كلامٌ غيرُ صادرٍ عن مناسبة الحق، والإدلاء بسببٍ بينه وبين الصدق".
وفي حديث (٢) : "فجعل المشركون يُرْبِسُون به العبَّاس"يقول: "يَحتمل أن يكون من الإرْباس وهو المراغَمَةُ، أي: يُسْمِعونه ما يُسْخِطُه ويَغيظُه، ويحتمل أن يكونَ من قولِهم: جاؤوا بأمورٍ رُبْسٍ أي: سُود، ويحتمل أن يكون من الرَّبيس، وهو المُصاب بمالٍ أو غيره أي: يُصيبون العباس بما يَسُوءُه".
ولابن الأثير حِسٌّ لغويٌّ دقيق في تعليل التسمية، التي تُطْلق على اللفظ الغريب الذي يبحث فيه. وقد أَوْلَى هذا الجانبَ من مفردات اللغة عنايةً كبيرة؛ ممَّا يَدُلُّ على فقهٍ واسعٍ بمنطوق اللغة، وتعليل مسمَّياتها. فهو يعرِّف الارْش (٣) بقوله: "وهو الذي يأخذه المشتري من البائع، إذا اطَّلَعَ على عيبٍ في
стр. 56
المبيع، وسُمِّي أرشاً لأنه من أسباب النِّزاع. يقال: أَرَّشْتُ بين القوم إذا أوقعتَ بينهم".
ويشرح المسألة المبهمة (١) بقوله: "يريد مسألةً مُعْضِلَةً مُشْكلة، سُمِّيت مبهمةً؛ لأنها أبهمَتْ عن البيانِ فلم يُجْعَلْ عليها دليلٌ".
وفي حديث (٢) : "يا أَمَةَ الجبَّار". يقول: "إنما أضافها إلى الجبَّار دونَ باقي أسماء الله تعالى؛ لاختصاص الحال التي كانت عليها؛ من إظهارِ العطرِ والبَخُورِ، والتباهي به، والتبختر في المشي".
وفي حديث (٣) : "تحريمُها التكبير"يقول: "كأنَّ المصلِّيَ بالتكبير والدخول في الصلاة صار ممنوعاً من الكلامِ والأفعالِ الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالِها، فقيل للتكبير"تحريم"لمَنْعِه المصلِّيَ من ذلك؛ ولهذا سُمِّيَتْ تكبيرةَ الإحرام، أي: الإحرام بالصلاة".
٤ ـ وقد يقتضي الأمر من ابن الأثير؛ أن يورِدَ في بيان معنى الحديث: بعض المحترزات والضوابط، التي تُفيد في تعيين مقاصد الحديث ودلالاته، ففي الحديث (٤) : "احثُوا في وجوه المدَّاحين الترابَ". يقول: "أراد بالمدَّاحين الذين اتخذوا مدحَ الناسِ عادةً، وجعلوه صناعة يستأكلون به الممدوح، فأمَّا من مدح على الفعل الحسنِ والأمرِ المحمود؛ ترغيباً في أمثاله، وتحريضاً للناس على الاقتداء به، في أشباهه، فليس بمَدَّاح، وإن كان قد صار مادحاً بما تكلَّم به من جميل القول".
стр. 57
وفي حديث (١) أبي هريرة ﵁: "إنَّ يوسفَ مني بريء، وأنا منه بَراءٌ". يقول: "أي: بريء عن مُساواتِه في الحكم، وأن أُقاسَ به، ولم يُرِدْ براءةَ الولاية والمحبَّة؛ لأنه مأمورٌ بالإيمانِ به".
وفي الحديث (٢) : "أشدُّ الناسِ عذاباً يومَ القيامة من قَتَلَ نبياً، أو قتله نبيٌّ" يقول: "أراد من قتله -وهو كافرٌ- كَقَتْلِه أُبَيَّ بن خَلَفٍ يوم بدر، لا كمن قَتَله تطهيراً له في الحدِّ كماعِزٍ".
وفي الحديث (٣) : "لا يُعَذِّبُ اللهُ قلباً وعى القرآن". يقول: "أي: عَقَلَه إيماناً به وعَمَلاً. فأمَّا من حَفِظَ ألفاظه وضَيَّع حدودَه فإنَّه غيرُ واعٍ له".
٥ ـ وابن الأثير فقيهٌ شافعي متمكن، يظهر في"نهايته"آثار اطلاعه على مذاهب الفقه المختلفة، إذ كان يشير إلى المشهورِ منها. وقد ذكرنا في مؤلفاته: أنَّ له مُؤَلَّفاً في الفقه الشافعي، هو: "شرح مسند الشافعي".
ومن آثار عَرْضه مذاهب الفقهاء؛ قولُه في الحديث (٤) : "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاةُ فمن تركها فقد كفر"."ذهب أحمد بن حنبل إلى أنَّه يكفُر بذلك حَمْلاً للحديث على ظاهره، وقال الشافعي: يُقتل بتركها، ويُصَلَّى عليه ويُدْفَنُ مع المسلمين".
وفي الحديث (٥) : "نهى عن بَيْعِ العُرْبان"، فيعرِّفه ثم يقول: "وهو بَيْعٌ باطلٌ عند الفقهاء؛ لما فيه من الشرط والغَرَرِ، وأجازه أحمد، وروي عن ابن عمر إجازته".
стр. 58
وفي الحديث (١) : "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا". يقول: "اختلف الناس في التفرُّقِ الذي يصحُّ، ويَلْزَمُ البيعُ بوجوبه، فقيل: هو التفرُّق بالأبدان، وإليه ذهب معظم الأئمة والفقهاء، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة ومالك وغيرُهما: إذا تعاقدا صَحَّ البيعُ، وإن لم يتفرَّقا، وظاهر الحديث يشهد للقول الأول".
وفي الحديث (٢) : "لا تجوز شهادةُ بدويّ على صاحب قرية". يقول: "إنما كره شهادةَ البدويِّ لما فيه من الجفاء في الدين، والجهالة بأحكام الشرع، ولأنّهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها. وإليه ذهب مالك، والناسُ على خلافهِ".
٦ ـ وابن الأثير نحويٌّ متمكن من علوم العربية، وقد ترك مؤلفات ذائعةَ الصيت في هذا الباب، منها كتابه المطبوع"البديع". ونجد في"نهايته"بصماتٍ واضحةً لكثيرٍ من التخريجات النحوية والأعاريبِ التي يسجِّلها على شواهده من الغريب الذي يتتبَّعُه، ممَّا يَدُلُّ على استيعابه جوانبَ الخدمة المطلوبة للحديث، وممَّا يدلُّ على فقهه الواسع بعلوم العربية وأدواتها.
ومن شواهدِ المسائل النحوية في"النهاية"قوله في الحديث (٣) "فهذا أوانُ قَطَعَتْ أَبْهَري": "يجوز في"أوان"الضمُّ والفتح، فالضمُّ لأنه خبر المبتدأ، والفتحُ على البناء، لإضافته إلى مبني كقوله:
على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلتُ ألمَّا تَصْحُ والشيبُ وازعُ
стр. 59
وفي حديث عطاء (١) : "كان معاوية إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة كانت إياها". يقول: "اسم كان ضمير السجدة، و"إياها"الخبر، أي كانت هي هي، و"إيا"اسم مبني وهو ضمير المنصوب، والضمائر التي تضاف إليها من الهاء والكاف والياء لا موضعَ لها من الإعراب في القول القوي، وقد تكون"إيَّا"بمعنى التحذير".
وفي حديث زيد بن أرقم (٢) : أنَّ رسول الله ﷺ خطبهم فقال: "أما بعدُ". يقول: "وتقدير الكلام فيها: أمَّا بعدَ حَمْدِ الله تعالى فكذا وكذا، و"بعد"من ظروفِ المكانِ التي بابُها الإضافة، فإذا قُطِعت عنها وحُذِفَ المضاف إليه بُنِيَتْ على الضم كـ قَبْل".
وأورد الحديث (٣) : أنَّه عليه الصلاة السلام، كان يُرَقِّصُ الحسن والحسين ويقول:
حُزُقَّةٌ حُزُقَّهْ ... تَرَقَّ عينَ بَقَّهْ
فقال: و"حُزُقَّةٌ"مرفوعٌ على خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت حُزُقَّةٌ، و"حُزُقَّة"الثاني كذلك، أو أنه خبر مكرر، ومن لم ينوّن"حُزُقَّة"أراد: يا حُزُقَّة، فحذف حرفَ النداء، وهو من الشذوذ، كقولهم: أطرِقْ كرا؛ لأنَّ حرف النداء إنما يحذف من العَلَم المضموم أو المضاف".
وذكر حديث لقيط (٤) "لَعَمْرُ إلهكِ" فقال: "وهو رفعٌ بالابتداءِ، والخبر محذوفٌ تقديره: لَعَمْرُ الله قسمي، واللام للتوكيد، فإن لم تأت باللام نصَبْتَه
стр. 60
نَصْبَ المصادرِ، أي بإقرارِك لله وتعميرك له بالبقاء".
ويتعامل ابن الأثير مع المسائل الصرفية تعاملَ الخبير بأغوارها العارف بأوزانها وجذورها، وما يلحقها من إعلال وإبدال وحذف. ففي الحديث (١) : "فأدخلتُها الدَّوْلَجَ". يقول: "أصله وَوْلَج لأنه فَوْعَلٌ، من وَلَجَ يَلِجُ إذا دخل، فأبدلوا من الواو تاء فقالوا: تَوْلَج، ثم أبدلوا من التاء دالاً فقالوا: دَوْلج، والواو فيه زائدة".
وفي الحديث (٢) : "فادَّخَروا" يقول ابن الأثير: "وأصل الادِّخار اذْتِخار وهو افتعال من الذُّخْر، فلما أرادوا أن يُدْغموا ليخفَّ النطق قلبوا التاء إلى ما يقاربُها من الحروف، وهو الدال المهملة لأنهما من مَخْرَج واحد، فصارت اللفظة مُذْدَخِرٌ، بذال ودال، ولهم حينئذٍ مذهبان أحدهما: وهو الأكثر أن تُقْلَبَ الذال دالاً، وتُدْغم فيها، فتصير دالاً مشددة. والثاني: وهو الأقل أن تُقْلَبَ الدال المهملة ذالاً، وتُدْغَم فتصير ذالاً مشددة".
ويتعرض صاحب"النهاية"للفظة"الأَشاء" (٣) الواردة في الحديث، فيقول: "الأشاء صغار النخل، الواحدة أَشاءة، وهمزتُها منقلبةٌ من الياء؛ لأنَّ تصغيرَها أُشَيٌّ، ولو كانت أصلية لقيل أُشَيْء".
ويذكر لفظة"يتخذ" (٤) ويقول: "هو افتعل من"تَخِذَ"، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى، وليس من"أخذ"في شيءٍ، فإنَّ الافتعال من أخذ ائتخذ؛
стр. 61
لأنّ فاءه همزةٌ، والهمزةُ لا تُدْغم في التاء". وقال الجوهري (١) : "الاتخاذ افتعال من الأخذ، إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدالِ التاء، ثم لمَّا كَثُر استعماله بلفظ الافتعال توهَّموا أنَّ التاء أصلية فبنَوا منه فَعِل يَفْعَلُ، قالوا: تَخِذَ يَتْخَذُ"، وأهل العربية على خلاف ما قال الجوهري.
وأمَّا جانب الأدوات فلابن الأثير باع طويل فيه، حيث وصل في خدمته للحديث الشريف إلى دقيق المسائل، وأجلى كثيراً من الغوامض والمبهمات، وكان تحليلُه للأدواتِ الواردةِ في الحديث، يُنْبئ عن فقه لغوي سديد في العربية. ففي حديث الحج (٢) : إنكم على إرثٍ من إرثِ أبيكم إبراهيم"، يقول: " (مِنْ) هنا للتبيين، مثلُها في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج الآية: ٣٠] .
وأورد حديث أنس (٣) : "أنَّ النبي ﷺ آلى من نسائه شهراً". أي: حَلَفَ لا يدخل عليهن. ويقول: "وإنَّما عدَّاه بـ"من"حَمْلاً على المعنى، وهو الامتناعُ من الدخول، وهو يتعدَّى بـ من".
ويردُّ (٤) على الجوهري (٥) الذي يقول: "ولا يُقال بنى بأهله". ويرى ابن الأثير أنَّ هذا الحكم فيه نظر، ويستشهد على تعدِّيه بالباء بالحديث: "في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب".
стр. 62
ويذكر الحديث (١) : "نظر إلى نَعَم بني فلانٍ وقد عَبِسَتْ في أبوالها". يقول: "وإنما عَدَّاه بـ"في"؛ لأنَّه أعطاه معنى انغَمَسَتْ.".
ولابن الأثير قدم راسخة في مباحث البلاغة العربية، بمختلف صنوفها وفنونها، ويتضح من"نهايته": اهتمامه ببيان الوجه البلاغي في الحديث الغريب، الذي توجَّه لشرحه، فيشير إلى التشبيه ووجهه، والاستعارة، والكناية، وغير ذلك من فنونِ البلاغة، ومن ذلك قوله في حديث الحسن في ابن عباس (٢) : "إنه كان مِثَجا". أي: كان يصبُّ الكلام صَبا، شبَّه فصاحته وغزارةَ منطقه بالماء المثجُوج، والمِثَجُّ من أبنية المبالغة".
وفي الحديث (٣) : "ويَفْتَرُّ عن مثل حَبِّ الغَمام". يقول: "يعني البَرَدَ، شبَّه به ثَغْره في بياضه وصفائه وبَرْدِه".
وفي الحديث (٤) : "وتقيءُ الأرضُ أفلاذَ كَبِدِها". يقول: "أي تُخْرِجُ كنوزَها المدفونة فيها، وهو استعارةٌ".
وفي حديث الحديبية (٥) : "قد لبسوا لك جلودَ النّمور". يقول: "هو كناية عن شدَّة الحقد والغضبِ، تشبيهاً بأخلاق النِمر وشراسته".
وفي حديث إبراهيم (٦) : "فضاق بذلك ذَرْعاً". يقول: "ومعنى ضيق الذِّراع والذَّرْع قِصَرُها. ووجه التمثيل: أنَّ القصير الذراع لا ينالُ ما يناله
стр. 63
الطويل الذِّراع ولا يُطيق طاقَتَه، فَضَرَبَ مثلاً للذي سقطَتْ قوتُه دون بلوغ الأمر".
٧ ـ ويُعنى ابن الأثير بعرض احتمالات تصريف مادة الغريب، ووجه اشتقاقها. ففي الحديث (١) : "كلُّ مالٍ أدَّيْتَ زكاته فقد ذهبتْ أَبَلَتُه"ويُروى"وَبَلَتُه". يقول: "الأَبَلَةُ: الثِّقَلُ والطَّلِبة. وقيل: هو من الوَبال. فإن كان من الأول فقد قُلِبت همزتُه في الرواية الثانية واواً، وإن كان من الثاني فقد قلبت واوُه في الرواية الأولى همزةً".
وقد يذكر اللغات الأخرى في الغريب، ففي الأثر (٢) : "إنما هو أَتِيٌّ فينا". يقول": أي غريب، يقال: رجل أَتِيٌّ وأَتاوِيٌّ".
وابن الأثير حَلْقة من منظومة علمية ذات شأوٍ بعيدٍ في علم غريب الحديث. ومن الطبيعي؛ أن تتبايَنَ الآراءُ في تأصيل مادة غريب الحديث، سواءً في مفردات هذا الغريب أو دلالاتِه. وقد كان قبل ابن الأثير مصنفون كبار أَدْلَوا بدلائهم في هذا العلم، فكان يتتبَّعُ أقوالَهم بالنقد والتمحيص.
ففي حديث هرقل (٣) : "فمشى قيصر إلى إيلياءَ لمَّا أبلاه الله تعالى". يقول: "قال القتبيُّ: يُقال من الخير: أَبْليته أُبْلِيه إبلاءً. ومن الشر بَلَوْتُه أَبْلُوه بلاءً، والمعروف أنَّ الابتلاء يكون في الخير والشر معاً، من غير فَرْقٍ بين فعلَيْهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء الآية: ٣٥] .
стр. 64
وفي حديث (١) "صلاة الجماعة تَفْضُل صلاة الواحد ببِضْعٍ وعشرين درجة"
يقول: "قال الجوهري (٢) : "تقول: بضع سنين، وبضعة عشر رجلاً، فإذا جاوزت لفظ العشر لا تقول: بضع وعشرون، وهذا يخالف ما جاء في الحديث".
وفي حديث عليّ (٣) : "وجَبَّار القلوب"يقول القتيبيّ (٤) : "لم أجعله من أَجْبَرَ؛ لأنَّ أفْعَل لا يُقال فيه فَعَّال. قال ابن الأثير: قلت: يكون من اللغة الأخرى، يقال: جَبَرْتُ وأَجْبَرْتُ بمعنى: قَهَرْتُ".
وفي حديث عمر (٥) : "فيمَ الرَّمَلان"؟. يقول: "وحكى الحربي (٦) فيه قولاً غريباً قال: إنه تثنية الرَّمَل وليس مصدراً". يقول ابن الأثير: "وهذا القولُ من ذلك الإمام كما تراه، وهو مصدر، وكذلك شرحه أهل العلم، لا خلاف بينهم فيه، فليس للتثنية وجهٌ".
وفي حديث عمرو بن العاص (٧) : "أَرَدْتَ أن تُبَلِّغَ الناسَ عني مقالة يَزْعَنُونَ إليها، أي: يَميلُون إليها". قال أبو موسى (٨) : "أظنُّه: يَرْكَنون إليها فَصُحِّفَ".
стр. 65
قلت: الأقرب إلى التصحيف أن يكون يُذْعِنون، من: الإذعان؛ وهو: الانقيادُ، فعدَّاها بـ إلى بمعنى اللام، وأمَّا يركنون فما أبعدها من يَزْعَنُون".
وفي حديث أبي خيثمة (١) : "يكون رسول الله ﷺ في الضِّحِّ والريح" وأنا في الظِّل". يقول: "أي: يكون بارزاً لحَرِّ الشمس وهُبوب الرياح. وذكره الهروي (٢) فقال: "أراد كثرةَ الخيل والجيش"هكذا فَسَّره الهروي، والأول أشبه بهذا الحديث".
وفي الحديث (٣) : "لا يَتَبَيَّغْ بأحدِكم الدمُ فيقتلَه". يقول: "تبيَّغَ به الدمُ إذا تردَّد فيه. وقيل: إنه من المقلوب، أي: لا يبغي عليه الدمُ فيقتله من البغي، وهو مجاوزةُ الحدِّ. والأول الوجه".
стр. 66
المبحث الرابع: أهمية النهاية
يتبوأ كتاب"النهاية في غريب الحديث والأثر"مكانة علية في تاريخ حركة التأليف في هذا العلم، وسوف نجمل الآن معالم هذه الأهمية في الفقرات التالية:
١ ـ تبيّن لنا في وصف حركة التأليف في غريب الحديث، قبل ابن الأثير، سعة هذا التراث الذي صُنِّف حول مادة غريب الحديث، ومن هنا كان أمام"ابن الأثير"عندما عزم على الخوض في هذا المجال عشرات المصنفات التي أفاد منها، وقدَّم في"النهاية"جانباً من وصفها، وكان طائفة منها قد ضاع ولم يصل إلينا شيءٌ منه، ومن هنا حفظ لنا كتاب"النهاية"قَدْراً واسعاً من أقوال علماء اللغة والغريب حول أحاديث الباب، وجمع كثيراً من الأقوال والآراء التي قيلت في تأصيل مادة غريبها، سواء فيما يتعلق بخدمة الجانب اللفظي من الحديث، وما يتضمن من ثروة لغوية كمعرفة لغات القبائل، وتمييز الفصيح منها من غير الفصيح، وضروب من المشتقات والأوزان والنوادر، والتعريف بالأماكن، وسرد الشواهد النادرة، أو خدمة الجانب المعنوي في دلالات الحديث ومقاصده، إذ إن"ابن الأثير"حرص على ألا يكتفيَ بقول راجح في معاني ألفاظه ومقاصده، وإنما عرض صفوة الأقوال، فمن خلال"النهاية في غريب الحديث والأثر"يستطيع المُراجِع أن يقف على مجمل الثروة اللفظية والمعنوية التي تناولَتْ أحاديث الباب، سواء منها ما وصلَنا من مصنفات مثل كتاب ابن قتيبة، وأبي عبيد، والمديني، والزمخشري، أو ضاعت أصوله، فحفظ لنا كتاب: "ابن الأثير"طائفة منها، من مثل كتاب"غريب الحديث"للحربي (١) و"غريب الحديث"لـ شمربن حمدويه، كما حفظ لنا كثيراً من أقوال اللغويين، الذين لم تصلنا مصنفاتهم كـ: نفطويه، والأصمعي،
стр. 67
والسجستاني، وثعلب، والزجَّاج.
ومن خلال"النهاية"يستفيد أهل الحديث من الوقوف على هذه الروايات المتعددة التي كان ابن الأثير يحرص على سردها للحديث الواحد وبيان مقاصدها.
٢ ـ حرص ابن الأثير على نسبة طائفة من الأقوال إلى أصحابها، والروايات إلى مصنفاتها، ويفسح ذلك أمام الباحثين العودة إلى أصول هذه الأقوال والروايات في مظانها المطبوعة أو المخطوطة لمتابعة بحوثهم وأحكامهم حولها، فبعض الأقوال تجده في بعض المعاجم والمصنفات، غير مَعْزُوّ إلى أحد، في حين أنّ صاحب"النهاية"يعزوه إلى صاحبه أو مصنفه. ومن هنا فإنَّ كتاب"النهاية"مصدر اعتمده كثير من الباحثين الذين يدرسون مناهج التأليف في علوم الحديث واللغة، ويتتبعون مذاهب أصحابها؛ لأنَّه عزا كثيراً من النصوص إلى قائليها.
٣ ـ كتاب النهاية مصدر ثرّ لأقوال الصحابة والتابعين، إضافة إلى الأحاديث الشريفة المرفوعة إلى النبي ﷺ فمن خلاله يستوعب الدارسون أقوال طائفة كبيرة من أعلام السلف، الذين نثرَ ابنُ الأثير أقوالهم في كتابه من مثل: النخعي، وقتادة، والزهري، وسفيان، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وغيرهم. فنقرأ جوانب من فقههم وآدابهم وعزائمهم في عبادتهم، وورعهم في معاملاتهم مع الناس، وأساليب معيشتهم مع أُسَرهم وأفراد المجتمع من حولهم.
ومجموع هذه الأقوال - بعد تطبيق قواعد الجرح والتعديل عليها، وما يتبعها من الصناعة الحديثية - يعطي صورة عن حياة طائفة من السلف في
стр. 68
القرنين الأول والثاني.
٤ ـ تميز ابن الأثير كما مرَّ بنا في فقرة منهجه باختيار أيسر الطرق المنهجية في ترتيب المادة اللغوية. ومن هنا تأتي أهميته في سهولة إيراد مادة الغريب، على الرغم من القدر الكبير من الأحاديث والآثار التي استوعبها؛ وذلك لأنَّ الترتيب الهجائي للمادة ييسِّر الوصول إليها. وقد أضيف إلى ذلك أنّه عمد إلى توزيع مادة الغريب في نصوص الحديث حسب حروفها الهجائية، فلا يكلف المُراجِع رَهقاً من أمره في الوقوف على الغريب المتعدد الوارد في حديث ما، ويجعله يقف على معاني أي لفظة غريبة وَرَدَتْ في أي حديث أو أثر يورده.
٥ ـ قد تطمع علوم اللغة والبلاغة، في الوصول إلى نصوص فصيحة، من نصوص الحديث والأثر، تتضمن استعمالات متفرعة وفيرة لكثير من تطبيقاتها المطلوبة على قواعدها النظرية؛ إذ يقف من يراجع في كتاب"النهاية"على أوجه استعمال أدوات العربية، وكثير من التطبيقات الإعرابية والبلاغية، والوصول إلى قواعد كلية في فقه اللغة، والتطور الدلالي لكثير من ألفاظها، وقد كان ابن الأثير يُعنى بالأصل الدلالي للاستعمال اللغوي قبل أن يتَّسع في المعاني الحضارية المتجددة، ويعلل التسمية التي أُطلقت على المفردات اللغوية، وقد ضرَبْنا على ذلك أمثلة، في الفصل الخاص بأوجه عنايته بالغريب.
٦ ـ كتاب"النهاية"صورة حيَّة للجوانب العلمية والمنهجية لدى ابن الأثير، فلا يستغني عن هذا الكتاب من أراد دراسة هذا العَلَم في علوم الحديث واللغة ومناهج البحث، والدراسات المعجمية التاريخية. وتمر بنا في الكتاب
стр. 69
ردود غزيرة، وأوجهٌ من النقد والترجيح، وتقويم لمسائل متعددة تتصل بعلوم مختلفة. ومن هنا كان كتاب "النهاية"مورداً ثرّاً لكل من أراد الوقوف على شخصية ابن الأثير العلمية، في جوانب الحديث الشريف، وفقه اللغة العربية.
٧ ـ وتأتي أخيراً أهمية الكتاب في كونه يمثل مدرسة معجمية مهمّة، في تاريخ التأليف المعجمي عند علماء اللغة، وهي مدرسة الترتيب الهجائي، وَفْقَ الحرف الأول. وقد سبقته مدارس متعددة قبله، فيأتي كتاب "النهاية"ليمثِّل حلقة من سلسلة منتظمة، اجتهدت في جمع التراث اللغوي وَفْقَ منهج معيّن، يستدرك الصعوبات التي تكتنف سائر المناهج الأخرى.
стр. 70
المبحث الخامس: "مآخذ على ابن الأثير "
١ ـ كان منهج صاحب"النهاية"في ترتيبه الهجائي الذي اختاره: أن يُورد كثيراً من ألفاظ الغريب وَفْقَ لفظِها المنطوقِ به، وليس وَفْقَ منهج أصحاب المعاجم: في تجريد الكلمة من الأحرف الزائدة، وإيرادها وَفْقَ جذرها الثلاثي، أو الرباعي. وحجته في ذلك كما يقول (١) : "وإنما أَوْرَدْنَاها هاهنا حملاً على ظاهر لفظها". ويقول (٢) : "إلا أني وجدت في الحديث كلماتٍ كثيرة، في أوائلها حروف زائدة، قد بُنِيت الكلمة عليها حتى صارت من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها، لاسيما وأكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يُفَرِّقون بين الأصلي والزائد، فرأيت أن أُثبتها في باب الحرف الذي هو في أولها وإن لم يكن أصلياً، ونَبَّهْتُ عند ذكرِه، لئلا يراها أحدٌ في غير بابها، فيظن أني وضَعْتُها فيه للجهل بها".
وفي هذا المنهج نظر لا يخفى على أرباب الفن، لأنَّ الأصل في الترتيب الهجائي، لدى مصنف المعجم أن يكون مراعياً لجَذْرِ الكلمة، وتجريدِها من حروف الزيادة، فلا تَرِدُ اللفظةُ إلا في موضعها الصحيح، بغضِّ النظر عن لفظها، وينبغي أن يكون لذلك اطِّرادٌ وعنايةٌ دقيقة، وذلك للوصول إلى طريقة واحدة، يتمُّ من خلالِها معالجة جميع المفردات اللغوية، الواردة في المعجم.
стр. 71
نعم، قد يجوز له أن يذكر الكلمة حسب لفظها، مراعاةً -كما يرى - لمن ليس له معرفةٌ بالتمييز بين الحروف الزائدة والأصلية للكلمة المنشودة، ولكنه لا يتحدَّث عنها بشيءٍ، وإنما يأخذ بنظام الإحالة على موضعها الصحيح اللازم وَفْقَ قواعد الصرف في المجرد والمزيد والحذف. أمَّا ابن الأثير فقد اختار بعض كلماتٍ، وذكرها وَفْقَ لفظها، لا وَفْقَ جذرها، ولم يُعِدْ ذِكْرَها في موضعها الصحيح، ولو أراد التيسير على طلبة الغريب، لعَمَدَ إلى منهج مُطَّرد؛ لأنَّ المُراجِع على طريقة ابن الأثير لا يدري: هل المؤلفُ يراعي اللفظ أو الجذر فيما ينشده من غريب؟ وقد يلزمه أن يعود إلى مادتين، وفي ذلك هدرٌ للوقت، وضربٌ من الاضطراب، وقد لا يكون قد قرأ مقدمته، فيظنُّ أنَّه قد أغفل هذا الغريب المنشود، لأنَّه لم يجده وَفْقَ ما يفترضه. ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة:
أورد في مادة (أبرد) (١) في باب الهمزة، حديث: "إنَّ البطيخ يقلَعُ الإبْرِدَة"، وشرحها، ثم قال: "وهمزتها زائدة، وإنما أوردناها هاهنا حملاً على ظاهر لفظها". وفي مادة (برد) لم يُورد هذا الحديث، ولم يُشر إلى شيءٍ منه.
وأورد في مادة (أجدل) (٢) في باب الهمزة حديث: "يهوي هُوِيَّ الأجادل"، وشرحها ثم قال: "والهمزة فيه زائدة". وفي مادة (جدل) لم يُورد الحديث.
стр. 72
وأورد في مادة (إذْخر) (١) في باب الهمزة حديث: "إلا الإِذْخِر"، ثم قال: "وهمزتها زائدة، وإنما ذكرناها هاهنا حملاً على ظاهر لفظها". وفي مادة (ذخر) لم يورد الحديث.
بيدَ أنَّه ذكر لفظة"مأدبة"في مادة (أدب) (٢) ، وفي مادة"مأدبة"من باب الميم لم يذكرها. وفرَّق بين"مزهر"و"مأدبة"، إذ يُورد"مزهر"في الميم (٣) ، مع أنَّ الميم زائدة، ويُوْرِدُ"مأدبة"في الهمزة، مع أنَّ الميم زائدة أيضاً.
وذكر لفظة"تهمة"في مادة (تهم) (٤) مراعاةً للفظها مع أنَّ التاء بدل من الواو، ولم يراع أصلها، وذكر لفظة"تَخِدُ"في مادة (وخد) (٥) مراعاةً لأصلها. ومن هنا نقول: إنَّه وقع اختياره على بعض الكلمات، فَذَكرها وَفْقَ التلفُّظ بها، وأغفل كثيراً غيرَها، فأوردها في مكانها وَفْقَ جذرها.
وهذا التردد يجعل المُراجِع في حيرة من أمره؛ لأنَّه لم يجد ابن الأثير صاحب منهج مطَّرد. وقد لحظ ابن منظور في"اللسان" (٦) هذا الاضطراب في منهج ابن الأثير فقال: "غير أنه لم يضع الكلمات في محلِّها، ولا راعى زائد حروفها من أصلها".
стр. 73
٢ ـ وأمَّا المأخذ الثاني: فقد كان من منهجه إيرادُ اسم راوي الحديث من الصحابة أو التابعين في أول ذكره للحديث كأن يقول: "وفي حديث عمر"،"وفي حديث طلحة"، أو يقول: "في حديث الحسن" أو"النخعي" أو"مسروق"، وقد يذكر طرفاً من مناسبة الحديث، كأن يقول: "وفي حديث التراويح" (١) . أو يقول (٢) : "ومنه حديث صاحب النِّسْعة"، أو يقول (٣) : "في حديث أهلِ البيت"، أو يقول (٤) : "في حديث الخَرْص". ولكنه قد يضرب صفحاً عن هذه الأعلام أو هذه المناسبات، فيذكر الحديث مباشرة دون تَقْدِمة، كأن يقول: "ومنه الحديث"، أو يقول: "وفيه"، أي: وفي هذه المادة، وهو في هذا كله يسير وَفْقَ ما نصَّ عليه في مقدمته (٥) ، في إضافة الحديث إلى مسمّى، أو كونه لا يضيفه إلى أحد. وكنا نُفَضِّل لو أنَّ الإمام ابن الأثير ذكر المصنِّف الذي خرَّج الحديث في مصنَّفه كأصحاب الكتب الستة، فيقول مثلاً: وفي حديث البخاري عن ابن عمر. أو أصحاب كتب السُّنة كعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والطبراني، والدارقطني، فيقول
стр. 74
مثلاً: وفي حديث الطبراني عن طلحة.
صحيح أنه من خلال مناقشاته لأصحاب المصنفات قد يذكر أسماء مصنفاتهم واختلاف رواياتهم، ويجيء بأقوالهم منسوبةً إليهم، ولكنه كثيراً ما يضرب عن هذا الذكر صفحاً، وفي هذا الإغفال لاسم مُخَرِّج الحديث بعض العنت على المراجِع الذي يودُّ الاطلاع على رواية نصِّ الحديث كاملاً في مظانه، ولاسيما أنَّ منهج ابن الأثير أنَّه يكتفي بذكر قطعة من الحديث، وهي التي تحوي لفظة الغريب الذي يشرحه.
ويتأكد ذلك إذا علمنا أنَّ نصَّ الحديث الذي يُورِده قد يكون فيه ضمير يعود على لفظ متقدِّم من الحديث لم يُورِده ابنُ الأثير. من مثل:
-لأكوننَّ فيها مثل الجَمَل الرَّداح. (١)
- كأنَّه الرِّئْبال الهَصُور (٢) .
إنَّ ذِكْرَ مُخَرِّج الحديث يُيَسِّر على المراجِع الوصول إلى نصه في الكتاب الأصل. صحيح أنَّ إضافة اسم الصحابي أو التابعي أحياناً فيها طَرَفٌ من الإضاءة والعون، ولكن فائدة ذلك محدودة، لا تساعد كثيراً في الوصول إلى نصِّ الحديث كاملاً، في المصنفات الكبيرة، وكنَّا نأمل أن يكون ابن الأثير قد وحَّد طريقته في جميع الأحاديث التي يُوردها، فيذكر اسم راوي الحديث؛ من الصحابة أو التابعين مع ذِكْرِه لمخرِّجه، ولا يميّز بين بعض الأحاديث وبعضها
стр. 75
الآخر، فيذكر أحياناً، ويغفل أحياناً، بحجة أنه أبرأ الذمَّة في المقدمة وأشار إلى طريقته.
٣ ـ وأمَّا المأخذ الثالث: فقد اجتهد ابنُ الأثير في حصر رواياتِ غريب الحديث الواحد، وشرح ألفاظها، في ضوء اختلافات الروايات، وقد يَسَّر على المُراجِع بذكر الروايات وَفْقَ الترتيب الهجائي. فكان يذكر الحديث الواحد أكثر من مرة، حسب اختلاف المحدِّثين في نصه، وقد تتبَّعتُ هذه الإحالات فوجدتهُ قد وَفَّى بها، فكان يُعيد ذكر الحديث. ويبدو أنَّه اتَّبع نظام البطاقات، الذي نسير عليه اليوم في بحوثنا، وذلك لضمان حَصْرِ هذا القدر الضخم من الأحاديث، التي تَصَدَّى لغريبها من ناحية، وللروايات المتعددة لكثير منها.
ولم تختلَّ هذه الإحالات فتغدو تائهة، إلا في خمسة مواضع، فلم يوفِّ ما وَعَدَ به من ذِكْرِه في مكانها الآخر، وَفْقَ الرواية الثانية. وهذه المواضع هي:
١ ـ في مادة"جلب" (١) يذكر الحديث: "قدم أعرابي بجلوبة"فشرح اللفظ ثم قال: "هكذا جاء في كتاب أبي موسى، في حرف الجيم، والذي قرأناه في سنن أبي داود"بحلوبة"وهي الناقة التي تُحْلَبُ، وسيجيء ذكرها في الحاء". وفي مادة"حَلَبَ"لم يذكر هذا الحديث، ولعله اكتفى بحديث يشبهه وهو: (٢) "لا حلوبة في البيت".
٢ ـ يقول (٣) : ومنه حديث ابن الزبير: "يريد أن يحزبهم"، والرواية بالجيم والراء، وقد تقدَّم". ولم يتقدم شيء في (جرب) .