← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1210

خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل - ط المعراج

حاتم العوني

Полный текст (65 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اتَّبعَ هَدْيَه واتَّقَى حَدَّه. أمّا بعد: فهذه محاضراتٌ مختصرةٌ في علم الجرح والتعديل، أُلقيت في إحدى الدورات العلمية في مسجدٍ من مساجد البلد الحرام: مكة (زادها الله تشريفًا وتعظيمًا). ثم إني عُدت إليها تحريرًا واستيفاءً لأهم مسائل العلم؛ لتكون كالمتون العلمية من هذا الوجه. ولحاجة كثير من طلبة العلم إلى مثل هذا المختصر، رأيتُ الخيرَ في طبعها أرجى، والنفعَ في نشرها أجدى. وهي أوراقٌ مختصرةٌ جدًا، تُيسِّرُ وتُعِينُ، ولا تكفي وحدها ولا تُغْني. ولكنها خرجت على المثل السائر: خير الكلام ما قَلَّ ودَلّ. ومصادري في هذه الأوراق هي المصنفات القديمة والحديثة في علم الجرح والتعديل، مع ما عرفتُه عن قواعد هذا العلم ومسائِلِه من خلال الممارسة. وقد حرصتُ على تقليل أوراقها، واختصارِ عباراتها، تيسيرًا للمبتدئ وتذكيرًا للمنتهي، ولتكون أولَ متنٍ في علم الجرح والتعديل.

стр. 2

ولا أَشُكُّ أنه متنٌ يحتاج شرحًا، وضَرْبَ أمثلةٍ توضيحية، وهو ما أرجو أن يخرج قريبًا بإذن الله تعالى. وقد طُبعت الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة ١٤٢١ هـ، ثم إني عدتُ إلى تلك الطبعة بالتنقيح والزيادة، بما تَمَّمَ مباحثَ عديدةً لم أكن قد ذكرتُها في الطبعة الأولى، أَوْجَبَ إضافتَها ما أرجوه من التمتين الشاملِ لأصول مسائل هذا العلم. فأسأله تعالى أن ينفع بهذه الورقات، وأن يجعلها في موازين الحسنات؛ إنه سميع مجيب الدعوات.

стр. 3

التَّعريفُ بالعِلْم تعريفُ الجرحِ والتعديل: تعريفُ الجرح: لغةً: هو التأثيرُ في البدنِ بشقٍّ أو قَطع، واستُعِير في المعنويات بمعنى التأثير في الخُلُق والدِّين بوصفٍ يُناقِضُهما. واصطلاحًا هو: وَصْفُ الراوي بما يقتضي رَدَّ روايتِه. وتعريفُ التعديل: لغةً: هو التقويمُ والتسوية، واستُعِيرَ في المعنويات بمعنى الثناء على الشخص بما يدل على دِينه القويم وخُلُقِهِ السَّوِيّ. واصطلاحًا: وَصْفُ الراوي بما يقتضي قبولَ روايته. فعِلمُ الجرح والتعديل النظريّ هو: القواعدُ التي تُبنَى عليها معرفةُ منازلِ الرواةِ من القبول وعدمه. وعلمُ الجرح والتعديل التطبيقي هو: إنزالُ كل راوٍ منزلتَه التي يستحقُّها من القبول وعدمه.

стр. 4

الكلامُ عن العَدَالة • تعريفُ العدالة (على الإطلاق): مَلَكَةٌ تحمل صاحبَها على مُلازمةِ التقوى والمروءة. شرحُ التعريف: المَلَكَة: السَّجِيَّة. وتعريف العدالة بتلك الملَكة ليس عليه انتقادٌ في نظري؛ لأن تعريفَ العدالة بذلك ليس هو تعريفَ العَدْلِ، فمن كانت له تلك الملَكة لا يلزم من اتِّصافِه بها أن يكون معصومًا، فقد يخالف صاحبُ الملَكةِ مَلَكَتَهُ أحيانًا، وقد يتجاوز ذو السَّجِيَّةِ سجِيَّتَهُ، وكما قيل في بيان ذلك: «لكلّ جوادٍ كَبْوَةٌ، ولكلّ سيفٍ نَبْوَةٌ». وعليه: فإنّي لا أرى أن هناك فرقًا بين تعريفِ العدل بصاحب تلك الملَكة وتعريفِه بأنه: من كان الغالبُ عليه فِعْلَ الطاعات وتَرْكَ المعاصي، أو بأنه: مَن غَلَبَ خيرُه شرَّه. ثم إن الملَكاتِ (والسَّجايا) تتفاوت في القوة والتَّمَكُّنِ، فليس كل من كان الجودُ سجيتَه بلغ مبلغَ حاتم الطائي، ولا كل من كانت التقوى والمروءة ملكةً له بلغ مبلغ أبي بكر وعمر ﵄. وهذا هو مقتضى اعتقاد أهل السنة والجماعة: بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن أصحابه فيه متفاوتون.

стр. 5

- والتقوى: هي الدافع الإيماني الذي يجعل المتَّصِفَ به متقرِّبًا لله تعالى بفعل الطاعات وتَرْكِ المحرّمات وسرعةِ الأوبة بعد الغفلات. وأما المُتَّقي: فهو من غَلَبَ أثرُ إيمانه على أعمال قلبه وجوارحه، فكان غالبُ حاله طاعةَ الله تعالى والتقرُّبَ إليه. - والمقصود ب (المروءة) هنا معناها الخاص: وهي التزامُ صفات أهل العقل الراجح وسمات أهل التقوى التي تخضع للعُرْفِ المكاني والزماني. إذِ الأمرُ قد يكون في أصله مباحًا أو صغيرةً من الصغائر التي لا تكفي وحدها لنفي العدالة، ورغم ذلك فقد يَخْرِمُ ذلك المباحُ أو الذنبُ الصغيرُ مروءةَ الشخص، ويمنع وَصْفَه بالعدالة، وذلك إذا ما كان ذلك المباحُ أو تلك الصغيرةُ من خصائص الفُسّاق أو من السمات الغالبة على أهل السَّفَهِ (نقص العقل) في عُرفٍ من الأعراف. ولكي أُقرِّب المعنى للمعاصرين: تخيّل أنك رأيت موظَّفًا يَدخُل دائرةَ عملِه بإزارٍ فقط، لا يَستُر إلا ما بين السرة والركبة، فإنه سوف يغلب على ظني أن فاعلَ ذلك ليس من أهل المروءة، مع أنه لم يفعل محرّمًا، حيث إنه قد ستر عورته؛ لأن ذلك المظهر لا يفعله في عرفنا شخصٌ عاقل. وأما تعريف (المروءة) بالمعنى العام: فهي التزامُ صفاتِ أهلِ العقلِ الراجِحِ وسِماتِ أهلِ التقوى، مطلقا. فالمروءةُ (بمعناها العام) أعمُّ من التقوى، وخوارمُ المروءة

стр. 6

أعمُّ من أسباب الفسق؛ فالمروءة بمعناها العام: يكون فيها كل مُفسِّقٍ خارمًا للمروءة (١)، ولا يكون كل خارمٍ للمروءة مفسِّقًا بحكمٍ منصوص (٢). فللمروءة إطلاقان: إطلاقٌ أخصُّ من إطلاق، والمراد هنا الأخصّ. وإنما وجب اشتراط المروءة بالمعنى الخاص: للتأكيد على إخراج مَن يَغلِب على الظن أنه ليس بعدل، وإن لم يثبت عليه يقينًا أنه فاسق؛ وذلك لإتيانه بما الغالبُ على مَن يأتيه (عُرْفًا) بأنه من أهل الفسق أو من أهل السَّفَهِ (نَقْصِ العقل)، ونحن مطالبون عَقْلًا باعتبارِ غلبةِ الظنِّ والحكمِ بها، إذا لم يُعارِضْها يقينٌ، أو ظنٌّ أقوى منها في غلبةِ الظن. ويظهر من كل ذلك: أن اشتراط المروءة إنما هو في الحقيقة للتثبُّتِ من سلامة العقل والدين، من خلال التَّنزُّهِ عن قوادحَ ظنيةٍ فيهما: فهي كفعلٍ مباحٍ أو ذنبٍ من الصغائر لكنهما من خصائص أهل الفسق أو السَّفَهِ عُرْفًا، فيغلب على الظن أن فاعله منهم. فإذا علمتَ ذلك، تَبيَّنَ أنّ مَن أتى قادحًا ظنيًّا مما يقدح في المروءة غالبًا، لكننا نعلم يقينًا أنه سالمُ العقلِ والدِّين: فيجب أن نُقدِّمَ حينها يقينَنَا بعدالته على ظنِّنَا بعدمها، وأن نُرجِّحَ الحكمَ المقطوعَ بطريقِهِ على الحكم المظنونِ طريقُهُ: وهو العلامات

стр. 7

والسِّمات. وبذلك لا نجرح الراوي الذي عرفناه يقينًا بالعدالة، وإن بدا منه خارمٌ للمروءة مما لا يستند في نقضه للمروءة إلا على الأعراف. * * * تعريفُ العَدْل: العَدْل: هو من كانت له مَلَكَةٌ تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. وهو: (١) المسلم، (٢) العاقل، (٣) البالغ، (٤) السالم من أسباب الفسق، (٥) والسالم من خوارم المروءة (١). والفسق نعني به هنا: رِقّةَ الدِّين وضعف الخوف من الله تعالى الذي لا يَزَعُ صاحبَه عن ارتكاب الكبيرة (كالكذب في الرواية). والفاسق هو: من كان مستوى تَدَيُّنِه لا يمنعه عن تقحُّم الكبائر بحسب ما يظهر لنا. ويُفسَّق المسلم - عند وجود الحاجة للحكم عليه بذلك - بواحدٍ من أمرين: ١ - بارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب، من غير تَأوُّلٍ. ٢ - بارتكاب صغيرةٍ أو صغائر إذا ما احتفَّ بارتكابها قرائنُ تدلُّ على استخفافٍ شديد وضعفٍ في الوازع كضعف الوازع

стр. 8

المستفاد من ارتكاب أصغر الكبائر (١). فإن أعقبت ذلك توبةٌ ظاهرةٌ تدل على انصِلاح حاله وقوة إيمانه، حُكم له بالعدالة وقُبل (من هذه الجهة) حديثُه؛ إلا في الكذب على النبي ﷺ ، فمن ثبت عنه الكذب على النبي ﷺ وتاب منه، تبقى روايته مردودة، وأما توبته بينه وبين الله تعالى فمقبولةٌ إن صدقت. * * * سببُ اشتراطِ العَدَالة: هو الاطمئنان إلى أن الراوي (أو الشاهد) لديه من التقوى والورع ما يمنعه عن تَعَمُّدِ الكذب. إذْ بغير قوّة مراقبة الله تعالى، واستحضار عِلْمِه سبحانه بكل شيء، مع خشية عقابه = لا يردعُ الإنسانَ عن الكذب شيءٌ، إذا كان له في الكذب مصلحةٌ، واطمأنّ إلى عدم افتضاحِهِ به عند الناس. وهؤلاء العرب في الجاهلية كانوا من أَتْرَكِ الأُمم للكذب أَنَفَةً وتَكَرُّمًا؛ مع ذلك فهذا أبو سفيان بن حرب ﵁، لما سأله هرقل عن النبي ﷺ ، وجعل رِفاقًا لأبي سفيان خلفَ ظَهْرِهِ شُهودًا على ما يُجيب به، ليصدّقوه أو يكذِّبوه فيما يقول، وأبو سفيان حينها على دين قومه (لم يُسلم بعدُ) = فيقول أبو سفيان (كما في

стр. 9

الصحيح): «فوالله لولا الحياءُ من أن يَأْثِرُوا عليَّ كَذِبًا لكذبتُ». فهذا دليلٌ على أنّ تَرْكَ الكذب لغير الديانة لا يُؤمَن دوامُه عند تَعارُضِ الصدق مع المصلحة، وعند الاطمئنان من عدم حصول الفضيحة بالكذب، حتى في أكثرِ الرَّقَاباتِ المُجْتَمَعِيَّةِ التي تُشَدِّدُ في تقبيح الكذب أخلاقيًّا، لا دينيًّا، وتَعِيْبُ مَن عُرفَ به بأشنع الأوصافِ المُنفِّرَةِ، كمجتمع عرب الجاهلية. * * * • حُكْمُ روايةِ المبتدع: ولما كان سبب اشتراط العدالة هو ما سبق: استثنينا ممن وُصف بالفسق فُسّاقَ التأويل (١): كالمبتدع (غير المكفَّر ببدعته) المتأوِّل (غير المعاند)؛ لأن هؤلاء - وإن كنا نُغلِّظ عليهم بدعتهم ونردّها عليهم بكل قوّة ووضوح - متأوِّلُون، لم يَبتدعوا بسبب ضعف الوازع الديني، بل ربما كانت بدعتُه هي سببَ قوة وازعه الديني، لأن بدعته ربما كانت هي الغلو في التديّن (كالخوارج). فالتأوُّلُ هو سبب عدم تفسيق المبتدع، كما أنه هو سبب عدم تفسيق من فعل كبيرة متأوِّلًا حِلّها، كمن يشرب النبيذ على

стр. 10

مذهب أئمة الكوفة، فإنه لا يُفسَّق قطعًا بسبب هذا التأوّل، مع أنه عند جمهور الفقهاء مما يُفسَّق به غير المتأوّل؛ لأنه عندهم قد شرب الخمر. والأصل في كل مبتدع أنه متأوّل، حتى يَثْبُتَ بيقينٍ أو بغلبةِ ظنٍّ أنه مُعاند، من خلال مناقشته وإقامة الحجة عليه، فعندها: - قد يُفسَّق: إن غلب على الظن عِنادُه عند الناقد. - وقد يُكفَّر: إن قام الدليل القاطع على نَقْضِه الشهادتين ببدعته (١). هذا هو منهج النُّقاد في زمن الرواية في التمييز بين المبتدع المتأوّل من غير المتأوّل (المعاند). ولصعوبة ثُبوت العِناد: كان من النادر أن يُطعَنَ في الرُّواة الطعنَ الموجِبَ للردِّ بمجرَّدِ البدعة. أما كيف يُميِّزُ العلماءُ المتأخرون بين المبتدع المتأوِّلِ والمبتدع المعاند: - فإمّا بالتنصيص على عناده من ناقدٍ مُتقدم، ممن عنده أهلية الاطّلاع على تأوّل المبتدع أو عناده. - وإما بأن نَجِدَ الراوي الموصوفَ بالبدعة قد وَثّقَهُ الإمامُ نفسُه الذي وصفه بها، أو وَثّقَهُ إمامٌ غيرُه مع شهرته بالبدعة أو مع بُعد خفاء كونه مبتدعا على الناقد الموثِّق. لأن توثيقهم له رغم تبديعه: قد دلّنا على عدم عناده، وأنه متأوّل؛ وإلا ما وثّقوه. [وبهذا يتضح أن حكم رواية المبتدع المسلم المتأوِّل (غير المعاند): هو القبول؛ إلا أن يروي حديثًا منكرًا يؤيِّد البدعة. هذا الحكم المتفق عليه بين المحدّثين وأئمة الاجتهاد من الفقهاء، ولا يصح وقوعُ اختلافٍ بينهم في ذلك، وأن المذاهب المحكيّة التي تذكر الاختلاف لا تنطبق على واقع موقف العلماء من رواية المبتدع، وقد حكى الإجماع على ذلك الإمام الشافعي والخطيب البغدادي.] [¬*] * * *

стр. 11

• قِسْما العدالة: - تعريفُ العدالةِ الظاهرة: الإسلامُ وعدمُ العلم بالمفسِّق. وتُعرف من خلال الخبرة القصيرة أو السطحية. - تعريفُ العدالةِ الباطنة: الإسلامُ والعلمُ بعدم المفسِّق. وتُعرف من خلال الخبرة الطويلة أو القويّة. وليس المقصود بالعدالة الباطنة خفايا القلوب وغَيْبُ النيّات، فهذه لا يعلمها إلا عالم ما في الصدور ، ولذلك لم تثبت عدالةُ القلوب إلا للصحابة ﵃؛ لأن الله تعالى قد عدّلهم في وَحْيَيهِ (الكتاب والسنة). * * * • أقسامُ الرُّواة من جهةِ تَحقُّقِ العدالة (بِقِسْمَيها) فِيهم: ١ - من عُرفت عدالته الباطنة (والظاهرة باللزوم): وهو العَدْل. ٢ - من عُرفت عدالته الظاهرة (دون الباطنة): وهو المَسْتور (باصطلاح المتأخرين). وحُكمه: القبول في الرواة الذين تعذرت الخبرة الباطنة بأحوالهم، وخاصة طبقة التابعين، وكبارهم بالأخصّ، وطبقة المتأخرين من رواة النُّسَخِ. ٣ - من جُهلت عدالتُه (الظاهرة والباطنة) لكن عُرفت عينُه (في النَّسَب أو الأدب أو الشِّعر أو أيّ علم آخر أو في

стр. 12

قيادة جيش أو إمارة أو غير ذلك مما يُذكر في التواريخ): فهو مجهول الحال. وحُكمه: التوقُّفُ عن قبول حديثه، ولا يحكم لحديثه بِخِفَّةِ ضعفٍ أو بشدةِ ضعفٍ بإطلاق، ولكن يُنظر في حديثه (إسناده ومتنه): فإن كان فيه نكارة، أو تبدو عليه علامات الوَضْع = حُكم عليه بما يقتضيه ذلك، وإلا فلا يُحكم عليه بشدة الضعف، ويبقى حينها في حَيِّزِ الاعتبار. ٤ - من جُهلت عدالتُه (الظاهرة والباطنة)، وجُهلت عينُه أيضًا: فهو مجهول العين. وهو كالمُبْهَم (وهو الراوي المصرَّحُ بوجوده في السَّنَد من غير ذكره بمعرِّف). وحُكمه: حُكمُ سابقه، وقد يكون أبعدَ عن القبول من سابِقه. ٥ - من عُرف بعدم العدالة: وهو الفاسق، والكافر (كالزنادقة والقرامطة وأمثالهم من الباطنية الكفار)، وغير المكلَّف: كالصغير والمجنون ومن في حُكمه (كالمغفّل غفلةً شديدة). وهو مردودٌ بالإجماع. وحديثُ غير العدل (فاسقا أو غير فاسق): شديدُ الضعف: لا يُعتبر به، كحديث الكذاب، والمتهم بالكذب، والمصرّ على رواية الخطأ عنادًا (لا نفيًا لوقوعه في الخطأ)، ومدلّسُ الحديثِ الموضوع مع العلم بوضعه لإيهام صحته. * * *

стр. 13

• كيفيّةُ إلحاقِ الرُّواةِ بواحدٍ من هذه الأقسامِ الخمسة: ١ - (العَدْل): أ - بالشهرة والاستفاضة، مثل أئمة السنة. ب - بالتنصيص مِن مقبولٍ قولُه في الجرح والتعديل. ت - بالتعديل الضِّمني (كالتصحيح والتحسين للراوي، ورواية من لا يروي إلا عن مقبول عنده). وتزداد قوة دلالة التعديل الضمني عند عدم وجود جرحٍ صريحٍ في ذلك الراوي، وإذا كانت من باب رواية الأكابر عن الأصاغر. ومن التعديل الضمني: الاحتجاجُ بخبره، إذا غلب على الظن أن العالم إنما اعتمد في حكمه بمقتضى ذلك الخبر على رواية ذلك الراوي. وهناك قرائنُ توثيقٍ: كشهرة الراوي، وكثرة الرواة عنه، وإكثاره من الرواية، وكونه له مصنَّفات متداولة معروفة، ورواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الأقران عنه = كل ذلك بشرط عدم وُرُودِ جرحٍ معتَبَرٍ فيه. وهي قرائنُ لا يكفي الواحد منها، لكنها قد تجتمع فتفيد، وقد تُرجِّح التوثيقَ الوارد، وقد تُقوِّي التوثيقَ المظنونَ أيضًا. وليس من التعديل الضمني: السكوتُ عن الجرح، أو عدم وجود جرح في الراوي. لكن أن يكون ذلك من القرائن: فهو اعتبارٌ صحيح. ٢ - (المستور): برواية عَدْلَين عنه، ويُكتفى بعدل واحد إذا

стр. 14

كان من الأئمة والحفاظ. ٣ - (مجهول الحال): برواية راوٍ واحد (عدلًا كان أو ليس بعدل، فإن كان الراوي عنه ليس بعدل فهو أضعف لحاله ولحديثه). ٤ - (مجهول العين): كسابقه، وإنما فارق بينهما العلم بعين الراوي والجهل بها. تنبيهٌ: يجب أن تَعلم أن إطلاقات الأئمة المتقدمين ل (المجهول) لم تلتزم بهذه الحدود، وأنها كانت أقربَ للاستعمال اللغوي (وهو أوسع من الإطلاقات الاصطلاحية). فلربما أطلق الناقدُ منهم وَصْفَ المجهول على (الصحابي) عنده وعلى من يوثِّقه هو نفسُه، بمعنى: أنه غير مشهور، أو أن أخباره قليلة، لا على معنى عدم العلم بعدالته. ٥ - (الفاسق والكافر): أ -بالشهرة والاستفاضة: كمحمد بن سعيد المصلوبِ بالزندقة، ومحمد بن السائب الكلبي. يقول النسائي: «الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله ﷺ أربعة: ابنُ أبي يحي بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد بالشام». ب -بالتنصيص من مقبولٍ قولُه في الجرح. ت -بالتضعيف الضِّمني (كالتَّرك المتعمَّد للرواية عنه وتَقَصُّدِ الإعراض عن حديثه، وكتضعيف الحديث الذي ليس فيه ما يقتضي التضعيف إلا ذلك الراوي، وكترك العمل

стр. 15

بمقتضى حديثه مع غلبة الظن أن ترك العمل به لم يكن لسبب آخر؛ إلا أنه من رواية ذلك الراوي)، لكن هذا التضعيف قد يرجع إلى طعن في العدالة، فيكون داخلا في وسائل معرفة غير العدل، وقد يرجع إلى طعنٍ في الضبط فقط. ث -بروايته للمنكرات والموضوعات بالأسانيد النظيفة التي تكون سبب افتضاحه بأنه هو الذي جاءت مِن قِبَلِهِ تلك النكارةُ الدالّةُ على عدم العدالة أو هو الذي وضع ذلك الإسنادَ أو المتنَ.

стр. 16

الكَلامُ عن الضَّبط ما سبق هو العَدْل في الشهادة، أما العَدْل في الرواية فيُشترط فيه مع العدالة الدينية أن يكون ضابطًا. - تعريف الضبط: نَقْلُ المرويِّ كما تَلقّاهُ الراوي (لفظًا أو معنى). - تعريف الضابط: هو من كان نَقْلُه للمَرْويِّ مُطابقًا لما تَلقّاهُ عن شيخه (لفظًا أو معنى). هذا التعريف هو تعريف الضابط حال كونه ضابطًا لما رَوى، وأما تعريف الراوي الضابط مطلقًا: فهو من غَلَب على الظن أن نَقْلَه موافقٌ لما تلقّاه، أو هو: من كان احتمالُ صوابه أكبرَ من احتمال خطئه. وكونُ الراوي ضابطا لا يعني قبول حديثه مطلقا، ولا يعني أنه لا يخطئ أبدًا، وإنما يعني أن الأصل قبول حديثه، بشرط أن لا يَظهر ما يستدعي الشّكَّ في ضبطه حديثًا معيّنًا: o إما بسبب أنه خالف ما هو أَوْلى منه ضَبْطًا: كقوة الضبط وكثرة العدد. o وإما لأنه انفرد بأصلٍ (مَتْنِيٍّ أو إسناديّ) بما لا يَقَعُ في ضبطه وإتقانه ما يَجبُر تَفَرُّدَه.

стр. 17

والراوي غير الضابط: هو من كان احتمالُ خطئه أكبرَ من احتمال صوابه أو مساويًا له، إما بسبب كثرة أخطائه أو بسبب سوء الخطأ، مما شكّكَ في قدرته على الضبط (بتساوي الاحتمالين)، أو غلَّبَ الظنَّ بخطئه فيما يرويه (بكثرة احتمال خطئه على احتمال صوابه). فإن بلغ فُحْشُ الخطأ درجةَ بُعد احتمال وُقُوعِه إلا بسبب قادحٍ في العدالة: لغفلةٍ شديدةٍ تخالف شَرْطَ العقلِ في الراوي العدل، أو لورود احتمال تَعَمُّدِ الإخبار بخلاف الواقع (الكذب): فينتقل ذلك القادحُ من القَدْحِ في الضبط فقط إلى القَدْحِ الأشدّ، وهو القَدْحُ في العدالة. واتِّصافُ الراوي بعدم الضبط قادحٌ خفيف يقبل التَّقَوِّي مطلقًا، على مراتب في ذلك بحسب درجة ضعف الضبط، ولا يبلغ الراوي درجةَ عدم الاعتبار؛ إلا إن تجاوز فحشُ الخطأ القدحَ في الضبط إلى القدح في العدالة (على ما بيّنّاه آنفًا) (١). وعدم الضبط قسمان: - قائمٌ: وهو الذي يكون الراوي موصوفا به منذ عُرف بالرواية. - وطارئٌ: وهو الراوي المختلِط، وهو من ساء حفظه بعد إتقان. وحُكم الراوي المختلط: يُقبل في أربع حالات، ويُردّ في واحدة: فيُقبل في الحالات التالية: ١ - ما رواه قبل الاختلاط (ويُعرف بتمييز من روى عنه قبل

стр. 18

الاختلاط ممن لا يتميّز بذلك). ٢ - ما توبع عليه متابعةً تُثبت ضبطَه له. ٣ - إن قُصد مِن وَصْفِه بالاختلاط: التغيّرُ اليسيرُ في الحفظ الذي لا يُنزل الراوي عن مرتبة القبول، وإن نزل به عن منزلته التي كان عليها قبل الاختلاط. فهذا ليس مختلطًا بالمعنى المبدوء بتعريفه، وإن وُصف بذلك. ٤ - إن حُجب عن الرواة بعد الاختلاط، فلم يُؤخَذْ عنه حال اختلاطه. ويُردُّ ما سوى ذلك من حديث المختلط. * * * • قِسْما الضبط: القسم الأول: ضَبطُ صَدْرٍ: هو القدرةُ على استحضار المرويِّ من الصدر، كما تلقَّاه الراوي (تَلَقِّيَ الإتقان)، دون الرجوع إلى الكتاب، مع شرط عدم إحالة المعنى فيما إذا ما روى بالمعنى. وصحة الرواية بالمعنى تستوجبُ اجتماعَ أمرين، هما: ١ - فقهُ النَّفْس (وهي القدرة على إدراك مراد الشارع من الدليل الشرعي)، ومما يُعِين عليه: العلمُ بالفروع الفقهية، وبالاختلاف فيها، وبأدلة الاختلاف وأسبابه، وبأصول

стр. 19

الفقه. أو أن يَتلقَّى الراوي هذا الفقهَ ممن وُجدت فيه أهليتُه. ٢ - والعلمُ باللغة الممكِّنُ للراوي بأن يحكي المعنى بغير لفظه. مع العلم بأنّ من الأحاديث النبوية مالا تصحّ فيها الرواية بالمعنى، كالأدعية والأذكار المأثورة عن النبي ﷺ ، ومنها ما يُتعبَّد بألفاظها، وكالألفاظ التوقيفيّة (كأسماء الله تعالى وصفاته)، وكجَوَامع كلمه ﷺ . القسم الثاني: ضَبْطُ كتاب: وهو الروايةُ من كتابٍ فيه مرويَّاتِه التي تلقاها عن شيوخه كما تلقاها عنهم. وشرطه: ١ - أن يكون المرويُّ مكتوبًا كتابةً صحيحةً تُمكِّن من القراءة الصحيحة منه. ٢ - أن يكون محفوظًا من التغيير أو التلف أو الفقدان. ٣ - وأن لا يُحدِّث صاحبُ هذا الضبط (إذا لم يكن لديه ضبط الصدر) إلا من كتابه هذا أو من نسخةٍ مطابقةٍ له. * * *

стр. 20

• كيفيّةُ معرفةِ العلماء المتقدّمين لضبط الرواة: وقد كان للنُّقّاد وسائلُ عديدةٌ لمعرفة ضبط الرواة، منها: ١ - الإبدال عمدًا، للاختبار. ٢ - سؤال الراوي عن حديثه في أزمانٍ متباعدة. ٣ - النظر في أصوله وضبطِها، إن كان يروي من كتاب. ٤ - مطالبتُه بأصله للتَّثَبُّت من حفظه، إذا ما حدّث من حفظه. ٥ - الرجوع إلى كُتُب شيخِ الراوي، فَمَن فوقَه، أو جمعُ حديثِه. ٦ - سَبْرُ حديث الراوي، وهي من أهمّ وأدَقّ وسائل معرفة ضبط الراوي: وهذا السَّبر يتمُّ من خلال عمليّةٍ شاقّةٍ تستلزم حفظًا واسعًا وفهمًا ثاقبًا وإدراكًا كبيرًا لعلوم الحديث بجميع فنونها. على أنه ليس كل الرواة يُمكن سَبْرُ حديثِهم: كالمجهول الذي لم يَرْوِ عنه إلا تلميذٌ ضعيف، أو لم يَرْوِ هو إلا عن شيخٍ ضعيف، أو أنه ما عُرف له حديثٌ إلا محاطًا بضعيفٍ من الجهتين: فكان شيخُه فيه ضعيفًا، وتلميذُه الراوي عنه ضعيفًا. إلا في حالة واحدة، يمكن فيها سَبْرُ حديث مثل هذا المجهول، وهي حالة أن تكون نكارة الحديث أشدّ من درجة ضَعْفِ الراوي الذي فوقه (الشيخ) والراوي الذي تحته (التلميذ)، مما ينتجُ عنه: أن درجةَ النكارة وشدّتَها لا تليق إلا بذلك المجهول. وكذلك يجب التنبّه إلى أن هذا السَّبْرَ قد يَصعُبُ (ولا يستحيل) حتى على النُّقّاد: إذا لم يكن للراوي إلا رواياتٌ موقوفةٌ ومقطوعة،

стр. 21

أو مراسيل غير متصلة أصلا. كما قد يصعب هذا السَّبرُ أيضًا (ولا يستحيل) عند إقلال الراوي جدًّا، كمن ليس له إلا الرواية الواحدة أو الروايتان، فيصعب غالبا على النُّقّاد سَبْرُ حديث المقلِّين، لكنه لا يمتنع دائمًا. وقد يتوقف فيه بعضهم، وقد يتنبّه غيرُهم لأسباب الحُكم فيه، فيحكمون عليه رُغمَ قِلّةِ حديثِ الراوي. وعمليّةُ السَّبرِ هذه هي باختصار بالغ: تقوم على تقسيم حديث ذلك الراوي إلى قسمين: - الأحاديث التي تَفرَّدَ بها. - والأحاديث التي شُوْرِكَ في أصل روايتها. فإن غلبت عليه المفاريد: كان ذلك دليلَ ضعفه، بل ربما كانت دليل وَضْعِه للحديث. فإن لم تغلب عليه المفاريد، لكنها لم تزل في حيِّز الكثرة، وجب سَبْرُ ما شُورِك فيه وَحْدَهُ، ثم ما انفرد به وَحْدَهُ، ثم يُوازَنُ بين النظرَيْنِ، ليَخرج الناقدُ بالنتيجة. فبالنظر إلى التّفرّدِ يجب أن تُلْحَظَ ملاحظُ دقيقةٌ جِدًّا، كالملاحظ التالية: ١ - قوّة تأثير المفاريد على دلالة إتقانِه المستنبَطِ مما لم ينفرد به من الحديث وشُورِكَ في أصل روايته: o فقد يقع في ضبطه وإتقانه ما يَجبُر تفرُّدَه، وقد لا يقع فيه ما يَجبُره. o وما لا يقع في إتقانه ما يَجبُره: قد تدلّ خِفّةُ درجةِ خطئه

стр. 22

على أنه مجرّدُ وَهَمٍ غيرِ مقصود، فلا يؤثّر في عدالة الراوي، وقد تَفْحُشُ درجةُ النكارةِ حتى يغلب على ظن الناقد أو يتيقّن أنّ تلك النكارة لا تقع من عَدْل (كما سيأتي). ٢ - درجة غرابتها، حيث إن الغرابة درجات، وتَفَاوُتُ درجاتها يرجع إلى درجة توفُّر الدواعي لنَقْل الحديث قوةً وضعفا. ومع تَفاوُتِ الدرجات يجب أن يُلْحَظَ موطنُ التفرّد أيضًا: هل هو في المعنى، أم اللفظ، أم الإسناد: o ففي المعنى: هل تفرّد الراوي بأصل؟ أم كان تَفرُّدُه مجرَّدَ تَفَرُّدٍ بلفظٍ لأصلٍ مشهورِ المعنى؟ o وفي اللفظ: هل اللفظ مما يُستنكر على اللفظ النبوي؟ أم هو مما يليق به؟ o وفي الإسناد: هل هناك تَفَرُّدٌ بأصلٍ إسناديٍّ يصل حَدَّ ما لا يصحّ أن يقع مثله أصلا، أو هو فقط ما لم يقع مثله قط، أم هو إسنادٌ معروف لكنه تفرّد بذلك المتن، فكل واحدة من صور التفرّد هذه أشدُّ غرابةً من الأخرى. ٣ - طبقة الراوي الزمنية: فتفرُّدُ كبار التابعين أوْلى قبولًا من صغارهم، وكبار أتباع الأتباع وإن كانوا دون التابعين في احتمال التفرّد منهم: لكنّ تَفَرُّدَهم أقربُ احتمالا من صغار أتباع التابعين أيضًا. ٤ - علاقة الراوي بمن تفرّد عنه: هل يَحتمِلُ التفرُّدَ عنه لشدّة ملازمته وقوة خبرته بحديثه، أم ليس كذلك.

стр. 23

فإن كانت المفاريد قليلةً ولم تصل حدّ التشكيك في عدالته، أو كانت المفاريد لا وجود لها في حديث الراوي، فهو مُشَارَكٌ في كل حديثه. نُظر إلى القسم الثاني من حديث الراوي، وهو ما شُورِكَ في أصل روايته. هل الغالب عليه فيه موافقةُ الثقات، وما هي نسبة مخالفته (فُحشًا وعددًا) بالنسبة لموافقته لهم. فإن ظهر لنا بعد ذلك أنه ضابطٌ في الجملة، عُدنا مرة أخرى إلى مفاريده (إن وُجدت)، فنظرنا فيها: هل في ضبطه ما يقع جابرًا لما تفرّد به؟ هل يحتمل ضبطُه التَّفرُّدَ بما تَفَرَّدَ به؟ فإن كان فيها مالا يحتمله ضبطُه، نظرنا: هل فيها منكراتٌ شديدة؟ فإن كان فيها شيءٌ من ذلك: ربما أسقطنا حديثه؛ فرُبّ حديثٍ واحدٍ أَسقطَ مائة ألف حديث (كما قال الدارقطني). ولا يعني ذلك أن الناقد لا ينظر إلى هذا القسم (قِسْمِ ما شُورك فيه الراوي) إلا بعد قِسْمِ ما تَفرَّدَ به من حديثه، بل ربما كان الابتداء بقسم ما شُورِكَ فيه أصحّ، لأن الحكم على الراوي من خلاله قد يكون أسهل، وهو أقل عمقًا من سَبرِ المفاريد (مع عمقه أيضًا). وكما أن ما يُردُّ من مفاريد الرواة مراتب (كما سبق)، فكذلك ما يُردُّ من جهة المخالفة مما شُورِكُوا في أصل روايته وتبيّنت فيه مرجوحيّةُ روايتهم، فهو أيضًا مراتب: ومرجع ذلك إلى الموازنة بين درجة الغلط وحال الراوي من جهة العدالة:

стр. 24

o فإن كانت درجةُ الغلط لا تفوقُ درجةَ متانةِ عدالتِه وقوةَ يقينِ الناقدِ منها: رُدّ غلطُه فقط، دون أن يُجرح الراوي. o وإن كانت درجةُ النكارةِ تَفُوقُ ما عَرَفَهُ الناقدُ من عدالة الراوي: رُدَّ المرويُّ والراوي معًا، فجُرح الراوي بهذا الحديث. وهذا كله فيما إذا كان الراوي مكثرًا من الرواية، أما إذا كان مُقِلًّا، بل ليس له إلا الحديثُ الواحد أو الحديثان ونحوها. فإن الحكم عليه بالضبط وعدمه قد يكون في غاية السهولة على النُّقّاد، وقد يكون في غاية الصعوبة عليهم: - فإن كان جميع حديث ذلك الراوي المقلّ مما شُورِكَ في نقله: سَهُلَ الحكمُ عليه من خلال ذلك. - وإن كان جميع حديثه مفاريدَ، أو فيها مفاريدُ مع ما شُورِك فيه منها، بل ربما لم يكن له إلا حديثٌ واحد تَفرّدَ به: ففي هذه الحالة قد يَصْعُبُ الحكمُ عليه جدًا على أئمة النقاد وجهابذة الحفاظ؛ لأنه وإن وافق الثقاتِ فيما شاركهم في روايته، إلا أن قِلّةَ حديثِه الذي شاركهم فيه أصلًا لا تكفي للحكم عليه بالضبط أو بعدمه، ولا بُدّ حينها من النظر في مفاريده أيضًا. والحكم على الراوي من خلال مفاريده القليلة (التي قد تكون حديثًا واحدًا) أمرٌ في غاية الصعوبة، خاصة عند عدم وجود نكارةٍ ظاهرةٍ في ذلك الحديث الفرْد، وعند احتمال طبقة ذلك الراوي للتفرّد (كالتابعين ثم أتباعهم). - فإن كان في إسناد الحديث المدروس أكثر من راوٍ يُمكن أن

стр. 25

تُلحق به نكارتُه أو غلطُه: أُلحقت بالأضعف، فإن احتملها عددٌ من الرواة المتشابهين في الضعف: توقّف الناقد عن إلحاق الغلط بأحدهم. ومن ظن أن الراوي الذي ليس له إلا حديثٌ واحد لا يمكن الحكم عليه؛ لاستحالة ذلك في ظنّه، ولوجود عباراتٍ لابن عَدِيّ قد تُوهِمُ بذلك = فقد أخطأ ظنُّه وفهمُه، بدليل أن ابنَ عدي كثيرًا ما ذكر تلك العبارات في حقّ من تكلم فيهم غيرُه من النُّقّاد، فما توقّف فيه ابنُ عدي، كان قد توصّل غيرُه فيه إلى حكم. ويدل على إمكان ذلك عددٌ من الأدلة، منها: ١ - وقوع ذلك مرات كثيرة: يقول أبو حاتم الرازي عن سعيد بن محمد الزهري: «ليس بمشهور، وحديثه مستقيم، إنما روى حديثًا واحدًا». مع أن حديثَه هذا قد استنكره غيرُه. وقال أبو حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن حرملة عمّ القاسم بن حسان: «ليس بحديثه بأس»، رغم أن عليّ ابن المديني قال عن حديثٍ له: «لا أعلم رُوي عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيءٌ؛ إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله». ٢ - وجود عبارات أخرى لابن عديّ تدل على إمكان ذلك أحيانًا. ٣ - وقد نصَّ الخطيبُ على إمكان ذلك في (الكفاية). * * *

стр. 26

• كيفيّةُ معرفةِ المتأخِّرِينَ والباحثينَ المعاصرينَ للضبط: من خلال طرائق معرفة العدالة نفسِها (الاستفاضة، والتنصيص، والتوثيق الضِّمني). وذلك لأن أحكام أئمة الجرح والتعديل جاءت لبيان ما إذا كان الرواة مُحْتجًّا بما رَوَوْه أو غير محتجٍّ به، وذلك لا يحصل إلا بالحكم عليهم من خلال عدالتهم وضبطهم جميعًا؛ ولهذا جاءت أحكام أئمة الجرح والتعديل متناولةً الرواة من هاتين الجهتين جميعًا: العدالة، والضبط. أما طريقة السَّبر التي سار عليها المتقدمون فلا يمكن للمتأخرين الاعتماد عليها لمعرفة ضبط الرواة استقلالًا (أي دون أن يكونوا مسبوقين بنحو حكمهم من إمامٍ متقدّم)، إلا في حالتين خاصّتين بمن لم نَجِد فيه جرحًا أو تعديلًا (كالمجهولين وشبه المجهولين): الحالة الأولى: أن نَجِدَ لهذا الراوي المجهول حديثًا ظاهرَ النكارةِ أو واضحَ البطلان، فأحكمُ على الراوي بالذي يليق بمقدار تلك النكارة من الضعف أو شدة الضعف أو الاتّهام بالكذب. وذلك بشرط أن يكون الإسناد الذي فيه ذلك المجهول والذي فيه تلك النكارة مقبولَ الرُّواة نظيفًا؛ إلا من ذلك المجهول. وهذه الطريقة سار عليها الذهبي في (الميزان)، فيمن استقل بتضعيفهم، والحافظ ابن حجر في (اللسان)، والعبد الفقير في (ذيل اللسان). الحالة الثانية: وهي التي تكون نتيجتها الحكم بقبول

стр. 27

حديث الراوي، وهي أشق من الأولى وأصعب. ولا يمكن ذلك إلا في حالة ما إذا كان الراوي مقلًّا، ويُنصّ على إقلاله، أو أَجِدُ ما يشهد لإقلاله من الحديث، بل قد يَنصُّ العلماءُ على عدد ما روى؛ ثم أقف على أحاديثه، وأستقصي في البحث؛ فيمكن حينها للعالم المتأخر صاحب الفهم الدقيق والممارسة الطويلة أن يحكم بالقبول إذا ظهرت له علاماتُه. خاصة إن وجد قرائن تؤيّد نتيجة سَبرِه هذا، من مثل كون الراوي من التابعين، أو روى عنه جمع، أو وَجَدَ قرائن تشهد لقبول المتقدمين له، مثل أن يوجد حديثُه في بعض أمهات السنة التي الأصل في أحاديثها الانتقاء، ك (السنن) لأبي داود (دون أن يُصَحَّحَ له؛ لأن التصحيح توثيقٌ ضمني، لا يحتاج معه الراوي إلى هذا السَّبر غالبًا). أما الرُّواة المكثرون: فلو قَدَّرْنا عدمَ وجود جرح أو تعديل فيهم، فلا يمكن - مع كثرة حديثهم وانتشاره - أن يُحكم عليهم بالقبول؛ إذ يُحتمل - احتمالًا قويًا - أن يكون فيما سيفوت المتأخر (حتمًا) مِن حديثهم ما يَسْقُطُ به حديثُهم (ورُبَّ حديثٍ واحد أسقط مائة ألف حديث). ولا يعني ذلك أن سَبْرَ المتأخرين من المتأهلين لذلك عديمُ الفائدة إلا في هاتين الحالتين، بل هو مفيدٌ حتى في غير هاتين الحالتين. فالراوي الذي اشتدّ فيه الاختلاف جرحًا وتعديلًا، يمكن الاستفادة من سَبْرِ حديثه - سواءٌ أكان مكثرًا أم مقلًّا، وسواءٌ

стр. 28

أكانت نتيجة سَبْرِ حديثِه القبول أم الرد - في الترجيح بين تلك الأقوال المختلفة. فيكون السَّبر حينها للوصول إلى مرجِّحٍ فقط، لا إلى حُكمٍ اسْتِقْلاليّ. تنبيهٌ: الضبطُ هو (غالبًا) سببُ تباين مراتب الرواة في مراتب الجرح والتعديل، أما القدحُ في العدالة (غير فِسْق المتأوّل فيه) فهو مرتبةٌ واحدةٌ إجمالًا، هي مرتبةُ شِدّةِ الضعفِ ممن لا يُعتبر بحديثهم من الرواة. أما من لم يُقدح في عدالته (بكذبٍ أو اتّهامٍ به أو فسقٍ أو جنون أو غفلةٍ شديدة تُنزَّل منزلةَ الجنون) فهو معتبَرٌ به، مهما اشتدّ ضعفُه في الضبط؛ إلا فيما تبيَّن أنه قد وَهِمَ فيه، فوَهْم الثقات لا يُعتبَر به أيضًا. إلا إن بَلَغت نكارةُ وَهْمِه درجةَ التشكيكِ في عدالته، على ما سبق بيانه. وتنبيهٌ ثانٍ: أنّ الرواةَ الضعفاءَ الذين يُعتبَرُ بحديثهم هم أيضًا درجاتٌ ومراتب، فليس من اختُلف في قبوله وفي ردّه من الضعفاء كمن اختُلف في الاعتبار به وفي عدم الاعتبار. * * * • أئمّةُ الجرحِ والتعديل شروط المعدِّل والجارح: يقول الذهبي في الموقظة: «الكلام في الرواة يحتاج إلى ورعٍ تامٍّ، وبراءةٍ مِن الهوى والميْل، وخبرةٍ كاملةٍ بالحديث وعِلَلِه ورجاله».

стр. 29

كيف نعرف من وُجدت فيه هذه الشروط: ١ - من خلال الكتب المصنّفة في ذلك: أ - وأَوّلُ هذه الكتب: كتاب (الجرح والتعديل) لابنِ أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ)، فقد صرّح ابنُ أبي حاتم في مقدمة كتابه أنه لن يَنقُل إلا كلامَ من كان يستحقّ الاعتمادَ عليه عنده في الجرح والتعديل (١). ولذلك فقد جمع أسماءَ هؤلاء الأئمة الدكتور هشام بن عبد العزيز الحلَّاف في كتاب سمّاه (المزكُّون لرواة الأخبار عند ابن أبي حاتم)، ورتَّبهم على حروف المعجم. ب - كتاب الأربعين المرتَّبة على طبقات الأربعين: لعليّ بن المفضَّل المقدسي (ت ٦١١ هـ). ت - (ذِكْرُ من يُعتمَدُ قولُه في الجرح والتعديل): للذهبي (ت ٧٤٨ هـ). ث - (المتكلِّمون في الرجال): للسَّخاوي (ت ٩٠٢ هـ). ٢ - من خلال ترجمته وما تتضمَّنُه الترجمةُ من وصفٍ بالحفظ والإمامة والنقد. تنبيهٌ: يُقبل الجرح والتعديل من إمام واحدٍ إذا تحقّقت فيه شروطُ أهليّة الكلام في الرواة. * * *

стр. 30

• تفسيرُ الجرحِ والتعديلِ وإبهامُهُما الجرحُ والتعديل المفسَّر: هو الذي بيّنَ الجارحُ أو المعدِّلُ فيه سببَ الجرح أو التعديل. الجرحُ والتعديل المبهم: هو الذي لم يبيّن الجارحُ والمعدِّلُ فيه سببَ جرح الراوي أو تعديله. على أن التعديل يكاد يتعذّر ذِكْرُ أسبابه، ولذلك لا كلامَ في قبوله مبهمًا (غيرَ مفسَّر). وأما الجرح: فهو الذي يَسْهُلُ ذِكْرُ أسبابه. والصحيح: أنه لا خلاف في قبول الجرح والتعديل المبهمَينِ كليهما: عند عدم وقوع تَعارُضٍ في الراوي جرحًا وتعديلًا. وليس لقبولهما شرطٌ (رغم إبهامهما) في هذه الحالة؛ إلا أن يكونا صادِرَينِ ممن يُقبل قولُه في الجرح والتعديل، والذي مِن شروطه أن يكون عارفًا بأسباب الجرح والتعديل. فإن تعارضَ الجرحُ والتعديل، فهي المسألة الكبرى التالية:

стр. 31

تَعارُضُ الجرحِ والتعديل الأغلب أن يكون التعارُضُ واقعًا بين أئمةٍ متعدِّدِينَ، أي أن يكون الجارحُ إمامًا غيرَ الإمام المعدِّل. ولكن قد تكون العبارات المتعارضة صادرةً من إمام واحد، فالإمام نفسُه اختلَف قولُه المحكيُّ عنه في الراوي. ولكل حالةٍ من هاتين الحالتين طريقةٌ عِلْمية للتعامل مع التعارض، تتيح لنا الخروجَ من هذا التعارض بأَولى الأقوال بالصواب وأحقها بالاعتماد. وتنبّه أن هذا الفصل (فصل تعارض الجرح والتعديل) هو أجلُّ فصول هذا العلم وأعمقها وأكثرها زللا لمن لم يتقنه! فعليك بالصبر في التدرّب على مراحله وخطواته، وأن لا تتعجل الخوضَ فيه قبل التمكن من هذا العلم تنظيرًا .. وتطبيقا عمليا، وذلك بالتفقه في العلم من خلال ممارساتِ أئمة الفن، كابن عدي من المتقدمين في كتابه (الكامل)، وكالذهبي من المتأخرين في عموم كتبه وخاصة (الميزان)، ومن خلال التَّمرُّنِ والتدريب الخاص على الرواة المختلَف فيهم، وموازنة نتائجك بنتائج العلماء. وسنبدأ ببيان مراحل الدراسة عند وقوع التعارض بين عددٍ

стр. 32

من الأئمة. فعند تعارض العلماء في الجرح والتعديل: أسير على ثلاث مراحل، وتحت كل مرحلة خطوات أو تفصيل. فسوف نبدأ بذكر إجمال المراحل الثلاث، ثم سنعقد لكل مرحلة منها فصلا خاصًّا. فنقول: عند تعارض العلماء جرحًا وتعديلًا، نسير وَفْقَ المراحل التالية: المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وهميًا. فإن تبيّن أنه حقيقي، انتقلت إلى المرحلة الثانية. وتحتها خطوات ثلاث: ١ - التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا). ٢ - أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف. ٣ - أن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف. المرحلة الثانية: الترجيح. فإن عجزت عن الترجيح انتقلت إلى المرحلة الأخيرة. المرحلة الثالثة: التوقُّف. فإلى بيان مجمل هذه المراحل وشرحها:

стр. 33

المرحلةُ الأولى: التَّثَبُّتُ من أن التعارُضَ حقيقيٌّ، ليس وَهْمِيًّا ويتم ذلك من خلال الخطوات الثلاث التالية: الخطوة الأولى: التثبت من صحة القول المعارِض (جرحًا أو تعديلًا)، فقد لا يثبت ذلك القول، فلا يكون هناك تعارض أصلًا. فإن ثبت التعارض، ولو ظاهريًّا، انتقلت للخطوة الثانية: والخطوة الثانية: أن يكون الجمع بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف، فيكون التعارض لفظيًّا ليس بحقيقي. فإن لم يمكن الجمع، مما يعني أن التعارض حقيقي، انتقلت للخطوة الثالثة: الخطوة الثالثة: أن لا يمكن الجمع، لكن يتبيّن أن الجرح أو التعديل خرج من قائله بغير إنصاف، فيكون لاغيًا لا وزن له. * * *

стр. 34

• أما الخطوة الأولى: وهي التثبت من صحة القول المعارض (جرحًا أو تعديلًا)، فقد لا يَثْبُتُ ذلك القول، فلا يكون هناك تعارض أصلًا، فمن أسباب عدم ثبوت القول في الجرح والتعديل ما يلي: ١ - أن يكون القول صادرًا ممن لا يُقبل قوله في الجرح والتعديل: كأبي العباس ابن عقدة - أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن - (ت ٣٣٢ هـ)، وأبي الفتح الأزدي - محمد بن الحسين بن أحمد - (ت ٣٧٤ هـ)، وأبي طاهر محمد بن أحمد بن عثمان الأُموي مولاهم المديني نزيل مصر - يُعرف بابن أبي عُبيد الله - (ت ٣٠٣ هـ). وكغيرهم ممن لا يُعتمَدُ قوله في الجرح والتعديل، لعدم توفر شروطه فيه، وإن كان راويًا ثقةً أو مقبولَ الرواية. ٢ - أن لا يثبت إسناد القول المعارِض عن الجارح والمعدِّل. ٣ - أن يكون قد وقع خطأٌ في نقل عبارة الجرح أو التعديل، فتكون قد قيلت في غير من حُكيت العبارة في ترجمته. أو أنه نُقص من العبارة ما يُغيّر دلالتها. ٤ - أن يكون الناقد نفسه (الجارح أو المعدل) قد وقع في وهم الجمع أو التفريق، فأدَّى ذلك إلى اختلال تصوره عن حال الراوي. ٥ - أن يُفسَّر الجرح والتعديل بسببٍ، ويكون هذا السبب غيرَ مُصَحِّحٍ واحدًا منهما: o فلا هو يُصَحِّحُ الجرحَ.

стр. 35

o ولا هو يُصَحِّحُ التعديل. ٦ - أن يكون قد وقع خللٌ في فهم كلام الناقد أخرجَه عن دلالته الصحيحة. ٧ - أن يكون القول في الجرح والتعديل منسوبًا إلى غير قائله، فقد يُنسب إلى من يُقبل حكمه، والصحيح أنه قولٌ لغيره ممن لا يكون له وزنه في ذلك الحكم. ٨ - أن يكون التعارُضُ بين حكمٍ بالجهالة من ناقدٍ وحكمٍ بالجرح أو بالتعديل من ناقدٍ آخر، فالجهل بحال الراوي لا يُعارِضُ العلمَ بحاله؛ إلا إن لاحَ خطأُ المعدِّل، كأن يكون ظنَّ المجهولَ راويًا آخر، أو نحو ذلك من احتمالات الخطأ في التعديل. ٩ - أن يكون التَّعارُض بين ناقدٍ مجتهدٍ (كابن معين) وناقلٍ عن النقاد (كالذهبي وابن حجر)؛ إلا إن كان الناقلُ مُعْتَمِدًا على ناقدٍ مجتهدٍ، فيكون التعارُضُ حينها بين النُّقّاد المجتهدين. فإذا انتهينا من الخطوة الأولى وتَبيَّنَ أن الجرح والتعديل ثابتان، ننتقل إلى الخطوة الثانية. * * *

стр. 36

و الخطوة الثانية هي: أن يكون الجمعُ بين الأقوال المتعارضة ممكنا بغير تعسُّف، فيكون التعارُضُ لفظيًّا ليس بحقيقي. وهذا الجمع يحتاج إلى علمٍ عميقٍ بألفاظ الجرح والتعديل وبمدلولاتها اللغوية والعُرفية وبمراتبها وطرائق استعمال الأئمة لها في التعبير عن أحكامهم. ومن أمثلة هذه الألفاظ: لفظ (ضعيف)، الذي قد يُطلق على من كان في آخر مراتب القبول (مرتبةِ حَسَنِ الحديث، عند المتأخرين)، كما بيَّنتُه في (المرسل الخفي). ومن الأمور التي يجب مراعاتها عند هذا الجمع، ما يلي: أولا: مراعاة سياق الكلام الذي ذُكِرَتْ فيه تلك العبارة، إذ قد يكون الجرح أو التعديل نِسْبِيًّا: * كمن ضُعِّفَ في بلد دون بلد: كمَعْمَر بن راشد. * ومن ضُعِّف إذا حدَّثَ عن إقليم دون إقليم: كإسماعيل بن عيّاش وفَرَج بن فَضالة. * ومن ضُعِّف إذا روى عنه أهل إقليم دون إقليم: كزهير بن محمد التميمي. * من ضُعِّف في حديثه عن المجهولين، مع أن نكارة حديثه قد تكون جاءت من قِبَلِهم، لا منه. * من ضُعِّف أو وُثِّق في شيوخ مُعَيَّنين: كسفيان بن حسين وجعفر بن بُرْقان في الزهري. ويكثر بيان ذلك عند كلام النقاد عن طبقات الرواة عن أئمة الرواية: كطبقات الرواة

стр. 37

عن الزهري وعن الأعمش وعن نافع ونحوهم. * من كان متقنا للرواية في باب من أبواب العلم وضعيفا في غيره أو أقل إتقانا في غيره. * من ضُعِّفَ عَقِب حديث أخطأ فيه، أو وُثِّقَ عَقِب حديث وافق الثقات فيه. * من ضُعِّفَ لبدعته (لا لأمرٍ آخر) ممن كان مذهبه التشديد في حكم رواية المبتدع. ومن ضَعّف المبتدع هجرانًا له وتأديبًا ولإماتة بدعته لا جرحًا له، ومن ضعّفه احتياطا مع الاستغناء عن حديثه بحديث غيره لعدم تفرّده بسُنّةٍ يُحتاج إليها. * ونحوه من ضُعف لأخذ الأجرة مطلقا، ومن ضُعِّفَ لدخوله على السلطان. * من ضُعِّفَ لروايته بالإجازة، عند من يُضَعِّف الرواية بها. * من ضُعِّفَ في وقت دون وقت كالمختلط، ومن أضرَّ بصرُه في آخر عمره، ومن احترقت كتبه أو تَلِفَتْ، ومن طرأ عليه قبول التلقين. * من ضُعِّفَ إذا حدَّث من حفظه، ووُثِّقَ إذا حَدَّثَ من كتابه. * من ضُعِّفَ عندما قُرِنَ بمن هو أوثق منه، أو وُثِّقَ عندما قُرِنَ بمن هو أضعف منه. * من ضُعّفَ لتدليسه عن الضعفاء؛ فإن التضعيف بذلك له شروط، فقد يكون التضعيفُ به مقبولا (كتضعيف غياث بن إبراهيم)، وقد يكون التضعيف به مردودا (كتضعيف بقية

стр. 38

بن الوليد). ثانيا: مراعاة شمول عبارات الجرح والتعديل عند الأئمة المتقدمين لمعانٍ ومراتب متعددة، وأن اللفظ الواحد قد تتجاذبه عدة مراتب متقاربة في أصل القبول أو في أصل الرد أو في أصل التوسُّطِ بين مرتبتين. خلافًا للمتأخرين الذين بالغوا في تكثير مراتب الجرح والتعديل وفي تنزيل ألفاظهما على تلك المراتب، وكأن كل لفظ من ألفاظ الجرح والتعديل لا بد أن يكون مُنَزَّلًا في تلك المرتبة الدقيقة دائما. وفي ذلك يقول الإمام الذهبي في الموقظة: «ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات الجرح والتعديل، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة». ومن أقوى الوسائل المبيّنةِ شمولَ عبارة الجرح أو التعديل لأكثر من مرتبة: - تصريحُ الناقد نفسِه بذلك. - أو استعماله هو نفسُه للعبارة بما يدل على أنها عنده عبارةٌ تتجاذبها أكثر من مرتبة. على أن عامة أحكام النقاد لا يُراد بها إلا بيان المنازل الثلاثة الأساسية الكبرى، وهي: ١ - مطلق القبول. ٢ - أو الضعف الخفيف القابل للاعتبار. ٣ - أو شدّة الضعف المانعة من الاعتبار. فالأكثر في أحكامهم بيان منزلة الراوي ضمن هذه المنازل

стр. 39

الثلاثة؛ إلا في مراتٍ أقلَّ وقوعًا في كلامهم، وهي إن أرادوا بيانَ المنزلةِ الدقيقةِ للراوي ضمن منازل المقبولين، أو بيانَ منزلته الدقيقة ضمن خفيفي الضعف، أو تحديدَ شدة ضعفه إلى أين بلغت. وهذا التدقيق غالبا ما يقع من النقاد في مثل ما لو كان الناقد في سياق موازنة الراوي بغيره، أو في بيان طبقات الرواة عن شيخ معين، ونحو ذلك من سياقات الموازنات والترجيحات. ولذلك كان من الخطأ أن يُعدَّ قولُ الناقد: «صدوق» معارِضًا مطلقًا قولَ آخر: «ثقة»، هكذا دائمًا وبإطلاق؛ فالأكثر أنهما إنما أرادا الحكم بقبوله: حُكمًا مطلقًا بالقبول، ولم يكونا يقصدان بيان منزلته الدقيقة من القبول؛ إلا إن ظهر من سياق كلامهما أو من كلام غيرهما أن الراوي مختلَفٌ في منزلته اختلافًا مشهورًا ضمن منازل المقبولين، ونحو ذلك من القرائن الدالة على أن اختلافَ ألفاظِهم في التعديل يدل على اختلافٍ حقيقيٍّ بينهم في بيان المنزلة الدقيقة للراوي، وليس اختلافَ لفظٍ لا يدل على اختلافِ معنى. وكذلك من الخطأ أن أَعُدَّ قولَ ناقدٍ: «فيه لِين» مُعارِضًا مطلقًا قولَ من قال عنه: «ضعيف»، بحجة أن «فيه لِين» تدل على منزلة أخف ضعفًا من «ضعيف»؛ إلا إن تبيّن من سياق كلام النقاد أنهم أرادوا هذا التدقيق في بيان منزلته، وإلا فيبقى الحكم في الراوي هو خفة الضعف المطلق، بلا ادّعاءِ خلافٍ مزعوم. وسبب هذا التخفُّفِ الواقع بكثرةٍ جدا في كلام النقاد عن

стр. 40

التزام بيان المنزلة الدقيقة لمرتبة الراوي يرجع إلى عدة أمور، منها: ١ - أن الأمرَ الأهمَّ في الحكم على الرواة هو معرفةُ المنازل الكبرى الأساسية، وهي: القبولُ، وخفةُ الضعف، وشدة الضعف؛ لأنها هي التي سيصدر عنها الحُكم الأهمّ: قبولا، أو الردّ مع صلاحية الراوي للاعتبار، أو مع عدم صلاحيةٍ للاعتبار. ٢ - ولأن التدقيق في منزلة الراوي ضمن منزلته الأساسية أمرٌ في غاية الصعوبة، ويكتنفها من احتمالات الخطأ أكثر من احتمال الخطأ المتوقّع في الحكم عليه بالمنزلة الأساسية. لذلك يدعُ الناقدُ مزالقَ هذا التدقيق؛ إلا عند الحاجة، فعند الحاجة سوف يُضْطَرُّ الناقدُ إلى تَحَمُّلِ مَشَاقّ أدقِّ صُوَرِ السَّبْر والتحليل وأعمقِ عمليات القياس والتقويم ليصل إلى أدقِّ حُكْمٍ يُمكن أن يُتوصَّل إليه في الراوي، ليبيّن منزلته الدقيقة المحدَّدة ضمن منازل القبول المتعدّدة أو ضمن منازل الرد المختلفة (في مراتب الاعتبار ومراتب عدمه). ٣ - ولما كان تحديد المنزلة الدقيقة بهذا العمق والصعوبة لم يكن من المتيسِّر تحديدها في كثير من الرواة، ممن لم تتوفر فيهم مادةٌ تُتيحُ هذا التحديدَ الدقيقَ. إذن: ربما تعذَّرَ على الناقد التحديد الدقيق للمنزلة، حتى لو أراد الناقدُ ذلك، لعدم توفر معطيات الحكم. ثالثا (من الأمور التي تجب مراعاتها عند محاولة الجمع):
следующие страницы →