← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 12110

نزول القرآن الكريم والعناية به في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم

محمد بن عبد الرحمن الشايع

Полный текст (56 стр.). Показаны 36–56 · переход к 41.

стр. 36

حكمة نزول القرآن الكريم جملة: التمست بعض الحكم لنزول القرآن جملة إلى السماء الدنيا فقيل: إن فيه تفخيم شأن المنزل وهو القرآن الكريم، وتعظيم قدر من سوف ينزل عليه وهو الرسول ﷺ ، وتكريم من سوف ينزل إليهم وهم المسلمون. وذلك بإعلام سكان السموات بأن هذا القرآن آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم.١ يقول السخاوي في جمال القراء: "فإن قيل: ما في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا؟ قلت: في ذلك تكريم بني آدم، وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم، ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفاً من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن تزفها.٢ وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة ﵈ وانساخهم إياه، وتلاوتهم له وفيه أيضاً إعلام عباده من الملائكة وغيرهم أنه علام الغيوب لا يغرب عنه شيء إذ كان في هذا الكتاب العزيز ذكر الأشياء قبل وقوعها".٣ وفيه من الحكم أيضاً تفضيل القرآن الكريم على غيره من الكتب السماوية الأخرى وذلك بأن جمع الله له النزولين جملة واحدة، والنزول مفرقاً وبذلك شارك الكتب السابقة في صفة وتميز عنها في الصفة الثانية. سواء قيل

стр. 37

بنزول الكتب السابقة جملة أو مفرقة، ففي اجتماع الصفتين تميز للقرآن الكريم، ولمن نزل عليه، ولمن نزل إليهم. يقول السخاوي: "وفيه أيضاً التسوية بينه وبين موسى ﵇ في إنزال كتابه جملة، والتفضيل لمحمد ﷺ في إنزاله عليه منجماً ليحفظه. قال الله : ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ (الفرقان: ٣٢) وقال : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (الأعلى: ٦) "١

стр. 38

وقت نزول القرآن الكريم: أكثر نزول القرآن الكريم نهاراً حضراً، وقد نزل يسير منه في السفر وقليل منه في الليل، وقد تتبع العلماء ذلك فذكروا ما وقفوا عليه منه، فمن ذلك: ما نزل في الثلاثة الذين خلفوا في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (التوبة: ١١٨) ففي الصحيح من حديث كعب: فأنزل الله توبتنا حين بقي الثلث الأخير من الليل.١ ومنه سورة "المنافقون" فقد أخرج الترمذي عن زيد بن أرقم أنها نزلت ليلاً في غزوة تبوك.٢ وذكر ابن إسحاق أنها نزلت في غزوة بني المصطلق.٣ ومنه سورتا المعوذتين فعن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت الليلة آيات لم يرَ مثلهن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ".٤ ومنه قوله تعالى في سورة المائدة (٦٧) : ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فعن عائشة ﵂ قالت: " كان النبي ﷺ يحرس حتى

стр. 39

نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله"١ قال ابن عقيلة: وكان ذلك في غزوة ذات الرقاع.٢ وأخرج الطبراني عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل حتى نزلت. فترك الحرس.٣ فدلت هاتان الروايتان أنها نزلت في السفر ليلاً. وقد ذكر أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري (ت٤٠٦) في كتابه التنبيه على فضل علوم القرآن من وجوه شرف علوم القرآن؛ معرفة تفصيل نزول القرآن الكريم زماناً، ومكاناً، وأوصافاً. فقال: "من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة والمدنية، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلاً، وما نزل نهاراً، وما نزل مشيعاً، وما نزل مفرداً، والآيات المدنيات، وما حمل من مكة إلى المدينة، وما حمل من المدينة إلى مكة، وما حمل من المدينة إلى الحبشة، وما نزل مجملاً، وما نزل مفسراً، وما اختلف فيه فقال بعضهم: مدني، وقال بعضهم:

стр. 40

مكي، فهذه خمسة وعشرون وجهاً من لم يعرفها، ويميز بينها، لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى".١ وقد فسرت وفصلت هذه الأنواع مع التمثيل لها بما وردت به الروايات في البرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي، والزيادة والإحسان لابن عقيلة المكي مما لا حاجة معه لزيادة الكلام في بسطه ونقله.٢ وما ذكره النيسابوري هنا من وجوب معرفة هذه الأنواع والتمييز بينها وجعل ذلك شرطاً للتفسير لا يسلَّم له وفيه نظر. فليس كله مما له أثر في التفسير.

стр. 41

مدة نزول القرآن الكريم: اختلف العلماء في تحديد مدة نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ على أقوال: ١- أنها ثماني عشرة سنة. روي هذا القول غير المشتهر عن الحسن. وأنه كان يقول ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة. وأنه أنزل على الرسول ﷺ ثماني سنين في مكة قبل الهجرة وعشر سنين بعدها.١ وهو قول ضعيف ينتج عنه أن الرسول ﷺ توفي عن ثمان وخمسين سنة وهو ما لم يقل به أحد. ولذا قال ابن عطية عن هذا القول: "وهذا قول مختل لا يصح عن الحسن والله أعلم".٢ ٢- أنها عشرون سنة: روي عن ابن عباس، وعكرمة، والشعبي وقتادة، واختاره ابن جزي الكلبي.٣ ٣- أنها ثلاث وعشرون سنة. وهو قول الجمهور.٤ ٤- أنها خمس وعشرون سنة. وهو قول من يذهب إلى أن الرسول ﷺ عاش خمساً وستين سنة خلافاً للمشهور.٥

стр. 42

ومنشأ هذا الاختلاف هو الخلاف في مدة إقامته ﷺ بمكة بعد البعثة فقيل: ثمان، وقيل عشر، وقيل ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة سنة. بناء على اختلاف الروايات في ذلك. فإذا أضيف إليها عشر سنين وهي مدة إقامته ﷺ بالمدينة بعد الهجرة المتفق عليها كما نص على ذلك ابن كثير حيث قال: "أما إقامته بالمدينة عشراً فهذا مما لا خلاف فيه.."١ فينتج عن ذلك الأقوال السابقة. كما يعود هذا الاختلاف - أيضاً - إلى اختلاف الاعتبار الذي يبدأ منه حساب تلك المدة، هل هو من بداية الرؤيا الصادقة، أو من البعثة التي تلاها فتور في نزول الوحي، أو من الرسالة وتتابع الوحي بعد ذلك. يضاف إلى ذلك التسامح والتساهل في تحديد الوقت، وجبر الكسور في حساب السنوات. اختصاراً وعادة يقول ابن كثير: "إن العرب كثيراً ما يحذفون الكسور من كلامهم" ٢ وكذلك الخلاف في عمره ﵊. حيث قيل إنه ستون سنة. وقيل ثلاث وستون، وقيل خمس وستون. والمعتمد كما يقول ابن حجر أنه ﷺ عاش ثلاثاً وستين سنة وأن ما ورد مما يخالف ذلك فهو محمول إما على إلغاء الكسر في السنين أو جبر الكسر في الشهور.٣ وأضاف ابن كثير معنى جديداً في الجمع وهو: اعتبار قرن جبريل بالرسول ﷺ في نزول الوحي حيث روي أنه قرن به ﵇ ميكائيل في ابتداء الأمر. يلقي إليه الكلمة والشيء ثم قرن به جبريل.٤

стр. 43

كما أنه بعث ﷺ على رأس أربعين سنة. كما قال النووي: "واتفقوا أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وبمكة قبل النبوة أربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة. والصحيح أنها ثلاث عشرة فيكون عمره ثلاثاً وستين وهذا الذي ذكرناه أنه بعث على رأس أربعين سنة هو الصواب المشهور الذي أطبق عليه العلماء".١ وقد حاول الشيخ محمد الخضري اختيار تحديد دقيق للمدة فذكر أن مدة مقامه ﷺ بمكة هي اثنتا عشرة سنة، وخمسة أشهر، وثلاثة عشر يوماً من يوم ١٧رمضان سنة ٤١ من ميلاده الشريف إلى أول ربيع الأول سنة ٥٤ منه. ومدة إقامته بالمدينة بعد الهجرة هي تسع سنوات، وتسعة أشهر، وتسعة أيام من أول ربيع الأول سنة ٤٥ إلى تاسع ذي الحجة سنة ٦٣ من ميلاده الشريف، وهي سنة عشر من هجرته ﷺ .٢ فصارت المدة بين مبتدأ التنزيل ومختتمه اثنتان وعشرون سنة وشهران واثنان وعشرون يوماً.٣ وهذا التحديد هو ما أشار إليه الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في كتابه مناهل العرفان حيث ذكره وتعقبه فقال: "لكن هذا التحقيق لا يزال في حاجة إلى تحقيقات ثلاث: ذلك لأنه أهمل من حسابه باكورة الوحي إليه ﷺ عن طريق الرؤيا الصادقة ستة أشهر على أنها ثابتة في الصحيح. ثم

стр. 44

جرى فيه على أنه ابتداء نزول القرآن كان ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة القدر على بعض الآراء، غير أنه يخالف المشهور الذي يؤيده الصحيح. ثم ذهب فيه مذهب القائلين بأن آخر ما نزل من القرآن هو آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) ?وذلك في تاسع ذي الحجة سنة عشر من الهجرة، وسترى في مبحث آخر ما نزل من القرآن أن هذا المذهب غير صحيح١"٢ ومما يعترض به على هذا التحديد أن يوم الفرقان ١٧رمضان هو يوم الجمعة يقول الخضري عن يوم الفرقان، ويوم ابتداء إنزال القرآن الكريم (فهما متحدان في الوصف، وهو أنهما جميعاً يوافقان الجمعة ١٧ رمضان وإن لم يكونا في سنة واحدة) .٣ والقول بأن يوم ابتداء إنزال القرآن يوافق يوم الجمعة معارض لما ثبت في صحيح مسلم عن يوم الاثنين وقوله ﷺ حين سئل عنه: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل علي فيه."٤ كما حدد الشيخ محمد محمد أبو شهبة مدة نزول القرآن الكريم بأنها اثنتان وعشرون سنة وخمسة أشهر، ونصف الشهر. راعى في هذا التحديد ما ذهب إليه الجمهور من أنه ﷺ ولد في الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، وتوفي في الثاني عشر أيضاً من ربيع الأول عام إحدى عشرة من الهجرة. وبين ذلك بأن النبي ﷺ نبئ على رأس الأربعين من ميلاده الشريف وذلك من الثاني عشر من ربيع الأول وقد بدئ الوحي إليه

стр. 45

بالرؤيا الصادقة ومكث على ذلك إلى السابع عشر من رمضان وجملة ذلك ستة أشهر وخمسة أيام حين نزل عليه صدر سورة إقرأ. وآخر آية نزلت عليه من القرآن هي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية (البقرة: ٢٨١) ?وقد روي أن ذلك قبل وفاة النبي ﷺ بتسعة أيام، وقيل بأحد عشر يوماً، وقيل بواحد وعشرين يوماً فلو أخذنا بالمتوسط تكون جملة المدة التي لم ينزل فيها القرآن ستة أشهر وستة عشر يوماً. وجملة عمر ﷺ ثلاث وستون عاماً، ومدة نبوته ثلاث وعشرون سنة فإذا أنقصنا منها ستة أشهر وستة عشر يوماً يكون الباقي اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وأربعة عشر يوماً. ثم قال أبو شهبة بعد هذا معبراً عن فرحه به: والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ثم انتقد حساب الخضري السابق بأنه بني على أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (المائدة: ٣) "١ وما ذكره أبو شهبة ﵀ من تحديد فيه نظر كذلك. إذ جعل يوم السابع عشر من رمضان بداية إنزال القرآن على الرسول ﷺ وقد تقدم أنه يوافق يوم الجمعة - على قول الخضري - وأنه بهذا يعارض ما ثبت في الصحيح. وكذلك أنه بناه على الأخذ بأحد الأقوال في مدة بقاء الرسول ﷺ بعد آخر آية نزلت عليه دون دراسة ترجيحية له. فيبقى ملخص القول أن المدة نحواً من ثلاث وعشرين سنة تقريباً لا تحديداً.

стр. 46

يوم إنزال القرآن: الصحيح أن أول يوم أنزل فيه القرآن هو يوم الاثنين. لحديث أبي قتادة الأنصاري الصحيح، وفيه: وسئل عن صوم يوم الاثنين. قال: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل عليّ فيه"١ وفي رواية أخرى:..فقال: "فيه ولدتُ، وفيه أنزل عليّ"٢ وأخرج الواحدي عن أبي قتادة أن رجلاً قال لرسول الله: أرأيت صوم يوم الإثنين: "قال فيه أنزل عليّ القرآن"٣ وقد ذكر ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال: نبئ نبيكم ﷺ يوم الاثنين. ٤ وعن أنس قال: استنبأ النبي ﷺ يوم الاثنين.٥ قال الواحدي: وأول يوم أنزل القرآن فيه يوم الاثنين.٦ وذكر البلقيني أنه يوم الاثنين نهاراً.٧ ولذا قال ابن القيم: ولا خلاف أن مبعثه ﷺ كان يوم الاثنين.٨?وقال ابن كثير: وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء أنه ﵊ أوحي إليه يوم الاثنين. وهذا ما لا خلاف فيه بينهم".٩

стр. 47

شهر إنزال القرآن الكريم: اختلف في شهر إنزال القرآن الكريم على الرسول ﷺ على أقوال: الأول: أنه شهر رجب، في السابع عشر منه. وهو قول غير مشهور لكنه مذكور.١ الثاني: أنه في شهر ربيع الأول. قيل في أوله، والمشهور في ثامنه سنة إحدى وأربعين من عام الفيل. وقد جعله ابن القيم قول الأكثرين.٢ وقيل في الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين كما روي عن جابر وابن عباس أنهما قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وفيه بعث، وفيه عرج به إلى السماء، وفيه هاجر، وفيه مات.٣ وعن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: ولد رسول الله ﷺ يوم الإثنين في ربيع الأول، وأنزلت عليه النبوة يوم الإثنين في أول شهر بيع الأول وأنزلت عليه البقرة في ربيع الأول.٤ الثالث: أنه في شهر رمضان، قال الواحدي: وأول شهر أنزل فيه القرآن شهر رمضان،٥ قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥) .

стр. 48

وجعله ابن كثير: المشهور. فقال: والمشهور أنه بعث ﵊ في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير، ومحمد بن إسحاق وغيرهما.١ قال ابن القيم: وإليه ذهب جماعة منهم يحيى الصرصري حيث يقول في نونيته: وأتت عليه أربعون فأشرقت ... شمس النبوة منه في رمضان٢ وقال ابن إسحاق: ابتدئ رسول الله ﷺ بالتنزيل في رمضان - ثم استدل له فقال- قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥) وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٣. واختلف في أي الأوقات من رمضان: فقيل في سابعه،٤ وقيل في الرابع عشر.٥ وقيل في السابع عشر منه. فقد أخرج ابن سعد عن الواقدي عن أبي جعفر الباقر، قال نزل الملك على رسول الله ﷺ بحراء يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان. ورسول الله يوميئذ ابن أربعين سنة. وجبريل الذي كان ينزل عليه بالوحي.٦

стр. 49

وقيل في الرابع والعشرين من رمضان، قال أبو عبد الله الحليمي: "يريد ليلة خمس وعشرين"١ وقال ابن كثير: "ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين"٢ واستدل لهذا بحديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان".٣ وجعله السخاوي في النزول المباشر على الرسول ﷺ فقال بعد أن ساقه بنحوه: "فهذا الإنزال يريد به ﷺ أول نزول القرآن عليه- ثم قال: وقوله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ يشمل الإنزالين"٤

стр. 50

أما البيهقي فقد حمل حديث واثلة بن الأسقع على أن المراد به الإنزال جملة فقال: "قلت: وإنما أراد - والله أعلم - نزول الملك بالقرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا".١ ويشهد لهذا المعنى ما رواه ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال: "..أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان.."٢ وقد ذهب صفي الرحمن المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم إلى تحديد دقيق، ورأي جديد وهو أن يوم نزول القرآن وشهره كان يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من رمضان ليلاً. الموافق عشرة أغسطس سنة ٦١٠م، وكان عمره ﷺ إذ ذاك أربعون سنة قمرية وستة أشهر و١٢ يوماً، وذلك نحو ٣٩ سنة شمسية وثلاثة أشهر و٢٢ يوماً. وهو قول لم يقل به أحد قبله وقد بناه على مايلي: ١ - كونه يوم الإثنين بناء على ما صح من حديث أبي قتادة الأنصاري وفيه ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو أنزل عليّ فيه، وهو ما اتفق عليه أهل السير. ٢ - وكونه شهر رمضان عملاً بالآيات الثلاث في سور: البقرة، الدخان، والقدر. وكونه شهر الجوار والتحنث بحراء. ٣ - وكونه لإحدى وعشرين مضت من رمضان. بناء على أن حساب التقويم العلمي لذلك الشهر في تلك السنة لا يوافق يوم الإثنين إلا يوم السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرين، والثامن والعشرين. ولأن ليلة القدر إنما تقع

стр. 51

في الوتر من ليالي العشر من شهر رمضان، تعين كون ذلك يوم واحد وعشرين.١ وهذا جهد طيب ومنهج جيد في التحديد إلا أنه يرد عليه ما يلي: ١ - أن كون ذلك يوم الإثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلاً. يجعل تلك الليلة هي ليلة الثلاثاء اثنتين وعشرين فلا تصير بذلك من ليالي الوتر التي تتحرى بها ليلة القدر.٢ ٢ - أن الاستدلال بالآيات الثلاث في سور: البقرة، والدخان، والقدر. على ابتداء النزول ليس صريحاً، وقد فسرت بأن المراد بها النزول جملة إلى السماء الدنيا. وهو ما يتفق مع الروايات الأخرى الواردة عن ابن عباس وغيره في ذلك. ٣ - أن حمله تلك الآيات على ابتداء النزول يعني أن ليلة القدر صارت معروفة على وجه اليقين لأن معرفة ابتداء نزول القرآن ميسور للصحابة ﵃ لو تعلق به أمر تعيين ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. ومعلوم أنها قد أخفيت عينها. فاختلف في تحديدها. وإذا سلم هذا الإيراد كان دليلاً على نزول القرآن في غير شهر رمضان. وكان ترجيحاً للقول بنزوله في شهر ربيع الأول إلا أن تكون ليلة تسع وعشرين على ما ذكر من الحساب. وقد رجح ابن حجر كون ابتداء النزول في رمضان فقال: "قلت: ورمضان هو الراجح لما تقدم من أنه الشهر الذي جاء فيه الرسول صلى الله

стр. 52

عليه وسلم حراء فجاءه الملك وعلى هذا يكون سنه حينئذٍ أربعين سنة وستة أشهر".١ كما رجح في موضع آخر أنه في آخر شهر رمضان ولم يحدده بتاريخ فقال: "فيستفاد من ذلك أن يكون آخر شهر رمضان، وهو قول آخر يضاف لما تقدم ولعله أرجحها".٢ وجعل ابن حجر شهر رمضان زماناً لنزول القرآن جملة، ونزوله مفرقاً أيضاً، فقال عن حديث مدارسة جبريل ﵇ للرسول ﷺ للقرآن "وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان كما ثبت من حديث ابن عباس.."٣. وذكر ابن عرفة في تفسيره مثل هذا التوجيه بعد أن ساق بعض الأقوال في معنى قوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قال: "قال الضحاك: أنزل القرآن في فرضه وتعظيمه، والحض عليه. وقيل: الذي أنزل القرآن فيه. قال ابن عرفة: ولا يبعد أن يراد الأمران فيكون أنزل القرآن فيه تعظيماً له وتشريفاً. وقيل: أنزل فيه القرآن جملة إلى سماء الدنيا. قال ابن عرفة فالقرآن على هذا الاسم للكل، وعلى القول الثاني: بأنه أنزل فيه بعضه يكون القرآن اسم جنس يصدق على القليل والكثير"٤. وإلى مثل ذلك ذهب أبو شامة في تعليقه على ما نسب للشعبي من أن الله ابتدأ إنزال القرآن في ليلة القدر فقال: "هو إشارة إلى ابتداء إنزال

стр. 53

القرآن على النبي ﷺ فإن ذلك كان وهو متحنث بحراء في شهر رمضان - ثم قال - وقد بينت ذلك في شرح حديث المبعث وغيره.١ وهذا وإن كان الأمر فيه كذلك إلا أن تفسير الآية به بعيد مع ما قد صح من الآثار عن ابن عباس: أنه نزل جملة إلى السماء الدنيا"٢ ففرق أبو شامة بهذا بين جعل رمضان شهر نزول القرآن والاستدلال له بالآيات. وقال في موضع آخر مبيناً صلة شهر رمضان بالقرآن: "ويجوز أن يكون قوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إشارة إلى كل ذلك، وهو كونه أنزل جملة إلى السماء الدنيا، وأول نزوله إلى الأرض، وعرضه وإحكامه في شهر رمضان. فقويت ملابسة شهر رمضان للقرآن: إنزالاً جملة وتفصيلاً وعرضاً وإحكاماً فلم يكن شيء من الأزمان تحقق له من الظرفية للقرآن ما تحقق لشهر رمضان فلمجموع هذه المعاني قيل: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ "٣

стр. 54

مقدار التنزيل: ثبت نزول الكريم على الرسول ﷺ منجماً مفرقاً ابتداء أو حسب الحاجة والوقائع. وغالب القرآن الكريم نزل آيات مفرقات وبعضه نزل سوراً كاملة، ونزلت سورتان من قصار السور معاً هما المعوذتان. فأول ما نزل من القرآن الكريم الآيات الخمس الأولى من سورة العلق. وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم نزل باقيها بعد نزول سورة المدثر. كما نزلت الخمس الآيات الأولى من سورة الضحى إلى قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وصح نزول عشر آيات من قصة الإفك جملة واحدة من سورة النور. وصح كذلك نزول عشر آيات جملة من أول سورة المؤمنون. ونزلت آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (المائدة: ٣) في عرفة في يوم جمعة. وصح نزول قوله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وحدها، وهي بعض آية. فقد أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب قال: لما نزلت: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:٩٥) دعا رسول الله ﷺ زيداً فكتبها فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته: فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ١

стр. 55

وكذا قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٢٨) ?نزلت بعد نزول أول الآية، فهي بعض آية.١ وقد تنزل السورة كاملة ومن ذلك سورة الفاتحة، والإخلاص، والكوثر، والمسد، والنصر، والمرسلات، والصف.. وغيرها.٢ وأما ما ورد من نزول سورة الأنعام جملة يشيعها سبعون ألف ملك. فلم يخل من خلاف. فقد قال ابن الصلاح في فتاويه: "الحديث الوارد في أنها نزلت جملة رويناه من طريق أبيّ بن كعب وفي إسناده ضعف، ولم نرَ له إسناداً صحيحاً. وقد روي ما يخالفه فروي أنها لم تنزل جملة واحدة بل نزلت آيات منها بالمدينة اختلفوا في عددها، فقيل ثلاث، وقيل: ست، وقيل غير ذلك.٣ وقد قال ابن عقيلة المكي في توجيه هذا الاعتراض. بأن نزول غالبها في حكم نزولها كلها. قال: "أقول: من قال: إن السورة نزلت كلها فإنما يعني - والله أعلم- الغالب، ولا يضر أن ينزل بعضها بعد ذلك وتمامها، فإن القرآن غالبه إنما ينزل مفرقاً آيات. ومثل هذه السورة العظيمة إذا نزل غالبها فيحكم لها بالكل، فإنه نادر الوقوع"٤

стр. 56

وقد نزلت سورتا المعوذتين معاً بسبب سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله ﷺ فأنزل الله جل شأنه المعوذتين فقرأهما وتعوذ بهما فانحل السحر.١ فتبين مما سبق أن القرآن نزل مفرقاً: الآية، والآيتان، والخمس، والعشر، وأقل وأكثر. كما نزل جزء الآية. ونزلت سورة كاملة، ونزلت سورتا المعوذتين معاً. ولا شك أن هذه المتابعة الدقيقة من قبل العلماء لجزئيات نزول القرآن الكريم في وقته، وصفته، ومقداره، ويوم إنزاله، وشهره، وكون ذلك ليلاً ونهاراً، حضراً وسفراً؛ دليل عناية الأمة البالغة بالقرآن الكريم التي ميز الله بها كتابه فصارت من خصائصه التي تفرد بها، وجعلها الله وسيلة حفظ كتابه الذي تكفل به في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) . كما كان الرسول ﷺ يتلقى القرآن من جبريل فيحفظه ولا ينساه ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ فيبلغه أصحابه، ويحفِّظهم إياه، ويأمرهم بكتابته. فتوفر للقرآن الكريم بالغ العناية به، وكامل وسائل حفظه، والمحافظة عليه. وتلك نعمة ومنّة من الله تعالى على الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولا يشكرون.