← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 12112

نزول القران الكريم وتاريخه وما يتعلق به

محمد عمر حويه

Полный текст (78 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السَّاعَةِ﴾ (الأعراف: ١٨٧) . وكقوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ (سورة الحج: ٤٧) . وحيث عجبوا من نزول القرآن منجماً بين الله لهم الحق في ذلك، فإن تحديهم به مفرقاً مع عجزهم عن الإتيان بمثله أدخل في الإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة ويقال لهم جيئوا بمثله، ولهذا جاءت الآية عقب اعتراضهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (الفرقان:٣٢) . ويشير لهذه الحكمة ما جاء في بعض الروايات من حديث ابن عباس عن نزول القرآن فكان المشركون إذا أحدثوا شيئاً أحدث الله لهم جواباً، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس١. قال في المدخل٢ فنزوله منجماً مفرقاً من أقوى الأدلة على أنه معجز وأنه كلام الله، إذ لو أنزله الله جملة واحدة لكانت لهم حجة أن يقولوا شيء نزل علينا مرة واحدة، فلو نزل علينا مفرقا لعارضناه فقطع الله عليهم تلك الحجة فكأنه يقول لهم إن كنتم تقولون إنه ليس كلام الله، فأتوا بسورة مثله أو بعشر سور، أو آية، فسجل عليهم العجز الأبدي. ومع نزوله مفرقاً على مدى بضع وعشرين سنة كان غاية في روعة الأسلوب ورصانة الألفاظ، لا تفاوت فيه، فكان بذلك معجزا. من الحكم كذلك: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد.

стр. 37

ومن المعلوم أن القرآن الكريم نزل مفرقا على مدى عشرين سنة حسب الوقائع والأحداث، ومع طول هذه الفترة، كانت تنزل منه الآية والآيات الكثيرة، والآيات القليلة على اختلاف الموضوعات ومع ذلك كان أسلوبه أسلوباً واحداً لم يتغير في فصاحته وجزالته وقوته، فأسلوبه واحد، مترابط بعضه ببعض، لا انفكاك فيه متناسق الآيات والسور كأنه عقد واحد ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فلو كان من كلام البشر وقد قيل في مناسبات كثيرة، وموضوعات مختلفة متباينة، لوقع فيه التفكك والانفصام قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ هذا والحكم التي أخذت من نزول القرآن مفرقاً منجما كثيرة لا تكاد تحصر، وقد نثرها علماء هذا الفن في كتبهم وقد لخصنا منها ما ذكرنا تلخيصاً، نرجو الله أن يفقهنا في الدين وأن يجنبنا الزيغ.

стр. 38

الكلام في نزول القرآن على سبعة أحرف: بما أن هذا الموضوع من أخصّ موضوعات نزول القرآن لابد من التطرق إليه على انفراد بإيجاز، مع العلم أن الموضوع تكلم فيه العلماء قديماً وحديثاً وأكثروا فيه الأقوال، ولاسيما المعنى المراد بكونه نزل على سبعة أحرف وأنا أتناوله حسب المحاور التالية: المحور الأول: النصوص الدالة على نزوله على سبعة أحرف: اعلم أيها القارئ الكريم أن حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف جاء عن كثير من الصحابة حتى ذكر بعض العلماء عنه التواتر، وممن قال بذلك أبو عبيد القاسم بن سلام، وقد ذكر السيوطي في الإتقان أنه جاء عن واحد وعشرين من الصحابة١. منهم على سبيل المثال: أبي بن كعب، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وغير هؤلاء وأخرج الحافظ أبو يعلى في مسنده أن عثمان قال على المنبر "أذكر الله رجلاً سمع النبي ﷺ قال:" إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها٢ كاف شاف لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال: وأنا أشهد معهم، قال في المدخل:" وهذا يدل على أن الحديث كان معروفاً مشهوراً غاية

стр. 39

الشهرة في زمن الصحابة، ولكن هل نقله عنهم في كل طبقة جماعة كثيرون ممن يثبت بهم التواتر قال هذا ما يحتاج إلى إثبات وإلا فغاية أمره أنه مشهور من الأحاديث الدالة على نزول القرآن على سبعة أحرف ". ١ - ما جاء في الصحيحين بسندهما عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف "١.٢ - وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما بسنديهما عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ أخبراه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره٢ في الصلاة، فصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ قلت كذبت فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله ﷺ أرسله اقرأ ياهشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ﷺ :كذلك أنزلت، ثم قال اقرأ ياعمر فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه" ٣.

стр. 40

٣ – روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبيّ بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة١ بني غفار قال فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الثالثة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأي حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا. ٤ – روى مسلم بسنده عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه٢ فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرآ فحسن النبي ﷺ شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية. فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فقال لي ياأبيّ أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف فرددت عليه، أن هون على أمتي فرد إلى الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف،

стр. 41

ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها فقلت: اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ . ٥ - وروى أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو أن رجلاً قرأ آية من القرآن فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تحاروا فيه" إسناده حسن١. هذا: والأحاديث في إثبات نزول القرآن على سبعة أحرف كثيرة مستفيضة، ذكر معظمها ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره٢. المحور الثاني: ما يستخلص من الروايات الأمور التالية: ١ - لو نزل القرآن على حرف واحد لشق ذلك على الأمة العربية فقد كانت متعددة اللغات واللهجات، وما يتسهل النطق به على البعض لا يسهل على البعض الآخر، وكانت تغلب عليها الأمية فلا عجب أن حرص النبي ﷺ على الاستزادة من الحروف حيث بلغت سبعة أحرف. فكان من رحمة الله بهذه الأمة أن أنزل القرآن على سبعة أحرف رفعاً للحرج، وتيسيراً لقراءته وحفظه. ٢ - إن هذه التوسعة إنما كانت في الألفاظ، ولم تكن في المعاني والأحكام وأنها كانت في المعنى الواحد يقرأ بألفاظ مختلفة بدليل أن النبي ﷺ أقر كلاً من المختلفين على قراءته.

стр. 42

٣ - إن هذه التوسعة والإباحة في القراءة بأي حرف من الحروف السبعة إنما كانت في حدود ما نزل به جبريل وما سمعوه من النبي ﷺ وذلك بدليل أن كلاً من المختلفين كان يقول: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلموأن النبي ﷺ كان يعقب على قراءة كل من المختلفين بقوله: هكذا أنزلت كما في حديث عمر وهشام. ولا يتوهم أي إنسان أن التوسعة كانت باتباع الهوى، فذلك ما لا يليق أن يفهمه مسلم فضلاً عن عاقل إذ الروايات الواردة ترده وتبطله ولو كان لكل أحدٍ أن يقرأ بما يتسهل له من غير تلق وسماع من النبي ﷺ وأن يبدل ذلك من تلقاء نفسه لذهب إعجاز القرآن ولكان عرضة أن يبدله كل من أراد، ولما تحقق وعد الله سبحانه بحفظه في قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وكيف يتفق هذا الوهم الباطل مع قول الله ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: ١٥-١٦) . ٤ - أن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف منها من غير إلزام بواحد منها فمن قرأ بأي حرف منها فقد أصاب، بدليل قوله ﷺ في حديث عمر فاقرؤوا ما تيسر منه. ٥ - أن التوسعة على الأمة لم تكن في مبدأ الدعوة فحسب بل كانت بعد الهجرة وبعد أن دخل في الإسلام كثير من القبائل غير قريش فكانت

стр. 43

الحاجة ماسة إلى هذا التسهيل وتلك التوسعة: يشهد لهذا حديث مسلم أن النبي كان عند أضاة بني غفار وقد تقدم١. ٦ - هذه التوسعة مظهر من مظاهر الرحمة والنعمة ولا ينبغي أن تكون مصدر اختلاف أو أن تكون مثيرة للشك، أو مضعفة لليقين، فقد حذرهم الرسول صلوات الله عليه من الاختلاف، كما في حديث ابن مسعود، ومن الشك في القرآن كما في حديث عمرو بن العاص "فلا تماروا فيه" وفي رواية لابن جرير الطبري من حديث أبي جهم "فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر"٢. ٧ - حرص الصحابة رضوان الله عليهم البالغ على القرآن وغاية تحوطهم في المحافظة عليه، ونفي الريب والتغيير والتبديل عنه، ويدل على هذا ما كان من الفاروق عمر ﵁ مع هشام بن حكيم حتى هم أن يأخذ بتلابيبه وهو في الصلاة٣. المحور الثالث: المراد بمعنى الأحرف السبعة: اعلم أنه اختلف في ذلك اختلافاً كثيراً حتى أوصل السيوطي الأقوال في معناها إلى نحو أربعين قولاً٤. وأنا أذكر بعضها فقط، ملخصاً ذلك من كتب الفن:-

стр. 44

١ - القول الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب في التعبير عن معنى من المعاني يأتي القرآن منزلاً بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر. ٢ - القول الثاني: أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم. ٣- القول الثالث: أن المراد بالأحرف السبعة أوجه سبعة من الأمر والنهي والوعد والوعيد، والجدل والقصص، والمثل، أو من الأمر والنهي والحلال والحرام والمحكم والمتشابه والأمثال عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال:"كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال" ١. ٤ - القول الرابع: أن المراد بالأحرف السبعة وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف وهي: (١) اختلاف الأسماء بالأفراد والتذكير وفروعهما، كقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ قرئ لأماناتهم بالجمع، وقرئ لأمانتهم بالإفراد، ورسمها في المصحف ﴿لأمنتهم﴾ يحتمل القراءتين لخلوها من الألف الساكنة، ومآل الوجهين في المعنى واحد فيراد بالجمع الاستغراق الدال

стр. 45

على الجنسية، ويراد بالإفراد الجنس الدال على معنى الكثرة، أي جنس الأمانة١. (٢) الاختلاف في وجوه الإعراب كقوله تعالى ﴿ما هذا بشراً﴾ (يوسف: ٣١) . قرأ الجمهور بالنصب على أن "ما" عاملة عمل ليس وهي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن، وقرأ ابن مسعود ﴿ما هذا بشر﴾ بالرفع على لغة بني تميم، فإنهم لا يعملون ما عمل ليس. (٣) الاختلاف في التصريف: كقوله تعالى ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ قرئ بنصب "ربنا" على أنه منادى مضاف "وباعد" بصيغة الأمر وقرئ ربنا بالرفع، "وباعد" بفتح العين على أنه فعل ماض. (٤) الاختلاف بالتقديم والتأخير، إما في الحرف كقوله ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ (الرعد: ٣١) . وقرئ ﴿أفلم يأيس﴾ وإما في الكلمة كقوله تعالى ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة: ١١١) . بالبناء للفاعل في الأول وللمفعول في الثاني. (٥) الاختلاف بالإبدال سواء كان إبدال حرف بحرف كقوله تعالى ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (البقرة: ٢٥٩) . قرئ بالزاي المعجمة مع ضم النون، وقرئ بالراء المهملة مع فتح النون، أو إبدال لفظ بلفظ كقوله تعالى ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ قرأ ابن مسعود وغيره ﴿كالصوف المنفوش﴾ . (٦) الاختلاف بالزيادة والنقص فالزيادة كقوله تعالى ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ قرئ من تحتها الأنهار بزيادة من، وهما قراءتان متواترتان والنقصان كقوله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ (البقرة: ١١٦) . بدون واو وقراءة الجمهور وقالوا اتخذ الله ولداً بالواو.

стр. 46

(٧) اختلاف اللهجات بالتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام والهمز والتسهيل، والإتمام ونحو ذلك. كالإمالة وعدمها في مثل قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (طه: ٩) . قرئ بإمالة "أتى" موسى" وترقيق الراء في قوله ﴿خَبِيراً بَصِيراً﴾ وتفخيم اللام في الطلاق، وتسهيل الهمزة في قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وإشمام الغين ضمه مع الكسر في قوله ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (هود: ٤٤.) . ٥ - القول الخامس: ذهب بعضهم إلى أن العدد سبعة لا مفهوم له، وإنما هو رمز إلى ما ألفه العرب من معنى الكمال في هذا العدد، فلفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة والكمال في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات والسبعمائة في المئات، ولا يراد العدد المعين١. ٦ – القول السادس: أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع وهناك أقوال كثيرة وقد رجح كثير من العلماء القول الأول في أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد نحو أقبل، وتعال، وهلم، وعجل، وأسرع، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، ممن رجح هذا القول كبير المفسرين ابن جرير الطبري٢ وإليه ذهب سفيان بن عيينة، وابن وهب وخلائق، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء٣.

стр. 47

واعلم أن أسباب النزول من مقتضيات نزول القرآن الكريم ولذلك لابد من الكلام عليها كلاماً غير مطول لأنها تحتاج إلى بحث مستقل فنتناولها من النواحي التالية: تعريف سبب النزول، العبارات التي تعد نصا في سبب النزول، اعتناء الصحابة بمعرفة أسباب النزول. فوائد أسباب النزول، هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ كذلك يلزم على معرفة نزول القرآن، الكلام على جمعه والاعتناء بحفظه والكلام على تواتره وشروط القراءة الصحيحة. تعريف المكي والمدني والكلام عليه كلاما موجزاً من مظاهر العناية بالقرآن الكريم ونزوله العناية بكتابته ورسمه.

стр. 48

الكلام على أسباب النزول: إن القرآن الكريم نزل لهداية البشر، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم في العقائد والأحكام ومكارم الأخلاق، وأكثر القرآن نزل إلى هذه الأغراض النبيلة من غير سبب، وبعضه نزل مرتبطاً بأسباب خاصة. فالصحابة ﵃ الذين عاشروا رسول الله ﷺ وعاشوا معه حياتهم قد تقع منهم حادثة تحتاج إلى بيان حكم الله فيها، وقد يسألون عن أشياء فينزل القرآن لذلك. فسبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات أيام وقوعه متحدثة عنه مبينة حكمه والمعنى أن حادثة وقعت أو سؤالاً وجه إلى النبي ﷺ فنزل الوحي ببيان ما يتصل بتلك الحادثة مثل حادثة خولة التي ظاهر منها زوجها فأنزل الله تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (المجادلة:١) . واعلم أنه لا طريق لمعرفة سبب النزول إلا بالنقل الصحيح عن الصحابة ﵃. قال الواحدي في أسباب النزول "لا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب ". فالمعول عليه في أسباب النزول هم الصحابة، ومن أخذ عنهم من التابعين ومعرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تختص بالقضايا، وكثير ما يجزم بعضهم بالسبب وربما لم يجزم بعضهم بالسبب، وربما لم يجزم بعضهم فقال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، كما قال الزبير في قوله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (سورة النساء: ٦٥) ، روى الشيخان في صحيحيهما١ عن عروة بن الزبير عن أبيه أن رجلاً من

стр. 49

الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون منها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر، فأبى عليه فاختصما عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير اسق يازبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري ثم قال يا رسول الله ﷺ أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال للزبير يازبير احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك. ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فاستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد أشار على الزبير رأيا١. هذا وقول الصحابة في سبب النزول محمول على الرفع كما نص على ذلك أئمة المصطلح لأنه قول فيما لا مجال للرأي فيه، وبعيد كل البعد أن يقول الصحابي ذلك مِن تلقاء نفسه فعدالته تمنعه من ذلك، فذلك محمول على السماع أو المشاهدة. أما قول التابعي: في سبب النزول فله حكم الرفع إلا أنه مرسل، قد يقبل إذا صح السند إليه وكان من أئمة التفسير كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير. واعلم أيها القارئ الكريم أن الصحابة كانوا علماء مجتهدين في معرفة سبب النزول ولذلك جاء عن ابن مسعود ﵁ كما في صحيح البخاري والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، ولو كنت أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه٢.

стр. 50

بعض فوائد أسباب النزول باختصار: ١- الاستعانة على فهم الآية وإزالة الإشكال عنها: قال الواحدي "لا يمكن معرفة الآية دون الوقوف على قصتها ". وقال ابن دقيق العيد:معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. وقال شيخ الإسلام بن تيمية في رسالته أصول التفسير١ "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث معرفة المسبب " ولذلك أمثلة كثيرة منها:- أ - أن عروة بن الزبير ﵄ أشكل عليه فرضية السعي بين الصفا والمروة من قول الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فقال: إن الله نفى الجناح ونفي الجناح يدل على نفي الوجوب فسأل خالته عائشة ﵂، فقالت له "إن سبب النزول أنه كان قبل الإسلام على الصفا صنم يقال إساف وعلى المروة صنم يقال له نائلة فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من السعي بينهما فأنزل الله الآية رفعاً للحرج٢. ب - قوله تعالى ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى نقل عن الظاهرية أن الآيسة لا عدة عليها إذا لم تَرتَب وقد أزال هذا الإشكال سبب النزول، وذلك أنه لما نزلت الآية التي في البقرة في

стр. 51

عدد النساء قال الناس بقي عدد من النساء لم تذكر عدتها، فحينئذ أنزل الله الآية فعلم منها أن حكم عدة اليائسة والصغيرة ثلاثة أشهر، إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم عدتهن١. ج - – قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فلو تركت على ظاهرها لفهم منها أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة فلما علم أنها نازلة في صلاة النافلة، أو في من عميت عليه القبلة فصلى باجتهاده وبان له الخطأ بعد ذلك زال الإشكال عنه. د - ومن ذلك ما روى في الصحيح عن مروان بن الحكم أنه أشكل عليه قوله تعالى ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٨٨) قال مروان: لئن كان كل أحد فرح بما أوتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، حتى سأل ابن عباس عن ذلك فقال له ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في اليهود سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأروه أنهم أجابوه واستحمدوه لذلك٢. (٢) من الفوائد دفع توهم الحصر: قال الشافعي: في قوله تعالى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ الآية قال: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال لا حلال

стр. 52

إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلوى فتقول له لا آكل اليوم إلا حلوى، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة، فكأنه قال لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل١. اعلم أيها القارئ الكريم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هذا إذا كان السبب خاصاً واللفظ عاما، فالحكم الذي يؤخذ من اللفظ العام يتعدى صورة السبب الخاص إلى نظائرها كآيات اللعان التي نزلت في قذف هلال بن أمية زوجته ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ . إلى قوله ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (سورة النور ٦-٩.) فيتناول الحكم المأخوذ من هذا اللفظ العام ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ غير حادثة هلال دون احتياج إلى دليل، هذا هو الرأي الراجح والأصح وهو الذي يتفق مع عموم أحكام الشريعة والذي سار عليه الصحابة والمجتهدون من هذه الأمة٢. أما صيغة سبب النزول فتارة تكون نصا في سبب النزول، وتارة تكون محتملة فتكون نصاً في سبب النزول فيما إذا قال الراوي سبب نزول هذه الآية كذا، أو إذا أتى بفاء تعقيبيه داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال، كما إذا قال "حدث كذا" أو سئل رسول الله ﷺ عن كذا فنزلت الآية، فهاتان صيغتان صريحتان في السببية وتكون الصيغة محتملة للسببية ولما

стр. 53

تضمنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي نزلت هذه الآية في كذا، فذلك يراد به تارة سبب النزول ويراد به تارة أنه داخل في معنى الآية١. هذا: وقد يتعدد السبب والمنزل واحد، وذكر العلماء لذلك أربع حالات:- ١ - إما أن تكون إحدى الروايتين صحيحة والأخرى غير صحيحة فالمعول عليه ما صحت روايته. ٢ – أن تكون كلتا الروايتين صحيحة، ولأحدهما مرجح. ٣ – وإما أن تكون كل منها صحيحة ولا يمكن الترجيح، وقد يمكن نزول الآية عقبها. ٤ – وإما أن تكون كل منهما صحيحة ولا يمكن الترجيح ولا يمكن نزول الآية عقبها. (١) مثال الحالة الأولى: أن تكون إحدى الروايتين صحيحة والأخرى غير صحيحة فالمعتمد في السبب الصحيحة أنه ﷺ اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين، فجاءت امرأة فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ مع ما أخرجه الطبراني وابن أبي شيبة والواحدي وغيرهم بسند فيه من لا يعرف عن حفص بن ميرة عن أمه عن أمها، وكانت خادم رسول الله ﷺ أن جروا دخل بيت النبي ﷺ فدخل تحت السرير ومات فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله ﷺ جبريل لا يأتيني فقلت في

стр. 54

نفسي لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى﴾ فالمعتمد الرواية الأولى لأنها صحيحة أما الثانية وإن كانت مشهورة لكنها غير صحيحة لوجود الجهالة في سندها. قال الحافظ ابن حجر في الفتح١:قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب بل شاذ مردود وفي إسناده من لا يعرف. (٢) مثال الحالة الثانية: التي هي أن تكون كلتا الروايتين صحيحة ولأحدهما مرجح ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لو سألتموه فقالوا حدثنا عن الروح فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه ثم قال ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٢. مع ما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل يريدون النبي ﷺ ٣. فالأولى تدل على أن السائل اليهود، وأن نزولها بالمدينة والثانية تدل على أن السائل الكفار وأنها نزلت بمكة، والرواية الأولى أرجح لأمرين: أ - أنها من رواية البخاري.

стр. 55

ب - أن الراوي في الأولى وهو ابن مسعود حاضر للقصة ومشاهد لها بينما ابن عباس الذي هو الراوي في الثانية لم يثبت أنه كان مشاهدا لها١. مثال الحالة الثالثة: التي هي أن تكون كل من الروايتين صحيحة، ولا يمكن الترجيح لكي يمكن نزول الآيتين عقب السببين لعدم العلم بالتباعد مثاله: ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ البينة أو حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي ﷺ يقول البينة أو حدّ في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ....﴾ الآية وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: اسأل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع به؟ فسأل عاصم رسول الله فكره رسول الله ﷺ فأخبر عاصم عويمر فقال: والله لآتين رسول الله ﷺ ولأسألنه فقال: إنه قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك القرآن ... الحديث. فهاتان الروايتان صحيحتان: ويمكن الجمع بينهما بأن أول من سأل هلال ثم سأل عويمر قبل الإجابة ثم نزلت الآيات٢. مثال الحالة الرابعة التي هي استواء الروايتين أو الروايات في الصحة، ولا مرجح مع عدم إمكان نزول الآية عقبها لتباعد الزمان فالحكم أن يحمل الأمر على تكرر النزول. مثال ذلك ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة

стр. 56

أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثل به فقال "لأمثلن بسبعين منهم مكانك" فنزل جبريل بقوله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه﴾ مع ما أخرج الترمذي والحاكم عن أبيّ بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله سبحانه: وإن عاقبتم فعاقبوا الآية. قال في المدخل:" فالأولى تفيد أن الآيات نزلت عقب أحد والثانية تفيد أنها نزلت يوم الفتح، وبين الفتح وأحد حوالي خمس سنين إلى أن قال فلا مناص من القول بتعدد النزول مرة يوم أحد ومرة يوم الفتح١ ".

стр. 57

أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه: اعلم أيها القارئ الكريم أن المتكلم في موضوع نزول القرآن لابد أن يتكلم عن أول ما نزل وآخر ما نزل لتعلق هذا الموضوع بالنزول وعليه، فإن العلماء بحثوا هذا الموضوع بحثا واسعاً لأهميته وأنا أتكلم فيه من النواحي التالية:- ١ - أول ما نزل مطلقاً. ٢ - آخر ما نزل مطلقاً. ٣ - أوائل مقيدة. ٤ - أواخر مقيدة. ٥ - بعض فوائد هذا النوع. أول ما نزل من القرآن مطلقاً: ذكر العلماء في ذلك أربعة أقوال: (١) أول ما نزل قوله تعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق: ١-٥) . من الأدلة على هذا القول: أ – ما رواه البخاري١ ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى

стр. 58

رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال "اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق" الخ ب – روى الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائل النبوة وصححاه عن عائشة أنها قالت أول سورة نزلت من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ومرادها بالسورة صدرها١. القول الثاني: أن أول ما نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وهذا القول مروي عن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومن الأدلة على هذا القول: ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري عن يحيى بن أبي كثير: قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل أول؟ فقال ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت أنبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت نبئت أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال: "لا أخبرك إلا بما قال رسول الله ﷺ " قال رسول الله ﷺ جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ثم نظرت إلى السماء فإذا هو –يعني جبريل- بين

стр. 59

السماء والأرض فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فقلت "دثروني" فأنزل الله ياأيها المدثر١. وأجاب أهل القول الأول عن هذا بأجوبة أحسنها. أن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أول ما نزل بعد فترة الوحي، أما اقرأ فهي أول ما نزل على الإطلاق٢. القول الثالث: أن أول ما نزل سورة الفاتحة وقد عزا هذا القول الزمخشري في كشافه٣ إلى أكثر المفسرين، ورد عليه الحافظ ابن حجر٤ بأن هذا القول لم يقل به إلا عدد أقل من القليل. من أدلة هذا القول: ما رواه البيهقي في دلائل النبوة والواحدي بسنده عن أبي ميسرة عمر بن شرحبيل أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: إني إذا خلوت٥ وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فو الله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمّد إلى ورقة بن نوفل فانطلقا فقصا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء من خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأفق فقال لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى

стр. 60

قوله ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال العلماء:١ والجواب عن هذا الحديث أنه مرسل لا يعارض القول الأول. القول الرابع: إن أول ما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ دليل هذا القول ما أخرجه الواحدي بإسناده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأول سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قال السيوطي: وعندي أن هذا القول لا يعد قولا برأسه فإن من ضرورة نزول السورة نزول البسملة. واعلم أن هذه الآثار والأحاديث لاتنهض لمعارضة حديث عائشة الذي هو في الصحيح الدال على أن أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ . آخر ما نزل من القرآن مطلقاً: اعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس في هذا الموضوع أحاديث مرفوعة إلى النبي ﷺ يمكن التحاكم إليها وكل ما فيه آثار مروية عن بعض الصحابة والتابعين استنتجوها من مشاهداتهم للنزول، وملابسات الأحوال فقد يسمع أحدهم ما لا يسمع الآخر، ويرى ما لا يراه غيره، ومن هنا كثر الاختلاف في هذا الموضوع ولنكتفِ بالبعض فقط على النحو التالي: (١) القول الأول أن آخر ما نزل قوله تعالى في آخر سورة البقرة ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨١) ..

стр. 61

من الأدلة على هذا القول: أ – ما رواه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية وروى ابن مردويه بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال آخر آية نزلت من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية وعاش النبي ﷺ بعد نزولها تسع ليال، ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول. وذكر البغوي في تفسيره١ عند هذه الآية عن ابن عباس ﵄ قال: هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ فقال جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وعاش بعدها رسول الله ﷺ أحداً وعشرين يوما. وروى الألوسي في تفسيره٢ عند هذه الآية روى أنه قال يعني رسول الله ﷺ اجعلوها بين آية الربا وآية الدين. وفي رواية أخرى أنه ﷺ قال جاءني جبريل فقال اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة. قال في المدخل٣:وهذا الرأي هو أرجح الآراء والأقوال وهو الذي تركن إليه النفس للأسباب التالية:

стр. 62

١ – لم يحظ قول من الأقوال الآتية بما حظي به هذا القول من الآثار وأقوال الأئمة. ٢ – ما تشير به هذه الآية في ثناياها من التذكير باليوم الآخر والرجوع إلى الله ليوفي كلا جزاء عمله، وهو أنسب بالختام. ٣ – ما ظفر به هذا القول من تحديد الوقت بين نزولها ووفاة النبي ﷺ ولم يظفر قول بهذا التحديد. القول الثاني: أن آخر ما نزل هو قوله تعالى في سورة البقرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٢٧٨) . ويدل لهذا القول ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: وآخر آية نزلت آية الربا١. والحق الأول: ويجاب عن هذا القول إما بأنها آخر آية نزلت في شأن الربا وإما أنها من آخر الآيات نزولاً. القول الثالث: أن آخر آية نزلت آية الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ (البقرة: ٢٨٢) . وهي أطول آية في القرآن. ومن أدلة هذا القول ما أخرجه ابن جرير٢ من طريق بن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن آخر القرآن عهداً بالعرش آية الدين، مرسل صحيح الإسناد ويجاب عنه بأنها آخرية مقيدة، فهي آخر ما نزل في باب المعاملات.

стр. 63

هذا: وقد جمع السيوطي في الإتقان١ بين هذه الأقوال الثلاثة فقال: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا، وآية واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، وآية الدين، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف لأن موضوعها واحد، فأخبر كل واحد عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح. وقد جمع الحافظ بين القولين٢ بأن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن، كما رجح أن آية واتقوا يوما... هي الأليق بالختام. القول الرابع: آخر ما نزل قوله تعالى ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وآخر ما نزل من السور براءة، ويدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ (النساء: ١٧٦) . يجاب عن هذا بأن سورة براءة آخر ما نزل في شأن القتال والجهاد. القول الخامس: أن آخر ما نزل قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ (النساء: ٩٣) ويدل لهذا القول ما رواه البخاري٣ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً، هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء والجواب أنها آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمداً، فهي آخرية مقيدة.

стр. 64

القول السادس: أن آخر ما نزل قوله تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (براءة: ١٢٨) . إلى آخر سورة براءة من الأدلة على هذا القول ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال آخر آية نزلت ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة١. قال في الإتقان "وروى ابن مردويه عن أبيّ أيضاً قال: آخر القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ . ويجاب عنه أنهما آخر ما نزل من سورة براءة. القول السابع: آخر ما نزل سورة المائدة من الأدلة على هذا القول ما رواه الترمذي والحاكم عن عائشة ﵂ قالت آخر سورة نزلت المائدة٢ فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه. ويجاب عن هذا القول بأنها آخر سورة نزلت في الحلال والحرام. القول الثامن: آخر سورة نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال في الإتقان رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس، ورواه النسائي أيضاً عنه ويجاب عن هذا القول بأنها آخر سورة نزلت بتمامها. قال في المدخل: " وقد عرفت أن القول الأول هو الصحيح الراجح وعرفت الإجابة عما ورد مخالفاً له وأن المراد أواخر مقيدة لامطلقة" ٣.

стр. 65

الأوائل المقيدة والأواخر المقيدة: هذا البحث كثير، ولهذا يكتفى فيه بذكر نماذج من الأوائل المقيدة والأواخر المقيدة: حسب ما ذكره العلماء فأقول: أول آية نزلت في الخمر ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (البقرة: ٢١٩) . أول ما نزل في الجهاد قوله تعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ إلى قوله ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج: ٣٩) . أول ما نزل في شأن القتل آية الإسراء وهي قوله تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء: ٣٣) . نماذج من الأواخر المقيدة: ١ - آخر ما نزل في تحريم الخمر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة:٩٠) . ٢ - آخر آية نزلت في شأن القتل ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ (النساء: ٩٣) . فوائد معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل: اعلم أن هذا المبحث لا مجال للعقل فيه، إلا بالترجيح بين الأدلة وجمع المتعارض إن وجد، والمدار فيه على النقل، ولمعرفته فوائد نلخّص منها بعض الفوائد: فيما يلي:

стр. 66

(١) معرفة الناسخ والمنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو أكثر في موضع واحد وحكم إحداهما يغاير الآية الأخرى تغايراً لا يمكن معه الجمع فنلجأ حينئذ إلى معرفة المتقدم فيعلم أنه منسوخ بالمتأخر. (٢) تاريخ التشريع الإسلامي وذلك مثل ما إذا عرفنا أن الآيات التي فيها الأمر بالصلاة نزلت بمكة قبل الهجرة، وأن الآيات التي فيها الأمر بالزكاة وبالصوم كانت في السنة الثانية للهجرة بالمدينة المنورة، وأن آيات الحج نزلت في السنة السادسة على الراجح كان بالإمكان ترتيبها ترتيبا شرعياً فنقول: أول ما فرض الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج. وكذلك إذا علم أن آية ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: ٣٩) نزلت بالمدينة في السنة الثانية علم أن الجهاد فرض في المدينة في السنة الثالثة وهكذا. (٣) من الفوائد كذلك معرفة التدرج في التشريع ويتوصل به إلى معرفة حكمة الله في أخذ الشعوب بهذه السياسة الحكيمة في الإسلام، وذلك مثل ما إذا عرفنا ترتيب الآيات التي نزلت في شأن الخمر، ومثل ما إذا علمنا أن الآيات الداعية إلى أصول العقائد، نزلت أولاً بمكة، بخلاف الآيات النازلة في الأحكام التشريعية التفصيلية والعملية، فإنها نزلت بالمدينة، فإنه ما لم تعرف الأصول ويطمئن إليها، لا يسهل الأخذ بالفروع"١. " تنبيه " قال السيوطي: قد يشكل على ما تقدم في آخر ما نزل مطلقاً قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، وظاهرها

стр. 67

إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنه وارد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعد ذلك. وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال: الأَولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإفرادهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه، حتى حَجَّه المسلمون لا يخالطهم المشركون١. قال الشاعر: فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قَرَّ عيناً بالإياب المسافرُ وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين. وكان الفراغ من هذا البحث في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، بتاريخ ٢٥/١/١٤٢١هـ من هجرته ﷺ .

стр. 68

الخاتمة: وهي عبارة عن بعض النتائج التي توصل إليها الباحث مع اقتراح يقترحه. ١ - النتيجة الأولى: أن نزول القرآن الكريم من أهم موضوعات علوم القرآن بل كل موضوعاته الأخرى مبنية على نزول القرآن الكريم. ٢ - النتيجة الثانية: أن علوم القرآن الكريم كفن مدون مستقل بنفسه بهذا اللقب ما كان معروفاً في العصور الأولى. ٣ - النتيجة الثالثة: أن أول ظهور لهذا الفن، مدوناً مستقلاً كان على يد الحوفي المتوفى سنة ٤٣٠هـ في كتابه البرهان في علوم القرآن. ٤ – النتيجة الرابعة: أن العلماء اختلفوا في تعريف القرآن وأحسن تعاريفه، كما عرفه في المراقي "أنه اللفظ المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته المعجز بألفاظه ومعانيه". ٥ - النتيجة الخامسة: أن القرآن معجز بلفظه ومعناه، وأن النظَّام ومن شايعه القائلين بالصرفة قولهم ضعيف مردود. ٦ - النتيجة السادسة: أن القرآن الكريم أنزل مرتين مرة جملة واحدة إلى بيت العزة من سماء الدنيا، ومرة أنزل مفرقاً منجما على حسب الوقائع والأحداث على مدى ثلاث وعشرين سنة. ٧ - النتيجة السابعة: أن لنزول القرآن الكريم مفرقاً حكماً كثيرة كما ذكر بعضها في ثنايا البحث.

стр. 69

٨ - النتيجة الثامنة: أن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف ثابت حيث ورد بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وأنه يدل على التيسير بهذه الأمة واللطف بها مع أن معنى الحديث من المشكل المختلف فيه بين العلماء. ٩ - النتيجة التاسعة: أن القرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل ﵇، ولم يأت منه شيء عن تكليم أو إلهام أو منام بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جلياً. ١٠ - النتيجة العاشرة: أن الكتب السماوية غير القرآن الكريم كالتوراة والإنجيل نزلت جملة واحدة، ولم تنزل مفرقة. ١١ - النتيجة الحادية عشرة: أن المعول عليه في أسباب النزول هم الصحابة ومن أخذ عنهم من التابعين، لا غير. ١٢ - النتيجة الثانية عشرة: أن معرفة سبب النزول طريق قوي ومعين على فهم الآية، وإزالة الإشكال عنها وله فوائد جمة. ١٣ – النتيجة الثالثة عشرة: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين. ١٤ – النتيجة الرابعة عشرة: أن أوّل ما نزل من القرآن على النبي ﷺ صدر سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ . ١٥ – النتيجة الخامسة عشرة: أن آخر ما نزل من القرآن الكريم على النبي ﷺ قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ أما الاقتراح الذي اقترحه فهو أن يشكل المسلمون هيئة عليا من العلماء والقادة، للدفاع عن القرآن الكريم وحقوقه بحيث يكون للهيئة مقر ثابت في إحدى الدول الإسلامية، كالهيئات العالمية الأخرى.

стр. 70

مصادر ومراجع ... فهرس المصادر والمراجع: ١-اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: للدكتور فهد بن سليمان الرومي، (بدون مكان طبع) ط (١) ١٤٠٧هـ. ٢-الإتقان في علوم القرآن: لأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت: ٩١١هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة دار التراث القاهرة ط (٣) ١٤٠٥هـ. ٣-أحكام القرآن: لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي (ت: ٥٤٣هـ) تحقيق محمد علي البجاوي، دار المعرفة – بيروت (بدون تاريخ) . ٤-إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: لأبي السعود محمد بن محمد العمادي (ت: ٩٥١هـ) ، دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ) . ٥-أسباب النزول: لأبي حسن علي بن أحمد الواحدي (ت:٤٦٨هـ) تخريج عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح – الدمام ط (٢) ١٤١٢هـ. ٦-أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (ت:١٣٩٣هـ) طبع وتوزيع: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – الرياض ١٤٠٣هـ.

стр. 71

٧-إعجاز القرآن: لأبي بكر بن الطيب الباقلاني (ت: ٤٠٣هـ) تحقيق/ السيد أحمد صقر، دار المعارف – القاهرة ط (٥) ، ١٤٠١هـ. ٨-البرهان في علوم القرآن: لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي (ت:٧٩٤هـ) تحقيق د/يوسف عبد الرحمن المرشلي وزميليه، دار المعرفة – بيروت ط (١) ١٤١٠هـ – ومصوّرة دار المعرفة – بيروت بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (بدون تاريخ) . ٩-التبيان في آداب حملة القرآن: لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت:٦٧٦) ، حققه وخرّج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، مطبوعات جمعية القرآن الكريم – جدة ط (٢) ، ١٤٠٨هـ. ١٠-تفسير التحرير والتنوير: لمحمد الطاهر بن عاشور (ت: ١٣٩٣هـ) ، دار التونسية – تونس ١٤٠٤هـ. ١١-تفسير القرآن العظيم: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤هـ) ، نشر: مكتبة المعارف – الرياض ط (١) ١٤٠٦هـ. ١٢-التفسير والمفسرون: للدكتور محمد حسين الذهبي (ت: ١٣٩٧هـ) ، دار الكتب الحديثة – القاهرة، ط (٢) ١٣٩٦هـ.

стр. 72

١٣—تناسق الدرر في تناسب السور: لأبي الفضل عبد الرحمن السيوطي (ت: ٩١١هـ) تحقيق/عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط (١) ١٤٠٦هـ. ١٤-تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦هـ) مركز صالح بن صالح الثقافي – عنيزة ط (١) ١٤٠٧هـ. ١٥-جامع البيان عن تأويل آي القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠هـ) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي – القاهرة ط (٣) ١٣٨٨هـ. ١٦-جامع الترمذي: لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (ت: ٢٧٩هـ) ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي – القاهرة ط (٢) ١٣٩٨هـ. ١٧-الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (٦٧١هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ) . ١٨-حديث الأحرف السبعة: دراسة لإسناده ومتنه واختلاف العلماء في معناه وصلته بالقراءات القرآنية: للدكتور عبد العزيز القارئ، دار النشر الدولي – الرياض ط (١) ، ١٤١٢هـ.

стр. 73

١٩-الدر المنثور في تفسير المأثور: لأبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:٩١١هـ) دار الفكر- بيروت ط (١) ١٤٠٣هـ. ٢٠-دلائل النبوة: لأبي بكر أحمد الحسين البيهقي (ت: ٤٥٨هـ) ، دار الكتب العلمية – بيروت ط (١) ، ١٤٠٥هـ. ٢١-روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني: لأبي الثناء محمود الألوسي (ت: ١٢٧٠هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ) . ٢٢-روضة الناظر وجنة المناظر: لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت:٦٢٠هـ) ، دار الكتاب العربي – بيروت ط (١) ١٤٠١هـ. ٢٣-سلسلة الأحاديث الصحيحة: لمحمد ناصر الدين الألباني (ت:١٤٢٠هـ) ، مكتب الإسلامي – بيروت. ٢٤-سنن أبي داود: لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: ٢٧٥هـ) ، إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت ط (١) ، ١٣٨٨هـ. ٢٥-صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت:٢٥٦هـ) ضبط وترقيم وعناية: د. مصطفى البُغا دار القلم – دمشق – بيروت ط (١) ١٤٠١هـ.

стр. 74

٢٦-صحيح مسلم: لأبي الحسين مسلم بن حجاج القشيري (ت: ٢٦١هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ) ٢٧-صحيح مسلم شرح النووي: لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت:٦٧٦هـ) دار الكتب العلمية – بيروت (بدون تاريخ) . ٢٨-طبقات المفسرين: لأبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:٩١١هـ) تحقيق: علي محمد عمر، نشر:مكتبة وهبة – القاهرة ط (١) ١٣٩٦هـ. ٢٩-طيبة النشر في القراءات العشر: لأبي الخير محمد بن محمد بن الجزري (ت:٨٣٣هـ) مراجعة وتحقيق علي محمد الطباع، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – القاهرة، ط (١) ١٣٦٩هـ. ٣٠-علوم القرآن: للدكتور عدنان زرزور، المكتب الإسلامي – بيروت، ط (٢) ١٤٠٤هـ. ٣١-علوم القرآن بين البرهان والإتقان دراسة مقارنة: للدكتور حازم سعيد حيدر، مكتبة دار الزمان – المدينة ط (١) ١٤٢٠هـ. ٣٢-غاية المنتهى في طبقات القراء: لأبي الخير محمد بن محمد الجزري (ت:٨٣٣هـ) عني بنشره: ج. برجستراسر دار الكتب العلمية – بيروت ط (٣) ١٤٠٢هـ.

стр. 75

٣٣-فتح الباري بشرح صحيح البخاري: لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت:٨٥٢هـ) تحقيق/ محب الدين الخطيب، دار الريان – القاهرة، ط (١) ١٤٠٧هـ. ٣٤-فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: لمحمد علي الشوكاني (ت:١٢٥٠هـ) دار المعرفة – بيروت (بدون تاريخ) . ٣٥-فنون الأفنان في عيون علوم القرآن: لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت:٥٩٧هـ) تحقيق د/ حسن ضياء الدين عتر، دار البشائر الإسلامية – بيروت، ط (١) ١٤٠٨هـ. ٣٦-القاموس المحيط: لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت:٨١٧هـ) تحقيق: مكتب التراث في مؤسسة الرسالة – بيروت ط (٢) ١٤٠٧هـ. ٣٧- قرة الأبصار في سيرة المشفع المختار: (خ) للَّمطي عبد العزيز بن عبد العزيز الفاسي (ت: نحو ٨٨٠هـ) . ٣٨-الكشاف عن حقائق التنزيل: لأبي القسم محمود بن عمر الزمخشري (ت: ٥٣٨هـ) مكتبة المعارف – الرياض (بدون تاريخ) . ٣٩- لباب النقول في أسباب النزول: لجلال الدين عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:٩١١هـ) دار إحياء العلوم – بيروت ط (٤) ١٤٠٦هـ.
следующие страницы →