١) تخالف، بل يصدق بعضه بعضاً ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد.
٢) في تعدد الحروف دلالة على عظمة هذه الأمة وشرفها التي تلقت القرآن بحروفه المختلفة ووعته هذا الوعي، وقامت بما ينبغي له من ضبط وإحكام ودقة في الأداء مما يجعل أعلام هذه الأمة محلاً لفضل الله ومثوبته وتكريمه١.
стр. 37
ثالثاً:- الأحرف السبعة ويشتمل على:-
١) معنى الحرف.
٢) المراد بالأحرف السبعة.
١) معنى الحرف:-
الحرفُ من كل شيء طرفه، وشفيره، وحَدُّه، ومن الجبل أعلاه المحدد، وواحد حروف التهجي، والناقة الضامرة أو المهزولة أو العظيمة، ومسيل الماء، وآرام سود ببلاد سليم وعند النحاة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل٢، والحرف الأداة التي تسمي الرابطة لأنها تربط الاسم بالاسم والفعل بالفعل كعن وعلي ونحوهما.
стр. 38
قال الأزهري١: كل كلمة بُنيت أداةً عارية في الكلام لتفرقة المعاني واسمها حرف وإن كان بناؤها بحرفين أو فوق ذلك مثل حتى وهل وبل ولعل، وكل كلمة تقرأ على الوجوه من القرآن تسمى حرفاً، تقول: هذا في حرف ابن مسعود أي في قراءة ابن مسعود.
وقال ابن سيده ٢: والحرف القراءة التي تقرأ على أوجه وما جاء في الحديث من قوله ﵇ نزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف أراد بالحرف اللغة.
قال أبو عبيد٣ وأبو العباس٤: نزل على سبع لغات من لغات العرب قال: وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه هذا لم يسمع به، قال ولكن يقول هذه اللغات متفرقة في القرآن فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة أهل اليمن وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة هذيل، وكذلك سائر اللغات ومعانيها في هذا كله واحد ٥.
стр. 39
قال الحافظ أبو عمرو الداني ١: معنى الأحرف التي أشار إليها النبي ﷺ هاهنا يتوجه إلى وجهين أحدهما: أن يعني أن القرآن أنزل على سبعة أوجه من اللغات لأن الأحرف جمع حرف في القليل كفلس وأفلس، والحرف قد يراد به الوجه بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (الحج:١١) ، فالمراد بالحرف هنا الوجه أي على النعمة والخير وإجابة السؤال والعافية فإذا استقامت له هذه الأحوال اطمأن وعَبَدَ الله وإذا تغيرت عليه وامتحنه بالشدة والضر ترك العبادة وكفر فهذا عَبَد الله على وجه واحد فلهذا سمى النبي ﷺ هذه الأوجه المختلفة من القراءات والمتغايرة من اللغات أحرفاً على معنى أن كل شيء منها وجه.
والوجه الثاني من معناها أن يكون سمى القراءات أحرفاً على طريق السعة كعادة العرب في تسميتهم الشيء باسم ما هو منه وما قاربه وجاوره وكان كسبب منه وتعلق به ضرباً من التعلق كتسميتهم الجملة باسم البعض منها، فلذلك سمى ﷺ القراءة حرفاً وإن كان كلاماً كثيراً من أجل أن منها حرفاً قد غُير نظمه أو كُسر أو قُلب إلى غيره أو أُميل أو زِيد أو نُقص منه على ما جاء في المختلف فيه من القراءة فسمى القراءة إذ كان ذلك الحرف فيها حرفاً على عادة العرب في ذلك واعتماداً على استعمالها.
стр. 40
قال الإمام ابن الجزري١: وكلا الوجهين محتمل إلا أن الأول محتمل احتمالاً قوياً في قوله ﷺ (سبعة أحرف) أي سبعة أوجه وأنحاء، والثاني محتمل احتمالاً قوياً في قول عمر ﵁ في الحديث سمعت هشاماً يقرأ سورة الفرقان على حروف كثيرة وكذا قوله في الرواية الأخرى سمعته يقرأ فيها أحرفاً لم يكن نبي الله ﷺ أقرأنيها فالأول غير الثاني كما سيأتي بيانه ٢.
٢) المراد بالأحرف السبعة:-
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تفسير هذه الأحرف اختلافاً كبيراً حتى قال ابن حبان٣: اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولاً وأوصلها السيوطي في الإتقان إلى أربعين قولاً وأكثر هذه الآراء متداخل وهي من المباحث الشائكة التي زلت فيها أقدام بعض العلماء، واستعصى الفهم فيه على بعض العلماء ولاذ البعض بالفرار منه، وكثر فيه القيل والقال، والحديث عنه ضروري لصلته الكبرى بنزول القرآن فاختصرته وذكرت القول الراجح عند جمهور العلماء وأتبعته بأقوال العلماء في هذا الباب٤:-
стр. 41
أنها وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف وهو الذي قال به الامام أبو الفضل الرازي١ في اللوائح، كما يقرب منه مذهب الامام ابن الجزري وبه قال ابن قتيبة والقاضي أبو الطيب، وأيده من المتأخرين الشيخ محمد بخيت المطيعي ٢والشيخ محمد عبد العظيم الزُّرْقَاني ٣، وهذه الوجوه هي:-
الأول: اختلاف الأسماء بالإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المعارج:٣٢) فقُرئ هكذا لأماناتهم جمعاً، وقُرئ لأمانتهم بالإفراد.
الثاني:اختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر نحو قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (الأعراف:١٣٨) بكسر الكاف وضمها في الفعل، فقد وافقت كلتا القراءتين رسم المصحف العثماني أيضاً لأن هيكل الفعل واحد في الخط لا يتغير في كلتا القراءتين ومثل قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (سبأ:١٩) ، قُرئ ﴿رَبَّنا بَاعِد﴾ بنصب لفظ ربنا على أنه منادى مضاف وبَاعِد بصيغة الأمر، وقُرئ ﴿ربُّنا باعَدَ﴾ برفع ربُّنا وفتح باعَد على أنه فعل ماض، وقرئ ﴿ربَّنا بَعِّد﴾ بنصب باء ربنا وبحذف الألف بعد باء باعد مع تشديد العين مكسورة وإسكان الدال فعل أمر وكلها صحيحة.
стр. 42
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب كقراءة ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ (البقرة:٢٨٢) بفتح الراء وضمها فإن الرسم يحتملها كالوجه السابق، ومثل قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (البقرة:٣٧) قُرئ برفع آدم ونصب كلمات، كما قرئ بنصب آدم ورفع كلمات وكلاهما قراءة صحيحة، ومثل قوله سبحانه ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (البروج:١٥) فقد قرئ برفع لفظ المجيد وجَرِّه، فالرفع على أنه نعت لكلمة ذو، والجر على أنه نعت لكلمة العرش فلا فرق في هذا الوجه بين أن يكون اختلاف وجوه الإعراب في اسم أو فعل.
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة كقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ (التوبة:١٠٠) فقرأ الجمهور بحذف لفظ من الجارَّة، وقرأ ابن كثير١ بزيادة لفظ من، وكقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (آل عمران: ١٣٣) قرأ الجمهور بالواو، وقرأ نافع٢ وابن عامر٣ وأبو جعفر٤ من غير واو، والقراءتان صحيحتان، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (الليل: ٣) قُرِئ بهذا اللفظ، وقُرِئ أيضاً ﴿وَالذِّكْرِ وَالْأُنْثَى﴾ بنقص كلمة ﴿ما خلق﴾ .
стр. 43
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، إما في الحرف كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ قُرئ ييأس، وقُرئ يايس بتقديم الهمزة على الياء مع إبدالها ألفاً،وإما في الكلمة في قوله تعالى: ﴿فيَقْتلون ويُقْتلون﴾ (التوبة:١١١) قرئ الفعل بالبناء للفاعل في الأول، وللمفعول في الثاني وقرئ بالعكس.
السادس:الاختلاف بالإبدال سواء أكان إبدال حرف بحرف، أو كلمة بكلمة مثل قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (البقرة:٢٥٩) قرئ بالزاي المعجمة مع ضم النون الأولى، وقرئ بالراء المهملة مع ضم النون الأولى، والقراءتان صحيحتان، وفي قراءة شاذة بالراء المهملة مع فتح النون الأولى وضم الشين ﴿نَنْشُرُها﴾ ، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (الواقعة:٢٩) بالحاء قُرِئ وطلع بالعين، ومثل قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات:٦) ، وقرئ فتثبتوا، وهما قراءتان صحيحتان.
السابع: اختلاف اللهجات بالتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام والهمز والتسهيل، والإشمام ونحو ذلك مثل قوله تعالى: ﴿َهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (طه: ٩) تقرأ بالفتح والإمالة في أتى، ولفظ موسى، ومثل قوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ (القيامة:٤) تقرأ بالفتح والإمالة في بلى.
وهذا القول الذي صار إليه الرازي هو الذي أميل إليه للأسباب الآتية:-
١) أن هذا هو الذي تؤيده الأحاديث السابقة التي ذكرناها.
٢) أنه لا يوجد محذور من المحذورات على هذا الرأي.
стр. 44
٣) أن هذا المذهب يعتمد على الاستقراء التام لاختلاف القراءات وما ترجع إليه من الوجوه السبعة بخلاف غيره فإن استقراءه ناقص أو في حكم الناقص١.
وهناك قول آخر صار إليه بعض العلماء وقالوا ٢:
أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد يعني سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل، وتعال، وهلم، وعجل، وأسرع فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، فإن هذه ألفاظ سبعة مختلفة يعبر بها عن معنى واحد وهو طلب الإقبال وإلى هذا القول ذهب سفيان بن عيينة٣وابن جريرالطبري ٤ والطحاوي٥ وغيرهم، وليس معنى هذا أن كل كلمة كانت تقرأ بسبعة ألفاظ من سبع لغات بل المراد: غاية ما ينتهي إليه الاختلاف في تأدية المعنى هو سبع، قال الإمام الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف، فقال: اقرأ فكل شاف كاف
стр. 45
إلا أن تخلط آية رحمة بعذاب، أو آية عذاب بآية رحمة على نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل.
قال الإمام ابن عبد البر١: إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها إنها معان متفق مفهومها، مختلف مسموعها، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافاً ينفيه ويضاده كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضده.
وهذا القول الأول لا يسلم من بعض الاعتراضات ومن أهمها:
١) أن ما ذكروه ليس من قبيل حصر الأحرف السبعة حتى يصح الاستدلال بذلك.
٢) أن أصحاب هذا المذهب قد وضعوا أنفسهم في مأزق ضيق لأن ترويجهم لمذهبهم اضطرهم إلى أن يتورطوا في أمور خطرها عظيم إذ قالوا إن الباقي من الأحرف السبعة هو حرف واحد، وأن عثمان بن عفان جمع الناس على حرف واحد وهو كلام لا يستقيم ولا يتفق مع الأدلة التي ذكرناها والتي ترجح الرأي الأول.
وهناك أقوال أخرى مرجوحة أذكر لكم في هذا المقام ثلاثة منها:
القول الأول:
إنه من المشكل الذي لا يُدْرَى معناه لأن الحرف يصدق لغة على حرف الهجاء وعلى الكلمة وعلى المعنى وعلى الجهة، فيكون مشتركاً لفظياً لا يعرف ولا يُدرى أي معانيه هو المقصود وهذا القول نسب إلى أبي جعفر محمد بن
стр. 46
سعدان النحوي١، ونحا نحوه الحافظ السيوطي في شرحه على سنن النسائي، وهذا القول غير صحيح وهو بمعزل عن التحقيق فإن مجرد كون اللفظ مشتركاً لفظياً لا يلزمه الإشكال لأن ذلك يلزم لو لم تقم قرينة تعين بعض المعاني، وهنا قامت قرينة تعين بعض المعاني، بل قامت قرائن تمنع ما عدا ذلك البعض من المعاني الأخرى.
القول الثاني:
إن لفظ السبعة في الحديث لا يراد به حقيقة العدد، إنما المراد منه التيسير والتسهيل
والسعة، ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلقون السبعة في العشرات والسبعمائة في المئين، ولا يراد العدد المعين، وإلى هذا جنح القاضي عياض٢ ومن تبعه، ويرده ما في حديث ابن عباس في الصحيحين أن الرسول ﷺ قال (أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) ٣وغيرها من الأحاديث الواضحة التي تدل على إرادة حقيقة العدد وانحصاره.
القول الثالث:
أن المراد بالأحرف السبعة سبع قراءات، وهذا ليس بصحيح لأنكم إذا أردتم أن كل كلمة تقرا بقراءات سبع فهذا نادر وقليل، وإن أردتم أن بعض الكلمات تقرأ بوجه وبعضها بوجهين وبعضها بثلاث وهكذا إلى سبع فذلك
стр. 47
مردود أيضاً لأن هنالك كلمات تقرأ على أكثر من سبعة أوجه، وأخطأ كل الخطأ من زعم أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع المشهورة وهو غاية الجهل، قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل ١.
стр. 48
الفصل الثاني: عن العناية بالقرآن في عهد النبي ﷺ
المبحث الأول: العناية بالقرآن الكريم حفظاً: -
...
المبحث الأول: العناية بالقرآن الكريم حفظاً:-
فقد تلقى النبي ﷺ القرآن من أمين الوحي جبريل ﵇، وكانت أول آية نزلت عليه قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (اقرأ:١) ثم تتابع نزول القرآن، وكانت همة النبي ﵊ هو حفظ القرآن الكريم واستظهاره، وقد بلغ من حرص النبي ﷺ على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه في أشد حالات حرجه وشدته ويقصد بذلك استعجال حفظه خشية أن تفلت منه كلمة أو يعزب عنه حرف حتى طمأنه ربه فقال له ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٩) ، وفي هذا تعليم من الله لنبيه ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملَك فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابق الملَك في قراءته فأمره الله إذا جاءه الملَك بالوحي أن يستمع له وتكفل الله أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الأكمل الذي ألقاه إليه وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره والثانية تلاوته والثالثة تفسيره وإيضاح معناه١.
"وكان المصطفى ﵊ يعرض القرآن في كل عام مرة واحدة مع جبريل ﵇ وعارضه مرتين في العام الذي توفي فيه صلى الله عليه
стр. 49
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ" ١.
وكان القرآن الكريم شغل النبي ﷺ في صلاته وتهجده وفي سره وعلانيته، وفي حضره وسفره، وفي وحدته وبين صحابته، وفي عُسره ويسره ومنشطه ومكرهه ولا يغيب عن قلبه، ولا يألوا جهداً في تعهده وتكراره والإئتمار بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، والاعتبار بمواعظه وقصصه، والتأثر بأمثاله وحكمه، والتأدب بآدابه، وأخلاقه، وتبليغه إلى الناس كافة، كما كان المصطفى ﵊ أعلم الناس بأسباب نزوله ومكان تنزلاته، وكان المرجع الأول للمسلمين في حفظ القرآن وفهمه، والوقوف على معانيه وأسراره والتثبت من نصوصه وحروفه وقراءته ٢.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يلازمون النبي ﷺ فيحفظون القرآن عن ظهر قلب وكان النبي ﷺ يرغبهم في ذلك بالمنازل الكبيرة والمناصب الرفيعة فيقول لهم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ٣، "ولقد كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على قوم يقدم أكثرهم قراءة للقرآن فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
стр. 50
وَسَلَّمَ بَعْثًا وَهُمْ ذُو عَدَدٍ فَاسْتَقْرَأَهُمْ فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ: " مَا مَعَكَ يَا فُلَانُ قَالَ مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ قَالَ: أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ? فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: " فَاذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ إلا خَشْيَةَ ألا أَقُومَ بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَاقْرَءُوهُ فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَهُ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ رِيحُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ وُكِئَ عَلَى مِسْكٍ" ١، وإذا بعث ﵊ بعثاً جعل إمامهم في صلاتهم أكثرهم أخذاً للقرآن، بل إذا جمع بين اثنين أو أكثر في قبر لضرورة قدم أكثرهم قرآناً، كما حدث في شهداء أحد فعن جَابِرَ بْنَ عَبْد ِاللَّهِ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ:" أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا" ٢.
وكان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدُّجى يسمع دوياً كدوي النحل بالقرآن، فعن عبادة بن الصامت ﵁ قال (كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يسمع
стр. 51
مسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا)
ومن هنا نجد أن العناية الكبرى كانت من الرسول ﷺ فقد حفظه واستظهره ﵊، ورغب أصحابه في استظهاره وحفظه فحفظه عدد كبير منهم واستظهره منهم الخلفاء الراشدون، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية، وابن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة وحفصة، وأم سلمة وغيرهم كثير وهؤلاء كلهم من المهاجرين، ومن الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبا زيد ومجمع بن حارثة وأنس بن مالك ﵃ أجمعين.
وهذا يدل على أن حفاظ القرآن كانوا في عهد النبي ﷺ كثرة كبيرة، ومما يؤيد هذا ما ثبت أن كثيراً من الصحابة اشتهروا في عهده ﷺ بحفظ القرآن حتى كانوا يعرفون باسم القراء، فعن عَاصِمٌ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ فَقَالَ قَدْ كَانَ الْقُنُوتُ قُلْتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قَالَ فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ "إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوْمًا يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رَجُلًا إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ" ٢.
стр. 52
وهذا يدل على كثرة الصحابة الذين حفظوا القرآن في عهد النبي ﷺ وهي في الحقيقة ميزة مباركة اختص الله تعالى بها الأمة المحمدية كما قال العلامة المحقق ابن الجزري (ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على حفظ المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة ففي الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن ربي قال لي قم في قريش فأنذرهم فقلت له رب إذاً يَثْلَغوا١ رأسي حتى يدعوه خُبْزَةً فقال: مبتليك ومبتلٍ بك ومنزل عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرأه نائماً ويقظان فابعث جنداً أبعث مثلهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق ينفق عليك) ٢، فأخبر تعالى أن القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء بل يقرؤه في كل حال كما جاء في صفة أمته (أناجيلهم في صدورهم) ، وذلك بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه لا في الكتب ولا يقرأونه كله إلا نظراً لا عن ظهر قلب، ولما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه وبذلوا أنفسهم في إتقانه وتلقوه من النبي ﷺ حرفاً حرفاً لم يهملوا منه حركةً ولا سكوناً ولا إثباتاً ولا حذفاً ولا دخل عليهم في شيء منه شك ولا وهم وكان منهم من حفظه كله، ومنهم من حفظ أكثره، ومنهم من حفظ بعضه ٣.
стр. 53
ولكن يشكل على ما ذكرناه ما ورد في بعض الروايات وفيه تعارض لما ذكرناه وهو قول أنس ﵁ (مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة، أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) ١، ولا إشكال في ذلك لأن الحصر المذكور في الحديث حصر إضافي وليس حصراً حقيقياً بدليل أن قتادة سأل أنساً عمن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ فقال (أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد) ٢، فقد ذكر أنس ﵁ في إحدى الروايتين أبي بن كعب دون أبي الدرداء، وذُكر في الرواية الثانية أبو الدرداء دون أبي بن كعب إضافة إلى ذلك فإن حصر الحفظة في أربعة لا يقول به أحد لوجود البواعث الكثيرة التي تحمل على حفظه وترغب فيه كل الترغيب، ومع توافر الصحابة وكثرتهم إلى حد أنهم بلغوا في آخر عهده عشرات الألوف، وقد جمع الحافظ ابن حجر ﵀ بين الحديثين فقال يحتمل أن مراد أنس (لم يجمعه غيرهم) أي من الأوس بقرينة المفاخرة المذكورة ولم يرد نفي ذلك عن المهاجرين، ثم ذكر الحافظ أجوبة كثيرة نقلاً عن القاضي أبي بكر الباقلاني منها:-
١) أنه لا مفهوم له فلا يلزم ألا يكون غيرهم جمعه.
٢) المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نزل بها إلا أولئك.
стр. 54
٣) لم يجمع ما نُسِخ منه بعد تلاوته وما لم يُنْسخ إلا أولئك.
٤) أن المراد بجمعه تلقيه من في رسول الله ﷺ لا بواسطة بخلاف غيرهم فيحتمل أن يكون تلقي بعضه بالواسطة.
وقال عقب ذلك: وفي غالب هذه الاحتمالات تكلف، وقال أيضاً: الذي يظهر من كثير من الأحاديث أن أبا بكر ﵁ كان يحفظ القرآن في حياة الرسول ﷺ وقد بنى مسجداً بفناء داره وكان يقرأ فيه القرآن، وهو محمول على ما كان نزل منه إذ ذاك، وهذا مما لا يرتاب فيه مع شدة حرص أبي بكر على تلقي القرآن من النبي ﷺ وفراغ باله له وهما بمكة وكثرة ملازمة كل منهما للآخر وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي ﷺ فقال: اقرأه في شهر١.
وقال القرطبي: قد قُتِل يوم اليمامة سبعون من القراء، وقتل في عهد النبي ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد، وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم دون غيرهم، أو لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم ٢.
وخلاصة القول في هذا: أن الصحابة في عصر النبي ﷺ عنوا عناية كبيرة وفائقة بحفظ القرآن الكريم، فمنهم من حفظه واستظهره، ومنهم من حفظ بعضه، وما روي عن أنس في هذا مؤول بما ذكرناه.
стр. 55
وأما بعد وفاته ﷺ فقد حفظه عدد كبير وخلق كثير، واشتُهِروا بإقرائه بجميع قراءاته ومروياته، فمن الصحابة عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين وتتلمذ علي يديه الكثيرون منهم المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وعلي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين وتتلمذ عليه كثيرون منهم أبو عبد الرحمن السلمي، وكذلك أُبي بن كعب من كتاب الوحي تتلمذ عليه كثيرون منهم عبد الله بن عباس وأبو هريرة، وكذلك زيد بن ثابت الأنصاري وهو الذي جمع القرآن في عهد الخليفتين فقد تتلمذ عليه كثيرون منهم عبد الله بن عمر وأنس بن مالك، وعبد الله بن مسعود الذي قال عنه المصطفى ﵊ (من أحب أن يقرأ القرآن غضاً ١كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) ٢ فقد تتلمذ عليه كثيرون منهم علقمة بن قيس ٣، والأسود بن يزيد النخعي٤، وأبو موسى الأشعري الذي قال عنه النبي ﷺ (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) ٥ فقد تتلمذ على يديه الكثيرون منهم سعيد بن المسيب وأبو رجاء العطاردي٦
стр. 56
وكل هذا يدل على الاهتمام الكبير والعناية الفائقة من الصحابة رضوان الله عليهم لكتاب الله تعالى قولاً وعملاً ١.
وهناك بعض العوامل التي أدت بالصحابة إلى العناية بالقرآن الكريم حفظاً في عهد الرسول ﷺ ومن أهم تلك العوامل ٢:-
١) أن الصحابة كانوا أميين لا يعرفون القراءة والكتابة إلا نذر يسير منهم، ولذلك كانوا يعتمدون على حافظتهم لأن الحفظ هو السبيل الوحيد إلى إحاطتهم بالقرآن الكريم.
٢) المحبة الصادقة لله ولرسوله ﷺ وما يتصل به وما نزل عليه، ومن المعلوم أن الحب إذا صدق وتمكن حمل المحب حملاً على ترسم آثار محبوبه والتلذذ بحديثه والتنادر بأخباره، ولذلك كان حب الصحابة للرسول ﷺ من أقوى العوامل على حفظهم كتاب الله تعالى حيث كانوا يتسابقون إلى كتاب الله يأخذون عنه ويحفظون منه.
٣) أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أمة يضرب بهم المثل في الذكاء وقوة الحافظة وصفاء الطبع وسيلان الذهن وحدة الخاطر.
الترغيب في حفظ القرآن الكريم وتطبيق أحكامه مما جعل الصحابة يعتنون به اعتناءً خاصاً، فقد وردت الآيات والأحاديث الكثيرة في فضل حفظ القرآن الكريم وقراءته، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ
"وقوله ﵊ (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا) ١.
"وقوله ﷺ (الذي يقرا القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرا القرآن وهو يَتَتَعْتَعُ فيه وهو عليه شاق له أجران) ٢.
وقوله ﷺ (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ٣.
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في فضل قراءة القرآن وحفظه وفضل آيات معينة وفضل سور مخصوصة.
وكل هذا جعل الصحابة رضوان الله عليهم يعتنون بحفظ القرآن، ويتسابقون في قراءته ولا يتوانون لحظة واحدة عن قراءة القرآن واستظهاره وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ومن ذا الذي يسمع كل هذا الترغيب والتشويق ولا يسارع في قراءة القرآن وحفظه.
стр. 59
بل بلغ من العناية بالقرآن في عهد النبي ﷺ " أن امرأة من الصحابيات جمعت القرآن ففي سنن أبي داود عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ قُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَكَ أُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي شَهَادَةً قَالَ: (قَرِّي فِي بَيْتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُكِ الشَّهَادَةَ) قَالَ فَكَانَتْ تُسَمَّى الشَّهِيدَةُ قَالَ وَكَانَتْ قَدْ قَرَأَتِ (١) الْقُرْآنَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ تَتَّخِذَ فِي دَارِهَا مُؤَذِّنًا فَأَذِنَ لَهَا قَالَ وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْ غُلَامًا لَهَا وَجَارِيَةً فَقَامَا إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فَغَمَّاهَا بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ وَذَهَبَا فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَقَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَيْنِ عِلْمٌ أَوْ مَنْ رَآهُمَا فَلْيَجِئْ بِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَصُلِبَا فَكَانَا أَوَّلَ مَصْلُوبٍ بِالْمَدِينَةِ" ٢.
стр. 60
المبحث الثاني: العناية بالقرآن الكريم كتابةً: -
اعتنى النبي ﷺ بكتابة القرآن كاعتنائه بحفظه، فلم يكتف النبي ﷺ بحفظ القرآن واستظهاره بل جمع مع حفظه في الصدور حفظه في السطور زيادة في التوثق والضبط والاجتهاد فكان القرآن ينزل شيئاً فشيئاً، وكلما نزل شيءٌ قرأه النبي ﷺ وعلمه أصحابه، وبلغ من عناية النبي ﷺ بالقرآن مبلغاً عظيماً أنه كان يحثهم على كتابته فعن عُثْمَانُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: (ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا) وَإِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةَ فَيَقُولُ: (ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا) ١.
وكان نزول القرآن على غير الترتيب الذي نقرؤه الآن في السور الكريمة، بل كان ذلك الترتيب من بعد النزول بعمل النبي ﷺ بوحي من الله تعالى، فكان ﵊ يقول لهم كما نُقل (ضعوا آية كذا في موضع كذا) فتكون بجوارها متسقة متلاحقة المعنى مترابطة متناسقة اللفظ تلتقي بها كأنها لقف معها، وكأنهما كلام واحد قيل في زمن واحد أحدهما
стр. 61
لاحق والآخر سابق، وكأن المتكلم قالهما في نفس واحد من غير زمن بينهما يتراخى أو يتباعد، وذلك من سر الإعجاز ولا غرابة في ذلك لأن القائل واحد وهو الله العليم الخبير، ولذلك كان ترتيب القرآن الكريم في كل سورة بتنزيل من الله تعالى ١.
واتخذ النبي ﷺ كُتَّاباً من خيرة الصحابة لهذا العمل الجليل فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد واُبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغيرهم.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يكتبون القرآن في الْعُسُب٢ واللِّخَاف٣ والألواح٤ والأكتاف٥ والأضلاع٦ والأقتاب ٧والرقاع ٨والأديم٩،
стр. 62
يقول زيد بن ثابت ﵁ (كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرِّقاع) ١، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يعرضون على رسول الله ﷺ ما لديهم من القرآن حفظاً وكتابة كذلك، ولم ينتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا والقرآن كله مكتوب مسطور بالأحرف السبعة غير مجموع في مصحف واحد ولذلك قال الزركشي (وإنما لم يكتب في عهد النبي ﷺ مصحف لئلا يفضي إلى تغييره كل وقت فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته ﷺ ٢، والأدلة على كتابة القرآن في عهد النبي ﷺ كثيرة منها:
قوله ﷺ : (لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) ٣.
وقول الصديق لزيد بن ثابت (إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ٤.
стр. 63
وعندما نَزَلَتْ قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النساء:٩٥) الْآيَةَ جَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَأْمُرُنِي إِنِّي ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الْآيَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِيْتُونِي بِالْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ) ١.
وممن اشتهر بكتابة القرآن في عهد النبي ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أول من كتب له بمكة، والزبير بن العوام ومعاوية، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وأبي بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة، وزيد بن ثابت، وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة وعمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، والأرقم بن أبي الأرقم، وثابت بن قيس، وعبد الله بن الأرقم الزهري، وحنظلة بن الربيع الأسدي وغيرهم ٢.
وكان هؤلاء الصحابة يكتبون ما يمليه عليهم الرسول ويرشدهم إلى كتابته من غير أن يزيدوا فيه حرفاً أو ينقصوا منه حرفاً ٣.
وتوفي رسول الله ﷺ والأمة الإسلامية قد حفظت القرآن واستظهرته وكتبته بالطرق والوسائل الموجودة لديها، وكانت هذه الكتابة
стр. 64
ملحوظاً فيها أن تشمل الأحرف السبعة غير أن بعض الصحابة كان قد كتب منسوخ التلاوة وبعض ما هو ثابت بخبر الواحد، وربما كتبه غير مرتب، ولم يكن القرآن على ذلك العهد مجموعاً في صحف ولا مصاحف عامة ١.
ولم يجمع القرآن يومئذ في مصحف واحد أو مصاحف للأسباب الآتية:-
١) لم توجد الدواعي لجمعها كما وجدت في عصر أبي بكر وعثمان، فالمسلمون بخير والحفاظ بكثرة، وأكثر الناس يعولون على الحفظ أكثر من الكتابة، وأدوات الكتابة لم تكن متوفرة بالصورة الكبيرة.
٢) أن القرآن لم ينزل مرة واحدة بل نزل منجماً في خلال ثلاث وعشرين سنة ولو كتب لكان عرضة للنسخ والتغيير والتبديل وهذا فيه من العناء والمشقة قال الزركشي في البرهان (فثبت أن القرآن كان على هذا التأليف والجمع في زمن النبي ﷺ وإنما تُرِك جمعه في مصحف واحد لأن النسخ كان يَرِدُ على بعضه، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدى إلى الاختلاف واختلاط الدين، فحفظه الله في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، ثم وَفَّق لجمعه الخلفاء الراشدين) ٢.
٣) كانت الآيات الكثيرة تنزل من السور الكثيرة المختلفة على حسب الدواعي بلا ترتيب ثم يعلم الترتيب فيما بعد، فلو كتب أولاً لاحتيج إلى كتابته ثانياً وفي ذلك من المشقة ما فيه.
стр. 65
المبحث الثالث: العناية بالقرآن الكريم تطبيقاً: -
طبق النبي ﷺ أحكام القرآن الكريم جملة وتفصيلاً، وحض أصحابه على تطبيق أحكامه والعمل بما فيه، فبلغ رسالة ربه توجيهاً لأمر الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧) ، وهذا هو طريق الأنبياء والمرسلين حيث جاءوا جميعاً لأجل هدف واحد وغاية عظمى وهي عبادة الله وحده لا شريك له.
ومنذ خطاب الله وتوجيهه للرسول ﷺ بقوله: ﴿أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدثر:١، ٢) وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء:٢١٤) ، وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩) ، أخذ النبي ﷺ يدعو أهله وأقاربه وأمته حتى وفقه الله في تكوين أمة ودولة إسلامية عظيمة على مبادئ صحيحة.
فكانت بحق تلك الأمة خير القرون وأفضلها كما أخبر المصطفى ﵊ حيث جرى القرآن في عروقها فتمثلوا أحكامه قولاً وفعلاً وطبقوا تعاليمه وكل ذلك فيه دلالة على عناية النبي ﷺ وصحابته الكرام بالقرآن الكريم.
ومن الأمثلة الواضحة على عناية النبي ﷺ بالقرآن وامتثاله لما جاء فيه أنه منذ أن خاطبه الله تعالى بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا
فأظهر المصطفى ﵊ امتثاله الكبير وحبه الشديد لكتاب الله تعالى وقام وجهر ووقف مواقف حكيمة، فكان لا يطيب له نوم ولا يرتاح له بال حتى يرى الناس قد استجابوا لدعوة الله ودخلوا في دين الله أفواجاً.
وعناية الرسول ﷺ العناية العملية لا تقتصر على الدعوة بل التطبيق العملي لما جاء في القرآن الكريم شامل لجميع الأمور ففي مجال العبادة كان ﵊ منفذاً للفرائض آخذاً بالنوافل مطبقاً لتعاليم القرآن وما جاء من الله تعالى ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (المزمل:١-٦) ، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ (الإسراء:٧٩) ، فامتثل الرسول ﷺ لأمر ربه بل وصل إلى أعلى مراتب العبادة، وكان يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه، ولما قيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً" ١.
وفي مجال الأخلاق كان خلقه القرآن فقد سئلت أم المؤمنين عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقال لها السائل: أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ " أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ بَلَى قَالَتْ فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ قَالَ فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ وَلَا أَسْأَلَ أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ بَدَا لِي فَقُلْتُ أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ أَلَسْتَ تَقْرَأُ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُلْتُ بَلَى قَالَتْ فَإِنَّ اللَّهَ
افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ ثُمَّ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ قَالَ وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ١.
وفي مجال القوة والجهاد امتثل للآيات القرآنية التي تعني بالجهاد مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:٦٠) ، فجاهد ﵊ بنفسه وماله ولسانه، جاهد بنفسه لحماية العقيدة ولإعلاء كلمة الله وصد العدوان، فكان قائد المجاهدين وأولهم لنيل الشهادة في سبيل الله، وجاهد بماله فأنفق وتبرع حتى إنه كان لا يترك في بيته إلا ما يحتاج إليه، وجاهد بلسانه للترغيب في الإسلام وللدفاع عنه وعن مصالح المسلمين فكانت المعارك الكبيرة والانتصارات الحاسمة من المسلمين على الكفار في التاريخ الإسلامي، وما ذاك إلا لامتثاله لتعاليم القرآن الكريم.
وفي مجال الأخلاق اتصف وامتثل ﵊ بالأخلاق الفاضلة التي جاء القرآن بها حتى قالت عائشة ﵂ (كان خلقه القرآن) ٢، ودلالة هذه الكلمة على عظمة محمد ﷺ تبرز من نواحٍ شتى ومن أهمها كونها من عند الله الكبير المتعال، وقد قال الإمام فخر الدين
стр. 70
الرازي كلاماً نفيساً حول هذا الموضوع، قال (وكان ﵊ في كل واحدة من هذه الأخلاق الكريمة في الغاية القصوى من الكمال، وكان متمكناً فيها، مستجمعاً لها بأسرها، ولا يتفق ذلك لأحد من الخلق غير أهل العصمة من الله تعالى، فكان اجتماع ذلك في صفاته من أعظم المعجزات) ١،
ففي الرحمة مثلاًخاطبه ربه بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:١٥٩) ، وبقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة:١٢٨) ، وهذه الآية تبين ما كان عليه النبي ﵊ من الأخلاق العظيمة تجاه أمة دعوته من كونه يعز عليه مشقتهم وهلاكهم وضررهم وأذاهم في سوء العاقبة من الوقوع في العذاب، ويحرص على هداهم ويرأف بهم ويرحمهم٢.
والرحمة من أخلاق الرسول صلوات الله عليه، وهو خلق ذو جذور عميقة في النفس ومحلُّها القلب، ومن آثارها في السلوك الظاهر لين الجانب للناس، ونقيضها غلظ القلب وقساوته، ومن مظاهر هذا النقيض الخشونة في معاملة الناس والسلوك الفظ.
стр. 71
ورحمة النبي ﷺ جعلت القلوب تهفو إليه وتؤمن به وتتبعه وتحبه، وبعض من آمن به قد تخطى عقبات كبيرة في نفسه من أنانية وعصبية١.
وفي باب التوكل على الله تَمثل المصطفى ﵊ لما جاء في القرآن الكريم، فكان يتوكل على الله تعالى في جميع الأمور وفي أشد الظروف فكان الله تعالى له نعم الوكيل والنصير.
والخطابات القرآنية التي خاطبت النبي ﷺ بالتوكل كثيرة لم يكن مثلها عدداً ووضوحاً في أي خلق كريم، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:١٥٩) وقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ (النساء:٨١) وقال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنفال: ٦١) ، وقال: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٢٣) ، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ (الفرقان: ٥٨) ، وغير ذلك من الآيات التي تحث النبي ﷺ على التمسك بهذا الخلق العظيم، وكان ﷺ أولى الناس تطبيقاً لهذا الخلق العظيم لأنه كان خلقه القرآن فهو يمثل القرآن بسلوكه وقوله، ويترجم القرآن بأقواله وأفعاله، فهو سيد المتوكلين ﵊، ويكفينا قوله ﵊ لأبي بكر الصديق مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ
стр. 72
اللَّهُ ثَالِثُهُمَا (١) حين ما قال أبو بكر ﵁: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ فقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ لرآنا، فرد النبي ﷺ بكلمة تدل على ثقته بالله ونصره، وقد قص القرآن ذلك فقال: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:٤٠) .
وفي غزوة ذات الرقاع لم يعصمه من ضربة السيف إلا عظيم توكله على الله تعالى فعَنْ جَابِرٍ قَالَ أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرَطَهُ٢ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَتَخَافُنِي قَالَ لَا قَالَ فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي قَالَ اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ ٣.
فهذا هو التوكل على الله تعالى حق التوكل، رسول الله ﷺ يستظل تحت شجرة، ورجل غادر يريد أن يفتك برأس رسول الله صلى الله
стр. 73
عليه وسلم ووضع السيف فوق رأس المصطفى ﵊، فلم يخف النبي ﷺ من ذلك الموقف ولم يزده ذلك إلا توكلاً على الله حتى قال ﵊ ببرد اليقين والتوكل (الله) ، ومن وصل إلى هذا التوكل على الله وبالله لم يخش أحداً سواه.
وكما أمر الله نبيه ﷺ بالتوكل فعلاً فقد أمره بالتوكل قولاً وذلك كما في قوله: ﴿فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ (التوبة: ١٢٩) ، وقوله: ﴿قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ (الزمر: ٣٨) ، وقوله: ﴿قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين﴾ (الْمُلك: ٢٩) ، وامتثل النبي ﷺ لهذا الخلق العظيم وغيره من الأخلاق والتوجيهات الربانية فكان ﵊ يستجيب لأوامر الله ويعتني بالقرآن تطبيقاً وتوجيهاً، تربية وتعليماً في جميع الأمور والأحوال.
واعتنى الصحابة رضوان الله عليهم اعتناءً كبيراً بالقرآن في حياة الرسول ﷺ وبعد وفاته، وبلغ الأمر بهم في الاعتناء به أنهم كانوا يقفون عند أوامره فيمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه، وشواهد ذلك كثيرة في كتب السنة والسيرة والتفسير، فهذه القصة تبين لنا كيفية رجوع أبي بكر الصديق إلى كتاب الله تعالى والوقوف عند أحكامه فعندما نزلت آيات الإفك ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ﴾ الْعَشْرَ الْآيَاتِ فِي بَرَاءَة عائشة قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَيه لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ، قال وَاللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، -وكان معه الحق في ذلك لأن مِسْطح تكلم في عائشة وقال
عليه وسلم: إن الله ﵎ يقول ذلك، وما فعل ذلك إلا لمخالطة القرآن قلبه وحبه الكبير لكلام الله تعالى وللآيات التي نزلت على نبينا محمد ﷺ ، فعن أنس بن مالك ﵁ قال كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (آل عمران:٩٢) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ" فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ ١.
ولم يكتف الصحابي الجليل أبو طلحة ﵁ وأرضاه بالنفقة في سبيل الله بل إنه تحرك بقلبه وعواطفه ونفسه عندما سمع قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ (التوبة: ٤١) فنذر نفسه لخدمة الأمة الإسلامية من طريق الجهاد، ويروي لنا أنس ﵁ ذلك فيقول أن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية (انفروا خفافاً وثقالاً) ، فقال: ألا أرى ربي يستنفرني شاباً وشيخاً، جهزوني، فقال له بنوه: قد غزوتَ مع رسول الله صلى الله عليه