← Фикх малики

Фикх малики · id 121376

شرح التلقين

المازري

Полный текст (3 227 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

والسلام: من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصباء فقد لغا (١). فمدح ها هنا المقتصر على الوضوء ووعده بما وعده به، فلو كان الغسل واجبًا لما صح هذا الوعد المتضمن للثناء على المقتصر على الوضوء، إذ تارك الواجب لا يثنى عليه. وقد لاح ما في هذا الحديث: أن الاقتصار في الغفران على هذا المقدار من العدد لأجل ما تقرر في الشريعة أن الحسنة بعشر أمثالها. فكانت الطاعة يوم الجمعة تضاعف إلى عشر، والجمعة سبعة أيام. وتبقى من العشر ثلاث فزادها من جمعة أخرى. واستدل أصحابنا بحديث عائشة المذكور فيه: إن الناس كانوا عمال أنفسهم. وذكرت فوح الروائح منهم فقال ﵊: لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا (٢). حديثها المشهور في ذلك. وفي بعض الطرق: ولو اغتسلتم. وهذا اللفظ لا يستعمل في الوجوب. وقد قال بعض أشياخي: الغسل لمن له رائحة واجب. واعتمد على النهي لأكل الثوم عن دخول المسجد. وحضور الجمعة واجب فيزالة الرائحة واجبة. واعتذر عن حديث عائشة بأن تلك الروائح ألفوها. فلهذا لم توجب الغسل، ولم تكن كغيرها من الروائح. واستدل أيضًا على نفي الوجوب بأن الطهارة إنما تتغلظ بالحدث لا بالصلاة. ألا ترى أن البول يوجب الطهارة الصغرى والمني والحيض يوجبان الطهارة الكبرى فإنما تغلظت الطهارة واختلفت باختلاف الأحداث ولا مدخل في ذلك للصلوات بدليل أن النفل والفرض مستويان في الطهارة، وأن الصلاة الواحدةِ والصلوات الكثيرة يفعل جميعها بطهارة واحدة. وإذا كان هذا هكذا فلا معنى لتغليظ الطهارة وإيجابها للصلاة لا لحدث. لكن الطهارة تستحب فيها تعظيمًا لها. كما تكون الطهارة عند الإحرام وغير ذلك مما استحبت الشريعة الطهارة فيه. وأما القائلون بالوجوب فإنهم يستدلون على الوجوب بقوله ﷺ في الصحيح: الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم (٣). الحديث المشهور. وبقوله في الصحيح

стр. 1017

أيضًا: حق على كل مسلم أن يغسل في كل سبعة أيام رأسه وجسده (١). وهذا نص في الوجوب. ويؤكد هذا أبا هريرة ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى (٢) الحديث وقد أجاب أصحابنا وغيرهم عن هذا بأنه محمول على وجوب السنن. وإشعار بتأكيد التحضيض. ويحمل حديث أبي هريرة عليه أو على أنه أراد التشبيه بغسل الجنابة في إيعاب الجسد. وقال بعض المتأخرين يحتمل أن يريد المغتسل للجنابة. وقد قيل أن معنى قوله ﵊: من غسل واغتسل: أوجب على غير. الغسل بالجماع واغتسل هو منه. وقال مالك في هذا ليس كل ما جاء في الحديث يكون كذلك. وهذا الجواب غير كاف. كما أن جواب أصحابنا غير مقبول إلا بأن تعارض الأحاديث بعضها ببعض فيستعمل فيها البناء والتأويل، ويسلك طرق الترجيح في البناء والتأويل، والسند إلى غير ذلك مما يعرفه أهل الأصول فحينئذ يصفو لهم ما قالوه إن أدى العمل المشار إليه إلى ما قالوه. وقد يستدل الموجبون أيضًا بأن الصلاة فرضت لها الطهارة فلما كانت الجمعة أقوى (٣) في الفرض وآكد من غيرها صح أن تختص بزيادة فرض في الطهارة، وقد قدمنا نحن من جهة الاعتبار ما يقابل اعتبارهم هذا أو يربي عليه. فإذا وضح ما قلناه في هذا. فالذي قدمناه عن شيخنا من إشارته إلى أن المذهب على القولين في الوجوب وتعلقه بما حكاه الأبهري، فيه نظر لأنا قدمنا في كتابنا هذا في غير موضع واحد (٤) منه الكلام على ترك السنن وتعلق الإثم بتركها والتجريح والتأديب. وذكرنا ما قاله أهل الأصول في ذلك وما قاله أصحابنا. واعتذرنا بالروايات المخالفة (٥) لأصولهم. فمن أحب حقيقة القول فليطالعه حيث أثبتناه ويعلم منه أن مثل هذا الذي حكاه الأبهري قد يجري على طريقة

стр. 1018

بعض أصحابنا (١) في ترك السنن. والعبارات في تركها مختلفة وقد قدمنا ما يجمع أسبابها. وقد قال ابن حبيب الغسل للجمعة ستة مرغب فيها لا يؤثم تاركه. وهذا الذي قاله هو الأصل المشهور في ترك السنن. وما سواه طريقة قوم آخرين قد ذكرناها. وقد وقع في الأحاديث الواردة في الغسل ما يحتاج إلى تفسير. وهو ما خرّجه النسائي عن النبي ﷺ : من غسّل واغتسل وبكّر وابتكر ودنا من الإِمام ولم يلغ كان له بكل خطوة عملُ سنة صيامها وقيامها (٢). فقوله غسّل الأكثرون يحملونه على أنه (٣) جامع أهله حتى أوجب عليها الغسل. فصار بذلك مغسّلًا لها ويكون التحضيض على ذلك ليؤمن عليه أن يرى في طريقه ما يحرّك (٤) عليه شهوته. قال ابن حبيب معنى قوله غسّل أي ألمّ بأهله فألزمها (٥) الغسل وهو أفضل، ممن لزمه الغسل للجمعة فقط. وذهب آخرون إلى أن المراد به الوضوء للصلاة لأنه إذا غسل أعضاء الوضوء فكرّر غسلها ثلاث مرات ثم اغتسل بعد ذلك غسل الجمعة صار هذا التكرار يعبر عنه بهذا الفعل فيقال فيه غسّل. وأما قوله بكر فقيل المراد به إتيان الصلاة لأول وقتها وكل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه، ومنه الحديث: لا تزال أمتي على سنتي ما بكروا بصلاة المغرب (٦). وأما قوله وابتكر قيل المراد به إدراك الخطبة من أولها يقال ابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفاكهة ويقال ابتكر إذا نكح بكرًا. ويؤكد هذا التأويل ما عطف عليه من الأفعال المقاربة وقد وقع فيما قدمناه من الأحاديث. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: جمهور العلماء على أن الغسل لا يخاطب به من لا يحضر الجمعة وذهب أبو ثور إلى أنه يخاطب به من لم يحضر ومن حضر لقوله ﵊: الغسل يوم الجمعة واجب على كل

стр. 1019

محتلم (١). فعمّ من حضر ومن لم يحضر. ودليل الجماعة ما رواه أصحاب الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل (٢). فعلق الغسل بإتيان الجمعة. *وهذا يخصص حديثهم العام* (٣) وأيضًا فإنه إذا كان أصل الغسل والسبب في أن يشرع ما ذكرناه من التأذي بالروائح عند الاجتماع، كان من لم يحضر الجمعة خارجًا عن هذا المعنى وسقط عنه الخطاب بالغسل. وأما من حضر الجمعة وقد خوطب بالحضور خطابًا تعين عليه فلا شك في كونه مأمورًا بالغسل. وأما إن لم يكن ممن تعين عليه الخطاب فقد قال في المدونة إذًا شهد النساء والصبيان والعبيد فليغتسلوا. وقال في المسافر إذا شهدها فليصلها ولم يقل فليغتسل. وقد أدى هذا بعض الناس إلى أن رأى أن المسافر لا يخاطب بالغسل وأنه في ذلك بخلاف المرأة والعبد لأجل أمره في المدونة العبد والمرأة بالغسل وإضرابه عن أمر المسافر بذلك. ورأى الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد أن إضرابه عن ذكر الغسل في المسافر لا يشير إلى سقوط الغسل عنه. وجمعه في مختصره في الأمر بالغسل مع العبد والمرأة. ولمالك في المختصر أن المسافر إنما يغتسل إذا أتاها للفضل. فإن شهدها للصلاة أو لغير ذلك فلا غسل عليه. وفي الواضحة من شهدها من مسافر أو عبد أو امرأة رغبة فيها فليغتسل. وإن شهدها المسافر لغير الفضل لكن للصلاة أو لغير ذلك فلا غسل عليه. وأما المرأة والعيد فلا يأتونها في الحواضر إلا للفضل. وذهب ابن حبيب إلى أن المرأة لا تخاطب بالغسل لأنها لا- تخالط الرجال. والدليل لنا عليه قوله ﵊: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل ولم يفرق. وقد قال بعض المتأخرين قوله في الحديث: الغسل واجب على كل محتلم: يقتضي تعلق هذا الحكم بالاحتلام دون الانبات، وسن الخمس عشرة سنّة. وفي هذا نظر لأنه إذا بلغ السنن المقطوع بأنه لا يبلغه إلا من

стр. 1020

احتلم لزمته التكاليف *فلا معنى* (١) لقصر الغسل على الاحتلام خاصة إلا أن يكون أراد أن الإنبات وسن الخمس عشرة إنما يفيد ظنًا بالاحتلام، فتعلق عليه حكم دون حكم. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما غسل الجمعة فلا يوقع قبل الفجر خلافًا للأوزاعي في قوله إذا أوقعه قبل الفجر وراح عقبه أجزأه. وهذا غير صحيح لأن الشرع إنما ورد بغسل الجمعة. وما قبل الفجر ليس من يوم الجمعة فلا يصح إيقاع الغسل فيه كما لا يصح إيقاعه يوم الخميس. وأما إيقاعه بعد الفجر فاختلف (٢) المذهب فيه. فقال ابن القاسم في كتاب محمَّد: من اغتسل للجمعة في الفجر لم يُجزه. وقال مالك أيضًا لا يعجبني أن يغتسل للجمعة صلاة الصبح ويقيم بعد صلاة الصبح في المسجد للجمعة، وكره الرواح تلك الساعة. وقال ابن وهب من اغتسل بعد الفجر للجمعة أجزأه أن يروح بذلك وأفضل له أن يكون غسله واصلًا برواحه. فأشار ابن وهب ها هنا إلى أنه ليس من شرط الغسل أن يتصل بالرواح خلافًا للمشهور من المذهب، وإن كان ابن وهب قد صرّح بأن الفضل باتصاله بالرواح، وقد استدل عليه بقوله ﵊: إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل (٣). فعلّق الغسل بإرادة إتيان الجمعة. وهذا يمنع من إيقاعه غير متصل بالرواح إليها. وقد أشار بعض المتأخرين إلى سبب هذا الاختلاف ورآه مبنيًا على النظر في تعليل غسل الجمعة. فإن علل بأن القصد به النظافة وتطييب الرائحة لم يشترط اتصاله بالرواح إذا كان معنى النظافة حاصلًا فيه، وإن لم يصله بالرواح. ويكون ما ذهب إليه ابن وهب والشافعي في ترك اشتراط اتصال الرواح هو المطرد على هذا التعليل، لان قلنا أنه غير معلل كان البخاري على هذا اشتراط اتصاله بالرواح على حسب ما اقتضته ظواهر الأحاديث. وعلى هذا البناء بني افتقار غسل الجمعة إلى نية، وجوازه بالماء المطيب كماء القرنفل والورد. وإن عللناه

стр. 1021

بالنظافة وتطييب الرائحة أجزناه بالماء المطيب ولم نشترط النية فيه. وإن قلنا أنه شَرْع غير معلل اشترطنا النية ولم نجزه بالماء المطيب كما لا نجيز الماء المطيب في طهارة الحدث، وكما نشترط النية فيها. وقد قال بعض المتأخرين من أصحابنا لما لزم تنظيف الجسد الذي أمنت فيه الرائحة صار هذا الحكم تعدى محل موجبه فلحق بالسنن التي يلزم فيها النية. ولا يمتنع أن يكون الفعل ثبت لمعنى ثم يتجاوز ذلك الموضوع فيجب مع فقده ويلحق بالعبادات والسنن كما قلناه في الرَّمَل، فإنه كان لأظهار الجَلدِ ثم ثبت مع عدم المشركين الذين يظهر عليهم الجَلَد. وقد تقدم كلامنا في كتاب الطهارة على حكم نيّة الغسل للجمعة وذكرنا ما يتعلق بأحكام النية هناك من اشتراك أو غيره، وقد قال مالك: من اغتسل للعيد ينوي به الجمعة فلا يجزئه. وإذا قلنا بالمشهور من اشتراط اتصال الغسل بالرواح فإنه إن كان بين الغسل وبين موضع الجمعة مسافة يذهب فيها أثر الغسل ومعناه الذي وُضع له كان عليه إعادة الغسل. وقد قال مالك فيمن أتى الجمعة من ثمانية أميال *رب دابة سريعة السير وأخرى* (١) المشي خير من ركوبها. فيعادة الغسل في مثل هذا أحب إلى وما هو بالبيّن *ونرجو فيه سعة* (٦). وإذا راعينا الاتصال أيضًا فانه إن قطع اتصاله بأن نام أو تغدى أعاده. وإن انتقضت طهارته توضأ وأجزأه غسله. قال ابن القاسم يعيد الغسل للنوم من أراد النوم، وأما من يغلب عليه كنوم المحتبي فلا. وقال مالك أيضًا: إذا اغتسل ثم من بالسوق فاشترى بعض حاجته فلا بأس به إن كان خفيفًا. ولو نسي الغسل حتى أتى المسجد فقال مالك إن علم أنه يغتسل ويدرك الجمعة فليخرج لذلك، والأصلى ولا شيء عليه. قال ابن حبيب: ويستحب الطيب والزينة وحسن الهيئة يوم الجمعة. ويستحب له أن يعد لها ثوبين. ورُوي ذلك في اللباس والطيب عن النبي ﷺ ويستحب له أن يتفقد فيها قبل رواحه (٢) فطرة جسده من قص شاربه وأظفاره ونتف الإبط والسواك وإن احتاج إلى الاستحداد فعل. وقد قدمنا فيما حكيناه عن مالك في تقدمة الغسل أنه كره الرواح صلاة

стр. 1022

الصبح. وحكى عنه أشهب أنه قال والتهجير للجمعة وليس هو الغدو. ولكن بقدر (١). ولم تكن الصحابة يغدون هكذا وأكره أن يفعل. وأخاف على فاعله أن يدخله شيء ويصير يُعرف بذلك ولا بأس أن يروح قبل الزوال ويهجّر بالرواح. قيل فمن يحب بقلبه (٢) أن يرى في طريق المسجد قال هذا مما يقع في النفس ولا يملك. قال مالك في المختصر والمشي إلى الجمعة أفضل إلا أن يتعبه ذلك من ماء وطين أو بعد مكان. وقال مالك أيضًا معنى الحديث في الرواح. من راح في الساعة الأولى فكأنما قرّب بدنة ثم ذكر إلى الخامسة فكأنما قرّب بيضة (٣). قال الذي يقع في نفسي إنما أراد ساعة واحدة. ففيها هذا التقسيم لأنه لم يكن يراح في أول ساعات النهار. وذهب ابن حبيب إلى اختيار التبكير بالرواح، ورأى الرواح عند صلاة الصبح مختارًا خلاف ما حكيناه من كراهة مالك. وعنده وعثد الشافعي أن التقسيم المذكور في الحديث تقسيم الساعات المعلومات. وأفضل الأوقات من ذلك أول ساعات النهار. وقد استدل لمالك بأن الحديث لم يذكر فيه فضيلة من راح في الساعة السادسة ليست (٤) بوقت قعود الإِمام على المنبر، ولا بوقت استماع الذكر منه. والحديث يقتضي ارتفاع فضيلة الرواح وحضور الملائكة للذكر عند إنقضاء الساعة الخامسة واتصال السادسة لها، وذلك ليس بوقت لحضور الملائكة للذكر. لكون الساعة السادسة فاصلة بين الخامسة وبين حضور الملائكة للذكر. وإذا كان ذلك كذلك وجب حمل الحديث على تجزئة الساعة السادسة (٥). والساعة السادسة تصلح أن تجزّأ على خمسة أجزاء أو أقل، أو أكثر. ويؤكد هذا أنه قال من راح في الساعة الأولى والرواح لا يكون نصف النهار أو ما قرب منه.

стр. 1023

قال القاضي أبو محمَّد ﵀: ولا يُجمع إلا في موضع واحد ولا يصلي الظهر من فاتته في جماعة إلا أن يظهر عذره. قال الشيخ الفقيه الأمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل سوى ما قدمناه من الكلام على الجمع في غير موضع واحد ثلاثة أسئلة: منها أن يقال: ١ - لِمَ لم يجمع من فاتته الجمعة؟. ٢ - وما المقدار (١) المبيح للتخلف عنها؟. ٣ - وما حكم من (٢) تخلف عنها؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: لا يخلو تاركو الجمعة من أن يكونوا تركوها لعذر أو لغير عذر. فإن كانوا تخلفوا لعذر كالمرضى والمسجونين والمسافرين جاز لهم أن يجمعوا. وروي عن ابن القاسم أنه لا يجوز للمرضى والمسجونين الجمع في الجماعة. والمعروف عنه غير هذا. وفي الواضحة أن من تخلف لعذر مثل أن يخاف أن تؤخذ عليه البيعة فإنهم يجمعون. وذكر أن فيه اختلافًا لمنع ابن القاسم الجمع. وروى ابن وهب وأشهب عن مالك إجازته في (٣) المستخرجة. قال ابن القاسم كنت مع ابن وهب في بيت بالاسكندرية فلم نحضر الجمعة *لأمر خفناه، ومعنا قوم. فقال ابن وهب نجمع وقلت أنا: لا نجمع. فلح ابن وهب فجمع بالقوم. وخرجت أنا عنهم فلما قدمنا على مالك سألناه عن ذلك فقال لا تجمعوا. ولا يجمع الصلاة من فاتته الجمعة* (٤) إلا المرضى والمسافرون والمسجونون، وأما غيرهم فلا. وقال ابن القاسم فيمن خلفهم المطر يجمعون الظهر، إن كان أمرًا غالباً يعذرون به كالمرضى. وإن كان مطرًا ليس بمانع* (٥) فجمعوا فليعيدوا. وعنه في المجموعة لا يعيدون. قال بعض أصحابنا الخائف يمكنه ألا يدركه ما خاف منه

стр. 1024

والمطر الذي لم يمكن السعي معه لو تحمل ضرره لأمكنته صلاة الجمعة *فلهذا رأى ابن القاسم أنه لا يجمع فيهما بخلاف من لا تمكنه الجمعة كالمحبوس والمريض والمسافر. وهذا الذي اعتل به هذا قد يُسلم له لولا إضافته المسافر للمريض والمحبوس. واستحب الشافعية للمعذورين أن يجمعوا وكرهه أبو حنيفة. وأما إن كان تخلف المتخلفون عن الجمعة لغير عذر وفاتهم إدراكها مع الإِمام فاختلف المذهب فيه أيضًا* (١) فقال مالك في المدونة لا، يجمعوا وليصلوا الظهر أفذاذًا. وقال أشهب أرى أن يجمعوا لفضل الجماعة على الفذ. وقال ابن سحنون عن ابن نافع يجمعون إن شاؤوا. وقال في مختصر ابن شعبان من فاتتهم الجمعة فلا بأس أن يجمعوا ظهرًا في غير المسجد. قال ابن شعبان وأكثر جواباته المذكورة في مختصر عبد الله، ورواه بشر بن عمر الزهداني (٢) عنه. وكرهه الحسن وأبو قلابة والثوري وأبو حنيفة. فأما المجيزون للجمع أو المستحبون له على الجملة، فيتعلقون بالأحاديث الواردة في فضل الجماعة. وأما الناهون عنه على الجملة فيحتجون بأنه لم يخْلُ على عهد النبي ﷺ من المتأخر للعذر. ولم ينقل أنهم صلوا جماعة. وهذا قد لا يسلم وجوده. وقال بعضهم لا نسلم وجود هذا في زمنه ﵊ لأنهم كانوا يصلون في دورهم لقرب المسجد وحرصهم على صلاة النبي ﷺ . ومن فرّق بين المعذور وغير المعذور فإنه يحمي الذريعة بمنع من لا عذر له لئلا يؤدي إباحة ذلك لهم إلى التهاون بحضور الجمعة. وإذا الأئمة (٣) ومن ظهر عذره وأمن ذلك منه. ولو جمع المتخلفون لغير عذر قال أصبغ أساؤوا ولا يعيدون. وقال أيضًا في قرية يجمّع أهلها وحولها منازل على الميلين والثلاث أنهم لا يصلون الظهر جماعة إذا فأتت الجمعة فإن فعلوا أساؤوا ولم يعيدوا. وقيل لسحنون في من فاتتهم *الصلاة بعرفة أيصلون جماعة؟ قال* (٤) ما علمت ولو فعلوا لأجزأهم. وقال في كتاب

стр. 1025

ابنه وكذلك يجمعون بالمزدلفة إذا فاتهم الإِمام. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: العاجز عن حضور الجمعة كالمريض، ومن في معناه كمقعد لا يجد مركوبًا أو أعمى لا يهتدي الطريق ولا يجد قائدًا، لا شك في سقوط الجمعة عنهم. لأن التكليف إنما يتوجه على القادر وهؤلاء غير قادرين. قال مالك ليس على المريض والشيخ الفاني جمعة. قال ابن حبيب ولا على الأعمى إلا أن يكون له قائد. وقاله مالك في مختصر ابن شعبان في الأعمى إذا لم يكن له قائد. وأما العذر الذي يمكن معه الحضور ولكن عن مشقة وركوب ضرورة، فهذا مما تكثر فروعه ويتسع تنويعه. وفي بعض فروعه اضطراب راجع إلى الموازنة بين تأكد وجوب الجمعة وبين مقدار العذر والضرورة. فمن ذلك الاختلاف في المطر الشديد، هل يكون عذرًا يحيى التأخر عن الجمعة؟ (١) وقد قيل لمالك هل يتخلف عنها في اليوم المطر؟ قال ما سمعت قبل في الحديث إلا صلوا في الرحال. قال ذلك في السفر. وأما التخلف في حق العروس فقال لا يتخلف العروس عن الجمعة ولا عن الصلوات الخمس في جماعة. وفي مختصر ابن شعبان لا يتخلف الداخل على زوجته ليلة الجمعة عن الجمعة ولا عن جميع الصلوات ولم يتخلف عنها محمَّد أمير المؤمنين وقد دخل ليلة الجمعة. قال ابن شعبان وهو المهدي. قال سحنون قال بعض الناس لا يخرج عنها. وذلك حق لها بالسنّة. قال بعض أشياخي اختلف في تخلف العروس، ولا تصح إباحة التخلف له إلا أن يقال صلاة الجمعة من فروض الكفايات. واختلف في المجذومين. فقال ابن حبيب على الجذمى الجمعة، من يمشي منهم. وليس للسلطان منعهم من دخول المسجد في الجمعة خاصة. وليس لهم مخالطة الناس فيه في غيرها من الصلوات. وقاله مطرف. وفي كتاب ابن سحنون في أهل البلاد ويكونون من العصر على الميل أو أقل أو أكثر، قال لا جمعة عليهم ولا أرى أن يصلوا الجمعة مع الناس في مصرهم ولهم أن يجمعوا ظهرًا، إقامة بغير أذان في موضعهم. فكان ابن حبيب، لما رأى صلاة الجمعة فرضًا على الأعيان قدم حقهم في هذه الصلاة المتعينة عليهم

стр. 1026

على حق الناس في التأذي (١) بهم. ولما كان غير الجمعة من الصلوات لا يتعين عليهم حضوار المساجد للجماعات قدم حق الناس عليهم، فلم يجعل من حقهم المخالطة في غير الجمعة من الصلوات. وكأن القول الآخر قدم حق الناس في التأذي بهم (٢) على حقهم في صلاة الجمعة. ورأى أن سقوط الفرض إلى بدل وهو الظهر أولى من حمل الناس على التأذي الذي لا بدل منه. لا سيما والحقوق إذا اجتمعت قدم أكثر على الأقل، والجمهور على الشذوذ. وأيضًا فإن حق الخلق مبني على المشاحة وحق الله تعالى مبني على المسامحة. فهذا القول أولى عندي من هذا الذي ذكرته إلا أن يقال إن المتأذي (٣) بهم آحاد لقلتهم (٤) فيسقط على ما ذكرناه من الترجيح بالكثرة، ويبقى النظر من الوجوه الأخرى التي أشرنا إليها *هذا على أنهم لا يجدون موضعًا يتميزون فيه مما تجزئ فيه صلاة الجمعة. وأما لو وجدوه لوجبت عليهم الجمعة ومنعت الخلطة لأنا يمكننا حينئذ إقامة الحقين جميعًا. حق الله تعالى. وحق الناس. ولا شك أن الجامع إذا ضاق بأهله وأتوا للصلاة متميزين عن الناس في الأقبية بموضع لا يلحق الناس ضررهم أن الجمعة* (٥) واجبة عليهم إذا صلوا بمكان لا يلحق ضررهم الناس. وكان المكان مما تجزي فيه الجمعة. وفي مختصر ابن شعبان قال مالك من أكل ثومًا لا يدخل المسجد ولا رحابه يشهد فيها الجمعة. فأنت ترى كيف أشار إلى اجتناب الإضرار (٦) بالثاس خاصة أو اجتناب هتك حرمة المسجد بالروائح المنتنة، دون أن يشير لسقوط الجمعة. وهذا هو المعنى الذي قلناه على أنه إنما يبقى النظر فيما قاله في أكل الثوم إذا مُنع من دخول المسجد ورحابه، هل تكون صلاته بالفناء مع اتساع الجامع لدخوله تجزيه عند من رأى أن الصلاة بالأفنية اختيارًا مع سعة الجامع لا تجزي في الجمعة، لكون

стр. 1027

هذا ممنوعًا من الدخول إلى الجامع شرعًا؟ فأشبه من صلّى بالفناء وقد ضاق المسجد عنه. أو يكون عند هؤلاء في صلاته فساد لسعة الجامع إياه وإن كان قد طرده الشرع عنه. وهذا مما ينظر فيه. وأما الخائف من القتل إن حضر الجمعة فإن التأخر مباح له. وأما الخوف من طلب الغريم بدين فقال مالك لا أحب التخلف عنها لدين عليه يخاف فيه (١) من غريمه. قال سحنون إذا خاف من غرمائه الحبس فلا عذر له في التخلف، وإن كان عديمًا. وقد تعقب بعض أشياخي قوله وإن كان عديمًا. وكأنه رأى أن الملي قادر على التخلص من الحبس بقضاء الدين ولا يدفع بالتخلف ضررًا. فإذا كان عديمًا فالحبس لا يلزمه. ولو خاف غرماءه. فأطلق حال الخوف وحال العُدم. وقال أيضًا في مختصر ابن شعبان من خاف أن يؤخذ (٢) بالبيعة فهو في سعة من التخلف عن الجمعة. وأما المتخلف لتمريض مريض أو تجهيز ميت. فأجاز مالك التخلف لجنازة أخ من إخوانه لينظر في أمره. قال مالك وكذلك إن كان له مريض يخشى عليه الموت. قال ابن حبيب قال بعض التابعين ولو بلغه وهو في الجامع أن أباه أصابه وجع يخشى عليه الموت منه (٣). فله أن يخرج إليه والإمام يخطب. وقد استصرخ ابن عمر على سعد ابن زيد وقد تأهب للجمعة فتركها وخرج إليه إلى العقيق. وقال مالك في الرجل يكون مع أخيه فيمرض ويشتد مرضه لا يدع الجمعة إلا أن يكون في الموت. وروي عنه أيضًا أنه قال في رجل بلغه موت بعض أهله أيخرج لجنازته وهو قريب من المدينة ويدع الجمعة؟ قال لا. وأرى أن يؤثر الجمعة. وقال سحنون يحضر الجمعة إذا لم يخف تغير الميت. وفي مختصر ابن شعبان عن ابن شعبان قال بلغنا أن من مضى من أسلافنا كانوا يرخصون إلى أولياء الميت إذا مات يوم الجمعة في الصيف فاشفقوا من تغيره أن يحضروا (٤) ثم يدفنوه وإن تركوا الجمعة. وعن

стр. 1028

عطاء بن أبي رباح ولو بلغه أن أباه مريض والإمام يخطب لرخصت له أن يذهب إليه. وأجاز السلفَ من أهل المدينة ويحيى بن سعيد والليث التخلف للمريض. وعن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي من العذر الجنازة تكون بحضرة القوم يتقون عليها إن أخروها أن تتغير. وقاله الليث. وقال لا أرى بأسًا أن يقيم (١) حتى يموت ويترك الجمعة. وعن يحيى بن سعيد حضور الجمعة واجب على كل مسلم إلا أن تكون جنازة لا بد له من حضورها. وإن تركت ضاعت. فذلك على أهلها ولا بد له منها. وقال الشافعي مثله وعن الوليد ابن أبي الوليد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي. أبلغك أن النبي ﷺ قال: من ترك الجمعة ثلاث مرات إلا أن يكون مريضًا أو في جهاز ميت طبع الله على قلبه (٢). فقال هذا حديث معروف عن النبي ﷺ . وهذا الحديث الذي ذكره ابن شعبان قد أشار فيه إلى أن الاشتغال بجهاز الميت عذر في ترك الجمعة. وجملة الأمر فإن الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة قد تتعلق بالنفس كالخوف من القتل وما في معناه أو بالأهل. وقد ذكرنا حكم فرضهم والاشتغال بدفنهم. أو بالدين. وقد ذكرنا حكم من خاف أن يدعى إلى بيعة لا تجوز، أو بالمال، فلو خاف أن يأخذ السلطان ماله أو يسرق اللص بيته لَعُذِر في التخلف. ويستعمل في جميع ذلك عند فقد الآثار والظواهر، المُوازنة بين تأكد وجوب الجمعة ومقدار ما ينال من الضرر لحضورها على حسب ما كنا قدمناه. فمن أحاط بهذا علماً رد إليه أكثر الخلاف في فروع هذا الباب. ومما ينخرط في هذا السلك كون صلاة العيد عذرًا في التخلف عن الجمعة. وقد اختلف المذهب فيه على الجملة. قال ابن حبيب: قد جاء أن النبي ﷺ أرْخص في التخلف عن الجمعة لمن شهد صلاة الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة لما في رجوعهم من المشقة على ما بهم من شغل العيد وقد فعله عثمان بإذنه لأهل العوالي ألا

стр. 1029

يرجعوا إليها (١). وروى مطرف وابن الماجشون نحوه عن مالك. وانفرد ابن القاسم بروايته عنه أنه لم يأخذ بإذن عثمان لأهل العوالي. وهذا الذي حكاه ابن حبيب من الاختلاف إنما هو. فيمن كان خارجًا عيق المدينة. ولكن ابن شعبان نقله في مختصره غير مقيد بمكان. فقال ولا تترك صلاة الجمعة يوم العيد. وروى ابن الماجشون ومطرف عن عبد الملك أن الجمعة تسقط عنهم. وروى هذا ابن وهب أيضًا عن مالك. قال ابن شعبان وفيه حديث مرفوع وقال به جماعة من أهل العلم. وروي عن عبد الله بن الزبير أنه صلّى العيد يوم الجمعة ثم صلى الجمعة فبلغ ذلك ابن عباس فقال أصاب. قال أبو حنيفة لا تسقط إحداهما الأخرى: الأولى سنة والثانية فرض. وحدثني أبو شيبة وذكر السند ثم قال اجتمع عيدان في يوم فصلَّى رسول الله ﷺ ثم (٢) قال: إنكم قد أصبتم- خيرًا وذكرًا وإنا مجمعون. فمن أراد منكم أن يجمع فليجمع. ومن أراد أن يجلس فليجلس (٣). ومما يلحق بهذا الفصل أن الحاج لا جمعة عليه. وقد وقف النبي ﷺ بعرفة يوم الجمعة فلم يجمّع. والحاج أيضًا في الغالب مسافر. ومن كان منويًا أو عرفيًا فلا جمعة عليه ولو لم يكن حاجًا. لأنه ليس بقرار يجب في مثله الجمعة والأسواق فيها في ليلة الحج خاصة. وقد اختلف فيمن قدم مكة وأقام بها أربعة أيام قبل يوم التروية ثم حبسه كَرِيُّهُ يوم التروية بمكة. قال مالك عليه الجمعة؛ لأنه مقيم. وقال محمَّد بن عبد الحكم إن أدرك الظهر بمنى وإلا صلاها في الطريق. وذلك أفضل من أن يصلي الجمعة بمكة. فكأن ابن عبد الحكم رأى أن المشروع يومئذ صلاة الظهر بمنى. فصار ذلك كالعذر المسقط لفرض الجمعة. ولأجل عدّ ابن عبد الحكم لهذا عذرًا ألحقناه بهذا الفصل. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما من أبيح له التخلف حتى يعلم

стр. 1030

أنه لا يمكنه إقامة الجمعة ففي أي وقت يصلي؟ قال مالك إذا تخلف المريض عن الجمعة فواسع أن يصلي الظهر في وقت الجمعة وأن يؤخر إلى وقت الظهر، وكذلك المرأة. فإذا صلى المعذور في أول الوقت فقال الشافعي يسقط عنه الفرض فإن سعى إلى الجمعة وصلاها كانت له نافلة. وقال في القديم يحتسب الله سبحانه له بايتهما شاء. وقال أبو حنيفة إن سعى إلى الجمعة بطلت صلاته. وقال صاحباه تبطل بالإحرام بالجمعة. قال بعض المتأخرين من أصحابنا إن علم المسافر أنه يدرك الجمعة بوطنه، إذا ورد عليه فليؤخر الصلاة حتى يصلي الجمعة. فإن عجل فصلى الظهر لم تجزه، لأن فرضه الجمعة. ولمالك ﵁ وابن القاسم وابن الماجشون وأصبغ في المسافر إذا صلّى الظهر يوم الجمعة ثم دخل وطنه فإنه إن كان مضى إلى الجمعة أدرك ركعة فعليه أن يصليها. وقال مالك في المريض مثل ذلك. وقال سحنون إن صلى الظهر على ثلاثة أميال من وطنه فعليه أن يصلي الجمعة مع الناس. وإن كان على ستة أميال من وطنه فليس عليه ذلك. فإذا أوجبنا على المسافر الحضور على صفة ما قررناه فحضر وصلى الجمعة فإن صلاته الأولى انتقضت. فلو انتقضت طهارته في صلاة الجمعة لأعاد الظهر. ولو أحدث الإِمام فقدمه فصفى بهم أجزأهم. وقال أشهب إن صلى المسافر الظهر في جماعة فينبغي ألا يأتي الجمعة كما لا ينبغي في غير الجمعة إذا دخل الحضر أن يعيد ما صلى جماعة في جماعة أخرى. فإن فعل وصلّى الجمعة فالأولى فرضه. وإن كان إنما صلى فذًا كان له أن يعيدها جمعة أو ظهرًا في جماعة ثم الله تعالى أعلم بصلاته. وإذا أحرم هذا المسافر بالجمعة بعد رفع الإِمام رأسه من الثانية صلى على إحرامه ركعتين نافلة ولم يُعد. وهذا الذي حكيناه عن أشهب من أنه إذا صلى ظهرًا فذًا ثم صلى الجمعة فإن الأمر إلى الله سبحانه في صلاتيه هو الذي حكيناه من قول الشافعي في القديم. فكأن أشهب أجراه مجرى من صلّى إحدى الصلوات الخمس فذًا ثم أعاد في جماعة أخرى فإن الأمر في صلاته إلى الله سبحانه على حب ما كنا قدمنا ذكر المذاهب فيه في موضعه. فإن كان قد صلى الظهر جماعة كانت الأولى فرضه، إذ لا معنى للإعادة، لأن فضل الجماعة قد حصل في الصلاة

стр. 1031

الأولى. وكلامه هذا يشير عندي إلى سقوط إيجاب صلاة الجمعة عنه على الإطلاق إذا كان فرضه الظهر خلاف ما حكيناه عن الجماعة من إيجاب الجمعة عليه بإدراك ركعة أو على التفصيل الذي ذكره سحنون. وأما صاحبا أبي حنيفة فإنهما رأيا أن صلاة الظهر إنما تنتقض بفعل الجمعة. والسعي خارج عن فعل الجمعة، وإنما هو كالشرط مثل الطهارة وما في معناها ولا يكون مجرده (١) مبطلًا لما تقدم من الصلاة. وأما أبو حنيفة، فلأنه لما رأى السعي واجبًا في هذه الصلاة الأولى دون غيرها من الصلوات صار ذلك من خصائصها. وإذا صار من خصائصها صار كفعل من أفعالها فتبطل به الصلاة الأولى كما تبطل بفعل الجمعة. وإذا وضح هذا الذي قلناه في صلاة المعذور قبل صلاة الإِمام. فلو صلّى غير المعذور الظهر قبل صلاة الإِمام فقد اختلف الناس في ذلك. فأكثر أصحابنا على أن من صلى الظهر قبل الإِمام يوم الجمعة فإنه يعيد صلاته وإن فاتته الجمعة. سواء فعل ذلك غفلة أو مجمعًا على ترك الجمعة إذا أوقع صلاته في وقت لو مضى لأدرك ركعة من الجمعة. وقال ابن نافع إذا صلى قبل الإِمام وهو لا يريد الرواح فلا يعيد. وكيف يعيدها أربعًا وكذلك صلّى؟ وقال ابن وهب فيمن صلى في بيته الظهر والإمام يخطب فليمض وليصل معه. فإن جاء وقد فرغ الإِمام أجزأته التي صلّى في بيته. واختلف قول الشافعي. فقال في الجديد: ما حكيناه عن أكثر أصحابنا أن صلاته لا تصح. وبه قال أحمد وإسحاق وزفر. وقال في القديم تصح صلاته ويجب عليه حضور الجمعة فإذا صلّى (٢) احتسب الله له بايتهما شاء. فإن فاتته الجمعة أجزأته الظهر التي صلاها. قال أبو حنيفة تصح صلاته. فإن سعى إلى الجمعة بطلت، وإن لم يسْع إلى الجمعة أجزأته. وقال صاحباه تصح وتبطل بالإحرام للجمعة. وسبب هذا الاختلاف هل الفرض حينئذ الظهر ويلزم إسقاطها بالجمعة أو الفرض الجمعة. فإن فأتت انتقل الفرض إلى الظهر، فإن قلنا: الفرض الظهر. ويلزم إسقاطه بالجمعة صحت الصلاة ها هنا. وإن قلنا الفرض الجمعة لم تصح الصلاة

стр. 1032

ها هنا (١). قمن يقول الفرض الظهر. على صفة ما ذكرنا يحتج بالقياس (٢) على سائر الأيام، وبدليل أن الجمعة إذا فأتت انتقل إلى الظهر. فلو لم يكن الوقت للظهر لما انتقل إليه. ومن يقول الفرض الجمعة يحتج بالإجماع على أن المكلف غير غير نجين فعل الظهر والجمعة إذا تكاملت فيه شروط الجمعة. بل هو منهي عن فعل الظهر. ومن المحال أن يكون ما نُهي عنه واجبًا، فكيف يقال ما قاله أصحاب أبي حنيفة أن الزوال سبب لوجوبين الظهر والجمعة، إلا أنه مأمور بأن يختار فعل الجمعة وأن يرفع بها وجوب الظهر، فإن لم يفعل حتى فأتت الجمعة عاد إلى أصل وجوب الظهر. فإن صلى الظهر حينئذ لم يكن النهي عنها عائدًا لنفس الصلاة بل لاشتغاله بها عن الجمعة. وإذا لم يكن النهي عائدًا إليها بل لكونها مشغلة عن صلاة الجمعة لم يمنع الاعتداد بها. وهذا الذي قاله مبني على ما لا حقيقة له، لأنه إذا اجتمعت الأمة على أنه غير مخيّر بين الظهر والجمعة وكان فعل الظهر حينئذ منهيًا عنه استحال أن يقال إن الوقت جاء بوجوب فعل. لكن هذا الفعل منهى عنه ولا يجوز فعله. وهذا تناقض في الحقيقة. وفي هذا الذي أوردنا في أحكام الجمعة كفاية.

стр. 1033

باب في صلاة الخوف قال القاضي أبو محمَّد ﵀ قولنا: صلاة الخوف عبارة عن صفة أداء الصلاة في حال الخوف. وهي الصلاة تحضر والمسلمون متصدون (١) لحرب العدو فيَقْسم الإِمام العسكر فريقين. فريق يصلي معه والآخر بإزاء العدو فيصليها بأذان وإقامة ويصلي بالطائفة التي معه نصف الصلاة (٢) فإن كانوا في حضر وكانت ظهرًا أو عصرًا أو عشاء صلى بهم ركعتيين، فإذا فرغ من تشهده قام إلى الثالثة. وفي رواية يشير إليهم فيتمون لأنفسهم ما بقي عليهم من الصلاة. وإن كان في سفر فإذا رفع رأسه من سجود الركعة الأولى وقام إلى الثانية أخذوا في إتمام صلاتهم فإذا فرغوا مضوا فكانوا مكان (٣) الفِرقة الأخرى ثم جاءت تلك فيصلي بهم باقي (٤) تلك الصلاة من ركعة أو ركعتين ثم يسلم بهم، (٥) ثم يتمون بقية صلاتهم وفي المغرب يصلي بالأولى ركعتين ثم يشير إليهم بعد فراغه من تشهده في إحدى الروايتين. وفي الأخرى يقوم إلى الثالثة ويصليها على (٦) ما كان يصليها قبل ذلك من جهر أو إسرار، وهذا مع التمكن (٧). فأما إن اشتد خوفهم ولم يمكّنهم العدو أو كانوا في حال المسايفة صلوا بحسب الإمكان.

стр. 1034

قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثمانية أسئلة: منها أن يقال: ١ - ما معنى قول القاضي أبي محمَّد إنها عبارة عن صفة أداء الصلاة؟. ٢ - وما الدليل على أن حكمها باق إلى الآن؟. ٣ - وهل تصلّى في الحضر؟. ٤ - وهل يتفق الإِمام والمأموم في الفرض؟. ٥ - وما الدليل على اختيار الصفة التي ذكر؟. ٦ - وما الحكم إن خولفت تلك الصفة؟. ٧ - وما الحكم إن ارتفع الخوف في أثنائها؟. ٨ - وما حكم صلاة الخوف بالمسايفة؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما تنبيه القاضي أبي محمَّد على معنى هذه العبارة *فإنما ذلك لأن الغالب على إطلاقات عرف الشرع أن الصلاة إنما تضاف لسبب يوجبها لا لسبب يغير أداءها. ألا ترى* (١) أن المراد بقول المسلمين: صلاة الصبح أي الصلاة الواجبة بالصبح. وكذلك في الظهر إلى بقية الصلوات الخمس: فلما كانت هذه الإضافة تقع غالبًا نسبة إلى أسباب الوجوب وقد تقع نسبة إلى غير سبب الوجوب كما يقال صلاة المزدلفة وصلاة عرفة وصلاة المسافر. وهذه أوصاف إضافات تشعر بتغير وقع في أداء الصلاة لا في إثبات وجوب لم يكن، نبه القاضي أبو محمَّد على هذه الصلاة من أي النوعين هي لئلا يظن ظان أن هذه الإضافة إلى الخوف المراد بها صلاة وجبت لأجل الخوف وليس الأمر كذلك. لأن الخوف لم يوجب صلاة لم تكن وإنما هو سبب في تغيرها. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: صلاة الخوف باق حكمها إلى الآن عند فقهاء الأمصار خلافًا للمزنى وأبي يوسف في مصيرهما إلى انقطاع حكمها. وإن اختلفت طريقتهما. فرأى المزني أنها منسوخة. ورأى أبو يوسف أنها كانت من خصائص النبي ﷺ .

стр. 1035

فأما المزني فاحتج بأنه ﵊ أخّر يوم الخندق أربع صلوات ولم يصل صلاة الخوف. وأجيب عن هذا بأنها لم تكن نزلت يوم الخندق أو بأنه لم يتمكن من إقامتها على حسب ما سنذكره في صلاة المسايف. وأما أبو يوسف فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ (١). فشرط في إقامتها كونه ﵊ موجودًا يقيم الصلاة. وهو الآن ﷺ ليس بموجود يقيم الصلاة. فلم يصح أن تصلّى لفقدان الشرط. فأجيب عن هذا بأنه لم يقصد بالآية تخصيصه لهذا الحكم ﷺ وإنما القصد بها تعليمه وتعليم أمته صفة هذه الصلاة. وقد قال تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾. وخاطب أمته بفعل صلاة، فلا يكون هذا تصريحًا بقصر (٢) ذلك ﵊. وقد أنكرت الصحابة رضوان الله عليهم حجة من احتج من مانعي الزكاة لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣). وإن هذا خطاب بالأخذ يخص النبي ﷺ فليس لغيره أن يأخذها. ورأت الصحابة أن هذا لا يكون تخصيصًا. وأن من بعده يؤمر بمثل ما أمر به. ويرد قوليهما جميعًا، أن عليًا، ﵁ صلى ليلة الهدير (٤) صلاة الخوف. وصلّى أبو موسى بأصحابه. وكان سعيد بن العاصي على جيش حرب طبرستان، فقال: أيكم صلّى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة أنا. فقدمه فصلّى بهم صلاة الخوف، ولم يظهر (٥) أحدٌ من الصحابة خلافًا في ذلك. فصار هذا كالإجماع على رأي بعض أهل الأصول. وأيضًا فإن من المصلحة الاجتماع على إمام واحد، وإظهار فضيلته بالاجتماع عليه. فإذا صلى طائفتان بإمامين، فصلى كل طائفة الصلاة التامة على مذهب أبي يوسف بطلت هذه الحكمة والمصلحة، التي في الاتفاق على إمام واحد. فإذا وضح ما قلناه في أن حكم صلاة الخوف باق إلى الآن،

стр. 1036

فأداؤها على الصفة المذكررة عند ابن المواز توسعة ورخصة. على أن الأحب إليه أن تصلّى كما فعل النبي ﷺ . قال: ولو صلوا بإمام واحد وبعضهم بإمام، وبعضهم أفذاذًا كانت صلاتهم جائزة. قال بعض أشياخي: ومقتضى هذا جواز صلاة طائفتين بإمامين لأنه لو كان علة اجتماع الكل على إمام واحد أن لا يخالف على الأئمة ما جاز أن يصلي بعضهم أفذاذًا. لأن ذلك غير جائز لمن جمعه مع الإِمام المسجد. وهذا الذي قاله شيخنا مخالف لما ذكرناه من تعليل بعض الناس (١) بثبوت صلاة الخوف إلى الآن لأن الاجتماع على إمام واحد هو المصلحة إلا أن يريد المعلل بذلك تعليل جواز إقامتها على الصفة المذكورة، أو تعليل استحباب ذلك فيكون غير مخالف لما قاله شيخنا لأنه إنما تكلم على ما يجوز لا على ما يستحب. على أن (٢) في إلزامه لابن المواز ما ألزمه نظر. لأن افتراق الأئمة وإظهار جماعتين، وإمامة (٣) إمامين ربما كان أثقل من تأخر بعض الناس عن الصلاة عن الإِمام وعدوله عن ذلك إلى أن يصلي وحده. وقد تقع صلاة الخوف على صفة يكون المصلي فذًا، بمكان لا يكون حاله فيه كحال من ضمّه المسجد مع الإِمام فقد (٤) لا يلزم ابن المواز ما ألزمه شيخنا. وتقييد ابن المواز قوله بما ذكره، وإضرابه عن الصلاة بإمامين قد يشير إلى ما قلناه من أنه قد لا يرى الصلاة بإمامين كصلاة البعض بإمام، والبعض أفذاذًا. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما صلاة الخوف في الحضر فإن مالكًا ﵁ أجازها كما يجيزها في السفر. ومنع صلاتها في الحضر عبد الملك بن الماجشون وقال إنما تأولها (٥) أهل العلم في السفر لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦). ورآها مقصورة على السفر لهذه الآية، وأنه ﷺ صلاها على هذه الصفة في السفر فصارت رخصة لا يقاس عليها. وقد

стр. 1037

كنا قدمنا اختلاف المفسرين وأهل العلم في هذه الآية وذكرنا ما قيل في هذين الشرطين وهي قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. وقوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾. ووسعنا الكلام هنالك على هذه الآية بما يغني عن إعادتها ها هنا. والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما المأموم فإنه والإمام في صلاة الخوف سيّان في عدد ركعات الصلاة. وقال الحسن وطاوس (١) ومجاهد يصلي الإِمام ركعتين وتصلي كل طائفة ركعة. وروي ذلك عن ابن عباس ودليلنا الأخبار الواردة في صلاة الخوف وسنورد نصوصها بعد هذا وقد تضمنت صلاة كل طائفة ركعتين. وأيضًا فإن الإِمام والمأموم لا يختلفان في شروط الصلاة فكذلك في عدد الركعات. وأما المخالف فإنه يحتج بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ (٢). وظاهر هذا اقتصار المأموم على ركعة واحدة في صلاة الخوف لأنه أمر تعالى الطائفة الأولى أن تذهب للمدافعة عند سجودها ولم يوجب عليها أكثر من ذلك. فاقتضى الظاهر اقتصارها على ركعة واحدة في صلاة الخوف. وهذا غير مسلّم لأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾. فتأوله من يقول إن الطائفة الأولى تكمل صلاتها قبل الإنصراف على أن المراد به إذا صلوا الركعة الأخرى التي بقيت عليهم. وعبّر عنها بالسجود. لأنه قد يعبر عن الركعة بالسجود. ويعضد هذا التأويل قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾. فظاهره سجود ينفردون به. وهذا هو السجود الذي يكمّلون به أفذاذًا ما صلوه مع الإِمام. ويتأوله من يقول أنهم ينصرفون قبل الإكمال ثم بعد ذلك يكملون، على أن المراد به فليكونوا من ورائكم وهم في حكم الصلاة. ويحتج هؤلاء المتأولون لهذين التأويلين بما ورد في الآثار من صفة صلاة الخوف. وأما ما وقع في بعض الآثار فقد كنا قدمنا في صلاة المسافرين من أن صلاة الحضر أربع والسفر ركعتان والخوف ركعة. فالمراد (٣) ركعة تفعل مع الإِمام على أنها جملة ما يصلّى. فإن قال المخالف بأن صلاة السفر لقا رُدّت

стр. 1038

إلى النصف من صلاة الحضر لمشقة السفر، فكذلك صلاة الخوف تردّ إلى نصف صلاة المسافر لمشقة الخوف. فيكون المسافر يتشطر صلاته للخوف كما شطرت صلاة الحضر لمشقة السفر. قيل له قد أثبت الشرع لمشقة الخوف تخفيفأوهو تغيير الهيئة فلم تَعْرُ مشقة الخوف من إثبات تخفيف كما أثبت مشقة السفر تخفيفًا بسببها. وإذا كان هذا هكذا وجعل الشرع التخفيف لمشقة السفر في العدد، والتخفيف لمشقة الخوف في الهيئة، فليس لنا أن نقترح عليه في تعيين التخفيف، وهذا يرد ما قالوه. والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف الناس في المختار في صلاة الخوف. فذهب مالك ﵁ إلى أن الإِمام يصلي بطائفة شطر الصلاة ركعتين إن كانت حضرًا أو ركعة إن كانت سفرًا ويتم المأمومون لأنفسهم بقية صلاتهم ويكون الإِمام منتظرًا للطائفة الثانية. فإذا أتم من خلفه وانصرف للقتال أتت الطائفة الأخرى وصلّى بهم شطر الصلاة وهو الذي بقى عليه: ركعتين إن كانت حضرًا أو ركعة إن كانت سفرًا. واختلف قوله هل ينتظر الطائفة الثانية إذا فرغ من صلاته حتى تقضي ما فاتها فيسلم بهم أو يسلم هو منفردًا ثم يقضون بعد سلامه؟ وذهب أشهب إلى أن الطائفة الأولى إذا صلّى بهم الإِمام شطر صلاته فإنها لا تكمل بقية صلاتها. بل تنصرف للقتال ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها ما بقي عليه من الصلاة ثم تكمل صلاتها وتنصرف ثم تأتي الطائفة الأولى فتقضي. هكذا قال في مدونته، وإن كان قد نقل عنه خلاف هذا وأنه روى حديث ابن عمر، وفيه أن طائفة صلّت ركعة ثم تأخرت إلى جهة العدو من غير أن تسلم ثم أتت الأخرى فصلّي بهم الركعة الثانية وسلم. ثم قامت كل طائفة فأتمت. وإن أشهب أخذ بهذا الحديث. قال ابن حبيب: فإذا اشتغلت الطائفتان بالقضاء صار الإِمام وحده فيه لهما (١) فحمل ابن حبيب على أشهب أنه ذهب إلى أن الطائفتين يقضيان معًا. والذي نقلناه عنه أولى، وهو الذي في مدونته. وقد نقل بعض أصحابنا البغداديين عن أشهب أنه يقول بقول أبي حنيفة. ومذهب أبي حنيفة أن الطائفة الأولى إذا صلّت ركعة مع الإِمام

стр. 1039

انصرفوا إلى جهة العدو وهم في الصلاة. وأتت الطائفة الأخرى فصلّي بهم ركعة وسلم ثم تنصرف *هذه الطائفة إلى العدو* (١) وتعود الطائفة الأولى *إلى موضع الإِمام فتصلي ركعة وتسلم* (١) ثم تنصرف إلى العدو. ثم تأتي الطائفة الثانية إلى موضع الإِمام وتصلي ركعة وتسلم *ورأيت في بعض كتب* (١) أصحابه أن الطائفة الأولى لا تقرأ فيما تكمل به صلاتها. والطائفة الثانية تقرأ فيه. فجعل أبو حنيفة قضاء الطائفتين مرتبًا على حسب السبق تكمل (٢) الطائفة الأولى صلاتها أولًا (٣). ثم تكمل الثانية بعدها (٤) وهذا لم ينقل عن أشهب وإنما نقل عنه ما حكيناه عن مدونته من أن الطائفة الثانية تكمل صلاتها وتنصرف ثم تأتي الطائفة الأولى فتقضي ما بقي عليها. وما حكيناه مما أضافه ابن حبيب إليه. وكلاهما خلاف ما حكيناه عن أبي حنيفة من (٥) رتبة الإكمال. وإنما الموافقة بينه وبين أبي حنيفة في أن الطائفة الأولى لا تكمل قبل فراغ الإِمام. وأما الشافعي فإنه اختلف قوله: فأخذ مرة في الطائفة الأولى بمذهب مالك في أنها تكمل صلاتها قبل فراغ الإِمام. وأخذ مرة أخرى بأنها لا تكمل إلا بعد الفراغ كطريقة أبي حنيفة وأشهب في ذلك على الجملة. وأخذ مرة أخرى بأنه يصلي في السفر بكل طائفة ركعتين. وسبب هذا الاختلاف اختلاف الأحاديث. فقد رويت في ذلك أحاديث كثيرة مشتملة على صفات مختلفة. وقد ذكر ابن القصار أنه ذكر أن النبي ﷺ صلاها (٦) في عشرة مواضع. قال والذي استقر عند الفقهاء: بطن النخيل، وعُسفان وذات الرقاع. وقد أشار غير ابن القصّار أيضًا إلى كثرة الأحاديث

стр. 1040

الواردة فيها. وقد ثبت عنه ﷺ أن الطائفة الأولى أتمت ثم انصرفت للقتال ثم أتت الطائفة الأخرى فصلّي بها. واختلفت الرواة هل سلم بهم أو سلّم وحده؟ وعلى هذا الأثر عوّل مالك ﵁. واختلف قوله في سلام الإِمام بالطائفة الثانية لاختلاف الرواة في ذلك. وقال ابن عمر صلّى بنا النبي ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة. والطائفة الأخرى مواجهة العدو ثم انصرفوا وقاموا مقام أصحابهم. وجاء أولئك فصلّى بهم ركعة ثم سلّم النبي ﷺ ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة (١). وبهذا الأثر أخذ أبو حنيفة وأشهب. قال أصحاب أبي حنيفة: ما وصفناه من صلاة الخوف رواه ابن مسعود وابن عمر. وأما القول الثالث الذي حكيناه عن الشافعي فقد روي أنه ﷺ صلّى بكل طائفة ركعتين. قال بعض أصحابنا إن ثبت الحديث حمل ذلك على أنه فعل ذلك في الحضر لأنه لم ينقل أنه سلّم من كل ركعتين. وقال بعض أصحاب الشافعي أنه ﷺ صلّى بذات الرقاع بكل طائفة ركعتين. والمراد به ركعة مع الإِمام وركعة في حكم صلاة الإِمام. فهؤلاء حملوه على السفر وتأولوه عليه. وما حكيناه من أصحابنا تأول الرواية مطلقة على صلاة الحضر. وقد رجح أصحابنا ما تعلقوا به من قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ (٢). وظاهر هذا أنهم إنما يكونون من وراء الإِمام ومن معه إذا سجدوا سجودًا ينفردون به. ولا يتصور ذلك إلا بما قلناه من أنهم يكملون الصلاة قبل الانصراف. ولو كان المراد انصرافهم قبل الإكمال. كما قال أبو حنيفة، لقال فإذا سجدت بهم وإذا سجدوا معك فليكونوا من ورائكم. والعدول عن هذا إلى ما يقتضي ظاهره سجودًا ينفردون به يرجح ما تعلق به مالك من الآثار. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. يقتضي ظاهره ردّ قول من قال إن الطائفة الثانية تحرم مع الإِمام وهي في القتال لأنه وصف هذه الطائفة بأنها لم تُصل قبل أن تأتي. وقد جعله بعض الناس أيضًا ظاهرًا في أن

стр. 1041

الطائفة الثانية تصلي *جميع صلاتها* (١) قبل الانصراف لقوله: فليصلوا معك. وهذا يقتضي أنهم يصلون جميع صلاتهم معه. وكونه ظاهرًا فيما أشرنا إليه في ردّ مقالة من قال: تحرم الطائفة الثانية وهي في القتال مع الإِمام، أظهر وأوضح. وقد رُجحّت طريقة أبي حنيفة وأشهب بأنه إذا كان لا بد من الخروج عن أصل معهود في الصلاة، إما المشي والسعي في الصلاة، وإما إكمال الصلاة وأداؤها قبل أداء الإِمام لها، كان تسهيل المشي وإلغاء حكمه أولى من إلغاء مخالفة الإِمام وأداء الصلاة قبل أدائه. لأن المشي في الصلاة له نظير في الشرع كمشي الراعف عند من رآه ومشي من عليه الحدث. وأداء الصلاة قبل الإِمام لا نظير له في الشرع. فكان ما له نظير أولى مما لا نظير له. وأجاب أصحابنا عن وهذا بأنه إذا كان لا بد من مفارقة الإِمام وترك اتباعه *فيما يفعل إما بالانصراف* (٢) كما قال أبو حنيفة وأشهب *وإما بالإكمال كما* (٢) قال مالك كان الإكمال أولى لأنه ليس فيه مفارقة إمام يلزم اتباعه فيما يفعل *وإذا لم يلزم اتباعه فيما يفعل* (٣) فلا معنى لمنع المخالفة عليه *بالأداء قبله* (٢) لأنه قد سقط حكم إمامته عن الطائفة الأولى حتى لو أحدث لم تفسد عليهم الصلاة *وإذا كنا نقول بأنهم* (٤) خرجوا عن إمامته حتى لو أفسد صلاته ما أفسدها عليهم كان الإكمال أولى بأقرب موضع. وصلاة الخوف إنما وضعت للتحرز من العدو والاحتياط منه، ومقابلتهم العدو وهم في غير الصلاة أوثق وأحصن من تقسيم خاطرهم بين أمرين حفظًا للصلاة والتحفظ من العدو. وقد قال سحنون إذا صلّى ركعة من صلاة الخوف في السفر ثم أحدث قبل قيامه إلى الثانية فليُقدم من يقوم بهم ثم يثبت المستخلف. ويتم من خلفه ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ويسلم. ولو أحدث بعد قيامه إلى الثانية فلا يستخلف لأن من خلفه خرجوا من إمامته حتى لو تعمد حينئذ الحدث أو الكلام لم تفسد عليهم.

стр. 1042

فأنت ترى سحنونًا لم يأمره بالاستخلاف ولا جعل إفساده إفسادًا عليهم، وإذا كان الأمر كما قال وخرجوا من إمامته فلا معنى لمنعهم الأداء قبل أدائه. وتد ذكرنا أنه اختلف قول مالك في انتظار الإِمام الطائفة الثانية ليسلم بهم. وما ذكرناه من هذا الترجيح يشعر بأن الأولى سلام الإِمام قبل إكمال الطائفة الثانية. لأنه لا داعي يدعو إلى قضائهم وهم في حكمه ومخالفتهم له في فعله. فكان الأولى لهم أن يقضوا بعد سلامه، والأصل أن لا ينتظر الإِمام من خلفه. ولم يختلف في أن الإِمام لو صلى فذا بعض صلاته أنه لا ينتظر المسبوق حتى يقضي فيسلم به. وإذا كان هذا الأصل في صلاة الأمن , فصلاة الخوف كذلك إذا لم يوجد ما يدعو إلى مخالفته الأصل فيها. وأما ما ذكره القاضي أبو محمَّد من الاختلاف في انتظار الإِمام الطائفة الثانية وهو جالس في جلوسه المشروع. أو ينتظرها إذا قام من جلوسه، فإن ابن حبيب ذكر أن مالكًا قال في صلاة المغرب يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ويثبت جالسًا. ثم رجع فقال يقوم حتى تتم هي وتأتي تلك. وإن شاء سكت أو دعا. قال وهذه لا يقرأ فيها في قيامه لأنه لا يقرأ فيها بغير أم القرآن فخالفت غيرها. قال بعض أشياخي في الإِمام إذا قلنا أنه لا ينتظر الطائفة الثانية إلا قائمًا وإن كان في جلوس مشروع اختلف فيه: فقيل يقرأ الحمد وقيل لا يقرأها حتى يأتي الآخرون. ولأشهب في مدونته ولبعض أصحابنا في المبسوط أيضًا أنه يستفتح القراءة بالطائفة الثانية بالحمد. قال وهو أصوب لأنه ذكر نى الحديث أن الطائفة أتت فصلّي بها ركعة (١). وظاهره أنه قرأ بهم ولو كان قرأ قبل مجيئهم لقال أتت الطائفة الثانية فركع بهم. وقال بعض أصحاب الشافعي إذا قام الإِمام إلى الثانية نوت الطائفة الأولى مفارقته وصلّوا ركعة أخرى لأنفسهم وانصرفوا. وتأتي الثانية فيصلي بهم ركعة. فإذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة قاموا فأتموا لأنفسهم في أصح القولين فيصلون ركعة لأنفسهم فإذا تشهدوا سلّم بهم. وإذا كان الحكم أن يقسم الإِمام صلاة الخوف شطرين بين الطائفتين فما

стр. 1043

حكم ما لا يشطر كصلاة المغرب؟ عندنا (١) أنه يصلي بالطائفة الأولي ركعتين وبالثانية ركعة. وخيّرته الشافعية بين هذا الذي قلناه وبين عكسه يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين. وقال الحسن يصلي بكل طائفة ثلاث ركعات. والردّ عليه أن الآية ظاهرها يقتضي (٢) أن تصلي الطائفتان معه صلاة واحدة. والحسن جعلهما يصليان معه صلاتين. وأيضًا فإن الذي قال بهذا يؤدي إلى تفضيل طائفة على طائفة بأن تصلي إحداهما خلفه وهو يصلي فرضًا، والأخرى تصلي خلفه وهو يصلي نفلًا، ولا سبيل إلى التفضيل إذا لم يدْع إليه داع كما دعا إليه في التفضيل في عدد الركعات إذ الثلاث لا تتشطر، وجعلناه *نحن يفضل الأولى حتى تكون الطائفة الثانية* (٣) لا تجلس في غير موضع جلوس، وتجري صلاة الخوف بين الإِمام والمأموم على سنتها في الأفعال المعهودة إلا ما استثناه الشرع من مخالفة الهيئة المختصة بصلاة الخوف. والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: إذا جهل الإِمام فصلّى صلاة المغرب بكل طائفة ركعة فاختلف فيه. فحكى ابن حبيب أن صلاة الأولى فاسدة وصلاة الثانية والثالثة صحيحة. وقال سحنون: صلاة الإِمام وصلاة من خلفه فاسدة, لأن ترك سنتها. وكذلك إن صلّى بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين لوقوفه في غير موضع قيام. وكذلك قال سحنون فيمن صلّى صلاة الخوف في الحضر بكل طائفة ركعة، أن صلاة الإِمام، وجميع من خلفه فاسدة. وذكر ابنه عن بعض أصحابنا أن صلاة الإِمام، وصلاة الثانية والرابعة تامة *وصلاة الأولى والثالثة فاسدة. وعندي أن هؤلاء إنما أفسدوا صلاة الطائفة الأولى والثالثة لانفرادهم بفعل ما يلزمهم اتباع الإِمام فيه لأن الطائفة الأولى حقها أن تصلي معه ركعتين، فإذا صلت خلف الإِمام ركعة واحدة ثم خرجت عن إمامته في الثانية التي من حقها أن تتبعه فيها، فقد أفسدت صلاتها. وكذلك الطائفة الثالثة حقها أن تتبعه في الرابعة، فإذا لم تفعل فقد أفسدت صلاتها. وأما الطائفة

стр. 1044

الثانية والرابعة فهم في حكم* (١) المسبوق ومن فاتته بعض الصلاة. لأن من صلى الركعة الثانية كأنه من الطائفة التي تصلي شطر الصلاة الأولى *وفاتهم* (١) ....... (٢) بعض ما شأنهم أن يصلوه مع الإِمام فلا يفسد ذلك صلاتهم. وكذلك الطائفة الرابعة أيضًا حكمهم حكم من فاته بعض ما شأنه أن يصليه مع الإِمام فلا تفسد صلاتهم. وكذلك وجه ما حكاه ابن حبيب في صلاة المغرب من فساد صلاة الطائفة الأولى، إنما ذلك لما قلناه من أنها خرجت من إمامة من يلزمها اتباعه في الركعة الثانية. وأما الطائفة الثانية فهم في حكم المسبوق، فصلاتهم صحيحة على هذا الأصل. والطائفة الثالثة كأنها لم تخالف ما أمرت به الطائفة الثانية إذا قسم الإِمام الصلاة بينهم على ما قلناه وأقاموها على سنتها. وأما سحنون فإنه اعتل بقوله في إفساد صلاة الجميع لمخالفتهم سنة صلاة الخوف. وإذا وضُح ما قلناه من أن الطائفة الثانية تكون في حكم المسبوق فإنها إذا كانت كذلك فقد اجتمع عليه ابن اء وقضاء. وحكم ذلك إذا اجتمع (٣) قد قدمناه فيما سلف من هذا الكتاب. ولابن القاسم في العتبية في مدرك الركعة الثانية من المغرب من الطائفة الأولى أنه إذا وقف الإِمام في الثالثة أتمّ القوم، ولا ينبغي لهذا أن يقضي الركعة إلا بعد سلام *الإِمام لأن الطائفة الأولى إنما* (٤) تبنى ولا تقضى. قال عنه ابن سحنون: ويقف هذا مع الإِمام حتى تأتي الطائفة الثانية فيصلي معهم *ركعة ثم تقضي الأولى بعد سلام الإِمام. وقال سحنون في أحد قوليه: يصلي ركعتين قبل سلام الإِمام. ومن وقف على ما قدمناه من أحكام القضاء والبناء علم سبب هذا الاختلاف* (٤). والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: قد تقرر بما قدمناه أن صلاة الخوف شرعت على تلك الهيئة للتحرز من العدو. فكل ما كان أحرز، رُجّح على غيره ما لم يمنع منه دليل. ولقد قال الشافعي في آخر قوليه، وداود: يجب حمل السلاح في صلاة الخوف لما كان ذلك أحوط. ولقوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ

стр. 1045

طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (١). فإذا علم أن القصد بهذه الهيئة لهذه الصلاة ما ذكرناه، لم تستعمل هذه الهيئة في صلاة الآمن (٢). وقد خرّج مسلم أن العدو لما كان في القبلة صف النبي ﷺ الناس خلفه صفين فكبّر وكبروا معه ثم ركع وركعوا معه ثم سجد وسجد الصف الذي يليه خاصة، ثم قام وقام الصف الذي سجد معه. وانحدر الصف المؤخر فسجدوا ثم قاموا. وتقدم المؤخر وتأخر الصف المتقدم ثم ركع النبي ﷺ وركعوا معه ثم سجد الصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا. وقام الصف المؤخر في نحو العدو. فلما قضى النبي ﷺ الصلاة والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر فسجدوا ثم سلّم النبي ﷺ بهم جميعًا (٣). قال بعض أشياخي اختلف إذا كان العدو في القبلة. هل يصلي بهم جميعًا أو بالطائفتين؟ وهذا الذي ذكر من كتاب حديث مسلم صفة حسنة عند شيخنا هذا ولأشهب في المجموعة إذا كان العدو في القبلة وأمكنه أن يصلي بالناس جميعًا فلا يفعل (٤) لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغله وليصل بطائفتين سنة صلاة الخوف. وقال في مدونته فإن صلى بهم طائفة واحدة أجزأهم. وقالت الشافعية إذا كانوا في السفر وكان العدو في غير جهة القبلة ولم يأمنوهم وكان في المسلمين كثرة، فرّقهم الإِمام فرقتين وذكروا صفة صلاة الخوف. وقالوا إذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة قاموا فأتموا لأنفسهم في أصح القولين فيصلون ركعة لأنفسهم، والإمام ينتظرهم جالسًا. فإذا تشهدوا سلّم بهم. فأنت ترى ما ذكره في كتاب مسلم من صلاته ﷺ على هذه الهيئة المذكورة طائفة واحدة لما كان العدو في جهة القبلة ولم تدع ضرورة إلى قسمتهم على طائفتين. وقال ابن عبد الحكم إذا كانوا طالبين وعدوهم منهزم مغلوب إلا أن طلبهم أثخن في قتلهم فصلاتهم بالأرض صلاة أمن أولى من الصلاة على الدواب. وقاله الأوزاعي. أما الطالب فينزل وأما المطلوب فيصلي على دابته إلا أن يخاف

стр. 1046

الطالب أن يكِرّ عليه. ابن حبيب وهو في سعة وإن كان طالبًا ألا ينزل ويصلي إيماء لأنه مع عدوه بعد، ولم يصر إلى حقيقة أمن وقاله مالك. وقال ابن المواز وابن حبيب إذا خاف المسلمون أن يخرج عليهم العدو ولم يروه فصلوها فهي تامة. ابن حبيب وتكون طائفة بإزاء (١) الموضع الذي خافوا مجيئهم منه. قال أشهب وكذلك لو رأوا شيئًا ظنوه العدو فصلوها ثم ظهر أنه ليس بعدو، فلا شيء عليهم. ابن المواز أحب إليّ أن يعيدوا وإذا صلّى بالطائفة الأولى ركعة فذهب الخوف *فليتم بمن معه وتصلي الأخرى بإمام آخر ولا يدخلون معه قاله ابن القاسم ثم رجع فقال لا بأس أن يدخلوا معه* (٢)، وقال ابن مسلمة إذا صلى بطائفة ركعة فأتم بعضهم وانصرف *وبقي بعضهم* (٢) لم يتم حتى ذهب الخوف *أجزت صلاة من أتم وانصرف* (٢). وأما من لم يصلّ الركعة الثانية فلا يفارق الإِمام. ولا ينتظر الإِمام أحدًا. ويقرأ الإِمام ويتبعه من لم ينصرف فأمر ابن مسلمة ها هنا باتباع الإِمام في هذه الركعة من أحرم على أن يصليها فذًا. وحكم من وجبت عليه أن يصلي فذًا ألا يقضي في جماعة. ولكن هذا ليس بقضاء، ولكنه بني على أن يحرم على (٣) أن يفعله فذًا لعلة ما. فإذا ذهبت العلة بقي على حكم الإِمام. ولو صلّى الإِمام بالناس طائفة واحدة , لأنه كان في أمن, فلما صلى ركعة حدث الخوف فينبغي أن يفارقه بعضهم ليكونوا وجاه العدو. فإذا صلى بمن معه عادت الطائفة التي فارقته فتصلي لأنفسها ركعة، بقية صلاة الإِمام. والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إذا اشتد الخوف صلّوا بحسب الطاقة. فإن كان إنما يخاف عند السجود خاصة، أومأ إليه، وإن خاف إذا ركع أومأ للركوع، وإن خاف أن يستقبل القبلة استدبرها. قال ابن حبيب إذا كانوا في القتال فليؤخروا إلى آخر الوقت. ثم يصلون حينئذ على خيولهم ويومئون وهم في قتالهم مقبلين ومدبرين وإن احتاجوا إلى الكلام في ذلك لم يقطع ذلك صلاتهم.

стр. 1047

ابن المواز: إذا قاتلوا في البحر صلوا صلاة الخوف فإن لم يقدروا إلا وهم في القتال صلوا في القتال إذا خافوا فواتها. وإن لم يقاتلوهم حتى دخلوا في الصلاة فأتاهم العدو فرماه المسلمون بالنبل لم يقطع ذلك صلاتهم وكذلك لو انهزموا لم يقطعها ذلك. ابن حبيب: ولا بأس أن يصلوا صلاة الخوف في البحر في سفينة أو سفن (١). أشهب: لو بلغ بهم الخوف ما يؤدي إلى أن يصلوها (٢) بطائفتين على الدواب لجاز. ولكن نظن إن قدروا على أن تكون الطائفة كافية للأخرى. كذلك أنهم يقدرون أن يصلوا بالأرض. وإذا خاف الراكب من العدو صلى على دابته قائمة إلى القبلة، فان خاف إن وقف بها، فحينئذ يصلي إيماء إلى حيث توجهت. ومراد أشهب أنه يومئ أيضًا، وإن صلى عليها مستقبل القبلة. وإذا خاف الإنسان أن يقف صلى جالسًا وسجد بالأرض. ويصلي المسايف والمقاتل بقدر طاقته ولا يضره العمل فيها كما لا يضره قتل العقرب. والخائف من اللصوص والسباع يؤخر إلى آخر الوقت ثم يصلي، فإن أمن في الوقت أعاد ولا يعيد بني خوف العدو. وقال المغيرة فيهما، وقالت الشافعية: إذا اشتد الخوف صلّوا رجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها ويومئون بالركوع والسجود، ويضربون الضربة والضربتين والطعنة والطعنتين إذا احتاجوا فإن والَوْا بين ثلاث ضربات أو ثلاث طعنات بطلت صلاتهم إلا أنهم يمضون فيها كي لا يخلو الوقت من الصلاة ويعيدون. وقال بعضهم لا تبطل صلاتهم، وإن كثر العمل. وقال أبو حنيفة: لا يصلوا في هذه الحالة ويؤخروا الصلاة. ويحتج بأنه ﷺ أخر الصلاة يوم الخندق ولم يصل. وأجيب عن هذا بأن أبا سعيد الخدري قال كان ذلك قبل

стр. 1048

نزول صلاة الخوف: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (١). ومنع أبو حنيفة أيضًا صلاتهم ركبانًا جماعة لأجل أنه يصير بينهم حائل وهو الطريق. والطريق عنده يمنع من فعل الجماعة. وكذلك أيضًا منعت الشافعية ترك القيام في صلاة الخوف وهذا لا معنى له إذا منع منه الخوف. وقالت الشافعية إذا صلّى ركعة راكبًا لشدة الخوف. ثم أمن لم يتمها راكبًا. فإن ترك (٢) ولم ينحرف عن القبلة بني عليها. وإن صلى ركعة على الأرض وهو آمن ثم لحقه شدة الخوف فركب استأنف على ظاهر مذهبهم. وقال أبو ثور يبني في حال النزول والركوب. وأجابوه عن ذلك بأن النزول عمل قليل يعفى عنه والركوب عمل كثير فلم يُعْفَ عنه. وقال مكحول إن صلى ركعة بهم ثم دهمهم العدو وقد بقيت على كل طائفه ركعة فليصلوا إيماء حسبما (٣) كانت وجوههم. وقال سحنون يصلون سعيًا وركضًا كيفما قدروا. وقالت الشافعية إذا رأوا إبلًا فظنوا بها عدوًا وأخبرهم مُخبر بالعدو فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان أنه لم يكن عدو لزمتهم الإعادة في أحد القولين وهو قول أبي حنيفة. ولا يلزمهم في القول الآخر أن يعيدوا وقد قدمنا نحن ما قاله أصحابنا في جميع هذه المسائل التي حكيناها هنا عن المخالفين.

стр. 1049

باب صلاة (١) العيدين قال القاضي أبو محمَّد ﵀: صلاة العيدين سنّة مؤكدة (٢). ووقتها إذا أشرقت الشمس. قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة: منها أن يقال: ١ - ما الدليل على أن صلاة العيدين سنة مؤكدة؟. ٢ - ومن الذي يخاطب بها؟. ٣ - وما حكمها إذا فات وقتها؟. فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: صلاة العيدين عندنا (٣) ستّة. قال مالك في المختصر صلاة العيدين سنة لأهل الآفاق. وكذلك الظاهر من مذهب الشافعية أنها سنّة. ومنهم من قال: هي من فروض الكفايات. وبه قال ابن حنبل. وقال أبو حنيفة هي واجبة وليست بفرض. فدليلنا على كونها سنّة فعل النبي ﷺ لها، وإقامته إياها في الجم الغفير متكررة بتكرر الأعوام. ودليلنا على نفي الوجوب حديث الأعرابي وقوله للنبي ﷺ لما ذكر له الخمس صلوات. قال: هل علىّ غيرها؟ قال: إلا أن تطوع (٤). وهذا يثبت نفي الوجوب عن الصلوات الخارجة عن الصلوات الخمس. وأيضًا فإنها صلاة ذات ركوع لم

стр. 1050

يشرع لها أذان ولا إقامة بحال. فلم تكن واجبة بالشرع ابتداء كسائر النوافل. ولا ينتقض قياسنا هذا بصلاة الجنازة (١) لأنها ليس فيها ركوع، ولا بصلاة من لا تُسنّ له الإقامة والأذان كالمرأة تصلي الفرض منفردة لأنا قلنا بحال. وصلاة (٢) المرأة لو أوقعتها في جماعة سن لها الأذان والإقامة، ولا بالنافلة المنذورة لأنها لم تجب ابتداء بالشرع. وأما ابن حنبل فإنه يحتج بأنها صلاة يتكرر فيها التكبير في حال القيام. فكانت من فروض الكفايات، كصلاة الجنازة. وهذا إن خولف في أصله وقلنا بأحد القولين عندنا أن صلاة الجنازة سنّة وليست بفرض لم يصح له القياس لممانعته في الأصل. وإن قلنا إن صلاة الجنازة فرض على الكفاية فليس تكرر التكبير علّة في (٣) الفرضية فيقاس عليها، وإن نحا به ناحية الشبه. فأما الشافعية فناقضته بصلاة الاستسقاء لأنها ترى تكرير التكبير ومع هذا فليست بفرض. وأما نحن فإنا إن سلمنا قياس الشبه قابلناه بشبه آخر وهو ما قدمناه من أنها صلاة لا يؤذن لها ولا يقام، على نحو ما ذكرناه (٤) في قياسنا من شبهها بالنوافل. بل شبهنا أحق. ويكاد أن يكون فيه تلويح مقصودنا (٥) لأن الأذان دعاء الجماعة إلى الصلاة. والدعاء إلى الصلاة واقتضاء فعلها أشْعَرُ بالوجوب من ترك الأذان والإقامة. وأما أبو حنيفة فإنه قاسها على الجمعة لعلّة (٦) أنها شرعت لها الخطبة وهذا غير مسلّم. لأنه يرى الجمعة فرضًا (٧). وصلاة العيد عنده (٨) ليست بفرض وان كانت واجبة فلم يطابق الفرع الأصل. وأيضًا فإن الخطبة بدل من الركعتين على ما حكيناه في باب صلاة الجمعة. ولهذا قدمت الخطبة على صلاة الجمعة. والخطبة في صلاة العيد ليست ببدل من ركعتين، وإنما القصد

стр. 1051

بها الوعظ والتعليم. فلما لم تكن الخطبة في معنى الخطبة لم تكن الصلاة (١) كحكم الصلاة. واختصاص الجمعة بالآذان والإقامة يشعر بالمخالفة (٢) على حسب ما قدمناه وسنتكلم على الأذان لصلاة العيد إن شاء الله تعالى. والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما الحواضر فإن الرجال المقيمين فيها يخاطبون بصلاة العيدين. واضطرب المذهب في أهل القرى الذين لا تجب عليهم جمعة. وفي المسافرين، والنساء والعبيد، والصبيان. فقال مالك في أهل القرى يصلون صلاة العيدين كما يصلي الإِمام يكبرون مثل تكبيره: يقوم إمامهم فيخطب بهم خطبتين. قال وأحب ذلك إلى أن يصلي أهل القرى صلاة العيدين. ولمالك في العتبية إنما يجمّع في صلاة العيدين من تلزمه الجمعة. قال ابن القاسم وإن شاء من لا تلزمه الجمعة أن يصلوها بإمام فعلوا ولكن لا خطبة عليهم فإن خطبوا فحسن. ولو تركوا الجمعة وهي عليهم فعليهم أن يصلوا العيدين بخطبة وجماعة. ولمالك في المجموعة في القرية فيها عشرون رجلًا أرى أن يصلوا العيدين. قال عنه ابن نافع ليس ذلك إلا من عليه الجمعة. قال أشهب أستحب ذلك لهم *وإن لم تلزمهم الجمعة* (٣) قال أشهب عن مالك وينزل لها من ثلاثة *أميال وفي مختصر* (٣) ابن شعبان وليس من أمر الناس أن يجمع *أهل القرى* (٣) في الفطر والأضحى إذا لم تكن عليهم أئمة *فإن صلّوا فلا بأس* (٣) وقد يصلي بهم رجل منهم ويخطب بهم. وقد قيل إذا كانت قرية فيها عدد وحضر يوم العيد *صلى بهم رجل منهم* (٣) وخطب ولو كانوا قليلًا أجزأتهم صلاتهم من غير خطبة. وإذا كان في قرية نحو *من عشرين لم أر أن يصلوا صلاة العيدين* (٤) ولا يصلي العيدين إلا من وجبت عليه صلاة الجمعة. ابن شعبان وقال علي بن أبي طالب ﵁ *والزهري وأبو حنيفة وأصحابه وإسحق لا صلاة عيد إلا في مصر جامع.

стр. 1052

وأما النساء ومن ذكرنا معهم من الصبيان والعبيد وفي المدونة سألت مالكًا* (١) عن العبيد والنساء والإماء هل يؤمرون بالخروج إلى العيدين؟ وهل يجب عليهم الخروج إلى العيدين؟ قال لا. قلنا له فمن شهدها من النساء والعبيد فلما صلوا أرادوا الانصراف لحاجتهم قال لا ينصرفوا إلا بانصراف الإِمام. والنساء إذا لم يشهدن العيد فإن صلّين فليصلين مثل صلاة الإِمام ويكّبرن مثل تكبيره. ولا يجمع بهن (٢) الصلاة أحد وليس عليهن ذلك إلا أن يشأن ذلك. فإن صلين صلين أفذاذًا على سنة صلاة الإِمام يكبرن سبعًا وخمسًا. وإن أردن أن يتركن فليس ذلك عليهن بواجب وكان يستحب ذلك لهن. وقال مالك في المبسوط في الإِمام يكون في السفر فتحضر صلاة الفطر و (٣) الأضحى. قال ليس ذلك عليه ولم أسمع أحدًا ممن مضى صلى الفطر والأضحى وهو مسافر. وقال أيضًا ليس ذلك عليهم لا جماعة ولا فرادى. ولم أسمع أحدًا ممن مضى منع ذلك. قال أشهب وللرجل منع عبيده من الخروج إليها ولا يمنعهم من صلاة الجمعة (٤) إلا أن يُضِرّ به فيما يحتاجهم فيه. ولا أرى لأهل مني المقيمين بها ممن لم يحج أن يصلوا العيد في جماعة لبدعة ذلك بمنى. ولو صلاّها مصلٍ لنفسه لم أر به بأسًا. قال ابن حبيب: ومن فاتته صلاة العيد فلا بأس أن يجمعها مع نفر من أهله. وهي تجب على النساء والعبيد والمسافرين ويؤمر بها من يؤمر بالصلاة من الصبيان. وفي مختصر ابن شعبان: وليس على المسافر ولا البدوي صلاة العيد. ولا صلاة عيد بمنى. وليس على النساء أن يصلين صلاة العيد في منازلهن ولا يؤمرن بذلك. ولا يصلي من فاتته صلاة العيد في المصلّى. وقد

стр. 1053

قال بالمذكور في مختصر عبد الله وهو قول الليث بن سعد. وقال (١) ابن وهب عن مالك في النسوان يشهدن العيدين والعُبدان ثم ينصرفون قبل الخطبة لحوائج أزواجهن وساداتهم؟ قال ترك شهودهم أحب إليّ من انصرافهم قبل الخطبة. ومن دخل على عمل فليتمه. وحكى ابن شعبان عنه أيضًا أن من أتى يوم العيد فوجد الناس قد انصرفوا قبل الخطبة أتى هو إليها. وحكي أيضًا عن مالك وابن أبي ذئب والأوزاعي في الإِمام يدخل بالجيش في دار الحرب () (٢) بها أنهم يخرجون في العيدين ولا يجمعون وليظهروا لُبْس السلاح. وفي المدونة فيمن فاتته صلاة مع الإِمام إن شاء صلى وإن شاء لم يصل. وإن صلّى فليصل مثل صلاة الإِمام ويكبر مثل تكبيره. وقد تضمنت الروايات عند (٣) بعض أشياخي اختلاف في جواز التطوع بها لمن سقطت عنه، فقيل بالنهي عنه على كل حال. وقيل بجوازه على كل حال. وقيل بجوازه جماعة، والنهي عنه فذًا. وقد اختلف قول الشافعي أيضًا فقال يصليها المنفرد والمسافر والمرأة والعبد. وقال أيضًا لا تقام إلا حيث تقام الجمعة وهو قول أبي حنيفة. فمن أجاز فعلها للمنفرد والمسافر والمرأة قاسها على سائر النوافل. ومن منع احتج بأنها صلاة شرعت لها الخطبة فلا يفعلها المسافر والمنفرد كالجمعة. وأما ما ذكرناه عن ابن حبيب من الأمر بها لكل أحد ممن ذكرناه (٤) عنه فإنه رأى أنها في الأمر بها كالصلوات الخمس. فكل من أمر بالصلوات الخمس أمِر بصلاة العيدين وإن كان الأمران يختلفان. ويحتج بقول أم عطية أمرنا النبي ﷺ في صلاة العيد أن نخرج العواتق وذوات الخدور والحُيض، وأمر الحيَّض أن يعتزلن مصلّى المسلمين ويشهدن الخير ودعوة المسلين. قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال: تلبسها أختها من جلبابها (٥). وقد قدمنا من مذهبنا أن من صلاها فذًا صلاها كما يصليها الإِمام. وقال أحمد يصلي أربعًا. وروي ذلك عن ابن مسعود وقال

стр. 1054

الثوري إذا شاء *أن يصليها ركعتين أو أربعًا. وقال الأوزاعي يصلي ركعتين* (١) لا يجهر فيهما بالقراءة ولا يكبر كما يكبر الإِمام. وقال إن صلاها في الجبّان (٢) صلّى ركعتين *كصلاة الإِمام. وإن لم يصلها في الجبّان صلى أربعًا* (٣). والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما وقت صلاة العيد. فهو إذا حلّت الصلاة. وذلك بأن ترتفع الشمس وتبيضّ وتذهب عنها العمرة. وهكذا في النسائي عن النبي ﷺ في وقت إباحة النافلة أن تشرق الشمس وترتفع قيدَ رمح ويذهب شعاعها (٤). والمراد بالرمح ها هنا رماح الأعراب. قال مالك وقت العيدين أن يخرج الإِمام من منزله قدر ما يبلغ. وقد حلت الصلاة، ويغدو الغادي حين تطلع الشمس. وحكى ابن شعبان في مختصره أن ابن أبي ذئب ومالكًا قالا: يعجل الإِمام الخروج في الأضحى ويخف ما لا يخف في الفطر (٥) لشغل الناس في ذبائحهم وانصرافهم إلى أهليهم بالعوالي وذكر حديثًا أن النبي ﷺ كتب إلى عمرو بن حزم: أن عجل الأضحى وأخرّ الفطر شيئًا وذكّر الناس. وحكى عن مالك وابن أبي ذئب أيضًا: في الإِمام ينادي بعد ما صلّى (٦) العشاء: عجلوا الغدو على اسم الله: أنه من فعل الناس. وهو قول أبي هريرة. وأما منتهى وقت صلاة العيد فزوال الشمس ذلك اليوم. قال مالك إذا لم يثبت عندهم أنه يوم العيد إلا بعد الزوال فلا يخرجوا لها ولا يصلوها ولا في الغد. وإن كان قبل الزوال فذلك عليهم. وقال الشافعي في آخر (٧) قوليه تقضى في غد يوم العيد لما خرّجه النسائي أن قومًا رأوا الهلال فأتوا النبي ﷺ ، فأمرهم أن يفطروا وأن يخرجوا من الغد (٨). وأجاب أصحابنا عن هذا بأنه يحتمل أن يكون

стр. 1055

أمرهم بالخروج وإظهار الزينة والمباهاة من غير صلاة. ولو كانت هذه الصلاة مما يُقضى في غد يومها لقضيت بعد زوال الشمس من يومها لأنه أقرب لوقتها، ولقضيت أيضًا في اليوم الثالث والرابع من يومها كما تقضى الصلوات الخمس في ذلك. هكذا احتج أصحابنا. ورأيت بعض أصحاب الشافعي قال إذا ثبت العيد بعد الزوال ففيه قولان: أحدهما لا يقضي وهو قول مالك وأبي ثور وداود والمزني. والثاني يقضي وهو قول أحمد. وقال (١) أبو حنيفة يقضي في الفطر في اليوم الثاني وفي الأضحى في اليوم الثالث والثاني. ولنا أيضًا أنها صلاة شرعت فيها الخطبة والجماعة فلم تقض في غد يومها كما لا تقضي صلاة الجمعة يوم السبت إذا فأتت. وأجيب عن هذا بأن الجمعة منقولة من الظهر بشرائط. فإذا فأتت الشرائط رجعت إلى الأصل. قال أصحاب الشافعي إن أمكن جمع الناس من وقت ثبوت العيد جمعهم وصلّى بهم حينئذ. قال أبو حنيفة يؤخر الصلاة (٢) إلى الغد بكل حال لأن البينة لو قامت في الليل أخرّت إلى الغد. فأجيب عن هذا بأن الليل لا يمكن جمع الناس فيه فلهذا خالف النهار. قال القاضي أبو محمَّد ﵀: وسنتها المصلى دون المسجد إلا في حال العذر، ووقت الغدو إليها بحسب قرب المسافة من المصلى وبُعدها. ويستحب في الفطر الأكل قبل الغدو وفي الأضحى تأخيره إلى الرجوع من المصلى. ومن سنتها الغسل والطيب والزينة وإظهار التكبير في المشي والجلوس. والتكبير بتكبير الإِمام والرجوع من غير الطريق الذي مضى فيه. قال الفقيه الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل خمسة أسئلة: منها أن يقال: أ- لِمَ استحب صلاتها في المصلّى؟. ٢ - ولِمَ استحب أكل على صفة ما ذكر.
следующие страницы →