على دينه أو من ليس هو على دينه من أهل الكتاب:
فأمّا إن أراد النّصراني شراء عبد نصراني بالغ فإنّه لا يمنع من ذلك لكونه لا يستحيل الاضطرار به (١) لمساواته في الدّين، ولا يخاف إذا كان سيده يسكن به بلاد المسلمين من كونه يطلع أهل الخرب على غرّة المسلمين وما يخافون منه. وأمّا إن كان هذا العبد صغيرًا ففيه قولان: أحدهما منعُه من شرائه له. فوجه المنع، وهو المذكور في المدوّنة وغيرها، أنّ الصّغير يرجى إسلامه إذا دعي إلى الإِسلام لكونه لم يرسَخ في نفسه الكفر، ولا عنده من الحنكة ما يصادم به من أراد أن ينقله عن دينه. بخلاف البالغ.
فإن وقع هذا البيع ففي العتبيّة أنّه يفسخ. وقد يتخرج على قول آخر أنّه يباع عليه من مسلم. ووجه القَول الثاني وإليه ذهب ابن الموّاز أنّا لسنا على يقين من قبوله الإِسلام إذا اشتراه مسلم فلا يمنع النصرانيّ من شرائه، مع كون إسلامه غير متحقق لا سيما على ما ذكره ابن الموّاز عن أشهب من كون الصغير المنفرد عن أبويه إذا اشتراه مسلم فإنه لا يجبره على الإِسلام لكونه من أهل الكتاب، وأهل الكتاب لا يجبرون على التنقّل عن دينهم.
وأمّا إن كان العبد المبيع الكافر على خلاف دين من أراد أن يشتريه من الكفرة، مثل أن يكون عبد بالغ يهوديّ أراد شراءه نصرانيّ، أو نصراني أراد شراءه يهوديّ. فإنّ هذا أيضًا فيه قَولان: أحدهما المنع من ذلك وإليه ذهب ابن وهب وسحنون. والثاني جواز ذلك. وإليه ذلك ابن الموّاز.
فوجه المنع ما قد علم وتقرّر من شدّة العداوة والبغضاء الّتي بين أهل هذين الكتابين، فتمكّنهم من ملك بعضهم بعضًا إضرار بالمملوك وإيجاد للسّبيل إلى أذاه، والإضرار به لا يجوز.
ووجه الجواز أن هذا لا حق فيه لله سبحانه، لأنّه لو رضي العبد شراء من ليس على دينه وهو بالغ لم يمنع مشتريه من شرائه فلو كان لله سبحانه فيه حق ما
стр. 2137
جاز رضاه بذلك. فإذا تجرّد الحقُّ للعبد جاز الشّراء، ومنع الإمامُ من يملكه من أذاه والإضرار به، وفعله للإضرار يزول بعقوبة المشتري عليها. فلم يجب منعه من الشراء.
وأما إن كان العبد المشترَى ليس من أهل الكتاب، كالمجوس والصقالبة والسودان، فإنّه إذا حاول شراء عبد منهم يهودي أو نصراني، فإنّ المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها أن ذلك ليس بحرام. قال مالك في المدوّنة ما علمته حرامًا وغيره أحسن منه. وأطلق الجواب في الصغير منه والكبير.
والقول الثاني: أنهم يمنعون من ذلك في صغير أو كبير. ذكرهُ ابن عبد الحكم.
والقول الثالث: أنهم يمنعون من ذلك في الصغار دون الكبار. وذكره في العتبيّة قال: وإن اشتروا الصّغار فسخ البيع.
واشترط في غير العتبَيّة أنّ فسخ البيع ما لم يتديّن الصغير المبيع بدين.
وتَوجيه هذا الخلاف يلتفت فيه إلى الخلاف في وجه آخر، وهو جبر من اشتْرِي من المجوس على الإِسلام. فظاهر المذهب أنه إذا تديّن بدين، واستمر عليه، لم ينقل عنه، ولا يجبر على الرجوع إلى الإِسلام. وأمّا إن لم يتدين بدين مثل من سبي منهم. فإنّ ظاهر المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يجبر على الإِسلام وإليه ذهب أصبغ.
والثاني أنه لا يجبر على الإِسلام.
والثالث التّفرقة بين الصغير والكبير. فيجبر الصغير ولا يجبر الكبير.
فيتضح مع القول بالجبر منع اليهودي والنّصراني من شرائهم، لأن منعهم من ذلك يقتضي (ألاّ يملكهم الإِسلام) (١). فإذا ملكهم جبر على الإِسلام، فلا ينبغي تسهيل طريق إلى الظلال مع القُدرة على الهداية إلى الإيمان.
стр. 2138
وإن قلنا بنفي الجبر حسن ها هنا الذهاب إلى التّمكين لليهودي والنصراني من شرائهم وحسن أيضًا التفرقة بين الصغير والكبير، لكون الصغير الغالبُ قبولُه لما يدعى إليه من المذاهب ويربَّى عليه، بخلاف الكبير الذي يرجع إلى رأي نفسه وما يجده في طباعه.
فيخلص من هذا أنّ الخلاف في جبر المجوسي على الإِسلام إذا لم يكن تديّن بدين إلاّ ذلك، لكونه يجيب إذا دعي إلى الإِسلام كالصغير الكتابي الذي ليس معه أبوه ولا أمّه. وقد حكينا عن أشهب أنّه لا يجبر. وقيل: يجبر.
ويستقصى هذا في موضعه إن شاء الله.
وإذا قلنا بالجبر فالجبر إنما يكون بالتّهديد والضّرب، لا بالقتل لكونه لم يتديّن بدين الإِسلام ثم يرتدّ عنه فيقتل. وإنّما هذا الجبر رجاء أن يتديّن بدين الحقّ ويتعلمّه.
وإذا وقع البيع ها هنا الممنوع على ما فيه من الاختلاف الظاهر. فالظاهر أنه يجري على قولين في فسخ البيع أو بيعه على من اشتراه.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال:
لا خلاف في منع بيع العبد المسلم من رجل كافر أو امرأة كافرة. وهذا لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) وبيع المسلم من الكافر يُجعل به للكافر على المسلم أشدُّ سبيل. وقد قال ﷺ : "الإِسلام يعلو ولا يُعْلى عليه" (٢). وإذا صار المسلم مملوكًا صار الكافر له علوّ على المسلم، وقدرة على إذلاله وإهانته، فيحصل للكافر عزّة المالك، ويحصل للمسلم بذلك ذلّة المملوك. فإذا تقرّر أنّ هذا البيع محرّم ممنوع، فإذا وقع فماذا يكون الحكم فية؟
اختلف قول مالك فيه. فقال مرّة، وهو المشهور عنه: إنّ هذا العبد
стр. 2139
المسلم يباع على النّصرانيّ الذي اشتراه ولا يفسخ بيعه. وهذا هو المشهور عنه.
وروى ابن شعبان عنه في مختصر ما ليس في المختصر أنّ البيع يفسخ. وهذا في كتاب ابن حبيب أنّ البيع يفسخ.
واختلف قَول الشافعي، على حسب ما اختلف قَول مالك فيه، فقال مرّة: يباع عليه. وقال مرّة أخرى: يفسخ.
وذهب أبو حنيفة إلى أحد قولي مالك والشّافعي. فقال: يباع عليه إلاّ أن يخرجه مشتريه النّصراني من يده بعتق أو كتابة فلا يباع عليه، فجعل الكتابة تحلّ محلّ بيعه عليه. وظاهر مذهب الشافعية في الكتابة أنها عندهم على قولين في كونها تحل على بيعه عليه، وأمّا نحن فلا يختلف مذهبنا في أنّ الكتابة لا تجزي في رفع يده عنه، لكون المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وأحكام الرقّ باقية عليه لِسَيِّده النّصراني فلا يكتفَى بها في إخراجه من يد النّصرانيّ الذي اشتراه.
فأمّا من ذهب إلى أنّه يباع عليه ولا يفسخ فإنّه يستدلّ بقول الله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ﴾ (١). وبأنّ النّصراني لا يمنع من التجْر وطلب الأرباح في سائر أنواع المتَملكات؛ والعبد المسلم يكون كأحدها، وإنّما حقه في رفع إذلال الملك للنصرانيّ. وهذا الحقّ يصل إليه ألمسلم ببيعه على النّصرانيّ. كما أنّ الإنسان ممنوع من إذلال أبيه وقهره. فإذا اشتراه عتق عليه ولم يفسخ مع كون الأبوّة تأبى الملك. فعتق الأب يرفع عقوقه بإذلال الملكة. فكذلك بيع هذا يرْفع إذلال الرقّ عنه للنّصرانيّ بيعه من مسلم. وأيضًا فإنّ الكفر لا ينافي ملك ملك المسلم. ألا ترى أنّه يصحّ ملكه للنّصراني بحكم الميراث، مثل أن يسلِم عبد للنّصرانيّ ويموت سيده قبل أن يباع عليه، فيرثه ولده النّصراني فيباع العبد على النّصرانيّ. فإذا صحّ ملكه بالميراث صحّ ملكه بالشّراء ولو كان الكفر ينافي الملك لم يملكه بميراث ولا بشراء.
стр. 2140
وأمّا من ذهب إلى فسخ البيع فإنّه يحتجّ بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١). وإقرار ملك النّصراني على المسلم إلى أن يتّفق بيعه عليه إيجاد للكافر سبيلًا على المؤمن؛ وهذا خلاف ما قال الله تعالى.
وأيضًا فإن الشّراء إما أن يكون لقربة أو يكون لبيع لطلب ربْح وتنمية وتحصيل منفعة وغرض. فإذا كان النّصرانيّ لا يُقَرّ في يديه مسلم إذا اشتراه لم يحصل له فيه طلب التنمية أو المنفعة. ولا يصحّ أن يشتريه تقرّبًا إلى الله ، كما يشتريْ المسلم أباه فيعتق عليه تقرّبًا إلى الله. فيقتضي هذا كون العقد عليه لا يصحّ، كما لا يصحّ عقد المسلم على شراء خشاش وما لا منفعة فيه.
فإذا قلنا بفسخ البيع فإنّ ابن شعبان حكى أنّه يفسخ، وإن باعه النّصراني الذي اشتراه من مسلم وتداولته أملاك المسلمين فإنّ البياعات كلّها تفسخ وإن فات العبد في يد النصراني قبل أن يفسخ بيعه فإنّه يضمنه بقيمته.
وهذا الذي قاله من فسخ البياعات كلّها مع كون البيع الصحيح يفيت البيع الفاسد. والنصراني الذي اشتراه إذا باعه من مسلم ثم باعه المسلم من مسلم آخر يجب أن يكون هذا فوتًا، ولا ينتقض إلَاّ البيع الأوّل.
فهذا الذي ذكره ابن شعبان كأنه مخالف لأصل المذهب، لكن يمكن الاعتذار عنه بأن هذا البيع لمّا كان مجمعًا على منعه وتحريمه كان غير منعقد ولا فيه شبهة العقد، وأصل سحنون في هذا أنّه لا يضمن كما لا تضمن البياعات الفاسدة، لولا أن ابن شعبان قال: إن فات في يد النّصرانيّ ضمنه بقيمط. فهذه الزيادة. الّتي أضافها إلى فسخ البياعات كلها يمنع من إجرائها على طريقة سحنون.
ولو أنّ مسلمًا اشترى من نصرانيّ عبدًا نصرانيًّا فأسلم، فإن ابن القاسم ذكر عنه ابن حبيب أنّ هذا المشتري المسلم إذا اطّلع في العبد على عيب فإنّه يردّ على النصرانيّ الذي باعه منه، ثم يباع على النّصرانيّ، وذكر عن أشهب أنّه لا يرد عليه، وإنّما له طلبه بقيمة العيب كما يطلبه بذلك لو فات في يده.
стр. 2141
وهذا الاختلاف يلتفت فيه، عندي، إلى أصل، كمَا قدّمناه في كتاب الردّ بالعيب، من اختلاف المذهب في كون الردّ بالعيب نقضًا للبيع من أصله، أو كايتداء بيع. حسن القول: أن هذا المشتري المسلم لا يردّه على النّصراني، كما لا يجوز له أن يبيعه منه. وإذا قلنا: إنّ الردّ بالعيب نقض للبيع من أصله، فقد يحسن ها هنا القول بأنّ المشتري يمكّن من ردّه، إذ ليس ردّه كابتداء بيع من النّصراني.
والجواب عن السؤال الخامس أن يقال:
قد ذكرنا أنّه لا يحلّ بيع العبد المسلم من نصرانيّ، لكون الكفر ها هنا كالمنافي لملك المسلم، لكون الملك والاسترقاق نوعًا من أنواع القهر والإذلال. ولهذا فسخنا البيع على أحد قولي مالك ومذهب أكثر أصحابه.
وبعناه عليه على الرّواية الأخرى.
وإذا أسلم عبد لنصرانيّ فإنّه، أيضًا، لا يصح أن يقرّ ملكه عليه لما في ذلك من استعلاء الكفر على الإِسلام وإذلال المسلم. وإذا لم يستقر ملكه عليه وجب بيعه عليه للمسلم. ولا يؤخّر ذلك إلا بحسب الإمكان، وإنّما يبقى النّظر هل يجوز أن يبيعه النّصرانيّ على أنّ الخيار له أيامًا، لكون إثبات الخيار له في البيع يقتضي كون ضمانه منه وخراجه له، فكأن حكم الملك باقٍ عليه. أو يقال: فإن مدّة الخيار ممّا قد يحتاج إليها استقصاء للثّمن والبحث. فهذا مِمّا ينظر فيه.
لكن لو باع النّصرانيّ عبده النّصرانى على الخيار أيّامًا فأسلم العبد، فإنّه إن كان الخيار للمشتري، وهو نصرانى، استعجل في استعلام ما عنده مما له الخيار فيه من ردّ البيع وإمضائه. لأنّا إن لم نستعجل في ذلك، وأمهلناه بقية أيّام الخيار، اقتضى بنا (١) العبد المسلم في حكمه وحكم ملكه وهو لا سبيل إليه.
ولو كان مشتريه مسلمًا فاشتراه بالخيار فأسلم العبد في أيّام الخيار،
стр. 2142
فظاهر المدوّنة أنّه يمهل المشتري المسلم إلى انقضاء أيّام الخيار، لأنه قد تعلّق له حق بالتأخير إلى هذا الأمد، وهو حق مسلِم، فلا نبطله لحق مسلِم آخر وهو الذي أسلم.
كما لو استأجر المسلم عبدًا نصرانيّا وسيّده نصرانيّ فإنّه لا تبطل الإجارة لتعلّق حق مسلم بها، فلا يبطل حق مسلم وهو المستأجِر لحقّ العبد المستأجَر الذي هو باق في الإجارة على ملك سيّدِه، وهو في الإجارة (١) إذا كان أمدها بعيدًا لا يصح البيع. فهذا أيضًا يجري على ما ذكرناه في تأخير المسلم إذا كان له الخيار أمدًا معلومًا لتعلّق حقّه بذلك. فالحكم جار على أسلوب واحد في مراعاة حق مسلم فيما له من تأخير الخيار أو تأخير أمد الإجارة مع كون ملك الرّقبة لم يخرج عن الكافر.
بخلاف أن يكون المشتري بالخيار كافرًا فإنّه يبطل حقّه في تأخير الخيار لحق المسلم وهو العبد، وحق العبد المسلم مقدّم على حق الكافر. بخلاف حقين تعارضا بين مسلمين.
ولو كان المشتري نصرانيّا والعبد نصرانيًّا فأسلم، والخيار للبائع وهو مسلم، فهل يجوز للبائع المسلم أيضًا البيعْ للنّصراني أم لا؟ هذا قد يجري على القولين في بيع الخيار إذا أمضي هل يقدر أنه إنّما عقد حين إمضائه، فيقتضي هذا منع المسلم البائع من إمضاء البيع في عبده، الذي أسلم، من النّصراني الذي اشتراه، لكون هذا كابتداء بيع مسلم من نصرانيّ.
وإن قدّرنا أنّ البيع إذا أمضي فإنّه لم يزل ماضيًا حين العقد، فهذا قد يقال فيه: إنّ له إمضاء البيع ولا يكون كمبتدي بيع عبد مسلم من نصراني، لأن هذا البيع إنّما عقد في حال يجوز فيه العقد. وزمن العقد هو المعتبر على هذه الطريقة لا زمن إمضاء الخيار.
وإذا تقرّر وجوب بيع العبد إذا أسلم على سيده النّصراني وأن الغرض بهذا
стр. 2143
زوال الملك عنه، والملك يزول بالعتق وبالهبة والصدقة فإذا أعتقه سيدّه النصراني فقد حصل الغرض من إزالة ملكه عن العبد. وكذلك لو تصدّق به أو وهبه لمسلم وزالت يده عنه، فإنّ الغرض أيضًا قد حصل وهو زوال ملك النّصرانى عن المسلم.
لكن لو كانت هذه الهبة أو الصدقة على ولد صغير مثل أن تكون نصرانية لها زوج مسلم، وله منها ولد صغير، فإن عبد هذه النّصرانيّة إذا أسلم فتصدّقت بالعبد على ولدها الصغير فإنّ الغرض أيضًا قد حصل من زوال ملكها عنه.
لكون ولد المسلم مسلمًا، وكون الصّدقة لا تعتصَر. وأمّا إن وهبته لولدها الصغير فإنّ الأشياخ اختلفوا: هل يكتفى بهذا في خروج ملكها عنه أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى أن ذلك يكتفى به ويغني عن بيعه عليها لكون ولدها الذي وهب هذا العبد له مسلمًا وأبوه يحوز له ما يملك، فقد تحقق زوال الملك وزوال اليد عنه من جهة سيدته النّصرانية، وإذا حصل الغرض لم تبق عليها مطالبة بعده.
ومنهم من ذهب إلى أنّ ذلك لا يكتفى به لكون أحد الأبوين إذا وهب لولده هبة فإن له اعتصارها والرجوع فيها، فكون هذه النصرانيّة قادرة على ردّ هذا العبد إلى ملكها يصيّر العبدكأنّه باق على ملكها لم يسقط ملكها عنه.
واختلافهم هذا قد يجري على ما اختلف فيه المذهب من كون من قدر على أن يملك هل يعدّ كأنّه مالك الآن أو لا يعدُّ مالكًا حتى يصرّح بأنّه قد ملك ما جعله له الشّرع أن يملكه؟
وقد اعتضد من قال: إن هذه الهبة لا تكفي ها هنا في الغرض المقصود لأجل القدرة على الاعتصار بما ذكره في المدوّنة من أن رجلًا إذا كان عنده أختان مملوكتان فوطىء إحداهما، فإنه لا يحل له وطء الأخت الأخرى حتى يفعل ما يحرم عليه الأولى، الّتي وطئها، من عتق أو بيع وشبه ذلك. ولا يجزي في ذلك هبتها لولدٍ له صغير لكونه قادرًا على اعتصار هذه الهبة منه. فقدر أن قدرته على ردّها إلى ملكه يصيرها كمن لا يخرج ملكها عنه.
стр. 2144
وانفصل الآخرون عن هذا بأنّ هذا الذي يملك أختين مسلم يجوز له أن يعتصر ما وهب لولده. وهذه النّصرانية لا يجوز لها أن تعتصر العبد الذي وهبته لولدها إذا أسلم، كما لا يجوز لها أن تشتريه. فإذا كانت ممنوعة من اعتصاره لكون الكفر المنافي لاسترقاق المسلم، لم يقدّر أنها مالكة لهذا العبد كما قدّر ذلك فيمن ملك أختين وطئ إحداهما ثم وهبها لولده.
ولو أنّ هذا العبد، لما أسلم، لم يخرجه سيده عن ملكه حتى تعدّى فاستدان عليه دينًا فرهنه فيه، فإن هذا لا يكتفى به في إخراج من ملكه، لكون الرّهن باقيًا على ملك راهنه. وقد ذكرنا أنَّه لا يصحّ أن يبقى المسلم في ملك الكافر. فإذا لم يصحّ هذا وجب بيع العبد على راهنه، لحقّ الله تعالى في ذلك،
وحق العبد. فإذا بيع وجب تسليم الثمن لمن كان في يده رهنًا بدلًا من عين العبد الذي إنما عامل راهنه على أن أخذه ثقة لحقه. إلَاّ أن يدفع الرّاهن رهنًا يكون ثقة بهذا الحقّ فيأخذ الثّمن لأنّ من بيده الرهن إنّما تعلّق حقه بعين الرهن، وقد غلبه الشرع عليها، فجعل ثمنها رهنًا بدلها. فإذا أتى الرّاهن بثقة حقّه أخذ الثمن، وصار ما أتى به بدلًا عن العين التي غلب الشّرع عليها.
ومن الأشياخ من يشير إلى أنّ هذه المعاملة الّتي وقعت على أخذ عين هذا العبد فغلب الشّرع عليه فإن ثمنه ها هنا يعجل للمرتهن عنده لكون راهنه تعدّى في رهنه. فإذا بيع عليه صار كأنه هو الذي باعه ليقضي ثمنه في الدّين.
ومنهم من يشير إلى أن إبقاء الرّواية على ظاهرها وإطلاقها في أنّه إذا أتى برهن ثقة حق من كان العبد بيده رهنًا مُكن من أخذ الثّمن سواءًا وقعت المعاملة على ارتهان عين هذا العبد، أو وقعت المعاملة على أن يأتي برهن ثقة الحق، فأتى بهذا العبد.
ولو أنّ سيّد العبد عقد فيه إجارة، وهو نصراني، من رجل نصراني، فأسلم العبد وقد بقي من الإجارة مدة، فإنّ العقد ينحل، ويؤدّي المستأجر إجارة ما تقدّم من الزمن قبل إسلام العبد، ويفسخ العقد فيما بقي من أمد الإجارة.
стр. 2145
وهذا الذي ذكره في هذه الرواية يمكن أن يكون بناء على أحد قولي مالك ومن وافقه من أصحابه في أنّ العبد المسلم إذا بيع من نصرانيّ فسخ البيع. وأمّا على الرّواية الأخرى، فإنّه تباع منافعه بقيّة أمد الإجارة على النّصرانيّ الذي استأجره كما يباع عليه إذا اشتراه.
وقد ذكر في المدوّنة أن من له دين على رجل باع الدّين من عدوّ للمديان إن هذا البيع يفسخ ولم يقل: إنّ هذا الدّين يباع على مشتريه الذي هو عدوّ من هو عليه. كما قال في عبد مسلم اشتراه نصراني أو مصحف اشتراه نصرانيّ، فإن ذلك يباع عليه لكون الكافر عدوًّا للمصحف والمسلم.
وقد اعتذر عن هذا بأنّ الدّين يتعذر فيه تعذرًا يلحق فيه ضرر لمن يباع عليه. فلهذا فسخ البيع فيه. والمصحف والعبد لا يتعذر بيعهما. فلهذا قيل: إئهما يباعان ولا يفسخ البيع فيهما.
والجواب عن السؤال السادس أن يقال:
أما أمير المؤمنين فإنّه إذا عاقد مهادنة وصلحًا على المسلمين بينه وبين قوم من الحربيين، فإنّ ذلك العقد يلزم سائر المسلمين في شرق البلاد وغربها، وحيثما كانوا. وما من سواهم من ولاة الأفور الذين ولاهم فإنّهم أيضًا يجوز عقدهم على مقتضى ما أذن لهم فيه أمير المؤمنين.
فإذا ولَّى أحدًا على إقليم معيّن أو بلد معيّن لا ينفد حكمه وعقده إلاّ فيما كان ما عقده لازمًا على ما ولّي عليه دون غيره من البلاد التي لا ولاية له عليها.
وأمّا من ولي بحكم سيفه واقتداره، لا بولاية الإِمام اللاّزمة طاعته، فإنّ هذا له حكم آخر. فإذا أغار قوم من الحربيين على قوم من الكفّار قد عُقِد لهم صلح وهدنة، فإنّه لا يجوز للوالي الذي عقد لهم أن يسبيهم ويملكهم. ولا يجوز ذلك لمن عقد ذلك عليه من المسلمين مِمّن له ولاية عليه وهو من رعيته. وأمّا إن سباهم قوم حربيون وأغاروا عليهم ثم أتوا بهم إلى الوالي الذي هادنهم، فهل يجوز له ولرعيته أن يشتريهم أم لا؟ هذا فيه قولان: المشهور
стр. 2146
منهما أنّ ذلك لا يجوز. وذكر ابن شعبان أنّه جائز. وسبب الخلاف في هذا الالتفات إلى ما يقتضيه لفظ المعاقدة فإن كانوا عقدوا وهادنوا الملك المسلم على أن لا يسبيهم بنفسه ولا يشتريهم مِمّن يسبيهم فإنّ هذا العقد يجب الوفاء به ولا يجوز لهذا المَلِك المسلم ولا لأحد من رعيته شراؤُهم. وإن عاقدهم على أن يكفيهم مؤونة نفسه وإن سباهم غيره اشتراهم، فإنّ هذا يحيى شراءَهم له ولرعيته. وإن أطلق المهادنة والصّلح فها هنا قد يحسن الخلاف: هل يتضمّن هذا الإطلاق ألاّ يشتريهم مِمّن أتى بهم أوْ لا يتضمّن إلاّ كونه ألاّ يسبيهم ولا يحاربهم ويستبيحَ أموالهم.
ولو عاقد الإِمام قَومًا على أن يدفعوا إليهم كل عام عددًا معلومًا من الكفّار فأتوا بذلك العدد من جملتهم مِمّن لهم حكم عليهم (..........) (١) تبع لهم كأبنائهم، فإنّ هذا العقد إن كان على التأبيد أو إلى أمد طويل فإنه لا يجوز للإمام أن يقبل ذلك منهم لكون من أتَوْا به قد دخلوا في العقد والمهادنة. وأمّا إن كان قد عاقدهم وهادنهم إلى مدّة لطيفة كالسنتين والثلاث، ففي هذا قولان: أحدهما أنّه يجوز للإمام قبول ذلك منهم لكون الأمد اللّطيف لا يتضمّن دخول الأبناء والنساء فيه، بخلاف الأمد الطويل الذي يقتضي كبر الأبناء ودخولهم في العقد والمهادنة. وفي كتاب ابن حبيب أنّ ذلك لا يجوز. وقدر أنّ الأمد، وإن كان قليلًا، فإن المهادنة تتضمّن دخول أبنائهم فيه.
وأمّا الكفّار إذا دخلوا بلدنا للتّجارة بأمان فأرادوا بيع أولادهم ونسائهم، فإنّهم لا يمنعون من ذلك لكون التأمين إنّما. تضمّن أنفسهم وأموالهم لا أبناءهم ونساءهم. وفي الموّازية لا يشتري منه زوجته وأبناءه الكفّار كما لا يشتري منه صاحبَه إلاّ أن يرضى صاحبه بذلك.
والجواب عن السؤال السّابع: أن يقال:
أما من كان مالكًا لماله على الحقيقة ملكًا لا يُقدر على إزالته من يده إلَاّ
стр. 2147
برضاه، فإنّ حكم الرّبا فيُقَدَّر فيه على حسب ما قدّمناه في كتاب الصّرف.
وأمّا من كان يباح له أخذ ماله بغير رضاه، كالعبد والحربي، فإنّ العبد لسيده أن ينتزع ماله من يده بغير اختياره. فإذا باع منه سيده دينارًا بدينارين أحدهما من العبد، فكأن الدينار الثاني انتزعه منه بحكم ما جعل له الشرع من انتزاع ما في يديه. ولو أنّ العبد دفع إلى سيّده دينارًا في دينارين لكان أيضًا إنما أعطى السيّد ماله وهو كخزانة أخذ السيد منها مالًا ووضع فيها مالًا أكثر منه أو أقلّ. وهذا قد تقدم بيان حكمه. وسبب الخلاف فيه.
وأمّا الحربي فإنه يجري على هذا الأسلوب. فإنّا، وإن فلنا: إنّ الحربيّ مالك لما بين يديه لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ (١). فأضاف المال إليهم، وهم ممن يعقل، والإضافة لمن يعقل إضافة ملك لا إضافة اختصاص. فإن للمسلمين غزوهم وأخذ أموالهم بالسّيف والقهر، فصار المسلم كالقادر على انتزاع. ما في يد الحربي بالشّرع. وإن منعه الحربي بسيفه، فإنّ المسلم المغلوب على حقه، فله أن يأخذه بتحيّل عليه بأن يسمّي ذلك بيعًا. أو يقال: فإنّه يمنع من ذلك لكونه لم يأخذه على جهة القهر والغلبة والغنيمة بل على جهة المبايعة، وهو في الشّرع ممنوع من المبايعة في الرِّبا، كما يمنع المسلم من أخذ مال الحربيّ إذا ائتمنه عليه، وإن كان مال الحربيّ مباحًا له، لكن أخذه على جهة الخيَانة في الأمانة ممنوع منه، لورود الشرع بأداء الأمانة لمن ائتُمن عليها. فكما منعت الأمانة من أخذ هذا المال الذي يباح أخذه بالسّيف وبالسّرقة والغصب كذلك تمنع المبايعة التي فيها الرِّبا من أخذه أيضًا.
وقد اختلف في المسلم إذا كان ببلد الحرب يتمكّن من وطء امرأة حربي استبرئت، أو حربيّة لا زوج لها، هل يحدّ كما ذهب إليه ابن القاسم لأنّ الفروج لا تستباح إلاّ بنكاح أو ملك يمين، وهذا لم يتزوّج ولم يملك، فصار كالزّاني.
أو لا يحدّ، كما ذهب إليه عبد الملك، لأنه يباح له أخذ الرقبة بالقهر، فإذا
стр. 2148
غلب عليها، ولم يغلب على المنفعة، كان له أن يستبيح المنفعة، ويكون كمن وطئ ملك يمينه، لا سيّما والحدود تدرأ بالشّبهات.
وقد اختلف المذهب في قطع من سرق ملك حربيّ نزل ببلد من بلاد المسلمين بأمان لتجارة، فأسقط عنه القطع في أحد القَولين لكون الحربيّ يستباح ماله، وهو إنما عصم ماله ودمه بسبب الأمان إلى حين، فصارت هذه شبهة ترفع حكم القطع في السّرقة.
والجواب عن السّؤال الثامن أن يقال:
اختلف المذهب في جواز معاملة اليهود والنّصارى وغيرهم من أهل الكفّار (١) بالدّنانير والدّراهم المنقوش فيها اسم الله، . فالمشهور، في المدوّنة وغيرها، النّهي عن ذلك احترامًا لاسم الله، سبحانه، أن يمسّه كافر وهو نجس، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٢). فعلّل هذا الحكم باحترام المسجد الحرام عن النجاسة.
فكذلك يجب أن يحترم اسم الله، سبحانه، عن النجاسة. وأجاز ابن كنانة معاملتهم بها. وقال: لم يزل اليهود والنصارى والحائض يمسها قديمًا وحديثًا، ولا ينكر ذلك أحد من العلماء، فيما علمناه. وهذا يلتفت فيه إلى كون هذا المحرّم نزر الجرم وكونه مِمّا تدعو الضرورة إلى إباحته، ألا ترى أنه يمنع السفر بالقرآن إلى أرض العدوّ، وقد كتب النبي ﷺ إلى هرقل ملك الروم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ﴾ (٣) الآية. وهذا لكون هذا مما دعت الضرورة إليه مع كونه نزر الجسوم. وكذلك الجنب يقرأ القليل من القرآن متعوّذا، للحاجة إلى ذلك. ولا يقرأ الكثير.
وكذلك الدنانير والدراهم رأى ابن كنانة أنّ هذا مِمّا تدعو الضرورة إلى
стр. 2149
المعاملة به، مع كون ما كتب فيه نزر الجرم.
ورأى ابن القاسم أنّ هذا لا ضرورة فيه تبيح هتك هذه الحرمة فلم يجز ذلك.
وقد اختلف في تعليق الحرز على اليهود والنصارى فيه شيء يسير من القرآن، وهو جار على هذا الأسلوب الذي ذكرناه.
وكذلك اختلف في الخاتم فيه اسم الله هل يستنجى به؟ فأجازه مالك للضرورة إليه. ومنع منه ابن القاسم لورود. الخبر بأنه ﷺ ينزع خاتمه إذا دخل الخلاء (١). وقدر مالك أنّ هذا مِمّا يشقّ لتكرّره فأجازه.
وألزم على هذا أن يقول ما قال ابن كنانة من جواز مبايعة اليهوديّ والنّصراني بالدّنانير المنقوش فيها اسم الله، تعالى، للضرورة إلى ذلك أيضًا.
وهذا قد لا يلزم لإمكان أن يكون مالكًا، ﵁، رأى أنّ الضرورة في الخاتم ليست كالضرورة للدّنانير والدّراهم.
وانظر إلى ذكر ابن كنانة الحائض مع اليهودي والنّصرانيّ في جواز مسّ الدّنانير والدّراهم، هل يشير هذا إلى أنّ ابن القاسم ينهى الحائض والجنب عن مسن الدّنانير والدّراهم؟ أو إنّما ذكر ذلك كالحجّة بما كونه عنده متفقًا عليه؟
وقد كان بعض الأشياخ لا يرى أن يكتب في وثائق اليهود والتصارى البسملة إذ لا تدعو ضرورة إلى العفو عن ذلك.
والجواب عن السّؤال التاسع أن يقال:
قد تقدّم فيما سلف من كلامنا في البيوع حكم ما يجوز بيعه وما لا يجوز، وإن ما لا منفعة فيه لا يجوز بيعه وإن كان حلالًا في عينه كالخشاش وشبهه ممّا لا منفعة فيه. وكذلك ما فيه منفعة وهي محرّمة ولا منفعة فيه محللة كالخمر والخنزير وشبه ذلك. فإنّ بيعه محرّم لكون المنفعة لما حرمت صارت كالعدم ولحق ذلك بما لا منفعة فيه أصلًا. وزاد هذا عليه بكونه حرامًا في عينه. وما
стр. 2150
اختلطت فيه المنافع مُحرّم بعضها وحِلٌّ بعضها اعتُبِر فيه المقصود منه هل هو المحلل، فيجوز على الجملة بيعها، أو المقصود المحرّم فيمنع بيعه، على ما تقدّم تفصيل القول فيه في موضعه.
وإذا تقرّر أن الخمر لا يحلّ شربها، ولا منفعة فيها إلاّ الشرب حرم بيعها، لقوله ﷺ : "إن الذي حرم شربها حرّم بيعها" (١) وقوله: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" (٢).
لكن يبقى فيها نظر آخر وهو صحة حيازتها وإقرارها في يد المسلم. فأمّا إقرارها في يده وصحّة حوزه لها فإن كان الغرض بذلك شربها فإنّ ذلك يمنع منه، ويوجب إراقتها عليه.
ولو كان ليخلّلها جرى ذلك على. الاختلاف بين أصحابنا في جواز استعمالها إذا صارت خلاًّ بِتَخليل من هي في يديه لها. فمن منع استعمالها إذا صارت خلاًّ من قِبَل من هي في يديه لم يصح إقرارها في يديه ولا يصحّ حوزه لها. ومن سهل في أكلها إذا خلّلها أمكن ألاّ يُمنع من بقائها في يديه، ولا تراق عليه إذا أمن من شربه لها خمرًا.
ويثْمِرُ هذا اختلافًا في مسلم غصب خمرًا من يد مسلم، فصارت في يد الغاصب خلاّ.
فإن قلنا: إنّ من كانت في يده لا يصحّ منه حوزها ولا تقرّ في يديه، فإنّ ما صار خلاّ في يد الغاصب يكون للغاصب. كما لو وجده في فلاة غير مملوك لأحد ولا عليه يدُ أحد.
وإن قلنا: يصحّ إقرارها في يديه وحوزه لها ليخلّلها. فإنها إذا تخللت كانت لمن غصبت منه. كعبد غصب فَنَمَا في يد الغاصب، فإنّه يعاد إلى المغصوب منه.
стр. 2151
فإذا تقرّر هذا عدنا إلى أحكام المبايعة فيها. ولا يخلو التّبايع فيها أن يقع بين كافرين أو بين مسلمين أو بين مسلم وكافر. وهذا القسم الثالث على قسمين أحدهما أن يكون الكافر هو الذي باعها من مسلم أو المسلم هو الذي باعها من كافر.
فأمّا إذا وقعت المبايعة فيها بين كافرين فليس لنا إنكار ذلك عليهما لكون ذلك سائغًا في دينهما الذي أقررناهما عليه.
وإن كانت المبايعة بين مسلمين اتّضح أن كل واحد منهما لا يجوز له بيعها ولا شراؤها ولا أخذ ثمنها، فإن فعلا ذلك وكانت الخمر قائمة لم تفت فإنها تكسر وتُراق، لكون بائعها من مشتريها لا يحلّ لواحد منهما تملكها ولا المعاوضة عليها. فإذا أريقت على البائع، لكونه باع ما لا يحلّ له، لم يلزم المشتري ثمنها، لكونه غير ممكن من المثمون. وإذا دفع الثمن ردّ إليه لكونه ثمناً لما لا يحلّ عند البائع والمبتاع. هذا إذا كانت الخمر قائمة. فإن استهلكت وفاتت عند مشتريها، فإنّ أبا حنيفة قال: يتصدّق بالثمن سواء دفعه مشتريها أو لم يدفعه، وهكذا مذهبه إذا تعامل بها مسلم مع كافر وفاتت الخمر، فإنّه يتصدّق بالثمن دفع أو لم يدفع، سواء كان باعها مسلم من نصرانيّ أو نصرانيّ من مسلم.
وأمّا إن تبايع مسلم وكافر، وكان البائع نصرانيًّا وكانت الخمر قائمة، فإنّ فيها ثلاثة أقوال: ذهب سحنون إلى الصدقة بالثمن، قبضه النّصرانيّ البائع أو لم يقبضه. وذهب ابن حبيب إلى أنّه لا يتصّدق بالثّمن قبضه البائع النّصراني أو لمْ يقبضه. فإن كان لم يقبضه النّصرانى لم يؤخذ من المسلم، وأريقت الخمر إذا دفعها النّصرانيّ أو أبرزها للدّفع وإن كان قبضه النّصرانيّ أبقي له، وأريقت الخمر على المسلم. وذهب مالك ﵁ إلى التّفرقة، فقال: إن قبض الثمن أقرّ في يديه، فإن لم يقبضه تصدّق به عليه أدبًا له.
وأمّا إن كان بائعها مسلمًا من نصرانيّ، فقد ذكر ابن الموّاز أنّ المسلم
стр. 2152
الذي باعها إذا قبض الثّمن أخذ من يده وتصدّق به. فإن كان لم يقبضه فاختلف قول مالك في ذلك. فقال مرّة: لا يؤخذ الثمن من النّصراني. وقال مرة أخرى:
يؤخذ الثمن من النّصراني فيتصدّق به. وهو اختيار ابن القاسم. واختار ابن الموّاز نقض البيع من أصله، فتردّ الخمر من يد التصراني وتُراق على المسلم.
وإن استهلكها النّصراني أغرم مثلَها فتراق على المسلم. وأمّا الثمن فإنّه يردّ على النّصراني، ولو قبضها البائع المسلم. واعتل في هذا بأنّ البيع منتقض. وحقيقة النقض له والفسخ أن يرجع الثّمن إلى دافعه والمثمون إلى دافعه، فيراق على دافعه لكونه مسلمًا.
هذا الذي وقع من الروايات المشهورة في المذهب في هذه الأقسام.
والذي ينبغي أن يلتفت إليه في النّظر في هذا المذهب أنّه إذا تقرّر كون الخمر لا يصحّ ملك المسلم لها، ولا ملك عوضها، وتقرّر أيضًا وجوب فسخ العقد فيها، وتقَرَّر أيضًا أن التسليط على إتلاف ثمن أو مثمون قد يقتضي سقوط غرامته. اعتبرنا هذه الأصول فقلنا:
إذا باعها الكافر من مسلم، عالمًا أنه مسلم، فإنّه ما يستحيل (١) بيعه في دينه، ويعلم أنّ مشتريه لا يحلّ له شراؤه في شريعته الّتي هي الإِسلام، فصار كمن دخل على ثمنٍ لا يستحقّه على المسلم الذي اشترى منه الخمر لكونه حرامًا في شريعة الإِسلام، ودخل المسلم على أنّه يخرج من ملكه هذا الثمن، وشريعة الإِسلام تقتضي منع دفعه إلى النّصراني. فصار هذا الثمن كمال لا مالك له، فوجب الصدقة به، كما تجب في الأموال الّتي لا يعرف لها مالك.
وقد ذكرنا أنّ ابن حبيب ذكر أنّ الجمر إذا فاتت فلا بدَّ من إخراج ثمنها من يد من هو عنده والصّدقة به. وهذا أيضًا يلتفت فيه إلى أصل آخر وهو أن من استهلك خمرًا للنّصراني ففيه قولان هل تلزمه قيمة الخمر أم لا؟ فإذا قلنا: لا يلزمه قيمة الخمر لكونها محرّمة في نفسها، لا سيّما على القول بأنّ الكفّار
стр. 2153
مخاطبون بفروع الشريعة، اقتضى ذلك ألاّ يلزم المشتري، إذا كان مسلمًا فاستهلكها، ثمنها.
وإن قلنا: إنّ مستهلك الخمر في يد ذميّ يلزمه قيمتها، نظرنا في هذا: هل يلزمه الثّمن أو يسقط عنه.
بخلاف الاستهلاك لها من غير مبايعة لكون النصرانيّ الذي باعها سلط مشتريَها عليها، وأذن له في إتلافها، مع علمه بأنّه محرم في شريعة الإِسلام المعاوضة عليه. وأقا لو كان النّصراني لم يعلم أنّ مشتريها منه مسلم لكان له المطالبة بالثّمن لأنّه لم يخرجها من يده إلاّ عن عوض تراضيًا عليه.
ولو اشتراها من النّصرانيّ نصراني وهو يعلم أنه اشتراها لمسلم لكان الحكم فيها كما لو باشرها المسلم بالشّراء.
وأمّا إخراج الثّمن من يد النّصرانيّ والصدقة به فإنّا إذا قلنا: إن المسلم، لما باعها، وهو يعلم أنّ ثمنها لا يحلّ له، صار كالمتصدّق به لكونه مَا لَا مالكَ له، فإنّه يلتفت فيه إلى من التزم صدقة على غير معين، هل يجبر على إخراجها أم لا؟
فهذه النكتة الّتي يجب أن يلتفت إليها وتبنى عليها هذه الروايات التي قدّمناها.
وقد ذكرنا عن مالك ﵁ أنّه قال في المسلم إذا اشتراها من النّصرانيّ، ودفع الثمن إلى النّصراني البائع، فإنّه لا ينزع من يده. وإن لم يدفعه، وأخذ من يد المسلم، نتصدّق به على النّصراني أدبًا له. فقد يقال ها هنا: هلاّ قال مالك كما قال سحنون في الصّدقة بهذا المال وإن قبض لكون التأديب في الحالين على حدّ سواء.
وهذا عندي وجهه أنّ الثّمن إذا قبض فقد فرغ من العقد، وصار النصراني في يده مال قد قبضه، وهو يعتقد استحلاله واستحقاقه لقبضه، ولم يحتج في أخذه مِمّن هو عليه إلى قضية قاض، فلم يلزم القاضيَ اعتراضٌ. وإذا لم يقبضه
стр. 2154
النّصراني وطلب به المسلم احتاج إلى أن يرفع إلى القاضي فيحكم له عليه، فإذا حكم له القاضي عليه صاركحاكم بإمضاء بيع الخمر، والحكم بذلك لا يصح، فعدل القاضي عن ما لا يصح حكمه إلى ما يصحّ الحكم به وهو الصدقة بمال كأنّه لا مالك له، وقد كنّا قدّمنا عن بعض أشياخي في كتاب الردّ بالعيب أنّه كان يرى أنّ المذهب على قولين في البيع هل. حقيقته العقد خاصّة أو التفاصُل لما تقدم العقد عليه، وإذا لم يحصل قبض الثمن فكأنّ البيع لم تحصل حقيقته فلم يكن للقاضي أن يستأنف حقيقة البيع ها هنا. وقد ذكر في المدوّنة في كتاب الردّ بالعيب في ذميّ باع من مسلم جارية بخمر، ففاتت في يد مشتريها بعتق أو استيلاد، فإنّه يرد قيمتها للذميّ، ويغرم الذميّ مثل الخمر فيكسّر عليه. وهذا هو أحد الأقوال الثلاثة، التي قدّمناها، من نقض البيع من أصله وردّ كل مبيع لبائعه. أو ردّ قيمته إن فات. وعلى ما ذكرناه من القول الآخر لا يردّ القيمة إلى بائع الجارية لكن يتصدّق بها.
وممّا لا يلحق بهذا النّظر في معاملة الذمّييْن على ما لا يجوز في شرعنا ثم أسلما بعد المعاملة، أو أسلم أحدهما، فلا يخلو: إمّا أن تكون المعاملة نجزت بين المتعاملين، وهما كافران، بتقابض الثمن والمثمون، وكان إسلامهما بعد ذلك، أو أسلما قبل أن يتقابضا لا الثمن ولا المثمون، أو أسلما بعض بعد أن تقابضا أحد العوضين، إما الثمن وإما المثمون.
وهذا تقدم قبله أن تعلم: أن عقود المشركين فاسدة يصححها الإِسلام على ما سنبيّنه في كتاب النكاح، إن شاء الله . ونذكر فيه الاستدلال على هذا. بتخيير النبيّ ﷺ من أسلم على عشرة نسوة في أن يفارق ستّا منهنّ ويتمسّك بأربع (١). وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) وقال ﵇: "الإِسلام يَجُب ما قبله" (٣) وهذا لا يختلف فيه
стр. 2155
في أنّه يجب ما قبله من آثام الأفعال المحرّمة، والعقود الفاسدة.
وإنما يبقى النظر في إمضاء العقود أو ردّها بعد الإِسلام. فإذا تعاقدا على بيع دينار بدينارين إلى أجل، أو بدراهم إلى أجل، أو أسلم دراهم في خمر إلى أجل، إلى ما في معنى ذلك من المحرّمات، فإنّهما إذا لم يتقابضا لا ثمنًا ولا مثمونًا حتّى وقع الإِسلام نقض ذلك عليهما، إذ لم يحصل إلاّ مجرّد القول بينهما. فإن قبض أحد العوضن قبل إسلامهما ولم يقبفن العوض الآخر، فالمذهب على قولين: مذهب مالك وابن القاسم فسخ العقد، تغليبًا لما لم يقبض على ما قبض، فكأنّهما أسلما قبل تقابض الثمن والمثمون. ومذهب عبد الملك وسحنون ومحمد بن الحكم إمضاء العقد، تغليبًا لما قبض على ما لم يقبض، حتى كأنّهما تقابضا الثمن والمثمون قبل إسلامها. لكن يشترط أن يكون الذي لم يُقبض يصحّ تملّكه في شرع المسلم، مثل أن يسلم دينارًا في دينارين، فدفع الدّينار وأسلما جميعًا قبل قبض الدينارين، أو أسلم دينارًا في دراهم ثم أسلما جميعًا قبل قبض الدّراهم، فإنّ أصل مالك وابن القاسم ردُّ رأس المال، والمنع من قبض الدّينارين أو الدّراهم المؤخّرة، لأن القبض نتيجة العقد وهو المقصود بالعقد، والعقد كالمتبع تبع له في المقصود. وإذا أسلما جميعًا فإنّ التقابض في الدراهم وفي الدينارين إنّما إقتضاه عقد الرِّبا الذي تعاملا عليه، وهما قد صارا إلى شريعة تحرم ذلك عليهما.
وعلى مذهب الآخرين يقبض الذينارين ويقبض الدّراهم لكون الدّنانير والذراهم يصح التقابض فيهما في الإِسلام وما مضى من العقد في الكفر بحيث (........) (١) الآثام فكأن التقابض وقع عن عقد صحيح جائز.
وهكذا ذكر ابن الموّاز فيمن أسلم دينارًا في دراهم، ثم أسلم المتبايعان قبل قبض الدّراهم، أنّ الدّراهم تقبض.
وهكذا اختلف في نصرانيّة تزوّجت نصرانيًّا، فأسلما معًا قبل الدّخول، وقد قبضت النصرانيّة الخمر قبل إسلامها. فإن أحد القولين أن الزّوج لا يمكّن
стр. 2156
منها إلاّ بعد أن يدفع صداق المثل بناء على أنّ قبضها للخمر لا تأثير له، والعقد لا يجب إمضاؤه لكن كبيع فاسد فات يُرجع فيه إلى القيمة، والعقد على هذا كالفوت يجب فيه الرّجوع إلى قيمة البضع وهو صداق المثل. وعلى القول الآخر يمكن الزّوج من الدّخول بها من غير غرامة تلزمه بناء على أنّ العقد لا يفسخ وكأنهما تقابضا الثمن والمثمون قبل إسلامها. ولو كان المسلم في خمر ثم أسلم المتبايعان قبل قبضهما، يجري ذلك على ما أصّلناه من الخلاف. فقد قال سحنون في السليمانية: ليستمسك المسلم إليه برأس المال من غير عوض يلزمه. وهذا إبقاء منه على إمضاء عقودهم الفاسدة إذا وقع الإِسلام منهما بعد عقدهما، فلا يلزم قابض رأس المال أن يرفه لأنّ ردّه إلى دافعه فسخ له.
ومذهب هؤلاء أنّ العقد لا يفسخ لوقوع إسلامهما. لكن سحنون رأى أنّ الواجب لمّا قبض المسلَم إليه رأس المال ولم يوجب عليه ردّه، أن يغرم الخمر الّتي هي عوض رأس المال الذي أمضيناه له، وهو لا يصح منه غرامتها لكونه أسلم، والمسلم لا يسوّغ له شراء الخمر ليقبضها في دين، ولا يسوغ أيضًا لمن أسلم فيها أن يعطاها، ولو أعطيها لأريقت عليه، فاقتضى هذا بطلانها من الذمّة، وإمضاء رأس المال لقابضه من غير غرامة عليه وسلك محمَّد بن عبد الحكم هذه الطّريقة في إمضاء العقد وكونه لا يفسخ ولم يقبّض (١) بالخمر لما عللّناه به من منع القضاء بها، فعدل عن ذلك إلى أن يكلّف من بني عليه غرامةً غرامةَ قيمتها عوضًا عن عينها، لما استحال عْنده القضاء بالعَيْن، لكونها لا يصحّ ملكها في الإِسلام، ورأى أنّ من أسلم دنانيره في خمر فيقضى بأن لا تردّ إليه، ولا يأخذ عنها عوضًا إضرارًا به، ومخالفة لما تعاقدَا عليه، فعدل إلى إغرام القيمة لرفع الضرر وطلبًا للمساواة بين المتعاملين.
وعلى الطريقة الثانية في أنّ العقد يفسخ من أصله، يردّ عليه رأس المال. فكأن هؤلاء أمروا بردّ رأس المال ليتحقق فسخ العقد، إذ لو لم يردّ لم يكن للفسخ معنى
стр. 2157
ورأى ابن عبد الحكم أن العقد لا يفسخ، ولكن يردّ عوض ما لا يحل تملك قيمته. والقيمة عنده لا تعتبر حين العقد (١)، كانا يعتقدان جواز ما صنعا وإنّما اعتقدا إبطاله لما أسلما، فتكون القيمة يوم المحاكمة لمّا أسلما. وهكذا اختلف أيضًا في النصرانيّة إذا تزوّجت نصرانيًّا بخمر، ودخل بها الزّوج قبل أن يدفع الخمر، ثم أسلما. فقيل: عليه صداق المثل، بناء على أن العقد يفسخ، وترجع إلى قيمة السّلعه الفائتة لعقدٍ فاسد كما قدمناه. وقيل: لا شيء على الزوج سوى الخمر الذي بذله صداقًا، وهو لو دفعه إليها لما أسلمت لأريق عليها، فلا فائدة في المطالبة به. وعلى قول محمَّد بن عبد الحكم يكون قيمته بدلًا من عينه.
فحصل من هذا أنّ ما يحلّ تملّكه فيه قولان، هل يفسخ ويقضي بردّ رأس المال أو يمضي ويقضي بأخذ العوض عن رأس المال على ما هو عليه؟ وإذا كان لا يحلّ تملّكه كالخمر ففيه ثلاثة أحوال:
فسخ العقد وردّ رأس المال.
وإمضاؤه وسقوط العوض الذي هو الخمر فلا يغرم لتعذر غرامته وكأنها كالمستحيلة في حق المسلمين فبطل العقد.
أو يغرم القيمة بدلًا من العين الّتي لا تحلّ.
وأمّا إذا أسلم أحد المتعاملين وبقي الآخر على دينه. فإذا قلنا: إنه لا يفسخ العقد إذا أسلمَا جميعًا، وقد قبض أحدَ العوضين، مع كونهما يَدِينَان بدِينِ الإِسلام الذي يحرّم عليهما فيه استئناف مثل هذا العقد. فكذلك إذا أَسلم أحدهما مع كون الآخر تعلّق له حقّ، وهو يعتقد أن العقد الذي فعل حلال له.
وإذا قلنا بفسخ العقد إذا أسلما جميعًا، فإن ابن القاسم ذهب إلى فسخه، لكونه حكمًا بين مسلم وذميّ، والحكم بينهما كالحكم بين المسلمين.
وأمّا مالك فإنّه يتوقّف في ذلك إذا تعلّق للنّصراني حقّ في إمضائه، فقال:
стр. 2158
إن أسلم ذميّ إلى ذميّ دينارًا في دينارين، فإنّه إن أسلم الذي دفع الدينار لم يكن له سواه، لكون الفسخ على مقتضى دين الإِسلام، الذي رجع إليه لا يوجب له إلاّ رأس ماله، ولا مضرة على المسلم إليه الذي بقي على دينه، بل الفسخ أنفع له لكونه إذا لم يفسخ ذلك ألزم ديناران فإلزامه دينارًا واحدًا منهما أنفع له وأخفّ عليه. وأمّا إن أسلم الذي عليه الدّيناران فإنّ مالكًا ﵁، قال: لا أدري. لأنّه إذا فسخ العقد في حقّ هذا المسلم لحق النّصراني ضرر بإسقاط دينار كان استحقه لما عقد هذا العقد، والمتعاقدان نصرانيان. فإن أمر الذي أسلم بدفع دينارين فقد تمّم العقد وأمضاه عليه، وهو في دين الإِسلام محرّم ممنوع.
وقد ذكر في الموازية في نصراني أسلم دينارًا في دراهم إلى أجل لنصرانيّ مثله، ثم أسلم دافع الدّينار، فإنّه يفسخ العقد في حقه خاصة. لكون هذا حرامًا في دين الإِسلام. ولا يفسخ في حقّ النّصراني الذي بقي على دينه. وإذا لم يفسخ في حقّ النّصراني قضي عليه بإخراج الدراهم الّتي في ذمته. ونهي المسلم عن أخذها، لئلا يكون متهمًا لعقد عقد على ربا. فتباع الدّراهم، ويشتري بها دينارًا. فإن قصرت الدراهم عن الدّينار كان ذلك مصيبة على دافع الدّينار. وإن ساوته أخذ الذي أسلم الدّينار رأس ماله. ووافق ذلك طريقة من فسخ العقد في حقهما جميعًا وردَّ رأس المال. وإن فضل من الدّراهم فضلة ردّت للنّصراني، لكون المسلم حرام عليه أخذها. فتعود إلى ملك النّصرانيّ الّذي دفعها. وهذا كالأمر بردّ رأس المال فيمن أسلم دينارًا في دينارين. ولكنه ها هنا لمّا كان قد يلحق النّصراني ضرر في القضاء عليه بدينار، لكون الدراهم نقصَ قيمتها عن الدّينار، أو لتعذر الدّينار عليه، روعي حقّه في ذلك، على حسب ما قلناه.
وأمّا إن أسلم دينارًا في خمر، والمتعاقدان على ذلك نصرانيان، فأسلم الّذي عليه الخمر، فإنّه يفسخ العقد في حقه، ويردّ رأس المال، ولا يراعى في ذلك حقّ التصرانيّ، لكون الخمر يستحيل من المسلم تملكها في شَرعه، ولا يجوز له شراؤها. فصار النصرانى وإن تعلّق له حق بأن لا يفسخ العقد، ويطلب الخمر التي أسلم فيها، فإنّه لمّا استحال وجودها عند المطلوب استحال طلبه،
стр. 2159
ووجب فسخ العقد. كمسلم اشترى سلعة معيّنة فيها حق توفية، فهلكت لَمّا استحال طلب المثمون (١) إذا هلك، أو أسلم في شيء فطرأ ما أحال وجودَه.
وإن أسلم الذي له الخمر فقال مالك ها هنا: لا أدريً لأنه إن فسخ العقد وأمر النّصرانيّ الذي عليه الخمر بردّ رأس المال، وقد تعلّق له حق بأن لا يرد إلاّ عوضه لَحِق النّصراني في ذلك ضرر. وإن أمر النّصراني بأنْ يدفع ما عليه من خمر مراعاة لحقّه، لَحِق الذي أسلم ضرر لكونه لا يحلّ له تملّكها، وإذا أخذها أريقت عليه. فتوقف مالك، ﵁، في هذا لأجل تعارض الحقّين. وقد ذكر عن ابن القاسم أنه قال: يغرم النّصرانى الخمر وتراق على المسلم إمضاء للعقد في حقّ النّصراني، كما (٢) يلحقه في فسخه من الضرر، وإذا أمضي العقد في حقه وجب إراقة الخمر على الذي يصير إليه إذ لا يحلّ له ملكها ولا شربها.
وقد قيل في سلف الخمر، إذا أسلم الذي دفعها قرضًا مثل هذا كما نذكره الآن. وهذا على هذه الطريقة. وقال عبد الملك: إذا أسلم الذي عليه الخمر لم يكن عليه غرامة، ولا للطالب الذي دفع رأس المال فيها مطالبة بشيء. وهذا كمثل ما حكيناه عن سحنون في السليمانيّة أنّه إذا أسلمها (٣) جميعًا فإنه يسقط الخمر عن من هي عليه ولا مطالبة عليه برأس المال ولا غيره.
وعلى طريقة محمَّد بن عبد الحكم يغرم الّذي عليه قيمتها عوضًا عن عينها لمّا استحال ملكه لها وشراؤه إيّاها شرعًا.
وقد أشار بعض المتأخّرين إلى أنّ هذا يقدر بإسلامه كمن استهلك خمرًا في يد نصراني، فإنه يغرم قيمتها على إحدى الطريقتين عندنا.
وهذا البناء على هذا الأصل يعترض بأنّ الذي لا يجوز للمسلم أن يُقبضه
стр. 2160
ما في يديه من خمر، لأنّه عهد (١) على إقرارها في يديه. فإذا تعدّى المسلم عليه طولب بالتعدّي، وهذا غير متعدٍّ بإسلامه بل هو مأمور به، فلا يقدر إسلامه ورجوعه إلى الدّين الحق تعدّيًا على النّصراني حتى يطالبه النّصراني بما أتلف، ولا يتهم أحد في أن يسلِم ويدين بدين الحق ليبطل خمرًا وجب عليه في حال كفره.
هذا حكم تعاملهما على جهة المعاوضة في الخمر والرّبا.
وأمّا لو أسلف خمرًا أو خنزيرًا ثم أسلما جميعًا، فإنّ الخمر يسقط الطلب بها، لكونها حرمت على الطالب والمطلوب، ها هنا، لما أسلما.
وإن أسلم الذي دفعها وأسلفها فإنّه ذكر في الموّازية أنّ المطالبة ساقطة أيضًا بينهما، أسلم الطالب أو المطلوب .. وذكر ابن القاسم أنّ الطّالب إذا أسلم قضي على المطلوب بأن يدفع إليه الخمر فتراق، أو الخنزير فيقتل. وإن أسلم المطلوب غرم قيمتها لتعلّق حقّ النّصراني بأن يردّ إليه ما دفع. والذي عليه الخمر والخنزير لا يصحّ منه شراء ذلك ولا ملكه، فكلّف أن يدفع عنه عوضًا يجوز في دين المسلمين أن يتملّكه ويشتريه ويقضيه في دين عليه.
والجواب عن السؤال العاشر أن يقال:
الرّبَاع الذي (٢) في بلد الكفّار على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون المسلمون صالحوهم على ألاّ يقاتلوهم ولا يبيحون من أموالهم بعوض يأخذونه منهم.
والثاني: أن يكون المسلمون استولوا عليهم الأرض وفتحوها عنوهّ وأقرّوا سكّانها فيها الذين كانوا أهل حرب.
والثالث: أن تكون أرضًا أجْلِي عنها أهلها، وتركوها خالية، فوارًا من أن يغزوهم المسلمون.
فأمّا الأرض الّتي صالحوا عليها بعوض يؤخذ منهم، فإنهم ييقون فيها
стр. 2161
على ما كانوا عليه قبل الصلح لا تنزع من أيديهم ولا تباع عليهم، ما داموا يؤدّون ما صالحوا عليه، لأنّ نزعها من أيديهم وبيعها عليهم نقض لما عاهدناهم عليه. وإذا مات منهم أحد وَرِثَه ورثته يرثون أرضه وماله. وإن لم يكن له ورثة في ماله قولان: قال ابن القاسم يكون للمسلمين، وروي عنه أنه قال: يكون ملكًا لأهل بلده يستعينون به فيما عليهم من الأداء الذي صولحوا عليه.
فكأنه أجراه في القول الأول مجرى مسلم مات ولا وارث له، فإن ماله يكون للمسلمين فلا يكون من لا وارث له من الكفار أعظم منه رتبة في منع المسلمين من ماله.
وكأنّه قدر في القَول الآخر أن الصّلح عُقد على أن من مات منهم يستعينون بماله إذا لم يكن له وارث منهم بالقرابة.
وهذا يقتضي النظر فيه اعتبار كيفية الصّلح. فإن كانت المعاقدة على أن من مات ولا قريب له منهم يرثه، فإن ماله لهم بأنه لا ينبغي أن يختلف في أنّ ماله يبقى لهم لكون الشّرع منعنا من نقض العهد الذي عاهدناهم عليه. وإن عاهدناهم على أن من مات ولا وارث له فلا حقّ لهم في ماله، فلا ينبغي أيضًا أن يختلف في أنّه لا يجب تمكينهم منه، لأنهم أهل حرب بقي الحكم فيها على الأصل الذي كان عليه من استباحة أموال أهل الحرب.
ولكن إذا أطلق الأمر في المعاهدة وجب النّظر في المفهوم منها، وعلى ماذا يحمل إطلاقها من القسمين، فيجوز الحكم فيه. والأظهر مع الإشكال والاحتمال أن يبقى المال على استباحة المسلمين له.
هذا حكم موته.
وأمّا حكم إسلامه، فإن المشهور أنّه إذا أسلم بقيت له أرضه وماله، وسقطت عنه الجزية، وعن أرضه الخراج. وذكر ابن حبيب أنّ هذا إنّما يقضى به إذا كان وقع الصّلح على جزية فرضت على كل واحد منهم، وخراج ضرب على كل واحد منهم. وأمّا إذا صولحوا صلحًا مجملًا على مال يؤدّونه فإنّ الأرض لا
стр. 2162
تكون لمن أسلم ولا تورث عنه. وهي كالوقف وكالمرتهنة بأيدي المسلمين، ولا يمكّن من صالح عليها من أهل الحرب من بيعها، ولا تكون له إذا أسلم.
وهذا التفصيل الذي فصّله يلتفت فيه إلى ما قدمناه في كون المصالحة وقعت على أداء جزية فرضت على كل واحد بعينه، وخراج فرض على كل واحد على أرضه. فها هنا إذا أسلم امتنع مع إسلامه أن يطالب بالجزية الّتي هي صغار وإذلال لمن لم يسلم، أو لخراج الأرض التي هي عوض إقراره فيها. والإِسلام يعصم به الإنسان الدّم والمال. فإذا كان الصّلح على مال مجمل فإنّ ذلك المال إنّما يطلب به ما يتعلّق بالخراج كالأرض. وكأنّ الأرض مرتهنَة للمسلمين فلا يمكن الحربي من بيعها. ولو أسلم لم تكن له لكون أصل الصلح عقد على أن المسلمين تعلّق لهم حقّ بعينها ما دامت موجودة فتكون الأرض يستعين بها أهل البلد على ما فرض عليهم من الأداء. فإن حاول الصّلحي بيع أرضه، ولا خراج عليها، وإنّما عقد الصّلح على جزية يؤدّيها عن نفسه، فإنّ له بيع أرضه لكونها لم يتعلّق بها حقّ للمسلمين. وأمّا إذا فرض عليها خراج، فظاهر المذهب على قولين: المنصوص منهما، والمشهور: أنّ من هي بيده من أهل الصّلح لا يمنع من بيعها. وروى ابن نافع عن مالك في المدوّنة جواز بيعها، ولكنّه قيّد ذلك باشتراطه فيه إذا لم تكن عليها جزية.
وتأوَّل الأشياخ عليه أن دليل هذا الخطاب يقتضي المنع من بيعها إذا كانت عليها جزية.
وعلّل الشيخ أبو محمَّد هذا المنع من بيعها إذا كانت عليها جزية يكون هذا البيع إذا كانت على الأرض جزية لا ينفكّ من كونه ضررًا. وأشار إلى أنّا إن قلنا بقول ابن القاسم أنّ الخراج يكون على بائعها فإنّ بائعها قد يفلّس أو يتعذر الأخذ منه، فيجب للإمام بيع الأرض فيما تعلق بعينها من حقّ، ويخرجها من يد مشتريها، فيصير المشتري اشترى شيئًا لا يعلم هل ينزع من يديه أم لا؟ وإن انتزع فلا يعلم أمد انتزاعه. وهذا منه إشارة إلى أنّ الخراج إذا قضي بكونه على
стр. 2163
البائع فأفلس، فإنّه لا تسقط المطالبة وتبقى الأرض في يد مشتريها يغتلّها، والمسلمون يبطل حقّهم فيها. وذكر عن ابن عباس أنّه كان يرى على هذه الطريقة أنّ البائع إذا أفلس بقي المشتري على اغتلال الأرض، ولم تنتزع من يديه، ولا يطالب بأداه.
فعلى طريقة ابن عبّاس يرتفع الضرر في هذا البع. وعلى طريقة الشيخ أبي محمَّد لا يرتفع الضرر لكون حقّ المسلمين لا يصحّ إبطاله، مع كون الأرض تغتلّ.
فكأنّ ابن القاسم قدّر أن الصلحيّ إذا ضرب على أرضه خراج فإنّه متعلّق به وبذمّته. وذمّته المقصودة بهذا. والأرض في حكم التّبع، لهذا المقصود.
وسواء عنده باع هذه الأرض من مسلم لا يصحّ، لأجل إسلامه، أن يطالب بالخراج، أو من ذميّ يحلّ محلّ البائع. ومنع ابن القاسم لما ذهب إلى كون هذا الخراج على البائع من اشتراط على المشتري لأنّه متى اشترط عليه أحدث في البيع ضررًا، لكون البائع إذا أسلم لم يطالب بالخراج، فصارت الأرض كالمبيعة بثمن، بعضه مجهول، وهو ما يؤدّي مشتريها من الخراج كل عام، فإنّه لا يدرى هل يسلم بائعها منه بعد عام واحد من تاريخ شرائها، فلا يؤدّي المشتري أكثر منه، أو يعد عشرة أعوام أو عشرين عامًا فيتضاعف عليه الأداء. فصار هذا غررًا في الثمن.
وذهب أشهب إلى أنّ الصلحي إذا باع أرضه كان خراجها على مشتريها ما دام البائع على دِينه، فإن أسلم سقط الخراج عن المشتري. ولا يجوز عنده أن يشترطه المشتري على البائع لأن في ذلك نقل حقّ المسلمين عن عين الأرض، ومطالبته من يغتلّها إلى ذمّة من لا يغتل هذه الأرض، وقد يفلس فيضيع حق المسلمين، وتكون الأرض تغتكّ ولا مطالبة له. وقد كنّا قدّمنا في كتاب بيع الغائب أنّ مالكًا اختلف قوله في بيع السّلعة الغائبة هل ضمانها من البائع أوْ من المشتري؟ وأجاز بناء على كل واحد من القولين أن يشترط الضّمان
стр. 2164
من في المحلّ الآخر لأجل كون هذا الشرط مختلفًا فيه. فكأن الاشتراط صادف محلاًّ قبل هذا الشّرط هو أصل الحكم فيه.
وقد يقال على هذا التعليل: إنّ تحويل هذا الخراج من محلّ إلى محل آخر، بأن يشترطه البائع إذا قيل: إنّه عليه على المشتري، أو يشترط المشتري إذا قيل: إنّه عليه على البائع، يقال الجواز على ما قلناه في تحويل الضمان في بيع السّلعة الغائبة من محلّ إلى محلّ.
فهذا مِمّا ينظر فيه فكأن أشهب لم يلتفت إلى ما يتصوّر من ضرر في هذا العقد، لكون المشتري يسقط ذلك منه إذا أسلم البائع، لأنّ الغالب عنده في أهل الكتاب أنّهم لا يتنقلون عن دينهم. فصار إسلامه، وإن جوز عقلًا، غير ملتفت إليه عند هاذين المتبايعين.
وأمّا أرض العنوة فإن المسلمين قد ملكوها بالغلبة عليها والقهر لأهلها، فهي من جملة ما غنموه. وقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ (١) الآية. فاقتضى هذا أنّ الأربعة الأخماس للغانمين. ولهذا قال، في إحدى الرّوايات عنه: إنّ أرض العنوة تقسّم، أخذًا منه بعموم هذه الآية قياسًا على سائر ما أخذوه وغنموه من أموال أهل الحرب. وأيضًا فقد قسم النبيّ ﷺ أرض خيبر لمّا فتحها عنوة (٢). وقال مرّة أخرى: لا تقسّم لأنّ النبيّ ﷺ فتح مكّة عنوة على مذهبه، ثم أجمعوا أنّه لم يقسمها (٣). وقد ذكر عمر أنّ الرّأي عنده ألا تقسم أرض العنوة لأجل من يأتي بعد عصره من المسلمين كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤) الآية فذكر هذا بعد ذكره ما أفاء الله على رسوله ﷺ (٥).
ولهذا قال مالك: لا تباع مصر. لأنّها أقرّت لمن يأتي من المسلمين، وأرضها
стр. 2165
كالحبس الموقوف على المسلمين (١) ولهذا لا تباع عنده ديار مكّة بناء على أصله لأنّها فتحت عنوة.
وقد اختلف النّاس في بيع رباع مكة وإجارتها. فمذهبنا بيع رباعها وإجارتها.
وبه قال أبو حنيفة. وإن كان أبو حنيفة قال: أكره بيعها لكنّ أصحابه حملوا قوله هذا على التحريم للبيع. وذهب الشافعي إلى جواز ذلك. ومذهبه أنها دُخلت صلحًا.
وقد اختلفت الظواهر والأقيسة في جواز بيع ذلك أو منعه.
واستدل من منع ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٢). ورأى هذا كناية عن الحرم كلّه، وما أحاط به من المسجد والدّيار. وعضد هذا بأنّ المصلحة المنع من ذلك لكثرة الوارد عليها لقضاء فريضة الحجّ على العباد، فتمسّ الحاجة إلى كون رباعها مباحة للواردين غير مقصورة للسّاكنين. وبأنّ مكّة كلّها يُمنع الصّيد في ديارها، كما يمنع في المسجد الحرام، فدلَّ أنّهما سيّان. وأيضًا فقد روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: رباع مكة لا تباع ولا تؤاجر (٣). وهذا نصّ في عين المسألة.
ويستدل الآخرون بأنّ النبيّ ﷺ ، لمّا أتى مكّة عرض عليه النّزول في رباعه فقال: وهل ترك لنا عقيل ربعًا (٤)؟ وكان أبو طالب أسلم أبناؤه قبل وفاته وهما علي وجعفر ﵄. وتأخّر إسلام عقيل إلى أن مات أبوه أبو طالب فورثه دون ولديه المسلمين وباع رباعه (٥)، فأشار ﵊ بقوله هذا إلى إمضاء بياعاته وإمضاء ميراثه. فلو كان البيع لرباعها لا يجوز لم يُمْضه ﷺ ، ولأخبر أنّ هذه البقعة تختصّ، لحرمتها، وحاجة النّاس للورود عليها، لمنع بيعها بخلاف سائر البلاد.
стр. 2166
وأيضًا فقد قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (١) فأضاف الدّيار إليهم، والإضافة لمن يعقل محمولة على الملك، فاقتضى هذا صحّة ملك رباع مكة وما صحّ ملكه جاز بيعه.
وقد توزع الأوّلون في استدلالهم بأن الآية إنّما ذكر فيها المسجد الحرام، والمسجد الحرام اسم لبقعة مخصوصة محدودة، فلا يدخل فيها غيرها كما لا تدخل بغداد في اسم مكّة. وأيضًا فإن الطبري ذكر في تفسيره للقرآن أنّ المراد ذمّهم على صدهم ومنعهم من الحجّ في قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (٢) وذمهم على المنع من الطّواف بقوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣) وإن (٤) قوله: رباع مكة لا تباع. محمول على الاستحباب والمواساة بها لمن ورد من الحجّاج. كما قال في حديث آخر: لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا الحديث (٥) لأجل الحاجة إلى المواساة في مثل هذا.
وتوزع الآخرون أيضًا باستدلالهم بأنّ الإضافة إلى الفقراء إضافة سكنى لا إضافة ملك لرقاب الدّيار. ألا تراه كيف قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ (٦). فسمّى الأموال بعد ذكر. الدّيار، فقال: إنها ليست بأموالهم.
وأيضًا فقد سمّاهم فقراء ولو كانت الدّيار من أموالهم لم يسمّوا فقراء.
وأمّا كون الصّيد يستوي في المنع منه المسجد الحرام وبيوت مكة. فإنهما يفترقان أيضًا في الطواف، لكون الطواف غير مشروع حول بيوت مكة بل هو مقصور على الكعبة.
وأمّا من يستدلّ على جواز بيع بيوت مكة يكون النّاس يتبايعونها عصرًا
стр. 2167
بعد عصر، ولا ينكر ذلك عليهم، فإنّه قد قال بعض البغداديين: إنّ التّبايع إنّما وقع على الأبنية والسّقوف لا على نفس الأرض، والمشي عليها غير ممنوع ولا مقصود بالبيع.
وهذا الذي قاله ممّا ينظر فيه. وقد تكرّر سؤال القضاة عن بيع ديار المنستير لكون من يبيعها يظهر أنّه إنّما باع الأنقاض والخشب. فلم أَسهّل في ذلك لكون الأنقاض لو بيعت وهي منقوضة ما بلغ ثمنها عشر ثمن ما تباع به الدّيار المبنيّة هناك. فللأرض حصّة من الثمن ويعتقد بائعها ومشتريها أنّه قد ملك الجميع الأرض وما بُني عليها ملكًا يصحّ له مثله لمن حبس على مثله الانتفاع بفناء القصر الكبير الذي هذه الديار بأفنيته ممن لا يحبس ذلك على مثله.
وهذا الذي ذكرناه في أبنية المنستير التي بنيت في أفنية القصر القديم يفتقر إلى بسط. وإنما ذكرنا ها هنا حكم بيع بيوت مكة وإجارتها لتعلّقها بأحكام العنوة على مذهبنا، أنها فتحت عنوة، فأضفنا إلى ذلك ما ورد في الشرع من أنّه (١) الظواهر المبيحة للبيع والمانعة له. وسننبّه على ما وقع في المدوّنة في كراء بيوت مكة في موضعه إن شاء الله تعالى.
قال القاضي أبو محمَّد، ﵀:.
ولا تجوز التفرقة بين الأمّ وولدها الصغير في البيع. وحدّها الإثغار.
ويجوز في الأب.
قال الشيخ الإِمام ﵀: يتعلّق بهذا الفصل ثمانية أسئلة منها أن يقال:
١ - ما الدليل على منع التفرقة بين الأمّ وولدها في البيع؟
٢ - وهل يقاس على الأم غيرها من الأقارب؟
٣ - وما الحدّ الذي ينتهي إليه في الأمر بالجمع بينهما؟
٤ - وهل يفسخ البيع المعقود على التفرقة بينهما؟
٥ - وهل الجمع بينهما يكون في ملك واحد أو في حوز واحد؟
стр. 2168
٦ - وهل العتق لأحدهما كالتفرقة في البيع؟
٧ - وما الحكم إذا تعلق لرَجل حقّ نقل الملك لأحدهما دون الآخر؟
٨ - وما حكم التفرقة في حق ملك ناقص؟
فالجواب عن السّؤال الأوّل أن يقال:
روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبتّه يوم القيامة" (١). وهذا يدل على التأكيد لما فيه من الإرهاب بشدّة الوعيد في التّفرقة في القيامة بين الإنسان وبين من يحب. وذكر الترمذي هذا الحديث وهو حسن السند (١) وقال أيضًا ﷺ : لا تُوَلهُ والدة على ولدها" (٢) فنبّه ﷺ على معنى معلوم صحّته من جهة العادة، وذلك أن الأمهات لهنّ من النزوع على أولادهنّ، وشدّة الرَّحمة والعطف، ما يخفّ عليها به أن تحمّل نفسها الآلام عن ولدها، ويبدو منها من الوله عليه إذا تُعرِّض به لأمر يخاف منه عليه ما تكاد معه أن تزهق به نفسها، أو تسلم لأجله بدنها، فحجّر على مالكها ومالك ولدها أن يتصرّف في ملكه كيف شاء ببيعهما مجتمعين أو مفترقين. لكون التحجير عليه في هذا ليس فيه من الإضرار ما يبلغ الإضرار بالأمّ في فراق ولدها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
اختلف العلماء في المنع من التّفرقة.، هل ذلك مقصور في الأمّ خاصّة أو يقاس عليها غيرها؟ فمالك، ﵀ قصر هذا الحكم عليها. وأجاز التفرقة بين الصّغير وبين أبيه وجدّه وجدّته وسائر قراباته سوى الأمّ.
وحكى ابن الموّاز عن بعض أهل المدينة أنه أضاف إلى الأمّ في هذا الحكم الأب. ورأى المنع من التّفرقة بين الولد وأبيه في البيع. ومال إليه بعض أشياخي.
وأضاف الشافعي إلى الأمّ ولد الولد فقال: لا تفرّق بينهم في البيع ما داموا صغارًا. وقدّر أنّ الضَرر المشار إليه ها هنا يتصوّر في سائر ذوي
стр. 2169
الأرحام. وإنْ قصر جميعهم عن الأمّ في شدّة العطف على الصغير، والحنين والجزع من فراقه، ومن سواها يتفاوتون في هذا المعنى، وليس تقصيرهم عن الأم في الجملة بالذي يسقط حقّهم في الجمع لأجل ما يلحقهم من الضرر.
ورأى الشافعي أنّ الجدّة تكاد تقارب الأمّ في المعنى الذي أشرنا إليه من الحنان وشدّة النزوع إلى الولد، فوجب أن تُلحق بالأمّ في هذا الحكم، ولا يلحق من سواها من الأقارب لما علم من جهة العادة أنّ الخالة والعمّة والأخ والأخت لا يلحقون في هذا المعنى بالأم والجدّة. ورأى بعض أهل المدينة أنه يتضح في العادة مساواة الأب للأم في هذا المعنى لكون الولد كعضو من كل واحد منهما.
ويلحق الأب بالأمّ في هذا.
وبالجملة فإنّه لا يشكّ في اختلاف طبقات الأقارب في هذا المعنى. ولا يتضح في الخالة والعمّة والعمّ والخال من شدة الضّرر ويتّضح في الأبوين والجدّة. وإنّمّا يتضح القياس مع المساواة في معنى العلّة. ومن ذكرناه من عمة أو خالة لا يساوي في هذا المعنى الأبوين والجدّة. هذا إذا قلنا بأن المنع من التفرقة بين الأمّ وولدها في البيع حقّ للأم على ما ذكر ابن عبد الحكم في مختصره من أنّ الأئم إذا رضيت بالتفرقة بينها وبين ولدها لم يمنع سيّدها من أن يفرّق بينهما في البيع. وإن قلنا: إنّ المنع من التفرقة إنما يعتبر في حق الولد في هذا، كما قاله ابن الموّاز عن مالك: إنه لا. يفرّق بين الأمّ وولدها في البيع ولو رضيت الأمّ بذلك. وقع النّظر فيما قاله أبو حنيفة فإن الولد إذا بيع وحده، وهرب مشتريه وهو صغير لا يجد من يربيه، فإنّه يلحق به الضّرر الشديد من أن يفرّق بينه وبين خالته أو عمّته.
ويجري هذا مجرى التفرقة في الأحرار. فإنّ الحضانة للخالات، وإن كره الأب ذلك، إذا لم تكن أمّ ولا جتة، ولكن المذهب أن حكم الحضانة في الأحرار خلاف حكمها في المماليك لما يلحق المالك من الضّرر في ماله بأنْ لا يبيعه كيف يختار من جمع أو تفرقة.
والحضانة في الأحرار هل ذلك حقّ للولد أو للأمّ؟ ففي المدوّنة أنّ المرأة
стр. 2170
إذا خالعت زوجها على أن تسلّم حقها في الحضانة، فإنّ ذلك خلع جائز، ويلزم ما رضيت به. وهذا مبنيّ على أنّ الحضانة حقّ للأمّ، ومن رضي (١) بإسقاط الأمّ حقها في الحضانة باطل (٢) بناء منه على أنّ الحضانة حقّ للولد. وإذا خالعت على إسقاط حقّ غيرها لم يلزم ذلك إذ ليس لأحد أن يسقط حقّ غيره لمنفعة نفسه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
أمّا حدّ التفرقة فقد اختلف فيه. فالمشهور عن مالك وابن القاسم أنّ حدّ ذلك استغناء الولد عن أقه، والعلمُ على ذلك الإثغار. ما لم يعجّل على الصّغير أو الصّغيرة. وهذا الاستغناء قال فيه مالك: هو أن يستغني عن أمّه في شرابه وطعامه وقيامه ومنامه. وهذا يحتمل أن يبنى على التّعليلين جميعًا. وإن كان الأظهر منهما إسناد هذا الحكم إلى حقّ الولد في التّربية. لأن من لم يثُغِر، ولم يعقل ما يُؤمر به ويُنهى عنه، ويهتدي إلى ما يحفظ به حياته ويدبّر به نفسه، مفتقر إلى من يقوم به في ذلك. فلوْ ترك الرّضيع والقريب العهد بالفطام إلى تدبير نفسه وغذائه لهلك، لأنّه لا يحسن كيفيّة التغذّي ولا أوقاته ولا صفة تناوله وإحضاره.
ويحتمل أيضًا أن يقال: ما دامت حاجته شديدة إلى أمّه، كانت في رحمته والعطف عليه أشدّ منها في ذلك إذا استغنى عنها. ولهذا كبار الأولاد لا يلحق نفس الأمّ في نزعهم منها ما يلحقها في صغير لا يعقل محتاج إلى تربيتها. فيكون من هذه الجهة الحكم مستندًا لحنانها ورحمتها. ولكنّه يختلف باختلاف السنين. وحدّهُ اللّيث بعشر سنين. ورأى أن ذلك علَمًا على الاستغناء عن أمّه.
وإلى هذا أشار في كتاب ابن الموّاز فقال: يفرّق بين الأمّ وولدها إذا استغتى عنها وختن وصار يؤمر بالصّلاة ويؤدّب عليها، وفارق أسنان اللّبن. فذكره التأديب للصّلاة وإدخاله المكتب والختان يشير إلى أنّ ذلك كلّه هو علم على الاستغناء عن أمّه. وذكر في ذلك أدبه على القملاة وهو إنّما يؤدّب عليها إذا بلغ عشر سنين.
стр. 2171
وقال ابن حبيب: يفترق بينهما إذا بلغ سبع سنين.
وهذا كلّه تحويم على اعتبار استغناء الولد عن أمّه وبلوغه إلى حال يستقلّ بها في نفسه.
وروى ابن غانم عن مالك أنّه (لا يفرّق) بينهما قبل البلوغ، ولا تجوز التّفرقة عنده إلاّ إذا بلغ الاحتلام.
وهذا المذهب أيضًا يمكن (أن) يكون مبنيًّا على اعتبار استغناء الولد عن أمّه. ورأى في هذه الرّواية أن من قصر عن شنّ الاحتلام فإنّه مفتقر إلى تربية أمّه.
وهذا كلّه استشهاد بالعوائد. وما أببد في هذه الرواية عن مقتضى العادة فإن لم يبلغ يشتدّ حنانُ أنه إليه ولا يكاد يستغني (عنها) كل الاستغناء. وإن كان المراهق في العادة أشدّ استقلالًا بنفسه وأقرب إلى الاستغناء عنها من ابن سبع سنين ونحوها. وإلى هذا كان يميل بعض أشياخي.
وذهب محمَّد بن عبد الحكم إلى أنه لا يفرّق بين الأمٌ وولدها طول ما عاشا.
وهذا المذهب بعيد غير مستند لما أسندنا إليه المذاهب المتقدّمة، لأنّه لا يشكّ عاقل في أن ابن خمسين سنة مستغن عن أمّه، وأنها إذا كانت قد بلغت إلى الهرم فإنّها هي المحتاجة إليه. ولكنّه ذهب إلى عموم الحديث، وهو قوله ﷺ : "من فرّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبّته يوم القيامة" (١). ولا شكّ أنّ عموم هذا يقتضي منع التفرقة. وأن حبّ الأمّ الولد لا يذهب وإن طعن الولد في السنّ.
والجواب عن السؤال الرّابع أن يقال:
اختلف المذهب على قولين في النّهي عن التّفرقة. هل ذلك من حق الله سبحانه فيما حرّم الله وحلّله، أو من حقّ المخلوقين التي نهى الباري سبحانه عنها لرفع ضرر عنهم، أو ما في معناه، فذكر ابن حبيب أنّ من قَول مالك
стр. 2172
وأصحابه أن بيع التّفرقة يُفسخ. حكى ذلك مطلقًا من غير تقييد. وإليه ذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب فقال: إنه باطل (١) الخمر، ويفسخ ولو رضيا بالجمع بينهما.
والمشهور من المذهب أن المقصود بهذا النهي رفع الضرر عن المخلوقين، على الاختلاف الذي قدّمناه. هل ذلك مقصود به رفع الضرر عن الأمّ في أن لا تولّه عن ولدها، فإذا رضيت بالتفرقة صحّ البيع ولم يمنع. أو المقصود بالنّهي ودفع (٢) الضرر عن الولد في أن لا يفقد رفق أمّه به وحياطتها، على حسب ما قدّمنا ذكر الخلاف في ذلك وتوجيهه.
وإذا قلنا: إنّه من حقوق الخلق فإنّ البيع لا يجب فسخه إذا وجدنا سبيلًا إلى إزالة السّبب الذي وقع النّهي لأجله وهو رفع الضّرر، وذلك بأن يرضى من في يده الأم أن يبيعها مِمّن صار في يده الولد بما يتّفقان عليه من ثمن، أو يرضى من في يده الولد أن يبيعه ممن في يده الأم بثمن يتفقان عليه. وإن لم يتراضيا بذلك، فالمذهب على قولين: هل يعدل إلى الفسخ إذا لم يوجد سبيل إلى رفع سبب النّهي وهو مذهب ابن القاسم، أو يباع الولد وأمّه من رجل واحد فيزول سبب النّهي؟ وهو اختيار ابن الموّاز. فكأنّ ابن القاسم رأى أنّ رفع سبب النّهي إنّما يتصوّر بوجه واحد. وهو أن يتراضى مالك الأمّ ومالك الولد بأن يبيع أحدهما ما في يده من الآخر. وأمّا بيعهما عليهما جميعًا فإنّ ذلك يوقع في نهي شرعي وهو جمع السلعتين لمالكين في البيع، وهو يرى المنع من ذلك، فلا يُصلَح منهي عنه بالوقوع في منهي عنه آخر. وكأنّ ابن الموّاز رأى جواز جمع السلعتين في البيع لمالكين، كما ذهب إليه أشهب، ورأى أن ركوب مذهب أشهب في هذا أخفّ من فسخ البيع. وقد أشار ابن الموّاز في احتجاجه لما ذهب إليه في هذا بأن ذلك كبيع المسلم المصحف من النصرانيّ. وابن القاسم يرى أن
стр. 2173
البيع لا يفسخ، وأنّه يباع على الثصرانيّ ما اشتراه من ذلك، فيحصل بالبيع عليه رفع السّبب الذي لأجله وقع النهي. وينفصل ابن القاسم عن هذا بما أشرنا إليه من توجيه قوله بأنّ بيع المصحف على النّصراني لا يركب فيه نهي آخر، وبيع الولد وأمّه مجموعين وهما لمالكين يركب فيه نهي آخر وهو بيع سلعتين لمالكين. فهذا الانفصال عما أشار إليه ابن الموّاز منَ الحجة عليه. وقد ناقضه أصبغ بما ذكره ابن الموّاز عن ابن القاسم فيمن عنده أثم وولدها، فباع أحدهما من رجل، وتصدّق بالآخر على رجل آخر، فإنّهما يباعان عليهما من رجل واحد. فقال أصبغ: هذا رجوع منه عن الفسخ.
والانفصال أيضًا عن هذا أنّه إذا رجع إلى الفسخ فيمن باع ولدًا دون أمّه، أو أُمًّا دون ولدها، فإنّ من فسخ عليه البيع وأخذ منه ما اشتراه يرجع بعوضه وهو الثمن الذي دفع فيه، فلا يلحقه من ذلك كبير مضرّة في إبطال ملكه بالكلية. وإذا راعينا في الهبة جمع السّلعتين، وأنّ ذلك لا يجوز، وفسخنا الهبة أبطلنا حقّ الموهوب له بغير عوض يأخذه. وهذا من الضّرر البيّن الذي يقتضي أن العدول عنه إلى ما هو أخفّ أوْلى، وهو جمع السّلعتين، ويقدّر أن الهبة لما وقعت ها هنا وفسخنا إبطال الملك بالكلية، صار ذلك كالفوت فيها، ونحن نذهب في بيع التّفرقة إلى أنّ الفسخ إذا وجب بعد أن فات البيع بحوَالة أسواق فإن البيع لا يفسخ لأجل الضّرر في فسخه بحوالة السّوق، ولكن تجب فيه القيمة لفساد العقد، أو يمضي بالثمن إذا قلنا: إن فساد هذا لحق الله سبحانه في النّهي عن هذا العقد، مع كون الثمن والمثمون جائزين لا غرر فيهما، كبيع الجمعة وشبه ذلك، وهو مذهب ابن عبدوس في بيع التّفرقة إذا انفسخ إمّا بكبر الولد، أو بحوَالة السّوق، فإثه يمضي بالثمن إذا كبر، ويمضي أيضًا بالثمن إذا حال السّوق، ويجبرانِ على الجمع بين الأمّ وولدها، على حسب ما قدّمناه في البيع عليهما.
ولو قلنا بما ذهب إليه القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب من وجوب الفسخ
стр. 2174
في بيع التفرقة، وإنْ جمعَا بينهما، لتمكن (١) أيضًا على هذا التعليل الذي ذكرناه أن نقول ها هنا: إنّ الهبة لا تفسخ، لكن يحكم بالجمع بينهما، لكون الهبة ها هنا في معنى بيع فاسد، ولا يفسخ بعد فوته. ويمكن أيضًا أن يذهب إلى ردّ الهبة. فهذا مِمّا ينظر على أصله. فيستخلص من هذا أن بيع التفرقة إذا وقع المذهب فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: فسخ البيع على كل حال.
والثاني: إمضاؤه على كل حال، وإزالة سبب النّهي بالبيع عليهما إن لم يتراضيا بالجمع طوعًا منهما.
والثالثة: أنّهما إن تراضيا بالجمع لم يفسخ البيع. وإن لم يتراضيا به فسخ البيع، على حسب ما فضلناه من هذه المذاهب وتعليلها.
وبعض أشياخي يشير إلى القَدح فيما وجّهنا به مذهب ابن القاسم بأنّه يمكن إزالة لبسبب النّهي أيضًا في جمع السّلعتين لمالكين في عقد واحد بأن تقوّم الأم ويقوَّم الولد، ثم تباعان جميعًا، ويقسم الثمن على نسبة القيمتين. فيصير كل واحد من المالكين لم يعقد البيع إلاّ وهو يعلم ما ينويه من الثّمن الذي بذله مشترياه وقد كنّا نحن أشرنا إلى هذا في كتاب البيوع الفاسدة، وتكلمنا على ما يتعلّق به. وهكذا أيضًا يقصد ما ذكرناه من الخلاف على وجه دون وجه بأن يقول: بأنّ العاقدين لبيع التفرقة إنْ علمًا أن الشرع يجبرهما على الجمع أو يبيع الأمّ والولد عليهما، صارا قد عقدا على غرر، وهو تجويز أن يصحّ ما اشتراه المشتري، أو لا يصح (٢) بثمن يباع به عليه وذلك غرر وخطر. والبائع أيضًا يجوز أن تؤخذ الأمّ من يده فتباع عليه، فيصير قد خاطر في هذا العقد. وهذا يتّضح معه فساد البيع ووجوب فسخه على كلّ حال.
ولو علم بذلك أحدهما وجهل به الآخر، يجري على الخلاف في علم
стр. 2175
أحد المتبايعين بفساد العقد، هل يفسد ذلك العقد، كما لو علمًا جميعًا، أو لا يفسده. بخلاف أن يدخلا جميعًا على العلم بفساد العقد وتحريمه؟
وهذا الذي أشار إليه ينبغي أن يتحقّق تصوّره بأنهّما دخلا على علم بذلك، وهما يلتفتان إلى ما يمّضي به القاضي عليهما في هذا. وأمّا لو عقدًا وهما يعتقدان أنّ ذلك لا يقدر على فسخه عليهما، وصمّما على أنّ الغرر في ذلك لا يمكن إلاّ أن يقعا فيه، لكان هذا مِمّا يمنع من اتّضاح تصوّر الطريقة الّتي أشار إليها.
وكان أيضًا يرى أنّهما إذا جهلًا جميعًا التحريم ووجوب إنفاذ البيع الذي عقداه، أن يباع عليهما، فإنّ لكل واحد فيما عقد على نفسه لمَا طرأ عليه من عيب بعد العقد، وهو كون المشتري مجبورًا على أن يخرج من يده ما اشتراه والبائع مجبور على أن يبيع غير الذي رضي يبيعه.
وهذا أيضًا مَمّا ينظر فيه، لأنّهما إذا استويا في الجهل بهذا الحكم، ودخلا على تأبيد ملك كل واحد منهما، فإنّ هذا يصير كعيب اطّلع عليه بعد العقد، والبائع والمبتاع يستويان في الجهل به، فصار ذلك كعيب وجد في باطن خشبة باعها، يعلم العيب إلاّ بعد كسرها، لكن هذا العيب الموجود في باطن الخشبة يستوي النّاس كلّهم في الجهل به، وهذا الذي ذكره في بيع التّفرقة وإن جهله هذان فإنه يعلمه غيرهما من النَّاس، فيجب الردّ به. لكن لأجل أن سبب هذا العيب لم يكن من البائع خاصّة بل هو والمشتري سيان فيه، يجب النّظر فيه من هذه الجهة، فقد يظهر أنّ ذلك كعيب لم يدخل عليه المشتري، ولو علم به لم يدخل عليه، فيكون له بذلك مقال. وقد ذكر ابن سحنون أنّ رجلًا سأل سحنونًا في رجل باع مملوكتين له، وفي ملكه أمّهما، وإحدى البنتين المبيعتين بلغت حدّ التّفرقة، والأخرى لم تبلغ حدّ التّفرقة؟ فأجابه سحنون بأنّ الصّغيرة إذا لم تكن وجه الصفقة مضى البيع في الكبيرة وجمع بين الأم وابنتها الصغيرة في ملك واحد. وإن كانت الصغيرة فسخ البيع فيها.