يتضمنه من لحوق الضرر العام للجمهور.
ومن الأمثال المستعملة: صيانة رأس المال أولى من طلب الربح. لأن رأس المال إذا عدم عدم الربح. وكذلك. إذا كان طلب هذه المنفعة من الربح الذي يرجوه، يقابله ضرر الجماهير، فإن إزاحة الضرر عنهم مقدم على طلب هذا فائدةً منهم.
ومقتضى هذا التعليل ألاّ يمنع من ادخاره للقوت، لما في ذلك من حفظه حياته وحياة عياله، والتحزز من لحوق الضرر به بفقد القوت.
وقد وردت الآثار بادخار الأقوات. وقد قيل لبعض المتصوفة: إن من حقيقة التوكل على الله، ألاّ يدخر الإنسان شيئًا يعول عياله، بل إنما يجرد عزمه بالتعويل على الله. والشعبي ﵇ رأس المتوكلين، فما باله ادخر القوت لأهله؟ فقال: باطنه ﷺ التوكل، وظاهرهُ الاذخار ليسنّ لأمته جواز الادخار للأقوات. وأما الادخار طلبًا للربح، ولكنه قد يتضمن مرفقًا للناس من جهة، وضررًا من جهة أخرى، مثل من يشتري الطعام من السوق الأعظم حيث يجتمع فيه طعام الجلابين، ثم يبيعه على يديه في أطراف المدينة؛ فإن ظاهر المذهب في هذا الجواز، وهو المنصوص في هذا. ولكن سئل مالك عن من يشتري الطعام للطحن؟ فقال: أرى أن يمنعوا من ذلك. وهذا كأنه يشير إلى خلاف ما نص عليه؛ لأن مزاحمة من يبيعه على يديه بأطراف المدينة فيه مرتفق لمن لا يقدر على الشراء من السوق الأعظم لعجزه عن ذلك، أو لكونه يُعرض عن البيع منه إذا طلب القليل، فكان من المصلحة إباحة هذا لتضمنه مصلحة ورفقًا بأهل الحاجة، وإن تضمن غلاء في الأسعار.
وكذلك من يشتريه ليطحنه ويبيعه دقيقًا، فيه أيضًا مرتفق بمن لا يتمكن له الطحن لعجزه عنه، أو لكونه إن اشتغل به فاته التغذي بالطعام وقت الحاجة إليه. وكذلك أيضًا من يشتريه ليبيعه خبزًا. هذا كله مسلكه واحد، وهو
стр. 2207
الالتفات إلى الموازنة ما بين منفعة ومضرة، أيهما أولى بأن يقدم على صاحبه.
فصار شراؤه للاحتكار على وجه يضرّ بالناس ولا يتضمن منفعة لهم ممنوعًا، بلا خلاف. وعلى وجه تتقابل فيه منفعة من جهة ومضرة من أخرى، فيه من الاختلاف ما ذكرناه وأسندنا الخلاف فيه إلى الموازنة ما بين الضرر والمنفعة.
وأما إذا كان شراء ما يدخر لا يضر. بأحد من الناس، فإنه إذا كان مما لا تعمّ البلوى بالحاجة إليه، كالبزّ والعطر، فإنه يجوز شراؤه وادخاره بلا خلاف.
وإن كان مما تمس الحاجة إليه، كالأقوات وما في معناها، ففيه قولان، المشهور من المذهب في المدونة وغيرها، جواز شرائه للادخار، واعتبار لحوق الضرر وفي الاحتكار عمومًا في كل المتملكات يمنع شراءَها للادخار.
وارتفاع الضرر عن الناس إذا اشتريت، لكونها لا يغلو سعرها بشرائها، ولا يلحقهم ضرر من ذلك، إنه يجوز أيضًا في سائر المتملكات.
وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، أنهما يمنعان من احتكار الأقوات والعلوفات، كالحبوب والقطاني، وما يلحق بذلك كاللحم والسمن والزبيب (١) والعسل وشبه ذلك. ويذكر أن مالكًا كرهه.
وهذا ليس باختلاف في فقه، وإنما هو اختلاف في شهادة بعادة. لأن ابن حبيب أشار في كتابه بهذا المذهب إلى أن إحتكار الأقوات لا يكون أبدًا إلا مضرًّا بالناس، ونحن قد حكينا أن الضرر. إذا لحق ارتفع الخلاف في المنع من إلادخار. وقد وردت آثار يقتضي عمومها ما قال مطرف وابن الماجشون. فروي أنه ﵇: (نهى عن احتكار الطعام). وروي عنه أنه قال: (الجالب مرزوق والمحتكر ملعون) (٢). وإنه أيضًا قال: (من احتكر طعامًا أربعين يومًا بريء من الله، والله بريء منه) (٣). وروي عنه أنه قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) (٤).
стр. 2208
وهذه العمومات ربما اقتضت خلاف التفصيل الذي فصلناه، لكنا نخصصها بما أشرنا إليه من طرق الاستدلال والاعتبار بشواهد الأصول.
وقد ذكر أبو حامد الإسفرائيني في أن مالكًا ينهى عن الاحتكار فيما يضر إذا كان من الأقوات؛ ولا ينهى عنه إذا كان خارجًا عن ذلك، مثل السكّر وشبهه. ونحن قدمنا من مذهبه ومذهب أصحابه خلاف ما أشار إليه. قال: وأما صاحبنا -يريد الشافعي- فلم يذكر. هذا. وأشار إلى أنه لم يتكلم على المسألة، ولهذا أسندها لمالك.
فإذا وقع الادخار على الوجه الممنوع، فقد حكى ابن مزين عن عيسى أنه قال: يتوب المحتكر، ويخرج ما اشتراه إلى السوق، ويبيعه من أهل الحاجة برأس ماله الذي اشتراه به. وذكر غيره من أصحاب مالك أنه إن لم يفعل هذا بيع عليه من أهل السوق، يشتركون فيه برأس ماله إن علم، أو بقيمته يوم اشتراه.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
أما إن احتكر ذلك المحتكر على وجه يجوز، ثم حدث غلاء وشدة احتيج فيه إلى الطعام المحتكَر، فإنه سئل مالك: هل يباع عليه هذا الطعام؟ فقال: ما سمعت. وذكر عنه أيضًا أنه قال: يؤمر بإخراجه إلى السوق فيبيعه من الناس.
وقيل أيضًا: إن لم يفعل، فعل الإِمام ذلك. وهذا تغليب لأحد الضررين، لأن الإضرار بهذا بإخراج ملكه عنه بغير رضاه أخف من ضرر الناس بعدم أقواتهم.
وقال أبو داود: اتفق العلماء، إلا من لا يعد خلاقه خلافًا، على أن من احتكر طعامًا ثم احتاج الناس إليه، واشتدت فاقتهم إلى الاقتيات به وهو مستغن عنه، أنه إن لم يبعه بثمن مثله فهو عاص.
وإذا كان لا حاجة لهم به، فإنه لا حرج عليه في إمساكه رجاء غلائه. وأما المحتكر على وجه يجوز، فهل يأثم بتمني غلاء الطعام ليعظم ربحه فيه أم لا؟ فظاهر مذهب مالك أنه لا حرج عليه في إمساكه رجاء غلائه ومحبته لارتفاع سعره. وقد قال لما سئل عن هذا: ما أحا إلا يحب غلاء سلعته.
стр. 2209
وحكى لي أحد أشياخي عن أحد أشياخه منتصرًا لهذا الذي أشار إليه مالك، بأن قال: قد اتفق على أنه لو كانت سفينتان بجزيرة في البحر، إحداهما تتوجه إلى المشرق والأخرى إلى المغرب، أنه يسوغ لركاب كل واحدة من السفينتين أن يتمنوا الريح التي تسيرهم إلى مقصدهم، وإن كان فيه حبس الآخرين، وحبسهم يَلحقهم الضرر به.
قال القاضي أبو محمَّد ﵁:
والتسعير على أهل الأسواق غير جائز. ومن زاد في سعر أُخرج من سوق المسلمين، إلى أن يلحق بالناس.
قال الشيخ رحمه الله تعالى:
يتعلق بهذا الفصل سؤالان:
١ - أحدهما أن يقال: ما حكم التسعير لمنفعة الجمهور؟
٢ - وما حكم التسعير لمنفعة أهل السوق؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
التسعير على وجهين:
أحدهما يتضمن تحجيرًا كليًّا، مثل أن يجبر الإِمام من عنده الطعام أو غيره مما في معناه، على بيعه، كره أو رضي. فهذا لا يسوغ باتفاق. ولا يجوز جبر المسلم على إخراج ملكه بغير اختياره، من غير سبب يوجب ذلك. لكن لو حدث غلاء أو شدة ببلد عدم فيه الطعام إلا عند قوم مخصوصين، إنْ لم يخرجوا طعامهم للبيع من الناس هلك الناس. فإن هذا قد تقدم الكلام عليه، وذكرنا أن الإِمام يأمرهم بإخراجه، لوجوب المواساة عليهم، وكون حياة المسلم واجبة على أخيه المسلم. فإذا أبقى لنفسه من الطعام ما يحفظ به حياته وحياة أهله صار إمساك ما زاد على ذلك يحرم عليه، لما يتضمنه من هلاك أخيه المسلم، والشرع قد تقرر فيه تحريم هذا.
стр. 2210
وأما التسعير بمعنى أن يحدّ الإِمام ثمنًا ينهى عن أن يُتَعدى لمن حاول البيع، ويجعل الخيرة إليه في البيع، إن شاء أمسك طعامه وغيره، وإن شاء باعه. ولكنه إذا شاء البيع فلا يتعدى الثمن الذي حَدّ له. فإن هذا أيضًا على قسمين:
أحدهما أن يكون الطعام بيد رجل جلبه أو زرعه؛ أو رجل لم يجلبه ولم يزرعه ولكنه احتكره بشرائه من أسواق المسلمين على وجه يجوز له، فإن كان ما بيده من الطعام هو جلبه من مدينة أخرى أو زرعه فإنه لا يُخْتلف في أن الإِمام لم (١) يسعر على هذا. وإن كان الطعام بيد محتكره بشرائه من سوق المسلمين، ورأى الإِمام من المصلحة للناس أن يأمرهم ببيعه بثمن يحدّه لهم ولا يتعدوه، فهذا مما اختلف الناس فيه. وأكثر العلماء على النهي عنه. وبالنهي عنه قال ابن عمر ﵁، والقاسم بن محمَّد، وسالم بن عبد الله، وأبو حنيفة، والشافعي، وهو أحد القولين المشهورين عندنا.
وذهب ابن المسيب ويحيى بن سعيد وربيعة إلى تمكين الإِمام من هذا إذا رآه من المصلحة. وهو أحد القولين عندنا.
وقد سئل عن الإِمام يقول للجزارين: بيعوا لحم الضأن رطلًا بدرهم، ولحم الإبل نصف رطل بدرهم. إن هذا لا بأس به. ولكن يخاف أن يقوموا.
فأشار إلى جواز التسعير في هذه الرواية من ناحية الفقه، ولكن وَقَفَ فيها إلى جواز التسعير من ناحية المصلحة، لأنه لا أحد من العلماء يبيح للإمام أن يحجر على الناس أموالهم تحجيرًا لا مصلحة فيه للجمهور.
وإنما يقع الاضطراب فيما فيه مصلحة. فمن يلتفت إلى القضاء بالمصالح أباح التسعير، ومن يلتفت إلى مضرة أصحاب الأمو الذي أن يحجر عليهم في أموالهم الثمن الذي يختارونه منع من التسعير. فصار الأمر ينحصر إلى أنه متى كان التحجير لا يتضمن مصلحة فإنه يمنع منه، ومتى كانت المصلحة لا تقابلها
стр. 2211
مضرة ولا مفسدة لأحد فإنه يجوز للإمام فعله. وإنما يقع الإشك الذي ما امتزج فيه ضرر ونفع، كما مثلنا به.
وقد أشار ابن حبيب إلى أن الخلاف في التسعير فيما سوى القمح والشعير وشبههما. وهذا الذي قاله لا يتضح له وجه، إلَاّ أن يحمل على أن ذلك في حق جالب الطعام من بلد إلى بلد. وإلى هذا المعنى أشار، لأنه لما ذكر هذا قال: إن القمح والشعير يبيعه الجالب، ولا يمكن من يشتريه منه للتجارة ليبيعه على يديه. بخلاف غيره من الممتلكات التي تباح للتجارة أن يشتروها من الجالبين ليبيعوها على أيديهم.
وهذا حكم التسعير على المحتكر قد بيناه والمسألة تستند إلى آثار. فمما يعوِّل عليه من ذهب إلى النهي عنه ما خرجه الترمذي في كتابه عن النبي ﵇ أنه "لما قيل له: سَعِّرْ لنا، يا رسول الله. فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يتبعني بمظلمة في دم ولا مال" (١) الحديث كما ذكره الترمذي، وأردفه بأن قال: هذا حديث حسن صحيح.
وإطلاق هذا الحديث بعمومه يقتضي منع التسعير على الجملة على الجالب والمحتكر في المدينة.
وأما من ذهب إلى جواز التسعير فإنه يحمل هذا الحديث على أنه ﷺ إنما طلب منه أن يسعر على الجالب، فلم يفعل، وفيه قال ما قال. وقد ذكرنا الاتفاق على أنه لا يسعر على الجالب. ويخص هؤلاء هذا العموم بفعل الصاحب. وقد اختلف أهل الأصول في تقليد الصاحب، لا سيما إن كان إمامًا من الخلفاء الراشدين. وقد ذكر مالك في الموطأ أن "عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بَلْتَعَة وهو يحاول بيع زبيب له، فقال له: بيع بكذا، أو فأدخل زبيبَك بيتك". وقد روى هذا الحديث غير مالك بأتمّ من روايته؛ فذكر أنه إنما
стр. 2212
"مرّ به، وبين يديه حملان زبيبًا، فقال له: كيف تبيع هذا؟ فقال: رطلين بدرهم. فقال: بلغني أنه تقدم من الطائف رفقة، أخاف أن يقتدوا بك، فرخص على الناس أو أدخل زبيبَك بيتك".
ومن يمنع التسعير يجيب عن هذا بأنه: لا يخص حديث النبي ﷺ بمذهب ذهب إليه الصاحب ﵁. وأيضًا فإنه قد ذُكر عن عمر ﵁ أنه عاد إلى حاطب بن أبي بلتعة فاعتذر إليه، ورجع عن قوله، وأخبره أنه قال ما قال من غير عزم عليه (١).
وإذا تقرر الخلاف في التسعير، وسبب الخلاف فيه من اختلاف هذه الآثار وتأويلها، فإنا نذكر صورة صفة التسعير. فقد قال ابن حبيب: إذا حاول الإِمام التسعير، فإنه يجمع وجوه أهل السوق الذين يسعر عليهم، ويستظهر على صدقهم بغيرهم ممن هو ليس من أهل السوق، ويسألهم عما يشترون به ما يبيعونه من الناس، فإذا عرف ثمنه سألهم عن مقدار ما يربحون، ونازلهم في ذلك بقدر ما يراه مصلحة للناس، ولا يكون فيه إضرار بهم في الربح، فإن وافقهم على شيء فتراضَوْا به، فحينئذ من تعداه من أهل السوق وعاند أمره أخرجه من السوق. قال: وعلى هذا أجاز من أجازه. قال: وإنما يكون التسعير في المكيل والموزون، طعامًا كان أوْ غيره، دون العروض. فكأنه رأى أن العروض تراد لأعيانها، وتختلف الأغراض فيها، بخلاف المكيل والموزون الذي تتساوى الأغراض في جنسه. وأشار إلى ما كنا قدمناه من الخلاف في التسعير أنه لم يُرِد به جَبر الناس على بيع أموالهم بثمن معلوم، ولا أن يحرم عليهم تعدّي ما يعدّ لهم من الثمن، ولكن إذا تراضى هو وأهل السوق على البيع بسعر صار من خالف ذلك من سوى أهل السوق أدخل ضررًا على المسلمين، فوجب أن يعاقب عليه بإخراجه من السوق، أو غير ذلك. فهذا حكم التحجير والتسعير الذي يعود بصلاح العامة والجمهور.
стр. 2213
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما ما يعود بمصلحة أهل السوق في أنفسهم، فإن ابن القصار ذكر: أن مالكًا ﵁ قال: من حطّ من السعر قيل له: الْحَقْ بسعر الناس أو فاخْرج من سوقهم.
واختلف أصحابنا في تأويل كلامه هذا. فقال البغداديون من أصحابنا: مراده بقوله: من حطّ من السعر: أغلى في السعر. قال: وقال بعض المصريين من أصحابنا: مراده بقوله: من حط من السعر؛ أي أرخص فيه. وهذا قد يسبق إلى فهم سامع هذا اللفظ أن المراد بقوله: حط؛ أي أرخص؛ كما قاله المصريون من أصحابنا، الذين حكى عنهم ابن القصار. لكن ما قاله البغداديون من قولهم: إنه أراد بقوله: حطّ؛ أي أغلى. فإنه يتصور في كثير من البلاد؛ وهم الذين يبيعون مثلًا الخبزة بدرهم وفيها رطل، فيعمد آخر في السوق فيبيع بدرهم، ولكن يجعل وزن الخبزة نصف رطل، فكأنه حطّ في وزن المبيع، وهي في الحقيقة غلاء في الثمن. فهذا الذي ذكر ابن القصار؛ ولكنه قال: إن الوجهين ممنوعان عندي، أن يبيع بأغلى أو بأرخص، لأن الأغلى إذا باع به كان فيه تغرير بمن يشتري منه، وإن باع بأرخص كان فيه مضرة بأهل السوق في تكسيد سلعهم. واعتبار ضرر الأكثر أولى، وليس هذا من التسعير ولكنه من رفع الضرر. وقد ردّ النبي ﷺ الأسرى على الكفار بعد إسلامهم، لما في ذلك من المصلحة لعامة المسلمين في كون الكفار يعتقدون الثقة بما يعاهدونهم عليه.
ولكن الرواية المشهورة عندنا في هذا أن أهل السوق إذا اختلف بيعهم، فأرخص بعضهم وأغلى بعضهم، فإنه إن كانت الفئتان متساويتين في العددين أو متقاربتين، فإنه لا ينكر على المرخصين ويقَرّون على ما هم عليه؛ لأن ما فعلوه هو أنفع للجمهور وأصلح لهم. وينظر في الفئة الأخرى التي أغلت في الثمن.
فإن قلنا بمنع التسعير، على أحد القولين، لم ينكر عليهم، أيضًا، ويبقى السوق
стр. 2214
على ما هو عليه من اختلاف سعره. وإن قلنا بجواز التسعير حط هؤلاء مقدار ما يقتضيه التسعير عليهم لو انفردوا, ولا. يلزمهم أن يرجعوا إلى ما باع به المرخصون.
وإن كان إحدى الفئتين كثيرة والأخرى قليلة، فإن كانت القليلة هي التي أرخصت، والكثيرة هم الذين أغلوا، فإنهم يُبْقُون الذين أرخصوا على ما هم عليه؛ وإن كان الذين أغلوا الفئة القليلة، مُنعوا من ذلك لما يؤدي إليه من اغترار الطارئ على السوق ممن لا يعرف الأسعار، فإذا ساومه هؤلاء بالسعر العالي اعتقد أن سائر أهل السوق يبيعون كبيعهم فصار يماكسهم على أن جميع أهل السوق على السعر الذي أخبره هؤلاء. فهذا ظاهر الروايات على هذا التفصيل. والذي ذكرنا عن ابن القصار حكاه قولًا مطلقًا، ومقتضاه على ظاهره، أنه إذا أرخص (١) الفئة القليلة منعوا من ذلك لما يلحق الجمهور من أهل السوق من الضرر ببوار سلعتهم، وأن أحدًا لا يشتريها منهم وفي سوقهم من يبيع أرخص منهم. فيكون هذا التفت إلى مضرة أهل السوق خاصة دون منفعة العامة في الترخيص. وهذا الذي ذكرناه في من سوى. الجالبين.
وأما الجالبون فقد ذكرنا أنهم لا يسعر عليهم، ولهم أن يبيعوا بديارهم أو بالسوق الأعظم. بخلاف المحتكر فإنه لا يمكن من أن يبيع بداره بل يؤمر بإخراج الطعام إلى السوق الأعظم، لأن بيعه في الديار فيه ضرب من الإخفاء يؤدي إلى إعْزاز الطعام وغلائه. والجالب قد ذكرنا أنه ينبغي أن يلتفت إلى التوسعة عليه ليكثر جلبه إلى المدينة. ويخاف، متى ضُيّق عليه وحجر، ألّا يجلب إلى المدينة شيئًا. فإن اختار الجلابون البيع بالسوق فقد ذكرنا أنهم لا يسعر عليهم.
ولكن إن اختلفوا، فباع قوم منهم بثمن غال، والآخرون بثمن رخيص، وتشاكوا ذلك إلى الإِمام، فإنه يعود الحكم إلى ما قدمناه من التفصيل: هل الذي
стр. 2215
أغلى منهم هو الأقلّ فينهى عن ذلك لئلا يمرّ (١) الطارئ على السوق بأن يظن أن أهل السوق كلهم كذلك. وإن كان المرخصون منهم قليلًا لم يتعرض لهم، وأجري فيهم الحكم على ما فصلناه في بيع. أهل البلد إذا احتكروا.
قال القاضي أبو محمَّد ﵁:
"ومنه تلقي السلع قبل أن تورد الأسواق (٢)، فهذا ممنوع بالتلقي أو يتركوا له".
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة:
١ - أحدها أن يقال: ما الدليل على منع التلقي؟
٢ - والثاني أن يقال: هل يفسخ بيع التلقي؟
٣ - والثالث أن يقال: ما صفة التلقي؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
ذكر مالك في الموطأ: عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "لا تتلقوا الركبان للبيع. ولا يبع بعضكم على بيع بعض. ولا تناجشوا. ولا يبع حاضر لباب. ولا تصرّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعًا من تمر" (٣).
وهذا الذي تضمنه هذا الحديث، وإن اشتمل على خمسة أنواع، فكلها ترجع إلى معنى واحد، وهو نفي الضرر عن الناس. والتصرية ليس تضر يمشتري المصراة (٤) ولكنه من فعل البائع. والنجش تغرير أيضًا بالمشتري،
стр. 2216
ولكنه لم يباشره البائع، وإنما سأل من يزايد المشتري تغريرًا. فنهى عن هذين لمصلحة الناس ونفي الضرر عنهم. وكذلك السوْم على سوم المسلم، فيه ضرر لمن يركن إليه البائع وأراد البيع منه. وكذلك بيع حاضر لباد، فيه مرفق بأهل الحواضر، يشترون ما يأتي به أهل البادية بثمن رخيص. وكذلك تلقي السلع، اختلف الناس في علته، فقال ابن الجهم من أصحابنا: كان النهي عن التلقي في أوّل الإِسلام لئلا ينفرد المتلقي بالرخص دون أهل السوق، وأما الآن فلا يقدم أحد إلا وهو على بصيرة بسعر ما يقدم به، فينبغي أن يكره ولا يحرم. وأشار إلى كون العلة نفي الضرر عن أهل البلد الذي قصد الجالب بلدهم ليبيع منهم.
وأشار أبو حامد الإسفرائيني إلى هذه العلة، وأضاف إليها علة أخرى، وهي نفي الضرر عن الجالب بأن لا يغبنه المتلقي. وأشار إلى هذا بعض المتأخرين من الأشياخ.
وقد يهجس في النفس في هذا التعليل الذي هو النهي عن غبن الجالب، أنه يناقض النهي عن بيع حاضر لباد لكون النهي عن بيع حاضر لباد يشير فيه إلى تسهيل الطريق إلى غبن البادي؛/ ألا تراه قال "دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض". والنهي عن تلقي الجالب يشير فيه إلى حسم الطريق المؤدية إلى غبنه، ألا تراه يقول، في بعض طرق الحديث، في البائع: إن أتى السوق فهو بالخيارة يشير إلى إثبات حق له في رفع. الغبن عنه. والانفصال عن هذا: أن التلقي ربما يكون من واحد لراكب واحد، فهما متساويان في الحرمة والغرر، فلم يحصل للمتلقي من الترجيح على الجالب ما يوجب تسهيل الطريق إلى غبن الجالب. وأما بيع حاضر لباد، فإن المنفعة في هذا النهي لا تختص بواحد، بل تعم أهل البلد الذين أتاهم البدوي، لكونهم يشترون منه برخص إذا لم يبع لهم سمسار يستقصي لهم الأسعار. وأيضًا فإن التلقي يصلح أن يعلل بعلتين، إحداهما النهي عن غبن الجالب؛ والثاني النهي عن مضرة أهل السوق، بأن ينفرد المتلقي بالربح دونهم. والنهي عن بيع حاضر لباد لا يصلح فيه إلا علة واحدة، وهي رفع الضرر عن أهل البلد في أن يستقصي السمسار للبدوي
стр. 2217
الأسعار. على أنه قد ذكر في هذا أنه يمكن أن يكون النهي عن هذا المرادُ به ألا يغتر البدوي بما يقوله له السمسار، وإنما غرضه توفير الأثمان، وأن يبيع بثمن غال ليتوفر جُعْله، فإن الأجعال ربما كانت بقدر الأثمان. وقد أشار المروزي إلى الجمع بين المسألتين، بأن النهي عن التلقي لنفي المضرة، والنهي عن بيع حاضر لباد لئلا يقع الاستقصاء من السمسار الحضري. فكأنه يرى أن المراد بالنهي عن بيع حاضر لباد ألا يبالغ في الاستقصاء، لا على أن البدوي مغبون.
وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه يجوز التلقي للسلع إذا كان ذلك لا يضر بأهل البلدة لكون الأخبار تعارضت في هذا، فقال ابن عمر: كنا نتلقى الركبان نشتري منهم الطعام، فنهى النبي ﷺ أن نبيعه حتى ننقله إلى سوق الطعام. وهذا يشير إلى جواز التلقي. فيحمل ما في حديث ابن عمر أن التلقي حينئذ غير مضر. ويحمل حديث النهي عن التلقي على أنه كان مضرًا لئلا تتعارض الأخبار وتتضادّ.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
هل يفسخ بيع التلقي أم لا؟ فالمشهور من المذهب أنه لا يفسخ. روي ذلك عن مالك وغيره من أصحابه. وذهب ابن المواز وابن حبيب إلى فسخه إذا كان قائمًا. ولكنهما اختلفا في فسخه إذا غاب البائع.
فأشار ابن المواز إلى فسخه، فقال: يباع ذلك على الغائب. ومقتضى مذهبه أنه إذا بيع عليه كان الربح له والخسارة عليه، لكونه يراه كالبيع الفاسد، والبيع الفاسد، إذا بيعمت السلعة على بائعها، كان له ربحها وعليه خسارتها.
ورأى ابن حبيب أنه إذا فات الفسخ بغيبة البائع، فإنها لا تنزع من يد المشتري إذا كان لم يعتد ذلك، وإن كان اعقاله نزعت من يده، وبيعت، وأشرك أهل السوق فيْ ربحها إذا شاؤوا، وإن لم يريدوا أخذها تركت له. وإن كانت السلعة لا سوق لها وقفت لسائر الناس وإن لم يوجد من يشتريها تركت له. فكأنه رأى
стр. 2218
الفسخ ليس بمتفق عليه، فوجب ألا يثبت حكمه مع الفوات كما يثبت مع القيام.
وقد أشار ابن المواز إلى أن الفسخ إنما وجب عنده لكون النبي ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو مردود" (١). ولم يلتفت ابن المواز إلى كون النهي متعلقًا بحق المخلوقين خاصة، أو بحق الخالق. وقد كنا قدمنا نحن أن النهي إذا كان لحق المخلوقين لم يقتض الفسخ، كما دلّ عليه حديث المصراة، وأنه ﵇ (نهى عن التصرية، وأشار إلى كون البيع لا يفسخ).
وإذا قلنا بالمذهب المشهور: أن بيع التلقي لا يفسخ، لكون الثمن والمثمون سالمين من الفساد، وإنما تعلق بالعقد نهي بمعنى آخر، فإن عن مالك روايتين: إحداهما أن السلعة لا تنزع من يد المتلقي وهي رواية ابن القاسم.
والأخرى أنها تنزع من يده. وهي رواية ابن وهب.
فكأنه، في الرواية التي أبقاها في يده، رأى أن النهي لا يتسلط على رفع الملك، لكون الثمن والمثمون سالمين من الفساد. ورأى في الرواية الأخرى أنه، وإن لم يفسخ، فيلتفت إلى حق غير المتلقي في ما تلقاه، فيشاركون فيه المتلقي.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
الخروج إلى تلقي السلع الواردة على بلد يمنع منه أهل البلد، تلقوها عن مسافة قريبة أو عن مسافة بعيدة. لأن ما قدمناه من التعليل بنفي الضرر عن أهل البلد أو عن الجالب يتصور فيه هذا التلقي الذي تقرب فيه المسافة أو تبعد.
هكذا ذكر ابن حبيب. وفي الموازية: من قدم بسلع على بلد، على أنه متى وجد في الطريق من يشتري منه باع، فإن هذا ينهى عن الشراء منه حتى يقدم المدينة التي قصد إليها، إلا أن يكون أراد أنه إذا مرّ بقرية مأمونة بها سوق، فإنه يبيع بها، فإنه لا يجوز لأهلها أن يشتروا منه. فكأنه اعتبر القصد الأول الذي هو المدينة التي أمّها أو سافر إليها، وما عرض له من الخاطر أنه يبيع في أثناء
стр. 2219
الطريق لا يرفع كون المشتري منه بالطريق متلقيًا للسلع.
وقد اختلف أيضًا في ما حول المدائن من جنات لها ثمار، هل يجوز لبعض أهل المدينة أن يخرجّ ليشتري منها ويبيع بالمدينة؟ فروى ابن القاسم عن مالك جواز ذلك. وروى عنه أشهب أنه من التلقي. قال أشهب: وليس عندي من التلقي، وهذا لأن التلقي للجالب ربما كان إضرارًا به من غير منفعة، وها هنا ربما أضر بصاحب الملك منع الناس من الخروج إلى بستانه ليشتروا منه، لأنه قد يشق عليه حمل ثماره إلى المدينة وبيعها جملة. فمن الرفق به أن يباح الشراء منه وهو في بستانه. فكأن هذا، وإن أضر بأهل المدينة، ففي منع بعض أهلها من الشراء منه إضرار به أيضًا، فتقابل الضرران، فيقع الترجيح بينهما أيهما الأوْلى أن يعتبر.
والنهي عن التلقي يتصور وإن لم تحضر السلعة المبيعة حين العقد، بأن يتصل برجل خبر أنه يقدم عليه غدًا أو بعده سلع اشتُريت له ليبيعها ببلده، فإنه يمنع من كان معه بالبلد أن يشتريها منه على الصفة قبل قدومها عليه. لأنه يتصور في هذا من مضرة أهل البلد وانفراد هذا بالربح ما يتصور في التلقي (١) خارج المدينة. ولو وصلت السلعة ومالكها لم يصل فإن بعض المتأخرين قال: ينبغي أن ينهى عن الخروج إليه ليبيعها قبل أن يدخل المدينة؛ لما يتصور في هذا أيضًا من انفراد المتلقي بربح هذه السلع التي وصلت إلى المدينة وصاحبها لم يصل.
وإذا كان قرًى، بقرب المدينة أو ببعد منها، فإنهم يمنعون من شراء سلع من مر بهم قاصدًا إلى المدينة، إذا قصدوا بما يشترونه منه التجارة. ويباح لهم أن يشتروا منه أدواتهم وما يحتاجون إليه من أضاحي وملابس وما في معنى ذلك.
وأما من حاول شراء ما دخل المدينة إذا مرّ بباب داره، فإنه إن كان لما
стр. 2220
يحاول شراءه سوق معلوم، نهي عن الشراء. وإن لم يكن له سوق معلوم، جاز له ولغيرهِ من سكان المدينة شراء ما مرّ بديارهم، أو لَقوْهُ في سكك المدينة وطرقها.
ولو وصلت سفن بطعام إلى الساحل، وكان ذلك منتهى سفرهم، فإنه يسوغ لأهل المدينة أن يخرجوا للشراء منهم، لأنهم إن منعوا من الخروج بارت السلع التي بالسفن، فلا يلزم (١) أهل السفن إحداث سفر آخر، فقد يشق عليهم ..
وهذا أيضًا في ما كنا قدمناه من الخروج إلى شراء ما حول المدينة من الثمار.
وذكر أبو حامد الإسفرائيني أن من خرّج لضيعته فإنه إذا لقي سلعة، فهل يجوز له شراؤها لكونه لم يخرج قاصدًا للتلقي والإضرار، أو (٢) يمنع من ذلك لعموم النهي عن تلقي السلع.
وذكر أنه إذا وقع بيعُ التلقي فإن البائع إذا قدم فظهر أنه مغبون، كان له الخيار في فسخه بيعه وإن لم يكن مغبونًا فيه عندهم وجهان. وهذا الذي أثبتوه
من الخيار صاروا إليه بما وقع في بعض طرق الحديث من إثبات الخيار للبائع إذا أتى السوق. فمن حمله على عمومه أثبت له، غُبِنَ أو لم يغبن.
قال القاضي أبو محمَّد ﵁، في فصل ذكر فيه ما يُرجع لفساد العقد فيه إلى الحال التي وقع فيها العقد فقال: ومنه بيع الحاضر للبادي.
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على منع بيع حاضر لباد؟
٢ - وما شروط المنع؟
٣ - وهل يفسخ هذا البيع أم لا؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
стр. 2221
قد اشتمل الحديث الأول على فصول، تكلمنا منها على التصرية، وعلى التلقي. وفي هذا الحديث نهيه ﵇ عن بيع حاضر لباد.
وقال العلماء: إن وجه المصلحة في ذلك النظر لأهل الحاضرة على أهل البادية، لكون الحواضر مجتمع الخلق الكثير، ومواضع الأئمة والقضاة والعلماء، فلهم من الحرمة ما ليس لمن هو دونهم في هذه الأوصاف، كأهل البوادي التي الغالب فيها قلة الناس، وعدم الأئمة. وأيضًا فإن الأكثر في أموال أهل البوادي، الذي يأتون به الحواضر ليبيعونه، غلات من أشجار تخلف ما باعوه، وتؤتي أكلها كل حين، ومواش يتكرر اغتلال ألبانها وأصوافها فبالشراء منهم برخص لا يضرهم، كما يضر أهل الحواضر الشراء بثمن غال لأنهم إنما يتجرون بأموال لا يخلف ما فقد منها إلا بتجْر وسعي وطلب أرباح، ومع السعي قد لا يحصل الربح. فاقتضى هذا طلب الاسترخاص في أموال أهل البوادي.
وذلك إنما يحصل إذا باشروا البيع بأنفسهم. وأما إذا باع السمسار الحضري فهو لا يغبن لمعرفته بالأسعار وطرق المماكسة.
وهذا التعليل الذي ذكروه يقتضي تخصيص الحديث على حسب ما خصصه به مالك ﵁، فإنه أشار في الموطأ وغيره إلى أن الحديث محمول على الأعراب، أهل العمود، الذين يجهلون الأسعار. فصار هذا كتخصيص عموم بعلة استُنبطت منه. وهذا مما يقدح فيه بعض الأصوليين ويمنع من تخصيص عموم بعلة منه، لأن ذلك كفرع يناقض أصله، وإذا ناقض الفرع أصله لم يتمسك إلا بالأصل دون الفرع. ولأجل هذا الذي نبهنا عليه أشار مالك في رواية أخرى إلى حمل الحديث على عمومه. فقال في الموازية: أما أهل القرى الذين يشبهون البوادي، فلا يبيع لهم الحاضر ولا يشير عليهم. وإذا كان (١) وفيما بعد ذلك بالصحراء على الميلين من القرية، فلا يبيع لهم الحاضر، كانوا يعلمون السعر أو لا يعلمونه.
стр. 2222
فأشار إلى تطلب التسمية، وهو كون القرية تشبه البادية ويسمى أهلها بوادي. فإذا حصلت التسمية حمل لفظ الحديث على العموم، غير ملتفت إلى كون هؤلاء يعلمون السعر أو لا يعلمونه.
فالمذهب الأول أخرج من التسمية بعض ما تشتمل عليه. والمذهب الثاني نظر في مطابقة التسمية، ولم يزد عليها ولم ينقص منها. لكنه روى عنه في الموازية أنه لا يبيع مدني لمصري ولا مصري لمدني.
وقال في العتبية: أرجو أن يكون خفيفًا.
وهذا الاختلاف في أهل المدائن، إن حملناه على ظاهره وعموم لفظه، اقتضى منع بيع أهل المدائن بعضهم لبعض، كان الوارد على أهل المدينة عالمًا بسعرها أوْ لا. ولكن هذا لا يصح لكونه إن كان عالمًا بسعر المدينة التي ورد عليها لم يمكن غبنه ولا أن يسترخص منه. والمعنى المشار إليه في الحديث معدوم في هذا، والتسمية أيضًا معدومة، فلا يمكن حمل ذلك على أهل مدينة يعلمون سعر المدينة التي وردوا عليها, لا من ناحية لفظ الحديث لكون هذا الوارد لا يسمى بدويًا، ولا من جهة معناه وتأويله لكونه لا يمكن غبنه مع معرفته بالقيمة والأسعار. ولكن إذا كان يجهل السعر، فها هنا قد يحسن حمل اختلاف هاتين الرواتين عليه. لأن من طلب اللفظ فإنه مفقود ها هنا في المدني لكونه لا يسمى بدويًا، فلا يمنع الحاضر أن يبيع له، وإن طلبنا المعنى، وهو الاسترخاص، فها هنا قد يحسن الخلاف، لأن المدني إذا ورد على مدينة، وهو جاهل بأسعارها، أمكن غبنه، وانتفع أهل المدينة بوروده عليهم، مع كونه في الغالب يربح في ما أتى به، فلم يمنع استرخاصه.
وقد يقال: إن المدني إذا ورد من مكان مجمع الأئمة والعلماء والكثرة، فله من الحرمة ولأهل مدينته مثل المدينة التي وَفد عليها، فيجوز أن يبيع له من يمنع من غبنه.
فأنت ترى كيف هذا الاضطراب في المذهب! تارة طلب المعنى مع
стр. 2223
حصول اللفظ، وإن نقص من اللفظ بعض ما اشتمل عليه، وتارة طلب المعنى وإن زاد على اللفظ ما يشتمل في اللغة عليه، كإحدى الروايتين في منع أن يبيع مدني لمدني، والمدني لا ينطلق عليه تسمية باد؛ وتارة طلب التسمية خاصة، كما نبهناك عليه. وهذا هو سرّ هذه الروايات عندي، ومحصولها من ناحية الفقه ومن ناحية الأصول.
وإذا تقرر منع بيع حاضر لباد فإن مالكا قال: ولا يشار على البادي فأجرى مشورة الحاضر على البادي مجرى بيعه له لأن المشورة عليه تقوم له مقام السمسرة له والنيابة عنه في البيع. وقد كره أيضًا أن يخبر الحضري البادي بالأسعار. وهذا المعنى الذي ذكرناه، وإخباره بالسعر كالمشورة، والمشورة كالبيع. قال ابن المواز: هذا في ما أتوا به للبيع.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
قال أبو حامد الإسفرائيني: يمنع بيع الحاضر للبادي بأربعة شروط: أحدها: أن يريد البادي البيع. والثاني: أن يريد البيع قبل أن يخرج. والثالث: أن يكون الحاضر هو السائل له في أن يبيع له. والرابع: أن يكون البلد يضرّ به ألاّ تباع تلك السلعة التي أتى بها البادي فيه. والشروط الثلاثة المتقدمة إذا فقدت لم يمنع البيع. وأما الشرط الرابع: أن يكون البلد يضرّ به ألاّ تباع تلك السلعة فيه، فإنه إن كان البلد بعكس ذلك، ففيه وجهان: المنع لعموم الحديث، والجواز لفقد الضرر، وهو المراد في الشرع والمعتبر، وهو الذي أشار إليه في الشرط الرابع. وهو نوع مما أشرنا إليه في تخصيص العموم بتعليل استنبط منه؛ أو المنع من ذلك لأنه كفرع يعود بإبطال أصله. فهو ها هنا مشاهد لنا في ما كشفناه لك من سر المذهب في تخصيص اللفظ بتعليل استنبط منه، أو إجرائه على عمومه.
وأما اشتراط كون السمسار هو السائل للبدوي في البيع، فإن هذا يبعد
стр. 2224
على أصل مذهبنا، لا من جهة أخذ الحديث ولا من جهة طلب تعليله، فإن الاسترخاص يحصل إذا لم يتولّ الحضري البيع للبدوي، غير ملتفت في هذا إلى كون بيع الحضري وقع لسؤال البدوي له، أو لسؤاله هو للبدوي.
وأيضًا فإنه إذا اشتهر عند البدو جواز البيع إذا سألهم أهل البدو، ومنعه إذا كانوا هم السائلين لأهل البدو. وعاد كل من قدم من أهل البدو يسألون السماسرة فتفسد هذه المصلحة التي اعتبرها الشرع.
فنحو هذا عندي يرد على الأبهري في مسألة أخرى. وذلك أن المعروف من مذهب مالك وأصحابه أن الحضري يمنع أن يبيع للبدوي ما أتاه به بنفسه،
أو ما أرسله إليه مع رسوله. وحكى القزويني عن الأبهري أنه يقصر النهى على ما أتى به البدوي بنفسه. وأما ما بعثه مع رسوله فإنه يجوز للحضريّ أن يبيّعه.
وهذا لا وجه له لكون الحديث وتعليله يقتضي المساواة بين ما أتى به البدوي بنفسه، وما أرسله إلى الحضري. مع كون هذا إذًا اشتهر عاد أهل البدو يرسلون ما يبيعونه، حذرًا من أن يغبنوا، فتفسد المصلحة. وهذا كما قيل في الانتصار عندنا لأحد (١) الصناع: إنهم إذا اشترطوا ألّا ضمان عليهم في ما يصنعونه، فإن الشرط لا ينفعهم، لأنهم لو نفعهم لاشترطه كل صانع فتفسد المصلحة التي لأجلها ضمن الصانع.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
إذا تقرر هذا، ووقع البيع، فهل يفسخ أم لا؟ الظاهر من المذهب عن مالك وغيره من أصحابه أنه يفسخ. لأنه عندهم بيع محرم. والنهي عن الشيء على جهة التحريم له يقتضي فساده. وقال ابن عبد الحكم: إنه لا يفسخ، وقد تقدم، في ما سلف لنا مرارًا، التنبيه على هذا الأصل. وذكرنا خلاف أهل الأصول فيه، والتفات بعضهم إلى كون النهي يرجع إلى حق الخالق، فيدل على فساد المنهي عنه، أو يرجع إلى حق المخلوق، فلا يدل على فساد العقد،
стр. 2225
كما اقتضاه النهي الوارد عن التصرية، فإنه، مَع نهيه عنها، أشار إلى منع فساد العقد وفسخه. ووقفت، لابن الجهم في شرخه مختصر ابن عبد الحكم، على كون هذا البيع مكروهًا. والإشارة إلى منع كونه محرمًا ما يذكر فيه وفي التلقي أن هذا إنما كان في أول الإِسلام، وأما الآن فلا يَرِد جالب إلا على بصيرة من الأسعار، فينبغي أن يكرهَ التلقي وبيع حاضر لباد. وأما التحريم فلا يجوز، ولو وقع البيع فيهما لمضى (١). وهذا على أصله في كون هذين مكروهين يتضح فيه معنى الفسخ.
وقد أشار الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد إلى اختيار أحد القولين في التلقي، وهو الفسخ لكونه إذا فسخ حصل لأهل السوق المنفعة بما فسخنا التلقي فيه.
وأما بيع حاضر لباد فلا يفيدهم الفسخ لأن البدوي لما باع له السمسار عرف السعر فهو لا يمكن غبنه. وإذا كانت العلة في الحديث طلب الاسترخاص منه، وهو ها هنا يتعذر لعلمه بالسعر الذي باع له به الحضري، لم تكن فائدة في الفسخ.
وإذا قلنا بمنع الفسخ فإنه لا بدّ من زجر الحاضر الذي باع للبادي. فأما ابن وهب فإنه اقتصر على زجره. وأما ابن القاسم فإنه قال: يؤدب.
وهذا اختلاف منهما في مقدار الاجتهاد في إنكار هذا الفعل، وإن قلنا بالكراهة، كما قال ابن الجهم، حسن ما قال ابن وهب من الاقتصار على الزجر دون إيقاع الأدب.
قال القاضي أبو محمَّد ﵁: وأما ما يرجع إلى الحال، كبيع الإنسان على بيع أخيه الذي ركن إليه وقرب اتفاقهما، فإن العقد يفسخ، على نحو ما ذكرنا في النكاح.
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة.
١ - أحدها أن يقال: ما الدليل على المنع من دخول سوم على سوم؟.
стр. 2226
٢ - وهل النهي عامّ للمسلم والذمي أم لا؟
٣ - وهل يفسخ هذا البيع إن وقع؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
ذكر مالك في الموطأ وغيره من أصحاب الصحاح أنه ﷺ قال: لا يبع بعضكم على بيع بعض (١). وروي ذلك عن ابن عمر وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، على حسب ما تقدم إيراده في الحديث عن أبي هريرة مَذْكُورٌ هذا النهي مع النهي عن أنواع غيره. وعن ابن عمر مذكور النهي عن هذا خاصة.
وهذا راجع إلى ما تقدم من النظر في مصلحة الخلق ونفي الضرر عنهم. وفسره مالك بأن المراد به النهي عن أن يسوم أحد على سوم أحد تقدمه إذا كان البائع ركن إلى السائم الأول ومال إلى البيع منه. وأشار إلى الاستدلال على هذا الركون والميل بأن يأخذوا في ذكر وزن الذهب، وتبري البائع من العيوب، إلى غير ذلك مما في معناه من الدلالة على الركون من البائع إلى المشتري. فإذا حصل التراكن صار السائم آخِرًا مفسدًا على الأول، ومضرًّا به.
ومبنى هذه الأصول، التي قدمناها، على المصلحة ونفي الضرر. وقد كنا أشرنا إلى أن التلقي للركبان، وإن كان التلقي إنما يحصل بين رجلين الجالب ومن يلقاه ليشتري منه، فإنه ينضاف إلى هذا الإضرارُ بأهل السوق، فتأكَدَ المَنعُ. وها هنا يقع الإضرار بالسائم أوَّلًا خاصة. والإضرار يُمنع منه، وينهى رجل أن يضر رجلًا وقد تعلق للسائم أوَّلًا حق بهذا المبيع حتى لم يبْقَ بينه وبين صحة ملكه إلا العقد، فينبغي أن يُمنع السائم الثاني من إبطال ما صار لهذا من حق، لكونه الغالبُ في حالِهِ حصولُ الملك له، كما منع المريض من هبة سائر ماله لمَا تعلق للوارث به من حق، لكون الغالب أنه يصير إليه عن قرب إذا وقع الموت من المرض الذي وقعت الوصية فيه.
وخص مالك هذا النهي بحصول التراكن، وإن كان الحديث عامًا لم
стр. 2227
يشترط فيه التراكن لأجل أن النبي ﷺ نهى أن يخطب أحد علي خِطبة أخيه.
فورد أيضًا هذا الحديث عامًا، ولكنه خص بالحديث الآخر، لما أخبر ﷺ بخِطبة أبي جهم ومعاوية. فقال: أما معاوية فصعلوك لَا مال له، وأما أبو يهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، أنكحي أسامة. فلم يذكر نكيرًا على الثاني من الخاطبين المذكورين، فأشار بثالث، مع إعلامه بأنه قد تقدم قبله خاطبان. فاقتضى هذا بناءَ الحديثين أحدهما على الآخر، فيحمل حديث هذين الخاطبين على أنها لم تركن إلى واحد منهما، ويخص به عموم قوله: لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه. الحديث ... فكذلك (١) في سوم الإنسان على سوم تقدمه، يحمل النهي على حصول التراكن. وأيضًا فإنْ مالكًا استدل في الموطأ على هذا التخصيص بأن ذكر أنه لو مَنَع مجرد السوم من غير تراكن من سوم رجل آخر، لأخذت أموال الناس بشبه الباطل من الثمن، ولم يشأ أحد أن يمنع آخر من بيع سلعته إلا ساومه فيها. وهذا عكس ما ورد به الشرع من النظر في مصلحة الناس وصيانة أموالهم عليهم. وقد حمل مالك وغيره من العلماء الحديث أيضًا على أن المراد به أن لا يسوم أحد على سوم مشتر، مع كون الحديث ورد بلفظ البيع. لكنهم ذهبوا إلى أن البيع في اللغة يطلق على الشراء وقد قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ (٢) وقال : ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣) والمراد من هاتين الآيتين ما باعوا به. فأشعر هذا يكون اللفظتين تنوب إحداهما عن الأخرى. لكن حمل بعت على اشتريت ذكر عن أهل اللغة. وأنشدوا في هذا:
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد (٤)
وأنشدوا أيضًا:
стр. 2228
وبعت لذبيان العلاء بمَالَكا (١)
والمراد في هذين البيتين اشتريت. ولو سلمنا أن اللغة وردت بأن بعت يطلق على اشتريت فإن هذا لا يقتضي حمل قوله: لا يبع بعضكم على بيع بعض.
على ألا يشتري بعضكم على شراء بعض، لأنه قصر على أحد المحتملين بغير دليل. ولهذا أشار أبو عبيد لما حكى عن أبي (٢) عبيدة وأبي زيد أنهما ذكرا: أن بعت يكون بمعنى اشتريت، أن الجواب عنه يكون بتخصيصه بالعادة، لأن المعروف أنه لا يقع سوم بائع على سوم بائغ آخر (٣) ..
وقد أشار ابن حبيب إلى أن الحديث إنما الخطاب فيه للمشتري لا للبائع.
وأشار بعض المتأخرين إلى أنه إنما أراد ما أراده أبو عبيد من حمل الحديث على السوم في الشراء لا على سوم بائع على بائع لكون الاسترخاص مستحبّا في الشرع. وقد ذكر ابن حبيب أنه وردت به آثار ورغايب.
وإذا سام بائع سلعة وأتى بائع آخر فعرض مثلها على المشتري بأرخص منها صار هذا كالمستحب لاستحباب الرخْص، وهو متأول هذا على أن الحديث يحمل على ظاهره من كونه نهيًا أن يسوم بائع على بائع، إذا لم يرد السائم الثاني الاسترخاص. فكأن أبا عبيدة حمله على أحد محمليه بمقتضى العوائد، وحمله ابن حبيب على أحد محمليه أيضًا لكون الشرع استحب الاسترخاص. وهذا إنما يتصور في حق بائع على بائع لا في حق مشتر على مشتر. والغالب في سوم بائع على بائع كون الثاني يعرض سلعته بأرخص مما عرضها به الأول. وأبقاه بعض المتأخرين على أظهر محمليه: وهو أن لا يسوم بائع على سوم بائع، ولكنه
стр. 2229
شرط أن لا يكون أراد الثاني الاسترخاص. هذا إذا حملنا كلام ابن حبيب على ما أراده أبو عبيد، ولم يحمله على أنه أراد أن الخطاب في هذا للمشتري لا للبائع في أن البائع لا يتعلق به حرج إذا باع من السائم الثاني، وإنما يتعلق الحرج بالسائم الأول.
وذكر أبو حامد الإسفرائيني: أن الحديث يحمل على البائع والمشتري، ولكنه أبقى اللفظ على ظاهره في العرف، فقال: معنى النهي أن يعقد البيع على خيار المجلس كما اقتضاه الحديث الوارد بثبوت خيار المجلس، فيأتي رجل آخر فيقول للمشتري: أنا أبيعك بأرخص. وكذلك لو أتى مشتر آخر فزاد على المشتري الأول. قال: وأما السوم فإنه إن. لم يقع تراكن فلا حرج فيه، وإن وقع التراكن ووكل البائع على العقد فالسوم يحرم على الثاني. وإن وقع التراكن ولم يوكل البائع على العقد ففيه قولان.
وهذا النّهيْ أشار ابن حبيب إِلَى قصْره على بيع المساومة لا على بيع المزايدة. ألا ترى أن السلطان يبيع على الميت والمفلس، فيستوجب البيع من اشترى منه ويتأنى السلطان ثلاثة أيام رجاء أن يأتي من يزيده في الثمن. وإن لم يقف عن هذا لكون من يأتيه ساوم على سوم أخيه المسلم، لكون هذا البيع إنما وقع على طلب الزائد، وعليه بني أول مرة. وإذا باع عقار المفلس وأشهره فنادى عليه الشهرين والثلاث، بأن يذكر صفته ونعته ويسميه، ثم يعقد ذلك فإنه يتأنى ثلاثة أيام أيضًا طلبًا للزيادة. ووصف بيع المساومة بأنه يقف الإنسان سلعته بمكان أو بحانوته منتظرًا من يأتيه يساومه فيها. فهذا يمنع السائم الثاني أن يدخل على السائم الأول إذا ركن البائع إليه، وإذا فأرقه الأول قبل أن يستوجب أو رد سومه عليه فإنه إذا عاد إليه لم يلزمه البائع السوم الأول. وبيع المزايدة بأن يطوف بسلعته على من يزيده فيها، وأن هذا يسوغ فيه دخول زيادة على زيادة. فإذا فارق البائع من أعطاه أوَلًا ثمنًا معلومأولم يوجب له البيعَ، ثم عاد إليه فإنه يلزم البيع الذي فأرقه قبل أن يعقدهُ على نفسه. وهذا الذي أشار إليه من افتراق حكم المساومة والمزايدة، في كون المشتري يلزمه بعد الافتراق ما أعطى من ثمن، ولا يلزمه في بيع المساومة، لا وجه له إلا الرجوع في ذلك إلى
стр. 2230
مقتضى العوائد، لأن الذي يعطي ثمنًا إن شرط أنه إنما يلتزم الشراء به في الحال قبل أن يفارقه البائع، فإنه لا يختلف في أن البيع لا يلزمه، لا في بيع المساومة ولا في بيع المزايدة. وإن شرط أن البائع يُلزمه، ويكون الخيار للبائع بأن يعرضها على غيره أمرًا معلومًا أو في حكم المعلوم، فإنه لا يختلف أيضًا في أن البيع يلزم المشتري إذا عاد إليه البائع.
فإذا تقرر أن لا يختلف في القسمين مع التصريح بهما، فإنهما إذا افترقا مع إطلاق اللفظ من غير تقييد شرط الاختلاف المفهوم عن المتساومين في حكم العوائد، هل افترقا على التزام المشتري أو غير التزامه؟.
وإلى هذا أشار ابن حبيب، لأنه ذكر أن هذا إنما لزم في بيع المزايدة بعد الافتراق لأجل أن المشتري إنما فارقه البائع على كونه استوجب المبيع.
وإنما نبهت على هذا لأنه ألزم بعض القضاة أهل السوق في أسواق البلد في بيع المزايدة الثمن الذي يُعطَونه بعد مفارقة البائع لهم ثم يعود إليهم. فكانت عادتهم أنهم إذا افترقوا من البائع افترقوا على غير إيجاب منه ولا منهم، اغترارًا بظاهر ما حكاه ابن حبيب وحكاه غيره. فنهيته عن هذا ورددته عن إلزامهم البيع لأجل مقتضى عوائدهم. ونبهته على ما أشار إليه ابن حبيب من التعليل الذي بسطناه ها هنا. وقد تكلمنا على حكم بيع المزايدة في كتاب المرابحة، وقسمنا البيع على ثلاثة أقسام بما يغني عن إعادتها هنا.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
إذا تقرر منع السوم مع ركون البائع إلى السائم الأول، فإنه لا يفترق حكم السائم الأول في أن يكون مسلمًا أو ذميًا. إلى هذا ذهب بعض فقهاء الأمصار. وذهب الأوزاعي إلى أنه يجوز ذلك إذا كان السائم الأول ذميًا. وقصر النهي على كون السائم الأول مسلمًا اغترارًا منه بقوله في الحديث "لا بسم أحدكم على سوم أخيه" فالمراد أُخوة الدين. واليهودي والنصراني ليسا بأخوين للمسلم في الدين. ولم ير الفقهاء أن المراد بذكر الأخ ها هنا اشتراط الدين، وإنما هو تنبيه على تأكد قبح الضرر بين أخوين، كما يقبح ذلك بييت أخوين في
стр. 2231
النسب، فذكر ها هنا تهجينًا لهذا الفعل وتقبيحًا له، وقد تقرّر في الشرع أن الحكم بين ذمي ومسلم كالحكم بين مسلميْن. وتقرر أيضًا في الشرع المنع من ضرر المسلم للذمي.
والجواب عن السؤال الثالث أن يقال:
إذا وضح أحكام دخول سوم على سوم مع حصول التراكن، فإن وقع البيع على هذا من السائم الثاني فقال مالك: يستغفر الله هذا السائم الثاني ويعرضها على السائم الأول، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك. وإلى هذا أشار ابن القاسم فقال: إن البيع لا يفسخ ويؤدب فاعل هذا. وقال غيره: يفسخ. فإن قلنا بأن لا يفسخ العقد وأمرنا المشتري أن يعرضها على السائم الأول، وكان قد أنفق فيها نفقة، فإن كانت النفقة زادت فيها عرضها على الأول بالثمن الذي بذل فيها، وبما أنفق فيها. وإن نقصتها النفقة عرضها بالثمن الأول خاصة. والخلاف الذي ذكرناه ها هنا في فسخ هذا البيع قد تقدم توجيهه في التلقي وبيع حاضر لباد.
قال القاضي ﵁: ومنه بيع النجَش. وهو أن يزيد التاجر في ثمن السلعة ليغر غيره لا لحاجة منه إليها.
قال الشيخ ﵁: قد تقدم كلامنا على النجش فيما سلف، وأشرنا إليه ها هنا لكونه مما اشتمل عليه وعلى غيره حديث واحد، تكلمنا على جميع فصوله لكون المعنى فيها واحدًا كما نبهنا عليه. فقال أهل اللغة: النجش الإثارة، ومنه سمي الصائد ناجشًا لكونه يثير الصيد بما يفعله من التحيل على إثارته ليحصل في يديه، فكذلك الناجش هو الذي يزيد في سلعة ليقتدي به غيره، فكأنه يثير رغبة رجل في شرائها بالزيادة فيها. وهذا قد تقدم ذكر الخلاف في فسخ هذا البيع إذا وقع، وأن المشهور في المذهب أنه لا يفسخ، لكونه كالتدليس، كبيع التصرية. وحكى القزويني عن مالك أن البيع مفسوخ للنهي الوارد عن النجش، والنهي يدل على فساد المنهي عنه .. وهكذا قال ابن الجهم: إن الشافعي قال: إنه عاص والبيع نافذ. ورد عليه أيضًا يكون النهي يدل على فساد المنهي عنه لقوله ﵇: (من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو
стр. 2232
رد) (١). وكون النهي خارجًا عن معنى في البيع لا يمنع من فسخ العقد كالنكاح في العدة والإحرام. إلى هذا أشار القزويني وابن الجهم. فإذا قلنا بأنه لا يفسخ، فلأنّ المشتري بالخيار، إذا كان الناجش سأله البائع في أن يزيد ليعرّ به هذا المشتري، بين أن يتمسكَ بالثمن الذي بذل أو يفسخه ويرد السلعة على بائعها إن كانت قائمة، أو قيمتها، إن فاتت، بدل عيْنها.
وذكر ابن حبيب أن للمشتري هذا الخيار إذا كان الذي زاد، ليَغُرّه، من ناحية البائع كعبده وولده، وإن لم يكن البائع أمر بذلك. وكأنه رأى أن من كان من ناحية البائع لا يصدق البائع في أنه لم يأمره.
وأما إن كان أجنبيًا ليس من ناحية البائع، فالبيع لازم للمشتري، وقد باء بالإثم هذا الذي زاد ليغر غيره، والبائعْ لا إثم عليه لكونه لم يأمر بهذا،
والمشتري قد رضي به بالثمن؛ ولو شاء لتثبت واستشار من يعرف القيمة ووجه الصلاح في الشراء. ولو كان التغرير بالزيادة من جهة البائع لكان للمشتري مقال في رد البيع، مثل أن يقول البائع للمشتري: اشتريت هذه السلعة بمائة، فاغتر المشتري بقوله، ثم ثبت بالبينة أو الإقرار أن البائع إنما اشتراها بتسعين، فإن المشتري لا يلزمه ما بذله لكون البائع غره في هذا. وتغريره يوجب كون المشتري مستحقًا لرد سلعته عليه إذا شاء. ولا يقتصر في هذا على قول البائع الأول: أنما بعتها منه بتسعين، لأن المشتري صدقه فيما قال، ولو شاء لتثبت حتى يعلم صدقه أو كذبه. وقد روي في الحديث "غُبن المسترشد ظلم" (٢).
وذلك بأن يشتري المشتري أمة بقول البائع: إن قيمتها كذا أو بعتها بكذا، فإن هذا لا يحل فمه الغبن ولا يختلف فيه. وإنما اختلف في الغبن الفاحش إذا لم يقع فيه من المشتري استرشاد واستسلام للبائع. وذكر ابن حبيب أنه لا خيار للمغبون، ولو كان الغبن كثيرًا، إذا لم يسترشد ويستسلم المشتري للبائع. وقد تقدم كلامنا على هذا الفصل في موضعه.
стр. 2233
ومما يلحق بهذا النوع: البائع يقول للمشتري: إني اشتريت السلعة بمائة، وصدق فيها, لكنه اشتراها من مدة طويلة يتغير في مثلها السوق، فإن هذا أيضًا مما لا يجوز للبائع لكونه قد غرّ المشتري بهذا القول. وإنما يجوز له هذا إذا صدق فيما قال، وكان الشراء مُنْذ زمن قريب.
ومما يلحق بهذا أيضًا ما سئل عنه مالك في ثلاثة أشراك في سلعة أرادوا التفاصل فيها، فقال واحد منهم للآخر: اخرج منها إذا وقعت المقاولة ليقتدي بك الثالث فيخرج منها، وتخلص لي، فتكون بيني وبينك نصفين. فنهى مالك عن هذا، ورأى أن هذا تغرير وتدليس على الثالث الذي تواطآ عليه، فصار في معنى النجش.
ورأى أصبغ وابن حبيب أن هذا لا حرج فيه، بخلاف النجش، لأن قصارى ما في هذا سكوت أحد المتواطئيْن عن الزيادة وامتناعه منها ليبيع الثالث الذي لم يواطِئْهما برخص (١). ومن سكت عن المزايدة ليسترخص المبيع فليس بناجش.
ومما يلحق بهذا أن المزيد لشراء سلعة لا يسوغ له أن يسأل الجماعة الذين يشترونها ألا يُزَايِدوهُ فيها، وأن هذا إضرار ببائعها، والضرر لا يحل. لكن لو سأل رجلًا واحدًا لساغ ذلك له، لكون الضرر بالواحد لا يحصل. وإنما يجوز سؤاله لواحد على أن يترك ذلك تفضلًا. وأما لو قال له: لا تزد عليّ ولك نصفها، فإن هذه دلسة لا تجوز، كما حكينا عن مالك في مسألة الإشْراك لثلاثة في السلعة، وأن أحدهم إنما ترك الزيادة ليشارك في السلعة، فصار ذلك كالدلسة على الشريك.
ومما يلحق بهذا مدح السلعة وذمها، فإن ذلك ربما أوقع في المدلسة، ويؤثم فاعله، ولكنه لا يوجب للمشتري مقالًا في فسخ البيع؛ لأن هذا ليس بنفس المدلسة، وإنما يخاف أن يقع فيها. وكذلك اليمين في عقد البيع فإنه منهي عنه. وروي أنه يمحق البركة. وذكر ابن حبيب استحباب الترخيص في البيع
стр. 2234
والشراء والمسامحة وحسن الاقتضاء للثمن؛ فإنه وردت بذلك الآثار. وذكر أيضًا ورود الأثر بأن السوم إنما يكون من البائع. وقد ذكرنا نحن في كتاب المعلم ما قاله بعض أهل العلم في قوله ﵇ لبني النجار لما أراد النبي ﷺ أن يبني مسجدهم: ثامنوني في حائطكم (١). واستدلاله بهذا على من يكون السوم منه (٢).
قال القاضي أبو محمَّد ﵁: وبيع الثمار على رؤوس النخل جائز. وإن استُثْنِيَ بعضها فعلى وجهين: إن كان جزافًا جاز على الإطلاق في القليل والكثير، وإن كان كيلًا جاز في الثلث فدونه. واستثناء الجلد والسّوَاقِطِ في الشاة المبيعة جائز بحيث تقل قيمتها ويخف خطرها, ولا يجوز إذا كان لقيمتها بال.
قال الشيخ الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة، منها أن يقال:
١ - ما أقسام الاستثناء؟
٢ - وما الذي يجوز منه أو يمنع في استثناء بعض المنافع؟
٣ - وما الذي يجوز منه أو يمنع في استثناء بعض الرقبة؟
فالجواب عن السؤال الأول أن يقال:
أما الاستثناء، فقد ذكرنا ما قيل فيه من الحدود فيما أمليناه في كتاب الأصول. والغرض ها هنا بيان ما يقع من الاستثناءات في المبيعات. وهو يقع على وجهين:
أحدهما استثناء بعض منافع المبيع. والآخر استثناء أجزاء ذات المبيع.
والاستثناء لبعض المنافع قد يكون قليلًا وكثيرًا. والاستثناء لبعض أجزاء المبيعات يكون جزءًا شائعًا في الجملة كالقول: أبيعك هذه الشاة إلا ثلثها أو نصفها، وهذه الصبرة إلا ثلثها أو ربعها، أو غير ذلك من أجزائها.
стр. 2235
ويقع الاستثناء على معيّن من أجزائها. مغيّب كقوله: أبيعك هذه الأمة إلا جنينها. ويقع على جزء معين، كقولك. أبيعك هذه الشاة إلا فخذها وإلا جلدها، أو إلا رأسها وسواقطها.
ويقع على جزء غير معين، ولكنه مقدر بكيل أو وزن، كقوله: أبيعك هذه الشاة إلا أربعة أرطال من لحمها، أو أبيعك هذه الصبرة إلا أربعة أقفزة منها.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
أما استثناء بعض المنافع، فإن كان لكون ما استثني قد خرج عن ملك بائع الرقبة، كمن أكرى داره أو عبده مدة معلومة، ثم باع الرقبة، فإن هذا الاستثناء لهذه المنافع المبيعة إنما يجوز، عند مالك، إذا كان أمد انقضاء أمد الإجارة يقرب، على حسب ما تقدم بيانه فيما سلف من كتابنا هذا في بيع الغائب وغيره. وذلك أن تكون الإجارة في العبد تنقضي بعد اليومن والثلاثة، لأجل ما قدمناه من أنه لا يجوز بيع معين يقبض إلى أجل بعيد، وإنما يجوز إذا شرط قبضه بعد اليومين والثلاثة أو بعد سنة أو أكثر منها، على حسب ما تقدم بياننا لما ذكر العلماء في تقدير ما يجوز استثناؤه من منافع الديار إذا بيعت، وغيرها. ومنع أبو حنيفة بيع ما تقدمت فيه إجارة على الإطلاق. وللشافعي فيه قولان. فمن منعه رأى أن المبيع غير مقدور على تسلميه لمشتريه لتعلق حق من استأجره بعينه ليستوفي منها المنافع التي أكراها، فأشبه بيع ما في يد الغاصب الذي لا يقدر على تسليم ما في يده لمشتريه، ومقتضى البيع في الشرع التسليم. وإذا شرط ألا تسليم للمبيع فسد البيع.
وانفصَلَ أصحابنا عن هذا بأن المبيع في الإجارة المنافعُ، وقد كان لمالكِ الرقبةِ أن يبيعها ويُبقي الرقبة لنفسه. وكذلك له أن يبيع الرقبة ويبقي المنفعة لنفسه، أو لمن كان أكراها منه. والمشتري إنما اشترى من المستأجر رقبته، ورقبته على ملك البائع لا يمنع من التصرف فيها بحسب ما يسوغه الشرع له.
ولا يقاس هذا على ما في يد الغاصب لأجل أن الغاصب يمنع من الرقبة والمنفعة جميعًا، والمكتري للعبد أو الدار لا يمنع من الرقبة وتصرف المالك فيها بحسب ما أذن له الشرع فيه.
стр. 2236
وأما إن كانت المنافع التي استثنى البائع لم يتقدم فيها عقد إجارة، ولكنه باع دابة واستثنى ركوبها، فإن ذلك يجوز عندنا إذا استثنى أمدًا قريبًا، ويمنع إذا استثنى أمدًا بعيدًا. ومن الناس من ذهب إلى جواز هذا الاستثناء على الإطلاق.
ومنعه أبو حنيفة والشافعي على الإطلاق ..
وسبب هذا الاختلاف تعارض ظواهر الأخبار فقد خرج في الصحيح أنه ﵇ نهى عن المخابرة والثُّنْيا (١) وغير ذلك مما ذكر في هذا الحديث.
ونهى أيضًا عن بيع وشرط (٢). وروي في الصحيح: أنه ﷺ اشترى من جابر بن عبد الله جمله، واشترط جابر ظهر الجمل إلى المدينة. فلما وصل أعطاه النبي ﷺ الثمن والجمل (٣). فمن يجيز الاستثناء لبعض المنافع يتعلق بظاهر حديثَ جابر. ومن يمنع من ذلك يتعلق بنهيه عن الثنْيا وعن بيع وشرط.
وأما مالك فإنه يجيز اشتراط ركوب الدابة إلى أمد قريب، ويمنع ذلك إلى الأمد البعيد، لكون الدابة والعبد يتغيّرَان فيه، فيصير المشتري اشترى ما لم يعلم حقيقته حين يقبضه ويصير إليه، فيكون العقد وقع على غرر فيمنع. وإذا كان الأمر قريبًا فلا غرر فيه، فيجوز حمل حديث النهي عن بيع الثنيا على ثنيا لا تجوز لكونها تتضمن الجهالة بالمبيع. ويحمل حديث جابر على ما لا يتضمن غررًا من الثنيا، فيبنى أحد الحديثين على الآخر، ولا يترك أحدهما للآخر. وقد أشار الطحاوي إلى نصرة من ذهب إلى المنع، بأن المنافع المستثناة لا تخلو من أن يقال: إنها صارت إلى البائع من قِبَل المشتري، وكأن البائعَ باعها مع الرقبة، ثم اشتراها من مشتري الرقبة. أو يقال: إنها باقية على حكم البائع. قال: ولا يصح أن يقال: إنها صارت إلى البائع من جهة المشتري، لأن المشتري لم يملكها قبل العقد، فيكون اشترى الرقبة بها وبما بذل من الثمن. فإذا لم يقدر أنه
стр. 2237
ملكها قبل العقد لم يصح بيعه لها. فمتى قدّر أنه باعها صار كمشتري الرقبة بدنانير وسلعة أخرى لا يملكها، وهذا العقد لا يجوز. قال: ولا يقدر أيضًا أنها باقية على ملك البائع لأن البائع لا يملك ما حدث في المبيع بعد العقد من منافع وهي وقت عقد البيع لم تُخلق فيقدر أن البائع ملكها وأبقاها على ملكه، وإنما هي حين العقد غير مملوكة للبائع لكونها حدثت في ملك المشتري ولا هي مملوكة للمشتري حين العقد لكونه لم يملك الرقبة التي حدثت فيها هذه المنافع. فإذا استحال تصور العقد عليها على الطريقتين جميعًا: أنها مبقاة على ملك البائع أو على أن المشتري اشتراها ثم باعها من البائع، لم يصح العقد، وإنما يصح الاستثناء فيما لولاه لدخل في البيع وهذه المنافع لا يصح أن تدخل في البيع لكون البائع لم يملكها قبل أن تخلق. فلما استحال حقيقة الاستثناء استحال حقيقة هذا العقد (١). فإذا تقرر حكم استثناء بعض المنافع، وهي أحد أقسام ما يستثنى فنتكلم على استثناء بعض أجزاء ذات المبيع.
والجواب عن السؤال الثاني أن يقال:
استثناء بعض أجزاء ذات المبيع فإنه يكون استثناء بعض أجزائه على الشيوع، أو استثناءً لجزءٍ منه معين.
فأما الاستثناء لجزء شائع من المبيع، مثل أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذه الشاة إلا ثلثها أو أكثر من الثلث أو أقل من الأجزاء التي ذكرناها، فإنه جائز. ولا خلاف في جواز الاستثناء لجزء شائع في الجملة. وقد قال عيسى بن دينار: إن هذا الاستثناء يجوز ولو بيعت هذه الشاة على الاستحياء.
وهذا الذي نبه عليه عيسى من حمل الرواية على جواز استثناء جزء من الشاة شائع على الإطلاق، وسوّى بين بيعها للاستبقاء أو للذبح، يفتقر إلى إسناده إلى مسألة أخرى. وذلك أنه قد علم أن ابن القاسم يمنع شراء أرطال لحم يسيرة من شاة، لكون ذلك شراء لحم مغيّب لا يحاط به. وأشهب يكرهه
стр. 2238
ابتداء، ويراه إذا وقع ماضيًا، بشرط أن يكون المشتري قد جس الشاة حتى علم مقدار سمنها أو هزالها، فينظر في ذلك الذي قال عيسى: إنه إذا بيعت الشاة على الذبح أنه يجوز استثناء جزء منها شائعًا، هل يكون الحكم ذبحها إذا دعا لذلك البائع أو المشتري، أو يكون الحكم التبقية؟ والذي نص عليه بعض الأشياخ أن الذبح لا يكون إلا بتراضيهما جميعًا، ومن دعا منهما إلى إبقائها حية لتباع عليهما إذا كرها الشركة فإنه يقضى له بذلك. وتوقف بعض الأشياخ في هذا، وترجح (١) فيه. فإذا قلنا: ان الحكم أن لا تذبح إلا بالتراضي، صح ما قاله عيسى بن دينار، ولم يقدح فيه بأن يكون شراء لحم مغيب. وإن قلنا: بما ترجح (١) فيه بعض الأشياخ أن الذبح يقضى به لمن دعا إليه، كان فيما قاله تعقب، لأنه يقتضي كون المشتري اشترى ثلاثة أرباع لحم شاة، وهي حية، والبائع اشترى لحم ربعها ابذي استثناه، إذا قلنا إن المستثنى مشترى. واشتراء اللحم المغب منهي عنه كما قدمناه. وإن كان هذا أخفض رتبة من شراء اللحم المغيب، لأن شراء اللحم المغيب لم يقع العقد إلا عليه، وها هنا وقع العقد على شاة حية.
وإن كان الحكم عند اختلاف الشريكين فيها أن تذبح، فإنه يجوز أن لا يدعو أحدهما إلى الذبح، ويتراضيا ببقائها حية، ولا يكون ذلك شراء اللحم المغيب ضربة لازب. فيقال على هذا: لا تعقب فيما قاله عيسى على الطريقتين جميعًا، سواء قيل: إن الحكمَ الذبحُ إذا دعا أحدهما إليه، أو الحكم استبقاؤها حية.
وهو الذي حكيناه من تنازع الأشياخ في هذا وقع في رواية المتقدمين من أئمتنا ما يشير إلى اختلاف في هذا الأصل. فقد نصوا على أنه من اشترى بدن شاة حية، واشترى آخر رأسها، فإنهما إن اختلفا في ذبحها أو استبقائها، كان القول قول من دعا إلى استبقائها. ويكونان شريكين فيها، هذا بقيمة الرأس، وهذا بقيمة ما سواه من البدن. ولا شك أن هذين المشتركين إنما اشتركا على الذبح، لأن اشتراء أحدهما الرأس يتضمن الذبح إذ لا ينفصل الرأس عنها وهي حية.
لكن تُتعَقب الرواية من طريق أخرى، وهي أن هذين المشترين دخل كل واحد
стр. 2239
منهما على أنه لا يعلم مبلغ الجزء الذي يكون شريكًا به في هذه الشاة إلا بعد فض وتقويم. وقد منع في أحد القولين جمع سلعتين في البيع لرجلين، لكون كل واحد منهما لا يعلم مقدار ما يستحقه من الثمن الذي باعا به السلعتين. لكن قد يقال في هذا أيضًا. فإن استبقياها حية، والشركة فيها بالقيمة، فقد يتراضيان على خلافه، وإن لم يكن هو الحكم، ويذبحانها، فصارت الشركة على القيمة ليست بضربة لازب. فالجهالة ها هنا ليست بمتعين حصولها.
وقد ذكر مطرف عن مالك فيمن اشترى جزورًا وهو مريض، فاستثنى البائع رأسه، فأبقاه المشتري حتى صح، فإن المشتري لا يجبر على نحوه، ويكون عليه عوضه، كما يكون عليه عوض الجلد إذا استثناه البائع. قال: وإن باعه وهو صحيح، فأبقاه المشتري رجاء زيادة السوق فزادت، فإن البائع يكون شريكًا فيه بقيمة الرأس. فأشار بعض المتأخرين إلى إثبات الشركة ها هنا بقيمة الرأس. وهذه الإشارة قد تقتضي أيضًا، فيمن باع شاة واستثنى جلدها فامتنع المشتري من الذبح، أن البائع يكون شريكًا بقيمة الجلد.
لكن يقال ها هنا لم يطلق مالك الجواب بالشركة في القسمين، ولكنه أثبت الشركة بقيمة الرأس، إذا أخر المشتري الذبح وكان الشراء، والمبيع صحيح، وإذا كان المبيع مريضًا لم تثبت الشركة. بل أوجب عوض الرأس، وهو ما يعد كالمتنافي. لكن قد يقال: إذا كانت الشاة حين العقد مريضة لا كبير ثمن لها، كما قال في هذه الرواية, ثم صحت فإن ثمنها يرتفع ارتفاعًا كثيرًا لأجل صحتها، حتى يصير الرأس المبيع، وهو مريض، كأنه فاتت عينه وضمنه مشتريه. وبهذا علل في هذه الرواية؛ لأنه قال: إن مشتريها لما أخر الذبح حتى صحت صار ضامنًا لما استثناه البائع. وإذا كانت حين عقد البيع صحيحة ولم يتغير من حالها إلا زيادة السوق وانتقاله، فإن العين المبيعة والمستثناة باقيتان على حالهما لم يتغيرا، فكان من حق كل واحد منهما أن يتمسك بعين ما اشتراه فوجبت الشركة. هذا عندي أقصى ما يقال في هذه الرواية.
وقد قال ابن الماجشون، في ثلاثة اشتروا شاة ثم اختلفوا فقال أحدهم:
стр. 2240
نذبحها. وقال الآخر: نبيعها. وقال الآخر: نتقاواها (١)، فإنهم إن كانوا اشتروها ليأكلوها فإن القول قول من دعا إلى الذبح. وإن كانوا تجارًا أو جزارين فالقول قول من دعا إلى بيعها عليهم ولا تلزم المقاواة لها إلاّ بالتراضي. فأنت ترى كون ابن الماجشون قضى ها هنا بالذبح إذا وقع الشراء عليه، ولم يقض به مالك فيمن اشترى الرأس، على ما حكاه مطرف عنه. فهذا يشير إلى كون المذهب على قولين في هذا، على حسب ما حكيناه من اضطراب الشيوخ فيما ذكره عيسى. فهذا الذي ظهر لي في الروايات مما تستند إليه أقوال الأشياخ.
فإذا تقرر حكم الاستثناء بجزء شائع، فإن الاستثناء بجزء معين لا يخلو من قسمين: أحدهما: أن يكون مغيّبًا كالجنين. والثاني: أن يكون مشاهدًا على الجملة غير مقدّر كالفخذ، أو مقدر كأرطال تستثنى من لحم الشاة.
فأما إن كان المستثنى جزءًا متميزًا من الجملة، وهو مغيب كالجنين، فإن ذلك لا يجوز عند مالك وغيره من فقهاء الأمصار. وأجازه ابن حنبل. وذهب الليث أيضًا إلى جوازه على ما سنذكر من مذهبه في ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد احتج مالك في الموطأ على منع هذا البيع المستثنى فيه الجنين بأنه لا يدرى هل الجنين تام أم ناقص، حي أو ميت، ذكر أو أنثى، حسن أو قبيح؟ (٢) مع كون ذلك ينقص من ثمن الأم. فأشار إلى كون هذا العقد يتضمن غررًا للجهل بحال الجنين، وتجويز أن يخرج على أحد الصفات التي ذكرناها.
وهذا التعليل إنما يصح على القول: إن المستثنى مبيع على الجملة، فيكون البائع الذي استثناه مشتريًا له باستثنائه، فيقتضي ذلك كونه اشترى جنينًا لا يعلم صفته، ويقدر أنه باع الأم بمائة دينار وبالجنين الذي استثناه وحقه أن يدخل في المبيع لو لم يستثنه. وأما على القول بأن المستثنى مبقًى، فإن هذا التعليل لا يتضح. لأنه أبقى على ملكه الجنين الذي استثناه، فالجهل بحاله
стр. 2241
كالجهل ببعض ما يملكه من ماله وخفائه عنه، وذلك لا يرفع ملكه عنه.
ولما علم مالك ما في هذا التعليل، أشار إلى طريقة أخرى من التعليل يتصور فيها الغرر عنده، وإن قيل: إن المستثنى مبقى على الملك، فقال: إن هذا الاستثناء يحط من ثمنها (١) فكأنه أشار بها إلى أنه وإن قيل: إن الجنين مبقى على ملك بائعه لم يدخل في البيع، فإنه يقتضي إبقاؤه على الملك غررًا في ثمن الأم؛ لأنه وضْع من ثمنها وقيمتها، لأمر لا يدري هل يحصل أم لا يحصل؟ فصار كأنه خاطر في ثمنها. وهذا أيضًا قد يقال فيه بأن هذه المخاطرة لا تعلق لَها بالمشتري، وإنما تتعلق به في تحسين نظره بنفسه فيما باعه، وسوء نظره. فكأنه أمر خارج عن العقد. فهذا منتهى ما يعلل به في منع استثناء الأجنة.
فإن وقع البيع فإنه فاسد يجب فسخه. فإن حال سوق الأمة قبل أن يفسخ، فقد فات فسخه، ولزمته الأمة بقيمتها يوم القبض. ويكون الولد له. لأنا وإن قلنا: إن المستثنى مبقى، فإن تبقيته على الملك لا تجوز. فلو ألزمنا المشتري قيمة الأم دون الجنين لكنا أمضينا الفساد الذي كنا نهينا عنه، وكنا كبائع الأم دون جنيها. ولو ولدته الأمّ قبل وجوب القيمة على المشتري وقبضه البائع الذي استثناه لما ولد، فإنا نرده إلى مشتري الأم، ولا يمضي استثناؤه لفساده. وإن فات الولد في يديه بحوالة السوق لزمه بقيمته.
وأما إن كان الاستثناء بجزء مقدر بكيل أو وزن، فإنه اختلف قول مالك في ذلك، فروي عنه منع البائع من استثناء أرطال من لحم الشاة التي باع، وإن كانت الأرطال يسيرة. وروي عنه جواز ذلك إذا استثنى أرطالًا يسيرة. فكأنه في رواية المنع قدر أن هذا الاستثناء يقتضي غررًا كنحو ما اقتضاه في استثناء الجنين؛ لأن اللحم المستثنى مغيب عن النظر لا يعلم هل هو سمين أو هزيل؟ فصار البائع لما استثناه كمشتري لحم مغيب. هذا على القول أن المستثنى مشترى. ولو قلنا: إنه مبقى، لكان الغرر ها هنا في جانب المشتري. لأن
стр. 2242
المعروف من المذهب أن هذا الاستثناء يوجب القضاء بذبح الشاة لمن دعا إلى الذبح. وإذا كان الحكم كذلك صار المشتري اشترى ما بعد اللحم المستثنى وهو مغيب. وشراء اللحم المغيب لا يجوز. وكأنه في رواية الإجازة لاستثناء الأرطال اليسيرة قدر أن الغرر في هذا خفيف ليسارة ما استثناه. وكأن ما استثناه أجري عليه حكم الحياة. وشراء شاة حية لا يمنع منه.
فإذا كانت الأرطال المستثناة من الشاة كثيرة، فإنه لم يختلف القول في منع هذا البيع وفساده لتضاعف الغرر فيه من وجهين: أحدهما كون اللحم المستثنى مغيبًا، والثاني كون المشتري جاهلًا بمقدار ما يحصل له بعد الاستثناء، ويجوز أن يأتي الاستثناء على سائر لحم الشاة، أو على أكثر لحمها, ولا يبقى له إلا النزر اليسير الذي لا بال له. وهذه المخاطرة الثانية تعدم في استثناء الأرطال اليسيرة.
واختلف في تحديد اليسير الذي يجوز استثناؤه ها هنا، فقيل: أربعة أرطال، وقيل: ستة أرطال فما دونها، وقيل: ما تقاصر عن الثلث، وقيل: الثلث في حيز اليسير ها هنا. وقد يقال ها هنا: إن ابن القاسم وافق أشهبَ على جواز بيع الصبرة من طعام واستثناء مكيلة منها هي قدر الثلث. وخالفه في استثناء أرطال من لحم الشاة، فلم يجز ما بلغ الثلث. وهذا إنما يعتذر عنه بأن الغرر في لحم الشاة يدخل من جهة كون اللحم المستثنى مغيبًا، ومن جهة ما يتخوف من كون استثناء الكثير من الأرطال يأتي على أكثرها، وطعام الصبرة مُشاهَد جميعه لا غرر فيه من هذه الجهة. فكان التخاطر فيه أخف من استثناء أرطال كثيرة من لحم الشاة. فلهذا أجاز ابن القاسم استثناء مقدار الثلث من الصبرة ولم يجز ذلك في اللحم.
وقد أشار بعض أشياخي إلى إلزام أشهب جواز استثناء الكثير من الأرطال من لحم الشاة، لأجل أنه ذهب إلى أن شراء عشرة أرطال من لحم الشاة لا يفسخ إذا كان المشتري قد حبس (١) الشاة وعرف على الجملة سمنها من هزالها.
стр. 2243
وهذا أيضًا قد يقال فيه: إن الغرر يدخل في الاستثناء من جهة البائع، ومن جهة المشتري، كما بيناه.
وها هنا لا يتصور الغرر في مشتري أرطال من لحم شاة من ناحية هزالها من سمنها. وقد أجاز ابن القاسم أن يبيع رطبًا ويستثني البائع منه مقدار الثلث كيلا يأخذه تمرًا. ولا يجوز أن يشتري مكيلة من الرطب على أن يأخذها تمرًا، لكون الشراء معاوضة حقيقيّة يجتنب فيها الغرر، وكون الاستثناء يبقي المستثنى على ملك البائع على قول الأكثر. وكذلك لا يجيز اشتراء أرطال يسيرة من لحم شاة حية، ويجوز أن يستثني البائع لها، من لحمها هذا المقدار، لأجل ما نبهناك عليه. وقد كنا قدمنا رواية مطرف عن مالك في مشتري جزور مريض واستثنى رأسه أو أرطالًا يسيرة من لحمه، فأبقاه حتى صح، أنه لا يقضي عليه بالذبح، ويعطى مثل اللحم الذي استثناه. ولم يوجب الذبح إذا اختلفا فيه. واعتذرنا عن هذا بما يغني عن ذكره ها هنا.
وأما استثناء جزء معين منها غير مقدر بكيل ولا وزن، كصوف شاة باعها، فإن ذلك يجوز. ولكن يشترط أن يجزّه البائع بعد اليومين ونحوهما. ولا يجوز اشتراط التأخير أيامًا كثيرة، بخلاف مشتري صوف غنم اشترط تأخير جزازها خمسة عشر يومًا ونحوها، فإن ذلك يجوز له إذا أبقاه ليتكامل نضجه وتعسيله ولم يبقه ليزيده نماء. لأنه إذا باع الشاة واستثنى صوفها على أن يؤخره أيامًا كثيرة فقد صارت الشاة معينة تقبض إلى أجل بعيد. وقد تقدم ذكرنا للمنع من بيع سلعة معينة تقبض إلى أجل بعيد، وذكرنا علّة ذلك في كتاب السلم.
وكذلك لو استثنى لبن شاة باعها، فإنما يجوز من ذلك أن يستثني أيامًا يسيرة، بخلاف أن يشتري لبن شاة شهرًا أو أكثر منه، لأجل ما نبهنا عليه من كون مشتري الصوف أو اللبن لم يملك رقبة الشاة ولا عاوض عليها، فيكون كمعين بيع إلى أجل.
وأما استثناء جلد الشاة المبيعة في الحضر، فالمشهور من المذهب منعه.
وأجازه ابن وهب. وأما استثناؤه إذا بيعت في السفر، فعن مالك روايتان: الجواز، وهو المشهور عنه. والمنع، ذكره الأبهري وغيره. وقال القاضي أبو
стр. 2244
محمَّد: إن أصحابنا المحققين يحملون هذا الخلاف على اختلاف حالين، فيمنع في السفر إذا كان للجلد هناك قيمة، ويجوز إذا لم تكن له قيمة. وأشار ابن حبيب إلى منع هذا التأويل الذي قاله القاضي أبو محمَّد، وأجاز استثناء الجلد والأكارع حيث تكون لها قيمة. واعتل بأنه شراء شيء معين فلا يمنع على قوله هذا أن يكون اختلاف قول مالك في استثنائه في السفر يحمل على سفر يكون للجلد فيه قيمة. وإذا قلنا بجواز استثنائه، فإن المشتري للشاة لا يجبر على ذبحها، وإن دعا البائع إلى ذلك لحقّه في أخذ عين الجلد الذي استثناه.
والتحقيق عندي يقتضي الجبر على الذبح لتعلق حقه بعين الجلد، كما يجبر المشتري على الذبح إذا استثنى البائع أرطالًا، لتعلق حقه بعين اللحم، كما ذكرناه في المشهور في المذهب. لكن لما استخف أمر الجلد، وكان لا قدر له ولا بال، وذبح الشاة فيه إفساد للمال وبخس في الثمن، غلب أحد الضررين فكان من حق المشتري أن يدفع قيمة الجلد عوضًا ليصون بذلك ماله من إفساده بالذبح. وقال مالك: يقضى لِلْبائع بقيمة الجلد أو شرائه، يعني به مثله. وكأن هذا خارج عن الأصول، لكون العروض إنما يلزم متلفها قيمتها لا مثلها. لكن قد وقع في المذهب القضاء فيها بالأمثال فيما لا قدر له ولا بال. كما قيل: من حرق ثوب إنسان، أنه يرفوه ثم يغرم ما نقص. إلى غير ذلك مما نذكرهُ في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وإذا تقرر أن الامتناع من الذبح من حق المشتري، وأن البائع لو طلب المثل أو القيمة، قال المشتري: بل يذبح وترْفع الجلد، لكان ذلك من حقه.
لأنا إنما عدلنا إلى غرامة العوض لما يلحق المشتري من الضرر بالذبح. فإذا خفّ عليه التزام هذا الضرر عدنا إلى الأصل في أن كل ذي حق أحق بعين ماله.
وإذا قضينا بالذبح، إذا دعا إليه المشتري، فإن بعض المتأخرين ذهب إلى أن إجارة الذبح والسلخ تكون على البائع والمشتري بقدر ما يملكه كل واحد منهما من هذه الشاة، لما كانت منفعة الذبح لا يختص بها أحدهما دون الآخر، فوجب أن يشتركا فيها بقدر مالك ل واحد منهما. وينبغي أن يلتفت في هذا الذي ذكرناه
стр. 2245
إلى أصل آخر، وهو النظر في المستثنى هل مشترى أو مبقى؟
فإن قلنا: إنه مبقى على ملك البائع، وكان البائع باع ما سواه، وهو اللحم، فإن على البائع السلخ ليتمكن المشتري من أخذ المبيع، كما قيل فيمن باع عمودًا عليه بناء، أو جفن سيف عليه حلية، فإن على البائع أن يزيل ماله من البناء على العمود، وماله من حلية على السيف، ليتمكن المشتري من قبض ما اشتراه.
وإن قلنا: إن المستثنى مبقى، وكأن البائع باعها بدنانير وبجلدها، فإن المشتري يقدر بائعًا للجلد وهو ما التصق باللحم، فيختلف على من تكون إزالته، هل عليه أو على البائع منه؛ كما اختلف فيمن باع صوفًا على ظهر غنم، أو ثمرًا في أغصان شجر، هل يكون الجزاز والجذاذُ على البائع أو على المشتري؟ وأما ما أشار إليه من حكينا قوله من الأشياخ: أن الإجارة تكون بقدر قيمة الجلد من قيمة الشاة، فإنه قد اختلف المذهب في الإجارة إذا كان العمل واحدًا في أموال رجال مختلفين والمال مختلف، هل تكون الإجارة على قدر أعمالهم، أو على المساواة؟ فكذلك ما نحن فيه.
وأما استثناء عضو معين، كالفخذ أو الذراع، أو غير ذلك من الأجزاء التي لها قدر وبال، فإنه ينبغي أن تجري على الأختلاف في استثناء الأرطال. فإن كان العضو المستثنى فيه أرطال كثير؛ لا يجوز استثناؤُها لحمًا في أصل البيع، فإنه يمنع.
وإن كانت قليلة فإنه يجوز. ويختلف في حد القليل على حسب ما قدمنا ذكره.
وأما الاستثناء من الصبرة جزءًا شائعا، فإنه يجوز باتفاق، قل الجزء أو كثر، كما قدمناه في استثناء جزء شائع من الشاة.
وأما استثناء قيل مقدر منها، فإنه إن زاد مقدار الكيل على ثلث جميعها، منع، لما نبهنا عليه من شدة الغرر في البيع إذا كان المستثنى كثيرًا. وإن كان مقدار ما استثني من الكيل ثلث جميعها فأقل، جاز ذلك.
فإن هلكت الصبرة قبل أن يقبض البائع منها ما استثناه، فإن هلاكها منهما جميعًا، يضمن مشتريها ما زاد على المستثنى، ويضمن البائع المستثنى. فأما