ولو كان الرهن موجودًا في يد هذا المرتهن، ولكن لم يعلم به الراهن حتى قام عليه، فوجده مفلّسًا، عليه غرماء يطالبونه بديونٍ، فهل يكون أحقّ بهم (١) بعين الرهن أوْ لا يكون أحق بل يكون كأحدهم في المحاصة بقيمة الرهن؟
المذهب في هذا على قولين: أحدهما: إنه يكون أحق. والثاني: إنه لا يكون أحق, وإليه ذهب ابن المواز. وقال عيسى بن دينار: إنه لا يكون أحق إذا كان الأمين عديمًا. فأجْرى على قوله أَلا يكون أحق إذا كان الأمين مليا يمكنه أخذ قيمة الرهن منه. وقال أصبغ: بل يكون أحق إذا كان الأمين عديمًا لا مال له.
وعندي أن سبب هذا الاختلاف الالتفات إلى ما كنا قدمناه أن الرهن إذا رجع إلى يد الراهن، باختيار المرتهن وطوعه، سقط (في الرهن) (٢) ولم يكن أحق به إذا وقع الفلس، وذلك بأن يرده الراهن إلى جهة الوديعة أو الإجارة، لكنه له ارتجاعه بعد رمنه على جهة الوديعة وبعْد رده على جهة الإجارة إذا انقضى الأجل ولم يقمْ الغرماء ولا فلِّس الراهن.
ولو ظهر أنه إنما واجَر الراهن من الرهن لاعتقاده أن ذلك لا يُبطل الرهن، لكن (٣) من حقه، فيما اختاره بعض أشياخي، أن يفسخ الإجارة.
وهذا عندي يتعلق بأصل آخر ينظر فيه هل يمكن من فسخ الإجارة أم لا؟
ولو كان الرهن عبدًا، فأبق العبد من غير تفريط من المرتهن، وعاد بعد إباقه إلى سيده، ولم يعلم بذلك المرتهن حتى قام الغرماء، لم يبطل حق المرتهن في هذا الرهن، لكونه مغلوبًا على رجوعه إلى يد الراهن.
стр. 3222
وهاهنا قد يقال: إنه كالمغلوب لكون الأمين ردّ الرهن على الراهن بغير اختيار المرتهن، فأشبه إباقَ العبد. أو يقال ها هنا: إن المرتهن رضي بوقف الرهن عند هؤلاء (١) الأمين، مع تجوزه أن يرده إلى الراهن، فصار كأنه ليس بمغلوب على الردّ، بخلاف الإباق، مع كونه ها هنا أيضًا له مرجع بقيمة الرهن على هذا الأمين المتعدى، وينفرد بما يأخذ منه عن الغرماء، ويتبعه بذلك إن كان فقيرًا، ولا يكون أحق من الغرماء، مع كونه قد تميّز عنهم باستحقاق قيمة الرهن في ذمة رجل أحق (٢) غير غريمه. فإذا قلنا: إنه يكون أحق بعين الرهن، وإن فلس الراهن، والرهن في يده، حكم له بأخذ الرهن وحاصّ بما يبقى له بعد ثمن الرهن من الدين. وإن قلنا: إنه لا يكون أحق, فإن هذا الأمين الموقوف على يديه الرهن قد أضَرَّ بالمرتهن في إعادته إلى يد الراهن، فللمرتهن مطالبة الرهن (٣) بما أضر به ما فعله من إعادة الرهن للراهن. فمذهب جماعة من أشياخ القرويين وحذاقهم أنه يرجع المرتهن على الأمين بمقدار ما نقصه الحِصاص لأجل تسليم الرهن.
ونحن نضرب لهذا مِثالًا يتبين به اختلاف طرق الأشياخ.
فلهم في المسألة ثلاث طرق:
١ - أحدها: ما ذكرناه عن بعض حذاقهم، وإليه مال بعض مشايخ الصقلّيين. فإذا فرضنا أن الراهن عليه عشرون دينارًا للمرتهن، وعشرون دينارًا أخرى لرجل آخر لم يأخذ بها رهنًا، ففُلِّس الراهن، فوجدنا بيده الرهن الذي رده عليه الأمين، وقيمته عشرة دنانير، وفي يده مع ذلك عشرة دنانير أخرى، فقد صار الموجود في يده عشرين دينارًا، وهي نصف الأربعين التي عليه للرجلين، فيتحاصان في هذه العشرين التي هي عشرة منها ثمن الرهن، وعشرة أخرى
стр. 3223
بيده. فإذا تحاصًا فإن كل واحد من هذين الرجلين يأخذ نصف حقه، وهي عشرة دنانير، فيقول، الذي دينُه أخذ له الرهنَ، للأمين: لو لم تسلم الرهن إلى الراهن وبقي في يديك لكنتُ أنا أحقَّ به، ولم يحاصَّني الغريم الآخر فيه بدينه، بل آخذ ثمنه وهو عشرة دنانير، فتبقى لي من ديني عشرة دنانير، وللغريم الآخر عشرون لا رهن له بها، فتكون المحاصة بيني وبينه على ما حكم به الحاكم الآن، وذلك أن العشرة التي أخذتها من ثمن الرهن سقط بها، وبقي لي النصف الآخر الزائد على قيمة الرهن، وهو عشرة لا رهن لي بها, وللغريم الآخر عشرون ولا رهن لي (١) بها، فتقع المحاصة بيني وبينه، على أن له ثلثي العشرة، وهو سبعة غيرُ ثلث، ولي أنا ثلثُها وهو ثلاثة دنانير وثلث، فيحصل في يدفيَ ثلاثة عشر دينارًا وثلث، عشرة منها هي التي حكم بها الحاكم، وثلاثة وثلث تجب بالمحاصة.
ولو كانت على غير الصفة التي حكم لي الحاكم، فيُطلَب الأمين بثلاثة دنانير وثلث، وهي التي تعدَّى الأمينُ على الرهن من حقي هذا في الحصاص.
ولو كان الرهن قد أفاته الراهن بأن يكون طعامًا فأكله، أو ثوبًا فلبسه، ووجد في يده عشرون دينارًا، لرجع المرتهن على الأمين بسبعة دنانير غيرِ ثلثٍ، وهي ضِعْفا ما يرجع به عليه لو كان الموجود في يده عينَ الرهن وعشرون (٢) دينارًا, لأن الرهن إذا كان موجودًا وقع الحصاص للمرتهن بعشرة دنانير، لسقوط عشرة من دينه بالرهن الذي يأخذه لو بقي في يد الأمين، وإذا كان الرهن قد فات في يد الراهن وقيمته عشرون دينارًا ووقع الحصاص للمرتهن بعشرة دنانير في عشرين بيد الراهن. وفي المسألة الأولى يقع له الحصاص بعشرة، فلا شك أن الذي يجب له في الحصاص في عشرين دينارًا أضعاف (٣) ما يجب له في الحصاص في عشرين (٤)، وهو سبعة إلا ثلث.
стр. 3224
ولو فرضنا المسألة الأولى، وهي الحصاص بعشرة بقيت له بعد الرهن في عشرة قبالة (١) في الحصاص ثلاثة وثلث كضا بيناه، ثم طرأ للراهن عشرة أخرى، فإن حكم الحصاص، الذي ذكرناه، ينتقض بطريان مالِ الراهن (٢)، وإذا انتقض فقد صار للراهن ثلاثون دينارًا، منها عشرة قيمة الرهن، والعشرة الأخرى التي قدرناها في السؤال الأول، والعشرة الأخرى طرأت، فهذه ثلاثون، تقسم بين الغريمين نصفين كما فعلناه في السؤال الأول، فيحصل للمرتهن خمسة عشر دينارًا, وتبقى له عشرة دنانير لا يشاركه فيها أحد، ويبقى له من دينه عشرة دنانير، وللغريم الآخر عشرون دينارًا، العشرة التي قدرناها مع الرهن، والعشرة الطارئة، فتضرب في العشرين المرتهن بالعشرة الباقية به، ويضرب بالغريم الآخر بجميع دينه وهو عشرون دينارًا، فينوب المرتهن من العشرة ثلثاها، وهو سبعة دنانير غير ثلث، فيضاف إلى العشرة التي هي ثمن رهن الذي هو أحق بها لو بقي الرهن في يد الأمين، فيضرب جملة ما يستحق سبعة عشر دينارًا غير ثلث، وقد أخذ خمسة عشر دينارًا، والذي أضرّ به تسليم الرهن دينارًا وثلثا.
وهكذا لو كان الراهن وجد الرهن وقد فات، فإن التفريع على هذا يجري. فانظر ما حصل له في المحاصة وما نقصه، وأضرَّ به تسليم الرهن، فهو الذي يرجع به على الأمين. فهذه إحدى الطرق الثلاثة فيما يرجع به المرتهن على الأمين.
وأما الطريقة الثانية، وهي طريقة الشيخ أبى محمَّد بن أبي زيد ﵀، وذلك أنه رأى أن هذا المرتهن قد تعدى الأمينُ عليه في تسليم رهنه إلى الراهنو فله أن يطالبه بقيمة الرهن الذي تعدى عليه، وقيمته عشرة دنانير، وقد أخذ الحصاص (٣) أوَّلًا عشرة دنانير، على أنّ المحاصة كانت له بعشرين وبعشرين للغريم الآخر، فصارت ها هنا لما أخذ العشرة قيمةَ الرهن من الأمين
стр. 3225
قد سقط دينه، وبقي له المحاصة بنصف دينه الآخر الزائد على قيمة الرهن (١) من العشرة التي قبضها بالمحاصة نصفَها لأنه حاص أوّلًا بَعشرين وكشف الغيب أنه لما أخذ من العشرين عشرة من الأمين أنّ المحاصة إنما تجب له بعشرة، فيردّ من العشرة، التي أخذ نصفها في المحاصة، نصفَها وهو خمسة دنانير التي تمسّك بها من عشرة المحاصة، فذلك خمسة عشر دينارًا، وقد ردّ مِمّا أخذ في المحاصة خمسة دنانير بقيت من جملة دينه لكونه حصل في يده خمسة عشر دينارًا، ويضرب فيها الغريم الآخر بعشرة دنانير، وهي التي بقيت من دينه بعد العشرة التي أخذ في الحصاص، فيقضى له بثلثها، وهو ديناران غير ثلث، يضاف إلى الخمسة عشر فيحصل له سبعة عشر دينارًا غير ثلث.
ونحا الشيخ أبو محمَّد في هذه الطريقة نحو ما ذكره يحيى بن عمر في مسألة المدونة، فيمن رهن زرعًا لم يبْدُ صلاحه، وفلّس الراهن، فإن الزرع لما كان لا يحلّ بيعه صار كالعدم، وحاص هذا المرتهن بهذا الزرع غرماءَ الراهن بجميع دينه. فإذا حل بيع الزرع فإنه تبطل المحاصة الأولى، ويرد نصفَ ما أخذ فيها إذا كان هو قد أخذ نصف دينه، والغريم الآخر نصفَ دينه. فيرد نصف ما أخذ في المحاصّة، ثم يتحاص فيه هو بما بقى له.
وذهب بعض المتأخرين إلى طريقة ثالثة، وأنكر طريقة الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد، وقال: إنما يرجع المرتهن على الأمين في مسألتنا بخمسة دنانير، وذلك أن مِن حقه أن يُغرّم الأمين (٢) وقيمة رهنه، وهو عشرة دنانير، ويبقى له من دينه عشرة يحاص بها. ويحاص أيضًا الأمين بالعشرة التي غرمها المرتهن، ويحاص الغريم الثالث، الذي له عشرون بغير رهن، بالعشرين دينارًا، فصار جملة ما على الراهن من الدين أربعين دينارًا، وفي يده عشرون دينارًا يتحاص فيها ثلاثة غرماء، المرتهن بالعشرة التي بقيت له بعد ما أخذ الأمين، والأمين
стр. 3226
بالعشرة التي غرمها المرتهن، والغريم الثالث يحاص بالعشرين جملة دينه. فالذي ينوب المرتهنَ والأمينَ في الحصاص في العشرين التي بيد الراهن عشرة دنانير، خمسة منها للمرتهن، وهي التي صارت له (١) حاص بالعشرة الباقية، وخمسة منها للاثنين، فيأخذ الأمين خمسة بالحصاص فيصير جملة ما غرم خمسة، ويأخذ المرتهن خمسة، يتمسّك بها مع العشرة التي غرمها له الأبن، فصار جملة ما يأخذ خمسة عشر دينارًا، منها عشرة التي غرم له الأمين، ومنها خمسة هي التي تنوبه في المحاصة مما بقي له.
فلو فرضنا أنه بدأ بغرامة الأمين، وقدم ذلك على الحصاص، لكان الحكم ما ذكرناه بمن (٢) كونه يحصل في يديه خمسة (٣) دنانير، وهي ثلاثة أرباع حقه.
فإذا لم يبدأ بغرامة الأمين وبدأ بالمحاصة فإنه يحاص عن نفسه وعن الأمين، فيجب أن يكون الذي يحصل له لو بدأ بغرامة الأمين هو الذي يُعْطى له في المحاصة، فإنها (٤) يستغرم الأمين خمسة دنانير.
واعتد صاحب هذا المذهب بلفظ وقع في الموازية وهو قوله "يحصل للمرتهن ثلاثة أرباع حقه".
قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب رحمه الله تعالى ورضي عنه:
وإذا اختلف المتراهنان في عين الرهن فالقول قول المرتهن (٥). وإن اختلفا في قدر الحق فلا يخلو الرهن أن يكون باقيًا أو تالفًا. فإن كان باقيًا فلا يخلو أن يكون في يد المرتهن أو في يد أمين.
стр. 3227
نجز ما وجد من الأمَّ النسخ منها بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه.
والصلاة على النبي وآله. وكان الفراغ من نسخه أواخر ذي الحجة سنة ١٢٣٧، سبع وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية. ولا حول ولا قوة إلا باللهِ العلي العظيم. "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
انتهى