وقتها. والدليل عليه مما قدمنا ذكره. وقررنا أن أول وقتها ابتداء القامة الثانية عندنا. وآخر القامتين عند أبي حنيفة، فأغنى ذلك عن إعادته *وقد قاله ابن عبد الحكم وابن حبيب في المذهب* (١).
وأما آخر وقتها فعندنا فيه قولان: أحدهما أن آخر وقتها القامتان لما وقع في حديث جبريل من التحديد بذلك. والثاني أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس لقوله في حديث عبد الله بن عمرو وقت العصر ما لم تصفر الشمس (٢).
والجواب عن السؤال الثامن: أن يقال: إنما استحب تأخير صلاة العصر في مساجد الجماعات قليلًا رفقًا بالناس. وقد قال أشهب يستحب تأخيرها إلى الذراع من القامة الثانية، لا سيما في الحر. وجمهور أصحابنا على استحباب تعجيلها أول وقتها شتاء كان أو صيفًا. واستحب ابن حبيب أن يخص يوم الجمعة بتعجيل، ليقرب انصراف المتطهرين لها ممن صلى الجمعة. وقال بعض أشياخي الاستحباب يتنوع. فالمستحب في المغرب والصبح التعجيل. وفي العشاء التأخير. واختلف في الظهر والعصر. فقيل التعجيل أفضل. وقيل أول وقتها وآخره سواء. فعلى هذا القول لا يكون في التعجيل فضيلة. ومذهب أبي حنيفة استحباب التأخير ما لم تصفر الشمس. وقال بعض أصحابه إنما ذلك ليوسع زمن التنفل للناس لأن العصر إذا صليت يمنع (٣) التنفل. ولأن القصد افتتاح الصحيفة بعمل خير واختتامها بمثله. فإذا صليت العصر آخر الوقت كانت صحيفة النهار في حكم ما ختم بخير.
والجواب عن السؤال التاسع: أن يقال: أما قول القاضي أبي محمَّد إن تأخير العصر عما يقرب من أول وقتها مكروه على حسب ما فسره. فإنه لفظ مشكل وكالهادم لم ابن اه. وذلك أنه أخذ يبين أوقات الاختيار فجعل الوقت
стр. 387
المختار للعصر جميع القامة الثانية. وكذلك جعله جميع علمائنا من تقدم منهم ومن تأخر. والاختيار يشعر بانتفاء إطلاق الكراهة. وقد أطلق القاضي أبو محمَّد ها هنا على تأخير العصر أنه مكروه، وإن كان وقت الاختيار لم يذهب. وغيره من العلماء وإن ذهب إلى فضيلة التعجيل. فما أرى هؤلاء يطلقون الكراهة كما أطلقها إلا بتقييد وبيان على أن المراد بها أنه قد فات المؤخر حظ من الأجر، وفضل التعجيل. فيكون معنى الكراهة أنه مندوب إلى تحصيل الأفضل فيكره له ترك ما ندب إليه. والفقهاء إذا وصفوا الشيء بأنه مكروه وأطلقوا ذلك عليه لا يقصدون (١) هذا القصد. ألا تراهم لا يقولون فيمن أخر صلاة الفجر أنه فعل مكروهًا. ولا يقال الصلاة حينئذٍ مكروهة وإن كان التعجيل عندهم أفضل.
وكذلك مؤخر الظهر عن الذراع لا يقولون إن صلاته مكروهة. فيجب على قارئ هذا اللفظ أن يتأمل معناه ويعتبر بما قلناه.
قال القاضي ﵀: ووقت المغرب الذي لا تحل قبله، غروب الشمس. وهو واحد (٢) مضيق غير ممتد مقدر آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف. ويرخص للمسافر أن يمد الميل ونحوه ثم يصلي. وذلك داخل في باب الأعذار والرخص وهو خارج عن هذا الباب. ووقت العشاء الآخرة مغيب الشفق وهو العمرة لا البياض وآخر وقتها ثلث الليل الأول. ويستحب في مساجد الجماعات تأخيرها قليلًا قدرًا لا يضر بالناس. ثم لا يزال وقتها ممتدًا إلى أن ينقضي ثلث الليل (٣) الأول.
قال الشيخ رضي الله هـ تعالى عنه: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على أن المغرب وقت واحد؟.
٢ - وما معنى اختصاص وقتها بوصفه بأنه واحد دون غيره من الأوقات؟.
٣ - ولم رخص للمسافر أن يمد الميل؟.
стр. 388
٤ - وما الدليل على أن الشفق هو العمرة؟.
٥ - ولم استحب تأخيرها في مساجد الجماعات قليلًا؟.
٦ - وما الدليل على أن آخر وقتها ثلث الليل؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف المذهب في المغرب.
فذهب مالك في الموطإ أن لها وقتين. وفي المدونة إشارة إلى ذلك. وحكى البغداديون عن مالك أن لها وقتًا واحدًا. واختلف قول الشافعي في ذلك كما اختلف قول مالك. ومذهب أبي حنيفة أن لها وقتين. وسبب الاختلاف في ذلك اختلاف ما قدمناه من الأحاديث. ففي حديث جبريل أنه صلاها به في اليومين عند الغروب بخلاف ما فعل في سائر الصلوات. وهذا يوجب أن لها وقتًا واحدًا. وفي حديث عبد الله بن عمرو: ووقت المغرب ما لم يسقط الشفق.
وهذا فيه إثبات وقتين لها. وقد رجح الآخرون بأن لها وقتًا واحدًا، مذهبهم باستمرار عمل (١) المسلمين في سائر الأمصار على صلاتها عند الغروب. فلولا أنهم عقلوا عن الشرع أن وقتها واحد لما اتفقت خواطرهم ودواعيهم على إقامتها حينئذٍ كما لم تتفق دواعيهم على إقامة الظهر في وقت واحد، لما عقلوا عن الشرع أن لها وقتين. وينفصل الآخرون عن هذا بأنهم وإن قالوا إن لها وقتين فإنهم يسلمون أن المستحسن والأفضل صلاتها عند الغروب. وأهل السنة مجمعون على ذلك لأنها صلاة تمر بالناس وهم متأهبون لها. فاستحب تعجيلها كصلاة الجمعة. وقد قال ابن مسلمة من أصحابنا أن الغروب وإن كان موسعًا فيها إلى الشفق، فالأحسن تعجيل فعلهالأول وقتها. ويرجح هؤلاء الحديث الدال على أن لها وقتين بأنه متأخر عن حديث جبريل فوجب الرجوع إليه مع كونه عندهم أصح سندًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما وصفت صلاة المغرب بأن وقتها واحد لأن غيرها من الصلوات وقتها ممتد وجميعه وقت مختار، ولأوله على آخره فضل أو لآخره على أوله، فصارت الصلوات لأجل اختلاف حال الأول والآخر هكذا موصوفة بأن لها وقتين لما صار في وقتها هذا النوع من
стр. 389
التعدد. والمغرب لما لم يكن وقتها ممتدًا حتى يكون لأوله على آخره فضيلة وصفت بأن لها وقتًا واحدًا، وهذا أولى من أن يجعل معنى ذلك أن زمنها المختار لا يسع أكثر من إقامتها. لأن صلاة الظهر يسع وقتها المختار من إقامتها صلوات كثيرة فيجب أن تكون الظهر موصوفة بأن لها أوقاتًا. ولا معنى حينئذٍ، والمراد بهذا (١)، أن يقال لها وقتان إلا أن يتسع في العبارة ويجعل ما بعد قدر إقامتها من مبدأ وجوبها إلى آخر الوقت كوقت واحد يكون ثانيًا لمبدأ الوجوب.
فيصح المعنى حينئذٍ على أن المغرب يختلف حال الناس في إقامتها بعد الغروب. فمن مبادر ومن متوان قليلأوقد خرج بتوانيه عن مقدار إقامتها بعد الغروب. وجميعهم موقع لها في الوقت. ولكن إن كان الأمر على ما قلناه من أن المراد بأن لها وقتًا واحدًا منع (٢) اختلاف حكم أول الوقت مع آخره. فما يصنع من قال إن جميع وقت الظهر متساوٍ في الفضيلة؟ هذا يتطلب معنى آخر غير هذا. وإنما أشرف لتحقيق هذا القول لما رأيت فيه من هذا الإشكال ولم أر أحدًا تعرض لتحقيقه كما يجب ويشفي الغليل فيه. ولعلهم اضربوا عنه لما كان إنما يرجع الأمر فيه إلى مناقشة في عبارة المفهوم منها قد تعارفوه بينهم.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إنما جاز أن يمد الميل ونحوه ثم يصلي المغرب لما في أصل وقتها من الاختلاف وإن مالكًا قد قال في أحد قوليه إن وقتها ممتد إلى الشفق فلم يخرج بهذا التأخير عن الوقت المختار في أحد القولين. مع أنه في القول الآخر في حكم التأخير اليسير الذي لا يكاد يخرج عن الوقت. مع أن عذر السفر يبيح التأخير فيها والجمع بينهما وبين العشاء الآخرة فقد صار للسفر تأثير في جواز التأخير، فلهذا ألحقه القاضي أبو محمَّد بباب الأعذار والرخص.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس بعد اتفاقهم على أن أول وقت (٣) صلاة العشاء مغيب الشفق، في الشفق ما هو؟ فقال مالك إنه
стр. 390
العمرة الباقية من نور الشمس بعد غروبها. وقال أبو حنيفة هو البياض الباقي بعد العمرة، ووافق الشافعي مالكًا. لكن المزني من أصحابه وافق أبا حنيفة كما وافق أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة مالكًا. وقد أشار بعض أشياخي إلى أن مالكًا وافق أبا حنيفة أيضًا وتعلق بقول ابن شعبان، إن أكثر قوله إن الشفق العمرة. وهذا يشير إلى أن ابن شعبان يرى أن له قولًا آخر أنه البياض. ويمكن عندي أن يكون ابن شعبان إنما أشار بهذا، لما وقع في سماع ابن القاسم عن مالك أنه قال: أرجو أن تكون العمرة، والبياض أبين. وهذا من (١) مالك إشارة إلى تردده في مذهبه. فلما رأى ابن شعبان هذا التردد، ورأى ما سواه من القول المطلق أنه العمرة، أشار إلى أن أكثر أقواله الإطلاق بالحمرة دون تردد. هذا مما يمكن عندي أن يحمل كلام ابن شعبان عليه، فلا يقطع بصحة ما فهم شيخنا منه، واعلم أن البياض والحمرة يسمى كل واحد منهما شفقًا. ويشير في أنه العمرة قول الشاعر:
وقد تغطت بكمها خجلا ... كالشمس غابت في حمرة الشفق
فإذا ثبت أن النوعين جميعًا يسميان شفقًا (٢). قال أصحابنا نحمله على أولهما أخذًا بأوائل الأسماء وقضاء بالأسبق. وقال أصحاب أبي حنيفة أصل الشفق الرقة، ومنه قولهم الشفقة الرقة، أي رقة المحبة والحنان فيه. فإذا كان هذا أصل هذه التسمية فلا شك أن البياض أرق من العمرة. فإذا كان أحق بمعنى الاشتقاق (٣) كان أحق بالتسمية ووجب حمل ما ورد من الإطلاق عليه.
وقد تنازع الفريقان آية وخبرًا. فأما الآية فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ (٤) فإن كان الدلوك غروب الشمس على ما كنا حكيناه.
وغسق الليل ظلمته. والظلمة إنما تتحقق وتكمل بعد مغيب نور الشمس وجميع
стр. 391
أثرها من بياض وحمرة، وجب أن تكون صلاة (١) العشاء عند مغيب الشفقال في هو البياض. وإن كان دلوك الشمس زوالها وغسق الليل الغروب (٢) على ما كنا حكيناه فلا حجة في الآية لأحد المذهبين. وأما الخبر فهو ما روي أن النبي ﷺ صلى العشاء لمغيب القمر لليلة الثالثة (٣) فزعم أصحابنا أن ذلك إنما يكون قبل مغيب البياض وبعد أن غابت العمرة. وزعم الآخرون أنه إنما يكون بعد مغيب البياض. وقد أدخل النسائي هذا الحديث في كتابه على أنه حجة لاعتبار مغيب البياض ولكنه ضعف الحديث.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: إنما استحب تأخيرها في مساجد الجماعات رفقًا بالناس، وقد استحب ابن حبيب تأخيرها في زمن الشتاء قليلًا لطول الليل. وفي ليالي رمضان أكثر من ذلك قليلًا توسعة على الناس في إفطارهم. وحكى العراقيون من أصحابنا عن مالك أنه يرى أن آخر وقتها أفضل.
وفي المدونة إنكار تأخيرها لآخر وقتها. ومحمله على أن ذلك مما يضر بالناس فنهى عنه لإضراره.
وبعض أشياخنا اختار التعجيل إن اجتمع الناس، وانتظارهم إن أبطوا لما روي في البخاري أنه ﷺ كان ينتظرهم إن أبطوا (٤). وقد قال أشهب أما الفذ والجماعة الذين يتفق رأيهم على التأخير. فالاستحباب التأخير إلى مغيب البياض. فإن أخروا إلى ثلث الليل فواسع. وهذا يقتضي أن الاستحباب عنده التأخير، وإنما يعدل عنه لاستحباب التعجيل لنفي الضرر على الناس. وكأنه اعتمد (٥) في هذا على ما روي أن الناس رقدوا ثم استيقظوا ثم رقدوا ثم استيقظوا. فخرج النبي ﷺ فقال: لولا إن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها
стр. 392
هكذا (١). وهذه إشارة إلى أن الفضل في التأخير لولا مراعاة المشقة.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف المذهب في آخر وقت صلاة العشاء. فذهب مالك إلى أنه ثلث الليل الأول. وذهب ابن حبيب إلى أنه نصف الليل. وسبب الاختلاف اختلاف الأحاديث التي قدمنا. ففي حديث جبريل أنه صلاها به عند الثلث الأول من الليل. وفي حديث عمرو بن العاصي ووقت العشاء الأخيرة ما لم يذهب نصف الليل.
قال القاضي رحمه الله تعالى: ووقت صلاة الفجر (٢) طلوع الفجر الثاني ويسمى الصادق وهو الضياء المعترض في الأفق الذاهب فيه عرضًا يبتدىء من المشرق معترضًا حتى يعم الأفق، ثم لا يزال ممتدًا ما لم تطلع الشمس، وهي الصلاة الوسطى. والتغليس بها أفضل. فهذه أوقات الوجوب المبتدأة وهي على ضربين. منها: ما يكون ابتداؤها علمًا على الإجزاء في كل حال (٣) عمومًا لا خصوصًا وذلك لثلاث صلوات وهي الزو الذي الظهر، وغروب الشمس في المغرب وطلوع الفجر في صلاة الفجر. فهذه الأوقات هي أوقات الوجوب والإجزاء (٤). فلا يجوز تقديم هذه الصلوات عليها بوجه، لا في حال عذر (٥)، ولا غيره. وأما المثل بالعصر. ومغيب الشفق للعشاء الآخرة فهو (٦) في الرفاهية (٧) والاختيار لأن الإجزاء والرخصة قد يتعلقان بتقديمهما على هذه الأوقات في حال الضرورات (٨) على ما نبنيه.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة. منها أن يقال:
стр. 393
١ - ما الفجر؟.
٢ - وما الدليل على أن آخر وقت الصبح طلوع الشمس؟.
٣ - وما الدليل على أنها الصلاة الوسطى؟.
٤ - وما الدليل على أن التغليس بها أفضل؟.
٥ - وما معنى قوله فهذه أوقات الوجوب المتبدأة؟.
٦ - وما معنى قوله إن المثل في العصر ومغيب الشفق في العشاء الأخيرة هو في الرفاهة والاختيار؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: الفجر مأخوذ من الانفجار ومنه انفجار الماء بمعنى اندفاعه. وهو نور الشمس البادي في الأفق عند قربها منه.
فيكون مستدقًا. وشبه لدقته بذنب السرحان. فتكون الشمس على وضع ما من البعد عن الأفق، فيكون أول ما يبدو من نورها دقيقًا مستطيلًا، ويسمى الفجر الكاذب. فإذا تقربت من الأفق وانتقلت (١) عن ذلك الموضع اتسع ذلك النور وانفتق الضوء ويسمى الفجر الصادق. وكلما ازدادت قربًا زاوإنتشار الضوء حتى تبدو بنفسها لأعين الناس. وقد علق الشرع بهذا الضوء البادي منها الذي يسمى الفجر الصادق حكمًا من أحكام الصلاة. كما علق النور الذي تغادره فينا إذا غربت حكمًا من أحكام الصلاة؛ لأنه علق في صلاة الصبح الحكم بظهور النور المنتشر. وعلق في صلاة العتمة الحكم بغروب النور الذي هو العمرة والبياض على الاختلاف الذي ذكرناه (٢) فيه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلفت الأخبار في صلاة الصبح.
ففي بعضها أنه صلاها بعد أن أسفر. والمراد به أنه أوقع جملة الصلاة في الإسفار وافتتحها لما بدأ. وفي بعض الأخبار أن آخر وقتها ما لم تطلع الشمس. فهل يكون ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس وقت اختيار أو وقت ضرورة؟ سنتكلم عليه في الكلام على أوقات الضرورة إن شاء الله تعالى.
стр. 394
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في الصلاة الوسطى ما هي على ثمانية أقوال؟ فقال بعضهم هي كناية عن الصلوات الخمس. وقال بعضهم هي كناية عن صلاتين: إحداهما العصر والأخرى الصبح. وقال آخرون هي صلاة (١) الجمعة. وقال آخرون هي صلاة الصبح. وقال به من الصحابة ابن عباس. ومن الفقهاء مالك. وقال غيرهم هي صلاة الظهر. وقال به من الصحابة زيد بن ثابت. وقال آخرون هي صلاة العصر وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر، ومن الفقهاء أبو حنيفة والشافعي. وقال بعضهم هي صلاة المغرب قاله من التابعين قبيصة بن ذؤيب. وقال غيرهم هي العتمة. فأما من قال إنها كناية عن الخمس صلوات فإنه يحتج بأن الخمس عدد فرد والعدد الفرد لا وسط له. وما لا وسط له إذا ذكر فيه الوسط كان ذلك كناية عن جميعه كالدائرة التي لا أول لها معينًا (٢)، وهذا باطل. لأن الله سبحانه قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (٣). وهذا لفظ يتناول جميعها إذا قصد به العموم تصريحًا. وإذا صرح بالشيء استغنى عن الكناية عنه إذ التصريح يفهم منه المراد، والكناية لا يفهم منها المراد كما فهم بالتصريح، فلا معنى لها.
وأيضًا فإن الوسط إذا لم يكن بمعنى النصف ها هنا صح أن يكون الثالث وسطًا في الخمسة لكونه مسبوقًا باثنتين ومعقبًا باثنتين. وأما من قال صلاة الجمعة فدعوى لا وجه لها؛ لأنها لم تختص بمعنى تخالف به الصلوات الخمس فيستحق التسمية بالوسطى. وهذا الاسم ليس بلقب وإنما هو مأخوذ من معنى ومفيد لحقيقة. فمن لم يبدها فيما ادعاه لم يسمع قوله. إلا أن يرد في ذلك نص شرع يتبع. ولهذا اختلف نظر العلماء لما تطلبوا معنى هذا الاسم. فنظر بعضهم إلى التوسط في عدد الركعات، فلم يجد إلا المغرب لأنها فوق الصبح ودون الظهر والعصر والعشاء في العدد فجعلها الصلاة الوسطى (٤). ونظر بعضهم إلى التوسط في الزمن فقدم مالك الليل على النهار، فيكون المغرب والعشاء طرفًا أولًا،
стр. 395
ويكون الظهر والعصر طرفًا آخر. فبقي الصبح وسطًا بين هذين الطرفين. ورجح مذهبه بأن وقتها مشكل أمره. ولهذا قيل هو من الليل. وقيل هو (١) من النهار. وقيل زمن ثالث لإشكاله. فكان أحق بهذه التسمية. وأيضًا فإن المفهوم أنها إنما خصت بالأمر بالمحافظة عليها *لكونها أقرب للتضييع من غيرها.
فلما علم البارئ سبحانه ذلك خصها بالأمر* (٢) بالمحافظة عليها، ومعلوم أن النوم ربما حمل على إضاعتها، فكانت أحق بهذا الأمر. ولما رأى الآخرون أن الصبح والظهر تكون طرفًا أولًا إذا قدم النهار، والمغرب والعشاء طرفًا آخر كانت العصر وسطًا بين هذين. وأكدوا هذا بأنها وقت شغل الناس بالبيع والشراء. والبيع والشراء مما يحمل على تضييع الصلوات. ولهذا نبه الله سبحانه عليه وخصه بالذكر دون سائر الشواغل عن الصلاة. فقال تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣). واعتمدوا أيضًا على قوله ﷺ : "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" (٤). فقد بين ها هنا ﷺ أن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ولأجل هذا الحديث ذهب من قدمنا ذكر مذهبه إلى أن الوسطى صلاتان إحداهما العصر بالسنة، والأخرى الصبح بالقرآن. وأشار بعض أصحابنا ممن حاول سلوك هذه الطريقة إلى أن قوله تعالى ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ ربما انتظم الصلاتين جميعًا الصبح والعصر. وهذا مذهب ضعيف لأن القرآن لم يصرح بإثبات الصبح وسطًا فتدعو الضرورة إلى إثبات وسطين. وإنما ورد القرآن بلفظ كناية اشتد إشكاله حتى اختلف فيه الصحابة
стр. 396
والفقهاء على ثمانية أقوال فكيف يطمع مع هذا الإشكال أن يقال إن القرآن
تضمن إثبات الصبح وسطًا. فإن اعتضد هؤلاء بما قلناه من أن المفهوم أن
القرآن إنما خصها بالذكر لكونها أقرب إلى التضييع بغلبة النوم من غيرها، قلنا
قد قابل أبو حنيفة هذا المسلك بأن الشغل بالبيع آكد في العمل على التضييع من
غلبة النوم عند الصبح. فمع هذه المقابلة ونص النبي ﷺ على أنها العصر لا يمكن القول بأن القرآن أفاد كون الصبح وسطا. على أنه قد يحمل إشارته ﷺ بقوله: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". على أنه أراد بالألف والسلام ها هنا إحالة على المعهود المذكور في القرآن. فيكون ذلك كالتفسير للقرآن. وإذا كان قوله ﷺ هذا مفسرًا للقرآن إما على قطع أو احتمال، لم يصح القول بأن السنة أثبتت صلاة أخرى وسطى غير الوسطى المذكورة في القرآن. هذا وقد ذكر في حديث عائشة رضي الله هـ ه تعالى عنها أنها قالت: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر (١). فعلى هذا يكون ما في القرآن مطابقًا لما في السنة من كون الوسطى هي صلاة العصر. وإن كنا لا نرى إثبات هذه الزيادة قرآنا ولا نبيح القراءة بها وإنما ذكرناها تأكيدًا لما قلنا من ضعف القول بإثبات وسطين. على أنه قد روي أيضًا في خبر (٢) عائشة والصلاة الوسطى وصلاة العصر (٣) بإثبات الواو وحاول أصحابنا أن يجعلوا ذلك عمدة في الرد على أبي حنيفة في قوله إنها العصر. وأجيبوا عن ذلك أنه قد يعطف الشيء على نفسه فلا يكون في العطف ها هنا دلالة على أن العصر غير الصلاة الوسطى. وأما ما أشار إليه بعض أصحابنا من أن القرآن يصح حمله على صلاتين وسطين فلا معنى له لأنه لم
стр. 397
يثبت كون الصبح والعصر جميعًا وسطيين، ونفي ذلك عما سواهما. فيصح حمل القرآن على ما ثبت من ذلك. ومن ادعى مع ورود القرآن بلفظ التوحيد حمل ذلك على صلاتين كمن ادعى حملها على ثلاث لا فرق بينهما. فإما أن يحمل على جنس الصلوات واستيعاب الخمس فيكون هو المذهب الذي ذكرناه أولأوقد (١) نقضناه. أو يحمل على صلاة واحدة وينظر في عينها على حسب الاختلاف المذكور فيها. وفي هذا كفاية في ضعف هذا المذهب. وقد كنا قدمنا أن هذا الاسم يشار به إلى معنى ينبغي أن يتطلب. فقدره قبيصة بن ذؤيب في عدد الركعات فأثبت الوسطى المغرب. وتطلبه مالك وأبو حنيفة في الزمن فقدم مالك الليل فكانت الصبح وسطى. وقدم أبو حنيفة النهار فكانت العصر. ونظر زيد بن ثابت إلى النهار فوجد وسطه الظهر فأثبت الظهر وسطًا لما كان الزوال وسط الزمان. وهذا فيه نظر لأن الوسطى وصف يعود إلى الصلاة لا إلى زمن الصلاة. فمذهب قبيصة ومالك وأبي حنيفة جار على وصف يعود إلى الصلاة إما في عدد ركعاتها وإما في (٢) كونها ثالثة في عدد خمس. وكون نصف النهار وسطًا في الزمن لا يعود إلى الصلاة. وإنما اعتبر أبو حنيفة ومالك أي الزمانين تقدم (٣) حتى تحصل للثالثة رتبة العدد. وقد احتج لزيد بأن الصحابة شكت (٤) حر الرمضاء فلم يشكهم (٥) ما أنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. هذا مثل ما احتج به لمذهب زيد. وقد قالس أصحابنا جوابًا عنه ليس نزول الآية عند شكواهم شدة الحر بالذي يوجب حمل الوسطى على الظهر.
وإنما أفادت الآية المحافظة على الصلوات أجمع (٦) وفيها الظهر الذي كانت الشكوى بسببها. وذكر الوسطى تخصيصًا منبها على زيادة المحافظة عليها.
стр. 398
وأما من قال إنها صلاة العشاء فإنه اعتبر ما قدمناه بأن (١) خصيصها بالذكر يدل على أنها أقرب إلى التضييع، والإنسان قد يغلب عليه النوم في وقت صلاة العتمة في غالب الأمر فيترك الصلاة فأمر بالمحافظة عليها لأجل ذلك.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: اختلف الناس في الأفضل من وقت صلاة الصبح. فذهب مالك والشافعي إلى أن أول الوقت أفضل. وذهب أبو حنيفة إلى أن آخر الوقت أفضل. وحكى الطحاوي عنه أن الأفضل الجمع بين التغليس والأسفار، بأن يبدأ الصلاة في التغليس ويختمها في الأسفار.
ودليلنا على استحباب التغليس قول عائشة ﵂: كان النساء يخرجن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (٢). وهذا فيه إثبات الفضل في التغليس لأن قولها كان، إشارة إلى المداومة على هذا الفعل. وفيه أيضًا رد ما حكاه الطحاوي من اختيار إتمام الصلاة في الأسفار لإخبارها أنهن كن ينصرفن من الصلاة في الغلس. وأيضًا فإنها إنما خصت بالأذان قبل وقتها لما كانت إقامتها في أول وقتها أفضل فقدم الأذان على الوقت لتأهب الناس للصلاة حتى يدركهم أول (٣) الوقت وهم متأهبون. وأيضًا فإن الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان ينتظر الناس في صلاة العشاء إذا أبطوا (٤).
وأما الصبح قال الراوي: كانوا أو كان رسول الله ﷺ يصليها بغلس (٥). قيل معنى أو أي لم يكونوا. فأشار إلى أنه كان لا ينتظرهم في الصبح وينتظرهم في العشاء. وهذا يقتضي فضيلة أول الوقت، وأما أبو حنيفة فإنه يتعلق بقوله ﵇: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" (٦). وأجاب أصحابنا عن هذا بأن المراد بالأسفار ها هنا التبين، لا إسفار الشمس. وأصل هذه اللفظة التبين. ومنه قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ ومنه سفرت المرأة عن وجهها إذا أزالت
стр. 399
البرقع فبان وجهها، قال الشاعر:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
ومنها سمي السفر لأنه يكشف عن أخلاق الرجال فالمراد بالحديث أن إيقاع الصلاة بعد بيان الفجر واتضاحه (١) أولى من إيقاعها في وقت قد يعرض فيه التباس. وانفصل عن هذا بأن الالتباس والشك في الفجر لا تصح الصلاة معه ولا أجر في تلك الصلاة حتى يقال إن غيرها أعظم منها أجرًا. والجواب عن هذا أنا لم نرد حالة التباس على جميع الناس وإنما أردنا أن وضوح الفجر وبيانه يتفاوت. فأمر المصلي بإيقاع الصلاة في الوضوح التام والبيان الجلي الذي لا يمكن تصور وقوع التباس فيه. وتعلقوا أيضًا بقول ابن مسعود في صلاة المزدلفة وصلاة الصبح بالمشعر الحرام. هاتان صلاتان قدمتا قبل وقتهما. قالوا وهذا يقتضي أن الصبح كانت عادته فيها الأسفار. فخالف العادة في المشعر الحرام فصلاها بغلس. وأجيبوا عن هذا بأن المراد (٢) أنه عجلها في المشعر الحرام حين بدأ الفجر ولم يؤخرها عن أول الوقت. وقد (٣) كان يؤخرها عن أوله قليلًا حتى يتضح الفجر إلى آخره.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: معنى قوله الوجوب المبتدأ لأن من نام عن صلاة أو نسيها فجميع الأزمان والأوقات وقت لها إذا ذكرها فيه.
فتحرز بقوله أوقات الوجوب المبتدأ من الوجوب المشروع على جهة القضاء، فإنه لا يتحدد بالأوقات التي ذكر.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: لما اختلف حال الصلوات باختلاف حال الاختيار والضرورات نبه ﵀ على ذلك لأن الشرع جاء بإقامة العصر حال الاختيار عند مضي القامة. وجعل ذلك وقتًا لها مختارًا، كما
стр. 400
جعل الزوال وقتًا مختارًا للظهر. ولكن رخص في تقدمة العصر عن مبدأ وقتها المختار للعذر. ولم يرخص في تقدمة الظهر عن مبدأ وقتها المختار للعذر. فنبه على هذا الاختلاف وأحال تفصيله على ما بعد.
فصل
قال القاضي ﵀: فأما أوقات الضرورات والتضييق فهي للحانض تطهير. والمغلوب يفيق والصبي يبلغ والكافر يسلم والناسي يذكر، ويتصور في اثنين (١) من هؤلاء العكس. وهو أن يكون في حق الطاهر تحيض والمفيق يغلب ولا يتصور في الصبي يبلغ لأنه لا يعود إلى الصغر، ولا الكافر يسلم لأنه إذا ارتد ثم عاد إلى الإِسلام لم يؤخذ بقضاء ما فات. وأخذ في حال التضييق بما يؤخذ به الكافر الأصلي إذا أسلم، ويمكن تصويره في الناسي. وبسط ذلك يطول.
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة منها أن يقال:
١ - ما معنى تسمية هذه الأوقات أوقات ضرورة؟
٢ - ولِمَ لَمْ يعد في هذه الجملة الحاضر يسافر والمسافر يقدم؟
٣ - وما الدليل على أن المرتد إذا تاب لم يقض ما فات؟
٤ - وما المعنى الذي أشار إليه في إمكان تصور العكس في الناسي؟
والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: تأخير الصلوات عن أوقات الاختيار التي قدمنا إلى أوقات الضرورة مكروه، أو ممنوع، على ما سيرد بيانه إلا في حق هؤلاء الذين عد، فإنهم (٢) مضطرون للتأخير إذ لا يمكن الحائض ولا المغلوب بالإغماء صلاة. فصارت ضرورة هؤلاء ومن ذكر معهم ممن شاركهم في هذا المعنى، رفعت الكراهة والمنع (٣) فسميت أوقاتهم أوقات ضرورة.
стр. 401
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: إنما لم يعد المسافر يقدم والحاضر يسافر لأنهما هما المرادان بقوله والناسي. لأن الناسي الذي لم يتغير حاله بقدوم ولا بسفر (١) يصلي متى ما ذكر. لا يختلف حكمه في هذا باختلاف الأوقات.
وإنما يختلف حكم من نسي الصلاة في الحضر فخرج مسافرًا (٢) في آخر وقتها أو بعد تقضي وقتها على ما فصله القاضي أبو محمَّد في آخر هذا الفصل لما ذكر فيه حكم الحاضر يسافر والمسافر يقدم. فأجمل ذكرهما في أول الباب وفصل في آخره. والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف الناس في المرتد هل يقضي ما لم يصله أيام ردته أو ما فرط فيه في (٣) أيام إسلامه؟ إذا رجع (٤) إلى الإِسلام فعندنا أنه لا يقضي ذلك. وقال الشافعي يقضيه. ودليلنا عليه (٥) قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦) والمرتد كافر أيام ردته فدخل في هذا الخطاب، مع القول بالعموم، ولا معنى لقول أصحاب الشافعي أن المرتد قبل ردته ملتزم لأحكام الشريعة فيؤخذ بالقضاء كما يؤخذ بذلك النائم. لأنه نام وهو ملتزم للشرع. لأن المعتبر إلزام الله تعالى لا التزام الإنسان. وإنما يؤخذ الإنسان ببعض التزاماته (٧) يخطئ الشرع في ذلك بإلزامه (٨) إياها. وهب أن المسلم ملتزم للشرع أيام إسلامه فهو في أيام ردته غير ملتزم للشرع. فلا معنى لذكر الالتزام أيام الإِسلام. فإن قالوا المرتد لا يقر على دينه. والكافر الأصلي يقر على دينه فلهذا يقضي المرتد ولا يقضي الكافر الأصلي. قيل الإقرار على الدين أو منع الإقرار أصل. وقضاء العبادة أصل آخر،
стр. 402
فلأي وجه اعتبرتم أحدهما بالآخر من غير علة تقتضي ذلك ولا مناسبة توجب؟ هذا وهم يقولون إن الوثني لا يقر على دينه وتؤخذ (١) منه الجزية ومع هذا فإنه إذا أسلم لم يؤمر بقضاء (٢) الصلاة. فدل ذلك على صحة ما قلناه من أن قضاء العبادة مرتبي (٣) بالإقرار أو منع الإقرار. فإذا ثبت أن المرتد لا يقضي، لم يتصور العكس كما قال ﵀، وإنما يعتبر فيه إذا أسلم في حال ضيق الوقت، ما يعتبر في الكافر الأصلي إذا أسلم من اعتبار خمس ركعات قبل الغروب في الظهر والعصر على حسب ما يرد بيانه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما انعكاس الناسي فإنه لا يتضح كما اتضح في غيره من الأقسام المنعكسة التي ذكرناها. فلهذا لم يصرح به كما صرح بها، واستغنى بالإشارة إليه لعدم اختصاصه بالمعنى الذي أخذ في بيانه، ولو صورنا (٤) الانعكاس في ذاكر نسي، فلا شك أن النسيان يمنع من توجه الخطاب؛ لأن الناسي لا يكلف ما هو ناس له. وإن قلنا إن الحاضر إذا كان ذاكرًا لصلاة الظهر والعصر، فلما كان عند تضيف الشمس للغروب أخذ في السفر ونسي أن يصلي الظهر والعصر حتى غربت الشمس وهو في السفر فذكرهما حينئذ كيف يقضيهما قصرًا أو إتماما؟ يعتبر مقدار خروجه. فهذا وإن تصور فإنه لا معنى له. لأن المعتبر مقدار خروجه فيؤمر بالصلاة على حسب ما يقتضيه ذلك المقدار. فإن غفل عن إقامة ما أمر به فلم يذكر إلا بعد حين، فهل تعتبر الحالة الواجبة عليه أو حالة الأداء؟ هذه مسألة أخرى. وقد يمكن صرف إشارته ﵀ إلى تصويره بأن يفرض الكلام في مسألة من نسي الظهر وصلى العصر عند الغروب وبقي بعد فراغه من العصر للغروب مقدار ركعة. فهل تجعل هذه الركعة وقتًا للظهر أو يكون الظهر خرج وقتها؟ هذا أصل مختلف فيه سنبسط القول فيه إن شاء الله وفي أمثاله من المسائل. فإن بسطها كما قاله
стр. 403
رحمه الله تعالى فيكون المراد أنه يذكر أمرًا وينسى أمرًا آخر يتعلق حكمه بحكم ما ذكر على حسب ما يفصله إن شاء الله. ولكن هذا الانعكاس لا يطابق الانعكاس المذكور في غير ما عده ﵀. لأن العكس هناك في تلك المسائل ينصرف إلى معنى واحد وصلاة واحدة. والانعكاس الذي هو ذاك رنا س (١) إنما يتصور على حسب ما قلناه ها هنا في أمرين ولا فائدة له في هذا الباب المقصود الكلام عليه فنزيد في الكشف عنه. قال القاضي ﵀: وبيان هذا الأوقات هو أن ابتداء الزوال وقت للظهر مختص لا تشاركها (٢) فيه العصر بوجه. ومنتهى هذا الاختصاص قدر أربع ركعات للحاضر وركعتين للمسافر. ثم يصير الوقت مشتركًا بينها وبين العصر فلا يزال الاشتراك قائمًا إلى أن يصير قبل وقت الغروب بقدر أربع ركعات للحاضر أو ركعتين للمسافر فيزول الاشتراك ويختص العصر بالوقت. وتفوت الظهر حيئنذ على كل وجه. وإدراك وقت الصلاة المعتد به هو إدراك ركعة منها وما قصر عن ذلك فليس بإدراك.
قال الإِمام ﵁: يتعلق بهذا الفصل أربعة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على ما ذكره من الاختصاص؟
٢ - وما الدليل على ما ذكره من الاشتراك؟
٣ - وما معنى تقييده بقوله وتفوت الظهر حينئذ على كل وجه؟
٤ - وما معنى تأكيده بقوله وما قصر عن ذلك فليس بإدراك؟
والجواب عن السؤال الأول: أن يقال: اختلف أصحابنا في اختصاص أول الصلاتين بأول الوقت وآخر الصلاتين بآخر الوقت. فقال ابن القصار وغيره من أصحابنا بما قاله القاضي أبو محمَّد ها هنا من اختصاص الظهر بعد الزوال بقدر ركعاتها. والعصر قبل الغروب بقدر ركعاتها. وذهب غيرهم من أصحابنا إلى منع الاختصاص. قالوا وإنما ثبت (٣) الاختصاص لأجل الترتيب الذي جاء به
стр. 404
الشرع في هاتين الصلاتين من كون الظهر مقدمة على العصر. فلو سقط الترتيب بوجه ما، لسقط الاختصاص. فحجة من أثبت الاختصاص قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (١). فجعل ما قبل الغروب مختصًا بالعصر. فلو كان الاشتراك ممتدًا إلى الغروب لقال فقد أدرك الظهر والعصر أيضًا. فلو جعلنا الاشتراك ممتدًا إلى الغروب لكان موقع صلاة الظهر عند الغروب موقعا لها في وقتها. ويكون إيقاع العصر بعد الغروب إيقاعًا لها في وقتها. وذلك غير صحيح. لأن ما بعد الغروب ليس بوقت للعصر ولأن الغروب إذا حان، سقط فرض صلاة الظهر، مع تقدمها، على العصر. فلولا اختصاص الوقت بالعصر لما سقط فرض صلاة الظهر مع تقدمها. وحجة من قال بنفي الاختصاص أن السفر إنما جعل عذرًا في تخفيف عدد ركعات الصلاة لا في نقلها إلى أوقات لا يصح فعلها فيها (٢) على جهة امتثال الأمر. ألا ترى أنه عذرٌ رد الظهر إلى ركعتين ولم يبح إقامتها قبل الزوال فلو كان ما بعد الزاول يختص بالظهر لوجب ألَاّ يجوز للمسافر أن يجمع (٣) عند الزوال لأنه يكون حينئذ إذا صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين أوقع ركعتي العصر في وقت الظهر ووقتها (٤) ما بعد أربع ركعات بعد الزوال. فيكون السفر حينئذ عذرًا في نقلها عن وقتها إلى ما قبله. وقد قدمنا أن السفر لا ينقل الصلاة عن وقتها. فدل ذلك على أنه لا اختصاص للظهر بعد الزوال.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: أما اشتراك الصلاتين في الوقت الذي ذكرناه (٥)، فإن أبا حنيفة والشافعي خالفا في ذلك. ومنعا أن يكون بين
стр. 405
والصلاتين اشتراك. ودليلنا ما وردت به الآثار من جمع النبي بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلولا اشتراك الظهر والعصر في الوقت، والمغرب والعشاء في الوقت، لم يجمع بينهما كما لم يجمع وبين العصر والمغرب ولا بين الصبح والظهر، لعدم الاشتراك في الوقت. ولأن الحائض إذا طهرت لمقدار (١) خمس ركعات قبل الغروب، صلت الظهر والعصر. فلولا اشتراك الصلاتين في الوقت لم تؤمر بصلاة الظهر كما لم تؤمر بها إذا طهرت بعد الغروب. ولا ينفصل عن هذا بأن هذا وقت مختص بأصحاب الضرورات؛ لأن معنى اختصاصه بهم وإضافة الوقت إليهم أنهم غير مقصرين في تأخير الصلاة إلى آخر الوقت للعذر المانع لهم من إقامتها في (٢) وقت الاختيار. ومن أخرها عن وقت الاختيار فقد قصر ونقصت صلاته عن الكمال.
قال القاضي أبو الحسن ابن القصار: هو وإن لم يلحقه الوعيد بالتأخير فقد أساء. وإذا ثبت أن هذا أساء وقصر، والآخر لم يسيء ولم يقصر، صح معنى الاختصاص في الإضافة. فإن تعلق أبو حنيفة والشافعي بقول النبي ﷺ : وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر (٣). وبقوله: إنما التفريط فيمن ترك الصلاة حتى دخل وقت أخرى (٤). وإذا ثبت التفريط بدخول وقت الأخرى امتنع الاشتراك. وكذلك تحديده وقت الظهر بأن لا يحضر وقت العصر، قيل المراد بهذا ما لم يدخل وقت العصر المختص به *وهو ما قبل الغروب بقدر ركعاتها.
أو يراد به بيان الوقت المختار، وكذلك التفريط إنما يراد به ما لم يحضر وقت الصلاة الأخرى المختص بها* (٥) فإن تعلقوا بصلاة جبريل بالنبي ﷺ وبما
стр. 406
ذكرناه من حديث عبد الله بن عمرو المحدد فيه أوقات الصلوات، وزعموا أن هذه الأحاديث الصحيحة تمنع من الاشتراك وتوجب حصر الأوقات على ما بينه جبريل للنبي ﷺ وعلى ما علمه النبي ﷺ للناس في حديث عبد الله بن وغيره.
قيل لهم يقابل هذا بقوله ﷺ : من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (١). فقد اقتضى هذا الحديث أن العصر تدرك بمقدار ركعة قبل (٢) الغروب. وهذا على عمومه فيجب بناء هذه الأحاديث. فإن بنوها على أن المراد بقوله من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، أصحاب الضرورة كالحائض تطهير حينئذ فإنها غير ملومة بالتأخير. والمراد بحديث جبريل وحديث عبد الله بن عمرو، من عدا أصحاب الضرورات، قيل لهم قد يبني أصحابنا الأحاديث على خلاف هذا البناء فيقولون: إن (٣) المراد بحديث جبريل وحديث عبد الله بن عمر بيان الأوقات المختارة إذا وقعت الصلاة فيها وقعت كاملة. والمراد بقوله من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر بيان الأوقات التي لا يكون إيقاع الصلاة فيها قضاء بل يكون أداءًا وتكون الصلاة فيها ناقصة لا كاملة. وقد يعترض علينا في هذا البناء بأن متعمد تأخير العصر إلى قبل الغروب بمقدار ركعة آثم إذا لم يكن له عذر في التأخير. وإذا حمل قوله من أدرك ركعة من العصر على عمومه اقتضى ظاهره نفي التأثيم بقوله فقد أدرك العصر. وتحقيق بناء هذه الأحاديث حتى لا تتعارض، وترجيح بناء طائفة على طائفة يفتقر إلى إيراد فصول من علم الأصول لا يحملها كتابنا هذا. وقد نتكلم فيما بعد إن شاء الله على المصلي للعصر إذا أوقع بعضها قبل الغروب وبعضها بعده.
стр. 407
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أما وجه تقييده بقوله على كل وجه، فإنه يحتمل أن يقصد بذلك الإشارة إلى رد أحد القولين اللذين ذكرناهما، وأن (١) الاختصاص يثبت للعصر قبيل (٢) الغروب خلافًا لمن زعم من أصحابنا أن الاختصاص يسقط إذا سقط الترتيب على ما حكيناه عنهم. وخلافُ اللشافعي في قوله إن مدرك ركعة قبل الغروب يكون مدركًا للصلاتين، فقيد ﵀ كلامه. وأكد مراده في إثبات (٣) الاختصاص فقال: وتفوت الظهر حينئذ على كل وجه. ومما انبنى على هذا المعنى الذي أشار إليه وذكرنا نحن الاختلاف فيه، من نسي الظهر وصلى العصر فلما كان قبل الغروب بركعة أغمي عليه. أو كانت امرأة فحاضت فاختلف قول ابن القاسم في وجوب قضاء الظهر. والاختلاف في هذا مبني على الاختلاف من اختصاص العصر بما قبل الغروب. فمن أثبته أوجب قضاء الظهر لأن العذر الطارئ طرأ بعد ذوات الظهر واستقرارها في الذمة، فوجب قضاؤها. ومن نفى الاختصاص عند سقوط الترتيب، كمثل ما جرى في هذه المسألة، فإنه لا يوجب قضاء الظهر. لأنه يقدر مقدار هذه الركعة وقتًا للظهر. فإذا طرأ العذر في وقتها سقط فرضها. ولما أشكل على ابن حبيب هذا الاختلاف ذهب إلى الاحتياط للصلاة فأي المذهبين كان مقتضيًا إيجابها (٤) ركبه وصار إليه.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: أما وجه تأكيده بقوله وما قصر عن ذلك فليس بإدراك فإشارة إلى خلاف (٥) أبي حنيفة والشافعي فإنهما قالا إن مدرك مقدار تكبيرة قبل الغروب يكون مدركًا للصلاة. وحملا على أن القصد بقوله ﵇: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك
стр. 408
العصر (١)، التنبيه بالأدنى على الأعلى. وذكر ركعة ضرب مثل للقلة فكأنه قال: من أدرك جزءًا من العصر، وهذا لا نسلمه لهم لأنه دعوى. وإخراج لكلامه ﷺ عن ظاهره من غير دليل ألجأ إلى ذلك. لكن اختلف أصحابنا في قوله من أدرك ركعة، هل هو مقصور على إدراك الركعة بمجردها دون سجودها أخذًا بظاهر الحديث، وإليه صار أشهب أو كنى بالركعة عن الركعة وسجودها وإليه صار ابن القاسم؟ لكن ابن القاسم لا يلزمه ما ألزمنا أبا حنيفة والشافعي؛ لأن الركعة يعبر بها في العرف عن الركوع والسجود، فصح حمل قول النبي ﷺ على معنى مستعمل في العرف. ولم يستعمل في عرف التخاطب ذكر الركعة كناية عن تكبيرة الإحرام، فلهذا لم يلزم ابن القاسم ما ألزمناه أبا حنيفة والشافعي. وإذا قلنا إن المعتبر مقدار الركعة أو مقدار الركعة بسجدتيها فيختلف، هل يعتبر فيها الطمأنينة أم لا لأجل الاختلاف في فرض الطمأنينة؟ ويختلف هل يعتبر فيها قراءة أم القرآن لأجل الاختلاف في كونها فرضًا في كل ركعة على ما سيرد بيانه إن شاء الله.
قال القاضي أبو محمَّد رحمه الله تعالى: فإذا طهرت حائض أو أفاق مغمى عليه، أو بلغ صبي، أو أسلم كافر، وقد بقي من النهار بعد فراغهم مما يمكنهم به أداء الصلاة من طهارة وستر عورة وغير ذلك قدر خمس ركعات في الحضر أو ثلاث (٢) في السفر فعليهم الظهر والعصر لإدراكهم (٣) وقتهما. وذلك لبقاء ركعة من وقت الظهر المشترك، وإدراك جميع وقت العصر. وإن كان الباقي أربعًا أو أقل من الخمس (٤) فقد فات وقت الظهر فيسقط عنهم ويخاطبون بالعصر فقط لإدراكهم وقتها. ولو أدركوا من وقت العصر قدر ركعة فقط لكانوا مدركين لوقتها. فإن أدركوا دون ذلك، فلم يدركوا ما يلزمهم به (٥).
стр. 409
وكذلك لو أخرت امرأة الظهر والعصر إلى أن طرأ عليها الحيض وقد بقي من النهار قدر (١) خمس ركعات أو ثلاث على التفصيل الذي ذكرناه فلا قضاء عليها إذا طهرت لأنها حاضت في وقتهما (٢). وإن كان الباقي دون ذلك كان عليها قضاء الظهر لإدراك (٣) وقتها ولم يلزمها قضاء العصر لأنها حاضت في وقتها.
وكذلك الحكم في المغلوب وغيره، ومثل ذلك في المغرب والعشاء وهو أن تطهير حائض أو يفيق مغلوب وقد بقي إلى الفجر قدر خمس ركعات فتلزمه الصلاتان لإدراكه وقتهما. فإن أدرك قدر ثلاث ركعات سقطت المغرب لفوات وقتها وأنه لو صلاها لم يبق للعشاء وقت. وإن أدرك قدر أربع ركعات فقيل يصليها لأنه تبقى ركعة للعشاء. وقيل يصلي العشاء فقط لأنه لم يدرك شيئًا من وقت المغرب.
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل ستة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الدليل على أن الظهر لا تفوت إلا بالمقدار الذي ذكر؟
٢ - وما الحكم في هذا الوقت لو استحق بصلاة أخرى منسية؟
٣ - وما الحكم فيه لو فسدت بالحدث؟
٤ - وما الحكم لو فسدت بنجاسة الماء؟
٥ - وما حكم الخطإ في التقدير في هذا الوقت؟
٦ - ولم اختلف في مدرك أربع ركعات قبل الفجر؟
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أما اعتبار ذوات الظهر بما ذكر، فإن أبا حنيفة خالف فيه وذهب إلى أن خروج القامتين يفوت به وقت الصلاة المشروع. لأهل الاختيارواهل الضرورة، بناء منه على أصله في أن آخر وقت الظهر القامتان. وسلك في هذا ما كنا أشرنا إليه فيما تقدم من تعليم جبريل للنبي ﷺ وتعليم النبي ﷺ لأمته. فإن الأحاديث الواردة بذلك لم تجعل ما بعد القامتين فيها وقتًا للظهر فسقط اعتباره، وقد كنا قدمنا أن جمع النبي ﷺ بين
стр. 410
هاتين الصلاتين يشعر باشتراكهما في الوقت وذلك يقتضي ما قلناه من أن الظهر لا تفوت إلا قبيل الغروب بمقدار أربع ركعات التي يختص بها العصر، ولا معنى لإعادة هذا بعد ما تقدم.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف المذهب فيمن بقي بينه وبين الغروب (١) من أصحاب الضرورات مقدار ما يعتبر في الصلاتين أو في العصر خاصة فذكر صلاة منسية فاختلف في ذلك قول ابن القاسم هل عليه إذا صلى المنسية وغربت الشمس قضاء الصلاة التي استحقت الوقت *بحكم الأداء أم لا؟ فقيل ليس ذلك عليه لأن منعه من أداء الصلاة التي استحقت الوقت* (٢) لأجل اشتغاله بالمنسية. ووجوب تقدمتها عذر (٣) يمنع من توجه الصلاة المستحقة للوقت عليه. كما كان الحيض مانعًا من توجهها لما جاء الشرع بمنع الحائض من الصلاة. وقيل عليه قضاؤها قياسًا على أصحاب الاختيار إذا أخروا الصلاة حتى ضاق الوقت وذكروا صلاة منسية فإنه لم يختلف أنهم يصلون ما حضر وقته بعد فراغهم من المنسية. ويمكن عندي أن يفرق الأولون بين ما قالوه وبين المسألة المتفق عليها بأن المختار كالمتعدي في التأخير إلى ضيق الوقت، فإذا توجه عليه الأمر بصلاة أخرى فلا تسقط عنه تلك الصلاة، الذي هو كالمتعدي في تأخيرها. والحائض والمغمى عليه غير متعديين في التأخير. فإذا ضاق الوقت عند زوال عذرهما وأمرا بصلاة أخرى منعتهما من صلاة الوقت صار ذلك المنع كمنع الحيض والإغماء. وإنما يبقى على هذا اعتراض بالناسي والنائم، فإنهما لا يختلف في قضائهما ما حضر وقته، وإن شغلهما عنه إقامة الصلاة المنسية، لكن لا يلزم الاعتراض على ما قلناه بالنائم والناسي؛ لأن الشرع لم يجعل النسيان والنوم عذرًا في سقوط القضاء. وإن اتصل النوم والنسيان حتى ذهب الوقت، بل جعلهما في وجوب القضاء كالمختارين، لما كان قد يخيل أن الناسي معه ضرب من التفريط إذ لم يلزم نفسه الذكر، والنائم
стр. 411
كذلك. إذ لم يحترز من الأسباب المطيلة للنوم. والحائض لا يتخيل فيها تفريط ولا قدرة على إزالة سبب التفريط. فلهذا لم يلحق بالمختار.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: إذا تطهرت الحائض ثم أحدثت وأخذت في إعادة الغسل فغربت الشمس فإنها تقضي الصلاة الفائتة لأجل الغسل المعاد؛ لأنها لما كملت طهارتها الأولى (١) تحقق خطابها بالصلاة. وحدثها لا يمنع من توجه الخطاب عليها. لأن المحدث مأمور بالصلاة وإن كانت لا تتأتى منه مع بقاء حدثه على ما تقرر بيانه في كتب الأصول. وقد قيل لا يتوجه الخطاب عليها لأن منع (٢) الحدث الطارئ كاستدامة منع الحيض على ما كنا أشرنا إليه. وهذا إنما يمكن أن يقال فيمن غُلِبَت على الحدث. وأما من أحدثت مختارة فلا يختلف فيها.
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: إذا اغتسلت الحائض بماء غير طاهر فَلمَّا أخذت في الإعادة بالماء الطاهر غربت الشمس فإنها لا يلزمها (٣) قضاء ما فات، لأجل تشاغلها بالغسل المعاد. لأن منعها من الصلاة بالطهر الأول كمنعها من الصلاة بالحيض. وقيل بل تؤمر (٤) بالقضاء إذا كان الماء الأول لم يتغير لأن الصلاة به تجزئ. وإنما تعاد في الوقت طلبًا للكمال. ولهذا قال أشهب، لو علمت المتطهرة بهذا الماء أنها إذا أخذت في الإعادة للغسل غربت الشمس، كانت صلاتها بذلك الغسل أولى من اشتغالها بالإعادة ضى يفوت الوقت. وهذا الذي قاله صحيح على أصل من قال من أصحابنا: إن الماء لا ينجس إلا بالتغير؛ لأن إعادة الغسل لأجل هذا الماء استحسان. ومراعاة الوقت فرض. وتحصيل الفرض أولى من تحصيل الكمال.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: لو قدرت الحائض لما طهرت، ما قبل الغروب بخمس ركعات، فأخذت في صلاة الظهر فلما صلت ركعة غربت
стр. 412
الشمس فإن عليها صلاة العصر ولا تسقط الصلاة الواجبة بخطئها، واشتغالها بفعل صلاة غير واجبة. كما لا تسقط الصلاة عمن نسي الصلاة ضى خرج وقتها. وأما قطعه لما هو فيه من الصلاة فيعلم حكمه من كلامنا على ذاكر صلاة وهو في صلاة، وسيرد بيانه إن شاء الله . ولو أن هذه المقدرة لهذا الوقت صلت العص رنا سية للظهر، فإن عليها صلاة الظهر لكونها مدركة وقتها.
ولا يسقط الإدراك بفعل خطإ على ما ذكرناه (١). فإذا صلت الظهر فهل تؤمر بقضاء العصر؟ فيه قيلان. فقيل تؤمر بقضائها لأنها أوقعتها في غير وقتها إذ الأربع ركعات من الخمس المقدرة قبل الغروب وقت مختص بالظهر. فموقع العصر فيه فصل لها في غير وقتها، فيعيدها بعد الوقت. كمن صلى العصر عقيب الزوال بغير فصل فإنه يعيدها وإن ذهب الوقت، لإيقاعه إياها في وقت مختص بالظهر. وقيل لا إعادة عليه للعصر لأن الصلاة المفعولة لا تعاد لأجل المنسية إلا في الوقت.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: اختلف في مدرك أربع ركعات قبل الفجر هل يكون مدركًا لصلاة المغرب والعشاء كما قاله مالك وأكثر أصحابه، أو يكون مدركًا للعشاء خاصة كما قاله ابن الماجشون وابن مسلمة لأجل الاختلاف في آخر الوقت؟ هل يكون وقتًالأول الصلاتين أو لآخرهما (٢)؟ فمن قدره لأول الصلاتين جعله مدركًا للمغرب لحصول جميع ركعاتها. وتفضل ركعة يكون مدركًا بها للعشاء أيضًا. ومن قدره لآخر الصلاتين جعله مدركًا للعشاء خاصة لكون هذا المقدار من الزمن لا يسع أكثر من قدر ركعات العشاء. وهكذا قال ابن الماجشون أن المغرب إنما يكون لها ما فضل بعد ركعات العشاء.
فحجة القول الأول أن أولى الصلاتين لما وجب تقديمها على الأخرى فعلًا وجب تقديمها في الوقت تقديرًا، لاستحقاقها رتبة السبق. وأيضًا فإن النبي ﷺ جعل مدرك ركعة من العصر مدركًا للعصر. فكذلك من أدرك ركعة من العشاء قبل الفجر يكون مدركًا للعشاء. وإذا كان مدركًا لها بركعة واحدة فلا
стр. 413
معنى لاعتبار جميع ركعاتها. وإذا لم يجب اعتبار جميع ركعاتها وجب صحة القول الأول بأن الواجب الصلاتان جميعًا لتأتي فعل الأولى بكمالها وركعة من الآخرة. وهو الذي كان يختار بعض شيوخنا.
وحجة القول الثاني أن الوقت إذا ضاق حتى لا يسع إلا إحدى الصلاتين فإن الواجب على المكلف فعل الصلاة الآخرة وتسقط عنه الأولى. ألا ترى أن مدرك أربع ركعات قبل الغروب إنما يجب عليه العصر خاصة، ويسقط عنه الظهر. فإذا تزاحم الصلاتان على آخر الوقت وثبتت الآخرة وسقطت الأولى دل ذلك على أن آخر الصلاتين أحق بآخر الوقت كما قاله عبد الملك.
وعندي أنه يجب أن ينظر في هذه المسألة من وجه آخر، وذلك أن بعض أشياخنا كان يقول لا أعلم خلافًا بين الأمة في أن التعمد في تأخير العصر إلى قبيل الغروب، بمقدار ركعة، لا يجوز، وإن فاعل ذلك آثم، وكذلك في الصبح. وإذا كان هذا هكذا فيحسن اعتبار عبد الملك جميع عدد ركعات الصلاة دون اعتبار ركعة واحدة منها لحصول الإثم بالاقتصار على ركعة واحدة في الوقت، إذ (١) كان الاعتبار عندهم بحصول جميع ركعات الصلاة في وقتها، وإن التأثيم يحصل في ذلك لمؤخر العشاء إلى مقدار ركعة قبيل الفجر. إذ (٢) لم يرد إذن في الشريعة بجواز ذلك في شيء من الصلوات. ويكون محمل قوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر"، على أنه أدرك الخطاب بالوجوب إذا كان المانع من الوجوب الذي هو الحيض مثلًا، لم يرتفع إلا حينئذٍ. ولا يكون المراد بالحديث على هذه الطريقة أنه مدرك لوقت الصلاة حتى يكون مؤديًا لجميع ركعاتها في الوقت. ولهذا المعنى الذي أشرنا (٣) إليه ركب بعض المتأخرين أن المرأة إذا أخرت العصر إلى قبيل الغروب بمقدار ركعة فحاضت حينئذٍ أنها إذا طهرت تقضي العصر لأنه قدر أن الثلاث ركعات
стр. 414
التي يسعها (١) النهار حصلت في الذمة وصارت كصلاة تركت عمدًا حتى خرج وقتها. وإذا حصلت صلاة في الذمة وجب قضاؤها. ولما لم يمكن فعل ثلاث ركعات والاقتصار عليها وجب أن تأتي بجميع العصر. وعلى هذه الطريقة تكون الحائض إذا طهرت حينئذٍ إنما وجبت عليها ركعة. فلما لم يمكن فعل ركعة على حيالها خوطبت بفعل الثلاث الساقطة بالحيض. وقد اختلف قول أصحاب مالك في المرأة إذا صلت ركعة من العصر قبل الغروب فلما غربت الشمس حاضت *هل تؤمر بقضاء هذه الصلاة إذا طهرت؟ فقيل لا يجب قضاؤها لأن من حاضت في وقت صلاة لا تقضيها* (٢) وقد جعل النبي ﷺ مدرك ركعة من العصر قبل الغروب مدركًا للعصر. وإذا كانت هذه مدركة لم يجب القضاء.
وقيل بل القضاء عليها واجب. ووجه هذا القول ما نبهنا عليه من أن تعمد التأخير إلى هذا المقدار يحصل به الإثم وأن الثلاث ركعات في حكم ما يقضى لفواته. ومن حاضت بعد الفوات وجب عليها القضاء فيجب (٣) أن يتأمل هذا الفصل في بناء هذين المذهبين عليه. ولو كان من خوطب بالصلاة مسافرًا وارتفع عذره المسقط للخطاب، وقد بقي للفجر مقدار ثلاث ركعات كحائض تطهير حينئذٍ، أو مغمى عليه يفيق حينئذٍ، فاختلف أصحاب مالك في هذه المسألة. فذهب ابن القاسم وأشهب إلى أن الخطاب إنما يتوجه بصلاة العشاء خاصة، وأسقط (٤) المغرب. وذهب ابن عبد الحكم إلى إيجاب الصلاتين جميعًا المغرب والعشاء. قال أصبغ هذه آخر مسألة سألت عنها ابن القاسم فقال لي: أصبت أنت (٥) وأخطأ ابن عبد الحكم وذكر لسحنون قول أصبغ فقال: بل أصاب ابن عبد الحكم. لأن آخر الوقت لآخر الصلاتين. وهكذا لو حاضت المسافرة سقطت عنها الصلاتان على أحد القولين ولم يسقط إلا العشاء على
стр. 415
القول الآخر وتقضي المغرب ويصير الوقت كأنه كله للعشاء وتلغي الركعة الفاضلة. واعلم أن تخريج هذه المسألة على الأصل الذي قدمناه يتضح فيه طريقة عبد الملك. لأنه إذا جعل آخر الوقت لآخر الصلاتين فقد أدرك هذا المسافر جميع ركعات العشاء وفضلت ركعة للمغرب، فصار مدركًا للصلاتين فوجب عليه فعلهما كما قال ابن عبد الحكم وسحنون. وإن اعتبرنا المسألة على طريقة مالك وأكثر أصحابه، وهي جعل (١) آخر الوقت لأول الصلاتين، فإن الذي نص عليه من سلك طريقته أنه إنما يجب عليه (٢) صلاة العشاء خاصة وتسقط المغرب. وكان هذا البناء ينافره (٣) اللهم؛ لأنه إذا اعتبر عند آخر الوقت أول الصلاتين فكيف تسقط المغرب وهي أول الصلاتين؟ وكان سقوطها مناقض للأصل الذي أصله مالك. وابن القاسم وأشهب من القائلين بأصل مالك، وهما قد أسقطا المغرب لأجل أنه لو فعلها لم يبق للعشاء وقت. ولما استشعر بعض الصقليين انحلال هذا البناء دعاه ذلك إلى أن قال المذهب على ثلاثة أقو الذي هذا الأصل: قول يجعل فيه آخر الوقت لآخر الصلاتين. وقول يجعل فيه آخر الوقت لأول الصلاتين. وقول يعتبر فيه إدراك جملة الصلاة وركعة من الأخرى ولا يراعى أن يبدأ بأول الصلاتين ولا (٤) بآخرهما. فإذا صح له إدراك هذا المقدار وجبت الصلاتان. وإذا ثبت أن الموجبين للعشاء خاصة يرون أن آخر الوقت لأول الصلاتين فلم يستمروا على أصلهم بل أوجبوا الآخرة، وعذرهم عندي في ذلك أنهم لو أوجبوا فعل المغرب لذهب الوقت وتصرم الليل فيصير فعل العشاء بعد الفجر. وليس ذلك وقتًا لها. والحائض إذا طهرت لا تؤمر بفعل ما سبق من الصلوات وترك ما تأخر (٥). وإيقاع العشاء بعد الفجر كالترك لها.
فلما لم يصح تركها وكان الواجب على هذا الأصل صلاة واحدة لا صلاتين
стр. 416
جعلت الصلاة الواجبة صلاة العشاء لأجل اعتبار إيقاعها في الوقت (١) فتركوا اعتبار الترتيب لاعتبار الوقت. وأما ابن عبد الحكم فإنه وإن اعتبر آخر الوقت فلم يبال بإيقاع العشاء بعد الفجر *لأن اعتبار الوقت واجب واعتبار الترتيب واجب فلا يجب ترك أحدهما للآخر* (٢) وإن أدى لإيقاع الصلاة بعد الوقت *والآخرون لما رأوا اعتبار الأصلين جميعًا يوقع في فعل آخر الصلاتين بعد الوقت تركوا اعتبار أحد الأصلين ها هنا لأجل هذا الذي عرض فيه* (٣) وأما الذي قاله هذا الرجل من إثبات قول ثالث. فمناقشته فيه والبحث عما قاله يقطع عن غرضنا، فاكتفينا بما كشفناه من الاعتذار عن تحقيق القول فيما ذهب إليه. وقد حاول أبو إسحاق إثبات قول ثالث في هذه المسألة من طريقة أخرى، فقال هذه المسألة عكس مسألة الحاضرة، إذا طهرت لمقدار أربع ركعات لأن هذه إذا بدأت بالأولى استوعبت الوقت وإن بدأت بالآخرة بقيت فضلة. ومسألة الحاضرة بالعكس من ذلك. قال: فعلى قول عبد الملك المستوفي الوقت للحاضرة في الصلاة الآخرة يقول في المسافرة تفضل بعد الركعتين للعشاء ركعة للمغرب، فلا بد أن تصليها وإن أدى إلى ذوات الثانية. قال وانظر على هذا المذهب هل تسقط الثانية على أحد القولين لأنها غلبت على وقتها. وذكر ما قدمناه من الاختلاف فيمن ذكرت صلاة نسيتها أو أحدثت بعد طهرها. وذكر الخلاف فيمن انهدم عليهم البيت حتى خرج الوقت.
قال القاضي ﵀: وابن القاسم يرى في الكافر يسلم أن يعتبر له من الوقت، من وقت إسلامه دون فراغه من أمره. ويفرق بينه وبين غيره من أهل الضرورات لأنه لم يكن معذورًا بتأخير الصلاة. وغيره من أصحابنا يسوي (٤) بينهما وهو النظر. لأن بالإِسلام قد (٥) سقط عنه التغليظ، فأما المسافر ينسى في
стр. 417
سفره الظهر والعصر فيذكرهما (١) بعد دخول (٢) الحضر فإن كان قدومه لقدر خمس ركعات فأكثر صلاهما تامتين. وإن كان لدون ذلك صلى الظهر مقصورة لفوات وقتها والعصر تامة لبقاء وقتها. وإن سافر وقد نسي الظهر والعصر وكان عليه وقت إن (٣) فارق الحضر من النهار، قدر ثلاث ركعات صلاهما مقصورتين لإدراك وقتهما وهو مسافر. وإن كان دون ذلك صلى الظهر تامة قضاء (٤) وصلى العصر مقصورة لبقاء وقتها. وكذلك القول في المغرب والعشاء ..
قال الشيخ رضي الله تعالى عنه: يتعلق بهذا الفصل ثلاثة أسئلة. منها أن يقال:
١ - لِمَ لمْ يعتبر في الكافر الطهارة؟.
٢ - ولم اعتبر ذلك في غيره من أصحاب الضرورات؟.
٣ - ولم كان من سافر وقدم في السفر في ضيق الوقت يؤدي الصلاة بحسب حاله إذا كان إدراكه على ما ذكر؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: لا خلاف في أن المغمى عليه غير مؤثم في تأخير الصلاة وكذلك الحائض. وأما الكافر فاختلف الناس هل هو مخاطب بفروع الشريعة أم لا؟ فمن قال إنه مخاطب بفروع الشريعة أثمه بتأخير الصلاة. ومن قال إنه غير مخاطب أثمه بالكفر (٥) الذي منعه من إقامة الصلاة فلم ينفك من أن يكون ملومًا على (٦) المذهبين جميعًا. فلهذا اختص عند ابن القاسم بأن لم يعتبر فيه وقت الطهارة بخلاف غيره من أهل الضرورات الذين لا لوم عليهم في التأخير. وهذا التعليل قاد بعض أشياخي إلى أن قال لو تعمدت الطاهرة تأخير العصر إلى قبل الغروب بمقدار ركعة وأخرت الوضوء إلى هذا
стр. 418
المقدار ولو توضأت حينئذٍ لذهب هذا المقدار في الوضوء، فإنها إذا حاضت حينئذٍ لم تسقط عنها الصلاة؛ لأن مقدار تلك الركعة قد استحقه الوضوء وهي عاصية بالتأخير إليه. وصلاة العصر كالفائتة حينئذٍ والحيض لا يسقط قضاء الفوائت. والحائض إذا طهرت حينئذٍ بخلاف ذلك لأنها غير عاصية بالتأخير.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: اختلف في المذهب في أصحاب الضرورات وهم الصبي يبلغ والكافر يسلم والحائض تطهير والمغمى عليه يفيق، إذا زالت أعذارهم عند آخر الوقت هل يعتبر إدراكهم الصلاة عند زوال العذر من غير مزيد، أو بعد زوال العذر وفعل الطهارة؟ فقيل يعتبر في جميعهم بعد زوال العذر (١) الطهارة، وقيل يعتبر في جميعهم إلا الكافر لما قدمناه فيه من الفرق. وقيل يعتبر في جميعهم إلا الكافر والمغمى عليه. وكان بعض أشياخي يقول لا فرق بين الجميع. فإن قلنا بأن الطهارة شرط في الوجوب لم تجب الصلاة في جميعهم إلا بعد فراغهم من الطهر. وإن قلنا إن الطهارة شرط في الأداء، لم يعتبر الطهر في جميعهم لأن الوجوب غير موقوف على شرط.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: قد قدمنا أن مؤخر الصلاة عن وقت الاختيار قد قال بعض أصحابنا لا يلحقه الوعيد ولكنه أساء وهو مؤد للصلاة في وقتها. وإذا كان ما بعد وقت الاختيار وقت للصلاة وجب صحة اعتبار ما اعتبره القاضي أبو محمَّد في هذا الكتاب. وقد ذهب مجاهد إلى أنه وإن سافر في بقية من الوقت فإنه يصلي الصلاة حضرية، فكأنه راعى ما خوطب به في أول الوقت فلا يعتبر الخطاب بتغير الحال من حضر أو (٢) سفر. وهذا يشبه ما قاله الشافعي إن المرأة إذا حاضت بعد أن مضى مقدار أربع ركعات بعد الزوال أن الصلاة تقضيها بعد طهرها. وكأنه رأى أيضًا أن الخطاب المتوجه في أول الوقت لا يتغير بتغير الحال. وهذه طريقة الشافعية في أن العبادة المؤقتة بوقت أوسع منها يتعلق الوجوب بأول الوقت. وقد أشبعنا الكلام في هذا
стр. 419
في (١) ما مضى. وذكرنا جميع اختلاف أهل الأصول فيه. وكأن أصحاب هذه
الطريقة يرون أن الفسحة في تأخير العبادة المؤقتة بوقت عن أول وقتها بشرط
سلامة العاقبة. ويلاحظ هذا المعنى ما وقع عندنا في المذهب فيمن أفطر
رمضان بمرض أو سفر فإنه إذا زال عذره في جملة شوال ولم يقض رمضان فإنه إن قضاه بعد ذلك قبل الرمضان الآخر لم يكن عليه كفارة التفريط (٢). وإن مرض بعد خروج شوال إلى الرمضان الآخر كفر كفارة التفريط. فكأن صاحب هذا المذهب قدر أن الفسحة في التأخير بعد شوال إنما يكون بشرط سلامة العاقبة. وسنشبع الكلام على هذه المسألة في كتاب الصوم إن شاء الله. وقد حاول بعض الأشياخ أن يثبت لصلاة الصبح وقت ضرورة مختلفًا فيه في المذهب. وذلك أنه قال قد قالوا لو أن عادم الماء إذا رجا إدراكه قبل طلوع الشمس فإنه يؤخر الصلاة، ولولا أن وقت الإسفار وقت اختيار لما أخر عادم الماء الصلاة إليه لأنه لا يؤمر بالتأخير بطلب الماء إلى وقت الضرورة. قال فهذه المسألة تدل على أن الصبح ليس لها وقت ضرورة. قال وأما ما يدل على أن لها وقت ضرورة فما سئل عنه مالك في المسافرين يقدمون الرجل لسنه فيسفر بصلاة الصبح فقال صلاتهم أفذاذًا أول الوقت أحب إليه. قال فلو كان الإسفار وقت اختيار لما استحب صلاة الفذ قبله. لأن صلاة الجماعة متفق على فضلها.
وفضل أول وقت الصبح على آخره مختلف فيه. والفضيلة "المجمع عليها أولى.
وهذا الذي قاله فيه نظر؛ لأنه يمكن أن يرى مالك أن فضيلة أول الوقت للفذ أولى من فضيلة آخره في جماعة بدليل قام له على ذلك. ويكون هذا الدليل أولى وأرجح من الترجيح بالاتفاق والاختلاف (٣). وإذا أمكن هذا لم يلزم القول بإضافة هذا المذهب إلى مالك، وقد حكى غيره من الأشياخ اختلاف المذهب
стр. 420
في أي الفضيلتين أولى؟ أول الوقت، وإن كان فذًا؟ أو آخره لأجل الجماعة؟ وإذا كان هذا الاختلاف، قد ذكر (١)، صح قول مالك عليه. وإنما أخرنا الكلام على هذه المسألة وأفردناها بالذكر ولم ندخلها في أثناء المسائل التي بعدها لأنها خارجة عن غرض الباب، ولما فيها من التعقب الذي ذكرناه.
стр. 421
ذكر الأذان والإقامة
قال القاضي ﵀: هما سنتان غير واجبتين. وسنة الأذان في الجماعة الراتبة. والإقامة أهبة للصلاة في الجماعة والانفراد.
قال الشيخ ﵁: يتعلق بهذا الفصل سبعة أسئلة. منها أن يقال:
١ - ما الأذان؟.
٢ - وهل هو واجب أو مسنون؟.
٣ - وهل تستوي صلوات الفرض فيه أم لا؟.
٤ - وهل الإقامة آكد منه أم لا؟.
٥ - وما الدليل على أن الإقامة شرعت للمنفرد؟.
٦ - وما وجه قصره للأذان على الجماعة الراتبة؟.
٧ - وهل تجوز الإجارة عليه أم لا؟.
فالجواب عن السؤال الأول: أن يقال: أصل الأذان الإعلام. ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ (١). معناه قالوا أعلمناك. ومنه قول الحارث بن حلزة:
آذنتنا ببيْنها أسماء
ولما كان المؤذن معْلمًا للناس بما يقوله من حضور وقت الصلاة سمى قوله: أذانًا.
والجواب عن السؤال الثاني: أن يقال: في الأذان معنيان: أحدهما إظهار شعار الإِسلام والتعريف بأن الدار دار إيمان. والثاني الدعاء إلى الصلاة
стр. 422
واستدعاء الإتيان إلى المواضع المأمور بإتيانها للصلاة، والتعريف بحضور وقت الصلاة. وهذا المعنى الثاني هو المقصود في أكثره. فأما المعنى الأول فإنه واجب تحصيله. وهذا الوجوب فرض على الكفاية. فلو تمالأ أهل العصر على تركه لأثموا أجمعون ولأجبروا على فعله. فإن امتنعوا ولم يقدر على قهرهم عليه إلا بالجهاد جوهدوا عليه حتى يفعلوه. فإذا فعله بعضهم حتى ظهر شعار الإِسلام وعرفت الدار بالإيمان" سقط الفرض عنهم (١) من هذه الجهة وارتفع الإجبار والجهاد. وهذا مذهب القاضي أبي بكر بن الطيب وبعض الأشياخ المتأخرين.
وفي الحديث أنه كان ﷺ : "إن لم يسمع الأذان أغار" (٢). وأما المعنى الثاني وهو المقصود بأكثره، وهو أذان سائر المساجد والجماعات الراتبة، فالذي حكاه أصحابنا البغداديون أن مالكًا والشافعي وأبا حنيفة يرونه سنة، وأن أهل الظاهر يرونه فرضًا. وقد وقع لمالك في الموطإ أنه واجب. وقال الشيخ أبو محمَّد الأذان واجب في المساجد والجماعات الراتبة. واختلف المتأخرون في الاعتذار عن اختلاف هذا النقل عن المذهب، فتأول القاضي أبو محمَّد قول الشيخ أبي محمَّد: إن الأذان واجب. على أن معناه أنه سنة مؤكدة. وتأول بعض المتأخرين من الأشياخ قول من قال إنه سنة على أن معناه أنه ليس بشرط في صحة الصلاة. واستدل من قال بالوجوب بظواهر الأوامر، وبأن العلم بالوقت فرض. ولما لم يمكن خطاب الجميع باعتباره، خوطب به آحاد بأن يعلموا به، ليحصل الغرض المقصود. ويعم الناس العلم بالوقت كما عمهم وجوب الصلاة فيه. ومن أنكر الوجوب لم يسلم حمل الأوامر بمجردها على الوجوب، وأقل مراتب هذه الأوامر الندب فحملها عليه.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: اختلف في صلاة الجمعة هل الأذان لها سنة كما هو في غيرها من الصلوات، أو الأذان لها واجب لاختصاصها دون سائر الصلوات بوجوب السعي وتحريم البيع؟ وإذا اختصت بذلك وجب الآذان فيها ليجتنب البيع ويسرع في السعي.
стр. 423
والجواب عن السؤال الرابع: أن يقال: الإقامة آكد من الأذان لأنها أهبة للصلاة. وقد خوطب بها المنفرد والجماعة. والأذان لم يخاطب به إلا الجماعة، وما عم الخطاب به ها هنا آكد مما خص.
والجواب عن السؤال الخامس: أن يقال: اختلف الناس في المنفرد هل يخاطب بالإقامة أم لا؟ ومذهب مالك أنه مخاطب بها. وقد وقع في المبسوط أن الإقامة للمنفرد إنما هي لجواز أن يأتي من يأتم به. وهذه إشارة إلى ما قاله المخالف من أن المنفرد لا يفتقر لمعنى يختص به. وقد وقع في كتاب مسلم أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في الحج بإقامة واحدة للصلاة الأولى (١).
فسقوط الإقامة من الصلاة الثانية للاستغناء عنها باجتماع الناس يشير إلى سقوط الإقامة عن المنفرد. وسنتكلم على هذا الحديث فيما بعد إن شاء الله.
والجواب عن السؤال السادس: أن يقال: قد قدمنا أن المقصود بالأذان في أكثر الدعاء إلى المواضع المأمور بالإتيان إليهلالإقامة الصلاة في جماعة. ولا شك أن الجوامع والمساجد والجماعات الراتبة يؤمر من أراد الصلاة بالإتيان إليها ليحصل له فضل الجماعة. ولما كان الإِمام الذي تؤدى إليه الطاعة ويقيم الجماعة يؤمر بالإتيان إليه لإقامة الصلاة، قال في الرواية إنه إذا صلى على الجنازة خارج العصر وحضرت الفريضة، أنه يؤذن للفريضة ويقيم. وأما المنفرد أو الجماعة غير الراتبة، الذين لا يفتقرون إلى إعلام غيرهم بالصلاة، وهم في الحضر فاختلف هل يستحسن لهم الأذان لأنه ذكر من الإذكار وفيه إظهار شعار الإِسلام أو لا يستحسن ذلك لهم؛ لأن الغرض الأكثر في الأذان الدعاء إلى صلاة الجماعة، وهؤلاء لا يدعون أحدًا، فلم يكن لأذانهم معنى. وقد نقلت الرواة ما جرى في مبدأ الأذان من اختلاف الآراء هل يدعى الناس للصلاة بضرب الناقوس أو غيره مما ذكر (٢). فشرع الأذان إذ ذاك وهذا يدل على أن معظم القصد به الدعاء للجماعة. فإذا لم يكن هناك من يدعى فلا معنى له. وأما السفر
стр. 424
فيستحسن فيه وإن كان فذًا لقول ابن المسيب من صلى بأرض فلاة فأذن وأقام، صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة (١). وأيضًا فإن فيه إظهار شعار الإِسلام من حيث ليس هناك من ينوب عنه في إظهاره. وقد قال بعض أصحابنا في تأويل قوله ﵇: فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت فارفع من صوتك (٢). الحديث. إن المعني به أنه لما كان معتزلًا عن العصر افتقر إلى إظهار شعار الإِسلام، ولو كان في العصر لاستغنى عن ذلك لنيابة أهل العصر عنه في ذلك.
والجواب عن السؤال السابع: أن يقال: المشهور من مذهبنا: جواز الإجارة على الأذان وبه قال الشافعي، ولم يجزه ابن حبيب وبه قال أبو حنيفة.
ولا تجوز الإجارة عندنا على الصلاة إلا أن يكون تبعًا للأذان، والقصد بالإجارة الأذان. وأجاز ابن عبد الحكم الإجارة على الصلاة وإن انفردت عن الأذان.
فالمذهب فيهما على ثلاثة أقوال:
١ - الإجازة في كل واحد منهما على انفراده.
٢ - والمنع في كل واحد منهما بانفراده.
٣ - والمنع في الصلاة بانفرادها والإجازة في الأذان منفردًا أو متبوعًا بالصلاة. فمن منع الإجارة على الآذان احتج بقول الراوي في الحديث وأمرني أن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرًا* (٣). ومن أجاز الإجارة على الأذان احتج بأن النبي ﷺ لم ينكر على الراقي الأخذ على رقيته أجرًا (٤). والأذان ذكر لله فكان في معنى الرقية.
стр. 425
وأما الإجارة على الصلاة بإنفرادها، فوجه المنع منها أن كل مكلف تجب عليه الصلاة، ويلزم بفعلها. وهو إذا فعلها وهي لازمة له فالاقتداء به في صلاته لا يغير حكمها ولا يوجب عليه زيادة فعل، فكان أخذ الإجارة على ما يلزمه فعله ويجبر عليه من أكل المال بالباطل. وَأما من أجاز الإجارة فإنه يقدر أن في الإمامة زيادة كلفة عليه وارتباطًالأمر لم يكن يلزمه الارتباط إليه، وسعيا لموضع الإمامة. فالاجارة على هذا مأخوذ على ما لا يلزم فعله من ذلك كله.
وقد كان بعض أشياخي يشير إلى ارتفاع الخلاف متى كان ها هنا فعله فيه كلفة لا تلزم المصلي حتى تكون الإجارة تنصرف إليه. كما يرتفع الاختلاف في (١) الجواز إذا لم يزد المصلي على الواجب شيئًا. وإذا قلنا بجواز الإجارة على الصلاة، على أنها تبع للإجارة على الأذان، فتعذر على المستأجر الإمامة ووفى بالأذان فهل يحط من الإجارة بسبب عجزه عن الإمامة أم لا؟ اختلف في ذلك المتأخرون، فمنهم: من يقدر أن التبع لا حصة له من الثمن، ولا يحط من الإجارة شيئًا. ومنهم من يقدر أن (٢) للتبع حصة من الثمن فيحط من الإجارة ما قابله.
واعلم أن المسائل الواردة في هذا الأصل مختلف جوابها. فالمذهب في من اشترى عبدًا له مال، أو شجرًا مثمرًا، إن استحقاق المال من يد العبد وجائحة الثمرة لا تستوجب حطيطة من الثمن. ولو استحقت حلية السيف التي هي تبع لنصله، أو أحقر سلعة من صفقة فيها سلع لحط من الثمن بقدر المستحق. فكان كل طائفة تستشهد على صحة مذهبها في الصلاة بما يوافق جوابها من هذه المسائل. والعذر عندنا عن (٣) اختلاف جواب هذه المسائل أن الثمرة مضمونة بالقبض لما سقط السقي عن البائع، فلهذا لم تكن على البائع عهدة الجائحة. ألا ترى أنه لو باعها مفردة غير تبع لشيء وقوإنقطع السقي عنها أنه لا عهدة عليه في الجائحة. وأما العبد فمالك له وإنما وقعت المعاوضة على أن يقر البائع ملكه في يده وقد أقره، فلهذا لم يؤثر الاستحقاق. وقد قال بعض