[١٧] الحديث السابع عشر:
عن رفاعة الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقرأ في الصبح بدون عشرين آية ولا يقرأ في العشاء بدون عشر آيات".
أخرجه الطبراني١ قال: حدثنا المقدام بن داود٢ ثنا أسد بن موسى٣ عن ابن لهيعة٤ ثنا عبيد الله بن أبي جعفر٥ عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن خلاد بن السائب٦ عن رفاعة به وسنده ضعيف لضعف المقدام ابن داود وابن لهيعة.
وأعله الهيثمي٧ بابن لهيعة فقط فقال: "وفيه ابن لهيعة واختلف في الاحتجاج به".
وذكره ابن رجب٨ وعزاه لأبي الشيخ الأصبهاني وقال: "غريب" لكنه قال: "وروى ابن لهيعة عن ابن أبي جعفر عن خالد بن السائب عن أبي قتادة عن النبي
стр. 37
صلى الله عليه وسلم فذكره".
لكن هذا الإسناد الظاهر أنه تصحف خلاد إلى خالد ورفاعة إلى أبي قتادة والله أعلم.
[١٨] الحديث الثامن عشر:
عن ابن عمر ﵄ قال: "صلى رسول الله ﷺ بأصحابه في سفر صلاة الفجر فقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقال: "قرأت بكم ثلث القرآن وربعه".
أخرجه عبد بن حميد١ من طريق مندل بن علي٢ عن جعفر بن أبي جعفر الأشجعي٣ عن أبيه٤ عن ابن عمر به وسنده ضعيف لضعف مندل وجعفر ابن أبي جعفر.
قال الحافظ ابن حجر٥: "ورجاله ثقات إلا مندل بن علي ففيه ضعف وكأنه وهم في قوله بهم٦ فإن الثابت أنه كان يقرأ بهما في ركعتي الفجر".
وأخرجه ابن عدي٧ من طريق غسان بن الربيع عن جعفر بن ميسره به.
في سنده جعفر وأبوه كما تقدم.
стр. 38
وعزاه الهيثمي١ للطبراني وقال: "وفيه جعفر بن أبي جعفر وقد أجمعوا على ضعفه".
[١٩] الحديث التاسع عشر:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "أن النبي ﷺ صلى بهم الفجر فقرأ بهم بأقصر سورتين من القرآن أو أوجز قال: فلما قضى الصلاة قال له أبو سعيد الخدري أو معاذ بن جبل ﵁: يا رسول الله رأيتك صليت صلاة ما رأيتك صليت مثلها قط قال ﷺ : "أو ما سمعت بكاء الصبي خلفي في صف النساء أردت أن أفرغ له أمه".
أخرجه عبد الرزاق٢، وابن أبي شيبة٣، وعبد بن حميد٤ كلهم من طريق أبي هارون٥ عن أبي سعيد به.
وسنده ضعيف جداً لضعف أبي هارون العبدي.
قال الحافظ ابن حجر٦: "هذا حديث غريب أخرجه أبو نعيم الفضل ابن دكين شيخ البخاري في كتاب الصلاة له هكذا".
[٢٠] الحديث العشرون:
عن أبي أيوب ﵁ "أن رسول الله ﷺ قرأ في الصبح: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك﴾ ".
стр. 39
أخرجه الحارث١ من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف٢ عن أبي أيوب به.
وفي سنده الواقدي وهو متروك٣ كما قاله غير واحد.
[٢١] الحديث الحادي والعشرون:
عن ابن عباس ﵄ قال: " أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ في الصبح بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ".
أخرجه الحارث٤ من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس به.
وفي سنده الواقدي وهو متروك كما قاله غير واحد٥.
وقال الهيثمي ٦: "رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وفيه كلام".
стр. 40
المبحث الثاني: الأحاديث الواردة في القراءة في صلاة الفجر يوم الجمعة .
[٢٢] الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِِنْسَان﴾ ".
стр. 41
أخرجه البخاري١، ومسلم٢، والنسائي٣، وابن ماجه٤ كلهم من طريق سعد ابن إبراهيم٥ عن الأعرج عن أبي هريرة به.
وفي لفظ لمسلم " أن النبي ﷺ كان يقرأ في الصبح يوم الجمعة بـ ﴿الم تَنْزِيل﴾ في الركعة الأولى وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ "
[٢٣] الحديث الثاني:
عن ابن عباس ﵄ " أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة سورة ﴿الم تَنْزِيل﴾ السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين".
أخرجه مسلم٦ واللفظ له، وأبو داود٧، والنسائي٨، والترمذي٩، وابن ماجه١٠ كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به إلا القراءة في الجمعة فلمسلم وأبي داود فقط.
[٢٤] الحديث الثالث:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح
стр. 42
يوم الجمعة: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ ".
أخرجه ابن ماجه١ عن عمرو بن أبي قيس٢، والبزار٣ عن عمران ابن عيينة٤، والطبراني٥ عن مسعر بن كدام٦ كلهم عن أبي فروة٧ عن أبي الأحوص٨ عن ابن مسعود به.
وأخرجه الطبراني٩ من طريق أبي إسحاق الهمداني١٠ عن أبي الأحوص به وزاد "يديم ذلك".
قال البوصيري١١: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
وقال الحافظ١٢ بعد ذكر رواية الطبراني هذه: "وأصله في ابن ماجه بدون هذه الزيادة ورجاله ثقات لكن صوب أبو حاتم إرساله".
стр. 43
وقال الهيثمي١: "رجاله موثقون.
لكن هذا الطريق طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود صوب أبو حاتم٢ والدارقطني٣ إرساله.
قال ابن أبي حاتم:"سألت أبي عن حديث رواه عمرو بن قيس وأبو مالك النخعي فقالا عن أبي فروة الهمداني عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ ... قال أبي وهما في الحديث رواه الخلق فكلهم قالوا عن أبي فروة عن أبي الأحوص قال: كان النبي ﷺ مرسل".
وقال الدارقطني لما سئل عنه: "يرويه أبو فروة مسلم بن سالم الجهني عن أبي الأحوص واختلف عنه فرواه عمران بن عيينة وعبد الله بن الأجلح ومسعر وسليمان التيمي وعمرو بن أبي قيس وحمزة الزيات ومحمد بن جابر عن أبي فروة عن أبي الأحوص عن عبد الله متصلاً".
وكذلك قال حجاج بن نصير عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي فروة وقال شعبة: "فلقيت أبا فروة فحدثني به".
وخالفه أصحاب شعبة: غندر ومعاذ وابن مهدي وغيرهم فرووه عن شعبة عن أبي فروة عن أبي الأحوص مرسلا.
وكذلك رواه الثوري وزهير وزائدة عن أبي فروة عن أبي الأحوص مرسلا.
وكذلك قال ابن عيينة سفيان مرسلاً٤ وقيل عنه متصلاً.
ورواه حماد بن شعيب عن أبي فروة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ووهم
стр. 44
فيه والصحيح مرسل.
قيل سمعت حديث حجاج بن نصير عن ابن مخلد فإنه كان يرويه عن حماد بن الحسن بن عنبسة عنه؟ قال: "حدثناه ابن صاعد عن حماد ابن الحسن".
قلت: "أليس قال: عبد الرحمن بن مهدي في حديثه عن شعبة وسفيان ليس بالجهني" قال: "لا أعرفه".
وروى هذا الحديث أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص واختلف عنه فرواه محمد بن عبيد الله العرزمي عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله.
ورواه عمرو بن قيس الملائي وميسره بن حبيب النهدي وشريك عن أبي إسحاق عن أبي فروة عن أبي الأحوص مرسلا.
ورواه شعبة عن أبي إسحاق عن أبي فروة عن أبي الأحوص عن عبد الله قاله حجاج ابن نصير عنه وقد تقدم ذكره.
وقال حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
وقال شريك: "عن أبي الأحوص عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وحديث سعيد بن جبير محفوظ وحديث أبي الأحوص القول فيه قول من أرسله". أ. هـ
وكلام أبي حاتم والدارقطني هذا إنما هو في طريق أبي الأحوص لكن الحديث له طرق أخرى عن ابن مسعود وهي:
الأول: من طريق سليمان بن يُسَير١ عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعاً.
أخرجه البزار٢ وسنده ضعيف لضعف سليمان هذا.
стр. 45
الثاني: من طريق الحسين بن واقد١ عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود٢ مرفوعاً.
أخرجه البزار٣ عن علي بن الحسن بن شقيق٤ والبيهقي٥ عن علي٦ بن الحسين بن واقد٧ كلاهما عن الحسين بن واقد به وسنده لا بأس به.
الثالث: من طريق عبد الملك بن الوليد بن معدان٨ عن عاصم عن زر٩
стр. 46
وأبي وائل عن عبد الله مرفوعاً.
أخرجه البزار١ وسنده ضعيف لضعف عبد الملك بن الوليد.
والحاصل أن الحديث بهذه الطرق مع الطريق المرسلة السابقة يتقوى ويشهد له حديث أبي هريرة في الصحيحين وابن عباس عند مسلم وغيرهما كما تقدم قبل هذا الحديث والله أعلم.
[٢٥] الحديث الرابع:
عن علي بن أبي طالب ﵁ " أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة في الركعة الأولى بـ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ السجدة وفي الركعة الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِِنْسَان﴾ ".
أخرجه الطبراني٢، والخطيب٣.
من طريق حفص بن سليمان الغاضري٤ عن منصور بن حيان٥ عن أبي هياج الأسدي٦ عن علي بن ربيعة الوالبي٧ عن علي ابن أبي طالب به٨.
стр. 47
قال الهيثمي١: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه حفص ابن سليمان الغاضري وهو متروك لم يوثقه غير أحمد بن حنبل في رواية وضعفه في روايتين وضعفه خلق".
قال الطبراني٢: "لا يروى هذا الحديث عن علي إلا بهذا الإسناد تفرد به محمد بن بكار".
وأخرجه الطبراني٣ من طريق ليث بن أبي سليم٤ عن عمرو ابن مرة٥ عن الحارث٦ عن علي ﵁ "أن النبي ﷺ سجد في صلاة الصبح بتنزيل السجدة".
وقال: " لم يروه عن عمرو بن مرة إلا ليث ولا عن ليث إلا معتمر تفرد به عمرو بن علي ولم يرو عمرو بن مرة عن الحارث إلا هذا الحديث".
وقال الهيثمي٧: "وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف".
وقال الحافظ ابن حجر٨ لما ذكر هذه الرواية: "لكن إسناده ضعيف".
стр. 48
[٢٦] الحديث الخامس:
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِِنْسَان﴾ » .أخرجه ابن ماجه١.
من طريق الحارث بن نبهان٢ عن عاصم بن بهدلة٣ عن مصعب ابن سعد٤ عن أبيه به وسنده ضعيف لضعف الحارث هذا.
قال البوصيري٥: "هذا إسناد ضعيف الحارث بن نبهان متفق على ضعفه".
المبحث الثالث: أحاديث القراءة في الصلاة غير مقيدة في الفجر ولا غيرها
стр. 49
المبحث الثالث: الأحاديث الواردة في القراءة في الفجر وغيره
...
المبحث الثالث: أحاديث القراءة في الصلاة غير مقيدة في الفجر ولا غيرها
[٢٧] الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير".
стр. 50
أخرجه البخاري١، ومسلم٢، وأبو داود٣، والنسائي٤.
من طرق عن عطاء أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول به موقوفاً.
وأخرجه مسلم٥ من طريق أبي أسامة عن حبيب بن الشهيد قال سمعت عطاء يحدث عن أبي هريرة "أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة إلا بقراءة" قال أبو هريرة: فما أعلن رسول الله ﷺ أعلناه لكم وما أخفاه أخفيناه لكم".
فجعل أوله مرفوع لكن اعترض على ذلك الدارقطني ورجح وقفه فقال: "وهذا لم يرفع أوله إلا أبو أسامه وخالفه يحيى بن القطان وسعيد بن أبي عروبة وأبو عبيدة الحداد وغيرهم رووه عن حبيب بن الشهيد عن عطاء عن أبي هريرة "في كل صلاة قراءة فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم" جعلوا أول الحديث من قول أبي هريرة وهو الصواب وكذلك رواه قتادة وأيوب وحبيب المعلم وابن جريج".
وقال ابن رجب٦: "وذكر الدارقطني وأبو مسعود الدمشقي وغيرهما أن رفعه وهم وإنما هو موقوف.
وقد رفعه أيضاً ابن أبي ليلى عن عطاء عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة إلا بقراءة" قال أبو هريرة: " كان رسول الله ﷺ يصلي بنا فيجهر ويخافت فجهرنا فيما جهر وخافتنا فيما خافت ".
أخرجه الحارث بن أبي أسامة٧ وابن أبي ليلى سيىء الحفظ جداً ورفعه وهم
стр. 51
والله أعلم".ا. هـ
وقال الحافظ ابن حجر١: "هكذا أورده مسلم من رواية أبي أسامة عنه٢ وقد أنكره الدارقطني على مسلم وقال: إن المحفوظ عن أبي أسامة وقفه كما رواه أصحاب ابن جريج وكذا رواه أحمد٣ عن يحيى القطان وأبي عبيدة الحداد كلاهما عن حبيب المذكور موقوفاً.
وأخرجه أبو عوانة٤ من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن ابن جريج كرواية الجماعة لكن زاد في آخره وسمعته يقول: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وظاهر سياقه أن ضمير "سمعته" للنبي ﷺ فيكون مرفوعاً بخلاف رواية الجماعة نعم قوله: "وما أسمعنا وما أخفى عنا" يشعر بأن جميع ما ذكره متلقي عن النبي ﷺ فيكون للجميع حكم الرفع".أ. هـ
[٢٨] الحديث الثاني:
عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ بعث رجلاً في سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "سلوه لأي شيىء يصنع ذلك". قال فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : "أخبروه أن الله يحبه".
стр. 52
أخرجه البخاري١ ومسلم٢ والنسائي٣ من طريق عمرة بنت عبد الرحمن وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ عن عائشة به.
[٢٩] الحديث الثالث:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء فكان كلما أفتتح سورة يقرأ لهم في الصلاة فقرأ بها أفتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها ثم يقرأ بسورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا: "إنك تقرأ بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى". قال: "ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت وإن كرهتم تركتكم وكانوا يرونه أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره"، فلما أتاهم رسول الله ﷺ أخبروه الخبر، فقال: "يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ " فقال: "يا رسول الله إني أحبها". فقال رسول الله ﷺ : "إن حبها أدخلك الجنة".
أخرجه البخاري٤ تعليقاً، والترمذي٥ واللفظ له، وأبو يعلي٦، وابن خزيمة٧، وابن
стр. 53
حبان١، والطبراني٢، والبيهقي٣ من طرق عن عبد العزيز بن محمد٤ عن عبيد الله بن عمر عن ثابت البناني عن أنس به.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه من حديث عبيد الله ابن عمر عن ثابت".أ. هـ
وهذا الطريق معلول من وجهين هما:
الأول: أنه من رواية الدراوردي عن عبيد الله بن عمر، قال الإمام أحمد٥: "ما حدث عن عبيد الله بن عمر فهو عن عبد الله بن عمر".
وقال النسائي٦ فيه: "ليس به بأس وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر".
وقال الدارقطني٧: "غريب من حديث عبيد الله عن ثابت تفرد به عبد العزيز الدراوردي عنه".
وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عبيد الله إلا عبد العزيز".أ. هـ
وعبيد الله لم ينفرد به فقد تابعه المبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أن رجلاً
стр. 54
قال: "يا رسول الله إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ " فقال: "إن حبك إياها يدخلك الجنة" مختصراً.
أخرجه الترمذي١، وأحمد٢، والدارمي٣، وابن حبان٤، والبغوي٥ من طرق عن المبارك بن فضالة٦ به ومبارك يدلس ويسوى وقد صرح بالتحديث عن شيخه فقط كما عند الدارمي.
الثاني: الإرسال قال الحافظ ابن حجر٧: "ذكر الدارقطني في العلل أن حماد بن سلمة خالف عبيد الله في إسناده فرواه عن ثابت عن حبيب ابن سبيعة مرسلاً وقال: وهو أشبه بالصواب وإنما رجحه لأن حماد بن سلمة مقدم في حديث ثابت لكن عبيد الله بن عمر حافظ حجة وقد وافقه مبارك بن فضالة في إسناده فيحتمل أن يكون لثابت فيه شيخان".
وقال ابن رجب٨: "وإنما لم يخرجه البخاري هاهنا مسنداً لأن حماد ابن سلمة رواه عن ثابت عن حبيب بن سبيعة عن الحارث عن النبي ﷺ ".
قال الدارقطني: هو أشبه بالصواب وحماد بن سلمة ذكر كثير من الحفاظ أنه
стр. 55
أثبت الناس في حديث ثابت وأعرفهم به"١.
والحارث هذا اختلف هل هو صحابي أم لا؟ فقال أبو حاتم الرازي: "له صحبة"٢ وقال الدارقطني: "حديثه مرسل".
والحاصل أن إعلال هذا الحديث بالإرسال قوي ومما يؤيد هذا أن الطريق الموصولة من رواية الدراوردي عن عبيد الله فيها الكلام السابق والمتابع له فضالة وهو يدلس ويسوى لكن الحديث يشهد له حديث عائشة الذي قبله في الصحيحين كما أشار إلى ذلك ابن رجب٣ والله أعلم
[٣٠] الحديث الرابع:
عن أبي وائل٤ عن ابن مسعود ﵁ قال: "جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة فقال هذّاً كهذ الشعر لقد عرفت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في كل ركعة".
أخرجه البخاري٥، ومسلم٦، والنسائي٧ عن شعبة عن عمرو بن
стр. 56
مرة١، والترمذي٢ عن شعبة عن الأعمش كلاهما عن أبي وائل به.
وفي لفظ في الصحيحين٣ من طريق واصل الأحدب٤ عن أبي وائل عن ابن مسعود ... "أنا قد سمعنا القراءة وإنى لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم".
وفي لفظ للبخاري٥ من طريق الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله:
" قد علمت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة فقام عبد الله ودخل معه علقمة وخرج علقمة فسألناه فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن الحواميم ﴿حم﴾ الدخان و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ".
وأخرج مسلم نحوه وفي لفظ له "اثنتين في ركعة عشرين سورة في عشر ركعات".
وأخرجه أبو داود٦ عن علقمة والأسود، والنسائي٧ عن مسروق،
стр. 57
وأحمد١ عن نهيك بن سنان السلمي٢ وزر٣، والطحاوي٤ عن نهيك بن سنان وعلقمة والأسود، والطبراني٥ عن نهيك بن سنان ومسروق وعلقمة والأسود كلهم عن ابن مسعود بنحوه.
وزاد أبو داود٦ من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود عن ابن مسعود (النجم والرحمن) في ركعة و (اقتربت والحاقة) في ركعة و (الطور والذاريات) في ركعة و (وإذا وقعت ونون) في ركعة و (سأل سائل والنازعات) في ركعة و (ويل للمطففين وعبس) في ركعة و (المدثر والمزمل) في ركعة و (هل أتى ولا أقسم بيوم القيامة) في ركعة و (عم يتساءلون والمرسلات) في ركعة و (الدخان وإذا الشمس كورت) في ركعة".
قال أبو داود: "هذا تأليف ابن مسعود ﵀.
ورجال إسناده ثقات لكن هذه الزيادة من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق وقد ذكر ابن الكيال أن إسرائيل روى عن أبي إسحاق بعد اختلاطه"٧.
وقال الإمام أحمد٨: "إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لين سمع منه بآخره".
стр. 58
وأخرجه ابن خزيمة١ من طريق أبي خالد الأحمر٢ عن الأعمش عن شقيق قال جاء نهيك بن سنان إلى عبد الله فذكر الحديث وفي آخره "وإني أعلم النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرأ بهن سورتين في ركعة ثم أخذ بيد علقمة فدخل ثم خرج فعدهن علينا".
قال الأعمش: "وهي عشرون سورة على تأليف عبد الله ثم سردها".
ثم قال عَقِبَة نا أبو موسى نا الأعمش وحدثنا يوسف بن موسى وسلم بن جنادة قالا: حدثنا أبو معاوية نا الأعمش فذكر الحديث بطوله إلى قوله فدخل علقمة فسأله ثم خرج إلينا فقال: "عشرون سورة من أول المفصل في تأليف عبد الله لم يزيدوا على هذا".
وأبو خالد الأحمر تفرد بذكر سردها من بين أصحاب الأعمش وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه٣.
وقال البزار٤: "اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظاً وأنه روى عن الأعمش أحاديث لم يتابع عليها".
وقال ابن عدي٥: "إنما أتى من سوء حفظه فيغلط ويخطئ وهو في الأصل كما قال ابن معين صدوق وليس بحجة".
стр. 59
وأخرجه الطبراني١ من طريق محمد بن سلمة بن كهيل٢ عن أبيه٣ عن شقيق بن سلمة عن عبد الله وسردها لكن قال الحافظ٤: "قدّم وأخر في بعض وحذف بعضها ومحمد ضعيف".
وقال ابن رجب٥: "وهذه الرواية تخالف ما تقدم٦ وتلك الرواية أصح ومحمد بن سلمة بن كهيل تكلم فيه وتابعه عليه أخوه يحيى وهو أضعف منه".
[٣١] الحديث الخامس:
عن أنس ﵁ قال: "ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من صلاة رسول الله ﷺ في تمام كانت صلاته متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلما كان عمر بن الخطاب مد في صلاة الفجر وكان رسول الله ﷺ إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى تقول: قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم".
أخرجه مسلم٧ من طريق حماد عن ثابت عن أنس به.
стр. 60
وأخرجه أحمد١، وأبو يعلي٢ مختصراً بذكر موطن الشاهد منه فقط من طريق حميد عن أنس مرفوعاً.
وفي لفظ لأحمد٣ "كانت صلاة رسول الله ﷺ متقاربة وصلاة أبي بكر وسط وبسط عمر في قراءة صلاة الغداة".
من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري٤ عن حميد عن أنس به.
[٣٢] الحديث السادس:
عن حفصة ﵂ أنها قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى في سبحة قاعداً حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعداً، وكان يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها".
أخرجه مسلم٥، والنسائي٦، والترمذي٧ من طريق ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن حفصة به.
[٣٣] الحديث السابع:
عن عبد الله بن شقيق قال: "سألت عائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ " فقالت: "لا إلا أن يجئ من مغيبه" قلت: "هل كان
стр. 61
رسول الله ﷺ يقرن بين السورتين؟ " قالت: "من المفصل".
أخرجه أبو داود١ واللفظ له وأحمد٢ ولفظه "يقرن السور"٣ والبيهقي٤ من طريق الجريري٥ عن عبد الله بن شقيق به، وسنده صحيح.
وأخرج مسلم٦ من هذا الطريق طرفه الأول.
وأخرجه أبو داود٧، وأحمد٨، وابن أبي شيبة٩، وابن خزيمة١٠ من طرق عن كهمس بن الحسن١١ عن عبد الله بن شقيق قال: "قلت لعائشة هل كان رسول الله ﷺ يجمع السور في ركعة؟ " قالت: "المفصل".
ولفظ أبي داود "أكان رسول الله ﷺ يقرأ السورة في ركعة؟ " قالت: "المفصل". ورجال إسناده ثقات وهذه متابعة لسعيد الجريري.
[٣٤] الحديث الثامن:
عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "ما من سورة من
стр. 62
المفصل صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها في الصلاة كلها".
أخرجه الطبراني١ من طريق إسماعيل بن عياش٢ عن صالح ابن كيسان٣ عن نافع عن ابن عمر به.
وسنده ضعيف لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن صالح بن كيسان وهو مدني وهو ضعيف في غير أهل بلده كما قاله غير واحد٤.
قال يحيى بن معين٥: "إسماعيل بن عياش ثقة فيما روى عن الشاميين وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم".
وقال أيضاً٦: "إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلِّط ما شئت".
وقال المروزي٧: "سألته -يعني الإمام أحمد- عن إسماعيل بن عياش فحسن روايته عن الشاميين وقال هو فيهم أحسن حالاً مما روى عن المدنيين وغيرهم".
стр. 63
وقال علي بن المديني١: كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأما ما روى عن غير أهل الشام ففيه ضعف".
وقال البخاري٢: "إذا حدث عن أهل بلده فصحيح وإذا حدث عن غير أهل بلده ففيه نظر".
وقال أيضاً٣: "ما روى عن الشاميين فهو أصح".
وقال الهيثمي٤: "رواه الطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهي ضعيفة".
[٣٥] الحديث التاسع:
عن ابن عمر ﵄ قال: "صليت خلف رسول الله ﷺ ثلاث مرات فقرأ السجدة في المكتوبة".
أخرجه أحمد٥ من طريق جابر٦ عن مسلم البطين٧ عن سعيد بن جبير عن ابن عمر به.
وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي.
قال الهيثمي٨: "رواه أحمد وفيه جابر الجعفي وفيه كلام وقد وثقه شعبة والثوري".
стр. 64
[٣٦] الحديث العاشر:
عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: "آخر كلام كلمني به رسول الله ﷺ حين استعملني على الطائف قال: "خفف الصلاة على الناس" حتى وقت لي اقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَق﴾ وأشباهها من القرآن".
أخرجه أحمد١ وابن أبي شيبة٢ واللفظ له، والطبراني٣ من طريق عبد الله بن خثيم٤ عن داود بن أبي عاصم الثقفي٥ عن عثمان بن أبي العاص به لكن عند أحمد القراءة بالعلق بدل الأعلى.
ورجال إسناده ثقات غير عبد الله بن عثمان بن خثيم وثقه غير واحد وتكلم فيه آخرون٦.
وقال ابن عدي٧: "هو عزيز الحديث وأحاديثه حسان مما يجب أن يكتب".
وهذا الحديث رواه سعيد بن المسيب٨ وموسى بن طلحة٩ ومطرف
стр. 65
بن عبد الله١ والنعمان بن سالم الثقفي٢ وداود بن أبي عاصم٣ والمغيرة بن شعبة٤ وعبد الله وعبد ربه ابنا الحكم ابن سفيان٥ وغيرهم عن عثمان بن أبي العاص ولم يذكروا التوقيت والله أعلم.
قال البوصيري٦: "رواه مسلم في صحيحه من طريق سعيد ابن المسيب عن عثمان بن أبي العاص به بدون قوله: حتى وقت لي إلى آخره".أ. هـ
ومما يشكل على التوقيت في هذا الحديث الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرها من تطويل النبي ﷺ القراءة في صلاة الفجر وغيرها بأكثر من هذا كما تقدم والله أعلم.
[٣٧] الحديث الحادي عشر:
عن جابر ﵁ قال: "سنة القراءة في الصلاة: أن يقرأ في الأوليين بأم القرآن وسورة، وفي الأخريين بأم القرآن".
أخرجه الطبراني٧ من طريق عثمان بن الضحاك٨ عن أبيه عن عبيد الله بن
стр. 66
مقسم١ عن جابر به وسنده ضعيف.
قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد تفرد به عبيد الله بن مقسم".
وقال الهيثمي٢: "وفيه شيخ الطبراني وشيخ شيخه لم أجد من ذكرهما".أ. هـ
وفيه أيضاً عثمان بن الضحاك كما تقدم.
[٣٨] الحديث الثاني عشر:
عن عمرو بن شعيب٣ عن أبيه٤ عن جده أنه قال: "ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة".
أخرجه أبو داود٥ والبيهقي٦ من طريق وهب بن جرير٧ حدثنا أبي٨
стр. 67
قال: "سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن عمرو بن شعيب به".
وفيه ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه.
ذكره الحافظ١ في المرتبة الرابعة من المدلسين وقال: "صدوق مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم وصفه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما".
[٣٩] الحديث الثالث عشر:
عن ابن سابط٢ "أن رسول الله ﷺ قرأ في الركعة الأولى بسورة نحواً من ستين آية فسمع بكاء صبي قال: فقرأ في الثانية بثلاث آيات".
أخرجه ابن أبي شيبة٣ واللفظ له وعبد الرزاق٤، وأبو داود٥ كلاهم من طريق سفيان عن أبي السوداء النهدي٦ عن ابن سابط به ورجال إسناده ثقات لكنه مرسل.
قال الحافظ٧: "وهذا مرسل".
ولفظ أبي داود "أن النبي ﷺ صلى الصبح فقرأ ستين آية فسمع صوت
стр. 68
صبي فركع ثم قام فقرأ آيتين ثم ركع".
والحديث في الصحيحين١ من طريق قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال:
"إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه".
وفي لفظ لمسلم من طريق ثابت البناني عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة".
стр. 69
مسألة في دلالة الأحاديث الواردة في هذا البحث
...
مسألة:
أكثر الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في القراءة في صلاة الفجر القراءة بطوال المفصل لكن يرد على هذا الأحاديث الواردة في القراءة في الفجر بأوساط المفصل وقصاره كحديث عمرو بن حريث القراءة بالتكوير٢ وحديث رجل من جهينة القراءة بالزلزلة٣ وحديث عقبة بن عامر٤ وعمرو بن عبسة٥ القراءة بالمعوذتين، وحديث ابن عمر٦ القراءة بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ والصمد وغيرها.
لكن يمكن أن يجاب عن ذلك من وجهين:
الأول: أن التخفيف لعارض من سفر أو بكاء صبي أو غير ذلك.
стр. 70
قال ابن القيم رحمه الله١: "وأما تخفيف النبي ﷺ الصلاة عند بكاء الصبي فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته بل قد قال في الحديث نفسه "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز" ٢ فهذا تخفيف لعارض وهو من السنة كما يخفف في صلاة السفر وصلاة الخوف.
وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ٣ وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين فإنه كان في السفر ولذلك رفع الله الجناح عن الأمة في قصر الصلاة في السفر والخوف.
والقصر قصران: قصر أركان وقصر عدد فإن اجتمع السفر والخوف اجتمع القصران وإن انفرد السفر وحده شرع قصر العدد وإن انفرد الخوف وحده شرع قصر الأركان وبهذا يعلم سر تقييد القصر المطلق في القرآن بالخوف والسفر فإن القصر المطلق الذي يتناول القصريين إنما يشرع عند الخوف والسفر فإن انفرد أحدهما بقى مطلق القصر إما في العدد وإما في القدر".أ. هـ
وقال ابن رجب٤: "وقد حكى ابن عبد البر٥ الإجماع على تقصير القراءة في السفر وقال أصحابنا: لا يكره تخفيف القراءة في الصبح وغيرها في السفر دون الحضر".
стр. 71
وقال إبراهيم النخعي: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرأون في السفر بالسور القصار.
خرجه ابن أبي شيبة"١. أ. هـ
ومما يؤيد هذا الوجه وأن هذا ليس منه ﷺ دائما ما في حديث الرجل من جهينة٢ من قراء النبي ﷺ بالزلزلة في الركعتين كلتيهما.
قال الراوي: فلا أدري أنسى رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمداً، فلو كان شأن رسول الله ﷺ التخفيف دائماً ما حصل هذا الاستفهام.
الثاني: أن النبي ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز ففي غالب أحواله ﷺ يقرأ بطوال المفصل لكنه قرأ بقصار المفصل ليبين للأمة جواز ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله٣: "ولو قدر أنه ﷺ خفف الصلاة لا لعذر كان في ذلك بيان الجواز وأن الاقتصار على ذلك لعذر ونحوه يكفي في أداء الواجب فأما أن يكون هو السنة وغيره مكروه مع أنه فعل النبي ﷺ في أغلب أوقاته فحاشى وكلا ولهذا رواته عنه أكثر من رواة التخفيف والذين رووا التخفيف رووه أيضاً فلا نضرب سنن رسول الله ﷺ بعضها ببعض بل يستعمل كل منها في موضعه وتخفيفه إما لبيان الجواز وتطويله لبيان الأفضل.
وقد يكون تخفيفه لبيان الأفضل إذا عرض ما يقتضي التخفيف فيكون التخفيف في موضعه أفضل والتطويل في موضعه أفضل ففي الحالين ما خرج عن
стр. 72
الأفضل وهذا اللائق بحاله ﷺ وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته وهو اللائق بمن اقتدى به وائتم به ﷺ ".أ. هـ
فإن قيل فما الجواب عن الأحاديث التي فيها الأمر بتخفيف الصلاة مطلقاً يجاب عن ذلك بما ذكره ابن القيم رحمه١: "من أنه يرجع في التخفيف المأمور بة إلى فعله ﷺ فإنه كان يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة وقد أمرنا بالتخفيف لأجلهم فالذي كان يفعله هو التخفيف إذ من المحال أن يأمر بأمر ويعلله بعلة ثم يفعل خلافه مع وجود تلك العلة إلا أن يكون منسوخاً.
وفي صحيح مسلم٢ عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : "طول صلاة الرجل وقصر خطبتة مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحراً" فجعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل وأمر بإطالتها وهذا الأمر إما أن يكون عاماً في جميع الصلوات وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة فإن كان عاماً فظاهر وإن كان خاصاً بالجمعة مع كون الجمع فيها يكون عظيماً وفيه الضعيف والكبير وذو الحاجة وتفعل في شدة الحر ويتقدمها خطبتان ومع هذا فقد أمر بإطالتها فما الظن بالفجر ونحوها التي تفعل في وقت البرد والراحة مع قلة الجمع ... "أ. هـ.
وقال أيضاً٣: "إن الإيجاز هو الذي كان يفعله وعليه داوم حتى قبضه الله إليه فلا يجوز غير هذا البتة".
وقال ابن القيم أيضاً٤: "وأما ما رواه مسلم في صحيحه٥ من حديث جابر
стр. 73
بن سمرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعد تخفيفاً.
فالمراد به -والله أعلم- أن صلاته كانت بعد الفجر تخفيفاً يعني أنه كان يطيل قراءة الفجر ويخفف قراءة بقية الصلوات لوجهين:
أحدهما: أن مسلماً روى في صحيحه عن سماك بن حرب قال: "سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي ﷺ فقال: كان يخفف الصلاة ولا يصلي صلاة هؤلاء قال: وأنبأني أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر (بقاف والقرآن المجيد) ونحوها" فجمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتخفيف وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف.
الثاني: أن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله ﷺ التي مازال يصليها ولم يذكر أحد أنه نقص في آخر أمره من الصلاة وقد أخبرت أم الفضل١ عن قراءته في المغرب بالمرسلات في آخر الأمر وأجمع الفقهاء أن السنة في صلاة الفجر أن يقرأ بطوال المفصل.
وأما قوله: "ولا يصلي صلاة هؤلاء" فيحتمل أمرين:
أحدهما: لم يكن بحذف كحذفهم بل يتم الصلاة.
والثاني: أنه لم يكن يطيل القراءة إطالتهم.
وفي مسند أحمد وسنن النسائي٢ عن عبد الله بن عمر قال: "إن كان رسول الله ﷺ ليأمرنا بالتخفيف وإن كان ليؤمنا بالصافات" وهذا يدل على أن الذي أمر به هو الذي فعله فإنه ﷺ أمر أصحابه أن يصلوا مثل صلاته ولهذا
стр. 74
صلى على المنبر، وقال: "إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي"١.
وقال لمالك بن الحويرث وصاحبه: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٢ وذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويسمى خفيفاً بالنسبة إلى ما هو أطول منه وطويلاً بالنسبة إلى ما هو أخف منه فلا يمكن تحديد التخفيف المأمور به في الصلاة باللغة ولا بالعرف لأنه ليس له عادة في العرف كالقبض والحرز والإحياء والاصطياد حتى يرجع فيه إليه بل هو من العبادات التي يرجع في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع كما يرجع إليه في أصلها ولو جاز الرجوع فيه إلى العرف لاختلفت الصلاة الشرعية اختلافاً متبايناً لا ينضبط ولكان لكل أهل عصر ومصر بل لأهل الدرب والسكة وكل محل لكل طائفة غرض وعرف وإرادة في مقدار الصلاة يخالف عرف غيرهم وهذا يفضي إلى تغيير الشريعة وجعل السنة تابعة لأهواء الناس فلا يرجع في التخفيف المأمور به إلا إلى فعله ﷺ ... ".أ. هـ
وقال أيضاً٣: "وأما إن قدِّر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وكثير من الباطوليه الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصليها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم ويسعى في خدمته
стр. 75
أعظم السعي فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرم به فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءً يسيراً من الزمان، وهو أقل القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق استثقل ذلك الوقوف واستطال وشكى منه وكأنه واقف على الجمر يتلوى ويتقلى ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه والوقوف بين يديه فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه والله المستعان". أ. هـ