فلما شعر علي ﵁ بتأثير هؤلاء الخوارج في وحدة الأمة الإسلامية حاربهم في وقعات كثيرة، حتى أخمد شوكتهم وقضى على معظمهم (١) .
لم يترك بقايا الخوارج الأمر فقام نفر منهم بالتخطيط لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃ جميعًا اعتقادًا منهم بأن قتلهم سيقضي على الفتنة التي هددت وحدة المسلمين، وأحدثت شرخًا كبيرًا في الدولة الإسلامية. وقصة هؤلاء النفر كما يرويها الطبري بدأت حينما اجتمع عبد الرحمن بن ملجم والبراك بن عبد الله وعمرو بن بكر التميمي وعابوا على ولاتهم وذكروا أهل النهر فترحموا عليهم قائلين ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئًا. إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة دينهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم، فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا. فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب ﵁. وكان من أهل مصر.
стр. 37
وأتى ابن ملجم رجلًا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال ثكلتك أمك لقد جئت شيئًا إدًا كيف تقدر على علي قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قُتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها. قال: ويحك لو كان غير علي لكان أهون عليَّ، قد عرفت بلاءه في الإسلام وسابقته مع النبي ﷺ ، وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر، العباد الصالحين، قال: بلى قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه.
فذهبا في ليلة الجمعة التي قتل في صبيحتها علي ﵁ وجلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف ووقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف (١) .
فقتل علي ﵁ يوم الجمعة سحرًا. وذلك لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربعين (٢) .
قالت عائشة ﵂ لما بلغها موت علي ﵁: لتصنع العرب ما شاءت، فليس لها أحد ينهاها (٣) .
стр. 38
ونقل جرير عن مغيرة أنه قال: لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية وهو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف، جلس وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وجعل يبكي، فقالت: ويحك، فقال: إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره. (١)
عن ابن هشام قال: قدمت دمشق وأنا أريد العراق، فأتيت عبد الملك لأسلم عليه، فوجدته في قبة على فرش تفوت القائم، وتحته سماطان فسلمت ثم جلست، فقال لي: يا ابن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم. قال: فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة، وحول إلي وجهه وأحنى علي فقال: ما كان؟ فقلت: لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم. فقال: لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك، فلا يسمعه أحد منك. فما حدثت به حتى توفي، أخرجه ابن الضحاك في الآحاد والمثاني.
стр. 39
الخاتمة تميزت الخلافة الراشدة بالعدل والإنصاف، حيث اختص الخلفاء الراشدون بصفات تميزوا بها في سلوكهم الذاتي، وفي إدارتهم لشؤون الأمة، ورعايتهم لدينها وعقيدتها، وحفاظهم على النهج الذي جاء به رسول الله ﷺ من الدعوة والجهاد وإقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولقد وصفهم الرسول ﷺ بالهدي والرشد كما جاء في حديث العرباض بن سارية ﵁ الذي قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودَّع، فما تعهد إلينا؟ أو قال: أوصنا، فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لمن ولي عليكم وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» (١) .
стр. 40
وفي هذا الحديث إشارة صريحة إلى وقوع الفتن، ووجوب طاعة الإمام، والالتزام بالنهج المستقيم الذي كان عليه الخلفاء الراشدون. ولذلك اختص عصرهم من بين سائر عصور الدول الإسلامية بجملة من المميزات والخصائص التي تميزه عن غيره، حيث صار العصر الراشدي معلمًا بارزًا ونموذجًا متكاملًا ذا مستوى رفيع يسعى كل مصلح إلى محاولة الوصول إليه، ويجعله كل داعية نصب عينيه، فيحاول في دعوته رفع الأمة إلى مستوى ذلك العصر أو قريبًا منه، ويجعله معلمًا من معالم التأسي والقدوة للأجيال الإسلامية (١) .
ولقد كان منهج الإسلام صريحًا وواضحًا في مواجهة العنف، فلقد نبذ العنف بجميع أشكاله وألوانه، وحث المسلمين على الابتعاد عن كل ما يؤدي إلى العنف واستخدام القوة وبيَّن لهم العقوبة التي يستحقها من قام بالعنف قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) .
стр. 41
كما أكد الإسلام حرمة الدم البشري، فحرم سفكه إلا بالحق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (١) . وعظم من حرمة النفس البشرية ومن وزر الاعتداء عليها فعد النفوس كلها واحدة , من اعتدى على إحداها فكأنما اعتدى عليها جميعًا، لأنه اعتداء على حق الحياة، ومن قدم لإحداها خيرًا فكأنما قدم الخير للإنسانية بأسرها، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . (٢) . (٣)
стр. 42
وقد شدّد الرسول ﷺ بالوعيد في من حمل السلاح وقام بالعنف وخوَّف الآمنين فقال ﷺ : «من حمل علينا السلاح فليس منا» (١) . ولعل ما رأيناه في هدي الصحابة ﵃ في مواجهتهم للغلو واتخاذ العنف سبيلًا في التعامل مع الآخرين. لقد رأينا مواقف الصحابة وهي تنبذ الاعتداء والظلم والغلو في الدين وأن سبب الاعتداء كان أصله الغلو في فهم بعض النصوص الشرعية. لقد اتفق الصحابة ﵃ على مواجهة الغلو في دين الله، وعلى مواجهة أولئك الغلاة ودعوا إلى فهم النصوص فهمًا رشيدًا سليما. والرجوع إلى أهم العلم في تفهم تلك النصوص عند أي أشكال. حتى لا تختلط المفاهيم وتقع الأمة في شراك الغلو والتطرف نتيجة لذلك والله المستعان.
стр. 43
فهرس المراجع والمصادر * الإرهاب في القانون الجنائي دراسة قانونية مقارنة على المستويين الوطني والدولي، (لمحمد محب الدين) ، دون طبعة أوتاريخ "الناشرمكتبة الأنجلو المصرية".
* أفضل الخطاب في سيرة ابن الخطاب أمير المؤمنين، شخصيته وأصله، (عبد الرحمن بن عبد الله بن عمران بن عامر) دون طبعة ١٣٧٧هـ / ١٩٥٧م "دار صادر للطباعة والنشر".
* أنساب الأشراف (للبلاذري) دون طبعة ١٤٠٠هـ / ١٩٧٩م "دار النشر فرانتس شتاينر بفيسبادن بيروت" تحقيق د. إحسان عباس
* البداية والنهاية، (للحافظ عماد الدين أبي الفداء أسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي) ، الطبعة الثانية ١٤٢٢هـ / ٢٠٠٣م "مطبعة السعادة القاهرة"، "دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، الرياض"، تحقيق د. عبد الله التركي.
* تاريخ دمشق (ترجمة عثمان ﵁ دون طبعة ١٤٠٤هـ / ١٩٨٤م تحقيق سكينة الشهابي.
* تاريخ الطبري (لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري) الطبعة الرابعة دون تاريخ طبع، "دار المعارف"، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم
стр. 44
* تاريخ المدينة المنورة، (الشبراخيتي، برهان الدين إبراهيم بن مرعي بن عطية المالكي) ، دون طبعة ١٣٩٤هـ / ١٩٧٤م "دار الأصفهاني للطباعة جدة" تحقيق فهيم محمد شلتوت.
* تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (لمحمد أمحزون) الطبعة الثالثة ١٤٢٠ هـ / ١٩٩٩م "دارطيبة للنشر والتوزيع".
* تحقيق منيف الرتبة لمن ثبت له شريف الصحبة، (للإمام خليل بن كليدى العلاني) ، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ "دار العاصمة الرياض"، دراسة وتحقيق د. عبد الرحيم محمد أحمد القشقري.
* التطرف والإرهاب في المنظور الإسلامي والدولي (المستشار سالم الهنساوي) الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ / ٢٠٠٤ م "دار الوفاء".
* تفسيرالقرآن العظيم (للإمام الجليل، الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي) دون طبعة ١٤٠٣هـ / ١٩٨٣م "دار المعرفة بيروت لبنان".
* الجامع لأحكام القرآن، (لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي) الطبعة الثالثة، ١٣٨٧هـ / ١٩٦٧م "دار الكاتب العربي للطباعة والنشر القاهرة".
* حقوق الإنسان وأسباب الضعف في المجتمع الإسلامي في ضوء أحكام الشريعة، (د. أحمد يسري) ، دون طبعة ١٩٩٣ م.
стр. 45
* حقيقة موقف الإسلام من التطرف والإرهاب (د. سليمان الحقيل) الطبعة الثانية ١٤٢٢هـ / ٢٠٠١م.
* حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دون طبعة ١٣٥١هـ / ١٩٣٢م "مكتبة الخانجي القاهرة".
* دراسة خاصة عن العنف السياسي في مصر، (لحسنين توفيق) ، دون طبعة ١٩٨٨م، "مركز الدراسات السياسية الاستراتيجية بالأهرام التقرير الإستراتيجي العربي".
* ذو النورين عثمان بن عفان (ابن خلدون، ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد) دون طبعة ١٣٩٤ هـ / ١٩٧٤م "المطبعة السلفية القاهرة".
* الرياض النضرة في مناقب العشرة، (للإمام أبي جعفر أحمد الشهير بالمحب الطبري) دون طبعة ١٤٠٥هـ / ١٩٨٤م "دار الكتب العلمية بيروت لبنان".
* سير الشهداء دروس وعبر، (تأليف عبد الحميد بن عبد الرحمن السحيباني) ، الطبعة الأولى ١٤١٩هـ / ١٩٩٩م "دار الوطن للنشر".
* شرح النووي على صحيح مسلم (النووي) ، دون طبعة ١٤٠١هـ / ١٩٨١م "دار الفكر بيروت".
* صحيح البخاري (للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بروزبة البخاري الجعفي) دون طبعة ١٩٩٤م / ١٤١٤م، "دار الفكر للطباعة والنشر".
стр. 46
* صحيح سنن الترمذي، (لمحمد ناصر الدين الألباني) ، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٨ م، "الناشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج".
* صحيح سنن أبي داود، (لمحمد ناصر الدين الألباني) ، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ / ١٩٨٩ م، "الناشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج".
* صحيح سنن ابن ماجه (تأليف محمد ناصر الدين الألباني) الطبعة الثانية ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٧ م، "الناشر: مكتب التربية العربي لدول الخليج".
* صحيح مسلم (للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري) الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ / ١٩٩١م. "طبع ونشر وتوزيع دار الحديث القاهرة".
* الطبقات الكبرى (لابن سعد) ، دون طبعة ١٣٧٦هـ / ١٩٥٧م "دار بيروت للطباعة والنشر"، "دار صادر للطباعة والنشر".
* العشرة المبشرون بالجنة، (من الطبقات الكبرى لابن سعد) ، الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م.
* عصر الخلافة الراشدة، محاولة لنقد الرواية التاريخية وفق منهج المحدثين، (د. أكرم ضياء العمري) ، الطبعة الرابعة ١٤٢٤هـ / ٢٠٠٣م "مكتبة العبيكان".
стр. 47
* علي بن أبي طالب مستشار أمين. . . . للخلفاء الراشدين (د. محمد عمر الحاجي) الطبعة الأولى ١٩٩٨م "دار الحافظ بدمشق".
* العنف والشريعة في مصر دراسة قانونية (د. مجدي متولي) ، دون طبعة ١٩٩٥ م "الهيئة المصرية العامة للكتاب".
* العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ (للإمام القاضي أبي بكر بن العربي المالكي) الطبعة السادسة ١٤١٢هـ "المكتبة السلفية الدار السلفية لنشر العلم" خرج احاديثه وعلق عليه محمود مهدي الاستنبولي، حققه وعلق حواشيه الشيخ محب الدين الخطيب
* الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة (للشيخ عبد الرحمن بن معلا) الطبعة الخامسة١٤٢٠هـ / ١٩٩٩م"مؤسسة الرسالة بيروت ".
* فضائل الصحابة والدفاع عن كرامتهم، (لعبد الله عبد القادر التليدي) الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ / ١٩٩٩م "دار بن حزم للطباعة والنشر بيروت لبنان".
* الكامل في التاريخ (المؤرخ عز الدين أبي الحسن علي بن ابي الكرم الشيباني المعروف بأبن الأثير) الطبعة الأولى ١٤١٧هـ / ١٩٩٧م "الناشر دار الكتاب العربي" حققه د. عمر عبد السلام تدمري
стр. 48
* لسان العرب، للإمام العلامة ابن منظور) الطبعة الثالثة ١٤١٣هـ / ١٩٩٣م "دار احياء التراث العربي".
* المتطرفون (د. عمر عبد الله كامل) دون طبعة أو تاريخ "مكتبة التراث الإسلامي".
* المعجم الكبير، (للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني) ، دون طبعة ١٣٩٨هـ / ١٩٧٨م "الدار العربية للطباعة بغداد". حققه وخرج أحاديثه حمدي عبد المجيد السلفي.
* النهاية في غريب الحديث والاثر، (للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير) ، دون طبعة أو تاريخ "دار احياء الكتب العربية". تحقيق محمود محمد الطناحي وطاهر أحمد الزاوى.