← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

مقيل المؤمنين يوم القيامة كما قال: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] أبو أمامة الباهلي: أن الفردوس سرّة الجنة، وعن كعب: أنها التي فيها الأعناب. ﴿حِوَلًا﴾ تحويلًا (١) وانتقالًا، ولا وصف لطيب المكان أبلغ من نفي ابتغاء التحول عن نازليه، فإن الإنسان يسأم الحياة فكيف بما دونها. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ قال الكلبي: نزلت في اليهود حيث أنكروا على رسول الله قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] (٢) والمداد والمدد مصدران على سعة علمه وقلة علوم العالمين [في جنب علمه] (٣). ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قيل: جاء رجل إلى النبي ﵇ (٤) فقال: يا رسول إني لأصلي وأصوم وأتصدق وأصنع المعروف وأنا والله أحب أن أذكر بذلك، قال: فسكت النبي ﵇ (٤) عنه فنزلت ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية قال: فأرسل النبي ﵇ (٤) إلى الرجل فتلاها عليه (٥)، قال: وكان أصحاب النبي ﵇ (٤) يقولون: ما نزلت إلا في الرياء. وعن شهاب بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ (٦): "المؤمن نيته خير من عمله وعمل المنافق خير من نيته وكلٌّ يعمل على نيته، وليس من مؤمن يعمل عملًا إلا سار في قلبه سورتان فإن كانت الأولى لله فلا تهدم الآخرة" (٧). وعن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري قال: سمعت رسول الله يقول: "إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى منادٍ: من كان

стр. 1157

أشرك في عمل عمله لله أحد فليطلب ثوابه عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشريك" (١). قال البراء بن عازب: بينما رجل يقرأ سورة "الكهف" إذْ رأى دابته تركض، فنظر فإذا مثل الغمامة أو السحابة، فأتى رسول الله فذكر ذلك له فقال ﵇ (٢): "تلك السكينة نزلت مع القرآن أو نزلت على القرآن" (٣). وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه أوحي إلى من قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة" (٤). * * *

стр. 1158

سُورَةُ مَريَمَ مكية، وهي ثمان (١) وتسعون آية في غير عدد أهل مكة (٢)، والله أعلم بذلك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص (١)﴾ ابن عباس: هذه الحروف ثناء أثنى الله بها على نفسه، قال: كاف هاد علي صادق (٣). وروي عن ابن عباس: كاف من كريم، وها من هاد، ويا من أمين، وعين من عليم، وصاد من صادق (٤). وعن سعيد بن جبير قال: كاف هاد يمين عالم صادق (٥)، قال الأمير (٦): ويحتمل: كفيناك هديناك يمناك علمناك صدقناك أو عصمناك وأصلحناك، ويحتمل أنه يتصل بما بعده، والتقدير: كتابنا هذا ناطق للعالم الصادق.

стр. 1159

﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال ﷺ : "خير الدعاء الخفي وخير الرزق ما يكفي" (١). ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ شبه بياض الرأس باشتعال الفتيلة ﴿بِدُعَائِكَ﴾ (٢) بعبادتك ﴿شَقِيًّا﴾ وإنما قال ذلك لأحد معان أربعة: إما لنفي ما أصابه من وهن العظم وشيب الرأس أن يكون أصابه لمقاساته شدة العبادة واحتماله أعباءها كما في نبينا ﷺ ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه:١, ٢]، وإما لنفي الخيبة عن نفسه فإن الخائب هو الشقي فكأنه يقول: لم أكن بسبب عبادتي إياك وإيماني بك خائبًا من لطائف صنعك، وإما لنفي الكفر عن نفسه فكأنه يقول: لم أكن بعبادتك وتوحيدك كافرًا فأنا متوسل إليك (٣) بذلك إليك، وإما لنفي الحرمان عن نفسه فكأنه يقول: لم أكن في عبادتك محرومًا فإنك وفقتني لها وبشرتها علي لأستأهل إجابة الدعوة منك. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ أن ينقرضوا فإنهم قد صفوا وقلوا، وأراد بنو الأعمام دون ذوي الأرحام. ﴿يَرِثُنِي﴾ العلم والكتاب؛ فإن الأنبياء ﵈ لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذ العلم فقد أخذ بحظ وافر، ويحتمل أنه أراد رتبة الحبورة وشرف النبوة وإنهما مختصان بأهل بيت النبي ﵇ (٤)، ويحتمل أنه أراد النبوة بعينها، أي: اجعله اللهم وارثًا نبوتي (٥)

стр. 1160

﴿رَضِيًّا﴾ (١) مرضي السيرة في حبورته وشرفه بخلاف الأحبار الذين يرتشون ويحرفون ويبدلون، وبخلاف الأشراف الذين يتعاطون ما يحط من شرفهم، أو اجعله نبيًا ترتضيه الناس فيؤمنوا به. ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ يسير غير ممتنع. وفي قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ دلالة على أن حقيقة اسم الشيء غير منطبق على الموهوم في حد اللبس، وأن المعدوم غير كمين، وفيها رد على المعتزلة والدهرية. ﴿سَوِيًّا﴾ تمامًا. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة والزبور والوحي المختص بيحيى ﵇ (٢)، والمراد بالحكم حكم التوراة والزبور، ويحتمل حكم انصياع التائبين على يديه بماء الأردن واستغفاره لهم. ﴿وَحَنَانًا﴾ عطفًا ورحمةً ورزقًا وبركةً، تقول العرب: حنانك وحنانيك ربنا. ﴿عَصِيًّا﴾ نعت من العصيان على وزن فعيل. (سلام) مرتفع بالابتداء، أراد التحية والدعاء وذلك من الله تعالى إيجاب، فسلامة الميلاد في إحكام الفطرة، وسلامة الموت في إتمام الفطرة، وسلامة البعث في ختام الفطرة، فمن استحكمت طبيعته بحب (٣) الإيمان والإحسان وكراهة الفسوق والعصيان ومات ووصيته هذا، وبُعث مبيض الوجه مشروح الجنان، قال: ﴿وَسَلَامٌ (٤) عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ اعتزلت وجلست بنبذة منهم ﴿مَكَانًا﴾ موضع الكون ﴿شَرْقِيًّا﴾ ما يلي الشمس عند الطلوع، قال ابن

стр. 1161

عباس (١): لما بلغت مريم سنة النساء في الحيض كانت تكون في بيتها في المسجد، قال: فبينما مريم في شرفة لها في ناحية الدار بينها وبين أهلها حجاب، يعني: ستر التطهر وتمتشط، إذ دخل عليها جبريل ﵇ (٢) فتشبه لها بشرًا سويًا في صورة شاب لم ينتقص (٣) فدنا منها، وأنكرت مكان الرجل في ذلك المكان. فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ أرادت التذكير والتحذير ألا ترى شرطت التقوى ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ مطيعًا لله. قال لها جبريل ﵇: أنا رسول ربك ليهب لك ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾. قالت مريم لجبريل ﵇: يا سيدي، أنى يكون لي ولد ولم يقربني زوج ولم أك فاجرة؟! قال لها جبريل: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: خلقه عليَّ يسير ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ في ولادته من غير أب ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ كائنًا، فاطمأنت مريم إلى قوله، فدنا منها فدحيها بإصبعه ثم نفخ في جيبها فوصلت تلك النفخة إلى بطنها فحملت بعيسى ﵇. ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ اختلف في مدة العمل فقيل: يوم واحد، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: تسعة أشهر، ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ هو أقصى دار خالتها، وقيل: موضع مجهول لا يعلم بها زكريا، وقيل: ناصرة دمشق، وقيل: مصر. ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ تعدية من المجيء ﴿الْمَخَاضُ﴾ تمخض الولد في بطن أمه وهو تحركه للخروج ﴿جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ساقها، أراد ﴿جِذْعِ﴾ يابس، وإنما قالت ذلك لكراهتها الطبيعية المشقة والأذى لا لكراهتها الاعتقادية الكرامة والعُلى.

стр. 1162

﴿فَنَادَاهَا﴾ جبريل كان واقفًا أسفل الربوة، وقيل: المنادي عيسى ﵇ (١) وهو الأشبه بظاهر (٢) ويمكن الجمع، فقال: ناداها جبريل من لسان عيسى و (السري): الجدول يسري فيه الماء، وقال الحسن: الولد النجيب (٣)، يقال: ابن السري إذ أسرى أسيراهما. ﴿وَهُزِّي﴾ (٤) حركي ﴿بِجِذْعِ﴾ الباء مفخمة كهي في قوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿رُطَبًا﴾ (٤) يصير تمرًا بالجفاف ﴿جَنِيًّا﴾ (٤) مجتنى. ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي: طيبي نفسًا، نصب على التفسير لأن (٥) الفعل في الحقيقة لها (٦) ﴿لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ صمتًا لأنه إمساك، وقوله: ﴿فَقُولِي (٧) إِنِّي﴾ إني فالإشارة أوقع نفسك بحيث يسمعونه من غير مخاطبتك إياهم شيئًا، ﴿فَرِيًّا﴾ أمرًا عظيمًا مستعظمًا، وقيل: أمرًا عجبًا، وفي الحديث: "ما رأيت عبقريًا يفري فريه" (٨).

стр. 1163

﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ (١)، قال الكلبي (٢): أراد بهارون أخوها من أبيها، عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله ﷺ (٣) إلى أهل نجران فقالوا لي: ألستم تقرؤون يا أخت هارون بين موسى وعيسى وما كان، فلم أدر ما أجيبهم، فرجعت إلى النبي ﵇ (٤) فأخبرته، فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم" (٥)، ﴿أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ساعية بالفاحشة و (البغاء) المساعاة بها، من كان حالة الوجود دون ما مضى. و (الإشارة): الإيماء وهو النص بالدلالة على مشاهدة أو ما يقوم مقامه ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ حالة المهد، وقيل: مهد في صخرة في بيت لحم. ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ (٢) أي: الدعاء والصدقة، ويجوز أن يكون المراد بهما العبادتين المشروعتين على شريطة الإمكان. ﴿وَبَرًّا﴾ عطف على قوله: ﴿مُبَارَكًا﴾ (٦). عن أم سلمة زوج النبي ﵇ (٧) قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا خير جار؛ أمِنَّا على ديننا وعبدنا (٨) الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، حتى قدم عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص فلم يبق بِطْرِيق

стр. 1164

إلا وأوصلا إليه هدية من جهة قريش وقالا له: إنه قد ضوي (١) إلى الملك وبطارقته غلمان سفهاء فارقوا دين الله (٢) قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، فإذا كلمنا الملك فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما كانوا عليه. فضمنت البطارقة لهما ذلك، ثم إنهما دخلا على النجاشي وقربا إليه هداياه (٣) فقبلها ثم كلماه، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك سلِّمهم إليهم ليردوهم إلى قومهم، قالت أم سلمة: فغضب النجاشي، فقال: لا هايم الله إذًا لا أسلمهم إليهم ولا أكاد، حتى أدعوهم فإنهم جيراني وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم فإن كان كما يقولون: أسلمتهم، وإن كان غير ذلك منعتهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني. ثم أرسل إلى أصحاب النبي ﵇ (٤) فدعاهم وقد جمع (٥) أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فلما جاءهم رسوله يدعوهم احتفظوا، فقال بعضهم لبعض: ما نقول للرجل؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به كائن ما هو كائن، فلما جاؤوه قالوا: ما هذا الدين الذي فارقتم منه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من أهل الملك؟ قالت: وقد كانوا قدَّموا جعفر بن أبي طالب يكلمه، فكان الذي ولي كلامه، فقال: أيها الملك إنا كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونستقسم بالأزلام، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، قال النجاشي: من أيكم هو؟ قال جعفر: هو ابن عمي أخي أبي، ثم دعانا إلى الله لنوحده ونعبده ولا نشرك به شيئًا ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه،

стр. 1165

وأمرنا بالصلاة والصدقة (١) والصدق والوفاء بالعهد وأداء الأمانة وصلة الرحم، فآمنَّا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله، وعبدنا الله وحده لا شريك له وحرمنا ما حرم الله علينا وأحللنا ما أحل الله لنا، فغدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردُّونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وحالوا (٢) بيننا وبين ديننا (٣) خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قال: فاقرأ عليَّ، فقرأ عليه: ﴿كهيعص (١)﴾ قالت: فبكى النجاشي والله حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما يتلى عليهم، قال النجاشي: إن مخرج هذا الأمر لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى بن عمران، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا أكاد، فخرجوا من عنده، فقال عمرو بن العاص: والله لآتيه غدًا بما أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال ابن ربيعة- وكان أتقى الرجلين فينا-: لا تفعل فإن لهم أرحامًا وإن خالفونا، فقال: والله لأخبرنه أنهم يقولون: إن عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فاسألهم ما يقولون فيه، قالت: فأرسل إلينا، قالت: ولم ينزل مثلها، قال: فاجتمع القوم، وقال بعضهم لبعض: ماذا نقول في عيسى إن سألنا؟ فقالوا: نقول فيه (٤) الذي جاءنا به نبينا من عند (٥) الله كائن ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ قال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا من عند الله:

стр. 1166

هو رسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، قال: فضرب يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، قال: ما عدا ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال النجاشي: وإن نخرتم والله، ثم قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا فإنهم سيوم - والسيوم الآمنون بلغتهم- من سبكم غرم يقولها ثلاثًا، ثم ذكرت باقي الحديث (١). ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: من جهة ما بينهم من غير برهان. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ في معنى قوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ عن أبي سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله ﷺ (٢): ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: "يؤتى الموت كأنه كبش أملح حين يوقف على السور بين الجنة والنار، فيقال (٣): يا أهل الجنة، فيشرئبون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضجع فيذبح فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحًا، ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار الحياة والبقاء لماتوا ترحًا" (٤). ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ فيه بيان غاية القبح والاستحالة وليس فيه ما يدل على جواز عبادة ما يسمع ويبصر، وقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يدل على امتناع جواز عبادة كل من هو دون الله، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ فيه محافظة الأدب من وجهين: أحدهما: التبرؤ من الحول والقوة لوجه الله تعالى. والثاني: ترك التفضل على أبيه من ذات نفسه.

стр. 1167

﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ اقتد بي في طلب الحق، أو في الاستدلال أو في ترك عبادة ما ظهر قبح عبادته، ﴿أَهْدِكَ﴾ بعد المتابعة ﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ عين الحق والمدلول وهو ما يحسن عبادته. ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ إنما نهاه لأن الشيطان يتصور للمشركين بصورة آلهتهم فيكلمهم فيها فيرجع عبادتهم في الحقيقة إليه. ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ﴾ إنما خاف أن ينزل عليه العذاب ولم يتيقن بذلك الرجاية له الإسلام وإنما لم يقل إنه ولي الشيطان في الحال لإرجائه أمره إلى الله تعالى كيف يختم عليه فإنما الأعمال بالخواتيم. ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أراد القذف والطرد والإبعاد، وقيل: الرجم بالحجارة، ﴿مَلِيًّا﴾ زمانًا طويلًا ومنه قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٣]، وقولهم: الملوان (١) وملوه من الدهر، وقيل: ﴿مَلِيًّا﴾ تباعد عني بلغة إبراهيم. ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ أراد به الصفح والمتاركة، وقد سبق جواز استغفار المشركين وكيفيته ﴿حَفِيًّا﴾ بارًا وصولًا (٢)، وقيل: عالمًا، أي: أن الله تعالى عالم بهمتي فيك. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إنما تأخر ذكر إسماعيل لكون بني إسرائيل داخلون في هذا الخطاب. ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ (من) قائم مقام الاسم تقديره: شيئًا (٣) من رحمتنا، أي: نعمتنا ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناءً حسنًا من جهة الله تعالى وملائكته وأوليائه وأهل الكتاب أجمعين ﴿عَلِيًّا﴾ رفيعًا شريفًا.

стр. 1168

﴿كَانَ مُخْلَصًا﴾ لتخصيص (١) الله إياه من القتل والغرق وضلالة فرعون وحنانة القبطي و ﴿رَسُولًا نَبِيًّا﴾ على التقديم والتأخير لاعتبار نظم الآي ومعناه أنه كان نبيًا مرسلًا. ﴿الْأَيْمَنِ﴾ الجانب، ﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾ بالكرامة، عن عطاء بن السائب عن ميسرة، قال: قربه الله وأدناه حتى سمع صرير القلم الذي يكتب له الألواح (٢)، إنما دخل في جملة المرسلين لقوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ (٣) قيل: أراد به إسمول بن هلقاثا (٤) الذي قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ (٥) بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] لأنه ذكر بعد موسى وهارون، وهذا لا يصح لأنه قد ذكر بعد يحيي وعيسى وإدريس بعد هؤلاء أجمعين لأن الواو للجمع لا للترتيب، وهو إسماعيل بن إبراهيم ﵇ وإنما اختص بصفة صدق الوعد لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ [الصافات: ١٠٢] عند من جعله الذبيح، وعن ابن عباس قال: كان ميعاده الذي واعد فيه صاحبه فانتظر له حتى حال عليه الحول (٦). ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ هو أبو جد نوح ﵇ واسمه أخنوخ (٧)،

стр. 1169

وقيل: أنوخ، وسمي إدريس لكثرة ما يدرس كتب الله وسنن الإسلام، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم، [ونظر في علم النجوم والحساب] (١)، وأول من خاط الثياب ولبسها وكان من قبله يلبسون الجلود، واستجاب له ألف إنسان ممن كان يدعوهم، فلما رفعه الله اختلفوا بعده وأحدثوا الأحداث إلى زمن نوح ﵇، ورفع وهو ابن ثلثماية وخمس ستين سنة. عن الكلبي عن زيد بن أسلم عن رسول الله: أن إدريس جد أبي نوح، وكان أهل الأرض بعضهم يومئذٍ كافر وبعضهم مؤمن، وكان يصعد لإدريس من العمل مثل ما يصعد لجميع (٢) بني آدم، فأحبه ملك الموت فاستأذن الله تعالى في خلته فأذن له، فهبط إليه في صورة غير صورته صورة آدمي مثله لكيلا يعرفه، فقال: يا إدريس إني أحب أن أصحبك وأكون معك. فقال له إدريس: إنك لا تطيق ذلك، قال: بلى أرجو أن يقربني الله (٣) على ذلك. فكان معه يصحبه، فكان إدريس يسبح النهار كله صائمًا فإذا أجنّه (٤) الليل آتاه رزقه حيث يمشي فيفطر (٥) عليه، ثم يحيي الليل كله، قال: فساحا النهار كله صائمين حتى إذا أمسيا آتى إدريس رزقه فجلس يفطر فدعا الآخر، فقال: والذي جعلك بشرًا لا أشتهيه، فطعم إدريس، ثم استقبل الليل كله بالصلاة فإدريس تناله الفترة والسآمة من الليل والآخر لا يسأم ولا يفتر، فجعل إدريس يتعجب منه. ثم أصبحا صائمين فساحا حتى إذا أجنهما من (٦) الليل آتى إدريس

стр. 1170

رزقه فجعل يطعم ودعا الآخر فقال: لا والذي جعلك بشرًا لا أشتهيه، فطعم إدريس ثم استقبل الليل كله بالصلاة، فإدريس تناله السآمة والفترة والآخر لا يسأم ولا يفتر فجعل إدريس يتعجب منه. ثم أصبحا يوم الثالث صائمين، فساحا (١) فمرا على كرم قد أينع فطاب (٢)، فقال: يا إدريس لو أخذنا من الكرم فأكلنا، قال له إدريس: ما أرى صاحبه هاهنا لأشتري منه وإني لأكره أن آخذ بغير ثمن، قال: فمضيا على مراعي غنم، فقال: يا إدريس، لو أخذنا من هذا الغنم شاة فأكلنا من لحمها، قال له إدريس: فما أرى صاحبها فاشتري منه وإني لأكره أن آخذ شيئًا بغير ثمن، وإنك معي منذ ثلاثة أيام ما تطعم شيئًا لو كنت لطعمت واني لأدعوك إلى الحلال كل ليلة فتأباه، فكيف تدعوني إلى الحرام أن آخذ فيملح ما بيني وبينك، ألا نبأتني من أنت؟ قال: إنك ستعلم، قال: لتخبرني من أنت. قال: أنا ملك الموت - والملح في كلام العرب هي: الصحبة - قال: ففزع حيث قال: أنا ملك الموت، قال: فإني أسألك (٣) حاجة، فقال: وما هي؟ قال: تذيقني الموت، قال: ما إليّ من ذلك شيء وليس لك بدّ من أن تذوقه، قال: بلى، فإنه قد بلغني عنه شدة فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادًا وأكثر له عملًا وحذرًا. قال: فأوحى الله أن يقبض روحه ساعة ثم يرسله قال: فقبض نفسه ساعة ثم أرسله، فقال: كيف رأيت؟ قال: لقد بلغني عنه شدة، ولقد كان أشد مما بلغني منه، قال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي ولكنك سألتني فأحببت أن أسعفك. قال: فإني أسألك (٤) حاجة أخرى، قال: ما هي؟ قال: أحب أن

стр. 1171

تريني النار، قال: ما إليّ من ذلك شيء ولكني سأطلب فإن قدرت عليه فعلت، فبسط جناحه فحمله عليه حتى صعد به إلى السماء فانتهى إلى باب من أبواب النار فدقَّه، فقيل له: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت، قال: مرحبًا بأمين الله هل أمرت فينا بشيء؟ قال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناطركم، هذا إدريس استأذنت الله في خلته فأذن لي فسألني أن أريه النار فأحب أن تروها إياه، قال: ففتح منها شيء، قال: فجاءت بأمر عظيم وخرّ إدريس مغشيًا عليه، قال: فحمله ملك الموت فأجلسه في ناحية حتى أفاق وقد ذبل واصفر، فقال له ملك الموت: ما أحببت أن يصيبك هذا في صحبتي ولكنك سألتني فأحببت أن أسعفك. قال: فإني أسألك حاجة غيرها، قال: ما هي؟ قال: أحب أن تريني الجنة، قال: ما إلى من ذلك شيء ولكني سأطلب فإن قدرت عليه فعلت، فانطلق به إلى خزنة الجنة فدق بابًا من أبوابها فقيل له: من هذا؟ قال: أنا ملك الموت، قالوا: مرحبًا بأمين الله هل أمرت فينا بشيء؟ قال: لو أمرت فيكم بشيء لم أناطركم، ولكن هذا إدريس سألني أن أريه الجنة فأحب أن تروها إياه، قال: ففتح له الباب فدخل فيها فنظر إلى شيء لم ينظر إلى مثله فطاف فيها ساعة، ثم قال له ملك الموت: انطلق بنا فلنخرج، قال: فينطلق إلى شجرة فيتعلق بها ثم يقول: والله لا أخرج حتى يكون الله هو يخرجني، قال له ملك الموت: إنه ليس بحينها ولا زمانها وإنما طلبت إليهم لترى، فأبى. قال: فقيَّض الله له ملكًا من الملائكة، قال له ملك الموت: اجعل هذا الملك بيني وبينك، قال: نعم، قال: ما تقول يا ملك الموت؟ قال: أقول إني استأذنت الله في خلة إدريس فأذن فهبطت فكنت معه حينًا ثم سألني أن أذيقه الموت فأذقته فأصابه من شدته، ثم سألني أن أريه النار فأُري، صابه من شدتها، ثم سألني أن أريه الجنة فطلبت له فأري فدخلها وإنه أبى أن يخرج فأخبرته أنه ليس بحينها ولا زمانها، قال: ما تقول يا إدريس؟ قال: أقول: إن الله تعالى قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقد ذقته، ويقول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أي: النار وقد وردتها، ويقول الله لأهل الجنة: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] فوالله لا أخرج

стр. 1172

منها أبدًا حتى يكون الله يخرجني منها، فسمع هاتفًا من فوقه: بأمري دخل وبأمري فعل فخلِّ سبيله فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ (١). وعن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: إن إدريس كان يصعد له من العمل كل يوم مثل ما كان يصعد لجميع الناس، فطلب ملك الموت إلى ربّه فهبط إليه، قال: فلما كلمه إدريس، قال: اصعد بي إلى السماء، فصعد معه فلمّا انتهى إلى السماء السادسة مرّ به ملك فقال الملك لملك الموت: أين تريد؟ قد بعث إلى رجل من بني آدم أن يقبض روحه في السماء السادسة. فالتفت إلى إدريس وقبض روحه في السماء السادسة، ويجوز أن يكون المراد بالمكان العلي الرتبة العلية من النبيين (٢). ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ وجده شيث ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ ابنه الأكبر سام والأنبياء من ذرية سام: هود وصالح وشعيب ولوط وأيوب والله أعلم بغيره من المحمولين (٣) كيافث وحام وغيرهما ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ إسماعيل وإسحاق ومحمد ﷺ ، وروى خالد بن سنان أيضًا: ومن ذرية ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ أنبياء بني إسرائيل ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ ومن جملة هؤلاء الخضر إن لم يكن من ذرية سام. ووصف سعيد بن المسيب لقمان الحكيم بالنبوة وكان من ولد حام فإنه كان حبشيًا وهو رومي والروم من ولد يافث. وعن النبي ﵇ (٤) أنه قال: "سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم" (٥) قال الأمير: وظني بجرجيس ﵇ أنه من جملة هؤلاء ولم

стр. 1173

يكن من بني إسرائيل، وزعم القتبي أن الأنبياء كلهم عربيهم وعجميهم من ولد سام بن نوح ﵇ (١)، قالوا: وفي قوله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ يجوز أن تكون للعطف على ذرية آدم أو على ذرية المحمول مع نوح أو على ذرية إبراهيم وإسرائيل، ويجوز للاستئناف جملة، والتقدير: ممن هدينا واجتبينا قوم. عن مجاهد قال: ما أري إبليس أحدًا ساجدًا إلا التطم ودعا بالويل، قال: أمر هذا بالسجود فسجد فله (٢) الجنة وأمرت فلم أسجد فلي النار. وعن أبي هريرة عنه ﵇ (٣) قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار" (٤). ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الخَلْف ضد الخَلَف، يقال: خَلْف سوء وخَلَف صدق، ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ اشتغلوا بما يلهي عنها من لعب ولهو ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ غيّهم الذي أسلفوه وقدموه كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٨] وقيل: الغي اسم وادٍ في جهنم، وقيل: مأخوذ من الغياية وهي الظلمة والسحابة. وعن كعب وأصحابه، قال: صفة المنافقين شاربون للقهوات لعابون بالكعبات ركابون للشهوات تاركون للجماعات راقدون عن العتمات مفرّطون في الغدوات ثم تلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ الآية (٥). ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ هو القول المفعول، وقيل: أراد الآتي. ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ قيل: استثناء منقطع، وقيل: متصل؛ لأن السلام في دار السّلام من جنس اللغو لأنه كلام غير محتاج إليه بخلاف الحمد والتسبيح

стр. 1174

اللذين هما من أهل الإيمان بمنزلة التنفيس من الحيوان (١) ﴿بُكْرَةً﴾ أي: ابتداء الحالة الممتدة التي هي لملاقاة الإخوان، ﴿وَعَشِيًّا﴾ الساعة التي هي قبيل الحالة الممتدة التي هي للخلوة مع النسوان، قال قتادة: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبه (٢) ذلك، فأخبرهم أن لهم في الجنة هذه الحالة التي تعجبهم في الدنيا (٣). ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ﴾ خبر، ويجوز أنها اسم جنس ولي اسم الإشارة والخبر ما بعدها، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هذه الجنة التي ذكرنا ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ و (التقي) ينطبق على كل مؤمن. ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ عن ابن عباس قال: قال النبي ﵇ (٤): "ما لك يا جبريل، ما لك لا تزورنا أكثر مما تزورنا" (٥) فأنزل الله، قال الكلبي: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ الآخرة، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ الدنيا (٦). وقال الفراء (٧): ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآخرة ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة يلقنها جبريل من الله تعالى، وقيل مقدر في ابتدائها ﴿نَسِيًّا﴾ ناسيًا (٨) فكأن جبريل قال: لم ينسنا الله تعالى ولم ينسك فلو شاء لأذن لنا في النزول إليك أكثر مما نتنزل. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: هو رب السماوات، وقيل: بدل من قوله

стр. 1175

﴿رَبُّكَ﴾ (١)، ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ افتعال من الصبر ﴿سَمِيًّا﴾ مجانسًا، وهذا يدل على أن الاسم الحقيقي معنى دوري. ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ قال خباب: جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضى بمالي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ﵇، فقلت: لا حتى تموت ثم تبعث، فقال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قال: نعم، قال: إن لي هناك مالًا أقضيكه فنزل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: ٧٧] الآية، وفي الآية دلالة أن الآية في العاص ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ (ما) صلة كقول امرئ القيس (٢): إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ نسيانه. والشيطان مع (الشياطين) (٣) ﴿جِثِيًّا﴾ جلوسًا على الركب قريب من الجثوم. ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ لنزيلن، وقيل: ليقولن ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ فليخرج ويحتمل أيهم كان أشد ويحتمل أشدهم؛ فالأول تخصيص الوصف بما مضى، والثاني: إخلاص الوصف للحال. ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾ علم الله تعالى الذي تفرد به علم الأعيان، فأما علم الأوصاف فقد رزقنا حيث أخبر أن الكبائر هي الموجبات للنار، فمن كاد

стр. 1176

يرتكب الكبائر كاد يصلى النار، ومن كان أقدم على اقتحام الفواحش كان أولى وقودًا، ومن كان أشد إصرارًا فهو حري خلودًا. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ابن عباس عن كعب قال: ترفع جهنم يوم القيامة كأنها متن إهالة وتستوي أقدام الخلائق فينادي منادٍ: أن خذي أصحابك ودعي أصحابي، فتنخسف بهم ولهي أعرف بهم من الوالدة بولدها وتمر أولياء الله تندى ثيابهم (١). عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵇ (٢): "يرد (٣) الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب في رحلة ثم كسد الرجل ثم كمشيته" (٤). وعن عبد الله قال: الأرض نار كلها يوم القيامة والجنة من ورائها يرون كواعبها وأكوابها، والذي نفس عبد الله في يده (٥) إن الرجل ليفيض عرقًا يوم القيامة حتى يبلغ أنفه ثم يرتفع ثم يسوخ وما مسه الحساب، فقلنا: وبم ذلك يا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس يلقون (٦). وعن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن للقيامة أحوالًا وأهوالًا وزلازل وشدائد وظلماء، إذا انشقت السماء وتناثرت النجوم وذهب ضوء الشمس والقمر وتقلعت الأشجار وتدكدكت الآكام وغارت العيون ونصبت الموازين ونشرت الدواوين، وجيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام من حديد كل زمام أخذته سبعون ألف ملك كل (٧) ملك أعظم ما بين

стр. 1177

المشرق والمغرب يجرونها جرًا، حتى إذا كانت من الموقف مسيرة ماية زفرت زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر جاثيًا لركبتيه ينادي على (١) حياله: نفسي نفسي، ثم تزفر أخرى فلا يبقى في عين أحد قطرة من الدموع إلا بدرت، ثم تزفر أخرى فتعلو بياض العيون سوادها وتشخص الأبصار فلا ينطق أحد ولا يطرف ولا يعقل، ثم يضرب الصراط على متن جهنم طوله مسيرة ثلاثة آلاف سنة ألف سنة صعود وألف سنة هبوط وألف سنة (٢) سهولة بين حائطين من نار عرض كل حائط مسيرة ثلاث ليال على حافته الزبانية معهم الحسك والكلاليب. فقام رجل من الأزد يقال له: جندب بن زهير إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي إني لأرجع من عندك إلى منزلي فما تقر عيني في مال ولا ولد حتى أرجع فأنظر إليك، فأنَّى لي بك في غمار القيامة؟! قال: "يا جندب انظرني عند عقر حوضي فإن لم تلقني فانظرني في مقام الشفاعة فإن لم تلقني فانظرني على شفير جهنم، والخلائق يمرون وأنا أنادي يا رب سلِّم سلِّم وجبريل ينادي: يا رب سلم سلم وألف ألف وأربعة ماية ألف نبي من ولد يعقوب ينادون: اللهم بشرف محمَّد سلم، أي جندب ابن زهير فكم من مخدش مرسل وكم من مختطف هاوٍ ومكردس في النار، وخزان الجنة على أبواب الجنة معهم الحلي والحلل والتيجان من ألوان الجواهر ينتظرون أولياء الله" ثم ذكر باقي الحديث (٣). والجمع بين هذا الحديث وبين قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠٢] يعني: لا يسمعون بعد دخول الجنة، فأما ما قبله فالأمر على

стр. 1178

ما تضمنه الحديث ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ واجبًا لازمًا (١)، وإيجاب الله على نفسه مجاز (٢)، وحقيقة وجوب وعده وتأكد قضائه وصدق قوله وانبرام (٣) حكمه على وجه لا يليق بربوبيته غيره، قيل: الورود غير الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣]. وعن أم مبشر امرأة زيد بن حارثة قالت: كان (٤) النبي ﵇ (٥) في بيت حفصة وقال: "لن يدخل النار إن شاء الله أحدًا شهد بدرًا والحديبية" فقالت: ألا تسمع إلى قول الله (٦): ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ الآية، فقال: "ألا تسمعين ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الآية (٧)، وقيل: الورود الدخول وهي في حق الناجين جامدة ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ناديًا وهو المجلس الذي يشهدُه العشيرة والجيران، ويشبه جدال هؤلاء المشركين بقول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١] وقول أحد الرجلين في جنته: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] سبحان الله ما أجمعهم على وتيرة واحدة حتى كأنهم تواصوا بها وتواطؤوا عليها مع بعد الديار واختلاف الأعصار (٨). ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ مجاز فواجب على الله أن يمد له في الدنيا، وحقيقته ليظن له المد من قضاء الله وقدره، وهذه قريبة من قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] الآية. وفي هذا المعنى قوله ﷺ : "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تميلها الرياح (٩) مرّة ها هنا

стр. 1179

ومرّة هاهنا، ومثل المنافق كالأرزة المجدبة لا تحركها العواصف حتى يكون انجحافها مرة" (١) فالجمع بين هذه وبين قوله (٢): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا﴾ [المائدة: ٦٦] الآية، وقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ [نوح: ١٠، ١١] الآية، وقوله ﵇ (٣) لقريش وأمثالهم: "أدعوكم إلى كلمة تملكون بها العرب ويدل لكم بها العجم"، هو أن الضلالة قد تكون سببًا لليسر مرة والعسر أخرى وكذلك الهدى ما دامت محنة (٤) الالتباس قائمة وعزيمة الابتلاء باقية، فلا تناقض بين الأحاديث والآيات. ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ﴾ قال الكلبي (٢) وغيره: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ بالمنسوخ ﴿هُدًى﴾ الناسخ. ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ قال الفراء (٥): الاطلاع البلوغ، يقال: اطلعت هذه الأرض، أي: بلغتها. ﴿كَلَّا﴾ إن دخلت على كلام فهي ردّ له بمنزلة بلى، وإن جاءت صدر الكلام فهي بمنزلة لا، وهي ردّ لموهوم ربما ظهر بعده ﴿وَنَمُدُّ لَهُ﴾ نزيده ﴿مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ زيادة، وتلك الزيادة لغلوه في الضلالة. ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ معنى قول الكلبي: إن الله تعالى يحقق قول الكافر: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ بأن يجعل شيئًا من أموال الجنة وولدانها باسمه على شريطة الإيمان ثم يريه في ذلك عند عدم الشريطة فيورثه غيره، ويتركهم يوم القيامة ﴿فَرْدًا﴾ وقيل: إن الله تعالى يرث الكافر في قوله الباطل بعينه بأن يكتبه ويخلده في كتابه فهذا القول الباطل تركته، والله ورثه إلى أن يحاسبه بها بعدما سها.

стр. 1180

﴿عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ مخالفًا مناقضًا. ﴿أَنَّا (١) أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ سلطناهم، وقد يعبر بالإرسال عن التسليط قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ [المطففين: ٣٣] ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تهزهم نحو المعاصي هزًا. ﴿نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ ساعات الأجل ولحظات المهل لرفع الحيل وقطع الأمل. ﴿يَوْمَ﴾ (٢) منصوب ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ ﴿وَفْدًا﴾ الذين يفدون عن الملك طمعًا في بره وإحسانًا. ﴿وِرْدًا﴾ وهي الإبل العطالش التي ترد مواردها. ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ المالكون الشفاعة والمتخذون ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ هم الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾ [الرعد: ٢١] يشفعون لمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم، والصلاح هو مجرد الإيمان. ﴿شَيْئًا إِدًّا﴾ داهية. قال علي: رأيت رسول الله ﵇ (٣) في المنام، فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت بعدك من الأدد والكدد والأود (٤) ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ لكلمة الشرك هذه، قال الليث: (الهدّ): الهدم الشديد، وقيل: الهد الخسوف. ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ أي: معترفًا بالعبودية، وذلك حين يحضر العرض.

стр. 1181

﴿وُدًّا﴾ محبة. عن أبي هريرة أن رسول ﷺ (١) قال: "إذا أحبّ الله عبدًا نادى جبريل ﵇ (٢) إني أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض فذلك قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ (٣) وإذا أبغض عبدًا نادى أني قد أبغضت فلانًا فينادي في السماء ثم ينزل له البغضاء في الأرض" وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي، قل اللَّهم اجعل لي عندك عهدًا واجعل لي عندك ودًّا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة" (٤)، فنزل جبريل بهذه الآية في علي ﵁، وقال أبو سعيد الخدري: إنا (٥) كنا معشر الأنصار (٦) لنعرف المنافقين (٧) ببغضهم علي بن أبي طالب (٨). ﴿لُدًّا﴾ جمع اللدّ. عن أبي بن كعب عنه ﵇: "من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى وعيسى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإدريس، وبعدد (٩) من دعا لله ولدًا لا إله إلا الله وبعدد من لم يدع لله ولدًا" (١٠).

стр. 1182

سُورَةُ طَه مكية (١)، عن أبي هريرة عنه ﵇ (٢): "إن الله ﵎ قرأ "طه" و"يس" قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت: طوبى لأمة ينزل هذا عليها، وطوبى لأجواف تحملُ هذا، وطوبى لألسنة تتكلم بهذا" (٣). وهي ماية وأربع وثلاثون آية في أهل الحجاز (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طه (١)﴾ قال مجاهد: كان النبي ﵇ (٥) يربط نفسه ويضع إحدى رجليه على الأخرى فنزلت ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ (٦). وعن ابن عباس قال: هي كلمة بالسريانية يا رجل (٧)، قال: وكان النبي ﵇ (٥) إذا قام من الليل ربط صدره بحبل كيلا ينام فأنزل الله: ﴿مَا

стр. 1183

﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ (١) وعن ابن عباس قال: لما نزل عليه الوحي بمكة اجتهد في العبادة فاشتدت فجعل يصلِّي الليل كله زمانًا حتى تبين ذلك عليه: نحل جسمه وتغير لونه وتورمت قدماه حتى نزل ﴿طه (١)﴾ يا رجل بلسان لعكّ (٢). وقيل: إن الحرفين يشيران إلى الطهو الذي هو الإصلاح والإيضاح، والتقدير: أيها الطاهي، وقيل: يشيران إلى الطهارة والهداية، التقدير: أيها الطاهي والهادي، وقيل: يشيران إلى الوطء والتنبيه، التقدير: طأ فراشك أيها الرجل أو طأ الأرض بقدميك أيها الرجل، وقيل: يشيران إلى الطمأنينة والهدوء أي اطمئن واهدأ، وقيل: الطا تسعة والها خمسة من حساب الجمَّل، وهما أربعة عشر، والليلة الرابعة عشرة ليلة البدر فكأنه قيل: أيها البدر، وسئل الرجل البراء بن عازب: أكان وجه رسول الله مثل السيف؟ قال: لا مثل القمر، وقال جابر بن سمرة: رأيته في ليلة أضحيان وعليه حلة حمراء فجعلت انظر إليه وإلى القمر فهو أحسن عندي من القمر (٣)، وقد وصفه الله بأنه سراج منير فلا يبعد أن يصفه بأنه بدر. ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ نصب بما أنزلنا، أي: ما أنزلنا إلا تذكرة فكأنه بدل من ﴿لِتَشْقَى﴾، وقيل: استثناء منقطع معناه: لكن أنزلناه تذكرة (٤).

стр. 1184

﴿الْعُلَى﴾ جمع كدنيا ودني. ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أو لم تجهر ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ويعلم إخفاءه وهو ما يخطر ببال (١) الإنسان من السر غير أن يعتقده ضميرًا، وهذا من عطف الشيء على جنسه. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ارتفع ﴿اللَّهُ﴾ بضمير مبتدأ (٢) عن علي قال: قال رسول الله (٣) ﵇ (٤): "يقول الله: لا إله إلا الله حِصْنِي فمن دخله أمن عذابي" (٥). ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ فائدة الاستفهام في مثل هذا استدراج المخاطب به إلى التفكير والتذكير ليغتنم المسموع فينجع في قلبه، وقيل: معناه ﴿بِقَبَسٍ﴾ بجذوة وهي النار التي تأخذها في طرف عود، قيل: كانت القصة في زمن كيقياد بن زاب بن توركان بن إيرج بن نمرود فانصرف موسى من عند شعيب، فلما كان ببعض الطريق جاءت عليه ليلة باردة ذات رذاذ وكانت امرأته حاملًا فأخذها الطلق، فاقتدح موسى فما أورى زنده، فأنس نارًا من بعيد فظن أنها قريبة منه فتوجه إليها ليقتبس منها، فلما أتاها أبصرها نارًا في شجرة خضراء كلما أراد أن يقتبس منها ارتفعت إلى أعاليها، ونودي: يا موسى، ففزع من ذلك فزعًا شديدًا وكان من أمره ما نطق به (٦) القرآن.

стр. 1185

وذكروا أن الله تعالى قال لموسى ليلته: يا موسى أنت جند من جنودي إلى ضعيف من خلقي بطر نعمتي وأمن مكري وغرته الدنيا حتى جحد ربوبيتي وأنكر حقي وشتمني وعبد دوني، فإني أقسم بعزتي وجلالي لولا إلزام الحجة عليه والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار تغضب لغضبه السموات والأرضون والجبال والبحار، إن آذن للسماء اختطفته، وإن آذن للأرض ابتلعته، وإن آذن للبحار غرقته، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني ووسعه حلمي فذكِّره إياي وخوِّفه عقابي، وأعلمه أنه لا تقول شيء لغضبي وقيل له بين ذلك: ﴿قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]. ولا يهولنَّك ما عنده من رياش الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا يتكلم إلا بإذني، وأعلمه أني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة، وقيل: أجب ربك فإنه واسع المغفرة وقد أمهلك منذ أربع مائة سنة أنت مبارز فيها بالعداوة وتصد عن عبادته وهو يمطر عليك السماء وينبت لك الأرض ولم تسقم قط ولم تهرم، ولو شاء لفعل بك ذلك ولكنه ذو أناة وحلم، وجاهده بنفسك وأخيك (١) محتسبين صابرين فإني لو شئت أن أؤيدكما بجنود لا قبل لهم بها وسلطان لا قوام لهم به لفعلت، ولكني أزوي ذلك عنهما وكذلك أفعل بأوليائي، وإني لأزوي عنهم نعم الدنيا وملكها ولذاتها كما يزوي الراعي المشفق إبله عن مراتع الهلكة، وأجنبهم نعيمها ورخاءها كما يجنب الراعي المشفق إبله عن مراتع الغرة، وما ذلك من هوانهم علي ولكن ليستوجبوا به نعيم الآخرة. واعلم يا موسى أنه لم يتزين المتزينون عندي بزينة أحب إلى من الزهد في الدنيا, ولم يتقرب المتقربون إلى بشيء أحب إلى من الورع عما حرمت عليهم، ولم يدرك العباد فضل الباكين من خشيتي. أما الزاهدون في الدنيا فإني أمنحهم الجنة، وأما الورعون فإني أرفع

стр. 1186

الحساب عنهم، وأما الباكون من خشيتي (١) فهم في الرفيق الأعلى من الجنة لا يشاركون فيها ولا يلحقهم أحد (٢). ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ والنعل ما يقي كف القدمين من الأذى وكانت نعلاه غير مدبوغتين من جلد حمار ميت (٣) ﴿طُوًى﴾ فعل وهو معدول من طاوى (٤) أو مطوي، طوى الله له الأرض بلطفه حتى قطع المسافة البعيدة مطوية أو قدَّره على سرعة السير فقطعها (٥) في لحظة كأنه طوى الأرض بقدميه طيًا. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ لوقتها الذي يذكرنا الله فيه من بعد نسياننا إياها، وقيل: أراد بالذكر التسبيح والتهليل في الصلاة. ﴿لِتُجْزَى﴾ متعلق بـ (آتية) (٦). ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ أي عن الصلاة ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلك، وهو في النصب لأن جواب (٧) النهي بالفاء (٨).

стр. 1187

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ فائدة تقرير الحالة لتفخيم الإحالة. ﴿أَتَوَكَّأُ﴾ أتكي ﴿وَأَهُشُّ بِهَا﴾ أخبط الشجر ليتناثر ورقها ﴿مَآرِبُ﴾ حوائج، وإنما ذكر منافع العصا ليكون به مؤتمرًا غاية الائتمار أو شاكرًا. ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ نقلبها في هذه الساعة عصًا كما كانت، وقيل: نقلبها حية عند فرعون كما كانت في هذه الليلة. ﴿وَاضْمُمْ﴾ واجمع ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص وبهق. ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ إنما ابتدأ موسى بهذا السؤال لما كان يعرف من حدته ويعلم أنه لا يتم أمرًا إلا بالحلم والصبر. ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ لعلمه أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. وقد مضى سبب العقدة، وقد استجاب الله دعوته وحل من عقدته مقدار ما نفعه قوله من غير كلف وأبقى شيئًا للالتباس على الناس، فلذلك قال فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] وقيل: بل حل الله تلك العقدة ولم يبق منها أثر وكان فرعون كاذبًا بقوله (١) ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾. ﴿وَزِيرًا﴾ ظهيرًا، والتقدير في الآيتين: واجعل لي بعضًا من أهلي هارون أخي وزيرًا. ﴿أَزْرِي﴾ ظهري (٢). ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ تعليل لتيسير الأمر ووزارة هارُون جميعًا. ﴿سُؤْلَكَ﴾ مسألتك وحاجتك.

стр. 1188

﴿إِذْ أَوْحَيْنَا﴾ ألهمنا ﴿إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ كلامًا حقًا صدقًا عدلًا. ﴿اقْذِفِيهِ﴾ ارميه ﴿الْيَمِّ﴾ البحر الذي يقال له أساف (١) وفيه غرق فرعون ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ يعني فرعون لعنه الله ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ صنعة الإنسان تربيته، تقول لمن رباك وأحسن إليك: أنا صنيعك وصنيعتك ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ بمرأى وحسن نظر مني. ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ وكانت أخت موسى تدخل دار فرعون لخدمة نسائه، فلما ألقاه في اليم بالساحل من دار فرعون بعثتها أمها لتأتيها بالخبر فوجدته في حجر امرأة يطلبون له ظئرًا فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ وذلك بعد أن أسلموه إلى المرضعات فما ارتضع، يقول الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢]، ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ أي ابتليناك ابتلاء، وذلك حين ورد ماء مدين جائعًا تابعًا وجاءته إحدى ابنتي شعيب واستأجره شعيب (٢) على الشرائط المذكورة ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ مقدار مقدّر عندنا ووقت موقت لم تخالفه ولم يخالفك. ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ اختصصتك ﴿لِنَفْسِي﴾ أي لمعرفتي (٣) وروح مناجاتي وخواص أمري. ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ ولا تضعفا ولا تفترا. وفائدة الأمر بالقول اللين يعدهما بتوخى رشد فرعون واستمالته، والثاني قطع أعذار فرعون من كل وجه. ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ (٤) أي يجهل علينا بالبغي والبدار إلى العقوبة.

стр. 1189

﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ هذا فرار من فرعون إلى ما يتشاغل به عن التوحيد، وهذه سنة المعرضين عن التوحيد إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم، فلما علم موسى أن الخبيث متشاغل عن التوحيد أجمل جوابه وردَّه إلى التوحيد الذي فرّ منه ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾. ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ أجناسًا من ضروب مختلفة، فكل ضرب متجانس في نفسه مضاد (١) لغيره. وقيل: أراد المتشابهات في الطعم المختلفات في الصورة ﴿شَتَّى﴾ فَعْلى (٢) من شت، وهذا الإشتات، وتشتت الأمر: تفرقه وانفساخ تأليفه. ﴿النُّهَى﴾ جمع نهية وهو العقل ينهى النفس عما لا يليق بها. ﴿تَارَةً﴾ مرة ﴿كُلَّهَا﴾ أي كل ما كان مع موسى ﴿سُوًى﴾ صفة المكان ومعناه التساوي والتعادل. ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يوم عيد كانوا يتخذونه ويتحلون فيه بزينتهم (٣) ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ في محل الخفض عطفًا على الزينة. ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ أعرض عن موسى ﵇ (٤) ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ بعد ذلك وهو بروزه للعامة يوم الزينة. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ يهلككم، ونظم الآي على طريقة مستحسنة غاية للبلاغة وآية للفصاحة، وهي رد آخر الكلام على أوله، وإنما قال لتقديم الدعوة والإنذار مرة بعد أخرى. ﴿فَتَنَازَعُوا﴾ قال الضحاك: تنازعوا في سحرهم كيف ينبذونه وكيف

стр. 1190

يظهرونه وتناجوا في ذلك، ﴿الْمُثْلَى﴾ ما بين الأمثل وهو الأحسن ﴿صَفًّا﴾ نصب على الحال أي (١) مصطفين (٢) ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾ استولى. ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ بظهر الخيال، والخيال: كيفية باطلة تتولد من الرائي والمرئي بعلل مختلفة، والأخيل: طائر يتلون بألوان مختلفة يتشاءم به العرب. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ لأن طبيعة الإنسان مجبولة على قلة احتمال مشاهدة الأشياء الهائلة وإن كان موقنًا ببطلانها، والدليل على ذلك أن الإنسان يستأنس بالصورة المنقوشة في الجدار إن كانت صورة المتصدرين في الغياض والمتماشين (٣) في الرياض، ويستوحش إن كانت صور القتلى (٤) والغرقى والحيّات والعقارب. ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ (٥) [إنما اتهمه فرعون نفسه وحقًا على أهل مصر، وإنما اجترأ بالتهديد على السحرة دون موسى لأنه أيقن بتمويهات السحرة أمرهم وتأثيرهم فلم يخف من جانبهم، وأما موسى ﵇ (٦) فكان لا يدرك مدى أمره فلذلك كان يحذره، ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي عليها. ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ قسم، ويجوز أن يكون معطوفًا على المجرور من غير تكرار (٧) والجار ﴿مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ في محل نصب، أي قاضٍ قضاك.

стр. 1191

﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ﴾ إنما وصفوا فرعون بالإكراه لأنهم كانوا مستيقنين بأن فرعون لا يخلي من لم يتسارع إلى هواه سالمًا، وقيل: كان يكلف الغلمان أن يتعلموا السحر ويسلط عليهم المعلمين، فكان ابتداء أمرهم على الإكراه، ويحتمل أنهم نفوا عنه الإكراه، وأن تقدير الآية: (إن تغفر لنا خطايانا من السحر ولم تكرهنا عليه) فإن كان كذلك فلم يريدوا بذلك تزكية ولكنهم أرادوا تحقيق الاعتراف بما أوحيت من الاستغفار، وكيف ما كان تقدير الآية وتفسيرها ففيها دلالة على انتهاء أعمالهم لم يكن على سبيل الإكراه. ﴿مُجْرِمًا﴾ بالكفر بدليل الآية التي تليها على سبيل الإطباق، وإنما علموا هذا العلم لما كانوا سمعوه من موسى وهارون ﵈، أو لما كان بقي منهم من يعقوب ويوسف والأسباط ﵈. قوله: ﴿مُؤْمِنًا﴾ مطابق لقوله ﴿مُجْرِمًا﴾، وفي قوله ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ فائدتان: التمييز بين العمل والإيمان؛ لأنه لو كان العمل إيمانًا لكان تقديره: ومن يأته مؤمنًا قد آمن، والثانية: تنبيه عن المصلحين وعن المؤمنين بالسكوت عنهم، وذلك إشارة إلى خلود أو إلى جزاء مضمر أي ذلك الجزاء من تزكى] (١). عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر وأبو بكر بن أبي قحافة والدليل الذي معهما حتى هجموا على رجل من العرب وامرأة لهما عنز ليس لهما غيرها، قال الرجل لامرأته: ألا نذبح هذه العنز لهؤلاء النفر وإني أرى قومًا لهم حق فقام فذبحها، فلما قاموا من قومهم أطعمهم

стр. 1192

فقال رسول الله (١): "إذا سمعت برجل قد ظهر بيثرب فأته لعل الله يرزقك منه خيرًا" فلما سمع الرجل خروجه بيثرب قال: والله لأراه صاحبنا، فاحتمل امرأته فأتاه، فلما صلَّى رسول الله (١) العصر نظر في وجوه الغرباء فمن كان له حاجة قضاها له، فقام إليه الرجل فقال: أتعرفني يا محمَّد؟ قال: "نعم" قال: عدتك، قال: "أحتكم ثمانين ضائبة" فأعطاهن إياه ثم قال: "أما إن عجوز بني إسرائيل كانت أحكم منك (٢) عتيدة". قال الكلبي: قصة هذه العجوز وهي سارح بنت أشترقفا بنيعقوب إنما كانت راب بن دفن (٣) عمها يوسف ﵇ (٤). فلما أراد موسى ﵇ (٤) الخروج من مصر توقف بنو إسرائيل وتحيروا في أمرهم وتذكروا وصية يوسف أن يخرجوا بعظامه متى خرجوا فضمن موسى ﵇ لمن يدله على قبره حكمه، فدلته هذه العجوز واحتكمت على موسى ﵇ مرافقته في الجنة، فضمن لها موسى بإذن الله تعالى (٥). ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ بيّن لهم بضرب العصا ﴿يَبَسًا﴾ يابسًا. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ الآية إن كانت ترتب قصص

стр. 1193

موسى ﵇ (١) على ما قدمناه في سورة "البقرة" عند قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] فالخطاب هنا متوجه إلى اليهود في عصر نبينا ﵇ أو أراد بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ قضينا وقدرنا تنزيلهما عليكم أو سننزلها عليكم فيما بعد. ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ هلك وانحط عن درجة السعادة. ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ رسخ في العلم، قال الضحاك ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾: استقام (٢)، وعن سعيد بن جبير أنه السنة والجماعة (٣). ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ إن كان الخطاب متوجهًا إلى قوم موسى ﵇ (٤) في عصره فوجه العطف والوصل ظاهر، وإن كان متوجهًا إلى اليهود في عصر نبينا ﵇ (١) فالتقدير: وقلنا يوم الميعاد ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ وفائدة الاشتباه في مثل هذا الابتلاء. ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ﴾ أي إلى ميعادك. ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ يعني الفتنة التي أثنى بها موسى على الله حيث قال: إن هي فتنتك ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ دعاؤه إلى الصلاة بخذلان الله تعالى، والسامري لقب واسمه موسى بن ظفر (٥) وأنه لم يكن من بني إسرائيل ولكنه كان جارًا لهم، وأصله من باجرما وهي قرية بالعراق. وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٦) أن السامري كان من جملة صبيان غيبهم الآباء والأمهات مخافة أن يذبحهم فرعون فربتهم الملائكة وكان جبريل هو

стр. 1194

الذي تولى تربية السامري فكان يمصُّ إبهام يمينه سمنًا والأخرى عسلًا ولبنًا فمن ثم عرفه حين رآه فقص قصة من أثره. ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ يجوز أن يكون قول عبدة العجل ويجوز أن يكون كلامًا تعقب كلامهم من جهة الله تعالى، أي فكما نخبرك ألقى السامري قبضته ﴿فَنَسِيَ﴾ عن ابن عباس: نسي السامري، والمراد به كفر (١). وقال الكلبي: نسي موسى ﵇ (٢) على زعمهم زعموا أنه ضل طريق الميقات وأخذ طريقًا آخر نجاهم إلهه من غير طريقة (٣). ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ كلام مبتدأ من جهة الله تعالى، وفي فحواه دلالة أن داعي الله يجاب لا محالة، إما بقضاء الحاجة أو ما هو خير منه. ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ وفاندة الفتنة العظيمة تفرد هارون ﵇ بالدعوة وبكونه حجة علي بني إسرائيل وكونهم محجوجين في مقابلته وجره على سبيل إطلاقه ولا يبالي الله تعالى أن يهلك نحلة لتتشبع قملة أو نملة فكيف يفتنه قوم من الأشقياء إلا كرام بني الأنبياء (٤). قوله ﴿لَا مِسَاسَ﴾ عقوبته الدنياوية (٥) يحتمل أنها كانت على سبيل الإلجاء، على سبيل الهذيان، ويحتمل أنها كانت على سبيل التكليف والتعبد وقيل: إن ولد السامري بالشام لا يخالطون أحدًا ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ (٦)﴾ يعني الموت أو القيامة وهو الوعيد العقباوي فيه نوع من الإرجاء لكونه مبهمًا ﴿ظَلْتَ﴾ أي ظللت وهو تخفيف غير قياسي مثاله:

стр. 1195

حللت في بني فلان وحلت، وهممت بفلان وهمت (١)، وأحسنت فلانًا وحسنت ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بالنار، والنار تحرق الشيء المنطبع بتكرار اتقادها عليه ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ لنُذَرَّيَنَّهُ. ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي في العذاب أو في وبال وزنهم ﴿حِمْلًا﴾ اسم لما يحمل. ﴿زُرْقًا﴾ اسم أزرق، والأزرق الذي في عينيه خضرة كهيئته قيل: أراد به قبح المنظر، وقيل: حدة النظر، وقيل: العمى، وقيل: شدة العطش، فإن العطشان تزرقّ عيناه من شدة العطش وحرارة الصدر. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ بالبرزخ ﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ يعني عشر دقائق من ساعة (٢) يذكرونها كدقيقة معاينة الباس ودقيقة قول أحدهم ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] ودقيقة نزع الروح، وثلاث دقائق لسؤالات منكر ونكير عن الربوبية وعن النبوة وعن الدين، ودقيقة تقريع منكر ونكير، وثلاث دقائق لنفخات الصور فهذه عشر دقائق يذكرونها فيظنون أنها من ساعة واحدة، ويحتمل أنهم يذكرون دقائق أخرى سوى هذه العشر شاءها الله وقضاها، ثم يشكون في قولهم لمكان الهمدة فيقسمون على ساعة كاملة أنهم ما لبثوا غيرها، وقيل: المراد بالعشر عشر ساعات، وقيل: عشر ليال، وقيل: عشر سنين، والعشر بين هذه الأقاويل وبين قوله: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] من حيث إنهم متحيرون مترددون يومئذ لا ثبات على قول، كما أنهم يجحدون مرة ويعترفون أخرى وينطقون مرة ويخرسون أخرى. ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أحسنهم مذهبًا عندهم فيما يظنون، وقيل: إن كان المراد بالعشر ما فوق اليوم فمعناه أقربهم مذهبًا عندهم إلى قوله ﴿الَّذِينَ
следующие страницы →