← Тафсир

Тафсир · id 122173

درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الحكمة

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ [ص: ٤٢] ففعل ففجرت له عين فاغتسل منها فَصَحَّ جسده، ثم قيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾ ففعل ففجرت له عين فشرب فالتأم ما في جوفه وبرئ قدمه (١). قوله: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ يقول: برأنا ما به من وجع شديد في جسده ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ فكانت امرأته ولدت له سبع بنين وسبع بنات فنشروا له ما كانوا قد ماتوا في ذلك النبلاء ومثلهم معهم، فـ (ضعفهم معهم) ولدت امرأته سبع بنين وسبع بنات (٢) ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي عظة للمتقين، وهذه الرجعة ليست بأعجب من رجعة عزير وعاميل (٣) والسبعين والألوف. وعن أبي حذيفة ﵁ قال: رد الله على أيوب أهله وولده من صلبه (٤) ومثل أمور ولده. و (ذو الكفل) نبي من بني إسرائيل بعثه الله تعالى إلى ملك يقال له كنعان فدعاه إلى الإيمان وكفل له بالجنة وكتب له معه كتاب ذكر حق على الله، وآمن الملك وأوصى بأنْ يدرج ذلك الكتاب معه في طي أكفانه، ففعلوا ودفنوا الملك فرد الكتاب إلى ذي الكفل، وقيل له: إن الله يُقرئك السلام وقد وفي للملك ما كتب في ذمتك. وذكر الكلبي أنَّ إلياس ﵇ (٥) كان (٦) في أربعمائة من الأنبياء فقتل الملك منهم ثلثمائة نبي فكفل ذو الكفل في مائة نبي فكفلهم وخبأهم عنده

стр. 1227

يطعمهم ويسقيهم حتى خرجوا من عنده، فسمي "ذو الكفل" لكفالته طعامهم وشرابهم حتى أفلتوا. وذكر الحدادي: أن اسم ذي الكفل عايوذا وكان نبيًا عند الحسن ورجلًا صالحًا كفل لنبي عبادته عند قتادة (١). وذا النون قال النبي ﵇: "لما بدا ليونس ﵇ أن يدعو الله بالكلمات حين نادى وهو في بطن الحوت فقال: اللهم ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فأقبلت الدعوة تحت العرش فقال (٢) الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف من مكان غريب فقال: ما تعرفون ذلك عبدي يونس الذي لم يزل يرفع عملًا متقبلًا ودعوة مجابة قالوا: يا رب أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه مِنَ النبلاء؟! فأمرت الحوت فطرحته بالعراء" (٣). وعن سعد قال: قال النبي ﵇ (٤): "من دعا بدعاء يونس استجيب له" قال: يريد: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ (٥) عن ابن عباس قال: بعث عيسى ﵇ (٤) يحيى بن زكريا ﵇ (٤) في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس، فكان فيما يعلمونهم أن ينهوهم عن نكاح بنت (٦) الأخت، وكان لملكهم (٧) ابنة أخت تعجبه وكان يريد أن يتزوجها وكان لها كل يوم

стр. 1228

حاجة تقضيها، فلما بلغ ذلك أمها أنهم نهوا عن نكاح ابنة الأخت وقالت لها: إذا دخلت على الملك فقال: لك حاجة؟ فقولي: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا [فلما دخلت عليه فسألها حاجتها فقالت: حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا] (١). فقال: سليني سوى هذا، قالت: ما أسألك إلا هذا، فلما أبت عليه دعا بطشت ودعا به فذبحه، فذرت قطرة من دمه على الأرض فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم فألقى في نفسه أن يقتل على ذلك منهم حتى يسكن، فقتل عليه منهم سبعين ألفًا. وعن شهر بن حوشب قال: لما قتله رفع رأسه فجعلته في طشت من ذهب فأهدته إلى أمها، فجعل الرأس يتكلم في الطشت أنها لا تحل له ولا يحل لها ثلاث مرات، فلما رأت الرأس قالت: اليوم قرت عيني وأمنت على ملكي، فلبست درعًا من حرير وخمارًا من حرير وملحفة من حرير (٢) ثم صعدت قصرًا لها، وكانت لها كلاب تضربها بلحوم الناس فجعلت تمشي على قصرها فبعث الله تعالى عليها ريحًا عاصفًا فلفها في ثيابها فألقتها إلى كلابها فجعلن ينهشنها وهي تنظر، وكان آخر ما أكلن منها عينها (٣). ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ عورتها ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ قيل: إن جبريل ﵇ (٤) نفخ في جيبها (٥)، وقيل: في كمها، وقيل: في ذيلها، وفي "التحريم": ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ [التحريم: ١٢] هاهنا راجع إلى العورة وهناك إلى لفظ الفرج، وقيل: التأنيث راجع إلى الولادة والتذكير إلى الولد.

стр. 1229

﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً﴾ وهما اثنان لأن كرامة مريم كانت معجزة ولدها كقوله: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]. والقول مضمر في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني قوم عيسى ﵇. ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قيل: إن الله تعالى لما رفع عيسى ابن مريم ﵇، وزعمت اليهود أنهم قتلوه وصلبوه وشك فيه كثير ممن اتبعه إلا نفر من الحواريين وأربعة من تلامذته والخمسة النفر ويهود ابن يعقوب، فإنهم لم يشكوا أن الله تعالى رفعه، وكان ﵇ (١) قد أوصى إلى تلامذته أن يخرجوا دعاة إلى الله تعالى وسمى لكل رجل بلدة وقال: إذا أتى الرجل منكم (٢) البلدة التي سميت له (٣) فليقل: إني رسول المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، أدعوكم إلى توحيد الله وعبادته، وأن آية كل رجل منكم أن ينطق الله لسانه بلغة القوم الذين أرسل إليهم، فلما رفعه الله إليه خرج كل رجل إلى البلدة التي سُميت له داعيًا إلى توحيد الله وعبادته، وأقام بقية الحواريين والتلامذة على منهاج عيسى ﵇ وشريعته حتى مات خيارهم من أولئك الرسل وغيرهم من الحواريين والتلامذة ومات أهل الدين والورع منهم، وبقي أتباع الحواريين وتلامذة التلامذة فاختلفوا وتنازعوا الرئاسة فيما بينهم وابتدع كل رجل منهم بدعة ضلال فضلوا وأضلوا. (كفران السعي) تركه بلا ثواب، كما أن كفران النعمة تركها بلا ثناء ﴿أَنَّهُمْ﴾ إلينا (٤) ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ كالترجمة للتحريم إذا التحريم في معنى القول كقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]

стр. 1230

والتحريم قد يكون تحريم إلجاء، وقد يكون تحريم ابتلاء، والرجوع قد يكون توبة كقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨] وقد يكون موتًا كقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] وقد يكون رجعة إلى الدنيا كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. فإن كان تحريم إلجاء فجائز مع رجوع التوبة كانوا محرومين مخذولين عن التوفيق للتوبة [ومجازة مع رجوع الموت كان حرامًا عليهم في قضائنا وتقديرنا أن يخلدوا ولا يموتوا كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا] (١) تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] ومجازه مع الرجوع إلى الدنيا كان (٢) حرامًا على القوى التي أهلكناها أن لا يرجعوا إلى الدنيا [كان حرامًا على القرى التي أهلكنا أن لا يرجعوا إلى الدنيا] (٣) أي سيرجعون وهذا باطل لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] الآية، والثاني: أن يكون ترجمة للتحريم، أما التحريم في معنى القول أي تحريمنا عليهم هو أنهم لا يرجعون إلى الدنيا، وإن كان تحريم ابتلاء مجازه مع تحريم رجوع التوبة. كان حرامًا على القرى التي أهلكناها أن يضروا ولا يتوبوا، ومع رجوع الموت لم يمنعني الكلام إلى الدنيا لم يمنعني الكلام أيضًا. ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ يعني ردمهم. عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله (٤) من نوم مخمرًا وجهه وهو يقول: "لا إله إلا الله -يرددها ثلاث مرات- ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" (٥) وعقد عشرًا، قالت زينب: قلت: يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" (٦) ويحمل الفتح والظفر بغنائمهم وأموالهم إذا هلكوا كقولنا: فتحنا الهند

стр. 1231

والسند وسنفتح قسطنطينية بإذن الله (١) ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ مرتفع من الأرض (٢) ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يخرجون. ﴿فَإِذَا هِيَ﴾ كناية عن الأبصار، في محل الرفع بالابتداء، وخبرها ﴿شَاخِصَةٌ﴾ أبصار الذين كفروا بيان لها كقوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦]، وقيل: عائدة إلى الحالة والخصلة. ﴿حَصَبُ﴾ ما يرمى، نقول: حصبته (٣) بكذا، قال قتادة: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ حطب جهنم (٤)، وقال: هو بالحبشة. ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ يعني الشياطين والأصنام، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] مخصصة لما قبلها، وقيل: رد على المحتج بعمومها، وقيل: ناقلة للعموم عن المجاز إلى الحقيقة. وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ (٥) أتى قريشًا وهم في المسجد مجتمعون وثلثمائة وستون صنمًا مصفوفة في الحجر كل قوم بحيالهم فقال: "إنكم وما تعبدون من دون الله من هذه الأصنام في النار" ثم انصرف عنهم، فشقَّ ذلك عليهم مشقة شديدة وأتاهم عبد الله بن الزِّبَعْري السهمي وكان شاعرًا فقال: ما لي أراكم بحال لم أركم عليها قبل؟ فقالوا: إن محمدًا يزعم أنَّا وما نعبد في النار، فقال: أنا والذي جعلها بيته أن لو كنت هاهنا لخاصمته، قالوا: فهل لك أن نرسل إليه؟ فبعثوا إليه فأتاهم، فقال له عبد الله بن الزِّبَعري: أرأيت يا محمَّد ما قلت لقومك آنفًا خاص أم عام؟

стр. 1232

قال: "بل عام لمن عبد من دون الله فهو وما يعبد في النار"، قال: أرأيت عيسى ابن مريم هذه النصارى تعبده، فعيسى والنصارى في النار، وهذا عزير يعبده اليهود فعزير واليهود في النار، وهذا حي من العرب يقال لهم بنو مُليح يعبدون الملائكة فالملائكة وهي في النار، وما آلهتنا خير من هؤلاء، قال: فسكت ولم يجبهم، قال ابن الزِّبَعْرِي: خصمتك ورب الكعبة. وضج أصحابه وضحكوا فقال الحارث بن قيس: حسبك يا محمَّد أي والذي جعلها بيته، فنزل قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٧، ٥٨] يقول: هم أجدل قوم بالباطل ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨] بالباطل. ونزل في عيسى وعزير والملائكة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ فقالوا: فهلا قلت هذا إذ سألناك ولكنك تذكرت إذ خلوت. ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الموت لأنهم مستعدون له والدنيا سجنهم، وقال الكلبي: الإطباق على النار بعد خروج المؤمنين منها وذبح الموت بين الجنة والنار في صورة كبش أملح. ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ ندرجها ﴿السِّجِلِّ﴾ الصك يطوى، وقيل: السجل أوراق الكاتب، وعن أبي الجوزاء قال: السجل كاتب للنبي ﵇ (١).

стр. 1233

وذكر أبو عبيد الهروي أنه اسم ملك من الملائكة (١). وعن ابن عباس قال: قام رسول الله ﷺ (٢) بالموعظة فقال: "أيها الناس إنكم محشورون إلى الله تعالى عراة غرلًا" ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية، قال: "أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وأنه سيؤتى برجال من أمتي ويؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧] فيقال: هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" (٣). وعن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾ الجنة ﴿فِي الزَّبُورِ﴾ زبور داود ﵇ (٤) (٥) ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ التسبيح والتهليل والوعظ، ويحتمل أن المراد بالذكر التوراة، وبالزبور كتاب داود، ويحتمل أن المراد بالذكر اللوح المحفوظ والزبور كتاب يعلمه الله. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ كونه رحمة لنا شيء لا يخفى، ولكفار قريش فمن حيث قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ولأهل الذمة فإيجابه حمايتهم والذب عنهم ولأهل العرب وأئمة الضلال فمن حيث تحقيقه عنهم يمحو لنفسهم السيئة لولا هؤلاء (٦)، ودعوته (٧) تتضاعف عليهم (٨) أوزارهم بإضلالهم الناس كافة.

стр. 1234

﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أخبرتكم بخبر يقع لكم به علم إن تفكرتم ثم وقع به علمي وعلم من آمن بي ﴿أَقَرِيبٌ﴾ أقرب ما يتصور أو نعبد دونه لعلمه الضمير عائد إلى كتمان الموعود وتأخيره. أراد بقوله: ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ استنجاز الوعد كقوله: ﴿وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] وقوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] عن أبيّ، عنه ﵇ (١): "من قرأ سُورَةُ الأنبياء حاسبه الله حسابًا يسيرًا وصافحه وسلَّم عليه كل نبي اسمه فيها" (٢). ...

стр. 1235

سُورَةُ الحَجِ مكية (١)، وعن عطاء: إلا ثلاث آيات نزلن في ثلاثة من المؤمنين: حمزة وعلي وعبيدة، وثلاثة من الكافرين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة من قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩] وعن ابن المبارك الآيات قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] (٢) وعن الحسن وهمام وعن قتادة والمعدل أنها مدنية إلا أن بعضها نزل في السفر، وقيل: بين مكة والمدينة (٣)، وهي ستة وسبعون آية في عدد أهل الحجاز (٤). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: بينما نحن نسير

стр. 1236

مع رسول الله في بعض المسير إذ نزلت عليه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ فتفاجَّت ناقة رسول الله ﵇ (١) من ثقلها، فنادى بها رسول الله (٢) ثلاث مرات ثم قال: "يا أيها الناس أتدرون أي يوم ذلك؟ " فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، ويسكر فيه الكبير من غير شراب، وتضع الحوامل ما في بطونها، وينادي مناد: يا آدم أبعث بعثًا من ذريتك إلى النار، فيقول آدم: من كل كم كم؟ فيقال: من كل ألف تسعماية وتسعة وتسعين (٣) إلى النار وواحد إلى الجنة". قال: فشقَّ ذلك على أصحابه مشقة شديدة وحزنوا له، فلما نزلوا راحوا إلى النبي ﵇ (٤) كأنما على رؤوسهم الطير من هول ما سمعوا في مسيرهم فقالوا: يا رسول الله ما نزل فيما مضى أشد مما نزل عليك في مسيرك هذا، فلما رأى رسول الله مشقة ذلك عليهم قال: "أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، ثم قال: "أيسرُّكم أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ " قالوا: نعم يا رسول الله، فقال لهم: "إني لأرجو أن تكونوا أكثر من شطر أهل الجنة، إن معكم أمتين لا تكونان مع قوم إلا كثرتاهم يأجوج ومأجوج سوى من أهلك الله قبلهم وسوى من هو مهلك بعدهم"، ثم قال: "بينا أنا بين النائم واليقظان إذ عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي يأتي في الواحد من قومه -وهو ياسين- ورأيت النبي يأتي في الأربعة من قومه، ورأيت النبي يجيء في أقل من ذلك وأكثر، حتى رأيت أمة أعجبتني فقلت: أي رب أمتي هذه؟ فقيل لي: هذه أمة [عيسى ابن مريم، ثم رأيت أمة أعجبني كثرتها فقلت: أي ربي أمتي هذه؟ فقيل لي: هذه] (٥) أمة موسى، ثم رأيت أمة أعجبتني كثرتها فقلت: أي رب أمتي هذه؟ فقيل

стр. 1237

لي: هذه أمة يونس بن متى، ثم قيل لي: انظر، فنظرت قبل مكة فإذا سواد كثير، ثم قيل لي: انظر، فنظرت قبل العراق فإذا هو سواد كثير، ثم قيل لي: انظر، فنظرت تحتي فإذا شيء ينتعش كثرةً فقيل لي: هؤلاء أمتك وسبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب". قال: فقام عكاشة بن محصن الأسدي أحد بني غنم بن دودان فقال: يا رسول ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا له رسول الله، ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني الله منهم، قال: "سبقك بها عكاشة". قال جابر بن عبد الله الأنصاري: فظننا أن الأنصاري كان منافقًا فقالوا: لولا ذلك لم يسأله أحد إلا قال: نعم. ثم دخل رسول الله والمسلمون يخوضون في السبعين الألف فقال بعضهم: هؤلاء قوم أدركوا النبي ﵇ (١) وآمنوا به وجاهدوا معه، وقال بعضهم: هؤلاء قوم ولدوا في الإسلام وماتوا عليه، وقال بعضهم: هؤلاء قوم آمنوا به ولم يروه، قال: فأكثرنا في ذلك فخرج إلينا رسول الله (٢) ونحن نخوض في ذلك، قال: "ما قلتم في هؤلاء السبعين الألف؟ " قالوا: يا رسول الله، قال بعضنا كذا وبعضنا كذا؟ فقصوا عليه القصة فقال رسول الله ﷺ (٣): "بل هم قوم لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" (٤). فيه بيان نزول الآية أنها نزلت يومئذ وهكذا الحسن عن عمران (٥) بن

стр. 1238

حصين وعن (١) علقمة قال: إن الزلزلة قبل الساعة (٢)، وهو الاضطراب الشديد وأصله من الزلل. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ أراد التحيل والحسبان (٣) ﴿تَذْهَلُ﴾ تسلى عما لا يتسلى عنه، و (العمل) بالفتح: ما اتصل من الثمار، و (العمل) بالكسر: ما أحمل من الأوزار (٤). ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ قال ابن عباس أن النضر بن الحارث بن كلدة يقول: ما يأتيكم محمَّد إلا بمثل ما كنت آتيكم به (٥)، فنزلت. فتقديرها من يجادل في آيات الله وفي كتابه إن كنتم في ريب من جواز البعث وإمكانه لنبين لكم أن البعث جائز ممكن متصور غير مستحيل، وقد وجب لاتصاله بوعد الله، وفي الآية دليل أن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري كالمشاهدة. ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ مصورة وغير مصورة (٦)، وقيل: مصورة خلقًا بعد خلق، وغير المخلقة ما لم يكن ترابًا ولا نطفة، وعن عامر الشعبي عن عبد الله قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال: أي رب أمخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة، قال: أي رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ وما الأثر؟ وما الرزق؟ وبأي أرض تموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال للملك: اذهب

стр. 1239

إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها وتطأ أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان. ثم تلا عامر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلقة قذفتها الرحم دمًا وان كانت مخلقة تكست دمًا نسمة (١). وعن أبي سعيد الخدري قال: بلغ رسول الله ﷺ (٢) أن اليهود يقولون أن العزل هو الموؤودة الصغرى، فقال: "كذبت يهود" وقال: "لو أقضيت لم يكن إلا بقدر" وقال: "لا يكون موؤودة حتى تمر بالتارات السبع" ثم تلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] (٣) الآية (٤) وقدروا واو الاستئناف ﴿طِفْلًا﴾ أي أطفالًا (٥) ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ اللام لمضمر أي ثم يحاسبكم ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ أي ثم يبقيكم لتبلغوا ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ حالة الخوف (٦) ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ﴾ الواو لعطف الجملة وهي تدل على جواز البعث ﴿هَامِدَةً﴾ جامدة خامدة ﴿بَهِيجٍ﴾ اسم من البهجة وهي الطراوة والنضارة (٧). ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ أي ثانيًا عطفه، و (الثني) بالفتح: العطف، و (عطفا

стр. 1240

الإنسان) جانباه، يقال: ثنى فلان عطفه وثنى جبينه وصعّر ولوى عنقه: إذا تكبَّر. وعن ابن عباس في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: نزل في بني الخلاف من بني أسد بن خزيمة والخلاف هو الحارث بن سعد منهم: سوادة بن الحارث، ومرة بن الحارث، وحنة بن الحارث، ومالك بن الحارث من بني سعد بن ثعلبة، أصابتهم سنة شديدة فأجدبوا فيها وقحطوا فاحتملوا بالعيال حتى قدموا على رسول الله ﷺ (١) ثم جعلوا يغدون على رسول الله ﷺ (٢) ويروحون، فأغلوا الأسعار وأفسدوا طرق المدينة وجعلوا يمنون على رسول الله ﷺ (٣) بإسلامهم فيقولون: أتتك العرب بأنفسها فآمنت ونحن أتيناك بالأنفس والذراري والأثقال فأعطنا، فإن أعطوا من الصدقة وولدت نساؤهم الغلمان وأنجبت خيلهم المهور قالوا: نعم الدّين هذا ما رأينا منذ دخلنا فيه إلا ما نُسرّ به، وإن لم يعطوا من الصدقة ما يرضيهم وولدت نساؤهم الجواري وأزلفت خيولهم وسقمت أجسامهم قالوا: بئس الدين هذا ما رأينا منذ دخلنا فيه ما نُسرّ به فأنزل (٤). ﴿حَرْفٍ﴾ جهة. وفي الحديث أن اليهود يأتون النساء على حرف واحد (٥)، ومنه قوله ﵇: "أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف" (٦). ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ﴾ ضر الأصنام أقرب من نفعها لأن الله تعالى خلقها سباباَ للمنافع، و (العشير): الخليط من المعاشرة.

стр. 1241

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ (١)﴾ اتصالها من حيث اعتبار فرية داعي الله على داعي الأصنام. قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصره الله يرزقه فليأخذ حَبْلًا يربطه في سماء (٢) بيته فليختف به فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق (٣)، وهذا تأويل ممكن لأن النصر قد يكون بمعنى إيصال المنفعة. ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ (٤) ثم ليهلك والاستراحة من ضنك المعيشة مما يغيظ. وذكر الكلبي أنها نزلت في المنافقين الذين يظنون أن الله لا ينظر رسول الله (٥) في الدنيا والآخرة وذلك تأويل (٦) ممكن؛ لأنهم كانوا يتغيظون على رسول الله وعلى أنفسهم ويتأسفون على إيمانهم به لما يرون منِ الفقر والمصائب، ويحتمل أنها كقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ٣٥] حقيقة وفيها الرزق ان استطاع ثم ليقطع ذلك إن استطاع فلينظر هل ينفعه أحدها. ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ (٧): عبدة النيران، واحدهم (٨) مجوسي، وهم الذين ينكحون الأمهات والأخوات، نسبوا إلى رئيس لهم يسمى موكوش (٩) فغيرته العرب فجعلته مجوس. وعن ابن عباس قال: في سجود "الحج" الأولى عزمة والأخرى تعليم (١٠).

стр. 1242

عن. قيس بن عباد قال: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ هم (١) الذين تبارزوا يوم بدر (٢). ﴿يُصْهَرُ﴾ يُذَاب. ﴿مَقَامِعُ﴾ واحدها مقمعة وهي كالهوادة العظيمة تسمى حزرًا، وقيل: مشتق من قولهم قمعته فانقمع أي أذللته فذل. ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾: ما يحجر من القطر في جوف الصدف في البحر سمي لتلألؤه وبراقته، ويسمى الكبار دون الصغار مرجانًا ﴿حَرِيرٌ﴾ ما رق من ثياب الإبريسم. ﴿وَهُدُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الكلمة الطيبة لا إله إلا الله ﴿صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ الإسلام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عن ابن عباس: أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه منعوا رسول الله الحج والمسجد الحرام أن يدخلوا زمن الحديبية وأن ينحروا الهدي في المنحر، قال: فبعث رسول الله إليهم عثمان بن عفان أن يخلوا بينهم وبين دخول مكة فأبوا ذلك، فكره النبي ﵇ (٣) قتالهم وهو محرم بعمرة، فسألوه أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا عامًا قابلًا ثلاثة أيام، فلما كان من العام القابل أخليت له مكة وخرجت قريش منها كهيئة البدا (٤) مثقلة، فطافوا بالبيت وقضوا المناسك ثم انصرف رسول الله ورجع قريش إلى الحرم (٥) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ

стр. 1243

سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي وهم يصدون أو: إن الذين يكفرون (١) ويصدون، وقيل: الواو مقحمة، وقيل: التقدير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفي عزمهم أن يصدوا (٢). ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ يدل على أن المقيم برباع مكة ليس بأولى من الحاج. عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﵇ (٣) قال: "حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها". وفي رواية: "وحرام أجر بيوتها" (٤) ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ يعتقد ويصر ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي إلحاد ظلم فالباء مقحمة، والظلم بدل من الإلحاد، وبيان له. وتخصيص المسجد الحرام كتخصيص الأشهر الحرام بقوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ عن ابن عباس قال: لما كان بعد الطوفان الذي أغرق الله قوم نوح ورفع البيت المعمور إلى السماء السادسة الذي كان بناه آدم ﵇ (٥)، أمر إبراهيم ﵇ (٦) أن يأتي موضع البيت فيبني على أساسه، فانطلق فلم ير له أثرًا أو أخفي له مكانه، فبعث الله تعالى سحابة على قدر البيت الحرام في العرض والطول فيها رأس يتكلم له لسان وعينان فقامت على ظهر (٧) البيت بحياله ثم قالت: يا

стр. 1244

إبراهيم ابنِ على مداي وحيالي، فأخذ إبراهيم ﵇ (١) قدرها وحيالها، فأسس عليه البيت الحرام وذهبت السحابة، ثم بناه حتى فرغ وطاف به أسبوعًا، وأوحى الله تعالى إليه أن يا إبراهيم لا تشرك (٢) بي شيئًا (٣). ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ أي مسجدي من عبادة الأوثان ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ بالبيت من غير أهل مكة، ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي المقيمين من أهل مكة، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ من أهل الصلاة من كل وجه، وقيل: إن ترجمة للوحي في فحوى قوله: ﴿بَوَّأْنَا﴾ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (٤) قال مجاهد: هو إبراهيم ﵇ (٥) فلما أذن لم يبق شيء سمع صوته إلا أقبل مليًا (٦)، فقال عطاء: هو إبراهيم ومحمد ﵉ (٧). وعن ابن عباس (٨) قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت قال: يا رب، قد فرغت من بنائه، وهو أعلم، قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ على أرجلهم ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ركبانًا ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ قال: رب لا أُسمع أحدًا، قال: أذّن وعليَّ البلاغ، فصعد الصفا فقال: أيها الناس عليكم (٩) حج البيت العتيق، فسمعه ما بين السماء والأرض، فما بقي ممن سمع صوته إلا أقبل يلبي: اللهم لبيك (١٠)، ألا

стр. 1245

ترى أنهم يجيئون من كل فج عميق يقولون: لبيك اللهم لبيك ﴿ضَامِرٍ﴾ ضد البطين من الإبل والخيل ﴿فَجٍّ﴾ فضاء بين الجبال ﴿عَمِيقٍ﴾ بعيد، وإنما عبر به لارتفاع شأن مكة، كقولك: رفعت حاجتي إلى المجلس العالي وإن كنت أعلى منه في رأي العين. ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال مجاهد: التجارة وما رضي الله من أمر الدنيا (١)، وقيل: المغفرة، وقال ابن عباس: أسواق كانت لهم ما ذكر الله منافع إلا للدنيا (٢) ﴿وَيَذْكُرُوا﴾ الله ﴿اسْمَ﴾ التحميد والتهليل والثناء عليه والشكر ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ [بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ من] (٣) السوائم والهدي، أو البسملة عند الذبح ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال إبراهيم النخعي: كان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء ترك و ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ الذي يبسط يده، مشتق من البؤس وهو شدة الفقر. ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ دليل على أن قضاء التفث والنذر والطواف بالبيت مترتبة على ذكر اسم الله تعالى في الأيام المعلومات لا يجوز شيء منها إلا بعد ذلك، وهو يوم النحر. وقال ابن عباس: التفث الرمي والذبح والحلق والتقصير والأخذ من الشارب واللحية والأظفار (٤)، وقال ابن عرفة: التفث: الدرن، وقال النضر بن شميل: قضاء التفث: إزالة الشعث ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ وهو ما أوجبه الإنسان على نفسه من الهدي (٥) ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طواف الزيارة يوم النحر. وإنما قيل: ﴿الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ﴾ [آل عمران:٩٦] أو لأنه أعتق من تملك الناس إياه، وفي

стр. 1246

الحديث: "لأنه أعتق من الجبابرة ولم يدعه جبار قط" وذلك إشارة إلى ما تقدم أي الأمر أو الحكم وذلك ﴿وَمَنْ﴾ الواو لعطف الجملة. وعن النبي ﵇ قال: "لا يزال هذا الأمر بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها" يعني مكة، وقال عمر بن الخطاب: لخطيئة أصبتها بمكة أعز علي من سبعين خطيئة أصبتها بركبة. واتصال قوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ﴾ بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني في سُورَةُ "المائدة". وعن عبد الله قال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله (١)، قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. ﴿سَحِيقٍ﴾ بعيد، ومنه: سحقًا للشيطان، وإنما وقع تشبيه المشرك بهذا المثال لأنه انحط عن درجة السعداء وتعرض للسفهاء والجهلاء وأنواع النبلاء، فإن سلم فلا بد من أن ينهي به عمره إلى البوار ودخول النار. و ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال محمَّد بن أبي موسى: الوقوف بعرفة من شعائر الله ومن يعظمها فإنها من تقوى القلوب (٢). ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى حالة بعينها وتقليدها من غير كراهة ولا ضرورة، وللمضطر أن ينتفع بها بعد التعيين والتقليد والإشعار، عن أنس أن رسول الله (٣) رأى رجلًا يسوق بدنة قد جهدها قال: "اركبها" قال: يا رسول الله إنها بدنة، قال: "اركبها" (٤) قال: قال-﵇ (٥): "اركبوا الهدي

стр. 1247

بالمعروف حتى تجدوا ظهرًا إلى البيت العتيق" (١)، يعني حريم البيت العتيق وهو الحرم كله، وكان المشركون ينحرون عند زمزم وهو اليوم في المسجد الحرام، والمسجد ينزه عن القاذورات. ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال الكلبي: المراد به الأضاحي، وذلك يدل على وجوبها، ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ المتواضعين والساكنين، و (الجنب): المكان المطمئن من الأرض، و (الإخبات): التواضع والسكون. ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهذه صفة أوليائه على بساط الغيب فإذا أكرموا بالمشاهدة اطمأنوا. وقد جمع الصفتين في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ اللام لكون إضافة الصلاة (٢) غير محضة بدليل حسن دخول النون أو التنوين في المضاف وانتصاب المضاف إليه. ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بدنة، والبدنة: البعير أو البقرة، واللفظ لا يدل على اختصاصه بمكة بخلاف الهدي ﴿صَوَافَّ﴾ جمع صافة، كالدابة والدواب والحاسة والحواس ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ سقطت فلصقت بالأرض بعد الذبح والنحر وسكنت ﴿فَكُلُوا﴾ أمر إباحة وهو عام في كل بدنة بلغت محلها وكانت دم تذكية ولم يكن دم جناية ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ عام في أهل مكة وغيرهم، وقال مجاهد: القانع جارك وإن كان غنيًا، وقال مرة: القانع أهل مكة والمعتر الذي يعتريك ولا يسألك. ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾ لن ينال ثواب الله وفضله ونعمته لحوم الهدايا و ﴿دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وفي زبور داود ﵇: ليس الأعمال أعمال الجوارح إنما الأعمال أعمال القلوب، وقال النبي ﵇: "إن الله

стр. 1248

تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (١) وقال: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢)، وعن الكلبي والفراء (٣): أن الكفار كانوا ينضحون البيت بالدماء ويقولون: اللهم تقبلها منا، وقصد المسلمون بمثل ذلك فأنزل الله تعالى رفع اتصالها من حيث الأمر بالمناسك، وذلك لا يتصور وجوده إلا بعد تمكين المأمورين والذب عنهم. ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ في القتال ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ تعليل وتسبيب للإباحة، وذلك أن أهل مكة كانوا يستضعفون المؤمنين وينالون منهم وهم يستأذنون في القتال. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ في محل الخفض بدلًا من الذين ظلموا ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير سبب أو علة، فعلى هذا الاستثناء متصل، وقيل: بغير عدل، وعلى هذا الاستثناء منقطع ومثله قوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ١٩، ٢٠] ﴿صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة (٤) ﴿وَبِيَعٌ﴾ جمع بيعة وهي المدرسة ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ جمع صلاة، وقيل: صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات كنائس اليهود (٥) ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ المسلمين، وهذه المواضع أشرف وأعظم حرمة من غيرها، يدل عليه إجماع المسلمين على استحباب أن يتخذوا هذه البقاع من ديار الكفار مساجد وأفتحها الله لهم.

стр. 1249

والمراد ﴿الْمُنْكَرِ﴾ أمة (١) محمَّد ﵇ وقد اختص بها الخلفاء الأربع وبنو عمه الأئمة المهديون. ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ فارغة مهملة التي بادر أهلها المستقون منها ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ حصن حصين، وهما معطوفان على القرية. ﴿فَتَكُونَ﴾ نصب لأنها جواب الاستفهام بالفاء، والمعنى: استفادة التجارب والعبر بالسياحة في الأرض ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ وهو الذي لا يغني عنه شيء. ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ ذكر لنفي الاستعجال عمن شأنه الحلم والإمهال. وعن أبي مليكة قال: مررت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان على ابن عباس فسلمنا عليه فقال لصاحبي: من أنت؟ فانتسب له فعرفه فقال: يا أبا العباس ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤] أي يوم هذا؟ فقال: إنما سألتك لتخبرني قال: فهي أيام سماها الله تعالى في كتابه وهو أعلم بها أكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر من ضربه فجلست إلى سعيد بن المسيب سئل عن المسألة فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك بما شهدته من ابن عباس؟ ثم ذكرته له فسري عنه، وقال: هذا ابن عباس قد اتقى أن يقول فيها وهو أعلم (٢) مني. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ (٣) بالتكذيب أو التحريف أو (٤) التبديل. ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ مثل ما تتلو الشياطين على ملك سليمان. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الملهمون الراسخون في العلم ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الضمير عائد إلى نسخ ما ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾.

стр. 1250

﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أيس عن خيره، ويحتمل يوم بدر في حق قريش فإنه أعقمْ نساءهم بقتل رجالهم (١)، وقيل: المراد بالساعة انقراض الدنيا وباليوم العقيم افتتاح الآخرة (٢). ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾ في المقتص بالحق ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾ بعد اقتصاصه، واتصالها بما قبلها من حيث بغي الكفار على المؤمنين المستضعفين بعد انتصارهم بالحق والعدل والإنصاف، فقول الله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ لازدواج الكلام وذلك [إشارة إلى النفر الموعود، أي ذلك باقتضاء قدرته وسمعه وبصره، وقيل:] (٣) إشارة إلى الحكم، أي هو بقضية حكمته الموجبة إيلاج الليل في النهار. ﴿فَتُصْبِحُ﴾ رفع لأنه (٤) خبر منفصل عما قبله أو جواب شرط مضمر تقديره أن الله أنزل الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرة، وكذلك تقدير في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]. وقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ﴾ دليل على أن إمساكه في الهواء على سبيل القهر والإلجاء إما بوصل الإلجاء وإما باصطدام الأجزاء وإما بمعنى خفي على آراء، ولم يذكر الله تعالى سقوطها إلا بعد انفطارها وانقلابها. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قال الكلبي: نزلت في الأضحية وفي مجادلة الكفار في الذبيحة (٥).

стр. 1251

﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يبطشون إشارة إلى سطوهم وبطشهم وإشارة إلى ما يتلى ﴿بِشَرٍّ﴾ أي مكروه، أي النار أبلغ في كراهتهم إياها مما يتلى عليكم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ متشابهة فوجب التماس حكمها من المحكمات، و (الذباب): طائر يشبه النملة. وذكر القتبي أن الذباب ثلاثة أجناس: القمعة والنعرة والبراع، ويضرب المثل بالذباب فيقال: فلان أجرأ من الذباب لأنه يقع على أنف الملك وجفن الأسد ولا يبالي، ويقال: فلان كالذباب إذا كان ذا وجهين، ويهمه على السواد بياض وعلى البياض سواد. ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ اتصالها من حيث قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ وفيها رد على اليهود والروافض من حيث عداوتهم لجبريل ولأبي بكر وعمر. ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وتخصيصهما مع ذكر العبادة لتشريف الصلاة وذكر فعل الخير بعد العبادة للتأكيد أو للتفعيل المندوب إليه [بعد الفرض المنصوص والآية مختصة بقريش ومثابهم عند بعض الناس عامة في المؤمنين] (١) عند بعضهم. ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ نصب كانتصاب ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] وقيل: لنزع الخافض أي في ملة أبيكم (٢)، واختلفوا في المخاطبين بالنبوة، قال بعضهم: ربيعة ومضر لأنهما أولاد (٣) نزار بن معد، وقيل: جميع أولاد

стр. 1252

معد بن عدنان، وقيل: قضاعة وقنص وإياد ونزار وأربعة آخرون، وقيل: جميع أولاد عدنان بن أدد مثل عك ومَعْد، واختلفوا في نسبة عدنان بن أدد. وقد روى ابن عباس أن النبي ﵇ (١) كان إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك وقال: "كذب النسابون" (٢) قال الله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] أو قيل: المخاطبون بها عامة المسلمين لأنهم أبناء لأزواج رسول الله (٣) وأمهات المؤمنين بنات إبراهيم لا أشك والجد أبو الأم لا محالة ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ اللام عائدة إلى قوله: ﴿وَجَاهِدُوا﴾ أو إلى قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ وعن أبي بن كعب عنه ﵇ (١) قال: "من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر حجة وعمرة بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي" (٤).

стр. 1253

سُورَةُ المُؤمنُونَ مكية في قولهم (١) وهي مائة وتسع عشرة (٢) آية في غير عدد أهل الكوفة (٣). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وعن كعب قال:" لم يخلق الله بيده إلا ثلاث أشياء: خطَّ التوراة بيده وخلق آدم بيده وغرس الجنة بيده ثم قال: تزيني، فتزينت - قالها ثلاث مرات- ثم قال لها: تكلَّمي، فتكلمت فقالت: قد أفلح المؤمنون" (٤). وعن عمر بن الخطاب قال: كان النبي ﵇ (٥) إذا نزل عليه الوحي سمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فأنزل عليه يومًا فمكثنا ساعة فسري عنه واستقبل الكعبة فرفع يديه وقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا، وكرمنا ولا تهنَّا، وأعطِنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضِنا وارضَ عنّا" ثم قال: "أنزل على عشر آيات من أقامهن دخل الجنة" ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ

стр. 1254

الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ حتى ختم عشر آيات (١)، قيل: الخبر محمول على أن الآيات قبل فرض الحج والصوم، وقيل: فرضها دخل في جملة قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾. وعن أبي هريرة: رأى رسول الله رجلًا يلعب بلحيته في الصلاة فقال: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" (٢). ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما أبيح ﴿الْعَادُونَ﴾ جمع عادِ في قوله ﴿بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣ ﴿رَاعُونَ﴾ رعايته مراعاته ومحافظته، وعن مجاهد عن ابن عمرو (٣) قال: أول ما خلق الله من آدم فرجه قال: هذه أمانتي فأمسك عليها، وأن الفرج أمانة والسمع أمانة والبصر أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له (٤)، وقال ﵇ لأبي ذرّ: "الإمارة أمانة وهي يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى عليه فيها وأدى له ذلك يا أبا ذر" (٥). وعن ميمون بن مهران قال: "ثلاث يؤدين إلى البر والفاجر: العهد يوفى إلى البر والفاجر، والأمانة تؤدى إلى البر والفاجر والرحم تصلها برة كانت أو فاجرة" (٦). ابتدأ الله تعالى بذكر الخضوع في الصلاة وانتهى بذكر المحافظة عليها لتشريفها وتأكيدها.

стр. 1255

﴿سُلَالَةٍ﴾ ما انسل من الطين المسلول (١) وروي الفُعَالة مختصة بالقليل كالقلامة والفضالة. ﴿قَرَارٍ﴾ مكان مطمئن ﴿مَكِينٍ﴾ موضع التمكن فيه، وقيل: متمكن في مكان آخر كتمكن أوعية المني فيما بين الصلب والترائب وتمكن الرحم في البطن. ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ من الغذاء، ولذلك لا تحيض الحبلى ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أي نسمة وجسدًا متصورًا ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تعالى وتعظم، وقال ابن عرفة (٢): هي تفاعل من البركة وهي كثرة الخير والسعة. روي أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٣) كان يكتب لرسول الله (٤) هذه الآية فجرى على لسانه: فتبارك الله أحسن الخالقين، فقال ﵇ (٥): ["اكتب ما جرى على لسانك" فقال: إنما هو كلامي، فقال ﵇ (٥)] (٦): "كذلك أنزل علي"، فكتب ثم ارتاب في أمر النبوة وكان ذلك سبب ارتداده (٧). وقال القتبي: كان يكتب مكان العزيز الحكيم الغفور الرحيم، وكان ذلك سبب ارتداده. ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال أبو عبيد الهروي: الطرائق سموات واحدتهن طريقة لأنها طرائق الملائكة والأنبياء (٨). ﴿فَوَاكِه﴾ جمع فاكهة وهو ما يتعلل به من الثمار على سبيل الاقتيات. ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ جبل بالشام، والشجرة الخارجة منها: هي الزيتونة،

стр. 1256

ووجه التخصيص: الإشهار والغلبة ﴿بِالدُّهْنِ﴾ المائع الذي يعلو الماء ولا يمتزج به، ﴿وَصِبْغٍ﴾ إدام. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ﴾ يتشرف ويجتهد عليكم، وإنما أنكروا سماعهم لدروس أثر إدريس ﵇ (١) ومن تقدمه أو لظنهم أنهم لم يكونوا أمثال (٢) نوح ﵇ (١) أو لوقاحتهم ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٣) القرن الآخرين قيل: عاد ورسولهم هود ﵇ (١)، ويحتمل غيرهم وغيره يقول الله تعالى لا يعلم إلا الله. ذكر أهل اللغة في ﴿هَيهاتَ﴾ سبع لغات: هيهاتَ بالفتح بغير تنوين، وهيهاتًا بالفتح والتنوين، وهيهاتُ بالضم من غير تنوين، وهيهاتٌ بالضم والتنوين، وهيهاتِ بالكسر من غير تنوين، وهيهاتٍ بالكسر والتنوين، وأيهات بإبدال الهمزة من الهاء الأولى ومعناها النهي والنفي (٤)، وفيها شيء من معنى كلاهما ﴿كَذَّبوُنِ﴾ أي بسبب تكذيبهم. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ مذريًا أو شذرًا وعشيرته، قال الله تعالى (٥): ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٥]، ﴿تَتْرَى﴾ من المواترة والتواتر مثلما وجد لموازنته غير أو معين ما ظاهر معيون وهو المرئي بالعين. عن سعيد (٦) بن المسيب (٧) في قوله: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أنها دمشق، وقيل أنها مصر (٨)، وقيل: أنها الناصرة (٩) وهذه هجرة من

стр. 1257

عيسى ﵇، وقال ﵇: "بشر الفرارين بدينهم إيمانًا واحتسابًا من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية أنهم معي ومع إبراهيم ﵇ يوم القيامة كهاتين" وجمع بين إصبعيه الوسطى والتي تليها (١). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇ (٢): "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الآية وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] " قال: وذكر الرجل مطيل السفر أشعث أغبر يمدُّ يديه (٣) إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك (٤). ﴿أُمَّةً﴾ نصب على الحال والمراد بها الأمة النبوية الحنيفية المستمعة إلى الوحي الإلهي. ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إلى اليهود والنصارى والصابئين بعد أن كانوا حنفاء في الأصل، فهي كتبهم المختلفة من تلقاء أنفسهم وإن كانت (٥) جمع زبرة فهو أنهم صاروا فرقًا قطعًا ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ لأن الله تعالى لم ييسر لهم ما يسَّره لهم إلا على سبيل الاختيار دون الاضطرار والإجبار. ﴿غَمْرَتِهِمْ﴾ غشوتهم وسكرتهم. ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ﴾ ففي المسارعة في الخيرات بإمداد المال والبنين لكونهما على سبيل الوقف والمراعاة إلى مقابلتهما بشكر أو كفر، قال ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠] فمن رآهما ابتلاء حسنًا واستوثق الله تعالى بالإصلاح فيهما تمخضا خيرًا، ومن كانا مبلغه من

стр. 1258

العلم كانا مبلغه (١) من الغنم، وكفر بهما وبالًا حينئذ، وفي تأخير الإيمان عن الخشية دليل على وجود الإيمان بالعقل قبل وجوده بالسماع، ولولا ذلك لما تقدم الإشفاق من خشية الله على الإيمان بالآيات، فإنما تأخر نفي الشرك عن إثبات الإشفاق والإيمان لوجود الشرك في أهل الكتاب بعد ادعائهم الخشية والإيمان. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ صفة أولياء الله تعالى المعتقدين أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن موجب السعادة والشقاوة هي التقدير الأولي دون السبب العملي، وعلى هذا (٢) قال ﵇ (٣): "ما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى" وقال ﵇ (٣): "أيكم ينجيه عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني برحمته" (٤)، وعن عائشة قالت: سألت رسول الله عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ فقلت: أهم الذين يشربون الخمور ويسترقون؟ قال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلُّون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات" (٥). وعن شقيق بن إبراهيم (٦) الزاهد العاقل: لا يخرج من هذه الثلاثة إلا خوف: أولها أن يكون خائفًا لما سلف منه من الذنوب، والثاني لا يدري ما ينزل به ساعة بعد ساعة، والثالث يخاف من اتهام العاقبة ﴿بَلْ

стр. 1259

قُلُوبُهُمْ﴾ بل للإضراب عن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ وقيل: مرتب على قوله: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ من الأعمال الفاسدة القبيحة من دون الكفر والجهل، وقيل: أعمالهم المقدرة عليهم أن يكتبوها في المستقبل من أعمارهم. ﴿بِالْعَذَابِ﴾ قال مجاهد: هو يوم بدر (١)، وقال الكلبي: هو القحط سبع سنين (٢)، ويحتمل معاينة العباس ورفع الالتباس، ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يرفعون أصواتهم. و (الهجر): الهذيان، و (الإهجار) الإفحاش. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ بالبيت العتيق، وقيل: الضمير عائد إلى نكوصهم إن كنتم ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ (٣) بنكوصهم ﴿سَامِرًا﴾ كالباقي والحامل، وفي حديث قبله: إذا جاء زوجها، من السامري: أي من السمر (٤). ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ القرآن، فيعلموا أنه ليس في جنس كلام الناس؟ بلى قد تدبروه فسمَّوه سحرًا يؤثر ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ في

стр. 1260

معنى قوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقيل في معنى قوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]. ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ بالأبوة والأمانة والمروءة والصيانة ومجانبة الكتابة والكهانة. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ عن الدين، وقيل: عن الديّان. ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ لمائلون ومنحرفون (١)، ومنه: تنكب فلان عن الطريق، ومنه النكباء والمنكب. ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾ أراد الرحمة الظاهرة وما بعدها بيان لها، لتمادوا. ﴿بِالْعَذَابِ﴾ با لجوع والخوف ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تضرعوا وتذللوا. ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ إنما يلامون على ما عملوا، إنما حل بأولئك الماضين ولا قدوة في السفر. ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ الاضطرار بالإقرار لعامة الكفار لإجماعهم أن العالم مستند إلى صانع ما. ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾ الاستعاذة من حيث مأواهم قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]. ﴿هَمَزَاتِ﴾ غمزات، وفي الحديث: "أما الهمزة فالموتة" (٢) قيل لأعرابي: من يهمز الفأرة؟ قال: السنور يهمزها ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ بمعنى (٣) يتدانوا مني ﴿حَتَّى﴾ غاية لعوجهم وأنهم لكاذبون.

стр. 1261

﴿بَرْزَخٌ﴾ حاجز لطيف بين الشيئين المجتمعين المتضايقين. ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ لأن ليوم القيامة أحوالًا مختلفة وأهوالًا مؤتلفة، فإذا كانت النفخة الأولى لم يبق أحد إلا هلك (١) ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ولانقطاع الإنساب وجوه: اْحدها: قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ إلى قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. والثاني: قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]. والثالث: انتقال التعريف يومئذ إلى الأعمال والملك. والرابع: كون كل واحد مبعوثًا من التراب مثل آدم ﵇ (٢) غير متولد من أحد، وقد قال ﵇: "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي" (٣). ﴿تَلْفَحُ﴾ تصيب أشد من النفخ، وعن أبي سعيد الخدري عنه ﵇ قال: " ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: تشويه النار فتقلّص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" (٤) قال عبد الله: مثل الرأس النضيح (٥). ﴿سِخْرِيًّا﴾ أي شيئًا سخريًا. وفائدة السؤال من قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ هو التنبيه على الحيرة ﴿فَاسْأَلِ

стр. 1262

الْعَادِّينَ﴾ قيل: الكرام الكاتبين، وقيل: ﴿فَسْئَلِ﴾ معطوف على قوله ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ دون جوابهم. ﴿عَبَثًا﴾ لعبًا. ﴿فَتَعَالَى﴾ الفاء للعطف على معنى الاستفهام وهو إنكار العبث تعالى عن الاتصاف بالعبث. عن أبي بكر الصديق عنه ﵇ (١) قال: "لم (٢) يصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة" ينبغي أن يكون استغفاره على الحقيقة غفر له لقوله عليه: "من ساءه ذنبه غفر له وإن لم يستغفر" (٣). وعن أبي بن كعب عنه ﵇ (١): "من قرأ سورة المؤمنون بشره الملائكة بروح وريحان وتقرّ به عينه عند نزول ملك الموت" (٤).

стр. 1263

سُورَةُ النُّورِ مدنية (١)، وهي اثنتان وستون آية في عدد أهل الحجاز (٢). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةٌ﴾ رفع بتقدير مبتدأ محذوف أي: هذه سورة. عن أبي عطية قال: كتب عمر: علموا نساءكم سورة "النور" (٣). ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ مجملة محتملة موقوفة على التفسير كآية السرقة ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فاضربوا بالسياط. عن عمر بن الخطاب قال: ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإنّ الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، فإذا وجدتم للمسلم مخرجًا فادرؤوا (٤) عنه. وقال ابن مسعود في البكر يفجر بالبكر إنهما يجلدان وينفيان سنة، وقال على نفيهما فتنة (٥) ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي لا يمنعكم

стр. 1264

الرأفة عن إقامة الحد عليهما في طاعة الله ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رجل فما فوقه. ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية مجملة محتملة كالآية الأولى موقوف على التفسير. عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد ابن أبي مرثد يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت (١) امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، فذهب مرثد ليحمل رجلًا من أسرى مكة فعرفته فقالت: مرثد! قال: مرثد، قالت: مرحبًا وأهلًا هلم فبت عندنا الليلة، قال: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام هذا (٢) الرجل يحمل أسراكم، فتبعه ثمانية (٣) إلى غار فغماهم الله عنه، ثم ذهب وأخذ الرجل حتى قدم المدينة فأتى رسول الله فقال: أنكح عناقًا؟! فسكت رسول الله حتى نزلت الآية (٤). وعن ابن عباس: أن المهاجرين لما قدموا المدينة نزل في صُفّة مسجد رسول الله ﵇ (٥) أناس من المهاجرين لم يكن لهم مساكن في المدينة ينزلون بها ولا عشائر يأتونهم، وكانوا نحوًا من أربعمائة رجل يلتمسون (٦) الرزق بالنهار، فإذا أمسوا رجعوا إلى المسجد فكانوا فيه، وكان المسلمون من أراد أن يأتيهم بشيء أتاهم به، وكان في المدينة بغايا (٧) يبغين بأنفسهن متعالمات بالفجور، لهن علامات كعلامات البياطرة

стр. 1265

تصبن الطعام والشراب والكسوة، فقال أولئك الذين ليس لهم مساكن ولا عشائر من المهاجرين: لو أنا تزوجنا من هؤلاء فسكنا معهن في منازلهن وأصبنا من طعامهن وكسوتهن، فإذا ارتحلنا من المدينة خلينا سبيلهن، قال: فأتوا رسول الله فذكروا ذلك من شأنهم فنزل فيما نهي عن البغايا المعروفات (١). وعن ابن عباس قال: الزاني لا يجامع إلا زانية أو مشركة (٢). وسئل ابن عباس عن رجل ألمَّ بامرأة فأتى منها ما حرم الله فرزقه الله تعالى من تلك توبة، فأراد أن يتزوجها فقال له ناس: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ فقال ابن عباس: ليست هذه الآية في ذلك، انكحها فما كان لك من إثم فعليّ (٣). وعن سعيد بن المسيب أن الآية منسوخة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] (٤). ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ يقدحون بصريح الزنا ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحرائر المسلمات العفائف، وليس لها أن تطالب بالحد حتى تثبت حريتها، وهذا الحد يسقط بعفو الخصم. وفي الآية دليل على إباحة تعمد النظر إلى فرج المسافحين لتحمُّل الشهادة، واجتماع الشهود الأربعة قبل أداء الشهادة شرط، وضرب القاذف دون ضرب الزاني، واستيفاء الحدود إلى السلطان، ولا اعتبار لعدد المقذوفات، ونفي قبول شهادة القاذف المحدود على التأبيد. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يغفر فسقهم ﴿رَحِيمٌ﴾ يرحمهم بالتوبة عليهم.
следующие страницы →