← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122232

الواضح في أصول الفقه

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (2 579 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

بهِ؛ كالديون، وسائرِ الحقوق، ومعلوم أنَّ المحسنَ لوْ صرَّحَ عقيبَ إحسانِهِ بالمطالبةِ بشكَر (١) إحسانِهِ، لتَكدَّرَ إحسانة بمطالبتِهِ. وقد احتجَّ بعضُهم فيها بقولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وهذا أمر مطلق، فاقتضى الوجوبَ. فيقالُ: هذا مصروف عن الإيجابِ إلى الندبِ بأدلتِنا، ولأنَّا لا نمنعُ إيجابَ الشَّرع لأمورٍ (٢) لا يوجبُها العقلُ، وكلامُنا هلْ يجبُ في العقلِ؛ على أنّكم لا تقولونَ بِهِ، وهوَ أَنّه لا يجبُ إلا الشكرُ، فأمّا المقابلةُ بالأحسنِ وما يُرْبي على الإحسانِ، فلا يجب. ولأنَّ الآيةَ لوْ كانتْ على ظاهرِها، لصارتْ إيجاباً، ولابتدأت (٣) بالإحسانِ كلفاً على المُحسَنِ إليهِ، وتثقيلاً بإيجابِ الشكرِ والزيادةِ على الإحسانِ، وذلكَ يثقلُ فعلاً، وقولاً، وبذلاً للمالِ، ويصيرُ كطروح السَّلاطينِ على السُّوقة لأموال لا يحتاجونَ إليها، وإيجابِ أوفى الأثمان عليهم في مقابلتها، والبارئ سبحانه خَففَ ردَّ السلام، وجعلَه فرضاً على الكفايةِ؛ حيثُ علمَ أَنّه يثقلُ الجوابُ لكلِّ مسلِّمٍ معَ كثرةِ أشغالِ الناسِ المانعةِ منْ تتابع الرَّدِّ على المبتدئِ بالسَّلامِ (٤) , فوسعَ بالنيابةِ، واكتفى

стр. 2522

يحوابِ الواحدِ من الجماعةِ السلام عَنْهُم. وممَّا يوضح قبحَ ذلكَ: أَنه لو طلبَ المحسنُ شكرَ (١) إحسانِه ممَّنْ أحسنَ إليه عندَ الحكامِ، وأعدىِ على مَنْ أحسنَ إليهِ فلم يَشْكُره، كما يُعدى في الديون والحقوقِ، لا سْتُهجِنَ ذلكَ (٢) عندَ العقلاءِ بحكمِ العقلِ والشَّرع، ولوْ كانَ واجباً، لما قبحتِ المطالبةُ بهِ، والإعداءُ عليه. فصل يجوزُ أن يرد العمومُ إلى بعضِ المكلفينَ، وترد دلالةُ التخصيصِ السَّمعية، فَيُطوى عنهم؛ خلافاً لبعضِ المتكلِّمِينَ منَ المعتزلةِ: لا يجوزُ ذلكَ في دلالةِ السَّمع، إذا لمْ يكنْ في العقلِ ما يدلُّ على التخصيصِ، بلْ إنْ كان في العقلِ دلالةٌ على التخصيصِ، وَكلَهُمْ إليها (٣). فصلٌ في الدَّلائل على ذلكَ فمنها: أنَّ مِنْ أصلِنا أنَّ تأخير البَيانِ عن وقتِ الخطابِ جائزٌ، وقدْ دللْنا على ذلكَ الأصلِ، فإنَّه لا مانعَ في العقلِ منْ أن يتعبدَ الله المكلفَ باعتقادِ وجوبِ الكلِّ، وتحقيقِ العزمِ عليهِ، وكتمِ دلالةِ التخصيصِ؛ ليتحقَّقَ منْهُ الاعتقادُ والعزمُ، وهما تعبُّدان يُثْمران الثوابَ عليهما، وفيهما

стр. 2523

أكبرُ المصالح؛ لتوطينِ النّفسِ على الأمرِ بمقتضاهُ في الظاهرِ، ثُمَّ التزامِ التخصيصِ إذا ظهرتْ دلالتُهُ، فيُعقِبُ ذلكَ ثواباً ثانياً عَنِ المسارعةِ إلى اعتقادِ البعص بعدَ اعتقادِ الكلِّ متابعةً للأمرِ. ومنها: أنَّ الله سبحانَهُ قدْ طوى النسخ عَن طائفةٍ، حتى إِنها صَلَّت إلى بيتِ المقدسِ شطرَ الصَّلاةِ، ثمّ كاشفَ لها عنْ دليلِ النسخ، فانتقلتْ، واعتدَّ لها بما كانَ مِنَ الصلاةِ، ولوْ لم يكُ جائزاً عقلاً، لما ورد بهِ السمَّعُ، لأَنَّ السَّمعَ لا يردُ بغير مُجوَّزاتِ العقولِ. ومنها: أنَّ طيَّ الدليل الموجبِ للتخصيصِ قد يكونُ مصلحةً في حقِّ بعض المكلفينَ، فلا يمنعُ منه مَنْ يعتبر المصالحَ، أو يكونُ ذلكَ بمطلقِ المشيئةِ (١)، ولا يمنعُ منْهُ مَنْ يقولُ بالمشيئة، ولا يَعْتبِرُ المصلحةَ، فلا وجهَ للمنع مِنْ ذلكَ. فصل في شبههم فمنها: أَنَّ في ذلكَ تعريضاً بالجهلِ، والجهلُ قبيحٌ، فالتعريضُ بالقبيح قبيحٌ. ومنها: أَنَّ نفسَ الخطابِ بالعمومِ معَ طَيِّ المخصصِ له خطابٌ بما المرادُ ضِدُّه، والخطابُ بما يرادُ ضدُّه، كالخطابِ بالنهي والرادُ بهِ الأمرُ، والزجرِ والمرادُ بهِ الندبُ والحثُّ، وهذا قبيحٌ في الخطابِ، واستدعاء ضدِّ المرادِ.

стр. 2524

فصل في الأجوبة عما ذكروه فأمّا دعواهمُ التعريضَ بالجهلِ، فما اتيَ المكلَّفُ إلاَّ من قِبَلِ نفسِهِ، وإلا فمَنْ عَلِمَ أَنَّ دأبَ الشرع تخصيصُ العمومِ، كما أنَّ دأبَه نسخُ الأحكامِ، وتأخيرُ البيان، لا يبادرُ باعتقادِ العمومِ، بلْ يعتقدُه مشروطاً بأنْ لا يتراخى (١) عنْهُ دليلُ تَخصيصٍ. ولأنه باطلٌ بالنًسخ، فإنهُ بِبَادِرَةِ الأمر يعتقدُ الدوامَ، ثم يَاتي النسخُ قاطعاً ورافعاً، فالذي يعتذرُ بهِ عنْ ذلكَ: أنَّه يجبُ أنْ يعتقدَ الدوامَ ما لم تَرِدْ دلالةُ النسخ، كذلك عذرُنا في أَنَّه يعتقدُ العمومَ ما لم تردْ دلالةُ التخصيصِ، وهما سواءٌ في أنَّهما تخصيصانِ، وإنَّما يفترقان في المُخصَّصِ، فهذا تخصيصُ أعيانٍ، والنسخُ تخصيصُ أوقاتٍ وأزمانٍ. وأمّا قولُهم: إنَّه يكونُ أمراً بضدِّ مرادِهِ، فلا يلزمُ ذلكَ، بلْ يبينُ بدلالةِ التخصيصِ: أنّه أرادَ حصولَ الاعتقادِ بأنّه يعملُ بالجميع ما لم يُخَصَّ، ويَعْزِمُ على ذلكَ، وهما تكليفانِ مقصودانِ، ولأنَّ شبهتهما جميعاً يلزمُ عليها: إيرادُ لفظِ العمومِ، وقدْ كانَ يمكنُ أنْ يقعَ الخطابُ بالأعيانِ المرادةِ فقط، منْ غير إيرادِ عمومٍ، ثمَّ إيرادِ خصوصٍ، ولمَّا لم يمنعْ منْ ذلكَ لمعنىً وحكمةٍ في ذلكَ، لا يمنعُ منْ طَيِّ المخصص عَن المكلف، ثمَّ إظهارِهِ بعدَ ذلكَ، وهذا مستحسنٌ شرعاً وعقلاً وعرفاً، فإنَّ مَنْ أمكنَهُ أنْ يقول: إنَّما

стр. 2525

سلطانك على مَنْ يتبعُك من الغاوينَ؛ فقالَ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر: ٤٢] وأمكنَ أنْ يقولَ: فاسلك فيها مَن آمَنَ مِنْ أهلِكَ، فأسر بمنْ آمن بكَ مِنْ أهلكَ، ثُمَّ إنه لم يقلْ ذلكَ، وقالَ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ وقالَ: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ. . . . . . . . . . إِلَّا امْرَأَتَكَ إِ﴾ [هود: ٨١]، وإذا لم يُستقبَحْ هذا قولاً بعدَ قول، وإنْ تتابعَ وتعقبَ، كذلكَ لا يقبحُ وإنْ تأخرَ، لا بينّا من الحكمةِ والصلحةِ، أوِ المشيئةِ المطلقةِ. فصل يجوزُ النَّسخُ في السَّماءِ إذا كانَ هناكَ مكلف، مثلُ أنْ يكونَ قدْ أُسرِيَ ببعضِ الأَنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم، ولا يكون بَداءً، خلافاً للمتكلمينَ مِنَ المعتزلةِ، ومَنْ جحدَ المعراجَ يقظةً: مَنعَ مِنْ وجودِ ذلكَ، كما منع منْ جوازِهِ عقلاً (١). فصل في الدَّلائل عليه إِنَّ النَّقلَ صحَّ بأنَّ الله سبحانَهُ فرضَ على نبيِّنا ﷺ خمسينَ صلاةً،

стр. 2526

ثمَّ لما راجعَ رسولُ اللهِ ﷺ في الاستنقاص، وتَضَرَّعَ (١) في التخفيفِ، نقصَ إلى أنْ جعلَتْ خمساً (٢)، وهذا هو النَّسخ قبلَ وقتِ الفعلِ بعينه، وقدْ دَللنا عل هذا الأصلِ، ولأنَّ لله (٣) سبحانه أنْ يكلِّفَ الواحدَ كما يكلفُ الجماعة، ويكلِّفَ في السمَّاءِ كما يكلفُ في الأرضِ، وقذ كلَّفَ الملائكةَ السجودَ لآدمَ ﵇، وكلَّفَ آدَم وحواءَ قبلَ الإهباطِ (٤) تركَ أكلِ الشَّجرةِ، فإذا كانَ المكانُ صالحاً، وكانَ الشخصُ صالحاً، جازَ أنْ يكلفَه ليلتزمَ ويعتقدَ، فيُثيبَه على توطينِ (٥) النَّفسِ على الأشقِّ الأكثرِ، ثُمّ ينسخَ ذلكَ بالأقلِّ الأسهل، وفي ذلك لطيفةٌ، وهو أنَّ الأخيرَ يسهلُ بإسقاطِ الأَوَّلِ، كما كلفَ مصابرة الواحدِ للعشرةِ، ثُمَّ خفَّفَ بأنْ أَسقطَ ذلك إلى اثنينِ، وهذا يوجد في السماءِ في حقِّ مَنْ كلَّفَه من الأنبياء، كما يوجد في الأرضِ، ولا فرقَ، وفي إخبارِه لأُمتِه بذلك ممّا يوجبُ شكرَه، فيُعْقِبهم الشكرَ على ذلك ثواباً، وما لم يَخْلُ عنْ هذه الفوائدِ لا وجهَ للمنع منه. فصل في شبههم قالوا: الأمر في السَّماءِ أمرٌ بالتبليغ، فإذا نسخَه، صارَ كأنَّه قالَ لَه:

стр. 2527

بلِّغْ ذلك، لا تبَلِّغْهم، وهذا عينُ البداءِ. فيقالُ: بلِ النسخُ لذلك بانَ أنَّ المرادَ به اعتقادُه، وتوطينُ نفسِه، على تبليغ ذلك، والعملِ بِه بنفسِه، وتبليغ أُمَّتِه، وتبليغهم رفقَ الله بهم، ولُطْفَه، وإجابته إلى سؤالِه فيهم، والتخفيف عنهم، فما خلا الأمر عنْ فائدةٍ، ولا خلا النسخُ عنْ حِكْمةٍ ومصلحةٍ، ولا يتحقًقُ ما قالوا مِنَ النفي لما أثبتَه، ولا النهى عمَّا أمرَه بِه مِنَ البلاغ. فصل اختلفَ القائلونَ بجوازِ الاجتهادِ لرسولِ اللهِ ﷺ في الحوادثِ في تطرقِ الخطأِ عليهِ في اجتهادِه على مذهبينِ: أحدهما: جوازُ الخطأِ عليهِ، لكنْ لا يُقرُّ عليهِ، وهو مذهبُنا، ومذهبُ الأكثرينَ منْ أصحابِ الشّافعيِّ، وأصحابِ الحديث (١). وذهبَ بعضُ أصحابِ الشّافعيِّ: إلى أنّه لا يجوزُ عليه الخطأُ، بلْ هو معصومٌ في اجتهادِهِ، كعصمتِه في خبرِه عنِ اللهِ (٢). فصل في الدلائل على ذلك فمنها: أنَّ فِى القرآن معتبةً، منْ ذَلك: قولُه سبحانَه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ

стр. 2528

لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوه فِى المفاداةِ (١) في يومِ بدرٍ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] الآيات، إلى قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]، حتى قالَ: لوْ نَزلَ منَ السماءِ عَذابٌ، لما نجا منه إلاَّ عمرُ بنُ الخطابِ (٢)؛ لأنَّه كانَ أشَارَ بالقتلِ، ونهى (٣) عنِ المفاداة. ومنها: أنه قدْ جازَ عليهِ السَّهوُ حتى سلَّم مِنْ نقصانٍ، فقيلَ له: أَقَصُرتِ الصلاةُ، أمْ نَسِيت (٤)؟ فقالَ: "كلُّ ذلك لم يَكُنْ" وقد كان، ثُمَّ قالَ: " إنَّما أنا بشر أنسى كما تَنْسَوْن (٥) ". فإن قيلَ: أمّا (٦) النسيان، فقد بانَ منْه المصلحةُ بقولِه: "إنما أنسى، لأسنَّ" (٧). قيلَ: إذا كان ينسى؛ ليسنَّ الاستدراكَ بالسجود والجبران، جاز أن يُسلطَ عليه الخطأ، ولا يُعصمَ منْه؛ ليفصلَ بينَ رأيِه وخبرِه عنِ اللهِ سبحانَه، وليمعنَ في الاجتهادِ تحذراً من مضضِ المعتبةِ، وليعيَه فيعطيَ هو

стр. 2529

وأمته الاجتهادَ حقه؛ مِنْ بذلِ الوسع، وتركَ المبادرةِ إلى الجوابِ. فصل في شبههم فمنا: أنّ تجويزَ الخطأِ عليهِ يوجب التوقُّفَ في قولِه والشكَّ؛ لأنه إذا بادرَ بالجوابِ، وكان (١) يجوزُ عليه الخطأ، تردَّدَ قوله بينَ الخطأِ والصَّوابِ. فأوجب لنا تَردّداً فيه، وذلك عينُ الشَّكِّ في صحَّةِ جوابِه، والشَّاكُّ أبداً يتوقفُ عن الاستجابةِ إلى حينِ يَترجَّحُ عندَه أحد المجوَّزَينِ؛ إمّا (٢) بظنٍّ، أو قطع، والشَّكُّ في قولِه يوجب فسقَ الشَّاكِّ؛ لشكِّه وتوقفِه، قالَ الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. فيقالُ: إنَّ تجويزَ الخطأِ لا يوجب التوقّفَ، كما أنَّ تجويزَ ذلك على المفتي مِنْ علماءِ أمتِه ﷺ لا يوجب التوقّفَ؛ خوفَ الاستدراكِ والخطأِ، ولا الشَّكَّ فِى فتواهُ، بلْ يغلبُ على الظنِّ صحَّةُ قولِ المفتي، والانقيادُ إلى فتواهُ، إلى أنْ تقومَ دلالةُ الخطأ. ولأنّه باطلٌ بالتجويزِ للسهوِ، فإنَّه إذا سَلَّمَ مِنْ نقصان، وبانَ أنَّه كانَ أخطأَ، يجوزُ عليهِ الخطأُ فِى مناسكِه، ولا يوجب شكّاً، وكلُّ عذرٍ لهم عنِ السهوِ صالحٌ أنْ يكونَ عذراً عنِ الخطأِ.

стр. 2530

ومنها: أنّ القائلينَ بالإحماع اتفقوا على عصمتهِ عنِ الخطأِ، والإجماعِ ليسَ بأكثرَ منْ قولِ المجتهدينَ منْ أمتِه ﷺ ، فإذا كانتْ أمتُه معصومةَ عنِ الخطأِ، لم يجزْ أن يكونَ هو مجوَّزاً عليهِ الخطأُ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن تُعطى أمته رتبةً فوفَ إصابةِ الحقِّ لم يعطَها هو، كما لا يجوز تميزُ أمتِه عليه في بابِ الخيرِ والعصمة (١). فيقالُ: إنما ثبتَ الأَوْلى (٢) بعدَ صحةِ أصلِ المأخذِ منَ الذي يمنعُ أنْ يكونَ لأمتِه نوع ميزةٍ، وقدْ أصابَ عمرُ في رأيٍ بيَّنَ الوحيُ خطأَ النبي ﷺ ومنْ تابعَه فيهِ، وهو ما تقدّمَ مِن المفاداةِ، ووافقَ ربَّه في أشياءَ أشارَ بها، ولم يكن النبيَّ ﷺ سبقَ إليها، والخضرُ أصابَ في التأويلِ لأمرِ اللهِ وما طويَ في تلك الأفعالِ مِن المصالح، وأنكرَها موسى ﵇، والخَضِرُ تابعٌ، ورجلٌ منْ آحادِ أمةِ موسى، فهذا بابٌ لا يتحقَّقُ فيه أصلُ القاعدةِ فضلاً عنِ الأَوْلى. على أنَّ الأمةَ بعدَ موتِ نبيِّها ﷺ لوْ جُوِّزَ عليها الخطأُ، ولم تعصمْ عنه، لم يحصلِ الاستدراكُ لذلك الخطأِ، واستمرَّ على الحوادثِ، ولم يَكُنْ للناسِ مَن يبيِّن لهم؛ ليرفعوا عنْ خطأِهم، وليسَ كذلك النبيِّ ﷺ ؛ لأنّه إذا أخطأَ، نبَّهه الوحيُ، وأوجبَ عليه الاستدراكَ، فلمْ يستمرَّ الخطأ، فبانَ الفرقُ بينَه وبينَ أمتِه في هذا.

стр. 2531

فصل في صفةِ المفتي وهو الذي يعرفُ بالأدلةِ العقليةِ النَّظريةِ حدثَ العالمِ، وأنّ لَه صانعاً، وأنّه واحدٌ، وأنّه على صفاتٍ واجبةٍ لَه، وأنه منزهٌ عن صفاتِ المُحدَثينَ، وأنّه يجوزُ عليهِ إرسالُ الرسلِ، وأنه قدْ أرسلَ رسلاً بأحكامٍ شرعَها، وأنَّ صدقَهم فيما (١) جاؤوا بِه ثبتَ بما أظهرَه على أيديهم منَ المعجزاتِ. فإذا ثبتَ ذلك، وجبَ أن يكونَ محصلاً منْ كتابِ اللهِ، وسُنةِ رسولِه، وطريقِ الاستنباطِ، وإلحاقِ الشيءِ بنظيرِه، ومناسبةِ الحكمِ لعِلتِه. والذي يشتملُ عليهِ الكتابُ ممّا يحتاجُ إليهِ الفقيهُ: أحكامُ القرآنِ، والفصْلُ فيما بينَ المحكم والمتشابِه، والنّاسخ والمنسوغ، والمجمل والمفسرِ، والطلقِ والمقيدِ، والنَّصِّ والظّاهرِ، والعامِّ والخاصِّ، والصَّحيح من الأخبارِ والباطلِ، وطريقِ الجمع بينَ ما أوهمَ الاختلافَ بظاهرهِ، ومعاني الآيِ والأخبارِ منْ لغةِ العربِ. ولسنا نريدُ أنْ يكونَ في كلِّ علمٍ منْ هذهِ العلومِ ماهراً مثلَ أنْ يكونَ في النحوِ مثلَ سيبويهِ والخليلِ، ولا في اللغةِ كأبي زيدٍ، ولا في الحديثِ كيحيى بن معينٍ، فإنَّ ذلكَ محالٌ حصولُه لأحدٍ معَ كثرةِ العلمِ وقلةِ العمرِ، لكنَّا نريدُ ما دوَّنَه الفقهاءُ، وهذبَه العلماءُ في كتبهم، وقدْ روى جماعةٌ عنْ أحمدَ رضىَ الله عنه: أنَّه اعتبرَ أنْ يكونَ حافظاً لمئتي ألفِ

стр. 2532

[حديثٍ]، حتى إنّه تردَّد في الحافظ لأربع مئةِ ألفِ حديثٍ، وهذا محمولٌ على أنّه يكونُ قدْ أنسَ بالأحاديث التي تدورُ عليها الأحكامُ، وإلاّ فالحفظُ للأخبارِ بغيرِ فقهٍ، كالحفظِ للقرآنِ بغيرِ معرفةِ الآياتِ المحكماتِ، ولوْ حفظَ الآياتِ المحكمةَ التي تتضمّنُ أحكامَ العباداتِ والمعاملاتِ والأنكحةِ والجناياتِ، لكفاهُ ذلك عنْ حفظِ المواعظِ والقصصِ وما لا حكمَ فيهِ، ورويَ عنْه أيضاً: أنه [قال]: استفتاءُ أصحابِ الحديثِ أولى منَ استفتاء أهلِ الرأيِ، وهذا يحملُ على مَنْ جمعَ بينَ الأحاديث والفقهِ، وإلاَّ فالمُحدِّثُ الذي لا فقهَ لَه، كالحافظِ للكتابِ الذي لا يفقهُ معانيَ الكتابِ، ولا يعرفُ أحكامَه. [و] مَنْ حفظ أحكامَ الفقهِ، وما أكملَ المعرفةَ بأصولِ الدينِ، فهو عاميٌّ، لا يجوزُ أنْ يُستفتى، بلْ حكمُه أنْ يَسْتفتيَ عالماً، ولسنا نريدُ أنْ يكونَ في الأصولِ كآحادِ المتكلمينَ، لكنْ ما لا يسعُ جهلُه، وإنْ لم يُدَقِّقْ في الحقائقِ، ويُمْعِنْ في الدقائقِ منَ الكلامِ، وهذا ممّا لا يجهلُه أحدٌ منْ أئمةِ الفقهاءِ. ويجبُ أنْ يكونَ قدِ اطَّلعَ منَ السِّيرةِ في عصرِ الصَّحابةِ والتابعينَ ما يعرفُ بِه ما أجمعوا عليهِ مما (١) اختلفوا فيهِ، والمحاوراتِ الفقهيةَ، فذلكَ أصل أيضاً، فإنّ بعضَ النّاسِ يجعلُ قولَهم حُجَّةً، وبعضُهم يجعلُ ما اشتهر من فتاويهم معَ سكوتِ الباقينَ وعدمِ نكيرِهم إجماعاً، فذلك منْ بعضِ الأدلَّةِ الشَّرعيةِ التي لا غنى للفقيهِ عن الإحاطةِ بها.

стр. 2533

ويعرف مقاديرهم في المراتب والمعرفةِ؛ ليُرجِّحَ أقوأن بعضِهم على بعضٍ، وروايةَ بعضِهم على بعضٍ. ويعرفُ ما الأصلُ الذي يُبْنى عليه استصحابُ الحالِ؛ هلْ هو الحظرُ، أوِ الإباحةُ، أو الوقفُ؛ ليكونَ عندَ عدمِ الأدلةِ متمسكاً بالأصلِ إلى أن تقومَ دلالةٌ تخرجُ عنِ الأصلِ. ويَعْرفُ الأدلة وتراتيبَها على ما بيَّنّا في أوَّلِ كتابنا، والصَّحيحَ منَ الفاسدِ، والحجَّةَ مِنَ الشبهةِ؛ ليَتبعَ الحجَّةَ، ويرفضَ الشُّبَهةَ. ويعرفُ الأَسماءَ الموضوعةَ في الأَصلِ -وهي الحقائقُ- والمجازَ، ليَبْني الأحكامَ على الحقائقِ دونَ المجازِ والاستعارةِ. فصل في الدلائلِ فمنها: أنّ الاستفتاءَ استخبارٌ واستعلامٌ، ولا يجوزُ استعلامُ مَنْ لا يعلمُ، ولا استخبارُ منْ لا يُحسِنُ؛ بدليلِ أنَّه لا يجوزُ السُّؤالُ عنِ الإعرابِ لغيرِ نحوي، ولا عنْ معاني الأسماءِ لغيرِ لغويٍّ، ولا السُّؤالُ عنْ فرضٍ في تركةِ متوفىً لغيرِ فَرَضِي، وعلى هذا كلُّ صناعةٍ؛ حتى التقويم لا يجوزُ أنْ يسألَ عنْه إلاّ مَنْ لَه خبرةٌ بالسِّلع، والأسواقِ، والأسعارِ المتقلِّبةِ، والرغبات المختلفةِ. ومنها: أنَّه معنى يحتاجُ فيهِ إلى التقليدِ، فاعتبر في المُسْتَفتَى فيه الخبرةُ بطريقِ العلمِ بِه، كاستقبالِ القبلةِ.

стр. 2534

فصل في صفة مَن يجوز له التقليدُ وهو الذي لا يعرفُ الأدلة، ولا طرقَ الأحكامِ التي ذكرناها في المستفتى، [و] منْ لم تكمُلْ فيه تلكَ الأحكامُ، جازَ لَه التقليدُ؛ فإنَّنا لوْ كلَّفناهُ النظرَ فيهِ، لشقَّ ذلك على الأمَّةِ، ولم يتسع الحالُ للمعايشِ والصَّنائع، ولذلك جعلَ الله تعالى طلبَ العلمِ فرضاً على الكفايةِ بقولِه تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] بعدَ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ وما ذاكَ إلاّ لِما ذكرْنا، وقدْ قالَ صاحبُنا أحمدُ، وقدْ سُئلَ عنِ الرجُلِ يكونُ عندَه الكتبُ فيها الأحاديثُ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، واختلافُ الصَّحابةِ، ولا يعرفُ صحَّةَ الأسانيدِ، ولا الصَّحيحَ منْ غيرِه: هلْ يأخذُ بِما شاءَ مِنْ ذلك؟ فقالَ: لا، بلْ يسألُ أهلَ العلمٍ. فقدْ جعلَه عاميّاً، ولا يجوِّزْ لَه الأخذَ بشيءٍ منْ ذلك، فكانَ ذلك تنبيهاً على أنّه لا يجوزُ له أنْ يفتيَ غيرَه؛ لأنَّ تقليدَ الكتبِ، وأقوالِ الصَّحابةِ، إذا لم يكنْ معَه معرفةٌ، غيرُ موثوقِ بها، فيصيرُ بذلك مقلِّداً لِما لا يجوزُ تقليدُه، وهو المخبرُ، والمخبرُ لا يقلدُ، كذلك الكتاب، ولهذا يمنعُ العاميُّ أنْ يعملَ بآي المصحفِ؛ فإنه لا يعرفُ النّاسخَ منَ المنسوخ، ولا الخاصَّ منَ العامِّ، ولا المصروفَ عنْ ظاهرِه بالدلالةِ إلى غير ما نطقتْ بِه الاَيةُ، مثل أنْ يسمعَ قولَه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ الي قوله ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، فيدخلَ بيتَ رجلٍ منْ معارفِه بغيرِ إذنِه، ويأَكلَ طعامَه، أو يُفْتِيَ بذلك، أو يسأله أَعمى، أو أعرجُ عنْ

стр. 2535

مثلِ ذلك، فيقولُ: ليس عليك إثم ولا حَرَج، ويتلو على ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وعلى هذا وأمثاله، فلذلكَ منعَ أحمدُ العاميَّ مِنَ الأخذِ بِما في الصحفِ منْ السُّنَّةِ وأقاويلِ الصَّحابةِ، والذي يشهدُ بذلك: أنَّ النبيٍّ ﷺ لَمَّا أخبروهُ بالذي شُجَّ (١) رأسُه، فقالَ: هلْ تجدون لي رخصة؛ فقالوا (٢): لا، فاغتسلَ، فماتَ، قالَ: "قتلوهُ، قتلَهم الله، هلاّ سألوا إذ (٣) لم يعلموا" (٤) ومعلوم أنهم إنما تعلقوا بقولِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وكانوا واجدين للماءِ، فلمْ يكنْ فيهم فقيه يعلمُ أنَّ ضررَ الجرح كالعدمِ، ولوْ كانَ سألَ فقيهاً منْ فقهاءِ الصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم، لأَفْتاهُ، وتركَ ظاهرَ الآيةِ بالدلالةِ المفهومةِ منَ الآيةِ، أوْ منْ غيرِها منَ الأدلةِ. فصل في خصالٍ يستحبُّ أنْ تعتبرَ في المفتي ذكرَها صاحبُنا أحمدُ ﵁ فينبغي للمستفيّ أنْ يَتخيَّرَ منَ الفقهاءِ مَن تجتمعُ فيه، ويتجنبَ مَن لا تكونُ فيه؛ مِن طريقِ طلبِ الفضلِ، لا على وجهِ الشرطِ. قالَ أحمدُ: لا ينبغى للرجلِ أنْ ينصبَ نفسَه -يعى: للفُتيا- حتّى تكونَ فيه خمسُ خصالٍ:

стр. 2536

أنْ تكونَ له نية، فإنَّه إذا لم تكقْ لهُ نيةٌ، لم يكنْ عليهِ نور، ولا على كلامِه نور. والثانيةُ: أنْ يكونَ لَه وقارٌ وسكينةٌ. والثالثةُ: أنْ يكونَ قوياً على ما هو فيه، وعلى معرفتِه. والرابعةُ: الكفايةُ، وإلا مضغَه النّاسُ. والخامسةٌ: معرفةُ النّاسِ (١). فصل في تفسيرِ ذلك وبيان فوائدِ هذه الخصال أمّا النيةُ، فإنّه يعني: قصدَ الإرَشادِ، وإظهارِ أحكَامِ اللهِ سبحانَه للعامَّةِ، وهدايةِ المسترشدينَ، دونَ الرياءِ، والسُّمعةِ، والتنويهِ باسمه، فإنَّ ذلك إذا خلصَ، كانَ عليه مسحةٌ منَ القبولِ، فاستجابَ لَه المسترشدُ، وصارَ إلي فتواهُ، ويكونُ قصدْه في بيانِ أحكامِ الشرع العملَ بها، كما يقصدُ المجاهدُ إعلاءَ كلمةِ اللهِ. وأمّا قولُه: ويكونُ عليهِ سكينةٌ وحِلْمٌ ووقارٌ، فإنَّ ذلك ممَّا يُرغِّبُ المستفتيَ في الإصغاءِ إلى فتواهُ، والاستجابة لأحكامِ اللهِ، فإنَّ المفتيَ مخبر عنِ اللهِ، ووارثُ رسولِ اللهِ ﷺ ، وكما أنّ للنبوةِ (١ وقاراً معتبراً

стр. 2537

ليكونَ ١) ذلك داعيةً إلى الاستجابةِ لَهم، كذلك ورثةُ الأنبياءِ -وهمُ العلماءُ- يجب أنْ يتخلًقوا بأخلاقِهم؛ ليستتبعوا في أحكامِ الحوادثِ العوامَّ، كما إستتبَعَ الأنبياءُ ﵈ الأممَ في أصلِ ما دعوا إليه منَ الإسلامِ، ولأنَّ المفتي مخبر عنِ اللهِ، فإذا كانت عليه سكينةٌ ووقارٌ وحِلمٌ، كانَ ذلك منْه تعظيماً للخبرِ والمُخبَرِ عنْه، وإذا كانَ فيه خَرَقٌ وتَبذّلٌ وهَزْلٌ، لم يثقِ النّاسُ إلى خبرِه كلَّ الثقةِ، وقالوا في نفوسِهم: لوْ كانَ ما يدعونا إليه على علمٍ منه، لسبقَ إليه، ولفاضَ ذلك على أبعاضِه وأطرافِه. وأمّا قولُه: يكونُ قوياً، فإنّما يعني به: قوياً في العلمِ، ويأوي إلى ثقةٍ بالدلالةِ التي أسندَ إليها فتواه، كما قال سبحانهَ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، يعني: بفهمٍ وعلم لما (٢) يفهمُ، ويقين لما يسمعُ، وقالَ لموسى ﵇ في التوراةِ: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]، ومتى لم يكُ كذلك؛ كانَ مخمِّناً أو حادساً، والضعف ميزةُ التقليدِ، والقوةُ ميزة الأخذِ بالدليلِ. وأمّا قولُه: الكفايةُ وإلاّ مضَغه النّاسُ، فيريدُ بذلك: المعيشةَ، و [أَن] لا يمنعَه التفقهُ منَ التكسبِ، فإنَّ المنتدبَ للعلمِ متى لم تكنْ له جهةٌ يرتفقُ بها، نسبَه النّاسُ إلى التكسبِ بالعلمِ، وأخذِ العوضِ عليه، فسقطَ قولُه إذا تكلمَ الناسُ فيهِ، ولهذا حمى الله أنبياءَه عنْ أخذِ أموالِ النّاسِ، بلْ لم يَنصبْ نبياً للبلاغ عنْه إلاّ ولَه حرفةٌ بينَ خياطةٍ، وقصارةٍ، ونجارةٍ، ورعي

стр. 2538

غنمٍ، ليكون (١) ذلك أبعدَ للتهمةِ، والتهمةُ تمنعُ قبولَ القولِ، والمندوبُ للاستجابةِ لَه لا يعرضُ لِما يلفتُ النّاسَ عنْه، فيسقط مقصودُ النصبةِ، والمنصب منصبُ (٢) استتباعِ. وأمّا قولُه: فمعرفةُ النّاسِ، فيحتملُ: أنْ تكونَ معرفة الرجالِ، ليعولَ على روايةِ المعروفِ بالحفظِ والثقةِ، ويتجنَّبَ مَن يعرفُه بالتحريفِ، أو الغلطِ، أو عدمِ الحفظِ، أو تَنكّبِ السُّنَّةِ، ويحتملُ: ومعرفةُ النّاسِ الفاجرِ الذي لا يستحقُّ الرُّخصَ والتسهيلَ عليهِ، فيلزمُ عليه العزائم، ولو استفتاهُ في الخلوةِ بالمحارمِ معَ علمِه بأنه يسكرُ، لا يفتيهُ، فإنّه لا يُؤمنُ وقوعُه على محظورٍ منْها، ويزن بمعارف الرجالِ كما وزنَ النبيُّ ﷺ الشّابَّ والشيخَ في سؤالِهما عنِ القُبْلةِ في الصَّومِ، فأمرَ الشَّيخَ بجوازِها، والشّابَّ بالنهي عنْها، وكذلك رخصُ السَّفرِ لا يُفتى بها أجناد وقتِنا؛ لمعرفتِنا بأسفارِهم، فهذا وأمثالُه لا يحصلُ إلاّ بمعرفة النّاسِ، وكذلك المُعْتدَّاتُ إذا كنَّ على صفاتِ وقتِنا، لا ينبغي أنْ يسهلَ عليهم أمر العِدَّةِ بقبولِ قولِهنَّ في أقصرِ مُدَّةٍ، بلْ تبنى الفُتيا لهنّ على العادةِ منَ الحيضِ، ويستشهدُ الثقات من بطانةِ اُهلِها، وإلى أمثالِ [ذلك]. فمتى لم يكنْ الفقيهُ ملاحظاً لأحوالِ النّاسِ، عارفاً لهم، وَضَعَ الفُتيا في غيرِ موضِعِها، وإلى هذا أشارَ النبيُّ ﷺ بقولِه (٣): "اسْتَفْتِ نفسَك، ولو

стр. 2539

أفتاكَ المفتونَ" (١). فصل ولا يقفُ الاستفتاءُ والتقليد على إمامٍ معصومٍ، بلْ منْ ظهرَ علمُه وعدالتُه وبلوغُه حده، كانَ تقليدُه جائزاً، خلافاَّ لَلشيعةِ: لا يُعتَدُّ إلا بتقليدِ إمامٍ معصومٍ، وهذا يُبنى على أصلٍ لهم نخالفُهم فيهِ، وهو إثباتُ معصومٍ غيرِ الإجماع. فصل الدلائل على ذلك فمنها: أنَّ العصمةَ لوْ كأنت معتبرةً في التقليدِ في الحكمِ، لكانت معتبرةً في المخبرينَ عنِ الإمام؛ لأنه لا تجتمعُ معَ شيعتِه في سائرِ الآفاقِ، فإنْ اوقِفَتِ (٢) العصمةُ في المُبَلِّغينَ عنْه، بطلَ قولُهم؛ لأنَّ خبرَ الواحدِ غير المعصومِ عنِ المعصومِ فِى الحكمِ، كتقليدِ غيرِ المعصومِ في الأحكامِ أنفسِها، وإذا جازَ إسنادُ التقليدِ إلى المخبرِ عنِ الإمامِ، ولا عصمةَ في حقِّه، بطلَ هذا الأصلُ. ومنها: أنَّ الإمامَ عندَهم لم يَظْهَرْ تَقِيَّةً، والمُتَّقِي لا تظهرُ فتواهُ، ولا تنفصلُ التقِيَّةُ عنْ غيرِها في الفتوى، فلا يحصلُ الوقوفُ على أحكامِ اللهِ. ومنها: أنه لو راعينا في أحكامِ الفروع الرجوعَ إلى القولِ المقطوع،

стр. 2540

لوقفتِ الحوادثُ، وإذا بنيَ الأمرُ فيها على الظن، تحيرتِ (١) الأحكامُ. ومنها: أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ كرمَ الله وجهَه- وهو إلأصلُ في هذا - نطَقَ بما يُبنى على (٢) الظنِّ دونَ القطع، مثلُ قولهِ في حدِّ السكرانِ: إنَّه إذا سكرَ هذى، وإذا هذى افترى، فحدُّوه حدَّ المفتري (٣)، وقولِه في الرجلِ الذي كانَ يؤتى كما تؤتى النساءُ: عاقبوهُ بما عاقبَ الله بِه قومَ لوطٍ، وهو الرجمُ بالحصى (٤)، وهذه استدلالاتٌ ظنيَّّةَ، وتعليلاتٌ إقناعيةٌ، بنى عليها الأحكامَ الشرعيةَ. فصل ولا يجوزُ للعاميِّ أنْ يستفتيَ في الأحكامِ مَن شاءَ، بل يجبُ أنْ يبحثَ عنْ حالِ مَن يريدُ سؤالَه وتقليدَه، فإذا أخبرَه أهلُ الثقةِ والخبرةِ أنَّه أهلٌ لذلك علماً وديانةً، حينئذٍ استفتاهُ. وقالَ قوم: لا يجبُ عليه ذلك، بلْ يسألُ منْ شاء (٥). فصل في أدلنِنا فمنها: أنَّ الرجوعَ إلى قولِ الغيرِ لا يجوزُ إلا بعدَ العلمِ بأنَّه أهلٌ

стр. 2541

لذلك؛ بدليلِ النبيِّ، والحاكمِ، والمقوِّمِ للسلع، والمخبرِ بالعيوبِ التي تنفسخُ بها العقودُ، وإذا ثبتَ هذا فيما عزَّ، وهوَ النبوةُ والإمامةُ والحكمُ، وفيما هانَ؛ كالعيوبِ وقيمِ المتلفاتِ، وجبَ اعتباره في التقليدِ في أحكامِ الشَّرع، ومتى لمْ يعتبرْ ذلكَ، لم يثقِ السائلُ بالمسؤولِ، والمستفتي بالمستفتى، ولم يكنْ قولُهُ بأَوْلى مِنْ قولِ غيرِهِ. ومِنْها: أنَّه لوْ كانَ سؤالُهُ لمَنْ شاءَ تقليداً كافياً، لجازَ لَهُ أنْ يفعلَ ما شاءَ، وكانَ ذلكَ كافياً. فصل في شبهة المخالف لوْ كانَ استعلامُ حالِ المستفتى معتبراً، لكانَ مِنَ الواجبِ عليهِ معرفةُ الأدلةِ التي تُسنَدُ إليها الأحكامُ، فلما لم يجبْ عليهِ البحثُ عنِ الأدلةِ، كذلكَ لايجبُ عليهِ البحثُ عنْ صفاتِ المسؤولِ. فيقالُ: أمَّا السُّؤالُ عَنْ حالِ المستفتى، فلا يقطعُ عَن الأشغالِ، ولا يَنْشَغِلُ بهِ عنِ المعايشِ؛ إذْ ليسَ بأمرِ يطولُ، فأمَّا تَعلّمُ العلومِ التي يَصلحُ بها للاجتهاد (١)، ويصيرُ بها أهلاً لذلكَ، فيحتاجُ إلى إفرادِ وقتِهِ، وإِفراغ وسعِهِ لذلك خاصةً، إلى أنْ يبلغَ مبلغَ أهلِ الاجتهادِ. فإنْ قيلَ: فهلْ تعتبرونَ التواترَ في كونِهِ منْ أهلِ الاجتهادِ؛ لتقطعوا على ذلكَ، أمْ تكتفونَ بخبر الواحدِ؟

стр. 2542

قيلَ نَكْتَفي بأخبارِ الآحادِ، كما نكتفي بخبر الواحدِ في الأحكامِ عَنِ الرسول ﷺ ، وليسَ طريق الرجوع إلى هذا بأَوْفى منْ طريقِ الرجوع إِلى الرسولِ ﷺ ، في الأحكامِ الشرعية. فصل فإن لم يكنْ في المِصْرِ إلاَّ عالمٌ واحدٌ، رجعَ إلى قولِهِ، وتسقطُ عنْهُ كلفةُ الاجتهادِ في طلبِ الأعلمِ والأورع، وإنما (١) كانَ كذلكَ، لأنَّ الوحدةَ أَبداً تُسقِطُ الترجيحَ والتخييرَ، كما إذا لم يجدْ إِلاَّ طعاماً (٢) في كفارةِ التخييرِ، تعيَّنَ عليهِ، وإذا لم يجدْ إلاَّ واحداً يصلحُ للصلاةِ على الميتِ، تعيَّنَ عليهِ، وكذلك في كلِّ أمرٍ هو فرضٌ على الكفايةِ، وإذا عدم الجامدُ في الاستنجاءِ، تَعيَّنَ عليهِ استعمالُ الماءِ. فصل في الفرق بينَ النسخ والتخصيص مِنْ طريق الأحكامِ والجمع بينَهما في الَحقيقةِ اعلمْ أنَّ النسخَ: رفع وإزالةٌ للحكمِ في وقتٍ بعدَ أن كان ثابتاً على الدوامِ، كإِطلاقِ (٣) قولِهِ: صَلُّوا إلى بيتِ المقدسِ، والصَّلاةُ قدْ قامتِ الدلالةُ على دوامِها وتكرُّرِها، والاستقبالُ الذي هوَ شرطها دائمٌ بدوامِها،

стр. 2543

فإذا جاءَ النسخُ لقبلةِ بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، كانَ النسخُ رافعاً للحكمِ في المستقبلِ عَنِ استقبالِ بيتِ المقدسِ فيهِ، وكانَ بياناً لزمانِ الاستقبالِ، كما إذا وردَ لفظُ العمومِ بحكم في أعيان، كقتل المشركينَ، وقتلِ المرتدينَ، ثم جاءَ النهيُ عَن قتلِ أهلِ الكتابِ إذا بذلوا الجزيةَ، وقَتْلِ النساءِ والصبيانِ، خرجوا من العمومِ، وزالَ الحكمُ في حقِّهم، وبانَ المرادُ منَ الأعيانِ المقتولينَ. فتحقق المعنى فيهما واحدٌ (١)؛ هذا تخصيصُ أعيان، وهذا تخصيصٌ لزمان، وهذا بيانٌ لمدةِ التعبدِ باستقبالِ القبلةِ الأُولى، وإزالة التعبد في المستقبلِ باستقبالِها، وكذلكَ تحريمُ الخمرِ وإباحتُها، وإلى أمثالِ ذلكَ. فأمّا افتراقُهما في غيرِ الحقيقةِ، فإنَّ النسخَ بدليلِ العقلِ لايجوزُ، ويجوزُ التخصيصُ بدليلِ العقلِ، ولايجوزُ النسخُ بهِ، وإنَّما كانَ كذلكَ، لأَنَّ دليلَ العقلِ يعملُ في قولِه: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وإخراج صفاتِه سبحانَه، وقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] تعمل فيهِ دلالةُ العقلِ؛ بأنها ما دمَّرتْ هوداً ولا قومَه ممَّن آمنَ بِهِ، وكانَ ذلك لدليلِ العقلِ المانع منْ كونِ (٢) صفاتِهِ اللازمة محدثةً، لما منعَ العقلُ منْهُ؛ منْ خلوِّه سبحانه مِن علمٍ وقدرةٍ وحياةٍ، ومنعَ منْ إرسالِ الريح مهلكةً لمَنْ خالفَهُ، ثُمَّ يهلكُ بها مَنْ تابَعَه، فلا يكونُ ذلكَ هدىً، بلْ تضليلاً وإعداماً للثقةِ بالرُّسلِ،

стр. 2544

فأمَّا النسخ، فلا يثبتُ إلاَّ بطريقٍ واحدٍ ليسَ للعقلِ طريقٌ إلى علمهِ، وهوَ المصلحة في وقتِ إثباتِ الحكمِ، والمفسدة بإثْباتِهِ في وقتِ نسخِهِ، وهذا أمرٌ لا اطلاعَ للعقلِ عليهِ، فلذلكَ اختلفْنا فيهِ. وأمَّا التخصيصُ للقرآن بخبرِ الواحدِ، والقياسِ، وقولِ الصحابيِّ، وغيرِ ذلكَ منَ الأدةِ الظنيةِ، فكلَّ ذلكَ ممنوعٌ منهِ عندَ قومٍ، ومُجوَّزٌ النسخُ بهِ عندَ طائفةٍ، فليسَ شيءٌ منْ ذلكَ متفقاً على إثباتِهِ مخصِّصاً أو، إثباتِه ناسخاً. فصل وإنَّما سلكتُ فيه (١) تفصيلَ المذاهبِ، ثمَّ الأدلَّةِ، ثمَّ الأسئلة، ثم الأجوبةِ عنها، ثم الشبهاتِ، ثم الأجوبةِ، تعليماً لطريقةِ النظرِ للمبتدئينَ، والله الموفق بمنِهِ وكرمه. [فصل] مسائل تَتبعْتها ممَّا كنتُ أَغفلْمنها، وفصول لقطتها منَ الكتبِ والمجالس من غرائب المسائل والفصولِ. إنْ قالَ قائلٌ: هلْ يجوزُ تأبيدُ التكليفِ إَلى غيرِ غايةٍ؟ فقدِ اختلفَ الناسُ في ذلك: فذهبَ الفقهاءُ، والأشاعرةُ مِنَ الأصوليينَ: إلى جوازِ ذلكِ في عدلِ

стр. 2545

اللهِ وحكمتِهِ؛ فإنَّ لَهُ أنْ يقطعَ التكليفَ، ولَة أنْ يديمَه ويُؤبِّدَة. وقالتِ المعتزلةُ: لايجوزُ ذلكَ، ولايجوزُ في عدلِ اللهِ وحكمتِهِ إدامتُه تكليفَه لخلقِهِ، بلْ يجث أنْ ينتهيَ ذلكَ إلى غايةٍ. فصل في الدلالةِ على جواز ذلكَ ما أجمع المسلمونَ عليهِ مِنْ وجوبِ طاَعةِ اللهِ سبحانَهُ، ووجوبِ شكرِهِ على ما ابتدأَ بِهِ من النعمِ مِنْ غيرِ استحقاقٍ: إخراجِ من العدم، ودعاءٍ إلى المعرفةِ، وإقامةِ شواهدَ تدلُّ عليها، وترشد إليها، وأرزاقٍ دارَّة، وإلى نعم لاتحصى [ولا] تعد، كما قالَ سبحانُه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] واقتضانا الشكر (١) عليها، حيث قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ وساقَ الاقتضاءَ، وبيَّنَه: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ٨ - ١٤]، فإذا ثبت وجوبُ طاعتِهِ وشكرِه، وأبقى المنعمَ عليهِ أبداً، حَسُنَ أنْ يديمَ إيجابَ الطاعةِ والشكرِ أبداً. فصل في شبههم قالوا: تُبْنى المسألةُ على أصلٍ، و [هو] أنَّ الثوابَ على الأعمالِ التي

стр. 2546

تضمنها التكليفُ، الشاقَّةِ على المكلفينَ بم منَ الوضوءِ في السَّبَراتِ (١)، والانزعاج من لذيذِ الرقادِ إلى الصَّلواتِ، وتركِ الماءِ البارِد في الصَّيفِ لأجل الصَّومِ، وهجران اللذاتِ لأجلِ نهيِهِ سبحانَهُ، والحمل (٢) للسلاح، والثباتِ عندَ لقاءِ العدوًّ في مصافِّ الغزواتِ، ومقاطعةِ الأهلِ والعشيرةِ تعظيماً لكلمةِ اللهِ، وبغضاً في اللهِ، والصَّفح عنِ الإساءاتِ منْ قِبل الأقارب، وبَذْلِ الأموال حباً في اللهِ، والصَّبرِ على من آذى (٣) أيضاً، وإنْ صعب على الطباع، وأَوْجعَ النفوسَ، كل ذلك مما ضَمِنَ عنه الأَعْواضَ، وأوجبَ على نفسِهِ المقابلةَ عليه بالنَّعيمِ، فإذا جوَّزتم إدامةَ التكليف، لم يبق زمان للمجازاةِ، فمن هاهنا أحلنا ذلك ومنعناه. قالوا: وكذلك من أصلنا: أنَّ الوعيدَ واجب، وأنَّ العفوَ عن العصاة المصرِّين غيرُ جائزٍ، فلابدَّ من زمانِ المجازاة، وإيقاع العقوبةِ، فمنْ هذينِ الأَصلين منعنا إدامةَ التكليف إلى غير غاية. والجوابُ: أنَّنا نعتبرُ هذين (٤) الأصلين بما أوجب الله علينا من الطَّاعة بإجماعِنا، ولوْ قُلْنا: يجب الجزاءُ والثوابُ عن الفعل الواجب، لوجب علينا أيضاً الشكرُ عنِ الثوابِ الواجبِ، ولانزال كذلك نقابلُ واجباً (٥) بواجب، فلا ننتهي إلى غاية، وقدْ ثبتَ أنَّ كلَّ واجبٍ، من قضاءِ الديونِ،

стр. 2547

وأداءِ الحقوقِ، لايجبُ الشكرُ عليهِ، ولا الجزاءُ عنْهُ، فإذا ثبتَ وجوب طاعةِ اللهِ، بطلَ إيجابُ الجزاءِ عليها، والأجرِ عنْها. ولأَنهم قدْ قالوا: إنَّ تركَ المعرفةِ قبيح، وكذلكَ إهمال الاستدلالِ والنظرِ المؤديينِ إلى المعرفةِ، وإذا كانا قبيحينِ لأنفسِهما، وجبَ تركُهما بقضيةِ العقلِ، فمنْ أينَ يجبُ ثواب على ذلكَ، والحالُ هذهِ؟ وأمَّا وجوبُ دوامِ العقابِ، فظاهرُ (١) الفسادِ؛ فإنَّ العفوَ عَنْ كلِّ عقوبةٍ حسن في العقلِ، إلا إذا كانت تُفضيْ إلى مفسدةٍ توفي على ذلكَ، ولامفسدةَ في عفوِ اللهِ عنْ جميع حقوقِهِ بعدَ زوالِ التكليفِ. فصل هلْ يصحُّ أنْ يكونَ في نظرِهِ مطيعاً؟ قالَ أهلُ التحقيق لايتَأَتَّى أنْ يكونَ مطيعاً في نظرِهِ، لأنَّ النظرَ فِى دلائلِ العبرِ هيَ الطريقُ الموصلُ إلى معرفةِ الآمرِ الواجبِ (٢) طاعتُهُ، ولاتصحُّ طاعةُ مَنْ لم يعرفْ، ولا معرفةَ لمَنْ لم ينظرْ، فمنْ هذا الوجهِ امْتَنعَتْ طاعةُ الناظرِ في نظرِهِ المؤدي إلى معرفةِ مَنْ تلزمُ استجابةُ أَمره. اعترضَ معترضٌ بآيات الأمْرِ بالنظرِ، والمدح عليهِ، والذمِّ على تركه: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩]، ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ

стр. 2548

لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ [الذاريات: ٢٠]، وإلى أمثال ذلك، وإذا ثبتَ الأمرُ، فإنه استدعاءٌ من الأعلى، فإذا وقعَ النظرُ منَ الأدنى، تحفقَ حدّ الطَّاعةِ؛ لأن حدَّها الانقياد لأمرِ الأَعلى. فيقالُ: لسْنا نمنعُ أنْ يكونَ مأموراً بكتابٍ سبقتِ المعرفةُ بالمتكلمِ بِهِ جلتْ عظمتُهُ، وهوَ الآمرُ، فالانقيادُ لَهُ بعدَ النظرِ الأولِ المُحصِّلِ لإثباتِهِ، ووجوبِ الاستجابة لَهُ، وكلامُنا في النظرِ الأوَّلِ الذي هوَ مقدمةُ العرفانِ، ذلكَ الذي لايقعُ طاعةً، لأنهُ ما ثبتَ الأمرُ المطاعُ قبلَ النظرِ في دلائلِ إِثباتِهِ، فخرجتِ الآياتُ عَنْ كونِها دلائلَ فيما وقعَ الخلافُ فيهِ. فصل في أخبارِ الآحاد إذا جاءتْ بما ظاهره التشبيهُ، والتأويلُ فيها [غيرُ] محالٍ، لكنْ يَبعُدُ عن اللّغة حتى يكونَ كأنه لغزٌ، هلْ يجبُ ردّها رأساً، أو يجبُ قبولُها، ويُكلَّفُ العلماءُ تأويلَها؟ اختلفَ الأصوليونَ في ذلكَ على ثلاثة مذاهبَ: فقومٌ قالوا بظاهرِها؛ لأنَّ ظاهرها لايعطي الأعضاءَ والانفعالات، وحمل الأعراضِ؛ لأنها بينَ ذكرِ يدٍ ورجلٍ، وحَقْوٍ وأصابعَ، وأضراسٍ ولهواتٍ، ونزولِ وصعودٍ، ومشي وتدل، ووضع يدٍ على ظهرٍ ولها بردٌ، واستلقاءٍ على الَظهر ووضع إحدى الرجلينِ على الأخرى، إلى أمثال ذلك من إثبات الغضبِ صفةَ ذاتٍ، والرحمةِ صفةَ ذاتٍ، وهي [عبارةٌ] عنِ التهاب وغليان دم القلب طلباً للانتقام، ورقة طبع يتألم بوقوع الألم

стр. 2549

والمكروهِ بالحيوانِ. الذهبُ الثاني: ردُّوا الأخبارَ صفحاً، وكذبوا رواتها، واتهموهم بأنواع التهمِ؛ إمَّا الوضع والكذب على رسولِ اللهِ ﷺ ، أو عدم الضبطِ، أو كُذب لهم ولم يعلموا، ووضع على أسانيدَ صحاح، فاغتروا بذلكَ، وروَوْها منْ غيرِ النظرِ إلى بُعْدِ معانيها عنِ اللهِ سبحانَهُ. والمذهبُ (١) الثالثُ قالَ: يجبُ قبولُها حيث تلقَّاها أصحابُ الحديثِ بالقبول، ويجبُ تأويلها لنقضها على ما يدفعُها عنْ ظاهرِها، وإنْ كانَ منْ بعيد اللَّغةِ ونادِرِها، وهذا هو اعتقادُنا، ولايختلف العلماء أنّه إذا كانَ طريقُ ذلكَ قطعياً؛ كالوارِد في آيِ القرآنِ منْ ذلكَ، وأخبارِ التواترِ لا تردُّ، بل تُقْبَلُ على مذهبينِ؛ إمَّا التأويل، أوِ الحمل على الظاهِر. فصل والدلالةُ على وجوبِ قبولها: أنَّ رواةَ هذهِ الأخبارِ، والمتلقينَ لها بالقبولِ، هُمُ العدولُ الثقاتُ الذينَ رضينا بهم في إشغالِ [الذِّممِ] الخاليةِ من الحقوقِ والأموالِ والديونِ، وأرقنا بهم الدماءَ المحقونةَ، وأبحنا بهم الفروج المعصومةَ، فلا وجهَ لردِّ أخبارِهم مع إمكانِ تأويلِ ما جاؤوا بهِ، وعدم استحالتِهِ التي توجبُ كذبَهم، لاسيَّما وقدْ عضدَ ذلك ما جاءَ في كتابِ اللهِ ممّا يوجبُ ظاهِرُه التشبيهَ؛ كذكرِ اليدينِ، والوجهِ، والمجئ والإتيانِ، والإقراضِ، معَ وصفِهِ نفسَهُ بأنَّ له كلَّ شىءٍ، [فقال]:

стр. 2550

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١]، وإضافةِ المكرِ والاستهزاءِ والأذيةِ إليهِ؛ بقولِه تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وظواهرُ هذه الألفاظِ كلها مستحيلةٌ على اللهِ سبحانَهُ، فحُمِلَت بالتأويلِ (١) على أذيةِ رسولِهِ، والاقتراضِ من الأَغنياءِ منْ خلقِهِ للفقراءِ، فعبَّر عنِ الفقراء بنفسِهِ، وعلى هذا كلّ ما (٢) جاءتِ [به] الأخبارُ مستبعداً (٣) منَ الشرائع وكتبِها ورموزِها ومقدَّراتِها ومحذوفِها وزائدِها، وسرُّ ذلكَ: أنه قصدَ امتحانَ العلماءِ؛ ليجهدوا أنفسَهم باستخراخ التأويلِ الصارفِ لها عَنِ الظواهِر التي تقتضي التشبيهَ بالنُّصوصِ التي في كتبِهِ، وبأدلَّةِ العقولِ التي منحَهم، ولمعنى آخرَ أغمضَ منهُ وأدقَّ، وهو أنَّ الله سبحانَه علمَ أنَّ أكثرَ الناسِ عبدوا المحسوساتِ، وأنِسُوا إليها؛ لمكانِ المجانسةِ في الحدثِ والحسن، فقومٌ عبدوا النجومَ استحساناً لها، ونظراً إليها بعينِ البقاءِ والدوامِ، ثمَّ التّأثيراتِ (٤) على ما توهموهُ منَ الأحكامِ، وأضافوا إلى كلِّ نجمٍ أمراً منَ الأمورِ منَ المنافع والمضارِّ والشرورِ واتفاقِ الأمور، وجعلوا جميعَ ما يحدثُ في العالم السّفليِّ إنَّما بتأثيرٍ عنها، وقومٌ عبدوا النّوَرَ والظلمةَ، وأضافوا الخيرَ إلى النُّورِ، وإلى الظلمةِ المضارَّ والشرورَ، وقومٌ عبدوا الملائكةَ، وقوم عبدوا الأشخاصَ كعيسى وعُزَيرٍ، وقومٌ عبدوا بعضَ البهائمِ كالبقرِ، وقوم عبدوا الديكةَ،

стр. 2551

وقومٌ عبدوا الحجارةَ المُشكلةَ، وكلُّ مَنِ استحسنَ شيئاً عبدَهُ، أو كَلِفَ بشيءٍ عظمَهُ، فأنست نفوسُ العالمِ إلى المحسوسِ المقطوعِ بوجودِهِ منْ طريقِ المشُاهَدة، فلوْ جاءتِ الشرائعُ بالتنْزِيه المحضِ، لجاءت بما يطابق الجحدَ والنفيَ، فلوْ قالوا: صفْ لنا ربَّنا؟ فقالَ: لاجسم، ولا عرض، ولا حامل، ولامحمول، ولا طويل، ولا عريض، ولا بشاغلٍ لمكانٍ ولا لجهة منَ الجهات الست، ولا متلوِّن، ولا ساكن، ولا متحرك، ولاراض، ولا غضبان، ولايحب، ولا يبغض، ولايريدُ، ولا يكره، ولا يغتمُّ، ولا يسرُّ، ولا يُتَخَيَّلُ في النفوس، ولا له صورة في القلوب من داخل، ولا يدركه الإحساسن من خارج، لقالوا له: فهاتِ حُدَّ لنا النفيَ، بأن تُميِّزَ ما تدعونا إلى عبادته على النفي، وإلاَّ علمنا (١) أنك دعوتنا إلى عبادةِ عدمٍ، وعيَّرتنا بعبادة أشياء موجودة، تأثيراتُها محسوسة، فهذِه الشمسُ تنضج الثمار، وتجفِّف الحبوبَ، وتعدل الأمزجة، وهذه النجوم تؤثرُ الاهتداء والاستضاءة، وهذه الرياحُ تُؤَبِّرُ اللقاح، وهذه الأصنام والأزلام قد جرَّبنا عليها النجاح، وبلوغ الأغراض، وأنت فقد أتيتنا بمحض النفي والعدمِ، تدعونا إلى تعظيمِهِ، فلما علم ذلك سبحانه بالعلم الإلهي، والخالقُ أعلمُ بما خلق، جاءَهمْ بأمماءٍ يعقلونَها، وصفاتٍ تعطي بلوغَ الأغراض؛ كلُّ صفةٍ تؤثر معنىً من منافعهم، فسميعٌ يعطي سماعَ أدعيتهم، وبصير يعطي النظر إلى ما يعرض لهم، ورحيم للتحنّنِ عليهمْ، وغضبانُ يوجب الانتقام من السيء المخالف لما وضعه من الشَّرائع لصالِحهم، وإلى أمثالِ ذلكَ.

стр. 2552

فلما عقلوا (١) بالإثبات، جاءَ بنفي التشبيهِ، ولو بادأهمْ بالنَّفى، لأُحيلَ الإثباتُ، ثمَّ جاءتِ الأخبار والآثارُ بما يطابقُ القرآنَ، وكانَ القومُ أهلَ معاريضَ ورموزٍ واستعاراتٍ وتحاذيفَ (٢) ومقاديرَ، فإذا قالَ: "الحجرُ الأسودُ يمينُ الله" (٣)، علموا أنَّه أرادَ: جعلَهُ كيمينِ المصافح، فإذا قال: "الريحُ نَفَسُ الرحمن" (٤)، علموا أنَّه أرادَ: تَفعل ما يفعلُ النفسُ مِنْ تنفيسِ الكُربِ، وترويح دواخل الأجسام، وبواطنِ الحيوان، وإذا قال: " اشدُدْ وَطْأتَكَ على مضر" (٥)، و"آخر وطأةٍ وطئها الله بوَج" (٦)، علموا أنَّهُ أرادَ: العذابَ، لا الدوسَ بجارحة الرِّجل، وعلى هذا فما أغنانا مع هذهِ الطريقةِ عَنْ ردِّ آثارٍ رواها الثقاث الأَثْباتُ الذينَ بنيْنا على رواياتِهم إراقةَ الدماءِ المحقونةِ، واستباحةَ الفروج المعصومةِ. فصل في شبههم قالوا: إن الاستلانةَ والمساهلةَ في سماع هذه الأحاديثِ وقَبولِها فيهِ منَ

стр. 2553

الفساد مالا يندفُع بالتأويلِ، لأنَّ التأويلَ البعيدَ تنفرُ عنْهُ القلوبُ، لاسيَّما في حقِّ العوامِّ، وإذا دارتْ في الكتب، وسُمِعَتْ، ولم يُنكِرْها العلماءُ، ترسَّخَ في النفوسِ التشبيهُ، وتَعذَّرَتْ إزالته بضربٍ منَ التأويلِ، فكانَ حسمُ المادةِ بردِّهِ أَوْلى منَ المساهلَةِ والمسامحةِ بإثباتِهِ، والعلاج بنفى ظاهرِه، وقد بانَ ووضحَ مِنْ فسادِ طوائفَ كثيرةٍ منْ أصحابِ الحديث، وُلو ردَّتْ بأوَّلِ وهلةٍ، استرحنا وغنينا عَنْ كدِّ نفوسِنا بمنابذتهم، ومداراتِهم، وعلاجِهم بالتأويلِ الذي تَمُجُّه أسماعُهم، وهَبْ أنك تأوَّلتَ اليدَ والأَذى والإقراضَ، فما الذي عسانا نتأول به أنَّه يضحكُ، حتى تَبْدُوَ أضراسُه ونواجذُه (١)، وروي: ولهاته؛ والرَّحِمُ شُجْنةٌ (٢) آخذةٌ - أو متعلِّقةٌ - بحَقْوِ الرَّحمنِ (٣)، وأنَّه لما خلقَ السَّماوات والأرضَ، استلقى على عرشِهِ، ورفعَ إحدى رجليهِ على الأخرى، وقالَ: هذهِ نومةٌ لاينبغي لأحدٍ أنْ ينامها، أوْ ما شاكلَ هذا اللًفظَ، فإنَّ بعضَ الصَّحابةِ نامَ كذلكَ، فقرص آخرُ رجلَهُ، فقالَ: أوجعتني يا ابن أخي، فقالَ: ذاكَ أردْتُ، وروى لَهُ الحديثَ (٤)، وهذا تصريحٌ بالتشبيهِ، والقرآنُ يكذبُ ذلكَ بقولِه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ

стр. 2554

لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وقوله: "القلبُ بينَ إصبعينِ منْ أصابع الربِّ، إنْ شاءَ أنْ يقيمَه أقامَهُ، وإن شاءَ أن يزيغَه أزاغه" (١)، و"إنَّ الملائكةَ خلِقَتْ من نورِ الذراعين" (٢)، و"إنَّه مَرِضَتْ عينه، فعادَتْة الملائكةُ" (٣)، وإلى أشباهِ ذلكَ، فتركُ هذهِ في كتبِ الشريعةِ، وجريُها على الألسنِ، وقبولُ العلماءِ لها، فتحُ بابٍ لايسدُّه إلاَّ الردُّ والإِنكارُ، وإذا استهدفَ لها الملحدةُ، مَجَنُوا واستهزؤوا بالشَّرع، وسخفوا، وجاءَ مِنْ ذلكَ تنفير العوامِّ عَنِ الشرائع، فما يقي ما ذكرتُم مِنْ قبولِ قولِ الرُّواةِ مثل هذا الفسادِ العظيمِ، ومن يَنْزِعُ (٤) من القلوبِ التشكلَ والتمثيلَ والتشبيهَ بعدَ ما كتَبهُ؛ فما أغنانا عَنْ قبول شيءٍ يُثْبِتُ هذا الداءَ العضالَ، ثمَّ يعودُ يُعالِجُه، وعساهُ لايبرأُ بالعلاج. وفارقَ ما جاءَ في القرآنِ؛ فإنَّه قطعيٌّ لم يبقَ لنا في ردِّه حيلةٌ، فأَخْلَدْنا إلى التأويلِ، وأزلنا التشبيه بما قدرنا، وأردنا (٥) أنْ لايكون فيه شيءٌ يوهمُ التشبيهَ.

стр. 2555

فصل الأجوبة عن ذلك إنَّ الفسادَ الذي جاءَ إنما اتُوا فيه مِنْ قِبَلِ نفوسِهم، وقلةِ مبالاتِهمْ بتحقيقِ النظرِ في اللهِ سبحانَهُ، (١ وصفاتِهِ التي رواها ١) الثقات، ولوْ صدقوا النظرَ، هجَمَ بهمْ على حقيقةِ ما يَستحِقّه سبحانَهُ مِنْ نفي النقائصِ عنْهُ، فإذا جاءتِ الألفاظُ التيْ للغةِ العربِ فيها نوعُ مساغ واتِّساع، وإنْ بَعُدَ عَنِ الحقيقةِ، صرفُوها عَنْ ذلك تبعيداً لها عَمَّا لايليقُ بالأزليِّ جلّتْ عظمتُهُ، ولوْ كانَ البارئ لايريدُ الامتحانَ والابتلاءَ بهذِه الألفاظِ، لما ضَمَّنها كتابَهُ العزيزَ، وإنْ كانَ عالماً بأنَّهُ سيضلُّ بها خلقٌ كثيرٌ، لكنَّهُ اعتمَد على ما أوضحَ بهِ السَّبيلَ، منْ نصِّ كتابِهِ، وما وضعَ في العقولِ منْ وجوبِ نفي التشبيهِ عنْ ذاتِهِ، ومهما وجدْنا للتأويلِ مساغاً، كنا ممنوعينَ مِنْ تكذيب الثقاتِ، وردِّ أخبارِ الرُّواة، ولو رددْنا خبرَهم في قبيلِ هذا، وماَ علينا تفسيقُهم، ولوْ وجب تفسيقُهم، لما ساغَ لنا سماعُ أخبارِهمْ في الدماءِ والفروج. فإنْ قيلَ: لايلزمُ هذا، لأنَّ الشَّرعَ مبنيٌّ على سماع قول الإنسانِ في شيءٍ دونَ شىءٍ، فسمع في الأموال شهوداً ردَّهم في الدماءِ والفروج، وهيَ شهادةُ النساءِ معَ الرجالِ، وسمع في الولادة لِشاهدٍ (٢) بغيرِ رجالٍ، ولم يسمعْ ذلك في الأموالِ، وردَّ شهادةَ الأبِ العدلِ لابنِهِ، ولم يَرُدَّ

стр. 2556

شهادتَهُ لغيرِ ابنِهِ، ولايقالُ: فسَّقَهُ بالردِّ، وكذلكَ العدوُّ معَ عدوِّه، وقَبِلَ أخبارَ الدياناتِ منَ العبيدِ والنساءِ، ومن وراءِ حجابٍ، وبالعنعنةِ، ولم يَقبلْ مثلَ ذلكَ منْ أولئكَ بأعيانِهم بلفظِ الشَّهادةِ. قيلَ: إنَّ الشَّهاداتِ على غيرِ بناءِ الأخبارِ؛ بدليلِ أنَّ أخبارَ النِّساءِ والعبيدِ في الحدودِ والقصاصِ مقبولةٌ، وفي الشهاداتِ مردودةٌ، وخبرُ الواحدِ في كلِّ شيءٍ مقبول، ولايُقبلُ في الشَّهادةِ إلا العدلانِ (١). ولأنَّ المانعَ ها هنا ليسَ إلاَّ التشبيهَ، فإذا انتفى عنهم بنوع تأويلِ لما يجبُ تأويلُهُ، بَقِيَ الرَّدُّ تَشَهِّياً لا لمعنى. فصل إذا نُسِخَ التَّنْبيهُ، لم ينُسَخْ ما نبهَ عليه ، مثالُهُ: أنْ يُنسخَ المنعُ منَ التأفيف، فإنَّه لايرتفُع المنعُ منَ الإضرارِ والأذيةِ ممّا زاد على أذيَّةِ التأفيفِ؛ خلافاً لبعضِ القائلينَ بأنَّه قياس جليٌّ. لنا: أنَّ هذا يبتَنى على أصلٍ، و [هو] أنَّ التنبيهَ ليس بقياسٍ، وإنَّما هو من جملة النصوص الموضوعة للنهي عن الزائدِ والأكثرِ، فإذا ثبتَ ذلكَ، كان نسخُ النصِّ الناهي عنْ شيءٍ، لايوجبُ نسخَ النهي عن شيءٍ آخرَ نُصَّ على (٢) النهي عنْهُ، مثلُ أنْ يقولَ: لاتُؤْذِهما (٣) بالتبرُّمِ والتَّضجُّرِ، ولاتُوْذِهما (٢) بالشتمِ والسبِّ، ثمَّ إنهُ نَسَخَ الأدنى من الأذايا، بقيَ

стр. 2557

المنصوصُ عليهِ بالنهي، وهوَ الأكثر من الأذايا. والدلالةُ على هذا الأصلِ: أنَّ العربَ وضعت هذا نصاً مختصراً، فإذا أرادتِ استئصالَ الأذايا بالنهي، قالتْ: لاتقلْ لفلانِ أف، ولا تأخذْ منْ مالِهِ ذرَّةً، فيكونُ أخصَّ نصّاً منْ قولِهِ: لاتظلمْهُ بدينارٍ، ولا قنطارٍ، ولا بذرةٍ، وأخصرَ مِنْ قولِه: لاتشتمْه، ولاتسبَّه، فإنَّ هذا اليسيرَ المنبَّه به بعضُ ذاك الكثيرِ المنبَّهِ عليه. فصل قالوا: إنَّ التنبيهَ معقولٌ ومعنى وقياس، بدليلِ أنه يفهمُ منَ النهي عنِ التأفيفِ النهيُ عنْ أدنى الأذايا، لكونِه أذى، فإذا عُلِمَ أنهُ نهى عنْهُ؛ لأنه أذىً، وهو أذىً يسير، نَبَّهَ بذلكَ على النهي عنِ الأذى الذي هو أوفى، فإذا كانَ الأكثرُ مأخوذاً من هذا المنصوصِ عليه، وهو الأقلُّ، ثمَّ نُسخَ الأصلُ المستفادُ منه النهيُ، ارتفعَ (١) المستفادُ المأخوذُ، كما لو نصَّ على أَعْيان في منع (٢) التفاضلِ، فعقلنا من ذلكَ النهي عِلته، كطعمٍ، أو قوتٍ، أو كيلٍ، فعدَّينا الحكمَ إلى الفروع غير (٣) المنصوصِ عليها، ثم نسِخَ الحكمُ في الأصولِ المنصوصِ عليها، فإنه يرتفُع الحكمُ في الفروع، كذلكَ ها هنا. فيقالُ: قدْ مَنَعْنا هذا الأصلَ، وبَيَّنا أنَّه ليس من القياسِ في شيءٍ، ثمَّ لو دَخَلْنا على هذا، لم يكنْ صحيحاً أيْضاً؛ لأنَّ النهيَ عن اليسير نهي عنِ

стр. 2558

الكثيرِ، لكنَّ الكثيرَ جُمْلةٌ فيها أَضْعافُ ذلكَ القليلِ، وإباحةُ القليلِ لاتعطي إباحةَ الكثيرِ، ولا يدخلُ الكثيرُ في القليلِ إباحةً وعفواً. فصل اختلف الناسُ في العلةِ التي لأجلِها لم يَحْصُلْ لنا العلمُ الضروريُّ بصحَّةِ قولِ الأعدادِ الذين بخَبَرِهم (١) يحصلُ التواترُ، وحصلَ بخبرهم عن دركِ الحواسِّ العلمُ الضَّروريّ. فقالَ قوم: العلةُ في ذلكَ: [أنهم] في أنفسِهم غيرُ مضطرينَ بالعلمِ الاستدلاليِّ إلى ما أفضى بهمُ الاستدلالُ إليهِ، مثل: القول بحدث العالمِ، أو إثباتِ الصانع، فإذا كانوا غيرَ مضطرينَ في أنفسِهم، استحالَ أنْ يكونَ السَّامعُ منهم مضطراً، فيكونُ الفرعُ أكثرَ منْ أصلِهِ. وقال قوم: إنَّ هذا ليسَ بتعليلٍ صحيحٍ، لأنه باطل بما يخبرنا به المهندسونَ منَ المقادير والنهاياتِ والخطوطِ، فإنّا لانجدُ أنفسَنا مضطرينَ إلى علمه، وإن كثر عددهم، فكانوا ببراهينهم (٢) قاطعين بما أخبروا به مضطرين، فلوْ كانت العلةُ في كونِنا مضطرينَ إلى علمِ ما أخْبَرَنا بهِ أربابُ الحواسِّ كونَهم أخبرونا عنْ علمٍ ضروري، لكنا مضطرينَ إلى ما يخبرنا به أهلُ الهندسةِ وعلمِ الهيئةِ، لأنَّهمْ أخبرونا عنْ ضرورةٍ تجري مجرى درَكِ الحواسَ.

стр. 2559

فيقال: إنَّ لتلكَ العلومِ طرقاً وَعِيرَةً، وموصلاتٍ غامضةً تجري مجرى متائه الطرقِ، فلا يحص لنا (١) معَهم المشاركةُ؛ لعدم مشاركتنا لهمْ في التهدي إلى تلكَ المراقي والمدارج التيْ ينتهي فيها إلى الغاياتِ، فصاروا كالمخبرين لنا عنْ أمرٍ لايقطع بصحتِهِ، ويجوز خطأهمْ فيهِ. فصل هلْ يثبتُ الإجماعُ بخبر الواحدِ ؟ بيانُهُ؛ أنْ ينقلَ إلينا الواحدُ أن الصَّحابَةَ أجمعت على المنعٍ منْ بيعٍ أمهاتِ الأولادِ، أو تحريمِ المتعةِ، فهلْ يكونُ ذلكَ الإجماعُ حجة معمولاً بها بنقل الواحدِ لها؟ اختلفَ الناسُ في ذلكَ: فمذهبُنا (٢): أنَّه يثبتُ، وهوَ قولُ أكثرِ الفقهاءِ. وقالَ قومٌ (٣): لايثبت إلا بطريقِ التواترِ؛ ليكونَ مقطوعاً. بمقطوعِ. لنا: أنَّ أكثرَ ما فِى الإجماع أنَّه قول معصوم عنِ الخطأِ، فجازَ أنْ يكونَ طريقُ إثباتِهِ ظنيَّاً، أَو خبرَ واحدٍ؟ كقولِ الرَّسولِ ﷺ فالقولُ (٤) منهُ معصوم، وطريقُ ذلكَ مظنون، كذلكَ إجماع الأمةِ، ولافرقَ.

стр. 2560

وأيضاً: فإنَّ في إيقاف ثبوتِ حكمِ الإجماع وكونِهِ حجَّةً على نقلٍ مقطوع إيقافٌ للأحكام (١)، وأينَ لنا طريقٌ قطعيةٌ في ذلكَ؛ ولوِ اعتبرْنا ذلكَ، لوجبَ أنْ يعتبرَ للنقلِ التواتر في السُّنَّةِ، وما أسقطْنا اعتبارَ التواترِ في السنةِ إلاً لتعذرِ ذلكَ، فإنَّه يفضي إلى تعطيلِ الأحكامِ، كذلكَ في بابِ الإجماع. احتجَّ مَنْ منعَ ذلكَ: بأنَّ خبرَ الواحدِ مجوَّز عليهِ الكذبُ، متردِّدٌ بينَ الصِّحَّةِ والبطلانِ، والطريقُ يجبُ أنْ يحكمَ الثابت بهِ، فلهذا لم يثبتِ القرآنُ القطعيُّ بخبرِ الواحدِ، ولا أَثْبَتْنا النُّبوةَ بخبرِ الواحدِ، ومعنى ذلكَ: أنَّ نَبِيّاً ثَبَتَت نبوتُه بقيامِ العجز على يديهِ، فروى عنْهُ عدلٌ ثقةٌ مِنْ أصحابهِ، أنه قال: بعدي نبيٌّ، في زمان تَقْبلُ النُّبوُّةُ الخَلَف كزمنِ عيسى، أوِ الشرَكةَ كزمنِ موسى، شركَه هارونُ في النبوةِ؛ فإنَّه لاتثبت نبوة المُخبَرِ به [بخبرِ] الواحدِ عنِ النبيِّ، أنَّه قالَ: هذا نبيٌّ بعدي، أو معي، ولوْ أنَّه قالَ لنا: هذا معي وشريكي، أو هذا نبيٌّ بعدي، ثبتَ ذلكَ، وكذا (٢) إعجاز النبيِّ المخبَرِ [به]، وإنْ لم يكُن للمُخبَرِ (٣) بكونِهِ خلفاً وشريكاً مُعجِز يخصُّه، وكذلك لايثبت القرآنُ بخبرِ الواحد، كذلك ها هنا. والجوابُ: أنَّ النبوهَ لايتعذرُ في إثباتِها الطريقُ القطعيُّ؛ إما لإعجازٍ (٤)
следующие страницы →