← История

История · id 12226

أخبار الدولة العباسية

مؤلف أخبار الدولة العباسية

Полный текст (408 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ١- قبل حوالي عشرين سنة، عثرنا في مكتبة مدرسة أبي حنيفة، في الأعظمية، على مخطوط دون عنوان. ويحوط صفحتي فاتحة المخطوط زخرف جميل، يتخلل أعلاه وأسفله ما يلي: «كتاب فيه أخبار العباس وفضائله ومناقبه، وفضائل ولده ومناقبهم، رضوان الله عليهم أجمعين» ، إلا أن وسط الصفحتين خال من الكتابة. والتعريف بالمخطوط دون ذكر العنوان أمر يدعو للتساؤل خاصة حين يلاحظ محتواه. ومع أنّنا نميل إلى أن عنوان الكتاب هو «أخبار الدولة العباسية» كما سنبين فيما بعد، إلّا أنّنا أبقينا «أخبار العباس وولده» كما جاء في التعريف وكما توحي خطة الكتاب. إن التعريف المذكور يشعر بأن الكتاب يتناول تاريخ الخلافة العباسية، إلّا أنّه- كما وصل- ينتهي قبيل قيامها. فالمخطوط يتحدث عن العباس، وعبد الله بن العباس، وعلي بن عبد الله، ومحمد بن علي، ثم عن إبراهيم الإمام ابن محمد بن عليّ، ونهايته، وهرب أخيه أبي العباس إلى الكوفة قبيل دخول القوات الخراسانية هذه المدينة. وحين يتناول المخطوط سيرة العباس بن عبد المطلب وأولاده المذكورين، يجعل محور حديثه قضية الإمامة وموقف العباسيين منها وتطلعهم إليها وعملهم في سبيلها. فهو في حقيقته تاريخ موسع للدعوة العباسية. وقد كتب المخطوط بخط نسخي حسن، ويقع في أربعمائة صفحة وثلاث

стр. 2

صفحات، من قياس ١٨- ٢٥ سم، وتحوي كل صفحة منها خمسة عشر سطرا بمعدل ١١- ١٢ كلمة في السطر الواحد. ولم يصلنا المخطوط كاملا، إذ تنقصه الأوراق الأولى التي تحوي الديباجة وسيرة العباس إلى خبر وفاته. وينتهي المخطوط بقائمتين: الأولى ب «تواريخ الخلفاء من بني أمية» ، والثانية ب «تواريخ الخلفاء من بني العباس ﵃» . وواضح أن القائمتين ألحقنا بالكتاب، دون أن تكونا منه، إتماما للفائدة. ولكن القائمة الثانية تدلنا على فترة نسخ المخطوط، ذلك أنها تقف عند «تاريخ خلافة الإمام المتوكل على الله أبي [١] عبد الله محمد سنة ثلاثة وستين وسبعمائة ... وهو الخليفة القوام بعصرنا» . وهذا يحدد زمن كتابة المخطوط بين ٧٦٣- ٧٧٩ هـ/ ١٣٦٢- ١٣٧٧ م. ٢- إن نسخة المخطوط الّذي ننشره فريدة، وقد سبق لنا أن عرفنا به قبل عدة سنين [٢] . ثم نشر الأستاذ بطرس غريازنيويج قطعة مصورة من مخطوط بعنوان «نبذة من كتاب التاريخ- للمؤلف المجهول من القرن الحادي عشر» مع ترجمة وتعليقات بالروسية [٣] ، ثم نشر المخطوط كله مصورا بعنوان «تاريخ الخلفاء للمؤلف المجهول من القرن الحادي عشر» [٤] . ويهمنا هذا الكتاب لصلته الوثيقة بمخطوطنا، وللضوء الّذي يلقيه على بعض مشكلاته. ويتكون تاريخ الخلفاء من قسمين، يتناول القسم الأول منه تاريخ الخلفاء الراشدين، ثم التاريخ الأموي. ويهمنا منه القسم الثاني، وهو ما نشر بعنوان

стр. 3

«نبذة من كتاب التاريخ» ، ويقع هذا القسم بين ص ٤٧٥ (٢٣٥ ب من المخطوط) وص ٥٩٢ (٢٩٤ أمن المخطوط) من «تاريخ الخلفاء» ، ويختص بالعباسيين. يبدأ المؤلف هذا القسم بالبسملة، ويقدم له بديباجة في فضائل الدولة العباسية، ثم يعرّف بصلته بالعباسيين، وهي صلة ولاء تعود إلى جده الأكبر (وثاب) ، والد المقرئ يحيى بن وثاب، وكان مولى مكاتبا لعبد الله بن العباس [١] . وهذه المقدمة تلفت النظر، إذ إن المؤلف اكتفى، حين تناول تاريخ الأمويين، بعنوان بسيط وهو «خلافة بني أمية وبني مروان» ، وكأنّه يشعرنا بأن القسم الخاص بالعباسيين هو كتاب ثان، وهو ينعت هذا القسم مرة ب «أخبار الدولة المباركة العباسية» [٢] وأخرى ب «أخبار الدولة الهاشمية العباسية» [٣] ، مما يوحي بأن عنوانه هو «أخبار الدولة العباسية» . ومع أن المؤلف يلتزم في هذا القسم ب «الإيجاز والاختصار» كما فعل في القسم الأول [٤] ، إلا أنّه يضيف إلى ذلك بعدئذ أنّه تجنب «التطويل بحديث الأسانيد وذكر أسماء الرجال» [٥] ، فيلمح إلى أنّه يوجز مؤلفا بعينه، وأنّه لم يأخذ من «الكتب الكبار والمصنفات الأصول» [٦] ، كما فعل في تاريخ الراشدين والأمويين. وهو يعترف بذلك ضمنا في معرض حديثه عن أبي مسلم، إذ يقول «وله أحاديث وحكايات جرت عليه بمرو ونسا ونيسابور والري،

стр. 4

يشتمل عليها التاريخ الكبير وليس يحتملها هذا المختصر» [١] . ويتأكد هذا الاستنتاج بمقارنة هذا القسم بمخطوطنا، إذ نرى أن المؤلف اعتمد على «أخبار العباس وولده» وحده واختصره، ولكن عملية الاختصار لم تعد حذف الأسانيد وبعض الروايات، وأما الباقي فأورده عادة بالنص. وهناك اختلافات بسيطة في بعض التعابير أو الكلمات، لا ندري إن كانت من تصرف المؤلف أو من أثر النسخ، ولكننا نرجح الاحتمال الثاني. وقد مرّ بنا أن المؤلف يسمي هذا القسم «أخبار الدولة العباسية» في حين أن عنوان الكتاب هو «تاريخ الخلفاء» والفرق واضح ومهم بين «أخبار» و «تاريخ» في علم التاريخ عند العرب. إن ما ذكرنا يجعلنا نتساءل عن أصل مقدمة القسم الخاص بالعباسيين من «تاريخ الخلفاء» - أهي ديباجة مؤلف هذا الكتاب، أم انها اقتباس لديباجة «أخبار العباس وولده» شأن باقي الكتاب. ونحن نرجح الاحتمال الثاني، إذ إن من يختصر كتابا بعينه لا يحتاج إلى توضيح لطبيعة الأخبار التي أخذها جملة عن غيره. ويعزز هذا الرأي أن الديباجة تشير إلى حداثة الدولة العباسية حين تنص «مع أن قرب العهد بها واتصال السماع خلفا عن سلف يحملان على زيادة الشرح» [٢] ، وهو قول يصدق على القرن الثالث الهجريّ، بالنسبة للكتابة التاريخية، لأنّه عصر جمع الروايات وتمحيصها على نطاق واسع من قبل الجيل الأول من المؤرخين الكبار، كما فعل مؤلف «أخبار العباس وولده» ، ولكنه لا يرد بالنسبة للقرن الخامس الهجريّ، وهو فترة كتابة تاريخ الخلفاء [٣] . ٣- وبضوء ما مرّ، فإنّنا نرجح أن عنوان المخطوط الّذي ننشره هو

стр. 5

«أخبار الدولة العباسية» . ونحن نلاحظ أن كلمة «دولة» هنا لا تعني بالضرورة الكيان السياسي المفهوم، بل إن مؤلف «أخبار العباس وولده» استعملها بمعنى «دعوة» إذ يقول: «إن إبراهيم الإمام بن محمد أوصى أبا العباس عبد الله بن محمد بالقيام بالدولة، وأمره بالجد والحركة، وأن لا يكون له بالحميمة لبث ولا عرجة حتى يتوجه إلى الكوفة» [١] . ويذكر الأزدي أن عبد الله بن عليّ كان يشجع المسوّدة قبيل معركة الزاب قائلا: «إنها الدولة التي لا يباريها أحد إلا صرعة الله» [٢] ، ولا تعني كلمة «دولة» هنا إلا «دعوة» أو حركة مباركة. وينسب الأزدي، في رواية، إلى مروان بن محمد قوله لأحد قادته حين استهان بالمسوّدة: «دع عنك هذا، على ودي أن دولتهم لنا، وأن عسكري معهم» [٣] . وبصرف النظر عن قيمة الرواية، فإن كلمة «دولة» في هذا النص تقرب في المعنى مما ذكر، وقد تعني «الدّور» . هذا إلى أن صاحب تاريخ الخلفاء يستعمل كلمة «دولة» مرادفة لكلمة «دعوة» في أكثر من موضع [٤] . وهذا يعزّز رأينا في أن عنوان الكتابة هو «أخبار الدولة العباسية» ، ما دامت كلمة دولة تعني دعوة أو حركة. ٤- إن عنوان المخطوط، ومقارنته بالقسم الثاني من «تاريخ الخلفاء» تدل على أنّه يبدأ بأخبار العباس بن عبد المطلب [٥] . ولما كان المختصر- كما

стр. 6

ورد في تاريخ الخلفاء- يوازي ربع الأصل وهو «أخبار العباس وولده» ، فإن المقارنة بينهما تعطينا فكرة عن الأوراق المفقودة من أول المخطوط. ففي تاريخ الخلفاء تشغل ترجمة العباس أربع صفحات [١] ، وهذا يعني أن «أخبار العباس وولده» ترجم للعباس بحوالي ست عشرة صفحة، بقي منها في المخطوط ثلاث صفحات، وهذا يعني أن ما فقد يقع في حدود ثلاث عشرة صفحة. أما نهاية المخطوط فتبدو مبتورة، ولكن الدلائل لا تؤكد ذلك. فمقارنة المخطوط بتاريخ الخلفاء تضعف احتمال النقص، ذلك أن روايات مخطوطنا تنتهي عند الصفحة ٢٩٠ أس من تاريخ الخلفاء حيث يبدأ الخبر التالي بالعبارة الآتية: «وروي من عدة وجوه أن أبا العباس.. إلخ» ، وهذا يعني أن مختصر «أخبار العباس وولده» انتهى، وأن مؤلف تاريخ الخلفاء عاد إلى طريقته في الأخذ من عدة مصادر. كما أن مؤلف «الأخبار» في حديثه عن تهيؤ مروان لمواجهة المسوّدة يقول «وأقام يحشد يريد أن ينهض إلى الهاشمية، وقد أيقن بزوال ملك بني أمية، حتى ظهر أبو العباس ﵁ فإنّه أول خلفاء بني العباس..» [٢] ، ولا محل للتعريف بأبي العباس لو تناول المؤلف تاريخ الخلفاء العباسيين. هذا إلى أن إضافة قائمة بأسماء الخلفاء العباسيين، وهي متأخرة، تؤكد أن المؤلف لم يتناول الخلفاء. ويبدو أن النسّابين الأولين، مثل ابن الكلبي، لم يتناولوا الخلفاء العباسيين في كتاباتهم، فابن الكلبي يقف في «جمهرة النسب» عند أولاد علي بن عبد الله ولا يتناول أولاد محمد بن علي [٣] ، وباثنين منهم بدأت الخلافة العباسية، وهذا يجعل وقوف

стр. 7

مخطوطنا- وهو موضوع في إطار كتب الأنساب- عند نهاية الدعوة أمرا مألوفا. وحين نفحص القسم الأخير من مخطوطنا (ص ١٨٩ ب- ٢٠٢ ب) نراه يبدأ في ص ١٨٩ ب، بالبسملة، وأول عنوان يصادفنا هو «جود إبراهيم الإمام» ، وهو عنوان مكرر ولا صلة له بالمحتوى، ويتبعه بمقتل إبراهيم الإمام، وولده، ووصيته لأبي العباس وسير هذا ببعض أهله إلى الكوفة. وهذا يشير إلى أن القسم الأخير هو إضافة إلى المسوّدة الأولى للكتاب تتم أخبار إبراهيم الإمام حتى نهايته. وهكذا فإنّنا نرجح أن المخطوط تام في آخره ولم يسقط منه شيء. ٥- إن فقد الأوراق الأولى من المخطوط حرمنا كما يبدو من اسم المؤلف. ولكن دراسة أسلوب الكتاب ومصادره تدل على أنّه كتب في أواسط القرن الثالث الهجريّ. فهو في الأساس كتاب أخبار يعنى بإيراد الأسانيد ويلتفت إلى اختلاف الروايات. ومع أنّه يراعي تسلسل النسب في إطاره إلا أنّه لم يحافظ بدقة على خط كتب الأنساب، إذ إنّه لا يعنى إلا بالابن الأكبر. كما أن الاهتمام الخاص بالإسناد يبين الأثر الواضح لمدرسة أهل الحديث في الأسلوب. وتتنوع مصادر معلومات الكتاب حسب طبيعة الموضوع، وتدل على جهد واسع في جمع الروايات. فقد أخذ المؤلف جل معلوماته عن الدعوة من روايات شفوية [١] ، وأخذ من مؤرخين سابقين ومعاصرين، وانفرد بإيراد وثائق ومعلومات هامة. أخذ مؤلف «الأخبار» عن مؤلفين معروفين سبقوه- من إخباريين، مثل أبي مخنف (ت، ١٥٧ هـ/ ٧٧٤ م) ، وعوانة بن الحكم (ت، ١٤٧ هـ/

стр. 8

٨١٩ م) ، والهيثم بن عدي (ت، ٢٠٦- ٧ هـ/ ٨٢١- ٢ م) ، والمدائني (ت، ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م) ، وعن مؤرخين كالواقدي (ت، ٢٠٧ هـ/ ٨٢٣ م) ونسابين مثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت، ٢٠٤- ٢٠٦ هـ/ ٨١٩- ٨٢١ م) ، ومصعب الزبيري (ت، ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م) وغيرهم مثل محمد بن سلام (ت، ٢٣١ هـ/ ٨٤٥ م) . واتصل بمعاصرين وأخذ عنهم مثل محمد بن شبة (ت، ٢٦٢ هـ/ ٨٧٥ م) والعباس بن محمد الدوري (ت، ٢٧١ هـ/ ٨٨١ م) ، والمبرد (ت، ٢٨٥ هـ/ ٨٩٨ م) ، ومحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت، ٢٧٩ هـ/ ٢٩٣ م) . وقد أخذ روايات المعاصرين بأسانيدها، وخير مثل لذلك ما رواه عن البلاذري فهو يعطي رواياته بإسناد متصل، ولذا تختلف سلسلة الإسناد أحيانا عما جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري [١] ، أو يعطي إسنادا حين لا يوجد إسناد في رواية أنساب الأشراف [٢] ، أو يورد نصا يختلف لحد ما عن النص الوارد في أنساب الأشراف [٣] مما يدل على أنّه روى عنه مباشرة. وانفرد المؤلف بمعلومات عن بداية الدعوة (حتى سنة ١٠٠ هـ) ، وعن بعض أحداثها وأسرارها، كما أورد قوائم مفصلة بأسماء النقباء والدعاة في خراسان ومراتبهم وتنظيماتهم. ويبدو أنّه أخذها من الحلقات الداخلية لرجال الدعوة، إذا استقى الكثير منها من رؤساء الدعوة ومن الدعاة البارزين فيها، مثل سالم الأعمى عن ميسرة النبال [٤] وبكير بن ماهان، وموسى السراج،

стр. 9

وأبي مسلم الخراساني، وإبراهيم بن سلمة [١] . والظاهر أن أخباره عن نشاط أبي مسلم في خراسان وعن نشاط المسودة العسكري بقيادة قحطبة وانتصاراتهم، تعتمد على هذه المصادر وعلى أناس متصلين بالحلقة العباسية مثل أبي إسحاق بن الفضل الهاشمي [٢] ، كما أخذ بعض معلوماته عن أفراد من الأسرة العباسية مثل عيسى بن عبد الله وعيسى بن موسى وعيسى بن علي وإبراهيم بن المهدي والرشيد [٣] . وأعطى المؤلف صورة داخلية لطبيعة الدعوة وأحاديثها، وكشف عن جذور الغلو فيها، مما لا يناسب العباسيين بعد مجيئهم للحكم، وهذا يجعل بعض محتويات الكتاب أقرب إلى الوثيقة السرية منها إلى كتاب للجمهور. وكل هذا يشير إلى صلة خاصة للمؤلف بالعباسيين وبأتباعهم، وهو أمر يذكرنا بما جاء في مقدمة القسم الثاني من «تاريخ الخلفاء» ، حيث يوضح المؤلف صلة الولاء التي تربطه بالعباسيين، وهي خير صلة للاطلاع على الروايات والأخبار العباسية المباشرة. ٦- إن مصادر كتابنا هذا، تجعلنا نحدد زمن تأليفه بأواسط القرن الثالث الهجريّ. وحين ننظر إلى من كتب عن الدولة العباسية في هذا القرن [٤] ، فإنّنا نميل إلى نسبة الكتاب إلى محمد بن صالح بن مهران «ابن النطاح» (ت، ٢٥٢ هـ/ ٨٦٨ م) [٥] . ومع أن الإشارات إلى ابن النطاح تجعله أول من صنف كتابا في

стр. 10

أخبار الدولة [١] ، فإن هذا فيه نظر إذا تذكرنا كتاب الدولة للمدائني [٢] وكتاب الدولة للحسن بن ميمون النصري، خاصة وإن ابن النديم يذكر أن ابن النطاح روى عن الحسن هذا [٣] ، وربما كانت أهمية كتاب ابن النطاح سببا لهذه الإشارات [٤] . ويدفعنا إلى هذا الافتراض عدة أمور. فابن النطاح مولى جعفر بن سليمان ابن علي بن عبد الله بن عباس، وهذا الولاء يجعله على صلة وثيقة بأخبار العباسيين [٥] ، ويذكرنا بما جاء في مقدمة القسم الثاني من تاريخ الخلفاء. وكان «ابن النطاح» إخباريا، ناسبا، راوية للسنن» ، وهي عين المؤهلات التي يكشف عنها أسلوب «أخبار العباس وولده» [٦] . وكان بين من روى عنهم ابن النطاح الواقدي والمدائني [٧] . هذا إلى أن عنوان كتابه هو «أخبار الدولة العباسية» [٨] وهو ما نراه عنوان كتابنا هذا. ومع ذلك يتعذر البت في الموضوع، فنحن لم نجد معلومات عن أحفاد يحيى بن وثاب لنرى إن كان لابن النطاح صلة نسب به. كما أنّنا لا نجد إشارة

стр. 11

إلى هذا الكتاب في المؤلفات التالية، مع أنّنا نرى بعض الشبه أحيانا. فابن أبي الحديد يورد معلومات تماثل ما أورده كتابنا دون أن يذكر مصدره [١] . والذهبي يورد نص عبارة كتابنا عن صلة أبي هاشم بمحمد بن علي [٢] . وقد عثرنا على إشارتين في التواريخ لابن النطاح. فالطبري روى عنه رواية أسطورية عن بناء بغداد [٣] . والأزدي ينسب إليه رواية عن أصل أبي مسلم [٤] ولكنها لا ترد في كتابنا. أما الأخبار الكثيرة الواردة في الأغاني برواية ابن النطاح [٥] فهي أدبية ولا تتصل بموضوع الكتاب هذا، ومع ذلك فإن أبا الفرج الأصفهاني لا يشير إلى أي من مؤلفات ابن النطاح [٦] ، ولعل ابن النطاح روى أخبارا كثيرة خارج نطاق هذه المؤلفات. ٧- إن ميول المؤلف عباسية واضحة، ولكن الكتاب لا يمثل النظرة العباسية في فترة كتابته، بل يعطي النظرة العباسية في الفترة الأولى لدولتهم وخاصة ما قبل أيام المهدي. وربما كان هذا سبب إغفال الحديث عن خداش الداعية العباسي الّذي يمثل خط الغلو في خراسان، والتوسع في أخبار تنكّر محمد بن علي العباسي له بعد مقتله وجهوده في معالجة إثارة المربكة في خراسان. وقد يقال إن المؤلف أشار إلى التغيير الّذي أحدثه المهدي وهو نسبة الإمامة العباسية إلى العباس بن عبد المطلب والتخلي عن نسبتها إلى العهد من أبي هاشم كما كان الحال قبله، ولكنها إشارة عابرة. كما أن المؤلف نسب للعباس التبكير في

стр. 12

اعتناق الإسلام، فاعتبر البداية في بيعة العقبة، وظهور إسلامه بعد بدر [١] ، ولكنه- كما يبدو من المختصر- لا يورد من الحجج التي عرضت زمن المنصور والمهدي في تأكيد أفضلية العباس وجدارته للإمامة إلا إشارة عابرة إلى أنّه عم النبي وصنو أبيه [٢] . إننا نرى التأكيد في الكتاب على عبد الله بن العباس، وعلى تبشيره بانتقال الملك لأولاده، إلا أن الصورة القوية له هي في ظهوره بمظهر ممثل الهاشميين، يؤكد حقهم في الإمامة، ويعرض هذا الحق بجرأة واندفاع، في محاورات طويلة مع الأمويين من جهة ومع الزبيريين من جهة أخرى. وهذه النبرة الهاشمية (مقابل العباسية فيما بعد) تظهر في قول ينسب للرسول في جماعة آل البيت وبحضور العباس يتنبأ فيه بانتقال الملك إلى العباسيين ويوصي «اتقوا الله في عترتي أهل بيتي» [٣] . ٨- نخلص مما مر إلى أن عنوان الكتاب الّذي ننشره هو «أخبار الدولة العباسية» ، وإن كلمة «دولة» هنا تعني «دعوة» أو «دور» . وينتسب المؤلف إلى العباسيين بالولاء وهذا مكنه من الاطلاع على أخبار الدعوة العباسية وأسرارها من رجالات الدعوة ومن بعض العباسيين، فانفرد بمعلومات ووثائق هامة. وقد كتب الكتاب في أواسط القرن الثالث الهجريّ، في عصر ظهور المؤرخين الكبار وتوفر روايات وأخبار تاريخية واسعة، مما مكن المؤلف من التوسع في أخبار الدعوة. ومع أنّه كتاب «أخبار» إلا أنّه وضع في إطار النسب، واعتنى بالإسناد نتيجة توسع أثر مدرسة الحديث. وقد اقتصر الكتاب على أخبار الدعوة العباسية، وعرض وجهة العباسيين أثناء الدعوة والفترة العباسية الأولى، وانتهى قبيل قيام الدولة العباسية. ثم

стр. 13

إن أسلوب الكتاب وفترة تأليفه وطبيعة أخباره من جهة، وما لدينا من معلومات عن محمد بن صالح بن مهران «ابن النطاح» من جهة أخرى، تجعلنا نميل إلى أن الكتاب لابن النطاح. ٩- ولقد هدفنا إلى ضبط نص الكتاب، ولكن الاعتماد على مخطوط واحد يجعل التحقيق غاية في الصعوبة، خاصة حين يكون الناسخ ضعيفا كما هو حال ناسخ مخطوطنا. لذا رجعنا إلى تاريخ الخلفاء، إذ إن القسم الثاني منه بمثابة نص ثان لبعض أقسام «أخبار العباس وولده» ، ومع ذلك يبقى القسم الأكبر من النص معتمدا على مخطوطنا وحده. وهذا الوضع تطلب الرجوع إلى المصادر الأولية بحثا عن الروايات والأخبار والأشعار الواردة فيها والتي جاءت في هذا الكتاب لتقويم النص أو للتنبيه إلى الاختلاف في نص رواية جاءت في الحالين عن نفس الراويّ. إلا أنّنا في الوقت ذاته لم نرد أن نثقل الكتاب بالإضافات الكثيرة واكتفينا، في بعض الأحيان، بالإشارة إلى الروايات في مظانها دون إيراد النصوص. إن «أخبار العباس وولده» يمثل جهدا مبكرا وأصيلا في جمع الروايات والأخبار عن الدعوة العباسية كما يتبين من المصادر الواسعة لمعلوماته. ثم إن عنايته بالإسناد، وقيمة مصادره، وغنى معلوماته وخطورتها، تضعه في منزلة خاصة بين مؤرخي الدعوة العباسية إضافة إلى أنّه أوسع مصدر عنها. ويسرنا هنا أن نعرب عن شكرنا للأستاذ الدكتور إحسان عباس على ملاحظاته القيمة في التحقيق، وللأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي على ملاحظات مفيدة في تدقيق بعض الكلمات.

стр. 14

لقد استعملنا رموزا قليلة وهي: ن. م. نفس المصدر. كتاب التاريخ تاريخ الخلفاء، باعتناء غريازنيويج، موسكو ١٩٦٧ الأخبار أخبار العباس وولده. ما بين قوسين كهذه للإضافات التي يتطلبها سياق الخبر. ما بين قوسين كهذه [] للإضافات من مصدر آخر يروي نفس الخبر. هذا ووضعنا أرقام صفحات المخطوط بين قوسين [] لتيسير الرجوع إليها. عبد العزيز الدوري الجامعة الأردنية، حزيران ١٩٧٠

стр. 15

موت العبّاس بن عبد المطّلب [١] ﵁ [٣ ب] قال: دخل عثمان على العبّاس في مرضه الّذي مات فيه فقال: أوصني بما ينفعني به، وزوّدني، فقال: الزم ثلاث خصال [٢] تصب بها ثلاث عوامّ، فالخواصّ: ترك مصانعة الناس في الحق، وسلامة القلب، وحفظ اللسان، تصب بها سرور الرعية، وسلامة الدين، ورضى الرب. محمد بن عمر [٣] قال: حدثنا يحيى بن العلاء عن عبد المجيد بن سهيل، عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: لمّا مات العباس بن عبد المطلب بعثت بنو هاشم مؤذّنا يؤذن أهل العوالي: رحم الله من شهد العباس، قال: فحشد الناس ونزلوا من العوالي. محمد [٤] بن عمر قال: حدثني ابن أبي سبرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن دويس [٥] عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة، قال: جاءنا مؤذن يؤذننا [٦] بموت

стр. 16

العباس بن عبد المطلب بقباء [١] على حمار، ثم جاءنا آخر على حمار، فقلت: من الأول؟ فقال: مولى لبني هاشم، والثاني رسول عثمان بن عفّان، فاستقرى [٢] قرى الأنصار قرية قرية حتى انتهى إلى السافلة [٣] . فقلت وأتينا [٤] بني حارثة وما والاها، فحشد الناس فما غادرنا [٥] النساء، فلما أتي به إلى موضع الجنائز تضايق، فتقدموا [٦] إلى البقيع، فقلت [٧] ليتقدموا، فصلينا عليه بالبقيع، وما رأيت مثل ذلك [[٤] أ] الخروج على أحد من الناس قط وما يستطيع أحد من الناس [أن] [٨] يدنو إلى سريره وغلب عليه بنو هاشم، فلما انتهوا إلى اللحد ازدحموا عليه، فأرى عثمان اعتزل، وبعث الشّرط يضربون الناس عن بني هاشم، حتى خلص بنو هاشم، وكانوا هم الذين نزلوا في حفرته ودلّوه في اللحد، ولقد رأيت على سريره برد حبرة قد تقطّع من زحامهم. محمد بن [٩] عمر قال: حدثتني عبيدة بنت نائل [١٠] عن عائشة بنت سعد قالت: جاءنا رسول عثمان ونحن بقصرنا على عشرة أميال من المدينة،

стр. 17

أن العبّاس قد توفّي، فنزل أبي ونزل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ونزل أبو هريرة من الشجرة [١] ، قالت [٢] عائشة: فجاءنا أبي بعد ذلك بيوم فقال: ما قدرنا أن ندنو من سريره من كثرة الناس، غلبنا عليه، لقد كنت أحبّ حمله. محمد بن [٣] عمر قال: حدثني يعقوب بن محمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن الحارث بن عبد الله بن كعب عن أمّ عمارة قالت: حضرنا- نساء الأنصار- طرّا جنازة العبّاس، وكنّا أوّل من بكى عليه، ومعنا المهاجرات الأول والمبايعات. محمد [٤] بن عمر قال: حدثنا ابن أبي سبرة عن عباس بن عبد الله بن معبد [٥] قال: لمّا مات العبّاس أرسل إليهم عثمان: إن رأيتم أحضر غسله فعلتم، فأذنوا له فحضر، [٤ ب] وكان جالسا ناحية من البيت، وغسّله عليّ بن أبي طالب وعبد الله وعبيد الله وقثم بنو العبّاس، وحدّت [٦] نساء بني هاشم سنة. محمد بن عمر قال [٧] : حدثني ابن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن

стр. 18

عيسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يكبّر على العبّاس بالبقيع، وما يقدر من لغط [١] الناس، ولقد بلغ الناس الحشّان [٢] ، وما تخلف أحد من الرجال والنساء والصبيان. محمد بن [٣] عمر قال: أخبرنا خالد بن القاسم البياضي، قال: أخبرني شعبة مولى ابن عباس، [قال: سمعت ابن عباس] [٤] يقول: كان العبّاس معتدل القامة [٥] وكان يخبرنا عن عبد المطّلب أنّه مات وهو أعدل قناة منه [٦] . وتوفي العباس يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفّان وهو ابن ثمان وثمانين سنة ودفن بالبقيع في مقبرة بني هاشم، ﵁ [٧] .

стр. 19

أخبار عبد الله بن العبّاس [١] ودعاء النبي ﷺ له كان عبد الله يكنى أبا العبّاس. ولد في الشّعب [٢] قبل خروج بني هاشم منه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين [٣] ، وتوفي رسول الله ﷺ ، وعبد الله بن العباس ابن ثلاث عشرة سنة [٤] . سفيان بن عيينة [٥ أ] عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت ابن عبّاس يقول: أنا ممن قدّم رسول الله ﷺ في ضعفة أهله مع الثقل من مزدلفة إلى منى [٥] . ودعا له رسول الله ﷺ فقال: اللَّهمّ أعطه الحكمة، وعلّمه التأويل، ورأى جبريل، فقال رسول الله ﷺ : عسى ألّا تموت حتى تؤتى علما ويذهب بصرك [٦] . وكان عمر يأذن له مع المهاجرين ويسأله ويقول: غص غوّاص،

стр. 20

وكان [١] إذا رآه مقبلا قال: أتاكم فتى الكهول، له لسان سئول، وقلب عقول. أبو صالح عن ابن عباس قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح رأسي من مقدّمه حتى انتهى إلى قدمي، ثم مسح ذؤابتي حتى انتهى إلى عقبي، ودعا لي بالإيمان والحكمة فقال: اللَّهمّ إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم [٢] ، فقال المسور بن مخرمة الزهري [٣] في تصديق ذلك: أدنى النبيّ ابن عبّاس وقال له ... قولا فقدّس فيه الأهل والولد والعلم والسلم كانا رأس دعوته ... ما مثل هذا بما يرجى له أحد وقبلها دعوة كانت مباركة ... ثمّ الظهور بما فيهم وما ولدوا كم دعوة سبقت فيهم مباركة ... فيها افتخار وفيها يكثر العدد [٥ ب] سليمان بن حرب عن حمّاد بن سلمة قال: حدثنا عبد الله ابن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كنت في بيت خالتي ميمونة [٤] فوضعت لرسول الله ﷺ طهورا فقال: من وضع هذا؟ قالت ميمونة: عبد الله، قال: اللَّهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل [٥] .

стр. 21

إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان ابن بلال عن عمرو بن أبي عمرو عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله عن عكرمة: أن النبي ﷺ قال: اللَّهمّ أعط ابن عبّاس الحكمة وعلّمه التأويل. ساعدة بن عبيد الله عن عكرمة: أنّ النبيّ ﷺ قال: اللَّهمّ أعط ابن عبّاس الحكمة وعلّمه التأويل. ساعدة بن عبيد الله عن داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: دعا رسول الله ﷺ لعبد الله بن العبّاس: اللَّهمّ بارك فيه وانشر منه. ساعدة بن عبيد الله المزني عن داود بن عطاء عن موسى بن عبيدة الزيدي عن محمد بن عمرو بن عطاء العامري، من أنفسهم: إنّ رسول الله ﷺ رأى ابن عباس يوما مقبلا فقال: اللَّهمّ إنّي أحبّ عبد الله بن عبّاس فأحبه. ومن أخبار عبد الله مع النبيّ ﷺ [٦ أ] أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي عن أبي طلحة عن عمر بن عبد الله مولى غفرة: أنّ رسول الله ﷺ أردف عبد الله

стр. 22

ابن عباس فقال: يا غلام! ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟ قال: بلى يا رسول الله صلى الله عليك بأبي أنت وأمّي، قال: احفظ الله تجده أمامك، اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدّة، إذا سألت فسل الله، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، جفّ القلم [١] بما هو كائن، فلو جهد الخلق على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا على أن يضرّوك بشيء لم يكتبه عليك لم يقدروا عليه، فعليك بالصدق في اليقين، وإنّ في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأنّ مع العسر يسرا [٢] . علم عبد الله قال: كان يقال لعبد الله بن العباس حبر هذه الأمّة لسعة علمه، وقد كان [٣] في صغره لزم عليا، وكان [٤] يزقّه العلم زقّا. وقيل من أراد العلم والجود والجمال فليأت دار العباس بن عبد المطلب يجد ذلك كله [٥] .

стр. 23

أبو أسامة عن زائدة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵃: أنّه كان يسمعهم يقولون: يكون في هذه الأمة اثنا عشر خليفة، قال ما أحمقكم! إن بعد [٦ ب] الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهديّ يسلّمها إلى الدجال [١] . قال أبو أسامة: وتأويل هذا عندي ولد المهدي يسلّمونها إلى الدجال. أبو حامد المستملي قال: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعيّ قال: حدثنا يحيى ابن آدم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: ما رأيت أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ولا أثقب نظرا حين ينظر، من ابن عباس ﵄، إن كان عمر ابن الخطاب ليقول: قد طرأت علينا عضل [٢] أقضية أنت لها ولأمثالها. العنزي قال: حدثني علي بن إسماعيل قال: أخبرنا عمّي إبراهيم ابن محمد قال: حدّثني شدّاد الحارثي قال: حدثني عبيد الله بن الحر العنبري عن أبي عرابة [٣] الهجيمي قال: كان ابن عبّاس يفطر الناس في شهر رمضان بالبصرة، فكان [٤] لا ينقلبون في كلّ ليلة أن يسمعوا فائدة في دين أو دنيا، فكانوا إذا فرغوا من العشاء تكلّم فأقلّ وأوجز، فقال لهم ليلة: ملاك

стр. 24

أمركم الدين، وزينكم العلم، وحصون [١] أعراضكم الأدب، وعزّكم الحلم، وصلتكم الوفاء، وطولكم في الدنيا والآخرة المعروف، فاتقوا الله يجعل لكم من أمركم يسرا. فقال رجل من القوم: يا أبا العبّاس من أشعر الناس؟ فإنّا قد [٧ أ] تمارينا في ذلك منذ اليوم فكان [٢] كل قوم يقول: شاعرنا، وأقبل عبد الله على أبي الأسود [٣] ، فقال: يا أبا الأسود من أشعر الناس؟ فقال أبو الأسود: الّذي يقول: ولقد أغتدي يدافع ركني ... أجوليّ [٤] ذو ميعة إضريج مخلط مزيل معن مفنّ [٥] ... منفح مطرح سبوح خروج [٦] سلهب شرجب كأنّ رماحا ... حملته وفي السراة دموج تتعادى به قوائم لأم ... وحوام صمّ الحوافر عوج مقبلات في الجري أو مدبرات ... بهوى طائع بهنّ يهيج هذا الشعر لأبي داود الإيادي، وكان أبو الأسود يفضله. فقال ابن عبّاس: إن شعراءكم قد قالوا فبلغ كل رجل منهم بعض ما أراد، ولو كانت لهم غاية يستبقون إليها يجمعهم فيها طريق واحد، لعلمنا أيهم أسبق إلى تلك

стр. 25

الغاية، فإن يك قال، ولم [١] يقل عن رغبة ولا رهبة، فامرؤ القيس بن حجر. العنزي قال: حدثنا علي بن سليمان النوفلي قال: حدثني أبي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله ختن الفضل بن يسار أبي جعفر الأعرج القارئ قال: حدثني أبو حسنة عن الحكم الأعرج وهو [٧ ب] عمّه قال: رأيت ابن عباس مدليا رجليه في حوض زمزم فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس إني رجل أصيب الصيد فأصمي وأنمي، قال: كل ما أصميت ودع ما أنميت، يعني كل ما أقعصته وأنت تراه، وإذا تحامل عنك برميته فمات وقد غاب عن عينيك فلا تأكل وهو الإنماء. وأنشد ابن عباس: ورأت معدّ حولها أسدا ... غير ان قد يصمي ولا ينمي [٢] قال: ثم أتاه رجل آخر فقال: يا بن عبّاس خبّرنا عن يوم عاشوراء، قال: هو اليوم التاسع من قبل إظماء الإبل يسمّون يوم التاسع العشر. العنزي قال: حدثنا الرياشي قال: دخل عبد الله بن صفوان الجمحيّ على عبد الله بن الزبير فقال، أنت والله كما قال الشاعر [٣] : فإن تصبك من الأيّام جائحة ... لا نبك منك على دنيا ولا دين

стр. 26

فقال: وما ذاك ويحك؟ قال: هذان ابنا عبّاس: أحدهما يفتي الناس في دينهم، والآخر يطعم الناس، فماذا بقيا لك. فأرسل إليهما ابن الزبير فقال: إنكما [١] تريدان أن ترفعا راية قد وضعها الله، ففرّقا عنكما مرّاق العراق. فأرسل إليه عبد الله بن عبّاس فقال: ويلك أيّ الرجلين [٨ أ] نطرد عنا: أطالب علم أم طالب دنيا؟ فبلغ الخبر أبا الطفيل [٢] فقال أبياته [٣] . أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم القمي عن أبيه عن الزبيري بإسناد له يرفعه قال: بينا عمر جالس في جماعة من أصحابه، فتذاكروا الشعر، فقال: من أشعر الناس؟ فاختلفوا، فدخل عبد الله بن عباس، فقال عمر: قد جاءكم ابن بجدتها، وأعلم الناس. من أشعر الناس يا ابن عباس؟ قال: زهير بن أبي سلمى المزني. قال: أنشدني من شعره، فأنشده: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا قوم أبوهم سنان حين ينسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا [٤] فقال عمر: قاتله الله يا بن عباس، لقد قال كلاما حسنا ما كان ينبغي أن يكون هذا الكلام إلّا في أهل هذا البيت لقرابتهم من رسول الله ﷺ . فقال له ابن عبّاس: وفّقك الله يا أمير المؤمنين فلم تزل موفّقا.

стр. 27

فقال: يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: ما أدري، قال: كرهت قريش أن يولوكم هذا الأمر فتجخفون [١] على الناس جحفا، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت فوفّقت فأصابت إن شاء الله. فقال: يميط أمير المؤمنين عني الغضب ويسمع كلامي، فقال هات. قال: أمّا قولك إنّ قريشا [٨ ب] كرهت، فإنّ الله يقول: كَرِهُوا ما أَنْزَلَ الله فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ٤٧: ٩ [٢] ، وأمّا قولك: إنّها نظرت فاختارت، فإنّ الله نظر فاختار من خير خلقه، فإن كانت قريش نظرت من حيث نظر الله فقد أصابت. قال: فقال عمر: أبت قلوبكم يا بني هاشم [٣] لنا إلّا غشا لا يزول، وحقدا لا يحول. قال: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغشّ، فإنّ قلوب بني هاشم من قلب رسول الله ﷺ ، قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، وأمّا قولك: حقدا لا يحول، فكيف لا يحقد من غصب شيئه، ورآه في يد غيره. قال: فقال: يا بن عباس اخرج عني، فلما خرج ناداه فقال له: أمّا إنّي على ما كان منك لحقّك لراع، فقال له: إنّ [٤] لي عليك وعلى كلّ مؤمن حقا، فمن عرفه فقد أصاب ومن لم يعرفه فحظّه أخطأ. فقال عمر: للَّه درّ ابن عبّاس، والله ما رأيته لاحى رجلا قطّ إلّا خصمه [٥] .

стр. 28

قال: قال مجاهد: كان عبد الله بن عباس أمدّ الناس قامة وأعظمهم جفنة وأوسعهم علما. مفضل بن غسّان عن أبيه عن رجل من بني تميم عن عبيد الله بن الحسن عن المؤمّل عن أبيه [١] قال: كان ابن عباس مثجا يتحدر غربا [٢] ، وكان [٩ أ] أمير البصرة يعشّي الناس في شهر رمضان، فلا ينقضي الشهر حتى يفقّههم، وكان إذا كانت [٣] آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم ويتكلم بكلام يردعهم ويقول: ملاك أمركم الدين، وصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم الحلم، وطولكم المعروف، إن الله كلّفكم الوسع فاتقوا [٤] الله ما استطعتم. قال: فقام أعرابي، فقال من أشعر الناس [٥] أيها الأمير؟ قال: أفي أثر العظة؟ قل يا أبا الأسود. قال: فقال أبو الأسود الدؤلي: أشعر الناس الّذي يقول: فإنّك كالليل الّذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع قال: نابغة بني ذبيان. قال: كان عبد الله بن عباس إذا أقبل قلت من أجمل الناس، وإذا

стр. 29

تكلم قلت من أفصح الناس، وإذا أفتى قلت من أعلم الناس [١] . قال أبو عبيدة: أتى [٢] عمر بن أبي ربيعة لعبد الله بن عباس وهو في المسجد فقال [٣] : أمتع الله بك، إني قلت شعرا، فأحببت أن تعرفه لتشير عليّ فيه، قال: أنشدني، فأنشده: تشطّ غدا دار جيراننا فقال ابن عباس: وللدّار بعد غد أبعد فقال عمر: أسمعت أصلحك الله هذا الشعر من أحد؟ قال: لا ولكن كذا ينبغي أن يكون [٤] . قال: فإنّي كذا قلت، قال: فأنشدني، فأنشده حتى مرّ في الكلمة [٥] [٩ ب] كلّها، قال: أنت شاعر إذا شئت فقل. وقال ابن عباس يوما: هل أحدث المغيريّ [٦] شيئا؟ فجاءه حتى أنشده: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر حتى بلغ قوله: رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشي فيخصر فقال له: أحسنت! أحسنت! فلما انصرف عمر، قال رجل من جلساء

стр. 30

ابن عباس: أي إحسان هاهنا: رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخسر فقال ابن عباس: أو هكذا قال؟ إنما قال فيخصر، فقد أحسن الوصف، ثم مر ابن عباس في الكلمة إلى آخرها، وهي سبعون بيتا، ويقال: مرّ من أولها إلى آخرها ثم [١] قلبها، حفظا لها في مجلس واحد. خبر عبد الله بن عباس يوم الحكمين قال، لما جعل أبو موسى وعمرو بن العاص حكمين، وأرادوا المسير إلى دومة [٢] الجندل، لقي عبد الله بن عباس أبا موسى، فقال: يا أبا موسى إن الناس [٣] لم يرضوا بك [٤] لفضل لا تشارك فيه، ما أكثر أشباهك المقدمين قبلك من المهاجرين والأنصار غير أن أهل الكوفة [١٠ أ] أبوا أن يرضوا [٥] ، وايم الله إني لأخاله [٦] شرا لنا ولهم [٧] ، إنك قد رميت [٨] بداهية العرب ومن حارب الله ورسوله، وليست في عليّ خصلة تحرم عليه الخلافة، وليست

стр. 31

في معاوية خصلة تحلّ بها له الخلافة [١] . فإن تقذف بحقّك على باطلة تدرك حاجتك فيه [٢] ، وإن تطمع [٣] باطله في حقّك يدرك حاجته فيك [٤] . إذا أنت لقيت عمرا فأعلمه أنّ معاوية طليق الإسلام، وأنّ أباه لعين رسول الله ﷺ ، وأنّه ادّعى الخلافة على غير مشورة [٥] ، فإن صدقك، فعجّل خلعه، وإن كذبك فقد حرّم عليك كلامه، فإن زعم أنّ عمر وعثمان استعملاه فقد صدق. استعمله عمر، وعمر [٦] الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض يحميه ما يشتهي، ويوجره [٧] ما يكره، واستعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا لم يدّعوا [٨] ما ادّعى معاوية، واعلم أن كل شيء يسرّك من عمرو فينا فلما [٩] يسوءك أكثر، ومهما نسيت من شيء فلا تنسينّ [١٠] أنّ الذين بايعوا عليّا هم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه [١١] . وقال: قال ابن عباس لعلي رحمة الله عليهما ورضي عنهما: اجعلني السفير بينك وبين معاوية في الحكمين، فو الله لأفتلنّ حبلا لا ينقطع وسطه، ولا ينبتّ طرفاه. قال علي: لست من كيدك وكيد [١٠ ب] معاوية في شيء، والله لا أعطيه إلّا السيف حتى يدخل في الحق. قال ابن عباس:

стр. 32

هو والله لا يعطيك إلّا السيف حتى يغلب بباطله حقّك. قال علي: وكيف ذلك؟ قال: لأنك اليوم تطاع وتعصى غدا، وإنّه يطاع فلا يعصى. فلما انتشر على [١] عليّ أصحابه، وابن عباس بالبصرة، قال: للَّه درّ ابن عبّاس إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق. الجهنيّ قال، شهدت الحكمين بدومة الجندل، وقد اعتزلت الفتنة في ناس من القرّاء، فقال لي أصحابي: لو أتيت هذين الرجلين، فخبرت ما قبلهما، ولمن يبايعان، وعلى من يجتمعان [٢] ، وذلك بعد ما طال مقامهما، لا يعلم أحد ما يريدان [٣] ، وإلى من يدعوان [٤] . فأتيت أبا موسى فوجدته على بغلة بسرج، ووجدته شيخا خلقا عليه ثياب خلقان، فقلت له: صحبت رسول الله ﷺ ، وكنت من صالحي أصحابه، وقد قاربت الآخرة فما بينك وبين الجنة إلّا كلمة محقة أو مبطلة، فانظر أين أنت غدا من الله. قال: أمّا إني سأدعو إلى رجل لا يختلف فيه اثنان. فقلت: أمّا هذا فقد أبان عمّا في نفسه، فلقيت عمرا، فقلت له مثل ذلك، فقال: إليك عنّي، فلست من أهل المشاورة، والله ما ينفعك الحقّ ولا يضرّك الباطل، فإن الظلف لا يجري [٥] مع الخفّ. فانصرفت وأنا أقول: يا لهذا الحيّ من قريش، والله لكأنّما [١١ أ] أقفل على قلوبهم بأقفال حديد.

стр. 33

خبر عبد الله يوم الخوارج ويذكر أهل العلم [١] من غير وجه، أنّ عليّا ﵇، لمّا عزم الخوارج بالبيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، وجّه إليهم عبد الله بن العباس ليناظرهم، فقال لهم: ما الّذي نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا [٢] : كان للمؤمنين أميرا، فلما حكّم في دين الله، خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد له. فقال ابن عباس: لا ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شكّ أن يقرّ على نفسه [بالكفر] [٣] ، قالوا: إنّه [٤] حكّم، قال: إن الله [٥] أمرنا بالتحكيم في قتل صيد، فقال: يَحْكُمُ به ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ٥: ٩٥ [٦] ، فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين؟ فقالوا: إنّه [٧] حكم عليه فلم يرض، فقال [٨] : إن الحكومة كالإمامة، ومتى [فسق الإمام] [٩] وجبت معصيته، وكذلك الحكمان لمّا خالفا نبذت أقاويلهما. فقال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجة عليهم [١٠] ، فإن هذا من الذين قال الله ﵎ [فيهم] [١١] :

стр. 34

بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ٤٣: ٥٨ [١] ، وقال جلّ ثناؤه: وَتُنْذِرَ به قَوْماً لُدًّا ١٩: ٩٧ [٢] . ثم إن [٣] عليا ﵇ جاء فناظرهم مناظرة [٤] ابن عبّاس إيّاهم، فكان فيما قال لهم: ألا تعلمون أنّ هؤلاء القوم لمّا رفعوا المصاحف قلت لكم هذه مكيدة ووهن، وأنّهم [١١ ب] لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني، ثم سألوني التحكيم، أفعلمتم أنّه كان منكم أحد أكره لذلك منّي؟ قالوا [٥] : نعم، قال: فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه، فاشترطت أنّ حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله [٦] ، فمتى خالفاه فأنا وأنتم من [٧] ذلك براء، وأنتم تعلمون أنّ حكم الله لا يعدوني، قالوا: اللَّهمّ نعم، وفيهم في ذلك [٨] ابن الكوّاء، وهذا من قبل أن يذبحوا عبد الله [٩] بن خباب، وإنّما ذبحوه في الفرقة الثالثة بكسكر [١٠] . فقالوا لعلي: حكمت في دين الله برأينا، ونحن مقرّون بأنّا قد كفرنا، ونحن تائبون، فأقرر بمثل ما أقررنا به وتب ننهض معك إلى الشام، فقال: أما تعلمون أنّ الله قد أمرنا

стр. 35

بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأته، فقال تعالى: فَابْعَثُوا حَكَماً من أَهْلِهِ وَحَكَماً من أَهْلِها ٤: ٣٥ [١] ، وفي صيد أصيب [في الحرم] [٢] كأرنب تساوي [٣] ربع درهم، فقال: يَحْكُمُ به ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ٥: ٩٥ [٤] . فقالوا: إن عمرا لمّا أبى عليك أن تقول [٥] «هذا كتاب [٦] كتبه عبد الله عليّ أمير المؤمنين» ، محوت اسمك من الخلافة وكتبت: «علي بن أبي طالب» ، فقد خلعت نفسك. فقال لهم: لي برسول الله ﷺ أسوة، حيث أبي عليه سهيل ابن عمرو [٧] ، فقال: لو أقررت أنّك رسول الله ما خالفتك، ولكنّي أقدمك لفضلك، فاكتب: محمد بن عبد الله، فقال [١٢ أ] : يا علي امح رسول الله، فقلت: يا رسول الله لا تسخو نفسي بمحو اسمك من النبوّة، قال: فقفني عليه، قال فمحاه بيده، ثم قال: اكتب: محمد بن عبد الله [٨] ، ثم تبسّم إليّ، فقال: يا علي إنك ستسام مثلها فتعطي. فرجع معه منهم ألفان من حروراء [٩] ، وقد كانوا تجمّعوا بها، فقال لهم: ما نسمّيكم، ثم قال: أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء.

стр. 36

أخبار عبد الله مع معاوية ابن دأب ومعمر عن إدريس ومحمد بن إسحاق قال: قدم ابن عباس على معاوية ابن أبي سفيان، وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض شأنه، لما كان يعرف من كراهية معاوية لإظهار أمره، وكان معاوية يجفوه، فمكث عنده مقيما ما شاء الله. ثمّ إنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية، يخبره بمرض الحسن ابن علي، وأنّه رأى أنّ به السلّ [١] ، فكتب إليه معاوية: لا تغبني خبره يوما. فكان يأتي خبره معاوية كلّ يوم. فقال رجل من قريش: إني لبالباب في اليوم الّذي جاء فيه نعي الحسن بن علي ﵇، إذ مرّ يزيد بن معاوية داخلا على أبيه، فأدخلني، فما مرّ بباب إلّا قالوا: مرحبا بابن أمير المؤمنين، حتى انتهى إلى البيت الّذي فيه معاوية، وإذا امرأته بنت قرظة [٢] تعطره وتسرّح لحيته، فلما رأتنا امرأته [١٢ ب] ، قالت: وا سوأتاه، أتدخل علينا الرجال؟ فقال لها: اسكتي، وإلّا عزمت على أمير المؤمنين أن يتزوّج أربع قرشيات كلّهن يأتين بغلام يبايع له بالخلافة. فقال لها معاوية: اسكتي، فلو عزم عليّ يزيد لم أجد بدّا من إنفاذ عزيمته، فقامت فلم تقدر على النهوض، حتى وضعت يدها على الأرض، ثم ارتفعت، فلما ولّت، قال معاوية: ما كنا لنغيرها. قال يزيد: وما كنت لأعزم عليك، إنما قلت ما قلت لأذعرها. فإنّا كذلك إذ دخل شيخ طوال، كان على الصائفة، فسأله معاوية عن أمر الناس والجند، فبينا نحن كذلك إذ دخل غلام معاوية، فقال: يا أمير

стр. 37

المؤمنين بشراي، قال: وما ذلك، قال: في هذه الصحيفة ما تحبّ. قال: لك بشراك، فدفعها إليه، ولما قرأها خرّ ساجدا، ثم رفع رأسه، فعرفنا السرور في وجهه، فنعى الحسن بن علي، فبكى الشيخ وانتحب، ووضع يده على ... [١] ينتحب، فقال له الغلام: اسكت أيها الشيخ، فقد شققت على أمير المؤمنين، هل الحسن إلّا أحد رجلين: إمّا منافق أراح الله منه، وإمّا برّ فما عند الله خير للأبرار. ثم إن معاوية قال لحاجبه: ائذن للناس وأخّر اذن ابن عباس. فلما أصبح ودخل عليه الناس أذنوا لابن عباس، فسلّم فقال معاوية: يا أبا العبّاس أما ترى ما [١٣ أ] حدث بأهلك؟ قال: لا. قال: فإنّ أبا محمد قد توفي، فأعظم الله أجرك. قال: إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون، عند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن ﵇ [٢] فقد بلغتني سجدتك، وما أظنّ ذاك إلّا لوفاته، أما والله لا يسدّ جسده حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك، ولطالما رزئنا بمن هو أعظم رزءا من الحسن ﵇، ثم جبر الله. قال معاوية: كم أتى له؟ قال: شأنه أعظم من أن يجهل مولده. قال: إني أحسبه قد ترك صبيانا صغارا [٣] . قال: كلّنا كان صغيرا فكبر. قال معاوية: أصبحت سيد أهل بيتك يا أبا العباس. قال: أمّا ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن علي ﵇ فلا [٤] . قال: ثم نهض وعيناه تدمع، فلما ولّى قال معاوية: للَّه

стр. 38

درّه، والله ما هيّجناه قطّ إلّا وجدناه معدا [١] . فلما رجع ابن عباس إلى رحله، جلس بفنائه، وجاءه الناس يعزّونه، وجاءته خيل، كلّما جاءه إنسان نزل ووقف حتى جاءه يزيد بن معاوية، فأوسع له ابن عباس، فأبى أن يجلس إلّا بين يديه مجلس المعزّي، فذكر الحسن ﵇ في فضله وسابقته وقرابته، فأحسن ذكره، وترحّم عليه، ثمّ قام فركب، فأتبعه ابن عباس بصره فلمّا ولّى قال: إذا ذهب بنو حرب ذهب حلماء قريش [٢] . ثمّ إنّ ابن عبّاس دخل بعد ذلك بأيّام على معاوية [١٣ ب] ، فقال له معاوية: يا أبا العباس! هل ترى ما حدث في أهلك؟ قال: لا، قال: فإنّ أسامة بن زيد هلك، ثمّ خرج. فلما كانت الجمعة، قال ابن عباس: يا غلام أعطني ثيابي، حتى متى أصبر لهذا المنافق ينعى إليّ أهل بيتي رجلا رجلا، فلبس ثيابه ثمّ اعتمّ وتطيّب بطيب كان يعرف به إذا ما وجد ريحه، فلما دخل المسجد قال أهل الشام: ما يشبه هذا إلّا الملائكة، من هذا؟ فلما صلّى أسند إلى أسطوانة، فلم تبق في المسجد حلقة إلّا تقوّضت إليه، فلم يسأل عن حلال ولا حرام ولا فقه ولا تفسير قرآن ولا حديث جاهلية ولا إسلام إلّا أنبأهم به. فافتقد معاوية يومئذ من كان يدخل عليه، وقال لحاجبه: أين الناس؟ قال: عند ابن عباس، فأخبره بخبره واجتماع الناس إليه، وانه لو شاء أن يضربه بمائة ألف سيف فعل قبل الليل. فقال: نحن أظلم منه، حبسناه عن أهله، ومنعناه حاجته، ونعينا إليه أحبّته، انطلق يا غلام فادعه. فلمّا

стр. 39

أتاه الحاجب قال: إنّا معشر بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى تقضى الصلاة، أصلّي وآتيه إن شاء الله. فرجع فأخبره، فقال: صدق. فلمّا صلّى العصر دخل فقال: يا أبا العبّاس ادخل بيت المال فخذ حاجتك- وإنّما أراد أن يعلم الناس من أهل الشام أنه صاحب دنيا- فعرف ابن عباس [١٤ أ] ما يريد، فقال: ليس ذاك لي ولا لك، فإن أذنت لي أن أعطي كل ذي حقّ حقّه فعلت. فقال: أقسمت عليك لما دخلت بيت المال وأخذت، فدخل فأخذ منه برنس خزّ، ثمّ خرج فقال: يا أمير المؤمنين بقيت لي حاجة قال: وما هي؟ قال: علي ﵇، قد عرفت فضله وسابقته وقرابته [١] ، قد كفاكه الموت، أحبّ ألّا يشتم على منابركم، قال: هيهات يا ابن عباس، هذا امر دين، أليس وأ ليس [٢] فعل وفعل؟ قال: أنت أعلم. ثمّ خرج متوجها إلى المدينة منصرفا. عبد الله بن زاهر [٣] الكوفي عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبان بن أبي عيّاش عن سليم بن قيس الهلالي: أنّ معاوية لما ورد المدينة حاجّا، في خلافته استقبله أهل المدينة وهم قريش، فقال: ما فعلت الأنصار؟ فقيل: إنّهم محتاجون، لا دوابّ لهم. فقال معاوية: فأين نواضحهم؟ فقال قيس ابن سعد بن عبادة: أحربناها [٤] يوم بدر وأحد، وما بعدهما من مشاهد رسول الله ﷺ حين ضربوا أباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، فسكت معاوية، فقال قيس: أما إنّ رسول الله صلّى

стр. 40

الله عليه وسلّم قد عهد إلينا أنّا سنلقى بعده أثرة. فقال معاوية: فما أمركم به؟ قال: أمرنا إن نصبر حتى نلقاه [١٤ ب] ، قال: فاصبروا حتى تلقوه. ثمّ إنّ معاوية مرّ بحلق من قريش، فلمّا رأوه قاموا غير عبد الله بن عبّاس، فقال: يا ابن عبّاس ما منعك من القيام كما قام أصحابك، ما ذاك إلّا لموجدة، إني قاتلتكم بصفين، فلا تجد من ذلك يا ابن عبّاس فإنّ ابن عمّي عثمان قتل مظلوما. قال ابن عبّاس: فعمر بن الخطاب قتل مظلوما، قال: إنّ عمر قتله كافر. قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ قال: المسلمون. قال: فذاك أدحض لحجّتك. قال: فإنّا كتبنا إلى الأنصار ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكفّ لسانك. قال: أفتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا. قال: أفتنهانا عن تأويله؟ قال: نعم. قال: أفنقرؤه ولا نسأل عما عنى؟ قال: يسأل عن ذلك من يتأوّله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. قال: إنما أنزل القرآن على أهل بيتي فكيف أسأل عنه آل أبي سفيان؟ يا معاوية! أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال أو حرام، فإن لم تسأل الأمة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف. قال: اقرأوا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا ممّا أنزل الله فيكم وارووا ما سوى ذلك. قال: فإنّ في القرآن: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ الله بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ٩: ٣٢ [١] . قال: يا ابن عباس! [١٥ أ] فاربع على نفسك، وكفّ عني لسانك، وإن كنت [٢] لا بد فاعلا فليكن ذلك سرّا لا يسمعه أحد علانية، ثمّ
следующие страницы →