Полный текст (3 122 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْعَقَارِ مُطْلَقًا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَ بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ بَيْعُ عَرْضِ ابْنِهِ لِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ سِوَى النَّفَقَةِ اتِّفَاقًا وَاسْتَشْكَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَيْعُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ وَلَهُ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْهُ لِأَجْلِ دَيْنٍ آخَرَ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا تُشْبِهُ سَائِرَ الدُّيُونِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا قَضَى الْقَاضِي إعَانَةً فَجَازَ بَيْعُ الْأَبِ لِعَدَمِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لِلنَّفَقَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي بَيْعِ الْعَرْضِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِغَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَيْسَ لِلْأَبِ الْبَيْعُ إجْمَاعًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لِلنَّفَقَةِ وَلَمْ يَقُلْ لِنَفَقَتِهِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ يَبِيعُ لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ أُمِّ الْغَائِبِ وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ لَا تَمْلِكُ الْبَيْعَ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالْأُمَّ لَا تَمْلِكُ، وَلَكِنْ بَعْدَ مَا بَاعَ فَالثَّمَنُ يُصْرَفُ إلَيْهِمَا فِي نَفَقَتِهِمَا اهـ.
وَاحْتَرَزَ بِالْأَبِ أَيْضًا عَنْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ عِنْدَ الْكُلِّ لَا فِي الْعُرُوضِ وَلَا فِي الْعَقَارِ وَلَا فِي النَّفَقَةِ وَلَا فِي سَائِرِ الدُّيُونِ، يُرِيدُ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ السَّبَبُ مَعْلُومًا لِلْحَاكِمِ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا، وَلَكِنْ حَاجَةُ الْأَبِ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً أَوْ إنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ الِابْنَ أَعْطَاهَا النَّفَقَةَ وَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا لَا يَبِيعُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْقَاضِي وَصَرَفَ الثَّمَنَ إلَيْهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الثَّمَنُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَيَتَضَرَّرُ بِهِ الْغَائِبُ فَلِذَا لَا يَبِيعُهُ الْقَاضِي، وَلَكِنْ يُفَوِّضُ الْأَمْرَ إلَى الْأَبِ وَيَقُولُ لَهُ إنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا تَدَّعِي وَإِلَّا فَلَا آمُرُك بِشَيْءٍ وَهُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَتَضَرَّرُ الْغَائِبُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَنْفَقَ مُودَعُهُ عَلَى أَبَوَيْهِ بِلَا أَمْرٍ ضَمِنَ) أَيْ الْمُودَعُ مَا أَنْفَقَهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ فِي الْحِفْظِ لَا غَيْرُ وَالْمُودَعُ لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ مَدْيُونَ الْغَائِبِ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْأَبَوَانِ لَيْسَا بِقَيْدٍ، بَلْ الْإِنْفَاقُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِلَا أَمْرٍ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، وَكَذَا عَلَى الْأَوْلَادِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ بِلَا أَمْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِأَمْرِ الْغَائِبِ فَلَا إشْكَالَ، وَكَذَا إذَا كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ مُلْزِمٌ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَفَقَةُ هَؤُلَاءِ وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَقَضَاؤُهُ إعَانَةٌ لَهُمْ فَحَسْبُ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَعِنْدَ أَمْرِ الْقَاضِي لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ الصِّغَارِ وَالزَّوْجَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَفَرَضَ لِزَوْجَةِ الْغَائِبِ إلَى آخِرِهِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْمُودَعَ لَوْ قَضَى دَيْنَ الْمُودَعِ الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا وَلَمْ يُضَمِّنْهُ الْحَاكِمُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالصَّحِيحُ الضَّمَانُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَأَطْلَقَهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَلَوْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ هُنَا بِقَضَاءِ الدَّيْنِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ كَمَا قَدَّمْنَا الْفَرْقَ وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالضَّمَانِ دُونَ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ مَاتَ الْغَائِبُ حَلَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ لِوَرَثَتِهِ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ حَقٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ غَيْرَ الْإِصْلَاحِ، وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الضَّمَانِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَمْكَنَ اسْتِطْلَاعُ رَأْيِ الْقَاضِي أَوْ لَا لَكِنْ نَقَلُوا عَنْ النَّوَادِرِ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَمْكَنَ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ فَلَا ضَمَانَ اسْتِحْسَانًا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَشَايِخُنَا فِي رَجُلَيْنِ كَانَا فِي سَفَرٍ فَأُغْمِيَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَأَنْفَقَ الْآخَرُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَا إذَا مَاتَ فَجَهَّزَهُ صَاحِبُهُ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَضْمَنْ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فِي التِّجَارَةِ إذَا مَاتَ مَوْلَاهُ فَأَنْفَقَ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ أَوْقَافٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُتَوَلٍّ فَقَامَ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَأَنْفَقَ عَلَى الْمَسْجِدِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْحُصُرِ وَالْحَشِيشِ لَا يَضْمَنُ اسْتِحْسَانًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1402
وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ تَلَامِذَتِهِ فَبَاعَ مُحَمَّدٌ كُتُبَهُ وَأَنْفَقَ فِي تَجْهِيزِهِ فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ لَمْ يُوصِ بِذَلِكَ إلَى أَحَدٍ فَتَلَا مُحَمَّدٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فَمَا كَانَ عَلَى قِيَاسِ هَذَا الْأَصْلِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِحْسَانًا أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَا الْوَرَثَةُ الْكِبَارُ إذَا أَنْفَقُوا عَلَى الصِّغَارِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَصِيٌّ فَإِنَّهُمْ مُتَطَوِّعُونَ حُكْمًا، وَأَمَّا دِيَانَةً فَإِنَّهُمْ مُحْسِنُونَ وَيَسَعُهُمْ أَنْ يُقِرُّوا بِمَا فَضَلَ مِنْ نَصِيبِ الصِّغَارِ فَقَطْ، وَلَوْ حَلَفُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَنَظِيرُهُ إذَا عَرَفَ الْوَصِيُّ الدَّيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ فَقَضَاهُ وَلَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْقَاضِي وَلَا الْوَرَثَةُ وَلَا يَأْثَمُ.
وَكَذَا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَةٌ وَعَلَى صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ مِثْلُهَا دَيْنٌ وَالْمُودَعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَاتَ وَلَمْ يَقْبِضْ دَيْنَهُ وَسِعَ الْمُودَعَ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الدَّيْنَ بِمَالِهِ وَلَا يَقْرَبَهُ، وَكَذَا إذَا كَانَ لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ دَيْنٌ وَعَلَى عَمْرٍو مِثْلُ ذَلِكَ الدَّيْنِ لِرَجُلٍ آخَرَ فَمَاتَ عَمْرٌو وَزَيْدٌ يَعْرِفُ أَنَّ عَمْرًا لَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ يَسَعُ لِزَيْدٍ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ عَمْرٍو بِمَا لِعَمْرٍو عَلَى زَيْدٍ وَلَا يُخْبِرَ وَرَثَتَهُ بِذَلِكَ اهـ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخَذَ الرَّايَةَ وَتَأَمَّرَ مِنْ غَيْرِ تَأْمِيرٍ لِأَجْلِ الْإِصْلَاحِ ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ هَلْ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ عِنْدَ ضَمَانِهِ وَقَالُوا لَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ مَلَكَ الْمَدْفُوعَ بِالضَّمَانِ فَكَانَ مُتَبَرِّعًا بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَيْهِمْ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِمَا وَلَمْ أَرَ أَنَّهُ إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ بِلَا أَمْرٍ، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إبْرَاءٌ لَهُ مِنْ الضَّمَانِ، وَلِقَوْلِهِمْ إنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَنْفَقَا مَا عِنْدَهُمَا لَا) أَيْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوْفَيَا حَقَّهُمَا؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ عَلَى مَا مَرَّ، وَقَدْ أَخَذَا جِنْسَ الْحَقِّ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ الِابْنِ، ثُمَّ خَاصَمَهُ الِابْنُ فَقَالَ أَنْفَقْتَهُ وَأَنْتَ مُوسِرٌ، وَقَالَ الْأَبُ أَنْفَقْتُهُ وَأَنَا مُعْسِرٌ قَالَ اُنْظُرْ إلَى حَالِ الْأَبِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ اسْتِحْسَانًا فِي نَفَقَةِ مِثْلِهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الِابْنِ اهـ.
وَحُكْمُ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ كَالْأَبَوَيْنِ إذَا أَنْفَقَا مَا عِنْدَهُمَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَرِيبِ الْمَحْرَمِ الْعَاجِزِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِالْإِنْفَاقِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَالزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ حَتَّى إذَا ظَفِرَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِجِنْسِ حَقِّهِمْ كَانَ لَهُ الْأَخْذُ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا فَأَمَّا نَفَقَةُ سَائِرِ الْأَقَارِبِ لَا تَجِبُ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا حَتَّى لَوْ ظَفِرَ وَاحِدٌ مِنْ الْأَقَارِبِ بِجِنْسِ حَقِّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْأَخْذُ إلَّا بِقَضَاءٍ أَوْ رِضًا؛ وَلِذَا يَفْرِضُ الْقَاضِي فِي مَالِ الْغَائِبِ نَفَقَةَ الْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَضَى بِنَفَقَةِ الْوِلَادِ وَالْقَرِيبِ وَمَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ) لِأَنَّ نَفَقَةَ هَؤُلَاءِ تَجِبُ كِفَايَةً لِلْحَاجَةِ حَتَّى تَجِبَ مَعَ الْيَسَارِ، وَقَدْ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إذَا قَضَى بِهَا الْقَاضِي؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ يَسَارِهَا فَلَا تَسْقُطُ بِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ فِيمَا مَضَى وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَأْثَمُ وَمُقْتَضَى وُجُوبِهَا أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا إذَا طَلَبَهَا صَاحِبُهَا وَامْتَنَعَ مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ؛ وَلِذَا لَيْسَ لِمَنْ هِيَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَلَا رِضًا وَصَرَّحَ الْخَصَّافُ فِي أَدَبِ الْقَاضِي بِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْقَضَاءِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا وَاسْتَشْكَلَهُ السُّرُوجِيُّ فِي الْغَايَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَاضِيَ نَفْسَهُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ هَذِهِ النَّفَقَةَ وَالْقَاضِي لَيْسَ بِمُشَرِّعٍ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَانْقَطَعَ مِنْ بَعْدِهِ فَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ، وَقَالَ لِمَ قِيلَ إنَّ الْوُجُوبَ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَقَضَاءُ الْقَاضِي إعَانَةٌ لَهُ كَمَا فِي نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ كَيْفَ وَأَنَّهُمْ قَدْ اسْتَدَلُّوا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْإِيجَابِ وَلَا يُعَكَّرُ عَلَى هَذَا اخْتِلَافُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْوَرَثَةُ الْكِبَارُ إلَخْ) ذَكَرَ فِي نَفَقَاتِ الْخَصَّافِ الْأَخَ الْكَبِيرَ مَعَ الْأَخِ الصَّغِيرِ إذَا وَرِثَا مَالًا وَفِي الْبَلَدِ قَاضٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَأَنْفَقَ الْأَخُ مِنْ نَصِيبِ الْأَخِ الصَّغِيرِ عَلَيْهِ يَضْمَنُ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَكَتَبْت فِي آخِرِهَا كَرَاهِيَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِنْفَاقَ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَأْوِيلَ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْإِنْفَاقُ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ وَفِي هَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِ نَصِيبِ الْأَخِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَخَ فِي حِجْرِهِ وَالْمَالُ دَرَاهِمُ وَيَحْتَاجُ إلَى شِرَاءِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ النَّفَقَةُ وَالْأَخُ الْكَبِيرُ يَمْلِكُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الصَّغِيرُ فِي حِجْرِهِ وَإِلَّا فَلَا فَيَصِيرُ حَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ إذَا كَانَ طَعَامًا يُنْفِقُ سَوَاءٌ كَانَ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَا وَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ إنْ كَانَ فِي حِجْرِهِ يَمْلِكُ شِرَاءَ الطَّعَامِ وَالنَّفَقَةِ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ لَا يَمْلِكُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ الْقَاضِي وَصِيًّا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
стр. 1403
الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ الِاخْتِلَافِيَّةَ يُعْمَلُ فِيهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ وَلَا يَكُونُ الِاخْتِلَافُ مُؤَثِّرًا فِي عَدَمِ الْقَبُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ الْقَضَاءِ كَمَا قُلْنَا فِي نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ إنَّهُ يَقْضِي بِهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا ثَابِتَةٌ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَالْقَضَاءُ إعَانَةٌ لَا أَنَّ تَعْيِينَ الْقَاضِي مُثْبِتٌ لَهَا، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي الْمُوجِبُ لِفِرَارِهِمْ مِنْ هَذَا اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ شَرْطَ وُجُوبِ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ الطَّلَبُ وَالْخُصُومَةُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي فِي نَفَقَةِ غَيْرِ الْوِلَادِ فَلَا تَجِبُ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ بِدُونِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَالْقَضَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الطَّلَبِ وَالْخُصُومَةِ اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الطَّلَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي لَا يَكُونُ مُوجِبًا وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُدَّةِ وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالْكَثِيرَةِ أَمَّا الْقَلِيلَةُ فَلَا تَسْقُطُ وَهِيَ مَا دُونَ الشَّهْرِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَتَبِعَهَا الشَّارِحُونَ؛ لِأَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ بِالْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ لَمَا أَمْكَنَهُمْ اسْتِيفَاؤُهَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَيْفَ لَا تَصِيرُ الْقَصِيرَةُ دَيْنًا وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ لَمْ تَصِرْ دَيْنًا لَمْ يَكُنْ بِالْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فَائِدَةٌ، وَلَوْ كَانَ كُلَّمَا مَضَى سَقَطَ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِيفَاءُ شَيْءٍ وَمِثْلُ هَذَا قَدَّمْنَاهُ فِي غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي نَفَقَةِ الْوِلَادِ فَشَمِلَ الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ وَاسْتَثْنَى فِي الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْحَاوِي وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ نَفَقَةَ الصَّغِيرِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِخِلَافِ نَفَقَةِ سَائِرِ الْأَقَارِبِ وَفِي الْوَاقِعَاتِ، وَإِذَا فَرَضَ نَفَقَةَ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ فَلَمْ يَقْبِضْ سِنِينَ، ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ مَاتَ تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ هَذَا صِلَةٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَصِيرُ دَيْنًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْبُطْلَانِ عَلَى الْيَسَارِ أَوْ الْمَوْتِ لَيْسَ بِقَيْدٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْقَاضِي بِالِاسْتِدَانَةِ) يَعْنِي فَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ فَصَارَ إذْنُهُ كَأَمْرِ الْغَائِبِ فَتَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ أَخَلَّ الْمُصَنِّفُ بِقَيْدٍ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ الِاسْتِدَانَةُ وَالْإِنْفَاقُ مِمَّا اسْتَدَانَهُ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا حَتَّى قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ وَلَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ هُنَا فِي مَفْهُومِ كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ، وَقَالَ إذَا أَذِنَ الْقَاضِي فِي الِاسْتِدَانَةِ وَلَمْ يَسْتَدِنْ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ، وَهَذَا غَلَطٌ، بَلْ مَعْنَى الْكَلَامِ أَذِنَ الْقَاضِي فِي الِاسْتِدَانَةِ وَاسْتَدَانَ اهـ.
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ فَلَوْ أَنْفَقَ بَعْدَ الْإِذْنِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَظْهَرْ لِي الْمُوجِبُ لِفِرَارِهِمْ مِنْ هَذَا) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ أَقُولُ: لَعَلَّ الْمُوجِبَ لِفِرَارِهِمْ قُوَّةُ الِاخْتِلَافِ فَإِذَا قَوِيَ قَوْلُ الْمُخَالِفِ رَاعَوْا خِلَافَهُ وَاسْتَعَانُوا بِالْحُكْمِ كَمَا فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَخِيَارِ الْبُلُوغِ وَغَيْرِهِمَا اهـ.
وَفِي النَّهْرِ وَأَجَابَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا تَجِبُ أَيْ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا أَمَّا نَفْسُ الْوُجُوبِ فَثَابِتٌ عِنْدَنَا وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ يَكُونُ إيجَابًا مُبْتَدَأٌ أَيْ لِلْأَدَاءِ إلَّا أَنَّ مُقْتَضَاهُ جَوَازُ أَخْذِ شَيْءٍ ظَفِرُوا بِهِ مِنْ جِنْسِ النَّفَقَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَتَدَبَّرْ. اهـ.
وَقَالَ الرَّمْلِيُّ يَجُوزُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا تَجِبُ أَيْ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً قَبْلَهُ، وَقَدْ يَلْزَمُ الشَّيْءُ وَلَا يَجِبُ كَالدَّيْنِ اللَّازِمِ ذِمَّةَ الْمُعْسِرِ لَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِهِ ذِمَّتَهُ وُجُوبُ أَدَائِهِ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللُّزُومِ وَالْوُجُوبِ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ، وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْقَضَاءِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الْقَضَاءِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَالْأَوَّلُ يَعْمَلُ فِيمَا سَبَقَ وَفِيمَا لَحِقَ كَالْقَضَاءِ بِأَنَّ فُلَانًا مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ كَاشِفٌ وَالثَّانِي لَا يَعْمَلُ فِيمَا مَضَى وَيَعْمَلُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ كَالْقَضَاءِ بِدُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ، وَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْفُرُوعِ، وَلَوْ تَسَاوَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ لَمَا صَحَّ لَهُمْ فَرْضٌ بَيْنَهُمَا فَالْقَضَاءُ فِي الْمُخْتَلَفِ يُصَيِّرُهُ عَلَى الْوِفَاقِ، وَالْآيَةُ الشَّرِيفَةُ مُحْتَمِلَةٌ لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهَا وَارِثَ الصَّبِيِّ مِمَّنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ عِصَابَةٍ أَوْ وَارِثَ الْأَبِ وَهُوَ الصَّبِيُّ أَيْ تُمَأَّنُ الْمُرْضِعَةُ مِنْ مَالِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ تَكُنْ الْآيَةُ نَصًّا فِي الْمُدَّعِي؛ وَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ حِلُّ التَّنَاوُلِ لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ بِالِاخْتِلَافِ وَهِيَ فِي بَابِ الْحُرْمَةِ فَنُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ خُصُوصًا فِي الْأَمْوَالِ وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي تَرْتَفِعُ الشُّبْهَةُ وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ يَعْرِفُهَا مَنْ لَهُ مُمَارَسَةٌ بِالْفِقْهِ تَأَمَّلْ. اهـ. وَهُوَ نَظِيرُ جَوَابِ الْمَقْدِسِيَّ.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى فِي الذَّخِيرَةِ بِالِاسْتِدَانَةِ إلَخْ) أَقُولُ: مَا يَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ بَعْدَ أَسْطُرٍ عَنْ الذَّخِيرَةِ يُخَالِفُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ تَأَمَّلْ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بَلْ مَعْنَى الْكَلَامِ أَذِنَ الْقَاضِي فِي الِاسْتِدَانَةِ وَاسْتَدَانَ) هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَيْدَ الْمَتْرُوكَ هُوَ الِاسْتِدَانَةُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِهَا لَا الْإِنْفَاقُ مِمَّا اسْتَدَانَ وَفِي النَّهْرِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا وَقَعَتْ الِاسْتِدَانَةُ بِالْفِعْلِ حَتَّى لَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ صَدَقَةٍ تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ أَيْضًا بِالْإِنْفَاقِ وَعَزَاهُ إلَى النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا فَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا أَثَرَ لِإِنْفَاقِهِ مِمَّا اسْتَدَانَهُ حَتَّى لَوْ أَنْفَقَ بَعْدَمَا اسْتَدَانَ مِنْ مَالٍ آخَرَ وَوَفَّى مِمَّا اسْتَدَانَهُ لَمْ تَسْقُطْ أَيْضًا وَالْمَذْكُورُ فِي الدِّرَايَةِ عَنْ الْجَامِعِ أَنَّ نَفَقَةَ الْمَحَارِمِ تَصِيرُ دَيْنًا بِالْقَضَاءِ وَلَا تَسْقُطُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَبْلَ مَا ذُكِرَ فِي الْجَامِعِ إذَا اسْتَدَانَ لِنَقْضِيَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ وَأَنْفَقَ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ قَائِمَةً لِقِيَامِ الدَّيْنِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي غَيْرِهِ إذَا أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ الِاسْتِدَانَةِ، بَلْ أَكَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ أَوْ بِالْمَسْأَلَةِ وَإِلَيْهِ مَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ
стр. 1404
بِالِاسْتِدَانَةِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ صَدَقَةٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ اهـ.
وَصَرَّحَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ أَنَّهُمْ إذَا أَكَلُوا مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ فَلَا رُجُوعَ لِأُمِّهِمْ عَلَى الْأَبِ بِشَيْءٍ فَلَوْ أُعْطُوا نِصْفَ الْكِفَايَةِ وَاسْتَدَانَتْ الْأُمُّ لَهُمْ النِّصْفَ رَجَعَتْ بِمَا اسْتَدَانَتْ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِعَدَمِ سُقُوطِهَا بَعْدَ الِاسْتِدَانَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَسْقُطُ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَأَنَّ دَيْنَهَا حِينَئِذٍ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ مُطَالَبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ نَفَقَةً وَلِأُمِّهِمْ مَالٌ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ، ثُمَّ تَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الزَّوْجِ اهـ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ الِاسْتِدَانَةَ وَلَا الْإِذْنَ بِهَا فَيُفَرِّقُ بَيْنَ مَا إذَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهَا وَبَيْنَ مَا إذَا أَكَلُوا مِنْ الْمَسْأَلَةِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَتْ الْأُمُّ لِلْقَاضِي افْرِضْ نَفَقَةَ هَذَا الصَّغِيرِ عَلَى أَبِيهِ وَمُرْنِي حَتَّى أَسْتَدِينَ عَلَيْهِ فَفَعَلَهُ الْقَاضِي فَإِذَا اسْتَدَانَتْ عَلَيْهِ وَأَيْسَرَ رَجَعَتْ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ لَا تَأْخُذُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الصَّحِيحِ وَإِنْ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا أَوْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مِنْ النَّاسِ لَا تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ، وَكَذَا فِي نَفَقَةِ الْمَحَارِمِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ الْمَحْرَمِ بِشُرُوطِهِ يُضْرَبُ وَلَا يُحْبَسُ بِخِلَافِ الْمُمْتَنِعِ
ــ
[منحة الخالق]
وَقِيلَ مَا فِي سَائِرِ الْكُتُبِ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ وَمَا فِي الْجَامِعِ إذَا قَصُرَتْ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَشْتَرِطْ الِاسْتِدَانَةَ وَلَا الْإِذْنَ بِهَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا لَا يُقَالُ إذَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تُنْفِقَ مِنْ مَالِهَا فَكَيْفَ يُنَاسِبُ ذِكْرَ الِاسْتِدَانَةِ تَأَمَّلْ. اهـ.
يَعْنِي: قَوْلَهُ تُجْبَرُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَاضِيَ يُلْزِمُهَا بِأَنْ تُنْفِقَ مِنْ مَالِهَا لِتَرْجِعَ عَلَى زَوْجِهَا قَالَ الْمَقْدِسِيَّ قُلْتُ: إذَا أُجْبِرَتْ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْإِذْنِ فَتَرْجِعُ بِهِ وَلَيْسَ فِي أَكْلِهِمْ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ، بَلْ عَلَى ضِدِّهِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَتْ الْأُمُّ لِلْقَاضِي إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّهُ فَهِمَ مُخَالَفَتَهُ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَا فِي الْخَانِيَّةِ فِيمَا إذَا أَمَرَهَا الْقَاضِي أَنْ تُنْفِقَ مِنْ مَالِهَا وَتَرْجِعَ وَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَمَرَهَا بِالِاسْتِدَانَةِ لَا بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهَا وَأَمْرُ الْقَاضِي يَلْزَمُ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ فَإِذَا فَعَلَتْ مَا أَمَرَهَا الْقَاضِي تَرْجِعُ وَإِنْ خَالَفَتْ لَا تَرْجِعُ تَأَمَّلْ أَقُولُ: وَإِذَا أَمَرَهَا الْأَبُ بِأَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ وَتَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ جَازَ فَإِذَا أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا أَوْ اسْتَدَانَتْ وَأَنْفَقَتْ عَلَيْهِ تَرْجِعُ فِي تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْلَى مِنْ وِلَايَةِ الْقَاضِي، وَهَذَا ظَاهِرٌ قُلْتُهُ تَفَقُّهًا وَيُعْلَمُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الصَّحِيحَ الرُّجُوعُ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ الرُّجُوعُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ رَجَعَ تَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ نَقْلًا عَنْ الْمُضْمَرَاتِ قَالَ وَفِي الْمُضْمَرَاتِ فِي الذَّخِيرَةِ، وَإِذَا كَانَ الْأَبُ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ وَلَا مَالَ لَهُ وَلَا لِلصَّغِيرِ ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ يَفْرِضُ الْقَاضِي النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لِلنَّفَقَةِ فَامْتَنَعَ عَنْ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَوْلَادِ فَإِنَّهُ يَفْرِضُ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ عَلَى الْأَبِ، ثُمَّ يَأْمُرُ الْمَرْأَةَ بِالِاسْتِدَانَةِ حَتَّى يَثْبُتَ لَهَا حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَبِ.
وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا هَذِهِ النَّفَقَةَ هَلْ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ إنْ تَرَكَ مَالًا ذَكَرَ الْخَصَّافُ فِي نَفَقَاتِهِ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ اسْتِدَانَةَ الْمَرْأَةِ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَلِلْقَاضِي وِلَايَةٌ كَامِلَةٌ بِمَنْزِلَةِ اسْتِدَانَةِ الزَّوْجِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ اسْتَدَانَ الزَّوْجُ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ مَاتَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّيْنُ كَذَا هُنَا. اهـ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَحَّحَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ، وَقَدْ عَزَاهَا صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ لِلْحَاوِي، وَكَذَلِكَ عَزَاهَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة لِلْحَاوِي وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ أَنَّ تَصْحِيحَ الْخَصَّافِ لَا يُصَادِمُ تَصْحِيحَ الْأَصْلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالنِّسَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ اهـ
أَيْ: تَصْحِيحُ الْأَصْلِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ كُتُبِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَالْمُعْتَمَدُ الرُّجُوعُ فِي تَرِكَتِهِ وَفِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ، وَلَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ الْمُسْتَدَانَةُ بِإِذْنٍ لَمْ تَسْقُطْ فِي الصَّحِيحِ فَتُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَإِنْ صَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ خِلَافَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ إلَى قَوْلِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ) أَقُولُ: هَذَا سَهْوٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْشَأَهُ سَقَطُ بَعْضِ الْكَلَامِ مِنْ نُسْخَتِهِ الْبَدَائِعِ فَإِنَّ الَّذِي فِيهَا وَيُحْبَسُ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ كَمَا يُحْبَسُ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ أَمَّا غَيْرُ الْأَبِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا الْأَبُ فَيُحْبَسُ فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ وَلَا يُحْبَسُ فِي سَائِرِ دُيُونِهِ؛ لِأَنَّ إيذَاءَ الْأَبِ حَرَامٌ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْحَبْسِ إيذَاؤُهُ إلَّا أَنَّ فِي النَّفَقَةِ ضَرُورَةً وَهِيَ دَفْعُ الْهَلَاكِ عَنْ الْوَلَدِ إذْ لَوْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ لَهَلَكَ فَكَانَ بِالِامْتِنَاعِ عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ كَالْقَاصِدِ إهْلَاكَهُ فَدُفِعَ قَصْدُهُ بِالْحَبْسِ وَيَتَحَمَّلُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الْإِيذَاءِ لِهَذِهِ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ
؛ وَلِأَنَّ هَا هُنَا ضَرُورَةً أُخْرَى وَهِيَ اسْتِدْرَاكُ هَذَا الْحَقِّ أَعْنِي النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِدْرَاكِ بِالْحَبْسِ
؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْأَدَاءِ، وَلَوْ لَمْ يُحْبَسْ يَفُوتُ حَقُّهُمْ رَأْسًا فَشُرِعَ الْحَبْسُ فِي حَقِّهِ لِضَرُورَةِ اسْتِدْرَاكِ الْحَقِّ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْفَوَاتِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجَدْ فِي سَائِرِ الدُّيُونِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى التَّدَارُكِ بِالْحَبْسِ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ الْقَسَمِ يُضْرَبُ وَلَا يُحْبَسُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ هَذَا الْحَقِّ بِالْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَيُسْتَدْرَكُ بِالضَّرْبِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ اهـ. كَلَامُ الْبَدَائِعِ وَسَيَأْتِي
стр. 1405
مِنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُ هَذَا الْحَقِّ بِالْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَيُسْتَدْرَكُ بِالضَّرْبِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ وَلِمَمْلُوكِهِ) أَيْ تَجِبُ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى لِمَمْلُوكِهِ عَلَى سَيِّدِهِ لِلْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: ﷺ «أَطْعِمُوهُمْ مَا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ الرَّجُلَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ مَمْلُوكِهِ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فِي الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ احْتِجَاجًا بِمَا رَوَيْنَا وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ احْتِجَاجًا بِمَا حَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْمَوَالِي أَنْ يُفَضِّلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى عَبِيدِهِمْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا «إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ» وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ذُكِرَ بِلَفْظِ مِنْ وَهِيَ لِلتَّبْعِيضِ فَإِذَا أَطْعَمَهُمْ الْمَوَالِي مِنْ بَعْضِ مَا يَأْكُلُونَ أَوْ كَسَوْهُمْ مِنْ بَعْض مَا يَلْبَسُونَ يَحْصُلُ الْغَرَضُ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ التَّسْوِيَةَ فِي الْأَكْلِ وَالْكِسْوَةِ لَقَالَ مِثْلَ مَا تَأْكُلُونَ وَمِثْلَ مَا تَلْبَسُونَ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ جِنْسِ مَا تَأْكُلُونَ وَتَلْبَسُونَ لَا مِثْلَهُ فَإِذَا أَلْبَسَهُ مِنْ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَهُوَ يَلْبَسُ مِنْهُمَا الْفَائِقَ كَفَى بِخِلَافِ إلْبَاسِهِ نَحْوَ الْجُوَالِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ يَتَوَارَثْ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْبَسُونَ مِثْلَهُمْ إلَّا الْأَفْرَادَ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَمْلُوكِ مَنْ كَانَتْ مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةً لِشَخْصٍ سَوَاءٌ كَانَتْ رَقَبَتُهُ مَمْلُوكَةً لَهُ أَوْ لَا فَدَخَلَ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَخَرَجَ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ لِرَجُلٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ فَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ فَإِنْ مَرِضَ فِي يَدِ صَاحِبِ الْخِدْمَةِ إنْ كَانَ مَرَضًا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى صَاحِبِ الْخِدْمَةِ وَإِنْ كَانَ مَرَضًا يَمْنَعُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ وَإِنْ تَطَاوَلَ الْمَرَضُ وَرَأَى الْقَاضِي أَنْ يَبِيعَهُ فَبَاعَهُ يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ عَبْدًا يَقُومُ مَقَامَ الْأَوَّلِ فِي الْخِدْمَةِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَزَادَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ إنْ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ الْخِدْمَةَ فَنَفَقَتُهُ عَلَى صَاحِبِ الرَّقَبَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْخِدْمَةَ، ثُمَّ عَلَى الْمَخْدُومِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنَافِعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَصَارَ كَالْمُسْتَعِيرِ، وَكَذَا النَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُودِعِ، وَأَمَّا عَبْدُ الْعَارِيَّةِ فَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَأَمَّا كِسْوَتُهُ فَعَلَى الْمُعِيرِ، كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ، وَلَوْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ لِإِنْسَانٍ وَبِمَا فِي بَطْنِهَا لِآخَرَ فَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ لَهُ الْجَارِيَةُ وَمِثْلُهُ أَوْصَى بِدَارٍ لِرَجُلٍ وَسُكْنَاهَا لِآخَرَ فَالنَّفَقَةُ عَلَى صَاحِبِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُ فَإِنْ انْهَدَمَتْ فَقَالَ صَاحِبُ السُّكْنَى أَنَا أَبْنِيهَا وَأَسْكُنُهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ كَتَبَرُّعٍ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى حَقِّهِ إلَّا بِهِ فَصَارَ كَصَاحِبِ الْعُلُوِّ مَعَ صَاحِبِ السُّفْلِ إذَا انْهَدَمَ السُّفْلُ وَامْتَنَعَ صَاحِبُهُ مِنْ الْبِنَاءِ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَهُ وَيَمْنَعَ صَاحِبَهُ عَنْهُ حَتَّى يُعْطِيَ مَا غَرِمَ فِيهِ وَلَا يَكُونَ مُتَبَرِّعًا وَأَطْلَقَ فِي الْمَمْلُوكِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ لَهُ أَبٌ مَوْجُودٌ حَاضِرٌ أَوْ لَا وَشَمِلَ الْأَمَةَ الْمُتَزَوِّجَةَ حَيْثُ لَمْ يُبَوِّئْهَا مَنْزِلًا لِلزَّوْجِ وَشَمِلَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى الصَّحِيحَ وَالْمَرِيضَ وَالزَّمِنَ وَالْأَعْمَى.
وَأَمَّا الْعَبْدُ الْآبِقُ إذَا أَخَذَهُ رَجُلٌ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَوْلَاهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ إنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي كَانَ كَتَطَوُّعٍ لَا يَرْجِعُ وَإِنْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَسَأَلَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ نَظَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى الْإِنْفَاقَ أَصْلَحَ أَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ وَإِنْ خَافَ أَنْ تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ أَمَرَهُ الْقَاضِي بِالْبَيْعِ وَإِمْسَاكِ الثَّمَنِ، وَكَذَا إذَا وَجَدَ بِهِ ضَالَّةً فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى الْغَاصِبِ إلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَى الْمَوْلَى فَإِنْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَهُ بِالنَّفَقَةِ أَوْ بِالْبَيْعِ لَا يُجِيبُهُ؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَاصِبُ مَخُوفًا مِنْهُ عَلَى الْعَبْدِ فَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْقَاضِي وَيَبِيعُهُ وَيُمْسِكُ الثَّمَنَ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْوَدِيعَةُ إذَا غَابَ صَاحِبُهُ فَجَاءَ الْمُودَعُ إلَى الْقَاضِي وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالنَّفَقَةِ أَوْ بِالْبَيْعِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُؤَاجِرَ الْعَبْدَ
ــ
[منحة الخالق]
فِي بَابِ الْحَبْسِ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يُحْبَسُ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْبَدَائِعِ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ: قُلْتُ: يُخَالِفُهُ قَوْلُ الْكَنْزِ لَا يُحْبَسُ فِي دَيْنِ وَلَدِهِ إلَّا إذَا أَبَى عَنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُجْبَرُ بِضَرْبٍ إلَّا إذَا أَبَى فَيُضْرَبُ.
[النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى لِمَمْلُوكِهِ]
(قَوْلُهُ: وَكَذَا النَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ وَالْمُودِعِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُودِعَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَهُوَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ بِقَرِينَةِ مَا سَيَذْكُرُهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْعَبْدُ الْوَدِيعَةُ إذَا غَابَ صَاحِبُهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي النَّهْرِ وَنَقَلُوا فِي أَخْذِ الْآبِقِ إذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى الْإِنْفَاقَ أَصْلَحَ أَمْرَهُ وَإِنْ خَافَ أَنْ تَأْكُلَهُ النَّفَقَةُ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ فَيُقَالُ إنَّ أَمْرَهُ بِالْإِجَارَةِ أَصْلَحُ كَالْمُودِعِ فَلِمَ لَمْ يَذْكُرُوهُ؟ اهـ.
أَقُولُ: الْحُكْمُ فِيهِ كَذَلِكَ حَيْثُ تَحَقَّقَتْ الْأَصْلَحِيَّةُ لَكِنَّ الْآبِقَ يُخْشَى عَلَيْهِ الْإِبَاقُ ثَانِيًا فَالْغَالِبُ انْتِفَاءُ أَصْلَحِيَّةِ إجَارَتِهِ لِلْغَيْرِ بِخِلَافِ الْمُودِعِ فَلِذَا سَكَتُوا عَنْ ذِكْرِهِ وَإِلَّا لَا
стр. 1406
وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِهِ وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبِيعَهُ فَعَلَ، وَأَمَّا الْعَبْدُ إذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَغَابَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَهُ عِنْدَ الشَّرِيكِ فَرَفَعَ الشَّرِيكُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ الْقَاضِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ وَإِنْ قَبِلَ يَأْمُرُهُ بِالنَّفَقَةِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ وَالْكُلُّ مِنْ الْخَانِيَّةِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ الشَّرِيكُ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الْعَبْدِ فِي غَيْبَةِ شَرِيكِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي وَبِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، وَكَذَا النَّخْلُ وَالزَّرْعُ، وَكَذَا الْمُودَعُ وَالْمُلْتَقِطُ إذَا أَنْفَقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ وَاللُّقَطَةِ، وَكَذَا فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ إذَا اُشْتُرِيَتْ فَأَنْفَقَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَبِغَيْرِ إذْنِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ وَفِي الْقُنْيَةِ وَنَفَقَةُ الْمَبِيعِ عَلَى الْبَائِعِ مَا دَامَ فِي يَدِهِ هُوَ الصَّحِيحُ، ثُمَّ رُقِمَ بِرَقْمٍ آخَرَ أَنَّهُ يَرْفَعُ الْبَائِعُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ فَيَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعِهِ أَوْ إجَارَتِهِ، ثُمَّ رُقِمَ بِأَنَّ نَفَقَةَ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ فِي الْعَبْدِ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَقِيلَ عَلَى الْبَائِعِ، وَقِيلَ يُسْتَدَانُ فَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ لَهُ الْمِلْكُ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ اهـ.
وَفِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْبَيْعِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ لَا رَقَبَةَ وَلَا مَنْفَعَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَتَكُونُ تَابِعَةً لِلْمِلْكِ كَالْمَرْهُونِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا الْمَمْلُوكَ ظَاهِرًا فَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِحُرِّيَّةِ أَمَتِهِ فَوَضَعَهَا الْقَاضِي عَلَى يَدِ عَدْلٍ لِأَجْلِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الشُّهُودِ فَالنَّفَقَةُ عَلَى مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ سَوَاءٌ ادَّعَتْ الْأَمَةُ الْحُرِّيَّةَ أَوْ جَحَدَتْ لِوُجُوبِ نَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ عَلَى مَوْلَاهُ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ وَلَا رُجُوعَ لِلْمَوْلَى بِمَا أَنْفَقَهُ سَوَاءٌ زُكِّيَتْ الشُّهُودُ أَوْ لَا إلَّا إذَا أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى الْإِنْفَاقِ أَوْ أَكَلَتْ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنْ لَا مِلْكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَمَرَهُ أَنْ يَكْتَسِبَ وَيُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتَمَامُهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ أَبَى فَفِي كَسْبِهِ وَإِلَّا أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ) أَيْ إنْ امْتَنَعَ الْمَوْلَى عَنْ الْإِنْفَاقِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي كَسْبِهِ إنْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لَهُمَا حَتَّى يَبْقَى الْمَمْلُوكُ فِيهِ حَيًّا وَيَبْقَى فِيهِ مِلْكُ الْمَالِكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا كَسْبٌ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا زَمِنًا أَوْ جَارِيَةً لَا يُؤْجَرُ مِثْلُهَا أُجْبِرَ الْمَوْلَى عَلَى بَيْعِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَفِي الْبَيْعِ إيفَاءُ حَقِّهِمَا وَإِيفَاءُ حَقِّ الْمَوْلَى بِالْخَلَفِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا فَكَانَ إبْطَالًا وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصْلُحُ لِلْإِجَارَةِ يُجْبَرُ الْمَوْلَى عَلَى الْإِنْفَاقِ أَوْ يَبِيعُ الْقَاضِي إذَا رَأَى ذَلِكَ إلَّا الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُمَا اهـ.
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ كَذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى وَعُلِمَ مِمَّا فِي الْغَايَةِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْبَيْعِ مَعْنَاهُ بَيْعُ الْقَاضِي عَلَيْهِ وَفِي شَرْحِ الْأَقْطَعِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْبَيْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمَا يَرَيَانِ الْبَيْعَ عَلَى الْحُرِّ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ لَا يَرَى جَوَازَ الْبَيْعِ عَلَى الْحُرِّ، وَلَكِنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَبِيعَهُ إذَا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ الْبَيْعُ اهـ.
وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ أَمَرَ بِبَيْعِهِ وَلَمْ يَقُلْ بَاعَهُ الْقَاضِي قَيَّدَ بِالْمَمْلُوكِ أَيْ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهُ مِنْ أَمْلَاكِهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِنْفَاقِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ حَيَوَانًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا أَنَّهُ يُفْتَى فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانَاتِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ نَهَى عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَفِيهِ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَفِيهِ إضَاعَتُهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُجْبَرُ وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَا، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَرَجَّحَ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنْ يُتَصَوَّرَ فِيهِ دَعْوَى حِسْبَةٍ فَيُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ وَلَا بِدْعَ فِيهِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ وَالْحَقُّ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ اهـ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ لَا يُفْتِي بِهِ أَيْضًا إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ تَضْيِيعُ الْمَالِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فَإِنْ كَانَتْ دَابَّةٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَامْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْإِنْفَاقِ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْبِرْهُ لَتَضَرَّرَ الشَّرِيكُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْآبِي إمَّا أَنْ تَبِيعَ نَصِيبَك مِنْ الدَّابَّةِ أَوْ
ــ
[منحة الخالق]
فَرَّقَ بَيْنَهُمَا حَيْثُ تَعَيَّنَتْ الْأَصْلَحِيَّةُ حَتَّى فِي الْمُودَعِ لَوْ كَانَ الْأَصْلَحُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ أُمِرَ بِهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحُكْمَ دَائِرٌ مَعَ الْأَصْلَحِيَّةِ تَأَمَّلْ.
стр. 1407
تُنْفِقَ عَلَيْهَا رِعَايَةً لِجَانِبِ الشَّرِيكِ وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ أَوْصَى بِنَخْلٍ لِوَاحِدٍ وَبِثَمَرَةٍ لِآخَرَ فَالنَّفَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الثَّمَرَةِ وَفِي التِّبْنِ وَالْحِنْطَةِ أَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ شَيْءٌ فَالنَّفَقَةُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فَالتَّخْلِيصُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَهُمَا اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ مَا يَحْصُلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَإِلَّا يَلْزَمُ ضَرَرُ صَاحِبِ الْقَلِيلِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ فِي السِّمْسِمِ إذَا أَوْصَى بِدُهْنِهِ لِوَاحِدٍ وَبِثَجِيرِهِ لِآخَرَ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى مَنْ لَهُ الدُّهْنُ لِعَدِّهِ عَدَمًا وَإِنْ كَانَ قَدْ يُبَاعُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ كَالْحِنْطَةِ وَالتِّبْنِ فِي دِيَارِنَا؛ لِأَنَّ الثَّجِيرَ يُبَاعُ لِعَلْفِ الْبَقَرِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا أَقُولُ: فِيمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ذَبَحَ شَاةً فَأَوْصَى بِلَحْمِهَا لِوَاحِدٍ وَبِجِلْدِهَا لِآخَرَ فَالتَّخْلِيصُ عَلَيْهِمَا كَالْحِنْطَةِ وَالتِّبْنِ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْحَاصِلِ لَهُمَا وَقَبْلَ الذَّبْحِ أُجْرَةُ الذَّبْحِ عَلَى صَاحِبِ اللَّحْمِ لَا الْجِلْدِ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى الْعَبْدُ إذَا أَقْتَرَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ فِي نَفَقَتِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ لَكِنْ يَكْتَسِبُ وَيَأْكُلُ إلَّا إذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْكَسْبِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، وَلَوْ تَنَازَعَا فِي عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ فِي أَيْدِيهِمَا يُجْبَرَانِ عَلَى نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةُ الدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ عَلَى الْآجِرِ، وَإِذَا شَرَطَ الْعَلْفَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَمْ يَضْمَنْ إنْ لَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْمَنَافِعِ تَعُودُ إلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ وَمَنْ رَكِبَ فَرَسًا حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ الْمَنْفَعَةُ أَوْ بَدَلُهَا فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا أَوْ لَا اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَجُوزُ وَضْعُ الضَّرِيبَةِ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، بَلْ إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ اهـ.
وَقَيَّدْنَا الَّذِي لَا كَسْبَ لَهُ بِأَنْ يَكُونَ زَمِنًا إلَى آخِرِهِ تَبَعًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَلًا إذَا كَانَ صَحِيحًا غَيْرَ عَارِفٍ بِصِنَاعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عَاجِزًا عَنْ الْكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ كَحَمْلِ شَيْءٍ وَتَحْوِيلِ شَيْءٍ كَمُعِينِ الْبَنَّاءِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ نَقْلًا عَنْ الْكَافِي فِي نَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ثُبُوتُهُ هُنَا أَوْلَى، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا زَمِنًا أَوْ مُقْعَدًا سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ عَنْ الْمَوْلَى وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(كِتَابُ الْعِتْقِ)
ذَكَرَهُ عَقِيبَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إسْقَاطُ الْحَقِّ وَقَدَّمَ الطَّلَاقَ لِمُنَاسَبَةِ النِّكَاحِ، ثُمَّ الْإِسْقَاطَاتُ أَنْوَاعٌ تَخْتَلِفُ أَسْمَاؤُهَا بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا فَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْ الرِّقِّ عِتْقٌ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْ الْبُضْعِ طَلَاقٌ وَإِسْقَاطُ مَا فِي الذِّمَّةِ بَرَاءَةٌ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْجِرَاحَاتِ عَفْوٌ، وَالْإِعْتَاقُ فِي اللُّغَةِ الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمِلْكِ يُقَالُ أَعْتَقَهُ فَعَتَقَ وَالْعِتْقُ الْخُرُوجُ عَنْ الْمِلْكِ يُقَالُ مِنْ بَابِ فَعَلَ بِالْفَتْحِ يُفْعِلُ بِالْكَسْرِ عَتَقَ الْعَبْدُ عَتَاقًا إذَا خَرَجَ عَنْ الْمِلْكِ وَعَتَقَتْ الْفَرَسُ إذَا سَبَقَتْ وَنَجَتْ وَعَتَقَ فَرْخُ الْقَطَاةِ إذَا طَارَ وَيُقَالُ عَتَقَ فُلَانٌ بَعْدَ اسْتِعْلَاجٍ إذَا رَقَّتْ بَشَرَتُهُ بَعْدَ غِلَظٍ، وَمَصْدَرُهُ الْعِتْقُ وَالْعَتَاقُ وَلَيْسَ مِنْهُ الْعَتَاقَةُ بِمَعْنَى الْقِدَمِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ فَعَلَ بِالْفَتْحِ يَفْعُلُ بِالضَّمِّ وَلَيْسَ مِنْهُ الْعِتْقُ بِمَعْنَى الْجَمَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا وَهُوَ مَضْمُومُ الْعَيْنِ أَيْضًا كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، فَالْعِتْقُ اللُّغَوِيُّ حِينَئِذٍ هُوَ الْعِتْقُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْعِتْقَ فِي اللُّغَةِ الْقُوَّةُ وَفِي الشَّرْعِ الْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَقُولُوا عَتَقَ الْعَبْدُ إذَا قَوِيَ وَإِنَّمَا قَالُوا عَتَقَ الْعَبْدُ إذَا خَرَجَ عَنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْقُوَّةَ فِي عِتْقِ الطَّيْرِ وَنَحْوِهِ وَرُكْنُهُ فِي الْإِعْتَاقِ اللَّفْظِيِّ الْإِنْشَائِيِّ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ وَفِي الْبَدَائِعِ رُكْنُهُ اللَّفْظُ الَّذِي جُعِلَ دَلَالَةً عَلَى الْعِتْقِ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ. اهـ.
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِبَيَانِ سَبَبِهِ قَالُوا سَبَبُهُ
ــ
[منحة الخالق]
[امْتَنَعَ الْمَوْلَى عَنْ الْإِنْفَاقِ]
(قَوْلُهُ: وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْمُجْتَبَى ذَكَرَهُ بِرَمْزِ حب بَعْدَ رَمْزِهِ لِلْأَوَّلِ إنَّ، تَأَمَّلْ.
[كِتَابُ الْعِتْقِ]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَقُولُوا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَعَلَيْهِ جَرَى كَثِيرٌ أَنَّهُ لُغَةً الْقُوَّةُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ فِي الْبَحْرِ يَعُدُّ أَنَّ النَّاقِلَ ثِقَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عَلَى أَنَّ فِي كَلَامِهِمْ مَا يُفِيدُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا الرِّقُّ فِي اللُّغَةِ الضَّعْفُ وَمِنْهُ ثَوْبٌ رَقِيقٌ وَصَوْتٌ رَقِيقٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِتْقَ إزَالَةُ الضَّعْفِ وَإِزَالَتُهُ تَسْتَلْزِمُ الْقُوَّةَ.
стр. 1408
الْمُثْبِتُ لَهُ قَدْ يَكُونُ دَعْوَى النَّسَبِ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْسَ الْمِلْكِ فِي الْقَرِيبِ، وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْرَارُ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِ إنْسَانٍ حَتَّى لَوْ مَلَكَهُ عَتَقَ، وَقَدْ يَكُونُ بِالدُّخُولِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا فَدَخَلَ بِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَشْعُرْ عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَا زَوَالُ يَدِهِ عَنْهُ بِأَنْ هَرَبَ عَنْ مَوْلَاهُ الْحَرْبِيِّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ.
أَمَّا سَبَبُهُ الْبَاعِثُ فَفِي الْوَاجِبِ تَفْرِيغُ ذِمَّتِهِ وَفِي غَيْرِهِ قَصْدُ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنْوَاعُهُ أَرْبَعَةٌ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَحْظُورٌ، فَالْوَاجِبُ الْإِعْتَاقِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَالْإِفْطَارِ إلَّا أَنَّهُ فِي بَابِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ وَاجِبٌ عَلَى التَّعْيِينِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَفِي بَابِ الْيَمِينِ وَاجِبٌ عَلَى التَّخْيِيرِ. وَالْمَنْدُوبُ الْإِعْتَاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ نَدَبَ إلَى ذَلِكَ لِلْحَدِيثِ «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا فِي الدُّنْيَا أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» ؛ وَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا أَنْ يُعْتِقَ الرَّجُلُ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةُ الْأَمَةَ لِيَتَحَقَّقَ مُقَابَلَةُ الْأَعْضَاءِ بِالْأَعْضَاءِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ حَتَّى يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ، أَمَّا الْمُبَاحُ فَهُوَ الْإِعْتَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، أَمَّا الْمَحْظُورُ فَهُوَ الْإِعْتَاقُ لِوَجْهِ الشَّيْطَانِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ شَرَائِطِهِ، وَحُكْمُهُ زَوَالُ الْمِلْكِ أَوْ ثُبُوتُ الْعِتْقِ عَلَى الِاخْتِلَافِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْمَمْلُوكِ) أَيْ الْإِعْتَاقُ شَرْعًا وَالْقُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَهْلِيَّتُهُ لِلْوِلَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ وَدَفْعِ تَصَرُّفِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إزَالَةُ الضَّعْفِ الْحُكْمِيِّ الَّذِي هُوَ الرِّقُّ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْكُفْرِ وَفِي الْمُحِيطِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَكْتُبَ لِلْعِتْقِ كِتَابًا وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ شُهُودًا تَوْثِيقًا وَصِيَانَةً عَنْ التَّجَاحُدِ وَالتَّنَازُعِ فِيهِ كَمَا فِي الْمُدَايَنَةِ بِخِلَافِ سَائِرِ التِّجَارَاتِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهَا فَالْكِتَابَةُ فِيهَا تُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَلَا كَذَلِكَ الْعِتْقُ
(قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ مِنْ حُرٍّ مُكَلَّفٍ لِمَمْلُوكِهِ بِأَنْتَ حُرٌّ أَوْ بِمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْبَدَنِ وَعَتِيقٌ وَمُعْتَقٌ وَمُحَرَّرٌ وَحَرَّرْتُك وَأَعْتَقْتُك نَوَاهُ أَوْ لَا) بَيَانٌ لِشَرَائِطِهِ وَصَرِيحِهِ وَحُكْمِ الصَّرِيحِ، أَمَّا شَرَائِطُهُ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِنْهَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ ذِكْرِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ إعْتَاقِ غَيْرِ الْحُرِّ وَهُوَ لَيْسَ بِمَالِكٍ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَاحْتُرِزَ بِالْمُكَلَّفِ عَنْ عِتْقِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَعَنْ عِتْقِ الْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، أَمَّا الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَهُوَ فِي حَالَةِ إفَاقَتِهِ عَاقِلٌ وَفِي حَالَةِ جُنُونِهِ مَجْنُونٌ وَخَرَجَ الْمَعْتُوهُ أَيْضًا وَالْمَدْهُوشُ وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ فَلَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُمْ كَمَا لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُمْ، وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْت وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ وَأَنَا نَائِمٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْته وَأَنَا مَجْنُونٌ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ جُنُونُهُ أَوْ قَالَ وَأَنَا حَرْبِيٌّ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهُ إلَى زَمَانٍ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِعْتَاقُ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ صِيغَةَ الْإِعْتَاقِ لَا حَقِيقَتَهُ فَلَمْ يَصِرْ مُعْتَرِفًا بِالْإِعْتَاقِ كَمَا لَوْ قَالَ أَعْتَقْته قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَوْ يُخْلَقَ وَخَرَجَ بِاشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ إعْتَاقُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ الْمُكَاتَبِ لِانْعِدَامِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مَحْرَمًا مِنْهُ أَوْ الْمُكَاتَبُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ مِلْكِهِمَا وَيَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ إعْتَاقُ عَبْدِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ سَيِّدِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلَهُ نَعَمْ هُوَ شَرْطٌ لِلنَّفَادِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا إلَّا فِي الصِّحَّةِ، وَلَوْ أَبْدَلَهُ بِقَوْلِهِ لِلْمَمْلُوكِ لَكَانَ أَوْلَى.
لِأَنَّ شَرْطَهُ كَمَا فِي الْمُسْتَصْفَى أَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ مَمْلُوكًا وَالْمُرَادُ بِالْمَمْلُوكِ الْمَمْلُوكُ رَقَبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ فَصَحَّ إعْتَاقُ الْمَوْلَى الْمَكَاتِبَ وَالْعَبْدَ الْمَأْذُونَ وَالْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمَرْهُونَ وَالْمُسْتَأْجَرَ وَالْعَبْدَ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ لِإِنْسَانٍ وَبِخِدْمَتِهِ لِآخَرَ إذَا أَعْتَقَهُ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ حَتَّى لَوْ قَالَ الْغَاصِبُ لِلْمَالِكِ أَعْتِقْ رَقَبَةَ هَذَا الْعَبْدِ فَأَعْتَقَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدُهُ عَتَقَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِشَيْءٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: أَعْتِقْ عَبْدِي هَذَا وَأَشَارَ إلَى الْمَبِيعِ فَأَعْتَقَهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَيَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ إعْتَاقُ عَبْدِ الْغَيْرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَرِدُ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوَكِيلَ فِيهِ سَفِيرٌ مَحْضٌ.
стр. 1409
الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدُهُ صَحَّ إعْتَاقُهُ وَيُجْعَلُ قَبْضًا وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ كَمَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ فِي بَحْثِ الْقَضَاءِ.
وَأُخْرِجَ بِاشْتِرَاطِ الْمَمْلُوكِيَّةِ عِتْقُ الْحَمْلِ إذَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِهِ وَقْتَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمِلْكِ لِلْمُعْتِقِ وَقْتَ وُجُودِ الْإِعْتَاقِ لِيَنْفُذَ إنْ كَانَ مُنْجَزًا وَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا بِمَا سِوَى الْمِلْكِ وَسَبَبِهِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمِلْكِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ كَالتَّعْلِيقِ بِدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ وَقْتَ نُزُولِ الْجَزَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْمِلْكِ فِيمَا بَيْنَهُمَا، أَمَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا بِالْمِلْكِ كَأَنْ مَلَّكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ صَاحِيًا وَلَا طَائِعًا لِصِحَّةِ عِتْقِ السَّكْرَانِ وَالْمُكْرَهِ عِنْدَنَا كَطَلَاقِهِمَا، وَكَذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْعَمْدَ لِصِحَّةِ عِتْقِ الْمُخْطِئِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَبُولَ الْعَبْدِ لِلْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ إلَّا فِي الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ فَإِنَّ قَبُولَهُ شَرْطٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِهِ، وَكَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ خُلُوُّهُ عَنْ الْخِيَارِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْخِيَارِ فِيهِ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى فَيَقَعُ الْعِتْقُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، أَمَّا مِنْ جَانِبِ الْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ فَلَا بُدَّ مِنْ خُلُوِّهِ عَنْ خِيَارِهِ حَتَّى لَوْ رَدَّ الْعَبْدُ الْعِتْقَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَلَا يَعْتِقُ كَمَا فِي الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ، وَكَذَا الصُّلْحُ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ الْمَوْلَى فَهُوَ بَاطِلٌ وَالصُّلْحُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ لِلْقَاتِلِ فَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنْ فُسِخَ الْعَقْدُ فَفِي الْقِيَاسِ يَبْطُلُ الْعَفْوُ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَبْطُلُ وَيَلْزَمُ الْقَاتِلَ الدِّيَةُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا إسْلَامَ الْمُعْتِقِ وَهُوَ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ وَلَوْ مُرْتَدَّةً، أَمَّا إعْتَاقُ الْمُرْتَدِّ فَمَوْقُوفٌ عِنْدَ الْإِمَامِ نَافِذٌ عِنْدَهُمَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمَالِكُ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ الْإِعْتَاقُ مِنْ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَشَرَطَ فِي الْبَدَائِعِ عَدَمَ الشَّكِّ فِي ثُبُوتِ الْإِعْتَاقِ فَإِنْ كَانَ شَاكًّا فِيهِ لَا يَحْكُمُ بِثُبُوتِهِ.
أَمَّا الثَّانِي وَهُوَ صَرِيحُهُ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَنَّهُ الْحُرِّيَّةُ وَالْعِتْقُ بِأَيِّ صِيغَةٍ كَانَتْ فِعْلًا أَوْ وَصْفًا فَالْفِعْلُ نَحْوُ أَعْتَقْتُك وَحَرَّرْتُك أَوْ أَعْتَقَك اللَّهُ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَالْوَصْفُ نَحْوُ أَنْتَ حُرٌّ وَمُحَرَّرٌ وَعَتِيقٌ وَمُعْتَقٌ وَسَيَأْتِي حُكْمُ النِّدَاءِ بِهَا وَمِنْهُ الْمَوْلَى أَيْضًا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ فَلَوْ ذَكَرَ الْخَبَرَ فَقَطْ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ حُرٌّ فَقِيلَ لَهُ لِمَنْ عَنَيْت فَقَالَ عَبْدِي عَتَقَ عَبْدُهُ، أَمَّا الْمَصْدَرُ فَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ لِلتَّفْصِيلِ فِيهِ فَإِنْ قَالَ الْعَتَاقُ عَلَيْك أَوْ عِتْقُك عَلَيَّ كَانَ صَرِيحًا إلَّا إذَا زَادَ قَوْلَهُ عِتْقُك عَلَيَّ وَاجِبٌ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ لِجَوَازِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ بِكَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ بِخِلَافِ طَلَاقُك عَلَيَّ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الطَّلَاقِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ حُكْمُهُ وَحُكْمُهُ وُقُوعُهُ وَاقْتَضَى هَذَا وُقُوعَهُ، أَمَّا الْعِتْقُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، أَمَّا إذَا قَالَ أَنْت عِتْقٌ أَوْ عَتَاقٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، كَذَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ.
قَالَ الْكَمَالُ: فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ ضَابِطِ الصَّرِيحِ قُلْتُ: إنَّ مَا فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ ضَعِيفٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ أَنْتَ عِتْقٌ يَعْتِقُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَلَاقٌ. اهـ.
فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إصْلَاحِ الضَّابِطِ، أَمَّا إذَا كَانَ تَلَفَّظَ بِالْعِتْقِ مُهَجًّى كَقَوْلِهِ أَنْت ح ر فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ يَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ كَالطَّلَاقِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
أَمَّا التَّلَفُّظُ بِالْعِتْقِ الْعَامِّ فَقَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ كُلُّ مَالِي حُرٌّ لَا يَعْتِقُ عَبِيدُهُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الصَّفَا وَالْخُلُوُّ عَنْ شَرِكَةِ الْغَيْرِ، وَلَوْ قَالَ عَبِيدُ أَهْلِ بَلْخٍ أَحْرَارٌ وَلَمْ يَنْوِ عَبْدَهُ أَوْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ فِي الْأَرْضِ حُرٌّ أَوْ قَالَ كُلُّ عَبِيدِ أَهْلِ الدُّنْيَا أَحْرَارٌ أَوْ كَانَ مَكَانَ الْعِتْقِ طَلَاقٌ اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي نَوَادِرِهِ لَا يَعْتِقُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ ابْنِ سِمَاعَةَ يَعْتِقُ، أَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَقَالَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ لَا يَعْتِقُ، وَقَالَ شَدَّادٌ يَعْتِقُ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى قَوْلُ عِصَامٍ، وَلَوْ قَالَ كُلُّ عَبِيدٍ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَحْرَارٌ وَعَبْدُهُ فِيهِمْ عَتَقَ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ قَالَ وَلَدُ آدَمَ كُلُّهُمْ أَحْرَارٌ لَا يَعْتِقُ عَبْدُهُ بِالِاتِّفَاقِ اهـ.
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ طَلَاقُك عَلَى وَاجِبٌ إلَى قَوْلِهِ وُقُوعُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِيهِ نَظَرٌ أَوَّلًا بِالْمَنْعِ إذْ هُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ عَدَمِ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ، وَثَانِيًا بِالتَّسْلِيمِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهِ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، وَقَدْ قَدَّمَ صَاحِبُ الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ قَوْلَهُ لَوْ قَالَ طَلَاقُك عَلَيَّ لَا يَقَعُ، وَلَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَطَلَاقُك عَلَيَّ وَاجِبٌ أَوْ لَازِمٌ أَوْ ثَابِتٌ أَوْ فَرْضٌ فَفَعَلَ، تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ تَقَعُ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ نَوَى أَوْ أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَقَعُ وَفِي قَوْلِهِمَا يَقَعُ فِي قَوْلِهِ لَازِمٌ وَفِي قَوْلِهِ وَاجِبٌ لَا يَقَعُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَقَعُ نَصَّ عَلَيْهِ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
стр. 1410
أَمَّا التَّلَفُّظُ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَفِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ أَنْت أَعْتَقَ مِنْ هَذَا فِي مِلْكِي أَوْ قَالَ فِي السِّنِّ لَا يَعْتِقُ فِي الْقَضَاءِ وَيُدَيَّنُ وَفِي الْمُجْتَبَى قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت أَعْتَقَ مِنْ فُلَانٍ أَوْ لِامْرَأَتِهِ أَنْت أَطْلَقُ مِنْ فُلَانَةَ وَهِيَ مُطَلَّقَةٌ إنْ نَوَى عَتَقَ وَطَلُقَتْ، وَقِيلَ يَعْتِقُ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَلَوْ قَالَ أَنْت عَتِيقُ فُلَانٍ يَعْتِقُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَعْتَقَك فُلَانٌ. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ نَسَبُك حُرٌّ أَوْ أَصْلُك حُرٌّ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ سُبِيَ لَا يَعْتِقُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ سُبِيَ فَهُوَ حُرٌّ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ أَحْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ أَبَوَاك حُرَّانِ لَا يَعْتِقُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمَا عَتَقَا بَعْدَمَا وُلِدَ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ تُصْبِحُ غَدًا حُرًّا كَانَ الْعِتْقُ مُضَافًا إلَى الْغَدِ، وَلَوْ قَالَ تَقُومُ حُرًّا وَتَقْعُدُ حُرًّا يَعْتِقُ لِلْحَالِ، وَلَوْ قَالَ صَحِيحٌ لِعَبْدِهِ أَنْت حُرٌّ مِنْ ثُلُثِي يَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ افْعَلْ مَا شِئْت فِي نَفْسِك فَإِنْ أَعْتَقَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ عَتَقَ، وَلَوْ قَامَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ نَفْسَهُ وَلَهُ أَنْ يَهَبَ نَفْسَهُ وَأَنْ يَبِيعَ نَفْسَهُ وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدَيْنِ لَهُ يَا سَالِمُ أَنْت حُرٌّ يَا مُبَارَكُ فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ يَا سَالِمُ أَنْت حُرٌّ يَا مُبَارَكُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ كَانَ عَلَى الْأَخِيرِ وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَمَّنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَإِلَّا فَعَبْدِي حُرٌّ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْمَالَ يَكُونُ إنْكَارُهُ لِلْمَالِ إقْرَارًا بِالْعِتْقِ، قَالَ إنْ قَالَ لَيْسَ عَلَيَّ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِالْعِتْقِ وَإِنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ عَلَيَّ شَيْءٌ كَانَ إقْرَارًا بِالْعِتْقِ. اهـ.
أَمَّا الْعِتْقُ بِالْجَمْعِ فَقَالَ فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ وَهُمْ عَشَرَةٌ عَتَقَ عَبِيدُهُ وَإِنْ كَانُوا مِائَةً وَإِنْ كَانَ لَهُ خَمْسَةُ أَعْبُدَ فَقَالَ عَشَرَةٌ مِنْ مَمَالِيكِي إلَّا وَاحِدًا أَحْرَارٌ عَتَقُوا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ تِسْعَةٌ مِنْ مَمَالِيكِي أَحْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ مَمَالِيكِي الْعَشَرَةُ أَحْرَارٌ إلَّا وَاحِدٌ عَتَقَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَشَرَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْسِيرِ وَذَلِكَ غَلَطٌ مِنْهُ فَلَغَا فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْصَرِفًا إلَى مَمَالِيكَ فَعَتَقَ أَرْبَعَةٌ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ مَمَالِيكِي الْخَبَّازُونَ أَحْرَارٌ وَلَهُ خَبَّازُونَ وَخَبَّازَاتٌ عَتَقُوا كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ يَنْتَظِمُ الْإِنَاثَ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْبَاعِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ رَجُلٌ لَهُ عَبْدٌ وَاحِدٌ فَقَالَ أَعْتَقْت عَبْدًا يَعْتِقُ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُك عَبْدًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ دُونَ الْعِتْقِ اهـ.
أَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ حُكْمُ الصَّرِيحِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا، وَلَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْخَبَرَ كَذِبًا لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِعُدُولِهِ عَنْ الظَّاهِرِ وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ أَرَدْت بِهِ اللَّعِبَ يَعْتِقُ قَضَاءً وَدِيَانَةً.
وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا فَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا لَا يُصَدَّقُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ وَإِنْ كَانَ مَسْبِيًّا لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً وَيُصَدَّقُ دِيَانَةً، وَلَوْ قَالَ أَنْت حُرٌّ مِنْ عَمَلِ كَذَا أَوْ أَنْت حُرٌّ الْيَوْمَ مِنْ هَذَا الْعَمَلِ عَتَقَ فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ دَعَا لِعَبْدِهِ سَالِمٍ يَا سَالِمُ فَأَجَابَهُ مَرْزُوقٌ فَقَالَ أَنْت حُرٌّ وَلَا نِيَّةَ لَهُ عَتَقَ الَّذِي أَجَابَهُ، وَلَوْ قَالَ عَنَيْت سَالِمًا عَتَقَا فِي الْقَضَاءِ، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّمَا يَعْتِقُ الَّذِي عَنَاهُ خَاصَّةً، وَلَوْ قَالَ يَا سَالِمُ أَنْت حُرٌّ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ آخَرُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ عَتَقَ سَالِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مُخَاطَبَةَ هَا هُنَا إلَّا لِسَالِمٍ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ أَمَةٌ قَائِمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهَا فَسَأَلَهَا رَجُلٌ: أَمَةٌ أَنْت أَمْ حُرَّةٌ فَأَرَادَ الْمَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَا سُؤَالُك عَنْهَا أَمَةٌ أَمْ حُرَّةٌ فَعَجَّلَ فِي الْقَوْلِ فَقَالَ هِيَ حُرَّةٌ أَمَةٌ عَتَقَتْ فِي الْقَضَاءِ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ الَّذِي حَلَّ لَهُ دَمُهُ بِقِصَاصٍ أَعْتَقْتُك، وَقَالَ عَنَيْت بِهِ عَنْ الْقَتْلِ عَتَقَ فِي الْقَضَاءِ وَسَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ بِإِقْرَارِهِ. اهـ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْعُضْوَ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ كَالْكُلِّ كَمَا إذَا قَالَ رَقَبَتُك حُرٌّ أَوْ رَأْسُك أَوْ وَجْهُك أَوْ بَدَنُك أَوْ فَرْجُك لِلْأَمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الطَّلَاقِ بِخِلَافِ الْعُضْوِ الَّذِي لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ فَرْجُك حُرٌّ عَتَقَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَتَانِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ كَبِدُك حُرٌّ يَعْتِقُ، وَلَوْ قَالَ بَدَنُك بَدَنُ حُرٍّ عَتَقَ، وَكَذَا الْفَرْجُ وَالرَّأْسُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ، وَلَوْ قَالَ لَهَا فَرْجُك حُرٌّ عَنْ الْجِمَاعِ تَعْتِقُ قَضَاءً اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمُجْتَبَى قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت أَعْتَقَ مِنِّي) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُجْتَبَى فِيمَا رَأَيْته وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ فُلَانٍ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ أَنْت عَتِيقُ فُلَانٍ يَعْتِقُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَانَ وَجْهُهُ أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ اعْتِرَافٌ بِالْقِنَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالْعِتْقِ فِيهِ وَفِي الثَّانِي إنَّمَا أَخْبَرَ بِأَنَّ فُلَانًا أَوْجَدَ الصِّيغَةَ.
(قَوْلُهُ: يَكُونُ إنْكَارُهُ الْمَالَ إقْرَارًا بِالْعِتْقِ) عَلَى حَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ مَنْ يَكُونُ أَيْ أَيَكُونُ وَقَوْلُهُ: قَالَ إنْ قَالَ إلَخْ جَوَابُهُ وَفِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ وَجْهُهُ أَنَّ لَمْ لِنَفْيِ الْمَاضِي فَشَمِلَ وَقْتَ كَلَامِهِ وَلَيْسَ لِنَفْيِ الْحَالِ وَإِنْكَارُ الْمَالِ فِي الْحَالِ لَا يَلْزَمُ إنْكَارُهُ فِي الْمَاضِي لِجَوَازِ أَنَّهُ أَوْفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْفَرْجُ وَالرَّأْسُ) ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى بِرَمْزٍ آخَرَ غَيْرِ رَمْزِ مَا قَبْلَهُ..
стр. 1411
فَرْجُك حُرٌّ قَالَ لِلْعَبْدِ أَوْ لِلْأَمَةِ عَتَقَ بِخِلَافِ الذَّكَرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت حُرَّةٌ أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْت حُرٌّ يَعْتِقُ فِي الْوَجْهَيْنِ كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ يَا زَانِيَةُ يَعْنِي فَلَا يَكُونُ قَذْفًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْجُزْءَ الشَّائِعَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الطَّلَاقِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَجَزَّأُ اتِّفَاقًا فَذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ، أَمَّا الْعِتْقُ فَيَتَجَزَّأُ عِنْدَ الْإِمَامِ فَإِذَا قَالَ نِصْفُك حُرٌّ أَوْ ثُلُثُك حُرٌّ يَعْتِقُ ذَلِكَ الْقَدْرُ خَاصَّةً عِنْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي فَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ تَسْوِيَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي الْإِضَافَةِ إلَى الْجُزْءِ الشَّائِعِ سَهْوٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ سَهْمٌ مِنْك حُرٌّ عَتَقَ السُّدُسُ، وَلَوْ قَالَ جُزْءٌ مِنْك حُرٌّ أَوْ شَيْءٌ مِنْك حُرٌّ يُعْتِقُ مِنْهُ الْمَوْلَى مَا شَاءَ فِي قَوْلِهِ اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْأَلْفَاظَ الْجَارِيَةَ مَجْرَى الصَّرِيحِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، أَمَّا الَّذِي هُوَ مُلْحَقٌ بِالصَّرِيحِ فَهُوَ أَنْ يَقُولَ وَهَبْت لَك نَفْسَك أَوْ وَهَبْت نَفْسَك مِنْك أَوْ بِعْت نَفْسَك مِنْك وَيَعْتِقُ سَوَاءٌ قَبِلَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَارَ مِنْ الْوَاهِبِ وَالْبَائِعِ إزَالَةُ الْمِلْكِ مِنْ الْمَوْهُوبِ وَالْمَبِيعِ وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى الْقَبُولِ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُمَا، وَهَا هُنَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مَمْلُوكًا لِنَفْسِهِ فَبَقِيَ الْهِبَةُ وَالْبَيْعُ إزَالَةُ الْمِلْكِ عَنْ الرَّقِيقِ لَا إلَى أَوْحَدَ هَذَا مَعْنَى الْإِعْتَاقِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ وَهَبْت لَك نَفْسَك، وَقَالَ أَرَدْت وَهَبْت لَهُ عِتْقَهُ أَيْ لَا أُعْتِقُهُ لَمْ يَعْتِقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ وَيُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ اهـ.
وَزَادَ فِي الْخَانِيَّةِ تَصَدَّقْت بِنَفْسِك عَلَيْك وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَقِيلَ إنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالصَّرِيحِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقِيلَ إنَّهَا كِنَايَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّرِيحَ يَخُصُّ الْوَضْعِيَّ وَالْحَقُّ الْقَوْلُ الثَّالِثُ إنَّهَا صَرَائِحُ حَقِيقَةً كَمَا قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخُصُّ الْوَضْعَ وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ
(قَوْلُهُ وَبِلَا مِلْكَ وَلَا رِقَّ وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك إنْ نَوَى) بَيَانٌ لِلْكِنَايَاتِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُحْتَمَلُ بِالْبَيْعِ وَالْكِتَابَةِ وَالْعِتْقِ وَانْتِفَاءُ السَّبِيلِ يُحْتَمَلُ بِالْعِتْقِ وَبِالْإِرْضَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ سَبِيلٌ فِي اللَّوْمِ وَالْعُقُوبَةِ فَصَارَ مُجْمَلًا وَالْمُجْمَلُ لَا يَتَعَيَّنُ بَعْضُ وَجْهِهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ بِلَا نِيَّةٍ إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُزِيلَةِ مَوْجُودًا؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْمِلْكِ لَمَّا كَانَ دَائِرًا بَيْنَ الْإِعْتَاقِ وَغَيْرِهِ وَغَيْرُ الْإِعْتَاقِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي الْوَاقِعِ تَعَيَّنَ الْإِعْتَاقُ لَا مَحَالَةَ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي التَّرَدُّدِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْعَاقِلِ لَغْوًا فَلَا يَجُوزُ. اهـ.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ لِي عَلَيْك مُتَعَلِّقٌ بِالثَّلَاثَةِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك إلَّا سَبِيلُ الْوَلَاءِ عَتَقَ فِي الْقَضَاءِ وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْعِتْقِ، وَلَوْ قَالَ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك إلَّا سَبِيلُ الْمُوَالَاةِ دُيِّنَ فِي الْقَضَاءِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ فِي لَا مِلْكَ لِي أَوْ خَرَجْت عَنْ مِلْكِي فَهَلْ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ قَالَ فِي خُلَاصَةِ الْفَتَاوَى لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَا يَعْتِقُ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ فَإِنْ مَاتَ لَا يَرِثُ بِالْوَلَاءِ فَإِنْ قَالَ الْمَمْلُوكُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَا مَمْلُوكٌ لَهُ فَصَدَّقَهُ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ لَيْسَ هَذَا بِعَبْدِي لَا يَعْتِقُ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكُونُ حُرًّا ظَاهِرًا لَا مُعْتَقًا فَتَكُونُ أَحْكَامُهُ أَحْكَامَ الْأَحْرَارِ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَدَّعِيَهُ وَيُثْبِتَ فَيَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَمِنْ الْكِنَايَاتِ أَيْضًا خَلَّيْت سَبِيلَك لَا حَقَّ لِي عَلَيْك، وَقَوْلُهُ لِأَمَتِهِ أَطْلَقْتُك فَتَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ وَمِنْ الْكِنَايَاتِ أَيْضًا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَمْرُك بِيَدِك اخْتَارِي فَيَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَسَيَأْتِي تَمَامُ ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ فِي أَنْت لِلَّهِ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَا يَعْتِقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ نَوَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ أَرَادَ بِهِ الْعِتْقَ فَهُوَ حُرٌّ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الصَّدَقَةَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ كُلَّنَا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ أَنْت لِوَجْهِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَكَذَا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَوْ قَالَ جَعَلْتُك لِلَّهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ، وَقَالَ لَمْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لَمْ يَعْتِقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ عُدُولٌ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ بِزِيَادَةِ لَمْ أَوْ الْأَصْلُ لَمْ يُصَدَّقَا.
(قَوْلُهُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ) الظَّاهِرُ أَنْ لَا زَائِدَةٌ وَالصَّوَابُ تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكُونُ حُرًّا ظَاهِرًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: عَلَّلَ فِي الْمُحِيطِ أَنْتَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ بِأَنَّ نَفْيَ الْمِلْكِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْعِتْقِ بَلْ يَحْتَمِلُهُ اهـ.
وَإِذَا لَمْ يَنْوِهِ لَا يَعْتِقُ وَبَقِيَ إقْرَارُهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ أَصْلًا فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُغَايِرَةٌ لِمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إنَّمَا أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ وَهَذَا لَا يُنَافِي مِلْكَهُ لِغَيْرِهِ، وَمَسْأَلَةُ الْخُلَاصَةِ مَوْضُوعُهَا إقْرَارُهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ أَصْلًا إمَّا لِعِتْقِهِ لَهُ أَوْ لِحُرِّيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَتَنَبَّهْ لِهَذَا وَإِنَّهُ مُهِمٌّ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَقَالَ الَّذِي يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ صَاحِبِ الْبَحْرِ فَإِنَّ الْفَرْقَ الَّذِي أَبْدَاهُ فِي النَّهْرِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فَإِنَّهُ إذَا نَفَى مِلْكَهُ عَنْهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَدَّعِيهِ سَاوَى
стр. 1412
أَنْوِ بِهِ الْعِتْقَ أَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَإِنْ نَوَى الْعِتْقَ فَهُوَ حُرٌّ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا ابْنِي أَوْ أَبِي أَوْ أُمِّي، وَهَذَا مَوْلَايَ أَوْ يَا مَوْلَايَ أَوْ يَا حُرُّ أَوْ يَا عَتِيقُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ أَيْ يُصْبِحُ بِهَذَا ابْنِي وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا مَعَ أَنَّهَا صَرَائِحُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا النَّسَبُ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا ثَلَاثَةً الِابْنَ وَالْأَبَ وَالْأُمَّ، فَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الصِّفَةِ أَوْ عَلَى وَجْهِ النِّدَاءِ فَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الصِّفَةِ بِأَنْ قَالَ لِمَمْلُوكِهِ هَذَا ابْنِي فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنَّ كَانَ يَصْلُحُ ابْنًا لَهُ بِأَنْ كَانَ مِثْلُهُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ أَوْ لَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ النَّسَبِ أَوْ مَعْرُوفَهُ فَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ ابْنًا لَهُ وَهُوَ مَجْهُولُ النَّسَبِ ثَبَتَ النَّسَبُ وَالْعِتْقُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِلَا شَكٍّ وَلَكِنْ يَثْبُتُ الْعِتْقُ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ ابْنًا لَهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِلَا شَكٍّ وَهَلْ يَعْتِقُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَعْتِقُ سَوَاءٌ كَانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ أَوْ مَعْرُوفَهُ، وَقَالَا لَا يَعْتِقُ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِمَمْلُوكَتِهِ هَذِهِ بِنْتِي خِلَافًا وَوِفَاقًا لَهُمَا إنَّهُ كَلَامٌ مُحَالٌ فَيُرَدُّ وَيَلْغُو كَقَوْلِهِ أَعْتَقْتُك قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ وَلَهُ أَنَّهُ مُحَالٌ بِحَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ لِمَجَازِهِ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حُرِّيَّتِهِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ.
وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ فِي الْمَمْلُوكِ سَبَبٌ لِحُرِّيَّتِهِ إمَّا إجْمَاعًا أَوْ صِلَةً لِلْقَرَابَةِ وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبِّبِ مُسْتَجَازٌ فِي اللُّغَةِ تَجُوزُ أَوْ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مُلَازِمَةٌ لِلْبُنُوَّةِ فِي الْمَمْلُوكِ وَالْمُشَابَهَةُ فِي وَصْفٍ مُلَازِمٍ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنْ الْإِلْغَاءِ بِخِلَافِ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الْمَجَازِ فَتَعَيَّنَ الْإِلْغَاءُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ قَطَعْت يَدَك خَطَأً فَأَخْرَجَهُمَا صَحِيحَتَيْنِ حَيْثُ لَمْ يُجْعَلْ مَجَازًا عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ وَالْتِزَامِهِ وَإِنْ كَانَ الْقَطْعُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ خَطَأً سَبَبٌ لِوُجُوبِ مَالٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْأَرْشُ وَأَنَّهُ يُخَالِفُ مُطْلَقَ الْمَالِ فِي الْوَصْفِ حَتَّى وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَنَتَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِدُونِ الْقَطْعِ وَمَا لَمْ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ فَالْقَطْعُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لَهُ، أَمَّا الْحُرِّيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ ذَاتًا وَحُكْمًا فَأَمْكَنَ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنْهُ وَالْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ طَوِيلٌ فِي الْأُصُولِ فِي بَحْثِ الْحَقِيقَةِ هَلْ الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْهَا فِي التَّكَلُّمِ أَوْ فِي الْحُكْمِ، وَصَرَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ يَعْتِقُ نَوَى أَمْ لَمْ يَنْوِ إذْ لَا تَزَاحُمَ كَيْ لَا يُلْغَى كَلَامُ الْعَاقِلِ، ثُمَّ إنْ كَانَ هَذَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ عَتَقَ قَضَاءً وَدِيَانَةً وَإِلَّا فَقَضَاءً وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ اهـ.
وَكَذَا صَرَّحَ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ بِأَنَّهُ يَعْتِقُ فَقَضَاءً فِيمَا إذَا كَانَ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِهِ وَالْمُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ فِي السِّنِّ لَا الْمُشَاكَلَةُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُدَّعِي أَبْيَضَ نَاصِعًا وَالْمَقُولُ لَهُ أَسْوَدَ أَوْ عَلَى الْقَلْبِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَقَيَّدَ بِالْمَمْلُوكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ هَذِهِ ابْنَتِي لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ اتِّفَاقًا كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، أَمَّا الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ هَذَا أَبِي فَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ أَبًا لَهُ وَلَيْسَ لِلْقَائِلِ أَبٌ مَعْرُوفٌ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَالْعِتْقُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ أَبًا لَهُ وَلَكِنْ لِلْقَائِلِ أَبٌ مَعْرُوفٌ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَعْتِقُ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ أَبًا لَهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِلَا شَكٍّ، وَلَكِنْ يَعْتِقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَعْتِقُ.
أَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ قَوْلُهُ هَذِهِ أُمِّي وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْأَبِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ هَذِهِ بِنْتِي أَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ هَذَا ابْنِي اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَعْتِقُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَعْتِقُ وَرَجَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَلَوْ قَالَ لِمَمْلُوكِهِ هَذَا عَمِّي أَوْ خَالِي يَعْتِقُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى - هَذَا أَخِي - آخِرَ الْبَابِ، وَلَوْ قَالَ هَذَا ابْنِي مِنْ الزِّنَا يَعْتِقُ وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ الْعَبْدِ الْمُقَرِّ لَهُ بِالنَّسَبِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَقِيلَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْمَالِكِ عَلَى مَمْلُوكِهِ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَصْدِيقِهِ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ فِيمَا سِوَى دَعْوَى الْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ النَّسَبِ عَلَى الْغَيْرِ فَيَكُونُ فِيهِ إلْزَامُ الْعَبْدِ الْحُرِّيَّةَ فَيُشْتَرَطُ تَصْدِيقُهُ، وَلَوْ قَالَ لِصَغِيرٍ هَذَا جَدِّي فَقِيلَ هُوَ عَلَى
ــ
[منحة الخالق]
مَنْ قِيلَ لَهُ أَنْت غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَيَدُلُّ لِمَا قُلْنَا تَسْوِيَةُ صَاحِبِ الْخُلَاصَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ أَنْتَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَيْسَ هَذَا بِعَبْدِي فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ إنْ كَانَ هَذَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ أَمْرًا مَوْجُودًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَمَّا إذَا نَوَى بِهَذَا الْكَلَامِ الْعِتْقَ وَهُوَ صَالِحٌ لَهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ قَضَاءً وَدِيَانَةً كَمَا لَا يَخْفَى.
стр. 1413
الْخِلَافِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِصِفَةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا وُصِفَ الْعَبْدُ بِصِفَةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إلَّا فِي قَوْلِهِ هَذَا أَخِي وَهَذِهِ أُخْتِي.
أَمَّا الرَّابِعُ أَعْنِي لَفْظَ الْمَوْلَى فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالنِّدَاءِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ اسْمَ الْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ يَنْتَظِمُ النَّاصِرَ وَابْنَ الْعَمِّ وَالْمُوَالَاةَ فِي الدَّيْنِ وَالْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ فِي الْعَتَاقَةِ إلَّا أَنَّهُ تَعَيَّنَ الْأَسْفَلُ مُرَادًا فَصَارَ كَاسْمٍ خَاصٍّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَنْصِرُ بِمَمْلُوكِهِ عَادَةً وَالْعَبْدُ نَسَبُهُ مَعْرُوفٌ فَانْتَفَى الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ نَوْعُ مَجَازٍ وَالْكَلَامُ بِحَقِيقَتِهِ وَالْإِضَافَةُ إلَى الْعَبْدِ تُنَافِي كَوْنَهُ مُعْتَقًا فَتَعَيَّنَ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ فَالْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ هَذِهِ مَوْلَاتِي لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْمَوْلَى فِي الدَّيْنِ أَوْ الْكَذِبِ يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَصَرَّحَ فِي التُّحْفَةِ بِأَنَّ لَفْظَ الْمَوْلَى صَرِيحٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَعْتِقُ بِغَيْرِ النِّيَّةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ صَرِيحٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُمْ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَوْلَى صَرِيحٌ فِي إيقَاعِ الْعِتْقِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ مَكْشُوفُ الْمُرَادِ وَلَفْظُ الْمَوْلَى مُشْتَرِكٌ وَمَعَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعَانِي عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لَا يَكُونُ مَكْشُوفَ الْمُرَادِ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَنْصِرُ بِمَمْلُوكِهِ عَادَةً لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، بَلْ تَحْصُلُ لَهُ النُّصْرَةُ بِمَمَالِيكِهِ وَخَدَمِهِ وَاَلَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى النَّصِيرِ وَالظَّهِيرِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ عَلَى أَنَّا نَقُولُ الصَّرِيحُ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ وَالْمُتَكَلِّمُ يُصَرِّحُ وَيُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ إنِّي عَنَيْت النَّاصِرَ بِلَفْظِ الْمَوْلَى وَلَهُ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ وَهُمْ يَقُولُونَ دَلَالَةُ الْحَالِ مِنْ كَلَامِك تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمَوْلَى هُوَ الْمُعْتِقُ الْأَسْفَلُ وَلَا تُعْتَبَرُ إرَادَةُ النَّاصِرِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْمُكَابَرَةِ اهـ.
وَأَجَابَ عَنْهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ قَوْلَهُ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعَانٍ فَلَا يَكُونُ مَكْشُوفَ الْمُرَادِ إنْ أَرَادَ دَائِمًا مَنَعْنَاهُ لِجَوَازِ أَنْ يَنْكَشِفَ الْمُرَادُ مِنْ الْمُشْتَرِكِ فِي بَعْضِ الْمَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِيَّة لِاقْتِرَانِهِ بِمَا يَنْفِي غَيْرَهُ اقْتِرَانًا ظَاهِرًا كَمَا هُوَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَمَنْعُهُ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَنْصِرُ بِعَبْدِهِ لَا يُلَائِمُ مَا أَسْنَدَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَحْصُلُ النُّصْرَةُ بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ لَا يَسْتَدْعِي لِلنُّصْرَةِ عَبْدَهُ، بَلْ بَنِي عَمِّهِ وَإِنْ كَانَ الْعَبِيدُ وَالْخَدَمُ يَنْصُرُونَهُ، أَمَّا قَوْلُهُ الصَّرِيحُ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الْكِنَايَةَ فَطَغَى قَلَمُهُ فَنَقُولُ هَذَا الصَّرِيحُ وَهُوَ قَوْلُهُ أَرَدْت النَّاصِرَ بِلَفْظِ الْمَوْلَى إنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ بِمَا هُوَ مُلْحَقٌ بِالصَّرِيحِ فِي إرَادَةِ الْعِتْقِ فَأَثْبَتَ حُكْمَهُ ذَلِكَ ظَاهِرًا، وَهَذَا الصَّرِيحُ بَعْدَهُ رُجُوعٌ عَنْهُ فَلَا يَقْبَلُهُ الْقَاضِي وَالْكَلَامُ فِيهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ النَّاصِرَ لَمْ يَعْتِقْ فَأَيْنَ الْمُكَابَرَةُ اهـ.
أَمَّا الثَّانِي أَعْنِي فِي النِّدَاءِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَ الْأَسْفَلُ مُرَادًا الْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ وَبِالنِّدَاءِ بِهِ يَعْتِقُ بِأَنْ قَالَ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ فَكَذَا النِّدَاءُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَقَيَّدَ بِالْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ فِي السَّيِّدِ وَالْمَالِكِ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَقَوْلِهِ يَا سَيِّدِي أَوْ يَا سَيِّدُ أَوْ يَا مَالِكِي؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَوْ قَالَ أَنْت مَوْلَى فُلَانٍ عَتَقَ فِي الْقَضَاءِ كَقَوْلِهِ أَنْتَ عَتِيقُ فُلَانٍ بِخِلَافِ أَعْتَقَك فُلَانٌ، وَعَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ جَاءَتْ جَارِيَتُهُ بِسِرَاجٍ فَوَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهَا الْمَوْلَى مَا أَصْنَعُ بِالسِّرَاجِ وَوَجْهُك أَضْوَأُ مِنْ السِّرَاجِ يَا مَنْ أَنَا عَبْدُك قَالَ هَذِهِ كَلِمَةُ لُطْفٍ لَا تَعْتِقُ بِهَا الْجَارِيَةُ وَفِي التَّنْقِيحِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنَا عَبْدُك الْمُخْتَارُ عَدَمُ الْعِتْقِ اهـ.
أَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ النِّدَاءُ بِحُرٍّ وَنَحْوِهِ كَيَا حُرُّ يَا عَتِيقُ يَا مُعْتَقُ فَلِأَنَّهُ نَادَاهُ بِمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِتْقِ لِكَوْنِ اللَّفْظِ مَوْضُوعًا لَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ الْمَعْنَى فِي الْمَوْضُوعَاتِ فَيَثْبُتُ الْعِتْقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَاسْتَثْنَى فِي الْهِدَايَةِ مَا إذَا سَمَّاهُ حُرًّا، ثُمَّ نَادَاهُ يَا حُرُّ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ الْإِعْلَامُ بِاسْمِ عَلَمِهِ وَهُوَ مَا لَقَّبَهُ بِهِ، وَلَوْ نَادَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَا أَزَادُ، وَقَدْ لَقَّبَهُ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1414
بِالْحُرِّ قَالُوا يَعْتِقُ، وَكَذَا عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنِدَاءٍ بِاسْمِ عَلَمِهِ فَيُعْتَبَرُ إخْبَارًا عَنْ الْوَصْفِ اهـ.
وَشَرَطَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْخَانِيَّةِ الْإِشْهَادَ وَقْتَ تَسْمِيَتِهِ بِحُرٍّ وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمُ مَعْرُوفًا لَهُ يَعْتِقُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَادَاهُ بِوَصْفٍ يَمْلِكُ إيجَابَهُ بِهِ وَفَرَّقَ فِي التَّنْقِيحِ بَيْنَ تَسْمِيَتِهِ بِحُرٍّ حَيْثُ لَا يَقَعُ إذَا نَادَاهُ وَبَيْنَ تَسْمِيَةِ الْمَرْأَةِ بِطَالِقٍ حَيْثُ يَقَعُ إذَا نَادَاهَا؛ لِأَنَّهُ عُهِدَ التَّسْمِيَةُ بِحُرٍّ كَالْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ بِخِلَافِ طَالِقٍ لَمْ تُعْهَدْ التَّسْمِيَةُ بِهِ وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْهُودًا وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا أَشْهَدَ وَقْتَ التَّسْمِيَةِ فِيهِمَا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْفَرْقِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ بَعَثَ غُلَامَهُ إلَى بَلَدٍ، وَقَالَ لَهُ إذَا اسْتَقْبَلَك أَحَدٌ فَقُلْ إنِّي حُرٌّ فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَأَجَابَهُ بِمَا قَالَ الْمَوْلَى فَإِنْ قَالَ لَهُ سَمَّيْتُك حُرًّا فَقُلْ إنِّي حُرٌّ لَمْ يَعْتِقْ أَصْلًا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ الْمَوْلَى ذَلِكَ يَعْتِقُ قَضَاءً لَا دِيَانَةً اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى بَعَثَ غُلَامَهُ إلَى بَلَدٍ فَقَالَ لَهُ إذَا اسْتَقْبَلَك أَحَدٌ فَقُلْ إنِّي حُرٌّ فَفَعَلَ عَتَقَ أَوْ بَعَثَهُ مَعَ جَمَاعَةٍ فَقَالَ لَهُمْ مَنْ سَأَلَ عَنْهُ عَاشِرٌ أَوْ غَيْرُهُ فَقُولُوا لَهُ إنَّهُ حُرٌّ فَفَعَلُوا عَتَقَ وَلَا يَعْتِقُ قَبْلَهُ قَضَاءً وَلَا دِيَانَةً، وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى قَالَ لَهُمْ سَمَّيْته حُرًّا فَقُولُوا لَهُ إنَّهُ حُرٌّ فَقَالُوا لَا يَعْتِقُ اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ إذَا سَمَّاهُ حُرًّا لَا يَعْتِقُ بِالْإِخْبَارِ أَيْضًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولُوا لَهُ يَا حُرُّ أَوْ هَذَا حُرٌّ
(قَوْلُهُ لَا بِيَا ابْنِي وَيَا أَخِي وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك وَأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَأَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ) أَيْ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَمَّا فِي النِّدَاءِ بِيَا ابْنِي وَيَا أَخِي؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ إعْلَامُ الْمُنَادَى إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ بِوَصْفٍ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي الْمُنَادَى اسْتِحْضَارًا لَهُ بِالْوَصْفِ الْمَخْصُوصِ كَمَا فِي قَوْلِهِ يَا حُرُّ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَإِنْ كَانَ النِّدَاءُ بِوَصْفٍ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ مِنْ جِهَتِهِ كَانَ لِلْإِعْلَامِ الْمُجَرَّدِ دُونَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ لِتَعَذُّرِهِ وَالْبُنُوَّةُ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا حَالَةَ النِّدَاءِ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْخَلَقَ مِنْ مَاءِ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ ابْنًا لَهُ بِهَذَا النِّدَاءِ فَكَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ شَاذًّا أَنَّهُ يَعْتِقُ فِيهِمَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الظَّاهِرِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلِابْنِ وَالْأَخِ، بَلْ كَذَلِكَ لَوْ قَالَ يَا أَبِي يَا جَدِّي يَا خَالِي يَا عَمِّي أَوْ لِجَارِيَتِهِ يَا عَمَّتِي يَا خَالَتِي يَا أُخْتِي كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِيهِمَا عَنْ تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ فِي مَسْأَلَةِ النِّدَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَفِي لَا سُلْطَانَ وَفِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ يَا ابْنُ بِغَيْرِ إضَافَةٍ لَا يَعْتِقُ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ كَمَا أَخْبَرَ فَإِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ، وَكَذَا إذَا قَالَ يَا بُنَيَّ أَوْ يَا بُنَيَّةَ؛ لِأَنَّهُ تَصْغِيرُ الِابْنِ وَالْبِنْتِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ وَالْأَمْرُ كَمَا أَخْبَرَ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الَّذِينَ يَثْبُتُ بِهِمْ النَّسَبُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ ثَلَاثَةً الِابْنَ وَالْأَبَ وَالْأُمَّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَخَ وَنَحْوَهُ.
فَلَوْ قَالَ هَذَا أَخِي لَا يَعْتِقُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَعْتِقُ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْأُخُوَّةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الِاتِّحَادُ فِي الْقَبِيلَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ فِي النَّسَبِ وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَكُونُ حُجَّةً فَإِنْ قِيلَ الْأُبُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ قَدْ تَكُونُ بِالرَّضَاعِ فَلِمَ أَثْبَتُّمْ الْعِتْقَ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؟ قِيلَ لَهُ الْبُنُوَّةُ عَنْ الرَّضَاعِ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ بِخِلَافِ الْأُخُوَّةِ فَإِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ هَذِهِ عَمَّتِي أَوْ هَذِهِ خَالَتِي أَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ هَذَا خَالِي أَوْ عَمِّي فَإِنَّهُ يَعْتِقُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْأُخُوَّةَ تَحْتَمِلُ الْإِكْرَامَ وَالنَّسَبَ بِخِلَافِ الْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ لِلْإِكْرَامِ عَادَةً، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا أَخِي مِنْ أَبِي أَوْ مِنْ أُمِّي أَوْ مِنْ النَّسَبِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ يَكُونُ مِنْ الْكِنَايَاتِ فَيَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ، أَمَّا عَدَمُ الْعِتْقِ بِقَوْلِهِ لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك، وَلَوْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ عِبَارَةٌ عَنْ السَّيِّدِ وَسُمِّيَ السُّلْطَانُ بِهِ لِقِيَامِ يَدِهِ، وَقَدْ يَبْقَى الْمِلْكُ دُونَ الْيَدِ كَمَا فِي الْمُكَاتَبِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1415
بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك؛ لِأَنَّ نَفْيَهُ مُطْلَقًا بِانْتِفَاءِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبِ سَبِيلًا فَلِهَذَا يُحْتَمَلُ الْعِتْقُ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ مَالَ إلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالنِّيَّةِ فِي لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك وَبِهِ قَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَعَنْ الْكَرْخِيِّ فَنِيَ عُمْرِي وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي الْفَرْقُ بَيْنَ نَفْيِ السُّلْطَانِ وَالسَّبِيلِ وَمِثْلُ هَذَا الْإِمَامَ لَا يَقَعُ لَهُ مِثْلُ هَذَا إلَّا وَالْمَحَلُّ مُشْكِلٌ وَهُوَ بِهِ جَدِيرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْيَدَ الْمُفَسَّرَ بِهَا السُّلْطَانُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْجَارِحَةَ الْمَحْسُوسَةَ، بَلْ الْقُدْرَةَ فَإِذَا قِيلَ لَهُ سُلْطَانٌ أَيْ يَدٌ يَعْنِي الِاسْتِيلَاءَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْكَافِي بِأَنَّ السُّلْطَانَ يُرَادُ بِهِ الِاسْتِيلَاءُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ نَفْيُهُ نَفْيَ الِاسْتِيلَادِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فَصَحَّ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ مَا يُرَادُ بِنَفْيِ السَّبِيلِ، بَلْ أَوْلَى بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، أَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْمَانِعَ الَّذِي عَيَّنَهُ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعِتْقُ وَهُوَ لُزُومُ أَنْ يَثْبُتَ بِاللَّفْظِ أَكْثَرُ مِمَّا وُضِعَ لَهُ غَيْرَ مَانِعٍ، إذْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ أَوْسَعَ مِنْ الْحَقِيقِيِّ فَلَا بِدْعَ فِي ذَلِكَ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْمُحَازَاتِ الْعَامَّةِ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ فِيهَا يَصِيرُ فَرْدًا مِنْ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ كَذَا هَذَا يَصِيرُ زَوَالُ الْيَدِ مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ أَعْنِي الْعِتْقَ أَوْ زَوَالَ الْمِلْكِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ كَوْنُ نَفْيِ السُّلْطَانِ مِنْ الْكِنَايَاتِ اهـ.
أَمَّا عَدَمُ الْوُقُوعِ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ وَلَوْ نَوَى الْعِتْقَ فَهَذَا مَذْهَبُنَا إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقَعُ بِقَوْلِهِ لِأَمَتِهِ طَلَّقْتُك نَاوِيًا الْعِتْقَ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لُغَةً إثْبَاتُ الْقُوَّةِ وَالطَّلَاقَ رَفْعُ الْقَيْدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ أُلْحِق بِالْجَمَادَاتِ وَبِالْإِعْتَاقِ يَحْيَى فَيَقْدِرُ وَلَا كَذَلِكَ الْمَنْكُوحَةُ فَإِنَّهَا قَادِرَةٌ إلَّا أَنَّ قَيْدَ النِّكَاحِ مَانِعٌ وَبِالطَّلَاقِ يَرْتَفِعُ الْمَانِعُ فَتَظْهَرُ الْقُوَّةُ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى؛ وَلِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ فَوْقَ مِلْكِ النِّكَاحِ فَكَانَ إسْقَاطُهُ أَقْوَى، وَاللَّفْظُ يَصْلُحُ مَجَازًا عَمَّا هُوَ دُونَ حَقِيقَتِهِ لَا عَنْ مَا هُوَ فَوْقَهُ فَلِهَذَا امْتَنَعَ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَانْسَاغَ فِي عَكْسِهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُسْتَعَارُ أَلْفَاظُ الْعِتْقِ لِلطَّلَاقِ دُونَ عَكْسِهِ بِنَاءً عَلَى مَا فِي الْأُصُولِ مِنْ جَوَازِ اسْتِعَارَةِ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ دُونَ عَكْسِهِ إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ الْمُسَبَّبُ بِالسَّبَبِ فَكَالْمَعْلُولِ فَيَصِحُّ اسْتِعَارَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ صَرِيحَ الطَّلَاقِ وَكِنَايَاتِهِ فَلَا يَقَعُ بِهَا الْعِتْقُ أَصْلًا فَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ فَرْجُك عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهَا لَا تَعْتِقُ وَإِنْ نَوَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ صَالِحٍ لَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا قُومِي وَاقْعُدِي نَاوِيًا لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمَّا لَمْ يَصْلُحْ لَهُ لَغَا فَبَقِيَ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ وَهِيَ لَا يَقَعُ بِهَا شَيْءٌ وَسَيَأْتِي فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُ إنْ وَطِئَهَا لَزِمَهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَلْيُحْفَظْ هَذَا
وَيُسْتَثْنَى مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ أَمْرُك بِيَدِك أَوْ اخْتَارِي فَإِنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ بِهِ بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا احْتَمَلَ الْعِتْقَ وَغَيْرَهُ كَانَ كِنَايَةً فَهُوَ مِنْ كِنَايَاتِ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَلَا بِدْعَ فِيهِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُمَا مِنْ كِنَايَاتِ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك وَأَرَادَ الْعِتْقَ فَأَعْتَقَتْ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ عَتَقَتْ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا إيقَاعَ الْعِتْقِ وَالْإِعْتَاقُ إسْقَاطُ الْمِلْكِ كَالطَّلَاقِ فَيَقْتَصِرُ حُكْمُهُ عَلَى الْمَجْلِسِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا أَعْتِقِي نَفْسَك فَقَالَتْ اخْتَرْت كَانَ بَاطِلًا كَمَا فِي الطَّلَاقِ اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُ عِتْقِك بِيَدِك أَوْ جَعَلْت عِتْقَك فِي يَدِك أَوْ قَالَ لَهُ اخْتَرْ الْعِتْقَ أَوْ خَيَّرْتُك فِي عِتْقِك أَوْ فِي الْعِتْقِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ لِلنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ الْعِتْقَ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ اهـ.
وَقَيَّدَ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَطْلَقْتُك أَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ ذَلِكَ يَقَعُ الْعِتْقُ إذَا نَوَى كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لِأَنَّهُ كَقَوْلِهِ خَلَّيْت سَبِيلَك بِخِلَافِ طَلَّقْتُك كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَكَذَا إذَا قَالَ لَهُ اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت تَوَجَّهْ أَيْنَمَا شِئْت مِنْ بِلَادِ اللَّهِ لَا يَدَ لِي عَلَيْك لَا يَقَعُ وَإِنْ نَوَى كَمَا فِي الْمُجْتَبَى مَعَ أَنَّ أَطْلَقْتُك مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ يَقَعُ بِهِ بِالنِّيَّةِ فَكَيْفَ وَقَعَ بِهِ الْعِتْقُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِمَا وَالْمَمْنُوعُ اسْتِعَارَةُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ خَاصَّةً صَرِيحًا أَوْ كِنَايَةً، أَمَّا عَدَمُ الْعِتْقِ فَيَقُولُهُ أَنْتَ مِثْلُ الْحُرِّ فَلِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً، وَقَدْ تَكُونُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ أَمْرُك بِيَدِك أَوْ اخْتَارِي إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَمَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ يَصِيرُ الْعِتْقُ فِي يَدِهَا حَتَّى لَوْ أَعْتَقَتْ نَفْسَهَا فِي الْمَجْلِسِ جَازَ، وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي يَنْوِي الْعِتْقَ لَا يَصِيرُ الْعِتْقُ فِي يَدِهَا فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ اخْتَارِي فِي بَابِ الْعِتْقِ وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الطَّلَاقِ اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَكَذَا صَرَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ وَإِنْ نَوَاهُ وَكَذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كَافِي الْحَاكِمِ فَمَا فِي الْأَصْلِ وَالْكَافِي هُوَ نَصُّ الْمَذْهَبِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا هُنَا فَافْهَمْ
стр. 1416
خَاصَّةً فَلَا يَقَعُ بِلَا نِيَّةٍ لِلشَّكِّ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ يَقَعُ بِهِ الْعِتْقُ بِالنِّيَّةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى التُّحْفَةِ حَيْثُ قَالَ: وَقَدْ قَالُوا إذَا نَوَى يَعْتِقُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت مِثْلُ امْرَأَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٌ قَدْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ وَنَوَى الْإِيلَاءَ يُصَدَّقُ وَيَصِيرُ مُولِيًا وَإِنَّمَا لَمْ يَقَعْ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ لِلتَّشْبِيهِ وَالتَّشْبِيهُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لَا يَقْتَضِي اشْتِرَاكَهُمَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْتِقْ لَا فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْنَى الْمِثْلِ فِي اللُّغَةِ النَّظِيرُ كَذَا فِي الْجَمْهَرَةِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ مَا أَنْتَ إلَّا مِثْلُ الْحُرِّ لَا يَعْتِقُ، وَلَوْ قَالَ لِحُرَّةٍ أَنْت حُرَّةٌ مِثْلُ هَذِهِ يَعْنِي أَمَته فَأَمَتُهُ حُرَّةٌ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ حُرَّةٌ مِثْلُ هَذِهِ الْأَمَةِ لَمْ تَعْتِقْ أَمَتُهُ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ أَخَذَ قَمِيصًا خَاطَهُ غُلَامُهُ، وَقَالَ هَذِهِ خِيَاطَةُ حُرٍّ لَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّشْبِيهُ. اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَعْتِقُ فِيهَا بِالنِّيَّةِ وَبَعْضَهَا لَا فَلَا يَنْبَغِي إدْخَالُهَا فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ يَعْنِي فِي النَّفْسِ لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ قَالَ أَنْتَ عَتِيقٌ، وَقَالَ عَنَيْت بِهِ فِي الْمِلْكِ لَا يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ قَالَ أَنْتَ عَتِيقٌ فِي السِّنِّ لَا يَعْتِقُ، وَلَوْ قَالَ أَنْتَ حُرُّ النَّفْسِ يَعْنِي فِي الْأَخْلَاقِ عَتَقَ فِي الْقَضَاءِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ بَدَنُك بَدَنُ حُرٍّ وَرَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ وَلَيْسَ بِتَحْقِيقٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّحْقِيقَ لَقَالَ بَدَنُك حُرٌّ، وَلَوْ نَوَّنَ فَقَالَ رَأْسُك رَأْسُ حُرٍّ أَوْ بَدَنُك بَدَنُ حُرٍّ أَوْ وَجْهُك وَجْهُ حُرٍّ عَتَقَ؛ لِأَنَّ هَذَا وَصْفٌ لَهُ بِالْحُرِّيَّةِ وَلَيْسَ بِتَشْبِيهٍ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ رَأْسُك حُرٌّ
(قَوْلُهُ: وَعَتَقَ بِمَا أَنْت إلَّا حُرٌّ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمَفْهُومُ مِنْ تَرْكِيبِ الِاسْتِثْنَاءِ لُغَةً وَهُوَ بِخِلَافِ قَوْلِ الْمَشَايِخِ فِي الْأُصُولِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْأُصُولِ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثَّنِيَّا أَمَّا كَوْنُهُ إثْبَاتًا مُؤَكَّدًا فَلِوُرُودِهِ بَعْدَ النَّفْيِ بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ الْمُجَرَّدِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبِمِلْكٍ قَرِيبٍ مَحْرَمٍ، وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ بِأَنْتَ وَأَيْ يَصِحُّ الْعِتْقُ بِمِلْكٍ قَرِيبٍ مُحَرَّمٍ لِلْحَدِيثِ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ فَهُوَ حُرٌّ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ بِعُمُومِهِ يَنْتَظِمُ كُلَّ قَرَابَةٍ مُؤَبَّدَةٍ بِالْمَحْرَمِيَّةِ وِلَادًا أَوْ غَيْرَهُ؛ وَلِأَنَّهُ مَلَكَ قَرِيبَهُ قَرَابَةً مُؤَثِّرَةً فِي الْمَحْرَمِيَّةَ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي قَرَابَةِ الْوِلَادِ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ فِي بَحْثِ الْعِلَلِ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي عِتْقِ الْقَرِيبِ بِالْمِلْكِ شَيْئَانِ الْقَرَابَةُ وَالْمِلْكُ لَكِنْ الْعِتْقُ يُضَافُ إلَى آخِرِهِمَا فَإِنْ تَأَخَّرَ الْمِلْكُ أُضِيفَ إلَيْهِ الْعِتْقُ كَمَا إذَا مَلَكَ قَرِيبَهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَتْ الْقَرَابَةُ وَتَقَدَّمَ الْمِلْكُ أُضِيفَ الْعِتْقُ إلَى الْقَرَابَةِ كَمَا إذَا كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَبْدٌ ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ابْنُهُ غَرِمَ لِشَرِيكِهِ وَأُضِيفَ الْعِتْقُ إلَى الْقَرَابَةِ اهـ.
قَيَّدَ بِالْقَرِيبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ مَحْرَمًا بِلَا رَحِمٍ كَزَوْجَةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ مُوجِبَةٌ لِلصِّلَةِ مُحَرِّمَةٌ لِلْقَطِيعَةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ وَقَيَّدَ بِالْمَحْرَمِ احْتِرَازًا عَنْ الرَّحِمِ بِلَا مَحْرَمٍ كَبَنِي الْأَعْمَامِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ إذَا مَلَكَهُ لَمْ يَعْتِقْ وَخُصَّ عَنْ النَّصِّ الْمُحْرِمُ لِلْقَطِيعَةِ بِالْإِجْمَاعِ لِمَا أَنَّهُمْ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ فَلَوْ عَتَقُوا رُبَّمَا حَرَجُوا الْمُلَّاكَ فِيهِ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَوْ خَصَّتْ الْقَرَابَةُ الْمَحْرَمِيَّةَ عَنْ النَّصِّ أَيْضًا لَأَدَّى إلَى تَعْطِيلِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحْرَمٍ مِنْ الرَّضَاعِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَحْرَمِيَّةُ مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ، وَذُو الرَّحِمِ الْمُحْرَمِ شَخْصَانِ يُدْلِيَانِ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ كَالْأَخَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِوَاسِطَةٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَابْنِ الْأَخِ مَعَ الْعَمِّ فِي النِّسْبَةِ إلَى الْجَدِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَأُطْلِقَ فِي الْمَالِكِ فَشَمِلَ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ؛ لِأَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْمِلْكِ وَفِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الصِّلَةِ وَحُرْمَةِ الْقَطِيعَةِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لَنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَوْ مَلَكَ قَرِيبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَعْتِقُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1417
الْإِيضَاحِ وَفِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ عِتْقُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَرِيبَهُ بَاطِلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا.
أَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ وَخَلَّاهُ فَفِي الْمُخْتَلَفِ قَالَ يَعْتِقُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَوَلَاؤُهُ لَهُ، وَقَالَا لَا وَلَاءَ لَهُ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بِالتَّخْلِيَةِ لَا بِالْإِعْتَاقِ، ثُمَّ قَالَ الْمُسْلِمُ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى عَبْدًا حَرْبِيًّا فَأَعْتَقَهُ ثَمَّةَ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِدُونِ التَّخْلِيَةِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَعْتِقُ بِدُونِهَا وَلَا وَلَاءَ لَهُ عِنْدَهُمَا قِيَاسًا وَلَهُ الْوَلَاءُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْمُحِيطِ وَإِنْ كَانَ عَبْدُهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا عَتَقَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِرْقَاقِ بِالِاسْتِيلَاءِ اهـ.
وَالصَّبِيُّ جُعِلَ أَهْلًا لِهَذَا الْعِتْقِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ حَتَّى عَتَقَ الْقَرِيبُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ فَشَابَهُ النَّفَقَةَ وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ اشْتَرَى أَمَةً وَهِيَ حُبْلَى مِنْ أَبِيهِ وَالْأَمَةُ لِغَيْرِ أَبِيهِ جَازَ الشِّرَاءُ وَعَتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا وَلَا تَعْتِقُ الْأَمَةُ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ أَنْ تَضَعَ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا إذَا وَضَعَتْ وَإِنَّمَا عَتَقَ الْحَمْلُ؛ لِأَنَّهُ أُخْوَةُ، وَقَدْ مَلَكَهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّ الْحَمْلَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِمْ وَبِمِلْكِ قَرِيبٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ قَبْلَ الْوَضْعِ مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا الْحَمْلُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الْمَمْلُوكِ حَتَّى لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَعْتِقُ الْحَمْلُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِلْكِ فَشَمِلَ مَا إذَا بَاشَرَ سَبَبَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ فَدَخَلَ مَا إذَا اشْتَرَى الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ مَوْلَاهُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِخِلَافِ الْمَدْيُونِ لَا يَعْتِقُ مَا اشْتَرَاهُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا وَخَرَجَ الْمُكَاتَبُ إذَا اشْتَرَى ابْنَ مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَشَمِلَ الْكُلَّ وَالْبَعْضَ فَإِذَا مَلَكَ بَعْضَ قَرِيبِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي
(قَوْلُهُ: وَبِتَحْرِيرٍ لِوَجْهِ اللَّهِ وَلِلشَّيْطَانِ وَلِلصَّنَمِ) أَيْ يَصِحُّ الْعِتْقُ بِتَحْرِيرٍ هُوَ عِبَادَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ هُوَ الرُّكْنُ الْمُؤَثِّرُ فِي إزَالَةِ الرِّقِّ، وَصِفَةُ الْقُرْبَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِتْقَ وَالْكِتَابَةَ بِالْمَالِ مَشْرُوعَانِ وَإِنْ عَرِيَا عَنْ صِفَةِ الْقُرْبَةِ فَلَا يَنْعَدِمُ بِعَدَمِهَا أَصْلُ الْعِتْقِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ لِلصَّنَمِ إنَّمَا هُوَ صَادِرٌ مِنْ كَافِرٍ، أَمَّا إذَا صَدَرَ مِنْ مُسْلِمٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ إذَا قَصَدَ تَعْظِيمَهُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ أَنْوَاعَهُ أَرْبَعَةٌ فَرْضٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ وَمَعْصِيَةٌ، وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الْإِعْتَاقَ قَدْ يَقَعُ مُبَاحًا لَا قُرْبَةً بِأَنْ أَعْتَقَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَوْ أَعْتَقَ لِوَجْهِ فُلَانٍ، وَقَدْ يَقَعُ مَعْصِيَةً بِأَنْ أَعْتَقَهُ لِوَجْهِ الشَّيْطَانِ اهـ.
فَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِعْتَاقِ لِآدَمِيٍّ وَبَيْنَ الْإِعْتَاقِ لِلشَّيْطَانِ وَعَلَّلَ حُرْمَةَ الْإِعْتَاقِ لِلشَّيْطَانِ بِأَنَّهُ قَصَدَ تَعْظِيمَهُ، وَكَذَا الْعِتْقُ بِلَا نِيَّةٍ مُبَاحٌ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مِنْ الْإِعْتَاقِ الْمُحَرَّمِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إنْ أَعْتَقَهُ يَذْهَبُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ أَوْ يَرْتَدُّ أَوْ يَخَافُ مِنْهُ السَّرِقَةَ وَقَطْعَ الطَّرِيقِ وَيَنْفُذُ عِتْقُهُ مَعَ تَحْرِيمِهِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ هَذَا وَفِي عِتْقِ الْعَبْدِ الذِّمِّيِّ مَا لَمْ يَخَفْ مَا ذَكَرْنَا أَجْرٌ لِتَمْكِينِهِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْآيَاتِ وَالِاشْتِغَالِ بِمَا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ عَنْهُ.
أَمَّا مَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَغْلَى ثَمَنًا مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ يَكُونُ عِتْقُهُ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ الْمُسْلِمِ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَفْضَلُهَا أَغْلَاهَا» بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ فَبَعِيدٌ عَنْ الصَّوَابِ، وَيَجِبُ تَقْيِيدُهُ بِالْأَعْلَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ تَمْكِينُ الْمُسْلِمِ مِنْ مَقَاصِدِهِ وَتَفْرِيغُهُ، أَمَّا مَا يُقَالُ فِي عِتْقِ الْكَافِرِ مِمَّا ذَكَرْنَا فَهُوَ احْتِمَالٌ يُقَابِلُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الظَّاهِرَ رُسُوخُ الِاعْتِقَادَاتِ وَإِلْفُهَا فَلَا يُرْجَعُ عَنْهَا، وَكَذَا نُشَاهِدُ الْأَحْرَارَ بِالْأَصَالَةِ مِنْهُمْ لَا يَزْدَادُونَ إلَّا ارْتِبَاطَ بَقَاءِ يَدِهِمْ فَضْلًا عَمَّنْ عَرَضَتْ حُرِّيَّتُهُ نَعَمْ الْوَجْهُ الظَّاهِرُ فِي اسْتِحْبَابِ عِتْقِهِ تَحْصِيلُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، أَمَّا تَفْرِيغُهُ لِلتَّأَمُّلِ فَيُسَلَّمُ فَهُوَ احْتِمَالٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَأَرَادَ بِوَجْهِ اللَّهِ رِضَاهُ مَجَازًا وَالْوَجْهُ فِي اللُّغَةِ يَجِيءُ عَلَى مَعَانٍ يُقَالُ وَجْهُ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَوَجْهُ النَّهَارِ أَوَّلُهُ وَوَجْهُ الْكَلَامِ السَّبِيلُ الَّتِي تَقْصِدُهَا بِهِ وَوُجُوهُ الْقَوْمِ سَادَاتُهُمْ وَصَرَفْت الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ عَلَى سُنَنِهِ وَالشَّيْطَانُ وَاحِدُ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بِمَعْنَى مَرَدَتِهِمْ وَالنُّونُ أَصْلِيَّةٌ إنْ كَانَ مِنْ شَطَنَ أَيْ بَعُدَ عَنْ الْخَيْرِ وَزَائِدَةٌ إنْ كَانَ مِنْ شَاطَ يَشِيطُ أَيْ هَلَكَ، أَمَّا الصَّنَمُ فَهُوَ صُورَةُ الْإِنْسَانِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ الْمُسْلِمُ إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ فِي الِاسْتِحْسَانِ يَعْتِقُ عِنْدَ الْكُلِّ، وَقَدْ مَرَّ قَرِيبًا أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْمُسْلِمُ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَعْتِقُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْفَتْحِ بِأَنْ يُرَادَ بِالْمُسْلِمِ ثَمَّةَ الَّذِي نَشَأَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهُنَا نَصَّ عَلَى أَنَّهُ دَاخِلٌ هُنَاكَ بَعْدَ أَنْ كَانَ هُنَا فَلِذَا لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ.
(قَوْلُهُ: فَيَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مِلْكًا كَوْنُهُ مَمْلُوكًا مُطْلَقًا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَهَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الْمَمْلُوكِ إنْ كَانَتْ أَمَةٌ فِي مِلْكِهِ دَخَلَ وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ الْحَمْلُ فَقَطْ بِأَنْ كَانَ مُوصًى لَهُ بِهِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَمْلُوكًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ فِي وُجُودِهِ خَطَرًا وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى صَدَقَةُ فِطْرِهِ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ أَقُولُ: الْجَوَابُ أَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ هُنَا إنَّمَا هُوَ فِي ضِمْنِ ثُبُوتِ الْعِتْقِ الْمَحْكُومِ بِثُبُوتِهِ شَرْعًا لِضَرُورَةِ دَفْعِ الذُّلِّ عَنْ الْقَرِيبِ قَرَابَةً قَوِيَّةً وَيُغْتَفَرُ فِي الضِّمْنِيَّاتِ مَا لَا
стр. 1418
فِضَّةٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ حَجَرٍ فَهُوَ وَثَنٌ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ: وَبِكُرْهٍ وَسُكْرٍ) أَيْ يَصِحُّ الْعِتْقُ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالسُّكْرِ لِصُدُورِ الرُّكْنِ مِنْ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ وَالْإِكْرَاهُ حَمْلُ الْغَيْرَ عَلَى مَا لَا يَرْضَاهُ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمُلْجِئَ وَهُوَ مَا يُفَوِّتُ النَّفْسَ أَوْ الْعُضْوَ وَغَيْرَ الْمُلْجِئِ، أَمَّا السُّكْرُ فَأَطْلَقَهُ أَيْضًا وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا كَانَ مِنْ مُحَرَّمٍ أَوْ مُثَلَّثٍ بِقَصْدِ السُّكْرِ، أَمَّا مَا كَانَ طَرِيقُهُ مُبَاحًا كَسُكْرِ الْمُضْطَرِّ إلَى شُرْبِ الْخَمْرِ.
وَالْحَاصِلُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ وَالْمُثَلَّثِ لَا بِقَصْدِ السُّكْرِ، بَلْ بِقَصْدِ الِاسْتِمْرَاءِ وَالتَّقَوِّي وَنَقِيعِ الزَّبِيبِ بِلَا طَبْخٍ فَإِنَّهُ كَالْإِغْمَاءِ لَا يَصِحُّ مَعَهُ تَصَرُّفٌ وَلَا طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ، كَذَا فِي التَّحْرِيرِ وَقَدَّمْنَاهُ فِي الطَّلَاقِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى مِلْكٍ أَوْ شَرْطٍ صَحَّ) أَيْ إنْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى مِلْكٍ بِأَنْ قَالَ إنْ مَلَكَتُك فَأَنْت حُرٌّ أَوْ إلَى شَرْطٍ كَقَوْلِهِ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْت حُرٌّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَقَعُ الْعِتْقُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ أَمَّا الْإِضَافَةُ إلَى الْمِلْكِ فَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، أَمَّا التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ فَلِأَنَّهُ إسْقَاطٌ فَيَجْرِي فِيهِ التَّعْلِيقُ بِخِلَافِ التَّمْلِيكَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَالْإِضَافَةُ إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ كَالْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ كَإِنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ بِخِلَافِ إنْ مَاتَ مُوَرِّثِي فَأَنْت حُرٌّ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَمْ يُوضَعْ سَبَبًا لِلْمِلْكِ فَالْإِضَافَةُ إلَى وَقْتٍ كَالْعِتْقِ بِالشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ لَا يُوجَدُ فِيهِمَا إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَالْوَقْتُ وَالْمَحَلُّ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَالِكِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي التَّعْلِيقِ بِشَرْطِ الْمَوْتِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ التَّدْبِيرُ، وَكَذَا الِاسْتِيلَادُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالتَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ تَنْجِيزٌ.
قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ مَلَكَتُك فَأَنْت حُرٌّ عَتَقَ لِلْحَالِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لِمُكَاتَبِهِ إنْ أَنْت عَبْدِي فَأَنْت حُرٌّ لَا يَعْتِقُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَبِهِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِضَافَةِ قُصُورًا اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا رَجُلٌ قَالَ لِعَبْدِ رَجُلٍ إنْ وَهَبَك مَوْلَاك لِي فَأَنْت حُرٌّ فَوَهَبَهُ لَهُ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْوَاهِبِ لَا يَعْتِقُ قَبِلَ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَقَدْ ابْتَدَأَ الْوَاهِبُ بِالْهِبَةِ قَبِلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ، وَإِنْ ابْتَدَأَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَقَالَ هَبْ لِي هَذَا الْعَبْدَ وَالْعَبْدُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَقَالَ صَاحِبُ الْعَبْدِ وَهَبْت لَك عَتَقَ اهـ.
وَمِنْ مَسَائِلِ التَّعْلِيقِ اللَّطِيفَةِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ إذَا مَاتَ وَالِدِي فَأَنْت حُرَّةٌ، ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ وَالِدِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ قَالَ لَهَا إنْ مَاتَ وَالِدِي فَأَنْت طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ فَمَاتَ الْوَالِدُ كَانَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ أَوَّلًا تَعْتِقُ وَلَا تَطْلُقُ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْمَبْسُوطِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَرَّرَ حَامِلًا عَتَقَا) أَيْ الْأُمُّ وَالْحَمْلُ تَبَعًا لَهَا إذْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا فَهُوَ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا، وَلَوْ اسْتَثْنَاهُ لَا يَصِحُّ كَاسْتِثْنَاءِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا خَرَجَ أَكْثَرُ الْوَلَدِ فَأَعْتَقَ الْأُمَّ لَا يَعْتِقُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُنْفَصِلِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَلَوْ مَاتَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَرِثُ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ الْأَكْثَرِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ نِسْبَةَ هَذَا التَّفْصِيلِ لِأَبِي يُوسُفَ لِكَوْنِهِ نُقِلَ عَنْهُ وَحْدَهُ، لَا لِأَنَّ الصَّاحِبَيْنِ يُخَالِفَانِهِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْقَاعِدَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ أَعْتَقَ جَارِيَةَ إنْسَانٍ فَأَجَازَ الْمَوْلَى إعْتَاقَهُ بَعْدَمَا وَلَدَتْ يَعْتِقُ الْوَلَدُ اهـ.
وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي عِتْقِ الْحَمْلِ فَشَمِلَ مَا إذَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ عِتْقِهَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَكِنْ إنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ عِتْقِهَا فَإِنَّهُ يَعْتِقُ مَقْصُودًا لَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ حَتَّى لَا يَنْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مَوَالِي الْأَبِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَحِينَئِذٍ يَنْجَرُّ الْوَلَاءُ إلَى مَوْلَى الْأَبِ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ هُنَا عَلَى مَا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِيَكُونَ عِتْقُهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ؛ وَلِأَنَّهُ سَيَذْكُرُ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَالتَّبَعِيَّةُ إنَّمَا تَكُونُ إذَا وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْحُرِّيَّةِ الْحُرِّيَّةَ الْأَصْلِيَّةَ فَلَا إشْكَالَ وَلَا تَكْرَارَ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ حَرَّرَهُ عَتَقَ فَقَطْ) أَيْ إنْ حَرَّرَ الْحَمْلَ وَحْدَهُ عَتَقَ
ــ
[منحة الخالق]
يُغْتَفَرُ فِي الْقَصْدِيَّاتِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ فَإِنَّهُ قَصْدِي مُطْلَقٌ فَيَقْتَضِي صِفَةَ الْكَمَالِ فَاحْتَاجَ إلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مُطْلَقُ الْمِلْكِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْبَعْضُ الْمَمْلُوكُ وَيَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْقَرِيبِ فَيَعْتِقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ..
стр. 1419
هُوَ دُونَ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ إلَى إعْتَاقِهَا مَقْصُودًا لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا وَلَا إلَيْهِ تَبَعًا لِمَا فِيهِ مِنْ قَلْبِ الْمَوْضُوعِ، ثُمَّ إعْتَاقُ الْحَمْلِ صَحِيحٌ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ نَفْسَهُ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ وَالْقُدْرَةَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ وَلَمْ يُوجَدْ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجَنِينِ وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِعْتَاقِ فَافْتَرَقَا وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ حَرَّرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ التَّحْرِيرِ وَلَنْ يَتَحَقَّقَ وُجُودُهُ إلَّا إذَا وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ إقْرَارًا بِوُجُودِهِ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِهِ وَقْتَهُ لِجَوَازِ حُدُوثِهِ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ، أَحَدُهُمَا مَا إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ مُعْتَدَّةً عَنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ فَتَلِدُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْفِرَاقِ وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْإِعْتَاقِ فَحِينَئِذٍ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ أَعْتَقَهُ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ نَسَبِهِ.
ثَانِيهُمَا إذَا كَانَ حَمْلُهَا تَوْأَمَيْنِ فَجَاءَتْ بِأَوَّلِهِمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ جَاءَتْ بِالثَّانِي لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِوُجُودِهِ حِينَ أَعْتَقَهُ حَتَّى ثَبَتَ نَسَبُهُ وَتَفَرَّعَ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا لَوْ قَالَ الْمَوْلَى مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ إنْ حَمَلْت فَسَالِمٌ حُرٌّ فَوَلَدَتْ بَعْدَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالْقَوْلُ لَهُ إنْ أَقَرَّ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا يَوْمَئِذٍ عَتَقَ الْوَلَدُ وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ حَمْلٌ مُسْتَقْبَلٌ عَتَقَ سَالِمٌ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِعِتْقِ أَحَدِهِمَا وَشَكَكْنَا فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعُلُوقُ وَالْحَمْلُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِعْتَاقِ أَوْ كَانَ حَادِثًا بَعْدَهُ فَرَجَعَ فِي الْبَيَانِ إلَيْهِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ يَعْتِقُ سَالِمٌ دُونَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِعْتَاقِ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَعْتِقُ الْوَلَدُ دُونَ سَالِمٍ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْإِعْتَاقِ.
ثَانِيهمَا لَوْ قَالَ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ، ثُمَّ ضَرَبَ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا إنْ ضَرَبَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ تَجِبُ دِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ لِأَبِيهِ إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ أَيْ حُرٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَكُونُ لِعُصْبَةِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى قَاتِلٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ وَإِنْ ضَرَبَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ الْعِتْقِ أَوْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَا يُذْكَرُ الضَّرْبُ إذْ لَا دَخْلَ لَهُ وَفِي الْبَدَائِعِ، وَكَذَا إذَا قَالَ إذَا وَلَدْت مَا فِي بَطْنِك فَهُوَ حُرٌّ لَا يَعْتِقُ حَتَّى تَلِدَهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ حَلَفَ لِلتَّيَقُّنِ بِوُجُودِهِ قَبْلَ الْحَلِفِ إلَّا أَنَّ هَا هُنَا يَعْتِقُ مِنْ حِينِ حَلَفَ وَفِي إذَا وَلَدْت مَا فِي بَطْنِك مِنْ يَوْمِ تَلِدُ لِاشْتِرَاطِهِ الْوِلَادَةَ اهـ.
وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي عِتْقِ الْحَمْلِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَا يَجِبُ الْمَالُ إذْ لَا وَجْهَ إلَى إلْزَامِ الْمَالِ عَلَى الْجَنِينِ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ وَلَا إلَى إلْزَامِهِ الْأُمَّ؛ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْعِتْقِ نَفْسٌ عَلَى حِدَةٍ وَاشْتِرَاطُ بَدَلِ الْعِتْقِ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتِقِ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ لَكِنْ لَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ عَلَى أُمَّةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهَا الْعِتْقَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ قَالَ أَعْتَقْت مَا فِي بَطْنِك عَلَى أَلْفٍ عَلَيْك فَقَبِلَتْ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ يَعْتِقُ بِلَا شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُعَلَّقٌ بِقَبُولِ الْأَمَةِ الْأَلْفَ، وَقَدْ قَبِلَتْ الْأَلْفَ فَعَتَقَ الْوَلَدُ وَبَطَلَ الْمَالُ. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ مَتَى أَدَّى إلَيَّ أَلْفًا أَوْ إذَا أَدَّى إلَيَّ أَلْفًا فَوَضَعْت لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ حُرٌّ مَتَى أَدَّى إلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَطْلَقَ فِي تَحْرِيرِ الْحَمْلِ فَشَمِلَ مَا إذَا قَالَ حَمْلُك حُرٌّ أَوْ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ أَوْ قَالَ الْعَلَقَةُ أَوْ الْمُضْغَةُ الَّتِي فِي بَطْنِك حُرٌّ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ مَا فِي بَطْنِهَا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَلَوْ قَالَ أَكْبَرُ وَلَدٍ فِي بَطْنِك فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ فَأَوَّلُهُمَا خُرُوجًا أَكْبَرُهُمَا وَهُوَ حُرٌّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ حَمَلْت بِوَلَدٍ فَهُوَ حُرٌّ وَلَيْسَ مِنْهُ إنْ وَلَدْت وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ حَتَّى لَوْ بَاعَ الْأُمَّ أَوْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْوِلَادَةِ بَطَلَتْ الْيَمِينُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ وِلَادَتَهُ حَيًّا بَعْدَ عِتْقِهِ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ شَرْطٌ قَالَ: وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الْأَمَةِ مَا فِي بَطْنِهَا فَوَلَدَتْ تَوْأَمًا مَيِّتًا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ لَمْ يَثْبُتْ يَقِينًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْجَنِينَ لَمْ يَكُنْ حَيًّا وَلَمْ تُنْفَخْ فِيهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ وَلَدَتْهُ إلَخْ) لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الضَّرْبُ بَعْدَ الْعِتْقِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَيَتَأَخَّرُ إلْقَاءُ الْجَنِينِ إلَى تَمَامِهَا أَوْ أَكْثَرَ بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْإِلْقَاءَ مِنْ الضَّرْبِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ شَرْطٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٍ
стр. 1420
الرُّوحُ أَصْلًا فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ بِالشَّكِّ، وَلَوْ وَلَدَتْ تَوْأَمًا حَيًّا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْحَيَاةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِيهِ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ، وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَنِينَ فَضَرَبَ أَجْنَبِيٌّ بَطْنَهَا وَأَلْقَتْ مَيِّتًا فَعَلَى الضَّارِبِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ غُلَامًا وَعُشْرُ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ جَارِيَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مُعْتِقَ الْبَعْضِ كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ فَالضَّرْبُ صَادَفَهُ وَهُوَ رَقِيقٌ فَيَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ، وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ فِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَيَضْمَنُ الْمُعْتِقُ نِصْفَهُ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَوْجَبَ ضَمَانَهُ عَلَى الضَّارِبِ فَقَدْ حَكَمَ بِكَوْنِهِ حَيًّا قَبْلَ الضَّرْبِ فَيَكُونُ الْمُعْتِقُ بِالْإِعْتَاقِ مُتْلِفًا نَصِيبَ شَرِيكِهِ فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ فِيمَا أَدَّى الضَّارِبُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ مَلَكَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِالضَّمَانِ فَإِنَّ الْجَنِينَ مِمَّا يَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَإِنَّهُ يُمْلَكُ بِالْوَصِيَّةِ فَصَارَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ مُكَاتَبًا لَهُ فَهَذَا مُكَاتَبٌ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ فَيُقْضَى مِنْهُ سِعَايَتُهُ وَمَا بَقِيَ فَمِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهِ أَوْ لِمُعْتَقِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ حُرًّا اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ تَدْبِيرَ الْحَمْلِ وَحْدَهُ صَحِيحٌ بِالْأَوْلَى قَالُوا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأُمِّ إذَا أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا وَيَجُوزُ هِبَتُهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ مَا فِي بَطْنِهَا عِنْدَ بَيْعِهَا لَا يَجُوزُ قَصْدًا فَكَذَا حُكْمًا بِخِلَافِ الْهِبَةِ لَكِنْ لَا يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَبَعْدَمَا دَبَّرَ مَا فِي الْبَطْنِ لَوْ وَهَبَ الْأُمَّ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ بِالتَّدْبِيرِ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَمَّا فِي الْبَطْنِ فَإِذَا وَهَبَ الْأُمَّ بَعْدَ التَّدْبِيرِ فَالْمَوْهُوبُ مُتَّصِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى هِبَةِ الْمَشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، أَمَّا بَعْدَ الْعِتْقِ مَا فِي الْبَطْنِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ مَا فِي بَطْنِك عَتَقَتْ إذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ فَضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا قَدْ اسْتَبَانَ خَلْقُهُ قَالَ يُخَيَّرُ الْمَوْلَى فَإِنْ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَى الْأُمِّ عَتَقَ الْجَنِينُ بِعِتْقِهَا وَعَلَى الضَّارِبِ غُرَّةٌ لِلْمَوْلَى وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْبَيَانِ فَضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا قَدْ اسْتَبَانَ خَلْقُهُ قَالَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةُ حُرٍّ وَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأَمَةِ وَتَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا وَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْجَنِينِ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ الْمُوصَى فَأَعْتَقَ الْوَرَثَةُ مَا فِي بَطْنِ الْجَارِيَةِ جَازَ إعْتَاقُهُمْ وَيَضْمَنُونَ قِيمَةَ الْوَلَدِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ.
(قَوْلُهُ: وَالْوَلَدُ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْمِلْكِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ) لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ؛ وَلِأَنَّ مَاءَهُ يَكُونُ مُسْتَهْلَكًا بِمَائِهَا فَيُرَجَّحُ جَانِبُهَا؛ وَلِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ مِنْ جِهَتِهَا وَلِهَذَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِ الزِّنَا وَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ مِنْهَا حَتَّى تَرِثَهُ وَيَرِثَهَا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ هُوَ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا حِسًّا وَحُكْمًا حَتَّى يَتَغَذَّى بِغِذَائِهَا وَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ تَبَعًا لَهَا فَكَانَ جَانِبُهَا أَرْجَحَ، وَكَذَا يُعْتَبَرُ جَانِبُ الْأُمِّ فِي الْبَهَائِمِ أَيْضًا حَتَّى إذَا تَوَلَّدَ بَيْنَ الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ أَوْ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ يُؤْكَلُ إذَا كَانَتْ أُمُّهُ مَأْكُولَةً وَتَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِهِ إذَا كَانَتْ أُمُّهُ يَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِهَا وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ هَلْ يَصِيرُ الْوَلَدُ حُرًّا مِنْ زَوْجَيْنِ رَقِيقَيْنِ مِنْ غَيْرِ إعْتَاقٍ وَلَا وَصِيَّةٍ قِيلَ نَعَمْ وَصُورَتُهُ إذَا كَانَ لِلْحُرِّ وَلَدٌ هُوَ عَبْدٌ لِأَجْنَبِيٍّ فَزَوَّجَ الْأَبُ جَارِيَتَهُ مِنْ وَلَدِهِ بِرِضَا مَوْلَاهُ فَوَلَدَتْ الْجَارِيَةُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَأَعْتَقَ الْوَرَثَةُ مَا فِي بَطْنِ الْجَارِيَةِ) كَذَا رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ فَأَعْتَقَ الْوَارِثُ الْأَمَةَ فَهُوَ جَائِزٌ وَوَلَاؤُهَا وَوَلَاءُ مَا فِي بَطْنِهَا لَهُ وَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ مَا فِي بَطْنِهَا يَوْمَ تَلِدُ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا يُعْتَبَرُ جَانِبُ الْأُمِّ فِي الْبَهَائِمِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا مَنْقُوضٌ بِالشَّاةِ إذَا نَزَا عَلَيْهَا كَلْبٌ فَوَلَدَتْ فَإِنَّهُ لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا اهـ.
قُلْتُ: لَكِنْ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ
وَإِنْ يَنْزُ كَلْبٌ فَوْقَ عَنْزٍ فَجَاءَهَا ... نِتَاجٌ لَهُ رَأْسُ الْكِلَابِ فَيُنْظَرُ
فَإِنْ أَكَلَتْ لَحْمًا فَكَلْبٌ جَمِيعُهَا ... وَإِنْ أَكَلَتْ تِبْنًا فَذَا الرَّأْسُ يُبْتَرُ
وَيُؤْكَلُ بَاقِيهَا وَإِنْ أَكَلَتْ لِذَا ... وَذَا فَاضْرِبَنْهَا فَالصِّيَاحُ يُخْبِرُ
وَإِنْ أَشْكَلَتْ فَاذْبَحْ فَإِنْ كِرْشَهَا بَدَا ... فَعَنْزٌ وَإِلَّا فَهْيَ كَلْبٌ فَيُطْمَرُ
قَالَ شَارِحُهَا الشُّرُنْبُلَالِيُّ: الْمَسْأَلَةُ مِنْ الظَّهِيرِيَّةِ كَلْبٌ نَزَا عَلَى عَنْزٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا رَأْسُهُ رَأْسُ كَلْبٍ وَبَاقِيهِ يُشْبِهُ الْعَنْزَ قَالُوا يُقَدَّمُ إلَيْهِ الْعَلَفُ وَاللَّحْمُ فَإِنْ تَنَاوَلَ الْعَلَفَ دُونَ اللَّحْمِ تُرْمَى رَأْسُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَيُؤْكَلُ مَا سِوَاهَا وَإِنْ تَنَاوَلَهُمَا جَمِيعًا يُضْرَبُ فَإِنْ نَبَحَ لَا يُؤْكَلُ وَإِنْ ثَغَى تُرْمَى رَأْسُهُ وَيُؤْكَلُ غَيْرُهَا فَإِنْ ثَغَى وَنَبَحَ ذُبِحَ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ كِرْشٌ أُكِلَ مَا سِوَى الرَّأْسِ وَإِنْ وُجِدَ لَهُ أَمْعَاءُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ كَلْبٌ وَعَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَوْ نَزَا حِمَارٌ عَلَى حِمَارَةٍ وَحْشِيَّةٍ فَوَلَدَتْ تَبِعَ أُمَّهُ فَيُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ لِلْوَلَدِ حُكْمَ أُمِّهِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ وَالْوَلْوالِجِيَّة الِاعْتِبَارُ فِي الْمُتَوَلِّدِ لِلْأُمِّ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْحِلِّ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ فِيهِمَا حَتَّى إذَا نَزَا ظَبْيٌ عَلَى شَاةٍ أَهْلِيَّةٍ فَإِنْ وَلَدَتْ شَاةً تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِهَا وَإِنْ وَلَدَتْ ظَبْيًا لَمْ تَجُزْ، وَلَوْ وَلَدَتْ الرَّمَكَةُ حِمَارًا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يُؤْكَلْ وَفِي الْخُلَاصَةِ
стр. 1421
وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ وَلَدِ الْمَوْلَى، وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْحَمْلِ أَوْ بِالْجَنِينِ بَدَلَ الْوَلَدِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي أَوْصَافِهَا إلَّا الْحَمْلُ، أَمَّا الْوَلَدُ بَعْدَ الْوَضْعِ فَلَا يَتْبَعُهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ الْأُمَّ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَا يَعْتِقُ الْوَلَدُ.
وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُرِّيَّةِ هُنَا الْحُرِّيَّةُ الْأَصْلِيَّةُ، أَمَّا الطَّارِئَةُ فَقَدْ أَفَادَهَا أَوَّلًا بِقَوْلِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَا وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْمُدَبَّرَةُ فِي وَلَدِهَا فَقَالَ الْمَوْلَى وَلَدْتِيهِ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَهُوَ رَقِيقٌ، وَقَالَتْ هِيَ وَلَدْته بَعْدَهُ فَهُوَ مُدَبَّرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى مَعَ يَمِينِهِ عَلَى عِلْمِهِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُدَبَّرَةِ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ التَّدْبِيرِ عِتْقٌ فَقَالَ الْمَوْلَى لِلْمُعْتَقَةِ وَلَدْتِيهِ قَبْلَ الْعِتْقِ وَهُوَ رَقِيقٌ، وَقَالَتْ وَلَدْته بَعْدَ الْعِتْقِ وَهُوَ حُرٌّ يُحَكَّمُ فِيهِ الْحَالُ إنْ كَانَ الْوَلَدُ فِي يَدِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمَوْلَى فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَةِ فَإِنَّهَا فِي يَدِ الْمَوْلَى فَكَذَا وَلَدَهَا. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الدَّعْوَى فِي مَسْأَلَةِ إعْتَاقِهَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ فِي أَيْدِيهِمَا فَكَذَلِكَ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي الْوِلَادَةَ فِي أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَفِيهِ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ، وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَتُهَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمَوْلَى قَامَتْ عَلَى نَفْيِ الْعِتْقِ وَبَيِّنَتَهَا قَامَتْ عَلَى إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ، أَمَّا فِي التَّدْبِيرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى رَقِّ الْوَلَدِ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ الْوَلَدُ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ يُرْجَعُ إلَيْهِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْوَلَدِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْهُمَا اهـ.
وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِعَطْفِ الرِّقِّ عَلَى الْمِلْكِ إلَى الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمِلْكَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ ابْتِدَاءً فَخَرَجَ الْوَلِيُّ وَالْوَصِيُّ وَالْوَكِيلُ، أَمَّا الرِّقُّ فَعَجْزٌ حُكْمِيٌّ عَنْ الْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَمَالِكِيَّةِ الْمَالِ كَائِنٌ عَنْ جَعْلِهِ شَرْعًا عُرْضَةً لِلتَّمَلُّكِ وَالِابْتِذَالِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقُّ الْعَامَّةِ فَقِيلَ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا اسْتَنْكَفُوا عَنْ عِبَادَتِهِ جَعَلَهُمْ اللَّهُ أَرِقَّاءَ لِعِبَادِهِ فَكَانَ سَبَبَ رِقِّهِمْ كُفْرَهُمْ أَوْ كُفْرُ أُصُولِهِمْ، وَقِيلَ بِالثَّانِي لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إلَى نَفْعِهِمْ وَإِقَامَةِ مَصَالِحِهِمْ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُمْ قَالُوا أَوَّلُ مَا يُؤْخَذُ الْمَأْسُورُ يُوصَفُ بِالرِّقِّ وَلَا يُوصَفُ بِالْمِلْكِ إلَّا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَالْمِلْكُ يُوجَدُ فِي الْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ دُونَ الرِّقِّ وَبِالْبَيْعِ يَزُولُ مِلْكُهُ دُونَ الرِّقِّ وَبِالْعِتْقِ يَزُولُ مِلْكُهُ قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ وَيَزُولُ الرِّقُّ ضِمْنًا ضَرُورَةَ فَرَاغِهِ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَيَتَبَيَّنُ لَك الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْقِنِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ فَإِنَّ الْمِلْكَ وَالرِّقَّ كَامِلَانِ فِي الْقِنِّ، وَرِقُّ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ نَاقِصٌ حَتَّى لَا يَجُوزُ عِتْقُهَا عَنْ الْكَفَّارَةِ وَالْمِلْكُ فِيهَا كَامِلٌ حَتَّى جَازَ وَطْءُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةِ، وَالْمُكَاتَبُ رِقُّهُ كَامِلٌ حَتَّى جَازَ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَمِلْكُهُ نَاقِصٌ حَتَّى خَرَجَ مِنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَحَاصِلُهُ أَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ يَعْتَمِدُ كَمَالَهُمَا وَحِلَّ الْوَطْءِ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الْمِلْكِ فَقَطْ وَجَوَازَ الْعِتْقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ يَعْتَمِدُ كَمَالَ الرِّقِّ فَقَطْ وَقَيَّدَ بِالتَّبَعِيَّةِ فِيمَا ذَكِرَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ النَّسَبِ فَإِنَّهُ لِلْأَبِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لِلتَّعْرِيفِ وَحَالُ الرِّجَالِ مَكْشُوفَةٌ دُونَ النِّسَاءِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ هَاشِمِيٌّ أَمَةَ إنْسَانٍ فَأَتَى بِوَلَدٍ فَهُوَ هَاشِمِيٌّ تَبَعًا لِأَبِيهِ رَقِيقٌ تَبَعًا لِأُمِّهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ رَضِيَ بِرِقِّ الْوَلَدِ حَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى تَزَوُّجِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِرِقِّهَا بِخِلَافِ الْمَغْرُورِ فَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ الْأَمَةِ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ فَانْعَلَقَ حُرًّا وَوَجَبَتْ الْقِيمَةُ وَهُوَ مِمَّا يُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ وَالْمِلْكِ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ دَعْوَةِ النَّسَبِ وَلِلِاحْتِرَازِ عَنْ الدِّينِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا؛ لِأَنَّهُ أَنْظَرُ لَهُ.
(قَوْلُهُ: وَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ انْعَلَقَ حُرًّا لِلْقَطْعِ بِأَنَّ إبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلَّا حُرٌّ إلَّا أَنَّهُ يَعْلَقُ مَمْلُوكًا، ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي الْمَبْسُوطِ الْوَلَدُ يَعْلَقُ حُرًّا مِنْ الْمَاءَيْنِ؛ لِأَنَّ مَاءَهُ حُرٌّ وَمَاءُ جَارِيَتِهِ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ بِخِلَافِ ابْنِهِ مِنْ جَارِيَةِ الْغَيْرِ فَإِنَّ مَاءَهَا مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ فَتَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُهَا بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهَا بِيَقِينٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
ــ
[منحة الخالق]
فِي الْأُضْحِيَّةِ الْمُتَوَلِّدَةِ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالشَّاةِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَا يَجُوزُ وَقَالَ الْإِمَامُ الْجُرْجَانِيِّ إنْ كَانَ يُشْبِهُ الْأُمَّ يَجُوزُ اهـ.
стр. 1422
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ وَفِي آخِرِ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قَدْ يَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا مِنْ زَوْجَيْنِ رَقِيقَيْنِ بِلَا تَحْرِيرٍ وَوَصِيَّةٍ وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ لِلْحُرِّ وَلَدٌ وَهُوَ قِنٌّ لِأَجْنَبِيٍّ فَزَوَّجَ الْأَبُ أَمَتَهُ مِنْ وَلَدِهِ بِرِضَا مَوْلَاهُ فَوَلَدَتْ الْأَمَةُ وَلَدًا فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ وَلَدِ الْمَوْلَى اهـ.
فَعَلَى هَذَا وَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا أَوْ ابْنِ سَيِّدِهَا أَوْ أَبَى سَيِّدِهَا حُرٌّ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَيْضًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْعَبْدِ يَعْتِقُ بَعْضُهُ)
لَا شَكَّ فِي كَثْرَةِ وُقُوعِ عِتْقِ الْكُلِّ وَنُدْرَةِ عِتْقِ الْبَعْضِ وَفِي أَنَّ مَا كَثُرَ وُجُودُهُ فَالْحَاجَةُ إلَى بَيَانِ أَحْكَامِهِ أَمَسُّ مِنْهَا إلَى مَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ وَأَنَّ دَفْعَ الْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ تُقَدَّمُ عَلَى النَّادِرَةِ فَلِذَا أُخِّرَ هَذَا عَمَّا قَبْلَهُ.
(قَوْلُهُ: مَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ لَمْ يَعْتِقْ كُلُّهُ وَسَعَى فِيمَا بَقِيَ وَهُوَ كَالْمُكَاتَبِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يَعْتِقُ كُلُّهُ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَذَهَبَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَكَثِيرٌ إلَى أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا أَعْتَقَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ وَأَقَامَ الدَّلِيلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمُرَادُ مِنْ تَجَزُّؤِ الْإِعْتَاقِ وَالْمِلْكِ أَنْ يَتَجَزَّأَ الْمَحَلُّ فِي قَبُولِ حُكْمِ الْإِعْتَاقِ وَهُوَ زَوَالُ الْمِلْكِ بِأَنْ يَزُولَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ وَأَنْ يَتَجَزَّأَ الْمَحَلُّ فِي قَبُولِ حُكْمِ الْمِلْكِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ مَمْلُوكًا لِوَاحِدٍ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ لِآخَرَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ ذَاتَ الْإِعْتَاقِ أَوْ ذَاتَ الْمِلْكِ تَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ فِي تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَوَارَدُوا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي التَّجَزُّؤ وَعَدَمِهِ فَإِنَّ الْقَائِلَ الْعِتْقُ أَوْ الْإِعْتَاقُ يَتَجَزَّأُ لَمْ يُرِدْهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي يُرِيدُ بِهِ قَائِلُ إنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ زَوَالُ الرِّقِّ أَوْ إزَالَتُهُ إذْ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي عَدَمِ تَجَزُّئِهِ، بَلْ زَوَالَ الْمِلْكِ وَإِزَالَتِهِ وَلَا خِلَافَ فِي تَجَزُّئِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ اُخْتُلِفَ فِي تَجَزُّؤِ الْعِتْقِ وَعَدَمِهِ وَلَا الْإِعْتَاقِ، بَلْ الْخِلَافُ فِي التَّحْقِيقِ لَيْسَ إلَّا فِيمَا يُوجِبُهُ الْإِعْتَاقُ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ فَعِنْدَهُ زَوَالُ الْمِلْكِ وَيَتْبَعُهُ زَوَالُ الرِّقِّ فَلَزِمَ تَجَزُّؤُ مُوجِبِهِ غَيْرَ أَنَّ زَوَالَ الرِّقِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا عِنْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْكُلِّ شَرْعًا كَحُكْمِ الْحَدَثِ لَا يَزُولُ إلَّا عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ الْأَعْضَاءِ وَغَسْلُهَا مُتَجَزِّئٌ.
وَهَذَا لِضَرُورَةِ أَنَّ الْعِتْقَ قُوَّةٌ شَرْعِيَّةٌ هِيَ قُدْرَةٌ عَلَى تَصَرُّفَاتٍ شَرْعِيَّةٍ وَلَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ هَذِهِ فِي بَعْضِهِ شَائِعًا فَقَطَعَ بِعَدَمِ تَجَزُّئِهِ وَالْمِلْكُ مُتَجَزِّئٌ قَطْعًا فَلَزِمَ مَا قُلْنَا مِنْ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْبَعْضِ وَتَوَقُّفِ زَوَالِ الرِّقِّ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْبَاقِي وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَامَ الدَّلِيلُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى أَنَّ الثَّابِتَ بِهِ أَوَّلًا زَوَالُ الْمِلْكِ أَوْ الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَالْوَجْهُ مُنْتَهَضٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ يَقْتَصِرُ عَلَى حَقِّهِ، وَحَقُّهُ الْمِلْكُ، أَمَّا الرِّقُّ فَحَقُّ اللَّهِ أَوْ حَقُّ الْعَامَّةِ، أَمَّا السَّمْعُ فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «مِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عِدْلٍ» فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ إلَى آخِرِهِ، وَقَدْ أَطَالَ ﵀ إطَالَةً حَسَنَةً هُنَا كَمَا هُوَ دَأْبُهُ وَلَسْنَا بِصَدَدِ الدَّلَائِلِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ الْعِتْقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنَى زَوَالِ الْمِلْكِ أَوْ زَوَالِ الرِّقِّ وَأَنَّ الرِّقَّ يَتَجَزَّأُ ثُبُوتًا وَزَوَالًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا ظَهَرَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْكَفَرَةِ وَضَرَبَ الرِّقَّ عَلَى أَنْصَافِهِمْ وَمَنَّ عَلَى الْأَنْصَافِ جَازَ وَيَكُونُ حُكْمُهُمْ وَحُكْمُ مُعْتَقِ الْبَعْضِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ سَوَاءً اهـ.
وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا قَرَّرَهُ الْمُحَقِّقُ وَوَفَّقَ فِي الْمُجْتَبَى بَيْنَ عِبَارَاتِ الْمَشَايِخِ فَمَنْ قَالَ إنَّ الْعِتْقَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ لَا يُرِيدُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْقُطُ مِلْكُ الْمُعْتَقِ عَنْ الشِّقْصِ الَّذِي أَضَافَ إلَيْهِ الْعِتْقَ وَيَبْقَى الْمِلْكُ فِي الْبَاقِي فَإِنْ قُلْتُ: إذَا سَقَطَ مِلْكُهُ عَنْ الشِّقْصِ الْمُعْتَقِ يَصِيرُ حُرًّا كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ قُلْتُ: هَذَا يُشْكِلُ بِالْمُكَاتَبِ إذَا مَاتَ مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْمِلْكُ وَلَا يَصِيرُ حُرًّا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَقَدَّمْنَاهُ أَيْضًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ) أَيْ قَدَّمَ مَا نَقَلَهُ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَقَدَّمَ ذَلِكَ قَبْلَ وَرَقَةٍ.
[بَابُ الْعَبْدِ يَعْتِقُ بَعْضُهُ]
стр. 1423
كَسَائِرِ الْأَحْرَارِ وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَنَا أَرَادَ أَنَّ خُرُوجَهُ عَنْ كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ وَالتَّمَلُّكُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِرْثِ لَا يَتَجَزَّأُ وَأَنَّهُ عِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ وَذِكْرُ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةُ اللَّازِمِ جَائِزٌ وَخُرُوجُهُ عَنْ مَحَلِّيَّةِ التَّمْلِيكِ وَالْمِلْكِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا لَكِنْ عِنْدَهُمَا بِزَوَالِ الرِّقِّ أَصْلًا، وَعِنْدَهُ بِسُقُوطِ الْمِلْكِ عَنْ الشِّقْصِ الْمُعْتَقِ وَفَسَادِهِ فِي الْبَاقِي هَذَا مَا تَضَمَّنَهُ شُرُوحُ الْأَسْلَافِ وَالْأَخْلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ عَتَقَ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ أَيْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَبَقِيَ الرِّقُّ فِيهِ بِتَمَامِهِ.
وَإِذَا لَزِمَ شَرْعًا أَنْ لَا يَبْقَى فِي الرِّقِّ لَزِمَ أَنْ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي بَاقِي قِيمَتِهِ لِاحْتِبَاسِ مَالِيَّةِ الْبَاقِي عِنْدَهُ وَمَا لَمْ يُؤَدِّ السِّعَايَةَ فَهُوَ كَالْمُكَاتَبِ حَيْثُ يَتَوَقَّفُ عِتْقُ كُلِّهِ عَلَى أَدَاءِ الْبَدَلِ وَكَوْنُهُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَلَا يَدَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ وَلَا اسْتِخْدَامَ وَكَوْنُهُ رَقِيقًا كُلَّهُ إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ لَا يُرَدُّ إلَى الِاسْتِخْدَامِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُسْتَسْعَى زَوَالُ الْمِلْكِ عَنْ بَعْضِهِ لَا إلَى مَالِكٍ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ بِهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمَالُ ضَرُورَةَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ تَضْمِينُهُ قَهْرًا بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ عِتْقَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْتِزَامِهِ بِعَقْدٍ بِاخْتِيَارِهِ يُقَالُ وَيُفْسَخُ بِتَعْجِيزِهِ نَفْسِهِ، وَقَدْ ذَكَرُوا مَسْأَلَةً فِي الْجِنَايَاتِ يُخَالِفُ مُعْتَقُ الْبَعْضِ فِيهَا الْمُكَاتَبَ أَيْضًا هِيَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا قُتِلَ عَمْدًا وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً وَلَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْمَوْلَى يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا لِانْفِسَاخِ الْمُكَاتَبَةِ بِمَوْتِهِ عَاجِزًا بِخِلَافِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ إذَا قُتِلَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً حَيْثُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْبَعْضِ لَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ عَاجِزًا وَذَكَرُوا فِي الْبُيُوعِ كَمَا فِي الْحَقَائِقِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَمُعْتَقِ الْبَعْضِ فِي بَيْعِهِمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ فَيَبْطُلُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ كِتَابَةَ مُعْتَقِ الْبَعْضِ لَا تَقْبَلُ الْفَسْخَ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ فَهِيَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ يُخَالِفُ فِيهَا مُعْتَقُ الْبَعْضِ الْمُكَاتَبَ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرُوهَا نَصًّا؛ لِأَنَّهُمَا أَثَرَانِ لِعَدَمِ قَبُولِ الْفَسْخِ كَمَا لَا يَخْفَى وَأُطْلِقَ فِي الْبَعْضِ فَشَمِلَ الْمُعَيَّنَ وَالْمُبْهَمَ وَلَزِمَهُ بَيَانُهُ وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ الِاسْتِسْعَاءُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ وَيَأْخُذَ قِيمَةَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجْرِهِ قَالُوا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ التَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فَلِشَرِيكِهِ أَنْ يُحَرِّرَ أَوْ يَسْتَسْعِيَ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا أَوْ يَضْمَنُ لَوْ مُوسِرًا وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْوَلَاءُ لَهُ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَيْسَ لَهُ إلَّا الضَّمَانُ مَعَ الْيَسَارِ وَالسِّعَايَةُ مَعَ الْإِعْسَارِ وَلَا يَرْجِعُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا تَجَزُّؤُ الْإِعْتَاقِ وَعَدَمُهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَالثَّانِي أَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَمْنَعُ لَهُمَا فِي الثَّانِي قَوْلُهُ ﵇ فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ إنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا سَعَى فِي حِصَّةِ الْآخَرِ قَسْمٌ وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ وَلَهُ أَنَّهُ إنْ اُحْتُبِسَتْ مَالِيَّةُ نَصِيبِهِ عِنْدَ الْعَبْدِ فَلَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ كَمَا إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ بِثَوْبِ إنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي صِبْغِ غَيْرِهِ حَتَّى انْصَبَغَ بِهِ فَعَلَى صَاحِبِ الثَّوْبِ قِيمَةُ صِبْغِ الْآخَرِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا لِمَا قُلْنَا فَكَذَا هُنَا إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ فَقِيرٌ فَيَسْتَسْعِيهِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلشَّرِيكِ السَّاكِتِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْبَاقِي إذْ الْإِعْتَاقُ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ لَهُ الْإِعْتَاقَ وَالِاسْتِسْعَاءَ وَالتَّضْمِينَ وَزَادَ عَلَيْهِ فِي التُّحْفَةِ خِيَارَيْنِ آخَرَيْنِ التَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ وَإِنَّمَا تَرَكَهُمَا الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الِاسْتِسْعَاءِ، وَلَوْ عَجَزَ اسْتَسْعَى، وَلَوْ امْتَنَعَ الْعَبْدُ مِنْ السِّعَايَةِ يُؤَاجِرُهُ جَبْرًا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ فِي مَعْنَى الِاسْتِسْعَاءِ أَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ النَّقْدَيْنِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ السِّعَايَةَ عَلَى قِيمَتِهِ فَلَا يَجُوزُ الْأَكْثَرُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ صَالَحَهُ عَلَى عَرْضٍ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ جَازَ.
وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى حَيَوَانٍ جَازَتْ، أَمَّا التَّدْبِيرُ فَفِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ فَإِنْ اخْتَارَ التَّدْبِيرَ فَدَبَّرَ نَصِيبَهُ صَارَ نَصِيبُهُ مُدَبَّرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ فَيَحْتَمِلُ التَّخْرِيجَ إلَى الْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرُ تَخْرِيجٌ لَهُ إلَى الْعِتْقِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1424
إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ لِيَعْتِقَ بَعْدَ الْمَوْتِ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ لِلْحَالِ فَيُؤَدِّي فَيَعْتِقُ؛ لِأَنَّ تَدْبِيرَهُ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلسِّعَايَةِ. اهـ. فَلَمَّا كَانَ التَّدْبِيرُ وَالْكِتَابَةُ رَاجِعَيْنِ إلَى السِّعَايَةِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا الْمُصَنِّفُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْكَمَالِ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُمَا حَيْثُ يَرْجِعَانِ إلَيْهَا قُلْتُ: بَلْ لَهُمَا فَائِدَةٌ أَمَّا فِي التَّدْبِيرِ فَلِأَنَّ الشَّرِيكَ الْمُدَبَّرَ إذَا مَاتَ عَتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ بِسَبَبِ التَّدْبِيرِ وَسَقَطَتْ عَنْهُ السِّعَايَةُ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَلَوْلَا التَّدْبِيرُ لَسَعَى لِلْوَرَثَةِ كَالْمُكَاتَبِ، أَمَّا فِي الْكِتَابَةِ فَلِأَنَّ فَائِدَتَهَا تَعْيِينُ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا الْكِتَابَةُ لَاحْتِيجَ إلَى تَقْوِيمِهِ وَإِيجَابِ نِصْفِ الْقِيمَةِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْقَضَاءِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فِي الْمِقْدَارِ وَلَا يَدُلُّ عَدَمُ جَوَازِ الْكِتَابَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ زِيَادَةً فَاحِشَةً عَلَى أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي صُلْحِ السَّاكِتِ مَعَ الشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَلَوْ صَالَحَ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ الْعَبْدَ الْمُعْتَقَ عَلَى مَالٍ فَإِنَّ هَذَا لَا يَخْلُو مِنْ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْمُكَاتَبَةِ فَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ عَلَى نِصْفِ قِيمَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَا إذَا كَانَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَكَذَا إذَا صَالَحَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَالْفَضْلُ بَاطِلٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ رِبًا. اهـ.
فَالْحَقُّ أَنَّ الْخِيَارَاتِ خَمْسَةٌ كَمَا هُوَ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهَا وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْرِيرِ الشَّرِيكِ فَشَمِلَ الْعِتْقَ مُنَجَّزًا وَمُضَافًا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي إذَا أَضَافَهُ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُ إضَافَتُهُ إلَى زَمَانٍ طَوِيلٍ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّدْبِيرِ مَعْنًى، وَلَوْ دَبَّرَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي الْحَالِ فَيَعْتِقُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَى مُدَّةٍ تُشَاكِلُ مُدَّةَ الِاسْتِسْعَاءِ. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ خِيَارُ التَّرْكِ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مَعَ ثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ فِي جُزْءٍ مِنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَخْرِيجِهِ إلَى الْعِتْقِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ اخْتَارَ وَاحِدًا مِمَّا ذُكِرَ تَعَيَّنَ فَإِنْ اخْتَارَ الِاسْتِسْعَاءَ، فَلَيْسَ لَهُ التَّضْمِينُ وَعَكْسُهُ نَعَمْ إذَا اخْتَارَ الِاسْتِسْعَاءَ فَلَهُ الْإِعْتَاقُ وَإِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّاكِتِ أَنْ يَخْتَارَ التَّضْمِينَ فِي الْبَعْضِ وَالسِّعَايَةَ فِي الْبَعْضِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَأَطْلَقَ فِي تَضْمِينِ الْمُوسِرِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ الْإِعْتَاقُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الِاسْتِسْعَاءُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ لَا إتْلَافٍ وَلِذَا كَانَ كُلُّ الْوَلَاءِ لَهُ وَضَمَانُ التَّمَلُّكِ لَا يَسْقُطُ بِالرِّضَا وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ ضَمَانَ الْإِعْتَاقِ ضَمَانُ إتْلَافٍ.
وَلِذَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَإِنَّمَا مَلَكَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ بِمُقْتَضَى الْإِعْتَاقِ تَصْحِيحًا لَهُ لَا قَصْدًا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ وُضِعَ لِإِبْطَالِ الْمِلْكِ فَثُبُوتُ الْمِلْكِ بِمَا وُضِعَ لِإِبْطَالِهِ يَكُونُ تَنَاقُضًا وَالْمُقْتَضِي تَبَعٌ لِلْمُقْتَضَى فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُقْتَضِي وَالْمُقْتَضَى وَهُوَ الْإِعْتَاقُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ مَعَ الرِّضَا فَلِذَا تَبِعَهُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَانَ السَّاكِتُ جَمَاعَةً فَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ السِّعَايَةَ وَبَعْضُهُمْ الضَّمَانَ فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ مَا اخْتَارَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْيَسَارِ هُنَا فَفِي الْهِدَايَةِ ثَمَّ الْمُعْتَبَرُ يَسَارُ التَّيْسِيرِ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ مِنْ الْمَالِ قَدْرَ نَصِيبِ الْآخَرِ لَا يَسَارَ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّ بِهِ يُقَيَّدُ لَهُ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِتَحْقِيقِ مَا قَصَدَهُ الْمُعْتِقُ مِنْ الْقُرْبَةِ وَإِيصَالِ بَدَلِ حَقِّ السَّاكِتِ إلَيْهِ وَجَعَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ قَالَ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ اسْتَثْنَى الْكَفَافَ وَهُوَ الْمَنْزِلُ وَالْخَادِمُ وَثِيَابُ الْبَدَنِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْكَفَافِ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ: ثُمَّ حَدُّ الْيَسَارِ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ مَالِكًا لِمِقْدَارِ قِيمَةِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ سِوَى مَلْبُوسِهِ وَقُوتِ يَوْمِهِ لَا مَا يُعْتَبَرُ فِي حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ فِي الضَّمَانِ وَالسِّعَايَةِ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الضَّمَانِ كَالْغَصْبِ، وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ يَسَارُ الْمُعْتِقِ وَإِعْسَارُهُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَعْسَرَ لَا يَبْطُلُ حَقُّ التَّضْمِينِ، وَلَوْ أَعْتَقَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَثْبُتُ لِشَرِيكِهِ حَقُّ التَّضْمِينِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَالْحَقُّ أَنَّ الْخِيَارَاتِ خَمْسَةٌ) بَلْ سِتَّةٌ بِزِيَادَةِ الصُّلْحِ الْمَذْكُورِ عَنْ الْبَدَائِعِ آنِفًا
стр. 1425
لِأَنَّ الضَّمَانَ مَتَى تَعَيَّنَ عَلَى الْمُعْتِقِ أَوْ السِّعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ شَرْعًا بَرِئَ الْآخَرُ عَنْ الضَّمَانِ وَلَا يَعُودُ إلَيْهِ أَبَدًا كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ إذَا تَعَيَّنَ الضَّمَانُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِاخْتِيَارِ الْمَالِكِ بَرِئَ الْآخَرُ عَنْهُ فَكَذَا هَذَا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْعِتْقِ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا يُقَوَّمُ الْعَبْدُ لِلْحَالِ.
؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ قِيمَتِهِ لِلْحَالِ بِالْعِيَانِ وَرَفْعُ اخْتِلَافِهِمَا بِالْبَيَانِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ هَالِكًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ قِيمَتِهِ بِالْعِيَانِ؛ لِأَنَّ أَوْصَافَهُ تَتَغَيَّرُ بِالْمَوْتِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالسَّاكِتُ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَالْمُعْتِقُ يُنْكِرُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ سَابِقٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا أَوْ هَالِكًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ الْعَجْزُ عَنْ مَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الشَّيْءِ قَدْ تَزْدَادُ وَقَدْ تَنْقُصُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُعْتِقِ لِإِنْكَارِ الزِّيَادَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْوَقْتِ وَالْقِيمَةِ فَقَالَ الْمُعْتِقُ أَعْتَقْته يَوْمَ كَذَا وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَقَالَ السَّاكِتُ أَعْتَقْته لِلْحَالِ وَقِيمَتُهُ مِائَتَانِ يُحْكَمُ بِالْعِتْقِ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ أَمْرٌ حَادِثٌ وَالْأَصْلُ فِي الْحَوَادِثِ أَنْ يُحْكَمَ بِحُدُوثِهَا حَالَ ظُهُورِهَا فَمَنْ ادَّعَى الْحُدُوثَ حَالَةَ الظُّهُورِ فَهُوَ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ فَكَانَ الْعِتْقُ ثَبَتَ بِتَصَادُقِهِمَا لِلْحَالِ فَيُقَوَّمُ الْعَبْدُ إنْ كَانَ قَائِمًا وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُعْتِقِ فِي قِيمَتِهِ إنْ كَانَ هَالِكًا، وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ لَوْ اخْتَلَفَ السَّاكِتُ وَالْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي يَسَارِ الْمُعْتِقِ وَإِعْسَارِهِ وَالْعِتْقُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْخُصُومَةِ إنْ كَانَتْ مُدَّةٌ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْيَسَارُ وَالْإِعْسَارُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْيَسَارَ وَشَغْلَ ذِمَّتِهِ بِالضَّمَانِ وَإِنْ كَانَ لَا يَخْتَلِفُ يُعْتَبَرُ لِلْحَالِ فَإِنْ عُلِمَ يَسَارُ الْمُعْتِقِ لِلْحَالِ فَلَا مَعْنَى لِلِاخْتِلَافِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَالْقَوْلُ لِلْمُعْتِقِ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الشَّرِيكُ شَيْئًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ مَاتَ الْعَبْدُ أَوْ الْمُعْتِقُ أَوْ السَّاكِتُ.
فَإِنْ مَاتَ الْعَبْدُ ضَمِنَ الْمُعْتِقُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ إتْلَافٍ شُرِعَ لِجَبْرِ الْفَائِتِ فَلَا يَسْقُطُ بِهَلَاكِ مَحَلِّ التَّلَفِ كَمَا لَوْ هَلَكَ الْمَغْصُوبُ وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ وَإِنْ كَانَ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ الْمُعْتِقُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَ السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ فَصَارَ مُكَاتَبًا لَهُ وَهَلْ لِلسَّاكِتِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تَرِكَةِ الْعَبْدِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ إذَا لَمْ يَضْمَنْ الْمُعْتِقُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ كَالْمُكَاتَبِ، وَقَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ وَالْعِتْقُ فِي صِحَّتِهِ يُؤْخَذُ الضَّمَانُ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِهِ فَعِنْدَهُمَا لَا يَجِبُ شَيْءٌ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي مَالِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُسْتَوْفَى مِنْ مَالِهِ، أَمَّا إذَا مَاتَ السَّاكِتُ فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَخْتَارُوا الْإِعْتَاقَ أَوْ الضَّمَانَ أَوْ السِّعَايَةَ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ مُوَرِّثِهِمْ فَإِذَا اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْعِتْقَ وَبَعْضُهُمْ الضَّمَانَ فَلَهُمْ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ وَصَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَمَعْنَى قَوْلِهِ لِوَرَثَتِهِ الْإِعْتَاقُ الْإِبْرَاءُ لَا حَقِيقَةُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ وَلَا تُورَثُ رَقَبَةُ الْمُكَاتَبِ بِمَوْتِ مَوْلَاهُ وَإِنَّمَا يُورَثُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ لَكِنْ لَهُمْ الْإِبْرَاءُ عَنْ السِّعَايَةِ كَذَا هَذَا اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ إلَى أَنَّ السَّاكِتَ لَوْ مَلَكَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُعْتِقِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ عِنْدَهُ حُرٌّ مَدْيُونٌ عِنْدَهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا ضَمِنَ الْمُعْتِقُ نَصِيبَ السَّاكِتِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالضَّمَانِ ضَرُورَةً.
قَالَ قَاضِي خَانْ فِي جَامِعِهِ، وَإِذَا ضَمِنَ الْمُعْتِقُ وَأَدَّى الضَّمَانَ مَلَكَ نَصِيبَ السَّاكِتِ فَيُخَيَّرُ فِي نَصِيبِ السَّاكِتِ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْكُلُّ لَهُ فَأَعْتَقَ بَعْضَهُ. اهـ.
وَلِذَا كَانَ الْوَلَاءُ كُلُّهُ لَهُ وَإِنَّمَا رَجَعَ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا ضَمِنَ لِقِيَامِهِ مَقَامَ السَّاكِتِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَقَدْ كَانَ لِلسَّاكِتِ الِاسْتِسْعَاءُ فَكَذَا لِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُسْتَسْعَى لَا رُجُوعَ لَهُ بِمَا أَدَّى عَلَى الْمُعْتِقِ بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ أَدَّى لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ إذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ الْمُعْسِرُ حَيْثُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْتِقِ إذَا قَدَرَ عَلَى دَفْعِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1426
الْقِيمَةِ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ يَسْعَى فِي فَكِّ رَقَبَةٍ قَدْ فُكَّتْ أَوْ يَقْضِي دَيْنًا عَلَى الرَّاهِنِ وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهُ وَلِلثَّانِي ثُلُثُهُ وَلِلثَّالِثِ سُدُسُهُ فَأَعْتَقَهُ صَاحِبُ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ يَضْمَنَانِ السُّدُسَ نِصْفَيْنِ وَالْوَلَاءُ لِلْأَوَّلِ فِي النِّصْفِ وَفِيمَا ضَمِنَ مِنْ نِصْفِ السُّدُسِ وَلِلثَّانِي فِي ثُلُثِهِ وَفِيمَا ضَمِنَ مِنْ نِصْفِ السُّدُسِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الشَّرِيكِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْإِعْتَاقُ فَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ صَبِيًّا يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ أَوْ وَصِيٌّ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَحَدُهُمَا فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمِنَ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى أَوْ كَاتَبَ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ نَقْلِ الْمِلْكِ فَصَارَ كَالْبَيْعِ وَاخْتِيَارُ السِّعَايَةِ كَالْكِتَابَةِ وَلِلْوَلِيِّ وِلَايَةُ بَيْعِ مَالِ الصَّبِيِّ وَكِتَابَةُ عَبْدِهِ وَلِلْقَاضِي أَنْ يُنَصِّبَ وَصِيًّا لِيَخْتَارَ أَحَدَهُمَا وَلَيْسَ لَهُمَا اخْتِيَارُ الْإِعْتَاقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالْجُنُونُ كَالصِّبَى كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَإِنْ كَانَ الشَّرِيكُ عَبْدًا مَأْذُونًا فَإِنْ كَانَ مَدْيُونًا فَلَهُ اخْتِيَارُ التَّضْمِينِ وَالِاسْتِسْعَاءِ، وَإِذَا اسْتَسْعَى فَالْوَلَاءُ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالْخِيَارَاتُ الْخَمْسَةُ ثَابِتَةٌ لِلْمَوْلَى إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِلَّا فَالْأَرْبَعُ وَالْمُكَاتَبُ كَالْمَأْذُونِ وَالْمَدْيُونِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ شَهِدَ كُلٌّ بِعِتْقِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ سَعَى لَهُمَا) أَيْ لَوْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّ شَرِيكَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَ نَفْسِهِ سَعَى الْعَبْدُ لَهُمَا فِي قِيمَتِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُوسِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فَصَارَ مُكَاتَبًا فِي زَعْمِهِ عِنْدَهُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِرْقَاقُ فَيُصَدَّقُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَيُمْنَعُ مِنْ اسْتِرْقَاقِهِ وَيَسْتَسْعِيهِ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِحَقِّ الِاسْتِسْعَاءِ كَاذِبًا كَانَ أَوْ صَادِقًا؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبُهُ أَوْ مَمْلُوكُهُ فَلِهَذَا يَسْتَسْعِيَانِهِ وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْحَالَيْنِ فِي أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ التَّضْمِينُ لِإِنْكَارِ الشَّرِيكِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ وَهُوَ السِّعَايَةُ وَالْوَلَاءُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُولُ عَتَقَ نَصِيبُ صَاحِبِي عَلَيْهِ بِإِعْتَاقِهِ وَوَلَاؤُهُ لَهُ وَعَتَقَ نَصِيبِي بِالسِّعَايَةِ وَوَلَاؤُهُ لِي وَهُوَ عَبْدٌ مَا دَامَ يَسْعَى لَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ، وَقَالَا إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَبَرَّأُ عَنْ سِعَايَتِهِ بِدَعْوَى الضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُمَا إلَّا أَنَّ الدَّعْوَى لَمْ تَثْبُتْ لِإِنْكَارِ الْآخَرِ وَالْبَرَاءَةُ قَدْ ثَبَتَتْ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ سَعَى لَهُمَا.
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي السِّعَايَةَ عَلَيْهِ صَادِقًا كَانَ أَوْ كَاذِبًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ إذْ الْمُعْتِقُ مُعْسِرٌ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا سَعَى لِلْمُوسِرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ لِإِعْسَارِهِ وَإِنَّمَا يَدَّعِي عَلَيْهِ السِّعَايَةَ فَلَا يَبْرَأُ عَنْهُ وَلَا يَسْعَى لِلْمُعْسِرِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ لِيَسَارِهِ فَيَكُونُ مُبَرِّئًا لِلْعَبْدِ عَنْ السِّعَايَةِ وَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحِيلُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَتَبَرَّأُ عَنْهُ فَيَبْقَى مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إعْتَاقِ أَحَدِهِمَا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَّفِقَا وَجَبَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَيْتُ الْمَالِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ تَحْلِيفَ كُلٍّ مِنْهُمَا هُنَا وَذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى فَقَالَ وَالسِّعَايَةُ لَهُمَا بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ بِأَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ أَوْجَهُ فَيَجِبُ فِي الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ لُزُومُ اسْتِسْعَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْعَبْدِ أَنَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَرَافَعَا إلَى قَاضٍ بَلْ خَاطَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ إنَّك أَعْتَقْت نَصِيبَك وَهُوَ يُنْكِرُ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَ حُكْمُهَا إلَّا الِاسْتِسْعَاءُ إذْ لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا التَّضْمِينَ أَوْ أَرَادَاهُ وَنَصِيبُهُمَا مُتَفَاوِتٌ فَتَرَافَعَا أَوْ رَفَعَهُمَا ذُو حِسْبَةٍ فِيمَا لَوْ اسْتَرَقَّاهُ بَعْدَ قَوْلِهِمَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَوْ سَأَلَهُمَا فَأَجَابَا بِالْإِنْكَارِ فَحَلَفَا لَا يُسْتَرَقُّ؛ لِأَنَّ كُلًّا يَقُولُ إنَّ صَاحِبَهُ حَلَفَ كَاذِبًا وَاعْتِقَادُهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَحْرُمُ اسْتِرْقَاقُهُ وَلِكُلٍّ اسْتِسْعَاؤُهُ.
وَلَوْ اعْتَرَفَا أَنَّهُمَا أَعْتَقَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ وَجَبَ أَنْ لَا يُضَمِّنَ كُلٌّ الْآخَرَ إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ وَلَا يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ مِنْ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1427
جِهَتِهِمَا، وَلَوْ اعْتَرَفَ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَإِنَّ الْمُنْكِرَ يَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّ فِيهِ فَائِدَةً فَإِنَّهُ إنْ نَكَلَ صَارَ مُعْتَرِفًا أَوْ بَاذِلًا وَصَارَا مُعْتَرِفَيْنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ سِعَايَةٌ كَمَا قُلْنَا اهـ.
وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ بِشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ إذْ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُ الشَّاهِدِ وَلَا يَضْمَنُ لِصَاحِبِهِ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ بَيْنَهُمَا مُوسِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُعْسِرَيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُوسِرًا فَلَا سِعَايَةَ لِلشَّاهِدِ عَلَى الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَهُ السِّعَايَةُ عَلَيْهِ وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَّقَ أَحَدُهُمَا عِتْقَهُ بِفِعْلِ فُلَانٍ غَدًا وَعَكَسَ الْآخَرُ وَمَضَى وَلَمْ يَدْرِ عَتَقَ نِصْفُهُ وَسَعَى فِي نِصْفٍ لَهُمَا) أَيْ لَوْ عَلَّقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عِتْقَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بِفِعْلِ زَيْدٍ غَدًا كَأَنْ قَالَ إنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ غَدًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَعَكَسَ الشَّرِيكُ الْآخَرُ بِأَنْ قَالَ مَثَلًا إنْ لَمْ يَدْخُلْ زَيْدٌ الدَّارَ غَدًا فَأَنْتَ حُرٌّ وَمَضَى الْغَدُ وَلَمْ يُعْلَمْ دُخُولُهُ أَوْ عَدَمُهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ نِصْفُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ سِعَايَةٍ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِلشَّرِيكَيْنِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِسُقُوطِ السِّعَايَةِ مَجْهُولٌ وَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَجْهُولِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ لَك عَلَى أَحَدِنَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى بِشَيْءٍ لِلْجَهَالَةِ كَذَا هَذَا وَلَهُمَا أَنَّا تَيَقَّنَّا بِسُقُوطِ نِصْفِ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حَانِثٌ بِيَقِينٍ وَمَعَ التَّيَقُّنِ بِسُقُوطِ النِّصْفِ كَيْفَ يُقْضَى بِوُجُوبِ الْكُلِّ وَالْجَهَالَةُ تَرْتَفِعُ بِالشُّيُوعِ وَالتَّوْزِيعِ كَمَا إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ لَا بِعَيْنِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ وَنَسِيَهُ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ أَوْ الذِّكْرِ وَيَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْيَسَارَ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ أَوْ لَا يَمْنَعُهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي سَبَقَ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بِفِعْلِ فُلَانٍ فِي وَقْتٍ وَعَكَسَ الْآخَرُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَكَانَ أَوْلَى إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَدِ وَالْيَوْمِ وَالْأَمْسِ صَرَّحَ بِالْيَوْمِ فِي الْمُحِيطِ وَبِالْأَمْسِ فِي الْبَدَائِعِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي سِعَايَةِ النِّصْفِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ أَوْ مُعْسِرَيْنِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِكُلٍّ إلَى آخِرِ النَّهَارِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ بِعِتْقِ عَبْدِهِ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ مَجْهُولٌ، وَكَذَا الْمَقْضِيُّ لَهُ فَتَفَاحَشَتْ الْجَهَالَةُ فَامْتَنَعَ الْقَضَاءُ وَفِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَالْمَقْضِيِّ بِهِ مَعْلُومٌ فَغَلَبَ الْمَعْلُومُ الْمَجْهُولَ، قَيَّدَ بِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ عَبْدٌ تَامٌّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَبْدَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا لِأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ أَنْتَ حُرٌّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ، وَقَالَ الْآخَرُ لِلْعَبْدِ الْآخَرِ إنْ دَخَلَ فُلَانٌ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَضَى الْيَوْمُ وَتَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ قَالَ أَبُو يُوسُفَ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبْعُهُ وَيَسْعَى فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ قِيمَتِهِ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ نِصْفَيْنِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَبَيَانُ كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي الْبَدَائِعِ قَالَ: وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ زَعَمَ أَحَدُهُمَا أَنَّ صَاحِبَهُ أَعْتَقَهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَأَنَّهُ هُوَ أَعْتَقَهُ الْيَوْمَ، وَقَالَ شَرِيكُهُ لَمْ أُعْتِقْهُ، وَقَدْ أَعْتَقْته أَنْت الْيَوْمَ فَاضْمَنْ لِي نِصْفَ الْقِيمَةِ لِعِتْقِك فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي زَعَمَ أَنَّ صَاحِبَهُ أَعْتَقَهُ مُنْذُ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا أَعْتَقْته الْيَوْمَ لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ، بَلْ هُوَ إقْرَارٌ بِالْعِتْقِ وَأَنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ إقْرَارِهِ عَلَى شَرِيكِهِ بِالْعِتْقِ فَلَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْتَقَهُ صَاحِبِي مُنْذُ سَنَةٍ وَأَعْتَقْته أَنَا أَمْسِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِإِعْتَاقِ نَفْسِهِ لَكِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَمْسِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِشَرِيكِهِ لِظُهُورِ الْإِعْتَاقِ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ فَدَعْوَاهُ عَلَى شَرِيكِهِ الْعِتْقَ الْمُتَقَدِّمَ لَا يَمْنَعُ ظُهُورَ الْإِعْتَاقِ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ وَيَمْنَعُ ظُهُورَهُ بِإِقْرَارِهِ اهـ.
وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُعَلَّقِ مُتَعَدِّدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَانَ دَخَلَ الْيَوْمَ عَتَقَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ أَوْ الذِّكْرِ) الْأَوَّلُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ لَا بِعَيْنِهِ وَالثَّانِي إلَى قَوْلِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ وَنَسِيَهُ.
(قَوْلُهُ: وَيَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ فِيهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ قَوْلِ الْهِدَايَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَتْنِ وَسَعَى لَهُمَا فِي النِّصْفِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَلَى تَفْصِيلٍ يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَسْعَى فِي النِّصْفِ لَهُمَا إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا يَسْعَى فِي الرُّبْعِ لِلْمُوسِرِ، وَلَوْ كَانَا مُوسِرَيْنِ لَا يَسْعَى لِأَحَدٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا بِقَوْلِهِ وَيَتَأَتَّى التَّفْرِيعُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْيَسَارَ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ أَيْ لَا يَمْنَعُهَا عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي سَبَقَ فَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا النِّصْفُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ إلَخْ) مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ الصَّاحِبَيْنِ بِعَدَمِ تَجَزِّي الْعِتْقِ تَأَمَّلْ
стр. 1428
وَطَلُقَتْ؛ لِأَنَّ بِالْيَمِينِ الْأُولَى صَارَ مُقِرًّا بِوُجُودِ شَرْطِ الطَّلَاقِ وَبِالْيَمِينِ الثَّانِيَةِ صَارَ مُقِرًّا بِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ، وَقِيلَ لَمْ يَعْتِقْ وَلَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مُعَلَّقٌ بِعَدَمِ الدُّخُولِ وَالْآخَرَ بِوُجُودِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطَيْنِ دَائِرٌ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فَلَا يَنْزِلُ الْجَزَاءُ بِالشَّكِّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الْكَائِنِ وَبِغَيْرِ الْكَائِنِ فَيَقَعُ فِي الْمُعَلَّقِ بِالْكَائِنِ لَا بِغَيْرِ الْكَائِنِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُتَصَوَّرُ فِي الْكَائِنِ دُونَ غَيْرِهِ، كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَهُوَ وَمَا قَبْلَهُ مَرْدُودَانِ وَالْحَقُّ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ تُسْتَعْمَلُ لِتَحْقِيقِ الدُّخُولِ فِي الْمَاضِي رَدًّا عَلَى الْمُمَارِي فِي الدُّخُولِ وَعَدَمِهِ فَكَانَ مُعْتَرِفًا بِالدُّخُولِ وَهُوَ شَرْطُ الطَّلَاقِ فَوَقَعَ بِخِلَافِ إنْ لَمْ يَدْخُلْ لَيْسَ فِيهَا تَحْقِيقٌ، وَصِيغَةُ إنْ كَانَ دَخَلَ ظَاهِرَةٌ لِتَحْقِيقِ عَدَمِ الدُّخُولِ رَدًّا عَلَى مَنْ تَرَدَّدَ فِيهِ فَكَانَ مُعْتَرِفًا بِعَدَمِ الدُّخُولِ وَهُوَ شَرْطُ وُقُوعِ الْعِتْقِ فَوَقَعَ بِخِلَافِ إنْ دَخَلَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَحْقِيقٌ أَصْلًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ اشْتَبَهَ هَذَا التَّرْكِيبُ عَلَى الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ فِيهِمَا بِتَرْكِيبٍ إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِ أَشَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ بَابٌ الْيَمِينُ الَّتِي تَنْقُضُ صَاحِبَتَهَا، حَلَفَ بِالْعِتْقِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ أَمْسِ وَبِالطَّلَاقِ إنْ كَانَ دَخَلَ وَقَعَا؛ لِأَنَّهُ بِكُلِّ يَمِينٍ زَعَمَ الْحِنْثَ فِي الْأُخْرَى لِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ لَمْ أَعْنِك عَتَقَا وَلَا يَلْزَمُ مَا لَوْ كَانَتْ الْأُولَى وَاَللَّهِ إذْ الْغَمُوسُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ لِيُكَذِّبَ بِهِ فِي الْأُخْرَى وَتَمَامُهُ فِيهِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِعَدَمِ عِتْقِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إلَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُمَا إنْسَانٌ صَحَّ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِحِنْثِ أَحَدِ الْمَالِكَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَبِيعُ عَبْدَهُ وَزَعْمُ الْمُشْتَرِي فِي الْعَبْدِ قَبْلَ مِلْكِهِ لَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ وَمَوْلَاهُ يُنْكِرُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ صَحَّ، وَإِذَا صَحَّ شِرَاؤُهُ لَهُمَا وَاجْتَمَعَا فِي مِلْكِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا؛ لِأَنَّ زَعْمَهُ مُعْتَبَرٌ الْآنَ وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَحَالِفَيْنِ لَوْ اشْتَرَى الْعَبْدَ مِنْ الْحَالِفِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ لِمَا ذَكَرَهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُحِيطِ هَذَا إذَا عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِحَلِفِهِمَا فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ فَالْقَاضِي يُحَلِّفُهُمَا وَلَا يُجْبِرُ عَلَى الْبَيَانِ مَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ مَلَكَ ابْنَهُ مَعَ آخَرَ عَتَقَ حَظُّهُ وَلَمْ يَضْمَنْ وَلِشَرِيكِهِ أَنْ يُعْتِقَ أَوْ يَسْتَسْعِيَ) لِأَنَّهُ مَلَكَ شِقْصَ قَرِيبِهِ فَعَتَقَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ كَمَا إذَا أَذِنَ لَهُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ صَرِيحًا وَدَلَالَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ شَارَكَهُ فِيمَا هُوَ عِلَّةُ الْعِتْقِ وَهُوَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ وَثَبَتَ لِشَرِيكِهِ الْإِعْتَاقُ أَوْ الِاسْتِسْعَاءُ لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِهِ كَالْمُكَاتَبِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا فِي الشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ يَضْمَنُ الْأَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَيَسْعَى الِابْنُ لِشَرِيكِ أَبِيهِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمِلْكِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِالشِّرَاءِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْأَمْهَارِ أَوْ الْإِرْثِ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ ابْنُهُ أَوْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى السَّبَبِ كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ كُلْ هَذَا الطَّعَامَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لِلْآمِرِ وَلَا يَعْلَمُ الْآمِرُ بِمِلْكِهِ وَذِكْرُ الِابْنِ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي كُلِّ قَرِيبٍ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مَلَكَهُ مَعَ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ الْأَجْنَبِيُّ فَاشْتَرَى نِصْفَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى الْأَبُ نِصْفَهُ الْآخَرَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَالْأَجْنَبِيُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَبَ؛ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِإِفْسَادِ نَصِيبِهِ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الِابْنَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِاحْتِبَاسِ مَالِيَّتِهِ عِنْدَهُ.
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ لَا يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُ، وَقَالَا لَا خِيَارَ لَهُ وَيَضْمَنُ الْأَبُ نِصْفَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ عِنْدَهُمَا وَقُيِّدَ بِالْقَرِيبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ مُسْتَوْلَدَتَهُ بِالنِّكَاحِ مَعَ آخَرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ النِّصْفِ لِشَرِيكِهِ كَيْفَمَا كَانَ وَإِنْ كَانَ مَلَكَهَا بِالْإِرْثِ وَالْفَرْقُ أَنَّ ضَمَانَ أُمِّ الْوَلَدِ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِصُنْعِهِ أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَلِهَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَإِنَّمَا صَحَّ شِرَاءُ الِابْنِ مَعَ آخَرَ فِي مَسْأَلَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ لَمْ أَعْنِك عَتَقَا) لِأَنَّ قَوْلَهُ لِلْأَوَّلِ لَمْ أَعْنِ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِوُقُوعِ الْعِتْقِ عَلَى الثَّانِي وَقَوْلُهُ لِلْآخَرِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أَعْنِ هَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِوُقُوعِ الْعِتْقِ عَلَى الْأَوَّلِ فَعَتَقَا جَمِيعًا وَهَكَذَا فِي الطَّلَاقِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ الْمَسْأَلَةَ مُعَلَّلَةً عَنْ الِاخْتِيَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالْبَيْعُ وَالْمَوْتُ وَالتَّحْرِيرُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ قُلْتُ: وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَيَّ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعِتْقَ نَازِلٌ فِي الْمُعَيِّنِ دُونَ الْمُنْكِرِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْبَيَانُ لِلْمُشْتَرِي إذْ الْإِجْمَالُ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِمَا إلَى أَنْ يُبَرْهِنَ أَحَدُهُمَا عَلَى عِتْقِهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدٌ عَبْدَيْهِ ثُمَّ نَسِيَهُ، ثُمَّ وَجَدْت الْإِشْكَالَ فِي التُّحْفَةِ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْعِتْقَ حَالَ وُقُوعِهِ لَمْ يُدْرَ مَحَلُّهُ فَكَانَ كَإِعْتَاقِ الْمُنْكِرِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ نَسِيَهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ نَزَلَ فِي الْمَعْلُومِ.
стр. 1429
الْكَاتِبِ وَلَمْ يَصِحَّ شِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ هُوَ وَأَجْنَبِيٌّ مِنْ مَوْلَاهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى حِصَّةِ الْأَجْنَبِيِّ لِاجْتِمَاعِ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ نَفْسِ الْعَبْدِ مِنْهُ إعْتَاقٌ عَلَى مَالٍ فَبَطَلَ الْبَيْعُ فِي حِصَّةِ الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ تَمَلُّكٌ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ وَإِعْتَاقٌ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِ عَبْدٍ إنْ مَلَكَ نِصْفَهُ فَمِلْكُهُ مَعَ آخَرَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ مِمَّنْ يَمْلِكُ ابْنَهُ لَا يَضْمَنُ لِبَائِعِهِ) ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ شَارَكَهُ فِي الْعِلَّةِ وَهُوَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ دُخُولِ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَقَدْ شَارَكَهُ فِيهِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَقَالَا إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، قُيِّدَ بِكَوْنِهِ مِمَّنْ يَمْلِكُ ابْنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى نِصْفَ ابْنِهِ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الضَّمَانُ بِالْإِجْمَاعِ لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَبِعْ وَلَا يَضْمَنُ لِلْبَائِعِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ لَمْ يُشَارِكْهُ فِي الْعِلَّةِ فَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ إذَا لَمْ يَضْمَنْ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى وَفِي الْبَدَائِعِ رَجُلٌ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت فُلَانًا أَوْ بَعْضَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَادَّعَى رَجُلٌ آخَرُ أَنَّهُ ابْنُهُ، ثُمَّ اشْتَرَيَاهُ عَتَقَ عَلَيْهِمَا وَنِصْفُ وَلَائِهِ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ وَهُوَ ابْنٌ لِلَّذِي ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ هَا هُنَا لَمْ يَسْبِقْ الْيَمِينَ فَيَعْتِقُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِمَا وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ اهـ.
مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الْمُعْتِقَ آخِرُ الْعَصَبَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِيرَاثُهُ كُلُّهُ لِأَبِيهِ مَعَ وُجُودِهِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُعْتِقِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ ثُبُوتِ النَّسَبِ قَبْلَ الْعِتْقِ وَبَيْنَهُ بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: عَبْدٌ لِمُوسِرَيْنِ دَبَّرَهُ وَاحِدٌ وَحَرَّرَهُ آخَرُ ضَمَّنَ السَّاكِتُ الْمُدَبِّرَ وَالْمُدَبِّرُ الْمُعْتِقَ ثُلُثَهُ مُدْبِرًا إلَّا مَا ضَمِنَ) أَيْ لَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ آخَرُ فَلِلسَّاكِتِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُدَبِّرْ وَلَمْ يُحَرِّرْ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبِّرَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ وَلِلْمُدَبِّرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ ثُلُثَ الْعَبْدِ مُدَبَّرًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الثُّلُثَ الَّذِي ضَمَّنَهُ لِلسَّاكِتِ وَإِنَّمَا يُضَمِّنُ السَّاكِتُ الْمُدَبِّرَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ قِنًّا؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ يَتَجَزَّأُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِهِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِهِ فَاقْتَصَرَ عَلَى نَصِيبِهِ، وَقَدْ أَفْسَدَ بِالتَّدْبِيرِ نَصِيبَ الْآخَرَيْنِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُدَبِّرَ نَصِيبَهُ أَوْ يُعْتِقَ أَوْ يُكَاتِبَ أَوْ يُضَمِّنَ الْمُدَبِّرَ أَوْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ أَوْ يَتْرُكَهُ عَلَى حَالِهِ، فَلَمَّا حَرَّرَهُ الْآخَرُ تَعَيَّنَ حَقُّهُ فِيهِ وَسَقَطَ اخْتِيَارُهُ غَيْرَهُ فَتَوَجَّهَ لِلشَّرِيكِ السَّاكِتِ سَبَبَا ضَمَانِ تَدْبِيرِ الْمُدَبِّرِ وَإِعْتَاقِ الْمُعْتِقِ فَلَهُ تَضْمِينُ الْمُدَبِّرِ لِيَكُونَ الضَّمَانُ ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ إذْ هُوَ الْأَصْلُ حَتَّى جُعِلَ الْغَصْبُ ضَمَانَ مُعَاوَضَةٍ عَلَى أَصْلِنَا وَأَمْكَنَ ذَلِكَ فِي التَّدْبِيرِ لِكَوْنِهِ قَابِلًا لِلنَّقْلِ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ وَقْتَ التَّدْبِيرِ وَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عِنْدَ ذَلِكَ مُكَاتَبٌ أَوْ حُرٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَا الْمُكَاتَبِ بِفَسْخِهِ حَتَّى يَقْبَلَ الِانْتِقَالَ، ثُمَّ إنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي أَعْتَقَ نَصِيبَهُ أَفْسَدَ عَلَى الْمُدَبِّرِ نَصِيبَهُ مُدَبَّرًا وَالضَّمَانُ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمُتْلَفِ وَلَا يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ مَا مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ جِهَةِ السَّاكِتِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ التَّضْمِينِ، وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ حَرَّرَهُ الْآخَرُ فَلِلْمُدَبِّرِ تَضْمِينُ الْمُعْتِقِ ثُلُثَهُ مُدَبَّرًا إنْ كَانَ مُوسِرًا.
وَلَوْ كَانَ حَرَّرَهُ أَحَدُهُمَا ثُمَّ دَبَّرَهُ الْآخَرُ فَلِلْمُدَبِّرِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ اخْتَارَ تَرْكَ الضَّمَانِ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّهُمَا أَوَّلًا فَإِنَّ لِلْمُدَبِّرِ تَضْمِينُ الْمُعْتِقِ رُبْعَ الْقِيمَةِ وَاسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِي رُبْعِ الْقِيمَةِ وَيَرْجِعُ الْمُعْتِقُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْعَبْدِ، وَكَذَا لَوْ صَدَرَ الْإِعْتَاقُ وَالتَّدْبِيرُ مِنْهُمَا مَعًا، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا الْمُعْتِقُ أَوْلَى فِي الْكُلِّ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا ضَمِنَ لِلْمُدَبِّرِ وَإِلَّا سَعَى الْعَبْدُ لَهُ فِي نَصِيبِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ قَوْلَنَا لِلشَّرِيكِ هَذِهِ الْخِيَارَاتُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَلِلْمُدَبَّرِ تَضْمِينُ الْمُعْتَقِ ثُلُثُهُ مُدَبَّرًا) كَذَا فِي النُّسَخِ وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ وَالصَّوَابُ إبْدَالُ الثُّلُثِ بِالنِّصْفِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَبُو السُّعُودِ مُحَشِّي مِسْكِينٍ فَقَالَ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُدَبَّرِ أَنْ يَضْمَنَ الْمُعْتِقُ نِصْفَهُ مُدَبَّرًا وَثُلُثَهُ قِنًّا، وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ حَرَّرَهُ يُشْهِدُ إلَخْ يُشْهِدُ لِلتَّصْوِيبِ.
стр. 1430
التَّصَرُّفَاتُ أَمَّا لَا يُؤْذَنُ بِالْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إفْسَادَ نَصِيبِ الْمُدَبِّرِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبِّرَ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِسْعَاءِ نَصِيبِهِ عَلَى مِلْكِهِ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ وَبَعْدَ الْإِعْتَاقِ وَالِاسْتِسْعَاءِ لَا يَتَمَكَّنُ. اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَقِيمَةُ الْمُدَبِّرِ ثُلُثَا قِيمَتِهِ قِنًّا عَلَى مَا قَالُوا فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قِنًّا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ دِينَارًا ضَمِنَ لَهُ سِتَّةَ دَنَانِيرَ؛ لِأَنَّ ثُلُثَيْهَا وَهُوَ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَثُلُثَهَا وَهُوَ الْمَضْمُونُ سِتَّةٌ وَالْمُدَبِّرُ يَضْمَنُ لِلسَّاكِتِ تِسْعَةً وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْوَطْءِ وَالسِّعَايَةِ وَالْبَدَلِ وَإِنَّمَا زَالَ الْأَخِيرُ فَقَطْ وَإِلَيْهِ مَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، إلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ يَخُصُّ الْمُدَبَّرَةَ دُونَ الْمُدَبَّرِ، وَقِيلَ يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَوْ جَوَّزُوا بَيْعَ هَذَا فَأَتَتْ الْمَنْفَعَةُ الْمَذْكُورَةُ كَمْ يَبْلُغُ فَمَا ذُكِرَ فَهُوَ قِيمَتُهُ.
وَهَذَا أَحْسَنُ عِنْدِي كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الِاسْتِخْدَامَ هُوَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ الشَّامِلُ لِلْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَالْوَطْءِ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ فَالْبَاقِي فِي الْمُدَبَّرِ شَيْئَانِ: الِاسْتِخْدَامُ وَالسِّعَايَةُ وَالْفَائِتُ الْبَدَلُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَشْمَلُ الْعَبْدَ وَالْجَارِيَةَ فَلِذَا كَانَ الْمُفْتَى بِهِ مَا فِي الْهِدَايَةِ، أَمَّا قِيمَةُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ فَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَا الْعَبْدُ لِلَّذِي دَبَّرَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَيَضْمَنُ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِشَرِيكِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ لِلسَّاكِتِ الِاسْتِسْعَاءَ لِظُهُورِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي ثُلُثِ قِيمَتِهِ وَلِلْمُدَبِّرِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي ثُلُثِ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا إذَا اخْتَارَ عَدَمَ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَلَاءَ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَالْوَلَاءُ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُدَبِّرِ أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِلْمُدَبِّرِ وَالثُّلُثُ لِلْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِمَا عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ اهـ.
وَمُرَادُهُ أَنَّهُ بَيْنَ عَصَبَةِ الْمُدَبِّرِ وَالْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَثْبُتُ لِلْمُدَبَّرِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهُ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالنِّهَايَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ غَلَطٌ.
لِأَنَّ الْعِتْقَ الْمُنَجَّزَ يُوجِبُ إخْرَاجَهُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِتَنْجِيزِ أَحَدِ الْأُمُورِ مِنْ التَّضْمِينِ مَعَ الْيَسَارِ وَالسِّعَايَةِ وَالْعِتْقِ حَتَّى مُنِعَ اسْتِخْدَامُ الْمُدَبِّرِ إيَّاهُ مِنْ حِينِ وُجُودِهِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ابْتِدَاء وَدَبَّرَهُ الْآخَرُ السَّاكِتُ فَإِنَّهُ لَا تَتَأَخَّرُ حُرِّيَّةُ بَاقِيهِ إلَى مَوْتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ إلَى آخِرِهِ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْيَسَارِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبِّرَ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا فَلِلسَّاكِتِ الِاسْتِسْعَاءُ دُونَ التَّضْمِينِ، وَكَذَا الْمُعْتِقُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا فَلِلْمُدَبِّرِ الِاسْتِسْعَاءُ دُونَ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ، كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ بِيَسَارِ الثَّلَاثَةِ لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ لِيَسَارِ الْمُدَبِّرِ وَالْمُعْتِقِ، أَمَّا السَّاكِتُ فَلَا اعْتِبَارَ بِحَالِهِ مِنْ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ رُجُوعَ الْمُدَبِّرِ بِمَا ضَمَّنَهُ لِلسَّاكِتِ عَلَى الْعَبْدِ، وَقَدْ نَصَّ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي بِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِثُلُثِ قِيمَتِهِ قِنًّا كَمَا ضَمِنَ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِ السَّاكِتِ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُدَبِّرِ بَعْدَ تَحْرِيرِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُدَبِّرِ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ الْآخَرُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ كَانَ لِلْمُدَبِّرِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ وُجِدَ بَعْدَ تَمَلُّكِ الْمُدَبِّرِ نَصِيبَ السَّاكِتِ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ قِنًّا مَعَ ثُلُثِ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا كَمَا هُوَ صِفَتُهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَوْرَدَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ ثُلُثَيْهِ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ حِينَ مَلَكَ ثُلُثَ السَّاكِتِ بِالضَّمَانِ صَارَ مُدَبَّرًا لَا قِنًّا وَلِذَا قُلْنَا فِي وَجْهِ كَوْنِ ثُلُثَيْ الْوَلَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ دَبَّرَ ثُلُثَيْهِ ابْتِدَاءً وَالْجَوَابُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَنْعِ كَوْنِ الثُّلُثِ الَّذِي مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ لِلسَّاكِتِ صَارَ مُدَبَّرًا بَلْ هُوَ قِنٌّ عَلَى مِلْكِهِ إذْ لَا مُوجِبَ لِصَيْرُورَتِهِ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّ ظُهُورَ الْمِلْكِ الْآنَ لَا يُوجِبُهُ وَالتَّدْبِيرُ يَتَجَزَّأُ وَذِكْرُهُمْ إيَّاهُ فِي وَجْهِ كَوْنِ ثُلُثَيْ الْوَلَاءِ لَهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ إذْ يَكْفِي فِيهِ أَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ حِينَ أَعْتَقَهُ الْآخَرُ وَأَدَّى الضَّمَانَ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ وَلَاؤُهُ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ ضَمَانُ جِنَايَةٍ لَا تَمَلُّكٍ اهـ.
وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ أَوَّلًا عُلِمَ أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحَرَّرَهُ آخَرُ بِمَعْنَى ثُمَّ، قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمْ وَدَبَّرَهُ الْآخَرُ وَكَاتَبَ الْآخَرُ وَلَا يُعْلَمُ الْأَوَّلُ فَالتَّصَرُّفَاتُ كُلُّهَا جَائِزَةٌ وَيَسْعَى الْعَبْدُ لِلْمُدَبَّرِ فِي سُدُسِ قِيمَتِهِ وَضَمِنَ لَهُ الْمُعْتِقُ أَيْضًا
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1431
سُدُسَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا إنْ كَانَ مُوسِرًا وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي الْمُكَاتَبَةِ لِلثَّالِثِ فَإِنْ عَجَزَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِي ثُلُثِ قِيمَتِهِ وَالْوَلَاءُ أَثْلَاثًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُدَبِّرُ الْمُعْتِقَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ نِصْفَيْنِ إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا جَهِلَا التَّارِيخَ يُجْعَلُ كَأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَقَعْنَ مَعًا وَأَنَّهَا مُتَجَزِّئَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَصَحَّتْ، ثُمَّ لَا شَيْءَ لِلْمُعْتِقِ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدٌ وَكَاتَبَ الْآخَرُ وَدَبَّرَ الثَّالِثُ مَعًا لَيْسَ لِوَاحِدٍ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ كُلِّ وَاحِدٍ حَصَلَ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَإِنْ دَبَّرَ أَحَدُهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ أَعْتَقَ الثَّانِي، ثُمَّ كَاتَبَ الْآخَرُ ثَبَتَ لِلْمُدَبِّرِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ وَلَا رُجُوعَ لِلْمَكَاتِبِ عَلَى أَحَدٍ فَإِنْ دَبَّرَ، ثُمَّ كَاتَبَ، ثُمَّ أَعْتَقَ فَحُكْمُ الْمُدَبِّرِ وَالْمُعْتِقِ مَا ذَكَرْنَا، أَمَّا الْمُكَاتِبُ إذَا عَجَزَ الْعَبْدُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّهُ عَادَ عَبْدًا لَهُ وَالْمُعْتِقُ أَتْلَفَهُ، وَإِنْ كَاتَبَهُ أَوَّلًا ثُمَّ دَبَّرَ ثُمَّ أَعْتَقَ فَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ الْعَبْدُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ عَجَزَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُدَبِّرِ بِثُلُثِ قِيمَتِهِ لَا عَلَى الْمُعْتِقِ وَتَمَامُ تَفْرِيعَاتِهِ فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ هِيَ أُمُّ وَلَدِك وَأَنْكَرَ تَخْدُمُهُ يَوْمًا وَتَتَوَقَّفُ يَوْمًا) أَيْ تَخْدُمُ الْمُنْكِرَ يَوْمًا وَلَا تَخْدُمُ أَحَدًا يَوْمًا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا لِلْمُنْكِرِ وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهَا لِلْمُقِرِّ، وَقَالَا إنْ شَاءَ الْمُنْكِرُ اسْتَسْعَى الْجَارِيَةَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا، ثُمَّ تَكُونُ حُرَّةً وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُصَدِّقْهُ صَاحِبُهُ انْقَلَبَ إقْرَارُ الْمُقِرِّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا فَصَارَ كَمَا إذَا أَقَرَّ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْبَيْعِ يُجْعَلُ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ كَذَا هَذَا فَتَمْتَنِعُ الْخِدْمَةُ وَنَصِيبُ الْمُنْكِرِ عَلَى مِلْكِهِ فِي الْحُكْمِ فَتَخْرُجُ إلَى الْعَتَاقِ بِالسِّعَايَةِ كَأُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَتْ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُقِرَّ لَوْ صُدِّقَ كَانَتْ الْخِدْمَةُ كُلُّهَا لِلْمُنْكِرِ، وَلَوْ كُذِّبَ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْخِدْمَةِ فَيَثْبُتُ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَهُوَ النِّصْفُ وَلَا خِدْمَةَ لِلشَّرِيكِ الشَّاهِدِ وَلَا اسْتِسْعَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِدَعْوَى الِاسْتِيلَادِ وَالضَّمَانِ، وَالْإِقْرَارُ بِأُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالنَّسَبِ وَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُقِرُّ كَالْمُسْتَوْلِدِ وَنَصَّ الْحَاكِمُ فِي الْكَافِي عَلَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَالْمُخَالِفُ فِيهَا مُحَمَّدٌ فَقَطْ وَعَلَى قَوْلِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا.
أَمَّا الْمُقِرُّ فَلِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهَا بِالدَّعْوَى عَلَى شَرِيكِهِ، أَمَّا الْمُنْكِرُ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ نَفَذَ الْإِقْرَارُ عَلَى الْمُقِرِّ فَصَارَ كَإِقْرَارِهِ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا، ثُمَّ إذَا أَدَّتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا إلَى الْمُنْكِرِ عَتَقَتْ كُلُّهَا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ كَسْبِهَا وَنَفَقَتِهَا وَجِنَايَتِهَا وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا وَحُكْمَهَا بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ نِصْفُ كَسْبِهَا لِلْمُنْكِرِ وَنِصْفُهُ مَوْقُوفٌ اعْتِبَارًا بِمَنَافِعِهَا، أَمَّا نَفَقَتُهَا فَمِنْ كَسْبِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ فَفِي الْمُخْتَلَفِ فِي بَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الْمُنْكِرِ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا، وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّ النِّصْفَ عَلَى الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْجَارِيَةِ لَهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ اللَّائِقُ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِدْمَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَلَا احْتِبَاسَ، أَمَّا جِنَايَتُهَا وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا فَمَوْقُوفَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَى تَصْدِيقِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ تَسْعَى فِي جِنَايَتِهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ وَتَأْخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا فَتَسْتَعِينُ بِهِ كَمَا فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ وَتَبِعَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ النِّصْفَ مَوْقُوفٌ وَالنِّصْفُ عَلَى الْجَاحِدِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَفِي صِحَّتِهِ عَنْ الْإِمَامِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت أَنَّ مَذْهَبَهُ التَّوَقُّفُ فِي الْكُلِّ وَفِي الْمُحِيطِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ التَّوَقُّفَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذُّرُ إيجَابٍ يُوجِبُ الْجِنَايَةَ فِي نَصِيبِ الْمُنْكِرِ عَلَى الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ دَفْعِهَا بِالْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ صُنْعٍ مِنْهُ فَلَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ كَمَا لَوْ أَبَقَ أَوْ مَاتَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ نَصِيبِ الْأَرْشِ إلَى الْمُنْكِرِ سَوَاءٌ كَانَ نَصِيبُهُ قِنًّا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَلَا مَعْنَى لِلتَّوَقُّفِ. اهـ.
أَمَّا إذَا مَاتَ الْمُنْكِرُ فَإِنَّهَا تَعْتِقُ لِإِقْرَارِ الْمُقِرِّ أَنَّهَا كَانَتْ كَأُمِّ وَلَدٍ لَهُ، ثُمَّ تَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لِوَرَثَةِ الْمُنْكِرِ وَلَا تَسْعَى لِلْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الضَّمَانَ دُونَ السِّعَايَةِ وَلَمْ أَرَ حُكْمَهَا
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1432
إذَا مَاتَ الْمُقِرُّ لِظُهُورِ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَتَخْدُمُ الْمُنْكِرَ يَوْمًا وَتَتَوَقَّفُ يَوْمًا.
وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَأَنْكَرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَتِهَا وَنِصْفُ عُقْرِهَا كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَمَا لِأُمِّ وَلَدٍ تَقَوُّمٌ) أَيْ لَيْسَ لَهَا قِيمَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا إنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا وَطْئًا وَإِجَارَةً وَاسْتِخْدَامًا، وَهَذَا هُوَ دَلَالَةُ التَّقَوُّمِ وَبِامْتِنَاعِ بَيْعِهَا لَا يَسْقُطُ تَقَوُّمُهَا كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ أَلَا تَرَى أَنَّ أُمَّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَتْ عَلَيْهَا السِّعَايَةُ، وَهَذَا آيَةُ التَّقَوُّمِ غَيْرَ أَنَّ قِيمَتَهَا ثُلُثُ قِيمَتِهَا قِنَّةً عَلَى مَا قَالُوا لِفَوَاتِ الْبَيْعِ وَالسِّعَايَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ لِفَوَاتِ مَنْفَعَةِ الْبَيْعِ أَمَّا السِّعَايَةُ وَالِاسْتِخْدَامُ بَاقِيَانِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْإِحْرَازِ وَهِيَ مُحْرَزَةٌ لِلنَّسَبِ لَا لِلتَّقَوُّمِ وَالْإِحْرَازُ لِلتَّقَوُّمِ تَابِعٌ وَلِهَذَا لَا تَسْعَى لِغَرِيمٍ وَلَا لِوَارِثٍ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ، وَهَذَا لِأَنَّ النَّسَبَ فِيهَا مُتَحَقِّقٌ فِي الْحَالِ وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ الثَّابِتَةُ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُهُ فِي حَقِّ الْمِلْكِ ضَرُورَةَ الِانْتِفَاعِ فَعَمِلَ التَّسَبُّبُ فِي إسْقَاطِ التَّقَوُّمِ وَفِي الْمُدَبَّرِ يَنْعَقِدُ السَّبَبُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَامْتِنَاعُ الْبَيْعِ فِيهِ لِتَحَقُّقِ مَقْصُودِهِ فَافْتَرَقَا وَفِي أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ قَضَيْنَا بِكِتَابَتِهَا عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ لَا يَفْتَقِرُ وُجُوبُهُ إلَى التَّقَوُّمِ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ التَّدْبِيرَ هُنَا سَبَبًا بَعْدَ الْمَوْتِ وَجَعَلَهُ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ سَبَبًا فِي الْحَالِ وَمَذْهَبُ عُلَمَائِنَا أَنَّ التَّدْبِيرَ سَبَبٌ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَسْبَابٍ فِي الْحَالِ اهـ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ كَلَامَهُ فِي سُقُوطِ التَّقَوُّمِ لِأُمِّ الْوَلَدِ فَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ سَبَبَ سُقُوطِ التَّقَوُّمِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ وَسَبَبَ سُقُوطِهِ فِي الْمُدَبَّرِ مُتَأَخِّرٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَنْعَقِدَ السَّبَبُ فِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِانْعِقَادِهِ سَبَبًا لِلْحَالِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِضَرُورَةٍ هِيَ أَنَّ تَأَخُّرَهُ إلَى وُجُودِ الشَّرْطِ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّعْلِيقَاتِ يُوجِبُ بُطْلَانَهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ زَمَانُ زَوَالِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَلَا تَتَأَخَّرُ سَبَبِيَّةُ كَلَامِهِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي حُرْمَةِ الْبَيْعِ خَاصَّةً لَا فِي سُقُوطِ التَّقَوُّمِ فَتَتَأَخَّرُ سَبَبِيَّتُهُ لِسُقُوطِ التَّقَوُّمِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهَذَا هُوَ مُجْمَلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَلَا تَنَاقُضَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَضْمَنُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِإِعْتَاقِهَا) يَعْنِي لَوْ كَانَتْ أَمَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَدَتْ فَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَتْ لِلسَّاكِتِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ قَالُوا وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ مِنْهَا مَا فِي الْمُخْتَصَرِ، وَالثَّانِيَةُ إذَا غَصَبَهَا غَاصِبٌ فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ، وَالثَّالِثَةُ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا تَعْتِقُ وَلَا تَسْعَى فِي شَيْءٍ لِلْحَيِّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا تَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لَهُ، وَالرَّابِعَةُ إذَا بَاعَ جَارِيَةً فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَاتَتْ الْجَارِيَةُ فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّ الْوَلَدَ ابْنُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَيَأْخُذُ الْوَلَدَ وَيَرُدُّ الثَّمَنَ كُلَّهُ، وَعِنْدَهُمَا يَرُدُّ حِصَّةَ الْوَلَدِ وَلَا يَرُدُّ حِصَّةَ الْأُمِّ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ خَامِسَةً وَهِيَ مَا إذَا بَاعَهَا وَسَلَّمَهَا فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَيَضْمَنُ عِنْدَهُمَا، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي وَالنِّهَايَةِ أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَعَتَقَ وَلَمْ يَضْمَنْ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ الْوَلَدِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ كَأُمِّهِ فَلَا يَكُونُ مُتَقَوِّمًا عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَيَسْعَى الْوَلَدُ لَهُ إنْ كَانَ مُعْسِرًا وَتَعَقَّبَهُ فِي التَّبْيِينِ بِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَلَمْ يَعْلَقْ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ.
وَهَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي بَابِ الِاسْتِيلَادِ فِي الْقِنَّةِ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ قَبْلَهُ حَتَّى قَالَ لَا يَغْرَمُ قِيمَةَ وَلَدِهَا، وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِيهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ سُقُوطُ الضَّمَانِ لِأَجْلِ أَنَّهُ كَأُمِّهِ عِنْدَهُ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1433
وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ وَهُوَ حُرُّ الْأَصْلِ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الدَّعْوَى إعْتَاقٌ كَانَ مُسْتَقِيمًا اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا ادَّعَى وَلَدَ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ قِيمَةَ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مُسْتَنِدٌ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَإِذَا كَانَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي وَلَدِ الْقِنَّةِ فَكَيْفَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ مِنْ أُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَهُمَا مَعَ أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ وَلَمْ أَرَ جَوَابًا عَنْهُ وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ بَيْنَ وَلَدِ الْقِنَّةِ وَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ فِي وَلَدِ الْقِنَّةِ إنَّمَا لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْأَمَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِيلَادَ صَادَفَ مِلْكَهُ بِالتَّمَامِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ انْتَقَلَ إلَيْهِ فَعَلِقَ الْوَلَدُ عَلَى مِلْكِهِ وَوَلَدُ الْأَمَةِ مِنْ مَوْلَاهَا حُرٌّ فَلَا يَغْرَمُهُ وَفِي أُمِّ الْوَلَدِ لَمْ يَنْتَقِلْ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَلَمْ يَكُنْ الِاسْتِيلَادُ فِي مِلْكِهِ التَّامِّ فَهُوَ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ كَأُمِّهِ فَلِذَا لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ وَيَضْمَنُ عِنْدَهُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَةِ أُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ مُدَّعِيَ الْوَلَدِ لَمْ يُتْلِفْ عَلَى شَرِيكِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُمَا قَبْلَ دَعْوَى الشَّرِيكِ الْوَلَدَ الثَّانِيَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا نَقَلَهُ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْمُدَبَّرَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ وَصَارَ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَنِصْفُهَا مُدَبَّرَةً لِلشَّرِيكِ وَيَغْرَمُ نِصْفَ الْعُقْرِ وَنِصْفَ قِيمَةِ الْوَلَدِ مُدَبَّرًا وَلَا يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَةِ الْأُمِّ بِخِلَافِ الْقِنَّةِ إلَى آخِرِهِ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا تُقَاسُ الْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ عَلَى الْقِنَّةِ وَسَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، هَذَا وَلَوْ قَرَّبَ أُمَّ الْوَلَدِ إلَى مَسْبَعَةٍ فَافْتَرَسَهَا السَّبُعُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ جِنَايَةٍ لَا ضَمَانُ غَصْبٍ.
(قَوْلُهُ: لَهُ أَعْبُدُ قَالَ لِاثْنَيْنِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَخَرَجَ وَاحِدٌ وَدَخَلَ آخَرُ وَكَرَّرَ وَمَاتَ بِلَا بَيَانٍ عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الثَّابِتِ وَنِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرَيْنِ) شُرُوعٌ فِي بَيَانِ بَعْضِ مَسَائِلِ الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَجُلٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَخَرَجَ أَحَدُهُمَا وَدَخَلَ آخَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ وَمَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ عَتَقَ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَهُوَ الَّذِي أُعِيدَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَعَتَقَ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَارِجِ وَالدَّاخِلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ كَذَلِكَ إلَّا فِي الْعَبْدِ الْأَخِيرِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ رُبْعُهُ أَمَّا الْخَارِجُ فَلِأَنَّ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ فَأَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فَيُصِيبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّصْفُ، غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَفَادَ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي رُبْعًا آخَرَ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاخِلِ فَيَتَنَصَّفُ بَيْنَهُمَا غَيْرَ أَنَّ الثَّابِتَ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْحُرِّيَّةِ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَشَاعَ النِّصْفُ الْمُسْتَحَقُّ بِالثَّانِي فِي نِصْفَيْهِ فَمَا أَصَابَ الْمُسْتَحِقَّ بِالْأَوَّلِ لَغَا وَمَا أَصَابَ الْفَارِغَ بَقِيَ فَيَكُونُ لَهُ الرُّبْعُ فَتَمَّتْ لَهُ ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ هُوَ بِالثَّانِي يَعْتِقُ نِصْفُهُ، وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الدَّاخِلُ لَا يَعْتِقُ هَذَا النِّصْفُ فَيَتَنَصَّفُ فَعَتَقَ مِنْهُ الرُّبْعُ بِالثَّانِي وَالنِّصْفُ بِالْأَوَّلِ.
أَمَّا الدَّاخِلُ فَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ لَمَّا دَارَ الْإِيجَابُ الثَّانِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّابِتِ، وَقَدْ أَصَابَ الثَّابِتُ مِنْهُ الرُّبْعَ فَكَذَا يُصِيبُ الدَّاخِلَ وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا وَقَضِيَّتُهُ التَّنْصِيفُ وَإِنَّمَا نَزَلَ إلَى الرُّبْعِ فِي حَقِّ الثَّابِتِ لِاسْتِحْقَاقِهِ النِّصْفَ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَا اسْتِحْقَاقَ لِلدَّاخِلِ مِنْ قَبْلُ فَيَثْبُتُ فِيهِ النِّصْفُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَمَاتَ بِلَا بَيَانٍ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا يُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ وَلِلْعَبِيدِ مُخَاصَمَتُهُ وَإِنْ بَدَأَ بِالْبَيَانِ لِلْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْخَارِجَ عَتَقَ الْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِيجَابَ الثَّانِيَ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالدَّاخِلِ وَقَعَ صَحِيحًا لِوُقُوعِهِ بَيْنَ عَبْدَيْنِ فَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ لِهَذَا الْإِيجَابِ وَإِنْ عَنَى بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ الثَّابِتَ عَتَقَ الثَّابِتَ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِيجَابَ الثَّانِيَ وَقَعَ لَغْوًا لِحُصُولِهِ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي جَوَابِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنْ بَدَأَ بِالْبَيَانِ لِلْإِيجَابِ الثَّانِي فَإِنْ عَنَى بِهِ الدَّاخِلَ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي بَقِيَ الْإِيجَابُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الْخَارِجِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَعَتَقَ مِنْهُ الرُّبْعُ بِالثَّانِي) أَيْ عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ الثَّابِتِ رُبْعُهُ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي وَالنِّصْفُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَتَمَّتْ لَهُ ثَلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ
стр. 1434
وَالثَّابِتِ عَلَى حَالِهِ كَمَا كَانَ فَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ وَإِنْ عَنَى بِهِ الثَّابِتَ عَتَقَ الثَّابِتُ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي وَعَتَقَ الْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ لِتَعَيُّنِهِ لِلْعِتْقِ بِإِعْتَاقِ الثَّابِتِ، وَقَيَّدَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ عَتَقَ الثَّابِتُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْإِيجَابَ الثَّانِيَ وَقَعَ بَاطِلًا وَإِنْ مَاتَ الثَّابِتُ عَتَقَ الْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَالدَّاخِلُ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ قَدْ أُعِيدَ عَلَيْهِ الْإِيجَابُ فَمَوْتُهُ يُوجِبُ تَعْيِينَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْعِتْقِ وَإِنْ مَاتَ الدَّاخِلُ يُؤْمَرُ الْمَوْلَى بِالْبَيَانِ لِلْإِيجَابِ الْأَوَّلِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْخَارِجَ عَتَقَ الْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَبَقِيَ الْإِيجَابُ الثَّانِي بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالثَّابِتِ فَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ وَإِنْ عَنَى بِهِ الثَّابِتَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْإِيجَابَ الثَّانِيَ وَقَعَ بَاطِلًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي الْمَرَضِ قُسِمَ الثُّلُثُ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى قَدْرِ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ سِهَامِ الْعِتْقِ وَشَرْحُهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ سِهَامِ الْعِتْقِ وَهِيَ سَبْعَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى أَرْبَعَةٍ لِحَاجَتِنَا إلَى ثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ فَنَقُولُ يَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَمِنْ الْآخَرَيْنِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمَانِ فَبَلَغَ سِهَامُ الْعِتْقِ سَبْعَةً وَالْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَمَحَلُّ نَفَادِهَا الثُّلُثُ فَلَا بُدَّ أَنْ تُجْعَلَ سِهَامُ الْوَرَثَةِ ضِعْفَ ذَلِكَ فَتُجْعَلُ كُلُّ رَقَبَةٍ عَلَى سَبْعَةٍ وَجَمِيعُ الْمَالِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فَيَعْتِقُ مِنْ الثَّابِتِ ثَلَاثَةٌ وَيَسْعَى فِي أَرْبَعَةٍ وَمِنْ الْبَاقِينَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي خَمْسَةِ أَسْهُمٍ فَإِذَا تَأَمَّلْت وَجَمَعْت اسْتَقَامَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجْعَلُ كُلَّ رَقَبَةٍ عَلَى سِتَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ الدَّاخِلِ عِنْدَهُ سَهْمٌ فَنَقَصَتْ سِهَامُ الْعِتْقِ سَهْمًا فَصَارَ جَمِيعُ الْمَالِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَبَاقِي التَّخْرِيجِ مَا مَرَّ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ الثَّابِتِ نِصْفُهُ وَيَسْعَى فِي النِّصْفِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَعْتِقُ نِصْفُهُ إلَّا نِصْفُ سَبْعٍ وَيَعْتِقُ مِنْ الْخَارِجِ ثُلُثُهُ سَهْمَانِ وَيَسْعَى فِي الثُّلُثَيْنِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَعْتِقُ ثُلُثُهُ إلَّا ثُلُثَ سَبْعٍ وَمِنْ الدَّاخِلِ سُدُسُهُ وَهُوَ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَعْتِقُ سُبْعَاهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَاصِلَ لِوَرَثَتِهِ لَا يَخْتَلِفُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ قِسْمَةَ الثُّلُثِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ عَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَضِيقِ الْمَالِ وَعَدَمِ الدَّيْنِ أَمَّا إذَا كَانُوا يُخْرِجُونَ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ لَا يُخْرِجُونَ لَكِنْ أَجَازَهُ الْوَرَثَةِ فَالْجَوَابُ كَمَا إذَا كَانَ فِي الصِّحَّةِ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مَا عَتَقَ وَيَسْعَى فِي الْبَاقِي، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي قِيمَتِهِ لِلْغُرَمَاءِ رَدًّا لِلْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَصِيَّةٌ وَلَا وَصِيَّةَ إلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ بِأَنْ كَانَ أَلْفًا وَقِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ أَلْفٌ مَثَلًا يَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، ثُمَّ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيَّةً.
فَإِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ عِتْقَ النِّصْفِ الْبَاقِي مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَإِلَّا يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ نِصْفِ الْبَاقِي وَهُوَ السُّدُسُ مَجَّانًا وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ النِّصْفِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدَيْهِ فِي الْمَرَضِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَهُنَّ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهِنَّ وَمَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الْبَيَانِ سَقَطَ مِنْ مَهْرِ الْخَارِجَةِ رُبْعُهُ وَمِنْ مَهْرِ الثَّابِتَةِ ثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ وَمِنْ مَهْرِ الدَّاخِلَةِ ثُمُنُهُ قِيلَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَهُمَا يَسْقُطُ رُبْعُهُ، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُمَا أَيْضًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ وَتَمَامَ تَفْرِيعِهَا فِي الزِّيَادَاتِ. اهـ. وَقَدْ أَوْضَحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ جَهَالَةَ الْمُعْتَقِ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ أَصْلِيَّةً وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ طَارِئَةً فَإِنْ كَانَتْ أَصْلِيَّةً وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ مِنْ الِابْتِدَاءِ مُضَافَةٌ إلَى أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ غَيْرَ عَيْنٍ فَصَاحِبُهُ الْمُزَاحِمُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِلْإِعْتَاقِ أَوْ لَا يَكُونُ مُحْتَمِلًا لَهُ وَالْمُحْتَمَلُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ فِيهِ أَوْ مِمَّنْ لَا يَنْفُذُ فَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْإِعْتَاقِ وَهُوَ مِمَّنْ يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ فِيهِ كَقَوْلِهِ لِعَبْدَيْهِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ، الْأَوَّلُ فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا التَّصَرُّفِ، وَالثَّانِي فِي أَحْكَامِهِ أَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَقِيلَ إنَّ الْعِتْقَ مُعَلَّقٌ بِالْبَيَانِ وَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ إلَّا أَنَّهُ هَا هُنَا يَدْخُلُ الشَّرْطُ عَلَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَنَى بِهِ الْخَارِجَ عَتَقَ الْخَارِجُ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَبَقِيَ الْإِيجَابُ الثَّانِي بَيْنَ الدَّاخِلِ وَالثَّابِتِ فَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ فَإِنْ عَنَى بِهِ الْخَارِجَ عَتَقَ الثَّابِتُ أَيْضًا بِالْإِيجَابِ الثَّانِي اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الْمِعْرَاجِ والتتارخانية وَغُرَرِ الْأَفْكَارِ وَالْعِنَايَةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، ثُمَّ رَاجَعْت الْبَدَائِعَ فَوَجَدْت مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ عِبَارَتُهَا بِحُرُوفِهَا وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْمَوْتَ بَيَانٌ فَمَوْتُ الدَّاخِلِ يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الثَّابِتِ بِالْإِيجَابِ الثَّانِي وَمِنْ الْعَجَبِ مَا كَتَبَهُ الرَّمْلِيُّ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ فَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَوْتَ الدَّاخِلِ بَيَانٌ لِلْإِيجَابِ الثَّانِي فَقَطْ فَبَقِيَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ. اهـ.
فَإِنَّهُ غَيْرُ مُلَاقٍ لِمَا كَتَبَ عَلَيْهِ نَعَمْ هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّ نُسْخَتَهُ مُوَافِقَةٌ لِذَلِكَ
стр. 1435
الْحُكْمِ لَا عَلَى السَّبَبِ كَالتَّدْبِيرِ وَالْبَيْعِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ إلَى أَبِي يُوسُفَ وَيُقَالُ إنَّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ تَنْجِيزُ الْعِتْقِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لِلْحَالِ وَاخْتِيَارُ الْعِتْقِ فِي أَحَدِهِمَا بَيَانٌ وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ لِمُحَمَّدٍ وَلَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَكِنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ وَمُشَارٌ إلَيْهِ أَمَّا الدَّلَالَةُ فَلِأَنَّهُ ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي الطَّلَاقِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ أَنَّ الْعِدَّةَ تُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالْعِدَّةُ إنَّمَا تَجِبُ مِنْ وَقْتِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَدَلَّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَكُنْ وَاقِعًا وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ مِنْ حِينِ وُجُودِهِ، أَمَّا الْإِشَارَةُ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ تَعَلَّقَ الْعِتْقُ بِذِمَّتِهِ وَيُقَالُ لَهُ أَعْتِقْ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ نَازِلٍ فِي الْمَحَلِّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَعْتِقْ اخْتَرْ الْعِتْقَ لِإِجْمَاعِنَا أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِإِنْشَاءِ الْعِتْقِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ يُقَالُ لَهُ بَيِّنْ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْوُقُوعِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالْبَيَانِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْبَيَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ إظْهَارٌ مَحْضٌ، وَقِيلَ إظْهَارٌ مِنْ وَجْهٍ إنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ إظْهَارًا وَإِنْشَاءً، أَمَّا الْأَحْكَامُ فَنَقُولُ إنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَخْدِمَهُمَا وَيَسْتَغِلَّهُمَا قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِمَا قَبْلَ الِاخْتِيَارِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ كَانَتْ مِنْ الْمَوْلَى أَوْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَكُلٌّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّفْسِ أَوْ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمَوْلَى عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ بِأَنْ قَطَعَ يَدَهُمَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نُزُولِ الْعِتْقِ وَسَوَاءٌ قَطَعَهُمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ وَإِنْ كَانَ عَلَى النَّفْسِ بِأَنْ قَتَلَهُمَا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ فَالْأَوَّلُ عَبْدٌ وَالثَّانِي حُرٌّ فَتَلْزَمُهُ دِيَةُ الثَّانِي وَتَكُونُ لِوَرَثَتِهِ وَلَا يَرِثُ الْمَوْلَى مِنْهَا شَيْئًا وَإِنْ قَتَلَهُمَا مَعًا بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِنُزُولِ الْعِتْقِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِأَنْ قَطَعَ إنْسَانٌ يَدَهُمَا فَعَلَيْهِ أَرْشُ الْعَبِيدِ لِلْمَوْلَى وَهُوَ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَطَعَهُمَا مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نُزُولِهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي النَّفْسِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَإِنْ قَتَلَهُمَا مَعًا فَعَلَى الْقَاتِلِ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتَكُونُ لِلْمَوْلَى وَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِوَرَثَتِهِمَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ نَازِلٌ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ وَإِنْ قَتَلَهُمَا عَلَى التَّعَاقُبِ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَةُ الْأَوَّلِ لِلْمَوْلَى وَدِيَةُ الثَّانِي لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ اثْنَيْنِ فَإِنْ كَانَا مَعًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِيمَةُ نِصْفُهَا لِلْوَرَثَةِ وَنِصْفُهَا لِلْمَوْلَى وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ دِيَةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْقِيمَةُ لِلْمَوْلَى وَعَلَى الثَّانِي الدِّيَةُ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ كَانَا أَمَتَيْنِ فَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَلَدًا أَوْ أَحَدَهُمَا فَاخْتَارَ الْمَوْلَى عِتْقَ أَحَدِهِمَا عَتَقَتْ هِيَ وَعَتَقَ وَلَدُهَا سَوَاءٌ كَانَ لِلْأُخْرَى وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ فَظَاهِرٌ وَهَكَذَا عَلَى قَوْلِ التَّعْلِيقِ لِانْعِقَادِ السَّبَبِ فَيَسْرِي كَالِاسْتِيلَادِ، وَلَوْ مَاتَا مَعًا قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، وَقَدْ وَلَدَتْ كُلٌّ وَلَدًا خُيِّرَ الْمَوْلَى فَيَخْتَارُ عِتْقَ أَيِّ الْوَلَدَيْنِ شَاءَ كَمَا كَانَ مُخَيَّرًا فِيهِمَا.
وَلَوْ قَتَلَ الْأَمَتَيْنِ رَجُلٌ خُيِّرَ الْمَوْلَى فِي الْوَلَدَيْنِ فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ عِتْقَهُ لَا يَرِثُ مِنْ أَرْشِ أُمِّهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عَتَقَ بِالِاخْتِيَارِ وَهُوَ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ فَلَا يَرِثُ مِنْهَا، بَلْ يَكُونُ الْكُلُّ لِلْمَوْلَى، وَهَذَا نَصُّ مَذْهَبِ التَّعْلِيقِ، وَلَوْ وُطِئَتَا بِشُبْهَةٍ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ يَجِبُ عُقْرُهُمَا لِلْمَوْلَى كَالْأَرْشِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ قَوْلَ التَّعْلِيقِ، وَلَوْ بَاعَهُمَا صَفْقَةً وَاحِدَةً فَسَدَ الْبَيْعُ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ لِانْعِقَادِ السَّبَبِ عَلَى قَوْلِ التَّعْلِيقِ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ قِنٍّ وَمُدَبَّرٍ فِي الْبَيْعِ وَلَمْ يُبَيِّنْ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ قَبَضَهُمَا الْمُشْتَرِي وَمَلَكَ أَحَدَهُمَا وَأَعْتَقَهُمَا الْمُشْتَرِي
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْأَحْكَامُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا كَيْفِيَّتُهُ وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الثَّانِي، وَقَدْ جَعَلَهُ فِي الْبَدَائِعِ نَوْعَيْنِ نَوْعٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمَوْلَى وَنَوْعٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَنَقُولُ لِلْمَوْلَى إلَخْ وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُؤَلِّفِ أَنْ يَفْعَلَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي يَقُولُ وَأَمَّا الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ) لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى اسْتِخْدَامِ الْحُرِّ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَقَوْلُهُ وَيَسْتَغِلُّهُمَا أَيْ يَسْتَكْسِبُهُمَا وَتَكُونُ الْغَلَّةُ وَالْكَسْبُ لِلْمَوْلَى قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ دِيَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ وَإِيجَابُ الْقِيمَتَيْنِ دُونَ قِيمَةٍ وَدِيَةٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْعِتْقَ غَيْرُ نَازِلٍ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَتَلَ عَبْدًا خَطَأً وَأَنَّهُ يُوجِبُ الْقِيمَةَ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِنُزُولِ الْعِتْقِ فَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ مَنْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ إذْ لَا يُعْلَمُ مَنْ الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الدِّيَةِ مَعَ الشَّكِّ، وَالْقِيمَةُ مُتَيَقَّنَةٌ فَتَجِبُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَنْ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ إنَّمَا الْجَهَالَةُ فِيمَنْ لَهُ وَأَمَّا انْقِسَامُ الْقِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِأَحَدِ الْبَدَلَيْنِ هُوَ الْمَوْلَى وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْبَدَلِ الْآخَرُ هُوَ الْوَارِثُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ فِي حَالٍ وَلَا يَسْتَحِقُّ فَوُجُوبُ أَحَدِ الْقِيمَتَيْنِ حُجَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَانْقِسَامُهُمَا حُجَّةُ الْقَوْلِ الْآخَرِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى الثَّانِي الدِّيَةُ لِلْوَرَثَةِ) قَالَ فِي
стр. 1436
أُمِرَ الْبَائِعُ بِاخْتِيَارِ الْعِتْقِ وَأَيَّهُمَا اخْتَارَ عِتْقَهُ عَتَقَ الْآخَرُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَإِنْ مَاتَ الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيَانِ قَامَ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فَإِنْ لَمْ يُعْتِقْ الْمُشْتَرِي حَتَّى مَاتَ الْبَائِعُ لَمْ يَنْقَسِمْ الْعِتْقُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَفْسَخَ الْقَاضِي الْبَيْعَ فَإِذَا فَسَخَهُ انْقَسَمَ وَعَتَقَ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ، وَلَوْ وَهَبَهُمَا قَبْلَ الِاخْتِيَارِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِمَا أَوْ تَزَوَّجَ عَلَيْهِمَا تَخَيَّرَ فَيَخْتَارُ الْعِتْقَ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ وَتَجُوزُ الصَّدَقَةُ وَالْهِبَةُ وَالْأَمْهَارُ فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ أَحَدِهِمَا لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَمَعَ فِي الْهِبَةِ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ الْعِتْقَ فِي أَحَدِهِمَا بَطَلَتْ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فِيهِمَا وَبَطَلَ إمْهَارُهُ لِشُيُوعِ الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ، وَلَوْ أَسَرَهُمَا أَهْلُ الْحَرْبِ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ الْعِتْقَ وَيَكُونُ الْآخَرُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ حَتَّى مَاتَ بَطَلَ مِلْكُ أَهْلِ الْحَرْبِ لِشُيُوعِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمَا، وَلَوْ اشْتَرَاهُمَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ تَاجِرٌ فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ عِتْقَ أَيِّهِمَا شَاءَ وَيَأْخُذَ الْآخَرَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَإِنْ اشْتَرَى التَّاجِرُ أَحَدَهُمَا فَاخْتَارَ الْمَوْلَى عِتْقَهُ وَبَطَلَ الشِّرَاءُ فَإِنْ أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِالثَّمَنِ عَتَقَ الْآخَرُ، وَلَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ فِي الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إضَافَةَ الْعِتْقِ إلَى الْمَجْهُولِ إيقَاعٌ وَتَنْجِيزٌ إذْ لَوْ كَانَ تَعْلِيقًا لَاعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ كَالْإِنْشَاءِ فِي الْمَرَضِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا يَكُونُ بَيَانًا وَمَا لَا يَكُونُ بَيَانًا، وَلَوْ قَالَ أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَهُ ثَلَاثَةٌ عَتَقُوا جَمِيعًا، وَلَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ حُرٌّ وَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا لَمْ يَعْتِقْ إلَّا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ عَتَقَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ بِاللَّفْظِ الثَّانِي جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدَيْنِ فَقَالَ أَحَدُكُمْ حُرٌّ فَلَمْ يَصِحَّ، ثُمَّ بِاللَّفْظِ الثَّالِثِ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَحُرَّيْنِ فَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْت حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ يُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ فَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الْحُرِّيَّةَ عَتَقَ وَإِنْ قَالَ عَنَيْت التَّدْبِيرَ صَارَ مُدَبَّرًا فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَالْقَوْلُ فِي الصِّحَّةِ عَتَقَ نِصْفُهُ بِالْإِعْتَاقِ الْبَاتِّ وَنِصْفُهُ بِالتَّدْبِيرِ لِشُيُوعِ الْعِتْقَيْنِ فِيهِ إلَّا أَنَّ نِصْفَهُ يَعْتِقُ مَجَّانًا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَنِصْفُهُ يَعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ سَوَاءٌ كَانَ التَّدْبِيرُ فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ كُلُّ النِّصْفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ عَتَقَ ثُلُثُ النِّصْفِ وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ النِّصْفِ وَهُوَ ثُلُثُ الْكُلِّ.
أَمَّا الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ وَالْخِيَارُ لَا يُورَثُ لِشُيُوعِ الْعِتْقِ وَيَسْعَى فِي نِصْفِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمُزَاحَمُ لَهُ مُحْتَمِلًا لِلْعِتْقِ وَهُوَ مِمَّنْ يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ فِيهِ بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ، وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَا يَعْتِقُ عَبْدُهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِاحْتِمَالِهِ كُلًّا مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ الْمُزَاحِمُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الْإِعْتَاقَ كَمَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَبَهِيمَةٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ حَجَرٍ، وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لِلْإِخْبَارِ وَهُوَ صَادِقٌ، وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدِهِ وَمُدَبَّرِهِ، وَقَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَا يَصِيرُ عَبْدُهُ مُدَبَّرًا إلَّا بِالنِّيَّةِ، أَمَّا الْجَهَالَةُ الطَّارِئَةُ بِأَنْ أَضَافَهُ إلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا التَّصَرُّفِ، ثَانِيهُمَا فِي أَحْكَامِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ أَحَدَهُمَا حُرٌّ قَبْلَ الْبَيَانِ وَالْبَيَانُ فِيهِ إظْهَارٌ، أَمَّا الثَّانِي
ــ
[منحة الخالق]
الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْأَوَّلِ أَوْجَبَ تَعَيُّنَ الثَّانِي لِلْحُرِّيَّةِ وَالْأَوَّلِ لِلرِّقِّ.
(قَوْلُهُ: لِشُيُوعِ الْعِتْقِ بِمَوْتِهِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ فَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ وَمُعْتِقُ الْبَعْضِ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ مِنْ الْغَيْرِ.
(قَوْلُهُ: لِشُيُوعِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِمَا) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ الْمَوْلَى شَاعَتْ الْحُرِّيَّةُ وَعَتَقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ فَتَعَذَّرَ التَّمَلُّكُ وَفِيهِ، وَلَوْ أَسَرَ أَهْلُ الْحَرْبِ أَحَدَهُمَا لَمْ يَمْلِكُوهُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حُرٌّ وَثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ أَحَدَهُمَا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ إيَّاهُ اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلْمِلْكِ فَقَدْ بَاعَ مِلْكَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَصَحَّ.
(قَوْلُهُ: عَتَقَ الْآخَرُ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّ أَخْذَهُ إيَّاهُ إعَادَةٌ لَهُ إلَى قَدِيمِ مِلْكِهِ فَيَتَعَيَّنُ الْآخَرُ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ ثَلَاثَةٌ عَتَقُوا) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ كَمَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاء أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَبْدٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ أَحَدٍ لَا تَقْتَضِي آحَادًا أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْصُوفٌ أَنَّهُ أَحَدٌ وَلَا مِثْلَ لَهُ وَلَا شَرِيكَ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ بِاللَّفْظِ الثَّالِثِ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَحُرَّيْنِ) هَكَذَا رَأَيْته فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ مُقَابِلَ قَوْلِهِ وَالْقَوْلُ فِي الصِّحَّةِ وَفِي الْبَدَائِعِ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْقَوْلُ فِي الصِّحَّةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْمَرَضِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ الثُّلُثِ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْحُكْمُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى) هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْبَدَائِعِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ سَابِقًا.
(قَوْلُهُ: وَالْخِيَارُ لَا يُوَرَّثُ) أَيْ فَلَا يَقُومُ الْوَارِثُ فِيهِ مَقَامَهُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: ثُمَّ فَرَّقَا بَيْنَ هَذَا الْخِيَارِ وَبَيْنَ خِيَارِ التَّعْيِينِ فِي بَابِ الْبَيْعِ فَإِنَّ الْوَارِثَ هُنَاكَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِي الْبَيَانِ أَنَّ هُنَاكَ مَلَكَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ مَجْهُولًا فَمَتَى جَرَى الْإِرْثُ يَثْبُتُ وِلَايَةُ التَّعْيِينِ أَمَّا هَا هُنَا فَأَحَدُهُمَا حُرٌّ أَوْ اسْتَحَقَّ الْحُرِّيَّةَ وَذَلِكَ يَمْنَعُ جَرَيَانَ الْإِرْثِ فِي أَحَدِهِمَا.
(قَوْلُهُ: لِشُيُوعِ الْعِتْقِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ يَعْتِقُ.
(قَوْلُهُ: تَوَقَّفَ عَلَى النِّيَّةِ) هَذَا قَوْلُهُمَا وَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ فَإِنَّ عَبْدَهُ يَعْتِقُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِالنِّيَّةِ
стр. 1437
فَهِيَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يَتَعَلَّقُ بِحَيَاةِ الْمَوْلَى وَالْآخَرُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ عَنْ وَطْئِهِنَّ وَاسْتِخْدَامِهِنَّ، وَالْحِيلَةُ فِي أَنْ يُبَاحَ لَهُ وَطْؤُهُنَّ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ فَتَحِلَّ لَهُ الْحُرَّةُ مِنْهُنَّ وَيَأْمُرُهُ الْقَاضِي بِالْبَيَانِ فَإِنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ لِيُبَيِّنَ وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ وَلَا بَيِّنَةَ وَجَحَدَ اسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاَللَّهِ مَا أَعْتَقْته.
فَإِنْ نَكَلَ لَهُمَا عَتَقَا وَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا أُمِرَ بِالْبَيَانِ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ أَحَدِهِمَا لَا تَرْتَفِعُ بِالْيَمِينِ فَإِنْ حَلَفَ الْمَوْلَى لِلْأَوَّلِ عَتَقَ الَّذِي لَمْ يَحْلِفْ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَهُ عَتَقَ هُوَ وَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا وَكَانَا أَمَتَيْنِ يُحْجَبُ عَنْهُمَا حَتَّى يُبَيِّنَ وَالْبَيَانُ فِي هَذِهِ الْجَهَالَةِ نَوْعَانِ نَصٌّ وَدَلَالَةٌ أَوْ ضَرُورَةٌ فَالنَّصُّ أَنْ يُعَيِّنَهُ بِقَوْلِهِ، أَمَّا الدَّلَالَةُ أَوْ الضَّرُورَةُ فَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ يَقُولَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَيَانِ كَأَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَحَدِهِمَا تَصَرُّفًا لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِعْتَاقِ، وَكَذَا إذَا كَانَا أَمَتَيْنِ فَوَطِئَ إحْدَاهُمَا عَتَقَتْ الْأُخْرَى بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ الْجَهَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَإِنْ كُنَّ عَشْرًا فَوَطِئَ إحْدَاهُنَّ تَعَيَّنَتْ الْمَوْطُوءَةُ لِلرِّقِّ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ وَتَعَيَّنَتْ الْبَاقِيَاتُ لِكَوْنِ الْمُعْتَقَةِ فِيهِنَّ فَتَتَعَيَّنُ بِالْبَيَانِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ إلَى التَّاسِعَةِ فَتَتَعَيَّنُ الْبَاقِيَةُ وَهِيَ الْعَاشِرَةُ لِلْعِتْقِ، وَلَوْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ قَبْلَ الْبَيَانِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا يَطَأَ الْبَاقِيَاتِ قَبْلَ الْبَيَانِ فَلَوْ فَعَلَ جَازَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَذَكَّرَ أَنَّ الْمُعْتَقَةَ هِيَ الْمَيِّتَةُ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ هُنَا لَا يَتَعَيَّنُ لِلْعِتْقِ بِخِلَافِ الْجَهَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ اثْنَتَيْنِ فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لَا تَتَعَيَّنُ الْبَاقِيَةُ لِلْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَةَ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِلْمِلْكِ فَوَقَفَ تَعَيُّنُهَا لِلْعِتْقِ عَلَى الْبَيَانِ، وَلَوْ قَالَ الْمَوْلَى هَذَا مَمْلُوكٌ وَأَشَارَ إلَى أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ لِلْعِتْقِ دَلَالَةً أَوْ ضَرُورَةً.
وَلَوْ بَاعَهُمَا جَمِيعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا، وَكَذَا لَوْ كَانُوا عَشْرَةً بَاعَهُمْ صَفْقَةً، وَلَوْ بَاعَهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ جَازَ الْبَيْعُ فِي التِّسْعِ وَتَعَيَّنَ الْعَاشِرُ لِلْعِتْقِ، أَمَّا الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ الْمَوْلَى إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُهُ مَجَّانًا وَيَسْعَى كُلٌّ فِي نِصْفِهِ كَمَا فِي الْجَهَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ مَعَ اخْتِصَارِ وَحَذْفِ الدَّلَائِلِ.
(قَوْلُهُ وَالْبَيْعُ وَالْمَوْتُ وَالتَّحْرِيرُ وَالتَّدْبِيرُ بَيَانٌ فِي الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ وَالتَّحْرِيرِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْبَيْعِ وَلِلْعِتْقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالتَّدْبِيرِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ؛ وَلِأَنَّهُ بِالْبَيْعِ قَصَدَ الْوُصُولَ إلَى الثَّمَنِ وَبِالتَّدْبِيرِ إبْقَاءَ الِانْتِفَاعِ إلَى مَوْتِهِ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُنَافِيَانِ الْعِتْقَ الْمُلْتَزَمَ فَتَعَيَّنَ الْآخَرُ دَلَالَةً وَالِاسْتِيلَادُ وَالْكِتَابَةُ كَالتَّدْبِيرِ وَالْمُرَادُ بِالتَّحْرِيرِ أَنْ يُعْتِقَ أَحَدَهُمَا نَاوِيًا اسْتِئْنَافَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ لَا بَيَانَ لِلْمُبْهَمِ فَلَوْ قَالَ لِأَحَدِهِمَا أَنْت حُرٌّ أَوْ أَعْتَقْتُك وَلَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ اللَّفْظِ أَوْ بِالْعِتْقِ السَّابِقِ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ عِتْقًا مُسْتَأْنَفًا عَتَقَا جَمِيعًا هَذَا بِالْإِعْتَاقِ الْمُسْتَأْنَفِ وَذَلِكَ بِاللَّفْظِ السَّابِقِ وَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِهِ الَّذِي لَزِمَنِي بِقَوْلِي أَحَدُكُمَا حُرٌّ يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ أَعْتَقْتُك عَلَى اخْتِيَارِ الْعِتْقِ أَيْ اخْتَرْت عِتْقَك وَأَشَارَ بِالْبَيْعِ إلَى كُلِّ تَصَرُّفٍ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ كَهِبَةِ أَحَدِهِمَا أَوْ صَدَقَتِهِ أَوْ رَهْنِهِ أَوْ إجَارَتِهِ أَوْ الْإِيصَاءِ بِهِ أَوْ تَزْوِيجِهِ فَكَانَ إقْدَامُهُ دَلِيلًا عَلَى اخْتِيَارِهِ الْعِتْقَ الْمُبْهَمَ فِي الْآخَرِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِتْقَ غَيْرُ نَازِلٍ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنُزُولِهِ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهَا يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلْمِلْكِ فِي الْمُتَصَرَّفِ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِلْعِتْقِ ضَرُورَةً وَشَرَطَ فِي الْهِدَايَةِ التَّسْلِيمَ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لِيَكُونَ تَمْلِيكًا، وَظَاهِرُ الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَمَةَ إذَا كَانَتْ بَيَانًا فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ أَوْلَى بِلَا قَبْضٍ وَفِي الْكَافِي أَنَّ ذِكْرَ التَّسْلِيمِ وَقَعَ اتِّفَاقًا وَأُطْلِقَ فِي الْبَيْعِ فَشَمِلَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ مَعَ الْقَبْضِ وَبِدُونِهِ وَشَمِلَ الْمُطْلَقَ وَبِشَرْطِ الْخِيَارِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ) أَيْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ أَنَّهُ الْحُرُّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ حَلَفَ الْمَوْلَى لِلْأَوَّلِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْبَدَائِعِ بَعْدَ قَوْلِهِ بِالْيَمِينِ هَكَذَا وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الطَّلَاقِ يَكُونُ ذَلِكَ رِوَايَةً فِي الْعَتَاقِ وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا اُسْتُحْلِفَا فَحَلَفَ الْمَوْلَى لِلْأَوَّلِ يَعْتِقُ الَّذِي لَمْ يَحْلِفْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَلَفَ لِلْأَوَّلِ وَاَللَّهِ مَا أَعْتَقَهُ فَقَدْ أَقَرَّ بِرِقِّيَّتِهِ فَيَتَعَيَّنُ الْآخَرُ لِلْحُرِّيَّةِ كَمَا إذَا قَالَ ابْتِدَاءً لِأَحَدِهِمَا عَيْنًا هَذَا عَبْدٌ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ لَهُ الْحُرِّيَّةُ.
(قَوْلُهُ: عِنْدَ الْإِمَامِ) قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: لِأَنَّ الْعِتْقَ غَيْرُ نَازِلٍ فِي إحْدَاهُمَا فَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَلَالَ الْوَطْءِ.
(قَوْلُهُ: فَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا يَطَأَ الْبَاقِيَاتِ إلَخْ) ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ يُمْنَعُ عَنْ وَطْئِهِنَّ وَاسْتِخْدَامِهِنَّ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ آنِفًا مَا نَصُّهُ؛ لِأَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حُرَّةٌ بِيَقِينٍ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْحُرَّةُ وَوَطْءُ الْحُرَّةِ مِنْ غَيْرِ نِكَاحٍ حَرَامٌ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْحَرَامِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَطَأَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِالتَّحَرِّي تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْجَهَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ) أَيْ إذَا مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَإِنَّ الْمَيِّتَةَ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ هُنَاكَ غَيْرُ نَازِلَةٍ فِي إحْدَاهُنَّ وَإِنَّمَا تَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ وَالْمَحَلُّ لَيْسَ بِقَابِلٍ لِلْحُرِّيَّةِ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ وَفِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْبَيَانِ إظْهَارٌ وَتَعْيِينٌ لِمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ مِنْ الْأَصْلِ
стр. 1438
لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِإِطْلَاقِ جَوَابِ الْكِتَابِ وَالْمَعْنَى مَا قُلْنَا وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ مُلْحَقٌ بِهِ فِي الْمَحْفُوظِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَطْلَقَ فِي التَّحْرِيرِ فَشَمِلَ الْمُعَلَّقَ وَالْمُنَجَّزَ فَإِنْ قَالَ لِأَحَدِهِمَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ عَتَقَ الْآخَرُ وَقَيَّدَ بِالْعِتْقِ الْمُبْهَمِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي النَّسَبِ الْمُبْهَمِ أَوْ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ الْمُبْهَمَةِ لَا يَكُونُ بَيَانًا فَلَوْ قَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ ابْنِي أَوْ أَحَدُ هَاتَيْنِ أُمُّ وَلَدِي فَمَاتَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْآخَرُ لِلْحُرِّيَّةِ وَالِاسْتِيلَادِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ، بَلْ إخْبَارٌ عَنْ شَيْءٍ سَابِقٍ وَالْإِخْبَارُ يَصِحُّ فِي الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فَيَقِفُ عَلَى بَيَانِهِ بِخِلَافِ أَحَدُكُمَا حُرٌّ إنْشَاءً، وَالْإِنْشَاءُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْحَيِّ وَأُطْلِقَ فِي الْمَوْتِ فَشَمِلَ الْقَتْلَ سَوَاءٌ قَتَلَهُ الْمَوْلَى أَوْ أَجْنَبِيٌّ.
فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ مِنْ الْمَوْلَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ لِلْمَوْلَى فَإِنْ اخْتَارَ الْمَوْلَى عِتْقَ الْمَقْتُولِ لَا يَرْتَفِعُ الْعِتْقُ عَنْ الْحَيِّ، وَلَكِنْ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى قَدْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ قِيمَتِهِ وَقَيَّدَ بِالْمَوْتِ احْتِرَازًا عَنْ قَطْعِ الْيَدِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْآخَرُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَطْعُ مِنْ الْمَوْلَى أَوْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَبَيَّنَ الْمَوْلَى الْعِتْقَ فِي غَيْرِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَالْأَرْشُ لِلْمَوْلَى بِلَا شَكٍّ وَإِنْ بَيَّنَهُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ الْأَرْشَ لِلْمَوْلَى لَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْأَرْشَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ التَّنْجِيزِ وَالْأَوَّلُ قِيَاسُ مَذْهَبِ التَّعْلِيقِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَا يَقَعُ بِهِ الْبَيَانُ فِي الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ الْمُنَجَّزِ يَقَعُ بِهِ فِي الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ الْمُعَلَّقِ كَأَنْ قَالَ إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَأَحَدُكُمَا حُرٌّ فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الشَّرْطِ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ، ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ عَتَقَ الْبَاقِي وَفُرِّقَ بَيْنَ الْبَيَانِ الْحُكْمِيِّ وَالصَّرِيحِ فَإِنَّ الْحُكْمِيَّ قَدْ رَأَيْت أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ الشَّرْطِ بِخِلَافِ الصَّرِيحِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ قَبْلَ الشَّرْطِ اخْتَرْت أَنْ يَعْتِقَ فُلَانٌ، ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ قَبْلَ وَقْتِهِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ دَخَلْت هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، ثُمَّ عَيَّنَ إحْدَاهُمَا لِلْحِنْثِ لَا يَصِحُّ تَعْيِينُهُ، وَلَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، ثُمَّ اشْتَرَاهُمَا، ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ ثَبَتَ حُكْمُ الْعِتْقِ الْمُبْهَمِ فَيَعْتِقُ أَحَدُهُمَا وَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يُبْطِلُهَا اهـ.
وَفِي الِاخْتِيَارِ لَوْ قَالَ أَحَدُكُمَا حُرٌّ فَقِيلَ أَيَّهُمَا نَوَيْت؟ فَقَالَ لَمْ أَعْنِ هَذَا عَتَقَ الْآخَرُ، فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ أَعْنِ هَذَا عَتَقَ الْأَوَّلُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ طَلَاقُ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ بِخِلَافِ مَاذَا قَالَ لِأَحَدِ هَذَيْنِ عَلَى أَلْفٍ فَقِيلَ لَهُ هُوَ هَذَا فَقَالَ لَا لَا يَجِبُ لِلْآخَرِ شَيْءٌ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّعْيِينَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِذَا نَفَاهُ عَنْ أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ إقَامَةً لِلْوَاجِبِ أَمَّا الْإِقْرَارُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لِلْمَجْهُولِ لَا يَلْزَمُ حَتَّى لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ نَفْيُ أَحَدِهِمَا تَعْيِينًا لِلْآخَرِ.
(قَوْلُهُ: لَا الْوَطْءُ) أَيْ لَا يَكُونُ وَطِئَ إحْدَى الْأَمَتَيْنِ بَيَانًا لِلْعِتْقِ الْمُبْهَمِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا هُوَ بَيَانٌ فَتَعْتِقُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَإِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ فَكَانَ بِالْوَطْءِ مُسْتَبْقِيًا الْمِلْكَ فِي الْمَوْطُوءَةِ فَتَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِزَوَالِهِ بِالْعِتْقِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ.
وَلَهُ أَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ فِي النَّكِرَةِ وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ فَكَانَ وَطْؤُهَا حَلَالًا فَلَا يُجْعَلُ بَيَانًا وَلِهَذَا حَلَّ وَطْؤُهُمَا عَلَى مَذْهَبِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُفْتَى بِهِ، ثُمَّ يُقَالُ الْعِتْقُ غَيْرُ نَازِلٍ قَبْلَ الْبَيَانِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ أَوْ يُقَالُ نَازِلٌ فِي الْمُنْكَرِ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمٍ يَقْبَلُهُ وَالْوَطْءُ يُصَادِفُ الْمُعَيَّنَةَ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ النِّكَاحِ الْوَلَدُ وَقَصْدُ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمِلْكِ فِي الْمَوْطُوءَةِ صِيَانَةً لِلْوَلَدِ أَمَّا الْأَمَةُ فَالْمَقْصُودُ مِنْ وَطْئِهَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبْقَاءِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهُمَا كَمَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُمَا، وَقَدْ وَضَعَ فِي الْأُصُولِ مَسْأَلَةً يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ أَحَدُ أَشْيَاءَ كَمَا يَجُوزُ إيجَابُ أَحَدِ أَشْيَاءَ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَحُكْمُ تَحْرِيمِ أَحَدِ أَشْيَاءَ جَوَازُ فِعْلِهَا إلَّا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَمَّهَا فِعْلًا كَانَ فَاعِلًا لِلْمُحَرَّمِ قَطْعًا وَلَا يُعْلَمُ خِلَافٌ فِي ذَلِكَ وَثُبُوتُ الْمِلْكِ قَدْ يَمْتَنِعُ مَعَهُ الْوَطْءُ لِعَارِضٍ كَالرَّضَاعِ وَالْمَجُوسِيَّةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ قِيَامُهُ حِلَّ الْوَطْءِ
ــ
[منحة الخالق]
فَلَمْ تَكُنْ الْحَيَاةُ شَرْطًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
стр. 1439
وَقَدْ أَطَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إطَالَةً حَسَنَةً.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ قَوْلُهُمَا وَأَنَّهُ لَا يُفْتَى بِقَوْلِ الْإِمَامِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الِاحْتِيَاطِ مَعَ أَنَّ الْإِمَامَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَاظِرٌ إلَى الِاحْتِيَاطِ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ، قَيَّدْنَا الْوَطْءَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعَلَّقٍ؛ لِأَنَّهَا لَوْ عُلِّقَتْ بِهِ عَتَقَتْ الْأُخْرَى بِالِاتِّفَاقِ وَقَيَّدَ بِالْعِتْقِ الْمُبْهَمِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي التَّدْبِيرِ الْمُبْهَمِ لَا يَكُونُ بَيَانًا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْمَنَافِعِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَبَّلَهَا أَوْ لَمَسَهَا أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ لَا يَكُونُ بَيَانًا بِالْأَوْلَى وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَخْدَمَ أَحَدَهُمَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَا يَكُونُ بَيَانًا وَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ لَا يُنَافِي إنْشَاءَ الْعِتْقِ وَلَا يُبْطِلُهُ الْإِنْشَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تُسْتَخْدَمُ الْحُرَّةُ فَلَا يَكُونُ بَيَانًا دَلَالَةً كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ وَالْمَوْتُ بَيَانٌ فِي الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ) أَيْ الْوَطْءُ بَيَانٌ لِلطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ فَتَطْلُقُ الَّتِي لَمْ يَطَأْهَا كَمَا إذَا مَاتَتْ إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى لِلطَّلَاقِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ بَائِنًا لِمَا لَوْ كَانَ رَجْعِيًّا لَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا لِطَلَاقِ الْأُخْرَى لِحِلِّ وَطْءِ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَهَلْ الْبَيَانُ يَثْبُتُ فِي الطَّلَاقِ بِالْمُقَدِّمَاتِ فِي الزِّيَادَاتِ لَا يَثْبُتُ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ يَحْصُلُ بِالتَّقْبِيلِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْوَطْءِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَيَّدَ بِالْوَطْءِ وَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيَانًا؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُخْرَى هِيَ الْمُطَلَّقَةُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ ذَكَرًا فَأَنْت حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى وَلَمْ يَدْرِ الْأَوَّلَ رَقَّ الذَّكَرُ وَعَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَالْأُنْثَى) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا عَتَقَتْ الْأُمُّ بِالشَّرْطِ وَالْجَارِيَةُ لِكَوْنِهَا تَبَعًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْأُمَّ حُرَّةٌ حِينَ وَلَدَتْهَا وَتَرِقُّ فِي حَالٍ وَهُوَ مَا إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا لِعَدَمِ الشَّرْطِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَتَسْعَى فِي النِّصْفِ أَمَّا الْغُلَامُ فَيَرِقُّ فِي الْحَالَيْنِ فَلِهَذَا يَكُونُ عَبْدًا، وَهَذَا الْجَوَابُ كَمَا تَرَى فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِ، وَالْمَذْكُورُ لِمُحَمَّدٍ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِعِتْقٍ وَاعْتِبَارُ الْأَحْوَالِ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْحُرِّيَّةِ وَلَا يَجُوزُ إيقَاعُ الْعِتْقِ بِالشَّكِّ فَعَنْ هَذَا حَكَمَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ مُحَمَّدًا كَانَ أَوَّلًا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ رَجَعَ وَفِي النِّهَايَةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَيْسَ جَوَابَ هَذَا الْفَصْلِ، بَلْ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمَوْلَى بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا فَإِنْ نَكَلَ فَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ وَإِنْ حَلَفَ فَكُلُّهُمْ أَرِقَّاءُ، أَمَّا جَوَابُ هَذَا الْفَصْلِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَالَ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْهُمَا وَلَا يَدْرِي الْأَوَّلَ فَالْغُلَامُ رَقِيقٌ وَالْأُنْثَى حُرَّةٌ وَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأُمِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَيْسَ جَوَابَ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَعْتِقُ جَمِيعُ الْجَارِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا عَتَقَتْ بِالشَّرْطِ وَإِنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا عَتَقَتْ تَبَعًا لِلْأُمِّ، أَمَّا انْتِصَافُ عِتْقِ الْأُمِّ فَلِأَنَّهَا تَعْتِقُ فِي وِلَادَةِ الْغُلَامِ أَوَّلًا وَتَرِقُّ فِي الْجَارِيَةِ، وَجَوَابُ الْكِتَابِ عِتْقُ نِصْفِهَا مَعَ نِصْفِ الْأُمِّ وَصَحَّحَ فِي النِّهَايَةِ مَا فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي لَمْ يُتَيَقَّنْ وُجُودُهُ إذَا كَانَ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهُ كَمَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ غَدًا فَأَنْت حُرٌّ فَمَضَى الْغَدُ وَلَا يَدْرِي أَدَخَلَ الدَّارَ أَمْ لَا لِلشَّكِّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ فَكَذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِ الْعِتْقِ وَهُوَ وِلَادَةُ الْغُلَامِ أَوَّلًا.
أَمَّا إذَا كَانَ الشَّرْطُ مَذْكُورًا فِي طَرَفَيْ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ كَانَ أَحَدُهُمَا مَوْجُودًا لَا مَحَالَةَ فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إلَى اعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ فَإِنْ قُلْتُ: الْمَفْرُوضُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ تَصَادُقُهُمْ عَلَى عَدَمِ عِلْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ فَكَيْفَ يَحْلِفُ وَلَا دَعْوَى وَلَا مُنَازِعَ قُلْتُ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى دَعْوَى مِنْ خَارِجِ حِسْبَةِ عِتْقِ الْأَمَةِ أَوْ بِنْتِهَا لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَمَةَ لَوْ أَنْكَرَتْ الْعِتْقَ وَشَهِدَ بِهِ يُقْبَلُ فَعَلَى هَذَا جَازَ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ حِسْبَةَ إذَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ بَيَانًا إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِيهِ إجْمَالٌ وَالتَّفْصِيلُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ الْمُبْهَمُ رَجْعِيًّا لَا يَكُونُ طَلَاقُ الْمُعَيَّنَةِ بَيَانًا رَجْعِيًّا كَانَ أَوْ بَائِنًا وَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَإِنْ كَانَ طَلَاقُ الْمُعَيَّنَةِ رَجْعِيًّا فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا كَانَ بَيَانًا لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ الْبَائِنَ لَا يَلْحَقُ الْبَائِنَ.
(قَوْلُهُ: مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوْ لَا) كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَهَكَذَا رَأَيْته فِي الْفَتْحِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُصَلَّحًا بِإِبْدَالِ الْجَارِيَةِ بِالْغُلَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ
стр. 1440
لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ لِيَحْلِفَ لِرَجَاءِ نُكُولِهِ هَذَا، وَلَكِنْ الْمَذْكُورُ فِي الْمَبْسُوطِ فِي تَعْلِيلِهِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْأُمَّ تَدَّعِي الْعِتْقَ وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ لِلْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ فَأَفَادَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صُورَةِ دَعْوَى الْأُمِّ وَهِيَ غَيْرُ هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ مِنْ تَرْجِيحِ مَا فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ حَقِيقَتُهُ إبْطَالُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُمَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ تُخَالِفُ ذَلِكَ فِي الْجَوَابِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ الْكَائِنَ فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ إلَى آخِرِهِ قَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ الظَّاهِرِ لَا الْخَفِيِّ.
وَلِذَا قَيَّدَ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ إذَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَدُخُولِ الدَّارِ فَقَالَ الْعَبْدُ فَعَلْت لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي إلَى آخِرِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً فَيُوجِبُ الشَّكُّ فِيهَا اعْتِبَارَ الْأَحْوَالِ فَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأُمِّ كَمَا فِي الْجَامِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ جَعْلَ الْوِلَادَةِ مِنْ الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ كَمَحَبَّةِ الْقَلْبِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ مَا يُمْكِنُ اطِّلَاعُ الْغَيْرِ عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ بِالْخَفِيَّةِ مَا لَا يُمْكِنُ اطِّلَاعُ الْغَيْرِ عَلَيْهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوِلَادَةَ مِمَّا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا وَلِذَا اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي الْوِلَادَةِ، وَلَوْ كَانَتْ كَالْمَحَبَّةِ لَقُبِلَ قَوْلُهَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوَافِقُ الْأُصُولَ وَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِإِبْطَالِ هَذَا الْجَوَابِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ؛ لِأَنَّ جَوَابَهَا نَصُّ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِمَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ مَشَايِخَنَا يَعْتَبِرُونَ الْأَحْوَالَ عِنْدَ تَعَدُّدِ الشَّرْطِ، وَعِنْدَ التَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ لَهُ جُزْءَانِ كَمَسْأَلَتِنَا.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْعِتْقَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ لَهُ جُزْءَانِ) أَحَدُهُمَا وِلَادَةُ الْغُلَامِ وَثَانِيهِمَا كَوْنُهُ أَوَّلٌ فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إذَا تَحَقَّقَ وُجُودُ الْبَعْضِ وَوَقَعَ التَّرَدُّدُ فِي تَعْيِينِهِ فَحِينَئِذٍ تُعْتَبَرُ الْأَحْوَالُ فَإِنَّ فِي مَسْأَلَتِنَا تَحَقَّقَ وِلَادَةُ الْغُلَامِ لَكِنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ أَوَّلُ بِخِلَافِ التَّعْلِيقِ بِدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الشَّرْطَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهُ فَلَا تُعْتَبَرُ الْأَحْوَالُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ جُزْأَيْنِ فَهُوَ كَالتَّعْلِيقِ بِشَرْطَيْنِ وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ مَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَتَتَوَافَقُ الْفُرُوعُ مَعَ الْأُصُولِ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ عِلْمِ الْأَوَّلِ تَصَادُقُهُمْ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْأَوَّلِ وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وِلَادَةَ الْغُلَامِ أَوَّلًا أَوْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وِلَادَةَ الْجَارِيَةِ أَوَّلًا فَلَا يَعْتِقُ أَحَدٌ فِي الثَّانِي وَيَعْتِقُ كُلُّ الْأُمِّ وَالْجَارِيَةِ فِي الْأَوَّلِ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَالرَّابِعَةُ لَوْ اخْتَلَفَا فَادَّعَتْ الْأُمُّ وِلَادَةَ الْغُلَامِ أَوَّلًا وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى وَالْجَارِيَةُ صَغِيرَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ شَرْطَ الْعِتْقِ وَيَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْغَيْرِ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَتْ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْأُمِّ حُرِّيَّةَ الصَّغِيرِ مُعْتَبَرَةٌ؛ لِأَنَّهَا نَفْعٌ مَحْضٌ وَلَهَا عَلَيْهَا وِلَايَةٌ لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهَا أَبٌ، الْخَامِسَةُ أَنْ تَدَّعِيَ الْأُمُّ بِأَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْأَوَّلُ وَلَمْ تَدَّعِ الْبِنْتَ وَهِيَ كَبِيرَةٌ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الْمَوْلَى فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَإِنْ نَكَلَ عَتَقَتْ الْأُمُّ دُونَ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا تَتَعَدَّى وَلَا ضَرُورَةَ فِي غَيْرِ الْمُدَّعِيَةِ هَكَذَا ذَكَرُوا، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا لَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ تَتَعَدَّى، السَّادِسَةُ أَنْ تَدَّعِيَ الْبِنْتُ وَهِيَ كَبِيرَةٌ أَنَّ الْغُلَامَ هُوَ الْأَوَّلُ وَلَمْ تَدَّعِ الْأُمُّ فَتَعْتِقُ الْبِنْتُ إذَا نَكَلَ دُونَ الْأُمِّ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الشَّرْطِ وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَعَدِّدًا فَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ الْأَوَّلُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْهُمَا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَوَّلًا عَتَقَ الْأُمُّ وَالْجَارِيَةُ لَا غَيْرُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَارِيَةَ هِيَ الْأُولَى عَتَقَتْ لَا غَيْرُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَالْجَارِيَةُ حُرَّةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْغُلَامُ عَبْدٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأُمِّ وَتَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا وَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى، الثَّانِي لَوْ قَالَ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوِلَادَةَ مِمَّا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوِلَادَةِ مُطْلَقُهَا بَلْ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا وَهُوَ كَوْنُ الْغُلَامِ أَوَّلًا وَهَذَا مَعَ وِلَادَتِهِمَا فِي حَمْلٍ وَاحِدٍ مِمَّا يَخْفَى غَالِبًا.
(قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا كَانَ مُرَكَّبًا إلَخْ) تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ هَذَا التَّعْمِيمِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحُكْمِ فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ قَبْلَ زَيْدٍ فَأَنْت حُرٌّ، وَوُجِدَ الدُّخُولُ وَلَمْ تُدْرَ الْقَبْلِيَّةُ فَإِنَّ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ اعْتِبَارُ الْأَحْوَالِ مَعَ أَنَّ الرِّقَّ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِوُقُوعِ الْجُزْءِ الْآخَرِ تَأَمَّلْ..
следующие страницы →