Полный текст (3 122 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
حَلِفًا، وَفِي الْمَبْسُوطِ إنَّ الْغَمُوسَ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْيَمِينَ عَقْدٌ مَشْرُوعٌ، وَالْكَبِيرَةَ ضِدُّ الْمَشْرُوعِ وَلَكِنْ سُمِّيَتْ يَمِينًا مَجَازًا؛ لِأَنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الْكَبِيرَةِ بِصُورَةِ الْيَمِينِ كَمَا سُمِّيَ بَيْعُ الْحُرِّ بَيْعًا مَجَازًا لِوُجُودِ صُورَةِ الْبَيْعِ فِيهِ اهـ.
وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَاضِي فِي الْغَمُوسِ وَاللَّغْوِ قَالُوا وَيَتَأَتَّيَانِ أَيْضًا فِي الْحَالِ فَفِي الْغَمُوسِ نَحْوُ وَاَللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيَّ دَيْنٌ وَهُوَ يَعْلَمُ خِلَافَهُ، وَوَاَللَّهِ إنَّهُ زَيْدٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَمْرٌو، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمَا وَقَعَ مِنْ التَّقْيِيدِ بِالْمَاضِي فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّ الْمَاضِيَ شَرْطٌ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ فَإِنْ قُلْت: الْحَلِفُ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْمَاضِي وَالْآتِي يَكُونُ عَلَى الْحَالِ فَلِمَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَيْضًا وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْحَلِفِ قُلْتُ: إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ لِمَعْنًى دَقِيقٍ وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ يَحْصُلُ أَوَّلًا فِي النَّفْسِ فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللِّسَانِ فَالْإِخْبَارُ الْمُعَلَّقُ بِزَمَانِ الْحَالِ إذَا حَصَلَ فِي النَّفْسِ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِاللِّسَانِ فَإِذَا تَمَّ التَّعْبِيرُ بِاللِّسَانِ انْعَقَدَ الْيَمِينُ فَزَمَانُ الْحَالِ صَارَ مَاضِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَانِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَإِذَا قَالَ كَتَبْت لَا بُدَّ مِنْ الْكِتَابَةِ قَبْلَ ابْتِدَاءِ التَّكَلُّمِ وَأَمَّا إذَا قَالَ سَوْفَ أَكْتُبُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكِتَابَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكَلُّمِ يَعْنِي ابْتِدَاءَ الزَّمَانِ الَّذِي مِنْ ابْتِدَاءِ التَّكَلُّمِ إلَى آخِرِهِ فَهُوَ زَمَانُ الْحَالِ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَهُوَ مَاضٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى آنِ الْفَرَاغِ وَهُوَ آنُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ فَيَكُونُ الْحَلِفُ عَلَيْهِ الْحَلِفَ عَلَى الْمَاضِي اهـ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ الْمُصَنِّفُ الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي - صَادِقًا - لَيْسَ مِنْهَا، وَجَوَابُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ حَصْرُ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ لَيْسَ بِدَافِعٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ كَاللَّغْوِ لَا إثْمَ فِيهَا فَكَانَ لَهَا حُكْمٌ.
(قَوْلُهُ: وَظَنًّا لَغْوٌ) أَيْ حَلِفُهُ عَلَى مَاضٍ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ - وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ - لَغْوٌ فَقَوْلُهُ ظَنًّا مَعْطُوفٌ عَلَى كَذِبًا سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَاللَّغْوُ اسْمٌ لِمَا لَا يُفِيدُ يُقَالُ لَغَا إذَا أَتَى بِشَيْءٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ اللَّغْوُ الْبَاطِلُ مِنْ الْكَلَامِ وَمِنْهُ اللَّغْوُ فِي الْأَيْمَانِ لِمَا لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبَ وَقَدْ لَغَا فِي الْكَلَامِ يَلْغُو وَيُلْغِي وَلَغَا يُلْغِي وَمِنْهُ قَوْلُهُ: فَقَدْ لَغَوْت وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ شَرْعًا فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْهِدَايَةِ وَكَثِيرٍ أَنَّهَا الْحَلِفُ عَلَى مَاضٍ يَظُنُّ أَنَّهُ كَمَا قَالَ مِنْ فِعْلٍ، أَوْ تَرْكٍ، أَوْ صِفَةٍ وَالْأَمْرُ بِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَقَدْ دَخَلْت الدَّارَ وَاَللَّهِ مَا كَلَّمْت زَيْدًا أَوْ رَأَى طَائِرًا مِنْ بَعِيدٍ فَظَنَّهُ غُرَابًا فَقَالَ وَاَللَّهِ إنَّهُ غُرَابٌ، أَوْ قَالَ إنَّهُ زَيْدٌ وَهُوَ يَظُنُّهُ كَذَلِكَ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ فِي الْكُلِّ وَمِنْ الصِّفَاتِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ حَلَّفَهُ السُّلْطَانُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأَمْرِ كَذَا فَحَلَفَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَرْجُو أَنْ لَا يَحْنَثَ اهـ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّهَا تَكُونُ فِي الْحَالِ أَيْضًا وَمِثْلُهُ فِي الْمُجْتَبَى بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ إنَّ الْمُقْبِلَ زَيْدٌ يَظُنُّهُ زَيْدًا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو، وَفِي الْبَدَائِعِ قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ خَطَأً، أَوْ غَلَطًا فِي الْمَاضِي، أَوْ فِي الْحَالِ وَهُوَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ الْمَاضِي، أَوْ عَنْ الْحَالِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ كَمَا أَخْبَرَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ فِي النَّفْيِ، أَوْ فِي الْإِثْبَاتِ وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: اللَّغْوُ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ حَقٌّ وَلَيْسَ بِحَقٍّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَمِينُ اللَّغْوِ هِيَ الْيَمِينُ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ فِي كَلِمَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَاضِي، أَوْ فِي الْحَالِ، أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا لَغْوَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ الْيَمِينُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ قَصَدَ الْيَمِينَ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ.
وَإِنَّمَا اللَّغْوُ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَقَطْ وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى إثْرِ حِكَايَتِهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اللَّغْوَ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى الْمَاضِي، أَوْ الْحَالِ وَعِنْدَنَا ذَلِكَ لَغْوٌ فَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي يَمِينٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي صَادِقًا) مَثَّلَ لَهُ فِي النَّهْرِ بِقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ إنِّي لَقَائِمٌ الْآنَ - فِي حَالِ قِيَامِهِ - وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ نَصٌّ فِي الْحَالِ وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْفَتْحِ كَوَاللَّهِ لَقَدْ قَدِمَ زَيْدٌ أَمْسِ. (قَوْلُهُ: فَكَانَ لَهَا حُكْمٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْحَقُّ مَا فِي الْبَحْرِ وَلَا وَجْهَ لِلنَّظَرِ اهـ.
وَأَجَابَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْحَصْرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ فِيمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ لَا فِي مُطْلَقِ الْيَمِينِ (قَوْلُهُ: خَطَأً، أَوْ غَلَطًا) الْخَطَأُ فِي الْجَنَانِ، وَالْغَلَطُ فِي اللِّسَانِ فَإِذَا ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَا وَحَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ بِخِلَافِهِ فَهُوَ الْخَطَأُ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ إنَّهُ قَائِمٌ فَسَبَقَ لِسَانُهُ وَقَالَ لَيْسَ بِقَائِمٍ فَهُوَ غَلَطٌ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْمُجْتَبَى بَعْدَمَا نَقَلَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ الْمَارَّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَمِينُ اللَّغْوِ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ وَهُوَ يُقَرِّرُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا ذَلِكَ لَغْوٌ إلَخْ) إنَّمَا نَسَبَهُ لِأَنَّهُ قَوْلُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي اللَّغْوِ هُوَ مَا عَزَاهُ إلَى أَصْحَابِنَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا إنَّ الْيَمِينَ اللَّغْوَ هِيَ مَا يَكُونُ عَلَى الْمَاضِي، أَوْ الْحَالِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ وَأَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ هِيَ مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ إنَّهَا تَكُونُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ أَيْضًا وَمُحَمَّدٌ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَصَارَ حَاصِلُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ
стр. 1472
لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعِنْدَنَا لَيْسَتْ بِلَغْوٍ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَهُ هِيَ لَغْوٌ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا اهـ.
وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا فِي الْمُخْتَصَرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمَاضِي، أَوْ الْحَالِ جَعَلَهَا لَغْوًا وَعَلَى تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ لَا تَكُونُ لَغْوًا؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ قَصْدٍ لَا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَكُونُ لَغْوًا بِالْأَوْلَى فَلَا مُخَالَفَةَ فَالْحَاصِلُ أَنَّ تَفْسِيرَنَا اللَّغْوَ أَعَمُّ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّا نَقُولُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: اللَّغْوُ مَا يَكُونُ خَالِيًا عَنْ فَائِدَةِ الْيَمِينِ شَرْعًا وَوَضْعًا فَإِنَّ فَائِدَةَ الْيَمِينِ إظْهَارُ الصِّدْقِ مِنْ الْخَبَرِ فَإِنْ أُضِيفَ إلَى خَبَرٍ لَيْسَ فِيهِ احْتِمَالُ الصِّدْقِ كَانَ خَالِيًا عَنْ فَائِدَةِ الْيَمِينِ فَكَانَ لَغْوًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَكِنَّ مَا قُلْنَاهُ أَحَقُّ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] الْآيَةَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُرَادَ الْمُشْرِكِينَ التَّعَنُّتُ أَيْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَى الْمُغَالَبَةِ بِالْحُجَّةِ فَاشْتَغِلُوا بِمَا هُوَ خَالٍ عَنْ الْفَائِدَةِ مِنْ الْكَلَامِ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُكُمْ بِطَرِيقِ الْمُغَالَبَةِ دُونَ الْمُحَاجَّةِ وَلَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُمْ التَّكَلُّمَ بِغَيْرِ قَصْدٍ قَالَ صَاحِبُ التَّقْوِيمِ: وَلَمْ يُرِدْ تَكَلَّمُوا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِهِ لَا يَسْتَقِيمُ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ: وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِأَنَّ اللَّغْوَ مِنْ الْكَلَامِ مَا لَيْسَ بِصَوَابٍ وَلَا حَسَنٍ فَإِنَّ اللَّغْوَ مِنْ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ الْفَاحِشِ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] أَيْ كَلَامًا قَبِيحًا فَاللَّغْوُ هُوَ الْكَلَامُ الْقَبِيحُ الْفَاحِشُ وَالْخَطَأُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعَمْدِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ فَاحِشٍ فَلَا يَكُونُ لَغْوًا فَأَمَّا مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ كَلَامٌ قَبِيحٌ فَاحِشٌ فَإِنَّهُ كَذِبٌ وَالْكَذِبُ قَبِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مَحْظُورٌ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَلَيْسَ بِمَحْظُورٍ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَاللَّغْوُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ صَاحِبُهُ إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ، وَفِي فَتَاوَى مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ لَوْ قَالَ إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَا فُلَانٌ فَعَلَيَّ حَجَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ وَكَانَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ فُلَانٌ لَزِمَهُ ذَلِكَ اهـ.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْيَمِينَ بِالطَّلَاقِ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ إذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ مُوجِبٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُهُ. (قَوْلُهُ: وَأَثِمَ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ) أَيْ أَثِمَ إثْمًا عَظِيمًا كَمَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ فِي الْيَمِينِ الْأُولَى وَهِيَ يَمِينُ الْغَمُوسِ دُونَ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ يَمِينُ اللَّغْوِ وَالْإِثْمُ فِي اللُّغَةِ الذَّنْبُ وَقَدْ سُمِّيَ الْخَمْرُ إثْمًا، وَفِي الِاصْطِلَاحِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ اسْتِحْقَاقُ الْعُقُوبَةِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لُزُومُ الْعُقُوبَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ وَعَدَمِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَكْمَلُ فِي تَقْرِيرِهِ فِي بَحْثِ الْحَقِيقَةِ فِي بَحْثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَإِنَّمَا أَثِمَ فِي الْأُولَى لِحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَدْخَلَهُ النَّارَ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .
وَالْمُرَادُ بِالْمَصْبُورَةِ الْمُلْزِمَةُ بِالْقَضَاءِ أَيْ الْمَحْبُوسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَصْبُورٌ عَلَيْهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «قَالَ الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، أَوْ لَا وَقَدْ صُرِّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ كَبِيرَةٌ وَهُوَ أَعَمُّ كَمَا ذَكَرْنَا وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً إذَا اقْتَطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، أَوْ أَذَاهُ وَتَكُونُ صَغِيرَةً إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا مَفْسَدَةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْثَمْ فِي الثَّانِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَلِهَذَا جَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِعَدَمِ الْإِثْمِ فِي اللَّغْوِ لَكِنَّ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ فَقَالَ الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ وَيَمِينٌ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ وَيَمِينٌ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ بِهَا اللَّهُ تَعَالَى صَاحِبَهَا فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يُعَلِّقُهُ بِالرَّجَاءِ مَعَ أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ فَفِي الْهِدَايَةِ إلَّا أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهِ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ اللَّغْوَ
ــ
[منحة الخالق]
الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي يَمِينٍ لَا يَقْصِدُهَا الْحَالِفُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هِيَ لَغْوٌ وَعِنْدَنَا أَيْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ هِيَ مُنْعَقِدَةٌ وَلَهَا الْكَفَّارَةُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَقْرِيرِ كَلَامِ الْبَدَائِعِ عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ عَنْهُ التَّنَاقُضُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا فِي الْمُخْتَصَرِ) كَانَ حَقُّ التَّعْبِيرِ أَنْ يَقُولَ وَهُوَ مُبَايِنٌ لِمَا فِي الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ مَشْرُوطٌ فِيهِ الْقَصْدُ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ عَدَمُ الْقَصْدِ. (قَوْلُهُ: مُوجِبٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ) ظَاهِرُهُ الْوُقُوعُ قَضَاءً وَدِيَانَةً (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ مُنَافٍ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ، وَقَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ إنَّ إطْلَاقَ الْيَمِينِ عَلَيْهَا مَجَازٌ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ مَشْرُوعٌ وَهَذِهِ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ صَرِيحٌ فِيهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إثْمَ الْكَبَائِرِ مُتَفَاوِتٌ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ مُعْتَرِفٌ بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَلِذَا اسْتَدْرَكَ بِهِ عَلَى الْفَتْحِ وَمُرَادُهُ الْبَحْثُ فِي تَقْيِيدِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ مَفْسَدَةٌ تَسْتَدْعِي كَوْنَهَا كَبِيرَةً، وَكَوْنُ كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ صَرِيحًا فِيمَا قَالَهُ فِي
стр. 1473
بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَكَذَا بِالثَّالِثِ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ وَكَذَا بِالدُّنْيَا بِالْكَفَّارَةِ فَلَمْ يَتِمَّ الْعُذْرُ عَنْ التَّعْلِيقِ بِالرَّجَاءِ فَالْأَوْجَهُ مَا قِيلَ إنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّعْلِيقَ بَلْ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّأَدُّبَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ ﵇ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ «وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» وَأَمَّا بِالتَّفْسِيرِ الرَّابِعِ فَغَيْرُ مَشْهُورٍ وَكَوْنُهُ لَغْوًا هُوَ اخْتِيَارُ سَعِيدٍ اهـ.
وَأَرَادَ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ تَفْسِيرَنَا وَتَفْسِيرَ الشَّافِعِيِّ وَبِالثَّالِثِ مَا عَنْ الشَّعْبِيِّ وَمَسْرُوقٍ لَغْوُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَيَنْزِلُ لَاغِيًا بِيَمِينِهِ وَبِالرَّابِعِ قَوْلَ سَعِيدٍ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْلَى الْجَزْمُ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ لِقَطْعِيَّةِ الدَّلِيلِ كَالْجَزْمِ فِي نَظَائِرِهِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ اخْتِلَافٌ. .
(قَوْلُهُ: وَعَلَى آتٍ مُنْعَقِدَةٌ وَفِيهَا كَفَّارَةٌ فَقَطْ) أَيْ حَلِفُهُ عَلَى آتٍ تُسَمَّى مُنْعَقِدَةً نَفْيًا كَانَ أَوْ إثْبَاتًا وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ إذَا حَنِثَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْيَمِينُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحِفْظُ عَنْ الْحِنْثِ وَالْهَتْكِ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَقَدْ اُعْتُرِضَ فِي التَّبْيِينِ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ فَقَطْ لِأَنَّ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ إثْمًا أَيْضًا، وَلَفْظُ الْكَفَّارَةِ يُنْبِئُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا السِّتَارَةُ وَهِيَ لَا تَجِبُ إلَّا لِرَفْعِ الْمَأْثَمِ اهـ.
وَهُوَ مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَطْ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْغَمُوسِ بَيَانًا لِذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ كَالْمُنْعَقِدَةِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ ذَنْبِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَحَقَّقَ بِالِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ كَاذِبًا فَأَشْبَهَ الْمَعْقُودَةَ وَلَنَا أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ حَتَّى تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ وَيُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ فَلَا تُنَاطُ بِهَا بِخِلَافِ الْمَعْقُودَةِ فَإِنَّهَا مُبَاحَةٌ وَلَوْ كَانَ فِيهَا ذَنْبٌ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِيَارٍ مُبْتَدَأٍ وَمَا فِي الْغَمُوسِ مُلَازِمٌ فَيَمْتَنِعُ الْإِلْحَاقُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْمَعْقُودَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ سِوَى الْمَكْسُوبَةِ بِالْقَلْبِ، وَكَوْنُ الْغَمُوسِ قَارَنَهَا الْحِنْثُ لَا يَنْفِي الِانْعِقَادَ عِنْدَهُ وَكَوْنُهَا لَا تُسَمَّى يَمِينًا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ لِلْبِرِّ بَعِيدٌ؛ إذْ لَا شَكَّ فِي تَسْمِيَتِهَا يَمِينًا لُغَةً وَعُرْفًا وَشَرْعًا بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ فَلَيْسَ الْوَجْهُ إلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ شَرْعِيَّةَ الْكَفَّارَةِ لِدَفْعِ ذَنْبٍ أَصْغَرَ لَا يَسْتَلْزِمُ شَرْعَهَا لِدَفْعِ ذَنْبٍ أَكْبَرَ وَإِذَا أَدْخَلَهَا فِي مُسَمَّى الْمُنْعَقِدَةِ وَجَعَلَ الْمُنْعَقِدَةَ تَنْقَسِمُ إلَى غَمُوسٍ وَغَيْرِهَا عَسُرَ النَّظَرُ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لُغَةً، أَوْ سَمْعًا وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فِي حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ قَالَ فِيهِ «خَمْسٌ لَيْسَ فِيهِنَّ كَفَّارَةٌ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَهْبُ الْمُؤْمِنِ وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» وَكُلُّ مَنْ قَالَ لَا كَفَّارَةَ فِي الْغَمُوسِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْيَمِينِ الْمَصْبُورَةِ عَلَى مَالٍ وَغَيْرِهَا اهـ.
ثَانِيهِمَا: أَنَّ الْإِثْمَ لَيْسَ لَازِمًا لِلْمُنْعَقِدَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْحِنْثُ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا فَلَمْ يَصِحَّ إطْلَاقُهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْعَجَبُ مِنْهُ أَنَّهُ بَعْدَ يَسِيرٍ نَاقَضَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ لَوْ فَعَلَهُ الْحَالِفُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ مَجْنُونٌ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ حَقِيقَةً وَلَوْ كَانَتْ الْحِكْمَةُ رَفْعَ الذَّنْبِ فَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِهِ وَهُوَ الْحِنْثُ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الذَّنْبِ كَمَا أُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى السَّفَرِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْمَشَقَّةِ اهـ.
فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي الْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُونَ سِتَارَةً لِلذَّنْبِ بَلْ تَجِبُ وَلَا ذَنْبَ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُكْرَهًا، أَوْ نَاسِيًا) أَيْ فِي الْمُنْعَقِدَةِ كَفَّارَةٌ إذَا حَنِثَ وَلَوْ كَانَ حَلَفَ مُكْرَهًا، أَوْ نَاسِيًا لِقَوْلِهِ ﵇ «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْيَمِينُ» كَذَا اسْتَدَلَّ مَشَايِخُنَا وَتَعَقَّبَهُمْ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ جَعْلُ الْهَزْلِ
ــ
[منحة الخالق]
النَّهْرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ هُوَ كَالْحَدِيثِ تَأَمَّلْ. نَعَمْ بَحْثُ الْمُؤَلِّفِ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ، وَفِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ أَيُّ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ مَا قِيلَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمُؤَاخَذَةِ الْمَنْفِيَّةِ فَقِيلَ: هِيَ الْمُعَاقَبَةُ فِي الْآخِرَةِ وَقِيلَ هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ بِالْكَفَّارَةِ، كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَفْسِيرَ اللَّغْوِ عَلَى رَأْيِنَا لَيْسَ أَمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ؛ إذْ الشَّافِعِيُّ قَائِلٌ بِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمُنْعَقِدَةِ فَلَا جَرَمَ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ وَهَذَا مَعْنًى دَقِيقٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ عَرَّجَ عَلَيْهِ اهـ.
وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ بِأَنَّ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ بِاعْتِبَارِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مَحِيصَ عَمَّا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ اهـ.
فَالْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ فِي النَّهْرِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَحَيْثُ كَانَ الْمَنْفِيُّ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْكَفَّارَةِ كَانَ اللَّغْوُ بِالنَّظَرِ إلَى حُكْمِ الْآخِرَةِ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي الْآيَةِ فَلَا نَصَّ عَلَيْهِ فَلِذَا عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: إنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ اللَّغْوَ هُوَ كَذَا لَيْسَ قَطْعِيًّا نَافِيًا لِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ فَحَيْثُ كَانَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ مَبْنِيًّا عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ هُوَ اللَّغْوُ لَمْ يَجْزِمْ بِحُكْمِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ اللَّغْوَ هُوَ غَيْرُهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: نَاقَضَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ إلَخْ) أَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْمُدَّعَى
стр. 1474
بِالْيَمِينِ جِدًّا وَالْهَازِلُ قَاصِدٌ لِلْيَمِينِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ عَدَمُ رِضَاهُ بِهِ شَرْعًا بَعْدَ مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ مُخْتَارًا وَالنَّاسِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَصْلًا وَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعَ وَكَذَا الْمُخْطِئُ لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ التَّلَفُّظَ بِهِ بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَا يَكُونُ الْوَارِدُ فِي الْهَازِلِ وَارِدًا فِي النَّاسِي الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ مُبَاشَرَةَ السَّبَبِ فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ نَصًّا وَلَا قِيَاسًا، وَإِذَا كَانَ اللَّغْوُ بِتَفْسِيرِهِمْ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْيَمِينَ مَعَ ظَنِّ الْبِرِّ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْيَمِينِ فَمَا لَمْ يَقْصِدْهُ أَصْلًا بَلْ هُوَ كَالنَّائِمِ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ طَلَاقٌ أَوْ إعْتَاقٌ لَا حُكْمَ لَهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ وَأَيْضًا فَتَفْسِيرُ اللَّغْوِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ أَنَّهُ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ كَلَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ نَفْسَ التَّفْسِيرِ الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ النَّاسِيَ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ كَذَلِكَ فِي بَيْتِهِ لَا يَقْصِدُ التَّكَلُّمَ بِهِ بَلْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ غَيْرَ مُرَادٍ لَفْظُهُ وَلَا مَعْنَاهُ كَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ الْهَازِلِ، فَحَمْلُ النَّاسِي عَلَى اللَّاغِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْهَازِلِ وَهُوَ الَّذِي أُدِينُهُ وَتَقَدَّمَ لَنَا مِثْلُهُ فِي الطَّلَاقِ غَافِلًا اهـ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَالْمُرَادُ بِالنَّاسِي الْمُخْطِئُ كَمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اسْقِنِي الْمَاءَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ الْمَذْهُولُ عَنْ التَّلَفُّظِ بِهِ بِأَنْ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَأْتِينَا فَقَالَ: بَلَى وَاَللَّهِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْيَمِينِ، وَإِنَّمَا أَلْجَأَنَا إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّسْيَانِ فِي الْيَمِينِ لَا تُتَصَوَّرُ اهـ.
وَذَكَرَ الشُّمُنِّيُّ أَنَّ حَقِيقَتَهُ مُتَصَوَّرَةٌ بِأَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْلِفَ فَنَسِيَ فَحَلَفَ اهـ.
وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا لَا إنْ حَلَفَهُ كَانَ نَاسِيًا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالنَّاسِي هُوَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْيَمِينِ ذَاهِلًا عَنْهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْخَاطِئُ وَهُوَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ غَيْرِ الْحَلِفِ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ الْحَلِفُ اهـ.
وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا فَنَسِيَ أَنَّهُ كَيْفَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ، أَوْ بِالصَّوْمِ قَالُوا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ حَنِثَ كَذَلِكَ) أَيْ مُكْرَهًا، أَوْ نَاسِيًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَنْعَدِمُ بِالْإِكْرَاهِ أَوْ النِّسْيَانِ وَهُوَ الشَّرْطُ وَكَذَا إذَا فَعَلَهُ وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ مَجْنُونٌ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ حَقِيقَةً وَلَوْ كَانَ الْحِكْمَةُ رَفْعَ الذَّنْبِ فَالْحُكْمُ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِهِ وَهُوَ الْحِنْثُ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الذَّنْبِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَمُرَادُهُ مِنْ الشَّرْطِ السَّبَبُ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ عِنْدَنَا سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لَا شَرْطٌ كَمَا سَيَأْتِي كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ فِعْلَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَرْطٌ فِي الْحِنْثِ، وَالْحِنْثُ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحِنْثَ هُوَ عَيْنُ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إلَى التَّأْوِيلِ.
قَيَّدَ بِالْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْرَبَ فَأَوْجَرَ، أَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ الْمَاءُ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ وَقَيَّدَهُ قَاضِي خَانْ بِأَنْ يَدْخُلَ فِي جَوْفِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَلَوْ صُبَّ فِي فِيهِ وَهُوَ مُكْرَهٌ فَأَمْسَكَهُ، ثُمَّ شَرِبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَنِثَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَأُقْسِمُ وَأَحْلِفُ وَأَشْهَدُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ وَلَعَمْرُ اللَّهِ وَاَيْمُ اللَّهِ وَعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَعَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرُ اللَّهِ، وَإِنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ) بَيَانٌ لِأَلْفَاظِ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ فَقَوْلُهُ: بِاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ بَيَانٌ لِلْحَلِفِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى فَصَلَحَ ذِكْرُهُ حَامِلًا أَوْ مَانِعًا، وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ بِغَيْرِهَا كَعَادَةِ الشُّطَّارِ فَيَمِينٌ قُلْتُ: فِعْلُ هَذَا مَا يَسْتَعْمِلُهُ الْأَتْرَاكُ بِاَللَّهِ بِغَيْرِ هَاءٍ فَيَمِينٌ أَيْضًا اهـ.
بِلَفْظِهِ وَأَفَادَ بِعَطْفِ الرَّحْمَنِ عَلَى اللَّهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِاَللَّهِ اللَّفْظُ وَقَيَّدَ بِهِ احْتِرَازًا عَنْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ، وَفِي الْمُنْتَقَى رِوَايَةُ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَمِينٌ مُطْلَقًا فَلْيُتَأَمَّلْ عِنْدَ الْفَتْوَى وَلَوْ قَالَ وَبِسْمِ اللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ لِعَدَمِ التَّعَارُفِ وَعَلَى هَذَا بِالْوَاوِ إلَّا أَنَّ نَصَارَى دِيَارِنَا تَعَارَفُوهُ فَيَقُولُونَ وَاسْمِ اللَّهِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ يَمِينٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الِاسْمَ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَكَانَ الْحَلِفُ
ــ
[منحة الخالق]
أَنَّ فِي الْمُنْعَقِدَةِ إثْمًا وَتَخَلُّفَهُ فِيمَا ذُكِرَ لِعَارِضٍ فَلَا يَرِدُ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّاسِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ) الْمُرَادُ بِهِ التَّفْسِيرُ الْآتِي فِي قَوْلِهِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَالنَّاسِي هُوَ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْيَمِينِ ذَاهِلًا إلَخْ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْدِيمَهُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَرْدُودٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَاسِيًا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ يَمِينًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَأُخْرَى بِاعْتِبَارِ حِنْثِهِ فِي الْيَمِينِ اهـ.
قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: أَقُولُ: الْحَقُّ مَا فِي الْبَحْرِ فَإِنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا، وَإِنْ لَمْ يُنَافِي كَوْنَهُ يَمِينًا لَكِنْ تَعَلَّقَ النِّسْيَانُ بِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ حِنْثًا لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ يَمِينًا إذْ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ النِّسْيَانُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ.
стр. 1475
بِالِاسْمِ حَلِفًا بِالذَّاتِ كَأَنَّهُ قَالَ بِاَللَّهِ اهـ.
وَالْعُرْفُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي الْأَسْمَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ: رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ: اللَّهَ لَا تَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا وَقَالَ الْآخَرُ: نَعَمْ إنْ أَرَادَ الْمُبْتَدِئُ أَنْ يَحْلِفَ وَأَرَادَ الْمُجِيبُ الْحَلِفَ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا حَالِفًا لِأَنَّ قَوْلَهُ نَعَمْ جَوَابٌ وَالْجَوَابُ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُبْتَدِئُ الِاسْتِحْلَافَ وَأَرَادَ الْمُجِيبُ الْوَعْدَ لَيْسَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُبْتَدِئُ الِاسْتِحْلَافَ وَأَرَادَ الْمُجِيبُ الْحَلِفَ فَالْمُجِيبُ الْحَالِفُ وَالْمُبْتَدِئُ لَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا فَفِي قَوْلِهِ اللَّهَ: الْحَالِفُ هُوَ الْمُجِيبُ، وَفِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ: الْحَالِفُ هُوَ الْمُبْتَدِئُ اهـ.
وَأَفَادَ بِإِطْلَاقِهِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ وَلَا عَلَى الْعُرْفِ بَلْ هُوَ يَمِينٌ تَعَارَفُوهُ أَوَّلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا إذْ لَا اعْتِبَارَ بِالْعُرْفِ عِنْدَ قِيَامِ دَلَالَةِ النَّصِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَالرَّحْمَنِ لَا أَفْعَلُ كَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ السُّورَةَ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ وَالْقُرْآنِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى يَكُونُ يَمِينًا اهـ.
فَإِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي الرَّحْمَنِ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَمِينٌ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَمِثْلُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ الْحَلِفُ بِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَرَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَالْأَوَّلِ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَالْآخِرِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَفَادَ بِعَطْفِ الرَّحِيمِ عَلَى الرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي أَسْمَائِهِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً، أَوْ مُشْتَرَكَةً كَالْحَكِيمِ وَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالْعَزِيزِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ فِيمَا كَانَ مُشْتَرَكًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُسْتَعْمَلًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِغَيْرِهِ لَا تَتَعَيَّنُ إرَادَةُ أَحَدِهِمَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَرَجَّحَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْخَلْقِ لَكِنْ تَعَيَّنَ الْخَالِقُ مُرَادًا بِدَلَالَةِ الْقَسَمِ إذْ الْقَسَمُ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَجُوزُ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ حَمْلًا لِكَلَامِهِ عَلَى الصِّحَّةِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلَا يَكُونَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيُصَدَّقُ فِي أَمْرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْوَلْوالِجِيَّة لَوْ قَالَ: وَالطَّالِبِ وَالْغَالِبِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ وَهُوَ مُتَعَارَفُ أَهْلِ بَغْدَادَ اهـ.
وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَوْنَهُ يَمِينًا مَوْقُوفٌ عَلَى التَّعَارُفِ، وَإِنَّمَا بَعْدَمَا حَكَمَ بِكَوْنِهَا يَمِينًا أَخْبَرَ بِأَنَّ أَهْلَ بَغْدَادَ تَعَارَفُوا الْحَلِفَ بِهَا وَبِذَلِكَ انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ إمَّا اعْتِبَارُ الْعُرْفِ فِيمَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ الطَّالِبَ لَمْ يُسْمَعْ بِخُصُوصِهِ بَلْ الْغَالِبُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] وَأَمَّا كَوْنُهُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْمُفَصَّلِ فِي الْأَسْمَاءِ اهـ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ أَنَّ الْحَلِفَ يَكُونُ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْقُوَّةُ حَاصِلٌ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْحَلِفَ بِالصِّفَاتِ بِالْعُرْفِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَأَمَّا الْحَلِفُ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ مَشَايِخِنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عَامَّةُ مَشَايِخِنَا: مَنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتٍ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةِ ذَاتٍ، أَوْ صِفَةِ فِعْلٍ يُنْظَرُ إنْ تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا، وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ فِي الْحُرْمَةِ كَذَاتِهِ تَعَالَى فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَغْيَارِ اللَّهِ بَلْ صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَادِثَةٍ فِي ذَاتِهِ خِلَافًا لِمَا تَقُولُهُ الْكَرَّامِيَّةُ - هَدَاهُمْ اللَّهُ -: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَاتٍ حَادِثَةً وَذَاتُهُ مَحَلُّ الْحَوَادِثِ وَخِلَافًا لِمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ صِفَاتٌ وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَثَّرَهُمْ اللَّهُ صِفَةُ ذَاتِهِ كَوْنُهُ سَمِيعًا بَصِيرًا حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا وَهُوَ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ قَدِيمٌ، وَالْقَدِيمُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ الْحَوَادِثِ وَقَالَ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ: إنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ يَكُونُ يَمِينًا إلَّا الْعِلْمَ لِمَا تَبَيَّنَ، وَإِنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَالْفَاصِلُ بَيْنَهُمَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَبِذَلِكَ انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ: أَقُولُ: أَوَّلًا الْمَوْجُودُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ الطَّالِبُ الْغَالِبُ بِغَيْرِ وَاوٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ قَوْلُهُ يَمِينٌ وَلَوْ كَانَ بِوَاوٍ لَكَانَ يَمِينَيْنِ، وَثَانِيًا الْمُحَقِّقُ أَرَادَ إثْبَاتَ كَوْنِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجِدْ لَهُ دَلِيلًا سِوَى الْآيَةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ " غَالِبٍ " صِفَةً فَجَمْعُهُ مَعَ الطَّالِبِ جَوَّزَ كَوْنَهُ يَمِينًا كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ صَارَ بِالْوَصْفِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعَالَى فَسَاغَ الْحَلِفُ بِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَهُمْ التَّعَارُفَ بِهِ هُوَ الَّذِي سَوَّغَ كَوْنَهُ يَمِينًا، أَوْ أَيَّدَهُ فَكَيْفَ يَنْدَفِعُ كَلَامُ الْكَمَالِ بِمَا فِيهِ احْتِمَالٌ وَلَا تَصْرِيحَ بِمَا يُخَالِفُهُ اهـ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُهُ: الطَّالِبَ الْغَالِبَ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ لِتَعَارُفِ أَهْلِ بَغْدَادَ اهـ. فَهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْحَلِفَ بِالصِّفَاتِ بِالْعُرْفِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَقُولُ: مَمْنُوعٌ فَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَا بِعِلْمِهِ إلَخْ
стр. 1476
أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ يُوصَفُ بِهَا وَبِضِدِّهَا كَالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالسُّخْطِ وَالْغَضَبِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَكُلَّ صِفَةٍ يُوصَفُ بِهَا وَلَا يُوصَفُ بِضِدِّهَا كَالْقُدْرَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْعَظَمَةِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ فَأَلْحَقُوا صِفَاتِ الذَّاتِ بِالِاسْمِ وَلَمْ يُلْحِقُوا صِفَاتِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ وَعَلَى هَذَا تُخَرَّجُ الْمَسَائِلُ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَرَّامِيَّةَ مُؤْمِنُونَ وَالْمُعْتَزِلَةَ كَافِرُونَ لِدُعَائِهِ لِلْأَوَّلِينَ بِالْهِدَايَةِ وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ بِاللَّعْنِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ اسْمُ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ ذَاتًا وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا بِهُوَ هُوَ كَالْعِزَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ الْعَظِيمِ وَفِي التَّبْيِينِ: وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ كُلَّهَا صِفَاتُ ذَاتٍ وَكُلَّهَا قَدِيمَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْفَرْقُ، وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ فَمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهِ يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا فَلَا اهـ.
وَفِي الْمُسَايَرَةِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ: اخْتَلَفَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ فِي صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَالْمُرَادُ صِفَاتٌ تَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرٍ لَهَا أَسْمَاءٌ غَيْرُ اسْمِ الْقُدْرَةِ يَجْمَعُهَا اسْمُ التَّكْوِينِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَثَرُ مَخْلُوقًا فَالِاسْمُ الْخَالِقُ وَالصِّفَةُ الْخَلْقُ، أَوْ رِزْقًا فَالِاسْمُ الرَّازِقُ وَالصِّفَةُ التَّرْزِيقُ، أَوْ حَيَاةً فَهُوَ الْمُحْيِي، أَوْ مَوْتًا فَهُوَ الْمُمِيتُ فَادَّعَى مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ مِنْ عَهْدِ أَبِي مَنْصُورٍ أَنَّهَا صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ سِوَى مَا أَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِهِ كَانَ تَعَالَى خَالِقًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ وَرَازِقًا قَبْلَ أَنْ يَرْزُقَ وَذَكَرُوا لَهُ أَوْجُهًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ، وَالْأَشَاعِرَةُ يَقُولُونَ لَيْسَتْ صِفَةُ التَّكْوِينِ عَلَى فُصُولِهَا سِوَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِتَعَلُّقٍ خَاصٍّ فَالتَّخْلِيقُ هُوَ الْقُدْرَةُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَخْلُوقِ وَالتَّرْزِيقُ تَعَلُّقُهَا بِإِيصَالِ الرِّزْقِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِيهَا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ حَالِفًا بِقَوْلِهِ أُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ أَشْهَدُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْحَلِفِ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لِلْحَالِ حَقِيقَةً وَتُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِقْبَالِ بِقَرِينَةٍ فَجُعِلَ حَالِفًا لِلْحَالِ وَالشَّهَادَةُ يَمِينٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] ثُمَّ قَالَ ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] وَالْحَلِفُ بِاَللَّهِ هُوَ الْمَعْهُودُ الْمَشْرُوعُ وَبِغَيْرِهِ مَحْظُورٌ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: حَلَفْت، أَوْ أَقْسَمْت، أَوْ شَهِدْت بِاَللَّهِ، أَوْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ يَمِينٌ بِالْأَوْلَى وَأَطْلَقَ فِي كَوْنِهِ يَمِينًا بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ خِلَافًا فِيهِ وَصَحَّحَ فِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا بِلَا نِيَّةٍ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّ كُلًّا مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَسَمًا فَإِنْ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ فَيَحْنَثُ إذَا نَقَضَهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا أَيْمَانٌ فَإِذَا حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَيَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا فَحَنِثَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى أَشْهَدُ لَيْسَ بِيَمِينٍ مَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِالشَّرْطِ، وَقَوْلُهُ " عَلَيَّ نَذْرٌ " يَمِينٌ، وَإِنْ سَكَتَ وَفِي الْمُنْتَقَى وَجَامِعِ الْكَرْخِيِّ مَا يُشْبِهُ خِلَافَ مَسْأَلَةِ النَّذْرِ قُلْتُ: فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَكُونُ يَمِينًا مَا لَمْ يُعَلِّقْ بِشَيْءٍ اهـ.
فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ أُقْسِمُ، أَوْ أَشْهَدُ، أَوْ عَلَيَّ يَمِينٌ تَنْعَقِدُ يَمِينًا سَوَاءٌ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ، أَوْ لَا مُسْتَدِلًّا بِمَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ يَمِينٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ فَهُوَ سَهْوٌ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَتَوَهُّمٌ وَخَبْطٌ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِلْعِلْمِ بِهِ وَهُوَ مُرَادُ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِسِتْرِ الذَّنْبِ فِي نَقْضِ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ حَتَّى يُتَصَوَّرَ نَقْضُ الْيَمِينِ فَتَجِبَ الْكَفَّارَةُ وَأَيْضًا قَوْلُهُ: عَلَيَّ يَمِينٌ فِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ يَمِينَ الْغَمُوسِ أَوْ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهَا دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَالْعُقُوبَاتُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْغَمُوسِ كَفَّارَةٌ وَكَذَا فِي الْمُنْعَقِدَةِ عِنْدَ قِيَامِ الْبِرِّ فَكَيْفَ تُتَصَوَّرُ الْكَفَّارَةُ وَأَيْضًا لَوْ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ عَلَيَّ يَمِينٌ يَلْزَمُ تَقْدِيمُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ الْحِنْثُ وَلَمْ يُوجَدْ لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَى شَيْءٍ إلَى آخِرِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1477
إلَّا أَنَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ يَمِينٌ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْشَاءِ لَا الْإِخْبَارِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْتِزَامُ الْكَفَّارَةِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ ابْتِدَاءً كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ مِنْ صِيَغِ النَّذْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَغَا بِخِلَافِ أَحْلِفُ وَأَشْهَدُ وَنَحْوِهِمَا لَيْسَتْ مِنْ صِيَغِ النَّذْرِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الِالْتِزَامُ ابْتِدَاءً اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى أَشْهَدُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ، وَضَمُّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُ الْهَاءِ خَطَأٌ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ - يُرِيدُ بِهِ الْإِيجَابَ - لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ اهـ. وَبِهِ نَدْفَعُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ أَنِّي لَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَعَارَفُوا الْحَلِفَ بِهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَشْهَدُ، أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمِينًا عُرْفًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ: وَأَعْزِمُ كَ أَشْهَدُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَمَعْنَاهُ أُوجِبُ فَكَانَ إخْبَارًا عَنْ الْإِيجَابِ فِي الْحَالِ وَهَذَا مَعْنَى الْيَمِينِ وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَزَمْتُ لَا أَفْعَلُ كَذَا كَانَ حَالِفًا وَكَذَا آلَيْتُ لَا أَفْعَلُ كَذَا؛ لِأَنَّ الْأَلِيَّةَ هِيَ الْيَمِينُ اهـ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ حَالِفًا بِقَوْلِهِ لَعَمْرُ اللَّهِ فَلِأَنَّ عَمْرَ اللَّهِ بَقَاؤُهُ فَكَانَ صِفَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الذَّاتِ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَبَقَاءِ اللَّهِ كَقُدْرَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] هُوَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ إلَّا أَنَّ الْفَتْحَ غَلَبَ فِي الْقَسَمِ حَتَّى لَا يَجُوزَ فِيهِ الضَّمُّ، وَارْتِفَاعُهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وَالْخَبَرُ قَسَمِي، أَوْ يَمِينِي كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَلَا تَلْحَقُ الْمَفْتُوحَةَ الْوَاوُ فِي الْخَطِّ بِخِلَافِ عَمْرٍو الْعَلَمِ فَإِنَّهَا أُلْحِقَتْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ اللَّامِ فِي أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَدْخُلْهُ اللَّامُ فَإِنَّ الْقَسَمَ فِيهِ مَحْذُوفٌ وَيَكُونُ مَنْصُوبًا نَصْبَ الْمَصَادِرِ فَتَقُولُ: عَمْرَ اللَّهِ مَا فَعَلْت كَمَا فِي اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ عَمْرُكَ اللَّهَ مَا فَعَلْت فَمَعْنَاهُ بِإِقْرَارِك لَهُ بِالْبَقَاءِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ يَمِينًا لِأَنَّهُ حَلَفَ بِفِعْلِ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ إقْرَارُهُ وَاعْتِقَادُهُ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَأَمَّا اَيْمُ اللَّهِ فَمَعْنَاهُ أَيْمُنُ اللَّهِ، وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ فَخُفِّفَ بِالْحَذْفِ حَتَّى صَارَ اَيْمُ اللَّهِ ثُمَّ خُفِّفَتْ أَيْضًا فَقِيلَ: م اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا فَتَكُونُ مِيمًا وَاحِدَةً وَبِهَذَا نَفَى سِيبَوَيْهِ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ لَا يَبْقَى عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَيُقَالُ: مُنُ اللَّهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ وَفَتْحِهِمَا وَكَسْرِهِمَا، وَهَمْزَةُ أَيْمُنٍ بِالْقَطْعِ، وَإِنَّمَا وُصِلَتْ فِي الْوَصْلِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ اُجْتُلِبَتْ لِيُمْكِنَ بِهَا النُّطْقُ كَهَمْزَةِ ابْنٍ وَامْرِئٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ السَّاكِنَةِ الْأَوَائِلِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَمِينًا لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «وَاَيْمُ اللَّهِ إنْ كَانَ لَخَلِيقًا بِالْإِمَارَةِ» كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: يَمِينُ اللَّهِ لَا أَفْعَلَنَّ كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى، وَأَمَّا كَوْنُهُ حَالِفًا بِعَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ فَلِأَنَّ الْعَهْدَ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْمُوَاعَدَةُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِوُثُوقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ الْمِيثَاقُ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] الْآيَةَ فَقَدْ جُعِلَ الْعَهْدُ فِي الْقُرْآنِ يَمِينًا كَمَا تَرَى وَالْمِيثَاقُ فِي مَعْنَاهُ وَكَذَا الْحَلِفُ بِالذِّمَّةِ وَلِذَا يُسَمَّى الذِّمِّيُّ مُعَاهِدًا وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يَنْوِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ لِلْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِي مَعْنَى الْيَمِينِ فَيَنْصَرِفَانِ إلَيْهِ إلَّا إذَا قَصَدَ غَيْرَ الْيَمِينِ فَيُدَيَّنُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ يَمِينٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَفَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَشَاءَ فُلَانٌ لَزِمَهُ كَمَا قَالَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ حَالِفًا بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ وَنَذْرُ اللَّهِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا يَمِينًا مُنْعَقِدَةً نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ نَذْرُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ لَا أَفْعَلُ كَذَا حَتَّى إذَا لَمْ يَفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِمَّا فِي الْمُجْتَبَى اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ مَا نَصُّهُ ط: وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، أَوْ يَمِينُ اللَّهِ فَيَمِينٌ، ثُمَّ قَالَ أَيْ صَاحِبُ الرَّمْزِ الْمَذْكُورِ: عَلَيَّ يَمِينٌ يُرِيدُ بِهِ الْإِيجَابَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ وَكَذَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ يَمِينٌ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيَّ يَمِينٌ لَا كَفَّارَةَ لَهَا يُرِيدُ الْإِيجَابَ فَعَلَيْهِ يَمِينٌ لَهَا كَفَّارَةٌ اهـ.
مَا فِي الْمُجْتَبَى وَذَكَرَ فِي الْحَاوِي مَا نَصُّهُ طم: عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ عَلَيَّ يَمِينٌ وَلَمْ يُعَلِّقْهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَهَذَا صَرِيحُ مَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ: وَإِذَا كَانَ " عَلَيَّ يَمِينٌ " مِنْ صِيَغِ النَّذْرِ كَمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَ " عَلَيَّ نَذْرٌ " وَ " عَلَيَّ يَمِينٌ " فَلِذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ: الْحَقُّ أَنَّهُ مِثْلُهُ فَهَذَا تَأْيِيدٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا قَصَدَ غَيْرَ الْيَمِينِ فَيُدَيَّنُ) رَأَيْت فِي هَامِشِ بَعْضِ النُّسَخِ أَقُولُ: حَقُّ الْعِبَارَةِ لَا يَكُونُ يَمِينًا كَمَا فِي النَّهْرِ لِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا: إنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ حَتَّى يَكُونَ لِلدِّيَانَةِ فِيهَا مَدْخَلٌ، تَأَمَّلْ. وَبِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي تَحْتَ قَوْلِهِ: وَلَوْ زَادَ ثَوْبًا إلَخْ حَيْثُ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الدِّيَانَةِ وَالْقَضَاءِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَأَمَّا فِي الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهَا حَقٌّ حَتَّى يُرْفَعَ الْحَالِفُ إلَى الْقَاضِي اهـ.
قُلْت: قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا حَقُّ عَبْدٍ كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقًا، أَوْ عَتَاقًا عَلَى حَلِفِهِ ثُمَّ حَلَفَ بِذَلِكَ وَقَالَ: قَصَدْتُ غَيْرَ الْيَمِينِ فَلَا يُصَدَّقَ قَضَاءً بَلْ يُدَيَّنُ.
стр. 1478
الْيَمِينِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا بِأَنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرُ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ لِمَحْلُوفٍ عَلَيْهِ وَلَكِنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فَيَكُونُ هَذَا الْتِزَامَ الْكَفَّارَةِ ابْتِدَاءً بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهَذَا النَّذْرِ الْمُطْلَقِ شَيْئًا مِنْ الْقُرَبِ كَحَجٍّ، أَوْ صَوْمٍ فَإِنْ كَانَ نَوَى بِقَوْلِهِ " عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا " قُرْبَةً مَقْصُودَةً يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا فَفَعَلَ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الْقُرْبَةُ لِمَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ حَلَفَ بِالنَّذْرِ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ مَا نَوَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ اهـ.
فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَيَّدَ بِلَفْظِ النَّذْرِ احْتِرَازًا عَنْ صِيغَةِ النَّذْرِ كَأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، أَوْ صَوْمُ يَوْمَيْنِ مُطْلَقًا عَنْ الشَّرْطِ، أَوْ مُعَلَّقًا بِهِ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا وَقَدْ خَلَطَ الزَّيْلَعِيُّ مَسْأَلَةَ لَفْظِ النَّذْرِ بِصِيغَةِ النَّذْرِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ تَطَّلِعُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لِلنَّذْرِ مَعَ احْتِمَالِ مَعْنَى الْيَمِينِ اهـ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَلِفِ بِالتَّعْلِيقِ بِالْكُفْرِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الشَّرْطَ عَلَمًا عَلَى الْكُفْرِ فَقَدْ اعْتَقَدَهُ وَاجِبَ الِامْتِنَاعِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِوُجُوبِهِ لِغَيْرِهِ بِجَعْلِهِ يَمِينًا كَمَا نَقُولُ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِالْكُفْرِ، أَوْ بِالتَّهَوُّدِ، أَوْ التَّنَصُّرِ أَوْ قَالَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ الْقِبْلَةِ، أَوْ صَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِي الْمُصْحَفِ، أَوْ أَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ أَعْبُدُ الصَّلِيبَ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَالْمُحِيطِ، أَوْ يَعْقِدَ الزِّنَا عَلَى نَفْسِهِ كَمَا يَعْقِدُ النَّصَارَى كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ آيَةٍ فِي الْمُصْحَفِ فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ رَفَعَ كِتَابًا فِيهِ مَكْتُوبٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا فِيهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ يَمِينٌ وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ حَجَّتِي الَّتِي حَجَجْت وَمِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّيْت فَلَيْسَ بِيَمِينٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقُرْآنِ الَّذِي تَعَلَّمْته؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ تَبَرَّأَ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلَ لَا عَنْ الْحَجَّةِ الْمَشْرُوعَةِ وَفِي الثَّانِي تَبَرَّأَ عَنْ الْقُرْآنِ الَّذِي تَعَلَّمَهُ وَالْقُرْآنُ قُرْآنٌ، وَإِنْ تَعَلَّمَهُ فَيَكُونُ التَّبَرِّي عَنْهُ كُفْرًا.
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِذَا أَرَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ فَرْضِهِ فَهُوَ يَمِينٌ كَمَا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْإِيمَانِ، وَإِنْ أَرَادَ الْبَرَاءَةَ عَنْ أَجْرِهَا لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ غُيِّبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَا يَكُونُ يَمِينًا فِي الْحُكْمِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَ صَلَاتِي وَصِيَامِي لِهَذَا الْكَافِرِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَاشْهَدُوا عَلَيَّ بِالنَّصْرَانِيَّةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا نَصْرَانِيٌّ وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ التَّوْرَاةِ وَبَرِيءٌ مِنْ الْإِنْجِيلِ وَبَرِيءٌ مِنْ الزَّبُورِ وَبَرِيءٌ مِنْ الْفُرْقَانِ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ إنْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُمَا يَمِينَانِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ فَفَعَلَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا يَمِينَيْنِ؛ الْأُولَى أَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِيَةُ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَرَاءَةِ مَذْكُورٌ مَرَّتَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فِي الثَّانِيَةِ مَذْكُورَةٌ مَرَّتَيْنِ بِسَبَبِ التَّثْنِيَةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، وَأَمَّا الْأَرْبَعُ فَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهَا، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ الْمَسْأَلَةَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مُصَوَّرَةً بِتَكْرَارِ لَفْظِ الْبَرَاءَةِ بِقَوْلِهِ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ كَذَلِكَ وَالْحَذْفُ مِنْ الْكَاتِبِ ثُمَّ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ مَتَى تَعَدَّدَتْ صِيغَةُ الْبَرَاءَةِ تَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ، وَإِذَا اتَّحَدَتْ اتَّحَدَتْ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ قَالَ:
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ كَذَلِكَ وَالْحَذْفُ مِنْ الْكَاتِبِ) أَقُولُ: الَّذِي وَجَدْته فِي نُسْخَةِ الْوَلْوَالِجيَّةِ الَّتِي عِنْدِي مِثْلُ مَا نَقَلَهُ عَنْهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ النُّسَخَ هَكَذَا وَيَكُونُ ذَلِكَ مَشْيًا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَفِي فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ: إذَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ فَفَعَلَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّهَا أَرْبَعُ أَيْمَانٍ قِيلَ مَا ذُكِرَ فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا ذُكِرَ فِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ حَتَّى تَتَعَدَّدَ الْيَمِينُ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ أَنَّهُمَا يَمِينَانِ) عِبَارَةُ الْمُجْتَبَى وَلَوْ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ
стр. 1479
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ أَلْفَ مَرَّةٍ فَفَعَلَ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَلَا إلَهَ فِي السَّمَاءِ يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ تَكُونُ لِإِنْكَارِ الْإِيمَانِ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَصَدَ نَفْيَ الْمَكَانِ عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ هُوَ الْإِيمَانُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ قَالَ هُوَ يَمِينٌ وَلَا يُكَفِّرُ وَفِيهَا لَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الشَّفَاعَةِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَعَلَّلَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنَّ الشَّفَاعَةَ، وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لَكِنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا صَارَ مُبْتَدِعًا لَا كَافِرًا اهـ.
وَفِيهَا أَيْضًا سُئِلَ نَجْمُ الدِّينِ عَمَّنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَهُوَ شَرِيكُ الْكُفَّارِ فِيمَا قَالُوا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ فَكَلَّمَهُ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَالَ: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ يَمِينًا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لِشَيْءٍ قَدْ فَعَلَهُ فِي الْمَاضِي كَأَنْ قَالَ: إنْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ فَهُوَ يَمِينُ الْغَمُوسِ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَهَلْ يَكْفُرُ حَتَّى تَكُونَ التَّوْبَةُ اللَّازِمَةُ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ مِنْ الْكُفْرِ وَتَجْدِيدَ الْإِسْلَامِ قِيلَ لَا وَقِيلَ نَعَمْ لِأَنَّهُ تَنْجِيزٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَهُ بِأَمْرٍ كَائِنٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ ابْتِدَاءً هُوَ كَافِرٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ يَمِينٌ إمَّا مُنْعَقِدَةٌ، أَوْ غَمُوسٌ لَا يَكْفُرُ بِالْمَاضِي، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِالْحَلِفِ فِي الْغَمُوسِ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَكْفُرُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ فَقَدْ رَضِيَ بِالْكُفْرِ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَالذَّخِيرَةِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِهِ يَكْفُرُ وَإِلَّا فَلَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي جَمِيعًا، وَفِي قَوْلِهِمْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا وَلَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ خِلَافَهُ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَعَامَّتُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ، ثُمَّ رَقَّمَ فِي الْمُجْتَبَى رَقْمًا آخَرَ لَوْ قَالَ: اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مَا فَعَلْت كَذَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَقِيلَ: لَا يَكْفُرُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ تَرْوِيجَ الْكَذِبِ دُونَ الْكُفْرِ. .
(قَوْلُهُ: لَا بِعِلْمِهِ وَغَضَبِهِ وَسُخْطِهِ وَرَحْمَتِهِ) أَيْ لَا يَكُونُ الْيَمِينُ بِعِلْمِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ، وَالْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ فِي الْحَلِفِ بِالصِّفَاتِ وَلِأَنَّ الْعِلْمَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَعْلُومُ وَيُقَالُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ عِلْمَكَ فِينَا أَيْ مَعْلُومَك وَلِأَنَّ الرَّحْمَةَ يُرَادُ بِهَا أَثَرُهَا وَهُوَ الْمَطَرُ وَالْجَنَّةُ، وَالْغَضَبَ وَالسُّخْطَ يُرَادُ بِهِمَا الْعُقُوبَةُ، وَفِي الْبَدَائِعِ: وَأَمَّا الصِّفَةُ فَصِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّهَا كُلَّهَا لِذَاتِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا لَا يُسْتَعْمَلُ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ إلَّا فِي الصِّفَةِ نَفْسِهَا فَالْحَلِفُ بِهَا يَكُونُ يَمِينًا وَمِنْهَا مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الصِّفَةِ وَفِي غَيْرِهَا اسْتِعْمَالًا عَلَى السَّوَاءِ وَالْحَلِفُ بِهَا يَكُونُ يَمِينًا أَيْضًا وَمِنْهَا مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الصِّفَةِ وَفِي غَيْرِهَا لَكِنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي غَيْرِ الصِّفَةِ هُوَ الْغَالِبُ فَالْحَلِفُ بِهَا لَا يَكُونُ يَمِينًا وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ يَمِينًا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وَمَا لَمْ يَتَعَارَفُوهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَبَيَانُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إذَا قَالَ: وَعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَكُونُ حَالِفًا وَكَذَا وَقُدْرَةِ اللَّهِ مَا لَمْ يَنْوِ الْمَقْدُورَ وَكَذَا وَقُوَّتِهِ، وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَرِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكَلَامِهِ بِخِلَافِ الرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ وَالسُّخْطِ وَالْعِلْمِ إلَّا إذَا أَرَادَ بِهِ الصِّفَةَ، وَأَمَّا وَسُلْطَانِ اللَّهِ فَقَالَ الْقُدُورِيُّ إنْ أَرَادَ بِهِ الْقُدْرَةَ كَانَ حَالِفًا، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ قَالَ وَأَمَانَةِ اللَّهِ ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ؛ لِأَنَّهَا طَاعَتُهُ، وَوَجْهُ مَا فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْأَمَانَةَ الْمُضَافَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْقَسَمِ يُرَادُ بِهَا صِفَتُهُ.
وَلَوْ قَالَ: وَوَجْهِ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ الْمُضَافَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يُرَادُ بِهِ الذَّاتُ وَلَوْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا أَفْعَلُ كَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ وَكَذَا قَوْلُهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَا أَفْعَلُ كَذَا لِعَدَمِ الْعَادَةِ وَمَلَكُوتِ اللَّهِ وَجَبَرُوتِهِ يَمِينٌ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الصِّفَةِ اهـ.
وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ وَقُدْرَةِ اللَّهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى
ــ
[منحة الخالق]
فَيَمِينٌ وَكَذَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَبَرِيءٌ مِنْ رَسُولِهِ - فَيَمِينَانِ ثُمَّ رَمْزَانِ - فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ فَأَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ قِيلَ: وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ
стр. 1480
لَا يُوصَفُ بِضِدِّهَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُدْرَةِ الْمَذْكُورَةِ التَّقْدِيرُ عُرْفًا عَلَى مَا عُرِفَ فِي الزِّيَادَاتِ وَاَللَّهُ قَدْ يُقَدِّرُ وَقَدْ لَا يُقَدِّرُ اهـ.
وَهُوَ مَرْدُودٌ لِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَغَيْرِهَا لَوْ قَالَ: وَقُدْرَةِ اللَّهِ كَانَ يَمِينًا؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَقْدُورِ بِهِ لَمْ يَكْثُرْ كَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْعِلْمِ عَلَى الْمَعْلُومِ حَتَّى لَوْ نَوَى الْمَقْدُورَ لَا يَكُونُ يَمِينًا اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى إنَّهُ لَوْ قَالَ: وَعَذَابِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ وَرِضَاهُ وَلَعْنَةِ اللَّهِ وَأَمَانَتِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ: بِصِفَةِ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ ذِكْرُ الصِّفَةِ كَذِكْرِ الِاسْمِ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّبِيِّ وَالْقُرْآنِ وَالْكَعْبَةِ) أَيْ لَا يَكُونُ حَالِفًا بِهَا؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَذَرْ» وَالْحَلِفُ بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ مَعَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْحُرُوفُ وَالنُّقُوشُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ الْآنَ مُتَعَارَفٌ فَيَكُونُ يَمِينًا كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَتَعْلِيلُ عَدَمِ كَوْنِهِ يَمِينًا بِأَنَّهُ غَيْرُهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ لِأَنَّهُ حُرُوفٌ، وَغَيْرُ الْمَخْلُوقِ هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ مُنِعَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَزَّلَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ إلَّا الْحُرُوفَ الْمُنْقَضِيَةَ الْمُنْعَدِمَةَ وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ غَيْرَ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَوَامَّ إذَا قِيلَ لَهُمْ: إنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ تَعَدَّوْا إلَى الْكَلَامِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الْحَلِفُ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجِبُ أَنْ يَدُورَ مَعَ الْعُرْفِ، وَأَمَّا الْحَلِفُ بِجَانٍّ مُرِيدٍ وَمِثْلُهُ الْحَلِفُ بِحَيَاةِ رَأْسِكَ وَحَيَاةِ رَأْسِ السُّلْطَانِ فَذَلِكَ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْبِرَّ فِيهِ وَاجِبٌ يَكْفُرُ، وَفِي تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى قَالَ عَلِيٌّ الرَّازِيّ: أَخَافُ عَلَى مَنْ قَالَ بِحَيَاتِي وَحَيَاتِك أَنَّهُ يَكْفُرُ وَلَوْلَا أَنَّ الْعَامَّةَ يَقُولُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَهُ لَقُلْت: إنَّهُ شِرْكٌ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَى مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ صَادِقًا اهـ.
قَيَّدَ بِالْحَلِفِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ التَّبَرِّي مِنْهَا يَمِينٌ كَقَوْلِهِ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ النَّبِيِّ إنْ فَعَلَ كَذَا كَمَا قَدَّمْنَا تَفَاصِيلَهُ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَدِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، أَوْ حُدُودِهِ أَوْ شَرِيعَتِهِ، أَوْ الْمُصْحَفِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا بِالْأَوْلَى كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ. .
(قَوْلُهُ: وَحَقِّ اللَّهِ) أَيْ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ حَقِيقَةٌ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ الْحَقِّ، وَالْحَلِفُ بِهِ مُتَعَارَفٌ وَلَهُمَا أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ طَاعَةُ اللَّهِ؛ إذْ الطَّاعَاتُ حُقُوقُهُ فَيَكُونُ حَلِفًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ اهـ.
قَيَّدَ بِالْحَقِّ الْمُضَافِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَالْحَقِّ يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ قَالَ حَقًّا لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ الْمُنَكَّرَ مِنْهُ يُرَادُ بِهِ تَحْقِيقُ الْوَعْدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَفْعَلُ كَذَا حَقِيقَةً لَا مَحَالَةَ وَهَذَا قَوْلُ الْبَعْضِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ يَمِينًا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَحَقًّا، أَوْ حَقًّا اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا، أَوْ مُنَكَّرًا، أَوْ مُضَافًا فَالْحَقُّ مُعَرَّفًا سَوَاءٌ كَانَ بِالْوَاوِ أَوْ بِالْبَاءِ يَمِينٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ وَمُنَكَّرًا يَمِينٌ عَلَى الْأَصَحِّ إنْ نَوَى، وَمُضَافًا إنْ كَانَ بِالْبَاءِ فَيَمِينٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَحْلِفُونَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بِالْوَاوِ فَفِيهِ الِاخْتِلَافُ السَّابِقُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَمِينٌ كَمَا سَبَقَ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ يَمِينٌ فِي الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ مُطْلَقًا وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِحَقِّ الرَّسُولِ، أَوْ بِحَقِّ الْإِيمَانِ أَوْ بِحَقِّ الْمَسَاجِدِ، أَوْ بِحَقِّ الصَّوْمِ أَوْ الصَّلَاةِ لَا يَكُونُ يَمِينًا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِي الْمُجْتَبَى " وَحُرْمَةِ اللَّهِ " نَظِيرُ قَوْلِهِ " وَحَقِّ اللَّهِ "، وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ بِحُرْمَةِ شَهِدَ اللَّهُ وَبِحُرْمَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ. .
(قَوْلُهُ: وَإِنْ فَعَلْتُهُ فَعَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ وَسُخْطُهُ، أَوْ أَنَا زَانٍ وَسَارِقٌ أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ، أَوْ آكِلُ رِبًا) أَيْ لَا يَكُونُ يَمِينًا أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ دَعَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ
ــ
[منحة الخالق]
هُوَ كَوْنُ " بَرِيءٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ " يَمِينًا وَاحِدًا وَعِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ قَرِيبَةٌ مِنْ عِبَارَةِ التَّتَارْخَانِيَّة الَّتِي نَقَلْنَاهَا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَانَتِهِ) مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ قَرِيبًا عَنْ الْأَصْلِ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا خِلَافًا لِلطَّحَاوِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ رَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ التَّعَارُفَ بَعْدَ كَوْنِ الصِّفَةِ مُشْتَرَكَةً فِي الِاسْتِعْمَالِ بَيْنَ صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَةِ غَيْرِهِ، وَلَفْظُ حَقٍّ لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ مَا هُوَ صِفَةُ اللَّهِ بَلْ مَا هُوَ مِنْ حُقُوقِهِ (قَوْلُهُ: وَحَقًّا أَوْ حَقًّا) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي بِالْوَاوِ وَبِلَا وَاوٍ (قَوْلُهُ: وَمُضَافًا إنْ كَانَ بِالْبَاءِ فَيَمِينٌ اتِّفَاقًا) ضَعَّفَهُ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ وَمِنْ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ مَا قَالَ الْبَلْخِيّ إنَّ قَوْلَهُ بِحَقِّ اللَّهِ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَحْلِفُونَ بِهِ وَضَعَّفَهُ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ مِثْلُ وَحَقِّ اللَّهِ بِالْإِضَافَةِ وَعُلِمَتْ الْمُغَايَرَةُ فِيهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ يَمِينًا فَكَذَا بِحَقِّ اللَّهِ. (قَوْلُهُ: فَفِيهِ الِاخْتِلَافُ السَّابِقُ) أَيْ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا عَقِبَ عِبَارَةِ الْمَتْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ تَعَوَّدُوا الْحَلِفَ بِهِ كَانَ يَمِينًا، وَظَاهِرُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ لَوْ تُعُورِفَ الْحَلِفُ بِهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا حَيْثُ قَالَ: إنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ أَنْ يُعَلِّقَ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي.
стр. 1481
وَأَمَّا فِي قَوْلِهِ هُوَ زَانٍ إلَى آخِرِهِ فَلِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ فَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَارَفٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُرْمَةِ تَحْتَمِلُ الِارْتِفَاعَ، أَوْ لَا تَحْتَمِلُهُ لَا أَثَرَ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى التَّعْلِيلِ بِعَدَمِ التَّعَارُفِ أَيْضًا لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ أَنْ يُعَلِّقَ مَا يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ عَنْ الْفِعْلِ بِسَبَبِ لُزُومِ وُجُودِهِ عِنْدَ الْفِعْلِ وَلَيْسَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْفِعْلِ يَصِيرُ زَانِيًا أَوْ سَارِقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ كَذَلِكَ إلَّا بِفِعْلٍ مُسْتَأْنَفٍ يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ، وَوُجُودُ هَذَا الْفِعْلِ لَيْسَ لَازِمًا لِوُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ مُوجِبًا امْتِنَاعَهُ عَنْهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا بِخِلَافِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ بِالرِّضَا بِهِ يَكْفُرُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى عَمَلٍ آخَرَ، أَوْ اعْتِقَادٍ وَالرِّضَا يَتَحَقَّقُ بِمُبَاشَرَةِ الشَّرْطِ فَيُوجِبُ عِنْدَهُ الْكُفْرَ لَوْلَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْكَفَّارَةِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَ: هُوَ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ إنْ فَعَلَ كَذَا أَوْ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ، أَوْ الْخِنْزِيرَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ أَصْلُهُ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِحَالٍ مَا كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَمَا لَا يَسْقُطُ كَأَلْفَاظِ الْكُفْرِ فَيَمِينٌ وَلَوْ قَالَ: جَمِيعُ مَا فَعَلَهُ الْمَجُوسُ، أَوْ الْيَهُودُ فَعَلَى عُنُقِي إنْ فَعَلْت كَذَا فَفَعَلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ.
وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ اسْتِحْلَالَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ جَزَاءَ الشَّرْطِ هُوَ الِاسْتِحْلَالُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا مُسْتَحِلٌّ لِلْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْلَالِ فَلِأَنَّ اسْتِحْلَالَ الدَّمِ لَا يَكُونُ كُفْرًا لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ حَالَةَ الضَّرُورَةِ يَصِيرُ حَلَالًا وَكَذَلِكَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّ مَا يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ لَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ: عَصَيْت اللَّهَ تَعَالَى إنْ فَعَلْت كَذَا، أَوْ قَالَ عَصَيْت اللَّهَ فِي كُلِّ مَا افْتَرَضَ عَلَيَّ لَا يَكُونُ يَمِينًا.
(قَوْلُهُ: وَحُرُوفُهُ الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ) أَيْ وَحُرُوفُ الْقَسَمِ وَلَوْ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْيَمِينِ لَأَنَّثَهُ؛ لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ سَمَاعًا كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ وَبِاَللَّهِ وَتَاللَّهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَعْهُودٌ فِي الْأَيْمَانِ وَمَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ [النحل: ٦٣] وَقَالَ تَعَالَى ﴿بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وَفِيهِ احْتِمَالُ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تُشْرِكْ﴾ [لقمان: ١٣] .
وَقَدَّمَ الْبَاءَ قَالُوا هِيَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهَا صِلَةُ الْحَلِفِ وَالْأَصْلُ أَحْلِفُ، أَوْ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ وَهِيَ لِلْإِلْصَاقِ تُلْصِقُ فِعْلَ الْقَسَمِ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ، ثُمَّ حُذِفَ الْفِعْلُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ مَعَ فَهْمِ الْمَقْصُودِ وَلِأَصَالَتِهَا دَخَلَتْ فِي الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ نَحْوُ بِكَ لَأَفْعَلَنَّ.
ثُمَّ ثَنَّى بِالْوَاوِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهَا لِلْمُنَاسَبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَهِيَ مَا فِي الْإِلْصَاقِ مِنْ الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْوَاوِ وَلِكَوْنِهَا بَدَلًا انْحَطَّتْ عَنْهَا بِدَرَجَةٍ فَدَخَلَتْ عَلَى الْمُظْهَرِ لَا عَلَى الْمُضْمَرِ وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُ الْفِعْلِ مَعَهَا لَا تَقُولُ أَحْلِفُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: تَحْتَمِلُ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ) أَيْ تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ أَمَّا الْخَمْرُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا السَّرِقَةُ فَعِنْدَ الِاضْطِرَارِ إلَى أَكْلِ مَالِ الْغَيْرِ وَكَذَا إذَا أُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ بِالسَّيْفِ عَلَى الزِّنَا وَأَمَّا الزِّنَا فَفِي دَارِ الْحَرْبِ كَذَا فِي النَّهْرِ وَأَصْلُهُ مِنْ الْفَتْحِ وَقَوْلُ التَّبْيِينِ " لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّبْدِيلَ عَقْلًا فَلَا يَكُونُ كَالْكُفْرِ فِي الْحُرْمَةِ " يُفِيدُ عَدَمَ التَّقْيِيدِ بِتِلْكَ الْحَالَاتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ أَنْ يُعَلِّقَ مَا يُوجِبُ إلَخْ) أَيْ أَنْ يُعَلِّقَ شَيْئًا كَالْكُفْرِ يُوجِبُ ذَلِكَ الشَّيْءُ امْتِنَاعَ الْحَالِفِ عَنْ الْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَالدُّخُولِ مَثَلًا وَقَوْلُهُ: بِسَبَبٍ مُتَعَلِّقٌ بِ يُوجِبُ أَيْ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمُعَلَّقَ يُوجِبُ امْتِنَاعَ الْحَالِفِ عَنْ الْفِعْلِ بِسَبَبِ أَنَّ ذَلِكَ الْمُعَلَّقَ يَلْزَمُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْفِعْلِ فَإِذَا قَالَ: إنْ دَخَلْت فَهُوَ كَافِرٌ فَإِنَّ الْكُفْرَ يُوجِبُ امْتِنَاعَ الْحَالِفِ عَنْ الدُّخُولِ بِسَبَبِ لُزُومِ وُجُودِ الْكُفْرِ عِنْدَ الدُّخُولِ (قَوْلُهُ: فَأَفَادَ أَنَّ مَا يُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ لَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ " لَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ " أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَلَالٌ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَقَطْ فَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَا جَدْوَى لَهُ لِعَدَمِ الشَّكِّ فِي حِلِّهِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّهُ حَلَالٌ فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ وَالِاخْتِيَارِ فَهُوَ وَهْمٌ بَاطِلٌ أَوْقَعَهُ فِيهِ تَوَهُّمُهُ أَنَّ قَوْلَ الْوَلْوَالِجيَّةِ لَا مَحَالَةَ قَيْدٌ فِي النَّفْيِ وَهُوَ لَا يَكُونُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَيْدٌ فِي الْمَنْفِيِّ وَهُوَ يَكُونُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ قَالَ هُوَ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ إنْ فَعَلَ كَذَا لَا يَكُونُ يَمِينًا وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا؛ لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ الْحَرَامِ كُفْرٌ فَقَدْ عَلَّقَ الْكُفْرَ بِالشَّرْطِ وَتَعْلِيقُ الْكُفْرِ بِالشَّرْطِ يَمِينٌ كَمَا لَوْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ دَخَلَ الدَّارَ قُلْنَا اسْتِحْلَالُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ بِكُفْرٍ لَا مَحَالَةَ فَإِنَّ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ تَصِيرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ حَلَالًا وَلَا يَكُونُ كُفْرًا وَإِذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْلَالُ هَذِهِ كُفْرًا كَمَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَيَكُونُ يَمِينًا وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ كُفْرًا كَمَا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لَا يَصِيرُ يَمِينًا بِالشَّكِّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّ مَنْ أَنْكَرَ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِنْكَارُ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفْرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ حَرَامٌ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً بِحَيْثُ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ كَالْكُفْرِ وَأَشْبَاهِهِ فَاسْتِحْلَالُهُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ يَكُونُ يَمِينًا وَكُلَّ شَيْءٍ هُوَ حَرَامٌ بِحَيْثُ تَسْقُطُ حُرْمَتُهُ بِحَالٍ كَالْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَأَشْبَاهِهِ فَاسْتِحْلَالُهُ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ لَا يَكُونُ يَمِينًا.
(قَوْلُهُ: لَا تَقُولُ أَحْلِفُ
стр. 1482
بِاَللَّهِ كَمَا تَقُولُ أَحْلِفُ وَاَللَّهِ.
وَأَمَّا التَّاءُ فَبَدَلٌ عَنْ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُرُوفِ الزِّيَادَةِ وَقَدْ أُبْدِلَتْ كَثِيرًا مِنْهَا كَمَا فِي تُجَاهٍ وَتُخْمَةٍ وَتُرَاثٍ فَانْحَطَّتْ دَرَجَتَيْنِ فَلَمْ تَدْخُلْ عَلَى الْمُظْهَرِ إلَّا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً وَمَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَرَبِّي وَتَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَكَذَا تَحِيَّاتِكَ وَلَا يَجُوزُ إظْهَارُ الْفِعْلِ مَعَهَا لَا تَقُولُ: أَحْلِفُ تَاللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَذَكَرَ فِي التَّبْيِينِ أَنَّ لَهُ حُرُوفًا أُخَرَ وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَحَرْفُ التَّنْبِيهِ وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَقَطْعُ أَلِفِ الْوَصْلِ وَالْمِيمُ الْمَكْسُورَةُ وَالْمَضْمُومَةُ فِي الْقَسَمِ، وَمُنُ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ وَهَا اللَّهِ وَمُ اللَّهِ وَمُنُ اللَّهِ وَاللَّامُ بِمَعْنَى التَّاءِ وَيَدْخُلُهَا مَعْنَى التَّعَجُّبِ وَرُبَّمَا جَاءَتْ التَّاءُ لِغَيْرِ التَّعَجُّبِ دُونَ اللَّامِ اهـ.
(قَوْلُهُ) : (وَقَدْ تُضْمَرُ) أَيْ حُرُوفُ الْقَسَمِ فَيَكُونُ حَالِفًا كَقَوْلِهِ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْحَرْفِ مُتَعَارَفٌ بَيْنَهُمْ اخْتِصَارًا، ثُمَّ إذَا حُذِفَ الْحَرْفُ وَلَمْ يُعَوِّضْ عَنْهُ هَا التَّنْبِيهِ وَلَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ وَلَا قَطْعُ أَلِفِ الْوَصْلِ لَمْ يَجُزْ الْخَفْضُ إلَّا فِي اسْمِ اللَّهِ بَلْ يُنْصَبُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَوْ يُرْفَعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ إلَّا فِي اسْمَيْنِ فَإِنَّهُ اُلْتُزِمَ فِيهِمَا الرَّفْعُ وَهُمَا أَيْمُنُ اللَّهِ وَلَعَمْرُ اللَّهِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
وَإِنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: تُضْمَرُ وَلَمْ يَقُلْ تُحْذَفُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ يَبْقَى أَثَرُهُ بِخِلَافِ الْحَذْفِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ النَّصْبِ الْحَرْفُ مَحْذُوفًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ، وَفِي حَالَةِ الْجَرِّ مُضْمَرًا لِظُهُورِ أَثَرِهِ وَهُوَ الْجَرُّ فِي الِاسْمِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ بِاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَسَكَّنَ الْهَاءَ أَوْ نَصَبَهَا، أَوْ رَفَعَهَا يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ قَالَ اللَّهَ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَسَكَّنَ الْهَاءَ، أَوْ نَصَبَهَا لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا أَنْ يُعْرِبَهَا بِالْجَرِّ فَيَكُونُ يَمِينًا وَقِيلَ يَكُونُ يَمِينًا مُطْلَقًا وَلَوْ قَالَ بِلَهُ بِكَسْرِ اللَّامِ لَا أَفْعَلُ كَذَا قَالُوا لَا يَكُونُ يَمِينًا إلَّا إذَا أَعْرَبَ الْهَاءَ بِالْكَسْرِ وَقَصَدَ الْيَمِينَ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا نَصَبَ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَلَكِنَّ النَّصْبَ أَكْثَرُ كَمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي مُقْتَصَدِهِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ النَّصْبَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْخَفْضَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَرْجَحِيَّةِ لَا فِي أَصْلِ الْجَوَازِ فِيهِ، قَيَّدَ بِإِضْمَارِ الْحُرُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْمَرُ فِي الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّأْكِيدِ وَهُوَ اللَّامُ وَالنُّونُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْحَلِفُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَنْ تَقُولَ فِي الْإِثْبَاتِ: وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلَنَّ كَذَا وَوَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا مَقْرُونًا بِكَلِمَةِ التَّوْكِيدِ، وَفِي النَّفْيِ تَقُولُ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَوَاللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا حَتَّى لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ أَفْعَلُ كَذَا الْيَوْمَ فَلَمْ يَفْعَلْ لَا تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى قَوْلِهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا
ــ
[منحة الخالق]
بِاَللَّهِ كَمَا تَقُولُ أَحْلِفُ وَاَللَّهِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهِيَ مَقْلُوبَةٌ، وَفِي بَعْضِهَا لَا تَقُولُ أَحْلِفُ وَاَللَّهِ كَمَا تَقُولُ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْإِضْمَارَ يَبْقَى أَثَرُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا بِمَعْزِلٍ عَنْ التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَكُونُ حَالِفًا مَعَ بَقَاءِ الْأَثَرِ يَكُونُ أَيْضًا حَالِفًا مَعَ النَّصْبِ بَلْ هُوَ الْكَثِيرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَذَاكَ شَاذٌّ، وَالْتِزَامُ ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ لِلْفُقَهَاءِ غَيْرُ لَازِمٍ اهـ.
قَالَ مُحَشِّي مِسْكِينٍ: أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَمَّا أَوَّلًا فَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْبَحْرِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّهُ يَكُونُ حَالِفًا مَعَ الْحَذْفِ أَيْضًا يَقْتَضِي أَنَّ صَاحِبَ الْبَحْرِ لَا يَقُولُ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِمَا نَقَلَهُ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْمُغْنِي مِنْ أَنَّ حَذْفَ الْجَارِّ وَبَقَاءَ عَمَلِهِ شَاذٌّ فِي غَيْرِ الْقَسَمِ أَمَّا فِي الْقَسَمِ فَمُطَّرِدٌ اهـ.
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك سُقُوطُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ إبْدَاءَ وَجْهِ الْعُدُولِ عَنْ الْحَذْفِ إلَى الْإِضْمَارِ بِبَقَاءِ أَثَرِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ مَعَ النَّصْبِ لَا يَكُونُ حَالِفًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْجَرِّ يَبْقَى الْأَثَرُ فَيَكُونُ كَحَالَةِ بَقَاءِ الْحَرْفِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْحَذْفِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَنْصُوبًا. (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا نَصَبَ) أَيْ نَصَبَ قَوْلَهُ: اللَّهَ لَا أَفْعَلُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ اللَّامُ وَالنُّونُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: أَيْ لَا بُدَّ مِنْهُمَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالْفَارِسِيُّ: يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ذَكَرَهُ الْأَسْنَائِيُّ فِي الْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ أَفْعَلُ كَذَا الْيَوْمَ فَلَمْ يَفْعَلْ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ نَحْوَهُ عَنْ الِاخْتِيَارِ: قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ الْمَنْظُومِ: أَقُولُ: عَلَى هَذَا أَكْثَرُ مَا يَقَعُ مِنْ الْعَوَامّ لَا يَكُونُ يَمِينًا لِعَدَمِ اللَّامِ وَالنُّونِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ فِيهَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَهُمْ لِتَعَارُفِهِمْ الْحَلِفَ بِذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ سَكَّنَ الْهَاءَ أَوْ رَفَعَ، أَوْ نَصَبَ فِي بِاَللَّهِ يَكُونُ يَمِينًا مَعَ أَنَّ الْعَرَبَ مَا نَطَقَتْ بِغَيْرِ الْجَرِّ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَمِينًا، وَإِنْ خَلَا مِنْ اللَّامِ وَالنُّونِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَفْعَلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَفْعَلُ كَذَا لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ اهـ.
أَقُولُ: قَوْلُهُ " عَلَى هَذَا مَا يَقَعُ مِنْ الْعَوَامّ لَا يَكُونُ يَمِينًا " ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَمِيعًا أَنَّهُ يَمِينٌ لَكِنْ عَلَى النَّفْيِ لَا عَلَى الْإِثْبَاتِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ أَفْعَلُ أَيْ لَا أَفْعَلُ هَذَا وَلَا دَلَالَةَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ والولوالجية لِمُدَّعَاهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ إعْرَابِيٌّ لَا يَمْنَعُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ فَلَا يَضُرُّ تَسْكِينُ الْهَاءِ وَلَا رَفْعُهَا وَلَا نَصْبُهَا وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اللَّحْنَ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ إذْ الْمُتَنَازَعُ الْإِثْبَاتُ، وَالنَّفْيُ، لَا أَنَّهُ يَمِينٌ فَكِلَا النَّقْلَيْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى فَتَأَمَّلْ
стр. 1483
فَتَكُونُ كَلِمَةً لَا مُضْمَرَةً فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ فِي الْإِثْبَاتِ عِنْدَ الْعَرَبِ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ وَهُوَ اللَّامُ وَالنُّونُ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلَنَّ كَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] وَإِضْمَارُ الْكَلِمَةِ فِي الْكَلَامِ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ أَهْلَهَا فَأَمَّا إضْمَارُ بَعْضِ الْكَلِمَةِ فِي الْبَعْضِ مَا اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَفَّارَتُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أَوْ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كَمَا فِي الظِّهَارِ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ بِمَا يَسْتُرُ عَامَّةَ الْبَدَنِ) أَيْ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِمَعْنَى الْقَسَمِ أَوْ الْحَلِفِ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَكَلِمَةُ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَحَدَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّخْيِيرُ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ بِإِمْكَانِ الِامْتِثَالِ وَهُوَ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ بِفِعْلِ أَحَدِهَا يَبْطُلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ التَّخْيِيرَ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّكْلِيفِ فَأَوْجَبَ خِصَالَ الْكَفَّارَةِ مَعَ السُّقُوطِ بِالْبَعْضِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي التَّحْرِيرِ، وَفِي شَرْحِ الْمَنَارِ لَوْ أَدَّى الْكُلَّ لَا يَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ مَا كَانَ أَعْلَى قِيمَةً وَلَوْ تَرَكَ الْكُلَّ يُعَاقَبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ مَا كَانَ أَدْنَى قِيمَةً؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالْأَدْنَى، وَهِيَ مِنْ الْكُفْرِ بِمَعْنَى السَّتْرِ، وَإِضَافَتُهَا إلَى الْيَمِينِ إضَافَةٌ إلَى الشَّرْطِ مَجَازًا لِأَنَّ السَّبَبَ عِنْدَنَا الْحِنْثُ كَمَا سَيَأْتِي وَعَبَّرَ بِالتَّحْرِيرِ بِمَعْنَى الْإِعْتَاقِ دُونَ الْعِتْقِ اتِّبَاعًا لِلْآيَةِ وَلِيُفِيدَ أَنَّ الشَّرْطَ الْإِعْتَاقُ فَلَوْ وَرِثَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَنَوَى عَنْ الْكَفَّارَةِ لَا يَجُوزُ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ كَمَا فِي الظِّهَارِ أَيْ التَّحْرِيرُ وَالْإِطْعَامُ هُنَا كَالتَّحْرِيرِ وَالْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَنَّهُ يَجُوزُ الرَّقَبَةُ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى صَغِيرَةً كَانَتْ، أَوْ كَبِيرَةً وَلَا يَجُوزُ فَائِتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ وَلَا الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَلَا الْمُكَاتَبُ الَّذِي أَدَّى بَعْضَ شَيْءٍ وَيَجُوزُ فِي الْإِطْعَامِ التَّمْلِيكُ وَالْإِبَاحَةُ فَإِنْ مَلَكَ أَعْطَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وَإِنْ أَبَاحَ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ فَإِنْ كَانَ بِخُبْزِ الْبُرِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِدَامِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ خُبْزِ الْبُرِّ احْتَاجَ إلَيْهِ عَلَى التَّفَاصِيلِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ أَعْطَى عَشَرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ أَلْفَ مَنٍّ مِنْ الْحِنْطَةِ عَنْ كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ لَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَكَذَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَفِي نُسْخَةِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ لَوْ أَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ وَكَسَا خَمْسَةَ مَسَاكِينَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ الطَّعَامِ إنْ كَانَ الطَّعَامُ أَرْخَصَ مِنْ الْكِسْوَةِ، وَعَلَى الْقَلْبِ لَا يَجُوزُ وَهَذَا فِي طَعَامِ الْإِبَاحَةِ أَمَّا إذَا مَلَّكَ الطَّعَامَ فَيَجُوزُ وَيَقُومُ مَقَامَ الْكِسْوَةِ وَلَوْ أَدَّى إلَى مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَنِصْفَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ يَجُوزُ اهـ.
وَخَرَجَ السَّرَاوِيلُ بِقَوْلِهِ بِمَا يَسْتُرُ عَامَّةَ الْبَدَنِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ لَابِسَهُ يُسَمَّى عُرْيَانًا فِي الْعُرْفِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَلَبِسَ مِنْ غَزْلِهَا سَرَاوِيلَ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ لَكِنْ مَا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْكِسْوَةِ يُجْزِئُهُ عَنْ الطَّعَامِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصًا، أَوْ جُبَّةً، أَوْ إزَارًا أَوْ قَبَاءً سَابِلًا بِحَيْثُ يَتَوَشَّحُ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالسَّرَاوِيلِ وَلَا تُجْزِئُ الْعِمَامَةُ إلَّا أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا ثَوْبٌ يُجْزِئُ مِمَّا ذَكَرْنَا جَازَ أَمَّا الْقَلَنْسُوَةُ فَلَا تُجْزِئُ بِحَالٍ قَالَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا كُلُّهُ إذَا دَفَعَ إلَى الرَّجُلِ أَمَّا إذَا دَفَعَ إلَى الْمَرْأَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْخِمَارِ مَعَ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهَا لَا تَصِحُّ بِدُونِهِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهَذَا يُشَابِهُ الرِّوَايَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي دَفْعِ السَّرَاوِيلِ أَنَّهُ لِلْمَرْأَةِ لَا يَكْفِي وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الْجَوَابِ، وَإِنَّمَا ظَاهِرُ الْجَوَابِ مَا يَثْبُتُ بِهِ اسْمُ الْمُكْتَسِي وَيَنْتَفِي عَنْهُ اسْمُ الْعُرْيَانِ وَعَلَيْهِ بُنِيَ عَدَمُ إجْزَاءِ السَّرَاوِيلِ لَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَعَدَمُهَا فَإِنَّهُ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْأَمْرِ بِالْكِسْوَةِ؛ إذْ لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا جَعْلَ الْفَقِيرِ مُكْتَسِيًا اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَفِي الثَّوْبِ يُعْتَبَرُ حَالُ الْقَابِضِ إنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْقَابِضِ يَجُوزُ
ــ
[منحة الخالق]
كَلَامَهُ فَإِنَّهُ ظَاهِرُ النَّقْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَالنَّقْلُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ اهـ.
أَقُولُ: مُرَادُ الْمَقْدِسِيَّ بِقَوْلِهِ لَا يَكُونُ يَمِينًا أَيْ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَمَا هُوَ مُرَادُ الْحَالِفِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ فِيهَا أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَمَا اعْتَرَضَهُ الرَّمْلِيُّ فِيهِ نَظَرٌ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ جُمْلَةِ اللَّحْنِ فَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْقَامُوسِ بِالْخَطَأِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُرَادَهُ بِالِاسْتِشْهَادِ بِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ جَعَلَهُ يَمِينًا مَعَ النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ مُثْبَتٌ، وَحَرْفَ التَّوْكِيدِ مَفْقُودٌ فِيهِ هَذَا وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: مَا بَحَثَهُ الْمَقْدِسِيَّ وَجِيهٌ وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ إنَّهُ يُصَادِمُ الْمَنْقُولَ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْمَذْهَبِ كَانَ عَلَى عُرْفِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ اللُّغَةُ وَأَمَّا الْآنَ فَلَا يَأْتُونَ بِاللَّامِ وَالنُّونِ فِي مُثْبَتِ الْقَسَمِ أَصْلًا وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ بِوُجُودِ لَا وَعَدَمِهَا، وَمَا اصْطِلَاحُهُمْ عَلَى هَذَا إلَّا كَاصْطِلَاحِ لُغَةِ الْفُرْسِ وَنَحْوِهَا فِي الْأَيْمَانِ لِمَنْ تَدَبَّرَ.
(قَوْلُهُ: قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْفَتْحِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْمَرْأَةِ الْخِمَارُ مَعَ الثَّوْبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ لَا يَصِحُّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْخِمَارِ أَنْ يَسْتُرَ الرَّأْسَ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ بِهِ الصَّلَاةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَاقِي عِبَارَةِ الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ
стр. 1484
وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنْ كَانَ يَصْلُحُ لِأَوْسَاطِ النَّاسِ يَجُوزُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَلَوْ أَعْطَى ثَوْبًا خَلِيقًا عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مُدَّةِ الْجَدِيدِ يَعْنِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ جَازَ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ التَّكْفِيرِ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَنَّ مَصْرِفَهَا مَصْرِفُ الزَّكَاةِ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ كُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَفَّارَةِ إلَيْهِ فَلَا يُعْطِيهَا لِأَبِيهِ، وَإِنْ عَلَا وَلَا لِوَلَدِهِ، وَإِنْ سَفَلَ وَكَذَا الصَّدَقَةُ الْمَنْذُورَةُ وَلَوْ أَعْطَى كَفَّارَةَ يَمِينِهِ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ لِغَيْرِهِ وَمَوْلَاهَا فَقِيرٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَتِمُّ بِقَبُولِهَا لَا بِقَبُولِ الْمَوْلَى وَهِيَ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِأَدَاءِ كَفَّارَتِهِ فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ أَعْطَى أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَهُمَا مَمْلُوكَانِ لِفَقِيرٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ اهـ.
وَيَرِدُ عَلَى الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ الدَّفْعُ إلَى الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي الْكَفَّارَةِ دُونَ الزَّكَاةِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا لَوْ أَعْطَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مُدًّا ثُمَّ اسْتَغْنَوْا، ثُمَّ افْتَقَرُوا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ مُدًّا مُدًّا عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا اسْتَغْنَوْا صَارُوا بِحَالٍ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْكَفَّارَةِ إلَيْهِمْ فَبَطَلَ مَا أَدَّى كَمَا لَوْ أَدَّى إلَى مُكَاتَبٍ مُدًّا، ثُمَّ رَدَّهُ فِي الرِّقِّ، ثُمَّ كُوتِبَ ثَانِيًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ مُدًّا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَحَدِهَا صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً) أَيْ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَشَرَطْنَا التَّتَابُعَ عَمَلًا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَقِرَاءَتُهُ كَرِوَايَتِهِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ جَازَ الزِّيَادَةُ بِهَا عَلَى الْقَطْعِيِّ الْمُطْلَقِ وَأَشَارَ بِالْعَجْزِ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ إلَّا لِمَنْ عَجَزَ عَمَّا سِوَى الصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يَمْلِكُ مَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْكَفَّارَةِ، أَوْ يَمْلِكُ بَدَلَهُ فَوْقَ الْكَفَافِ، وَالْكَفَافُ مَنْزِلٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يَلْبَسُهُ وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَقُوتُ يَوْمِهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ قُوتُ شَهْرٍ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْخِدْمَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَمَنْ مَلَكَ مَالًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُ ذَلِكَ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَقَضَى دَيْنَهُ بِذَلِكَ الْمَالِ جَازَ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ صَامَ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْكِتَابِ إشَارَةٌ إلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ، أَوْ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ مَا يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ قَالَ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَالُ الْغَائِبُ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ عَبْدًا يَجُوزُ فِي الْكَفَّارَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْإِعْتَاقِ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إذَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ قَدْرُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ اهـ.
وَالِاعْتِبَارُ فِي الْعَجْزِ وَعَدَمِهِ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَا وَقْتُ الْحِنْثِ فَلَوْ حَنِثَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ، وَفِي عَكْسِهِ يَجُوزُ وَيُشْتَرَطُ اسْتِمْرَارُ الْعَجْزِ إلَى وَقْتِ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّوْمِ فَلَوْ صَامَ الْمُعْسِرُ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَيْسَرَ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ.
وَقَيَّدَ بِالتَّتَابُعِ لِأَنَّهُ لَوْ صَامَ الثَّلَاثَةَ مُتَفَرِّقَةً لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْعُذْرَ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِي الثَّلَاثَةِ اسْتَقْبَلَتْ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْعَجْزِ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ إذَا حَنِثَ لَا يُكَفِّرُ إلَّا بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الثَّلَاثَةِ وَلَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ مَوْلَاهُ أَوْ أَطْعَمَ، أَوْ كَسَا لَا يُجْزِئُهُ وَكَذَا الْمُكَاتَبُ وَالْمُسْتَسْعَى وَلَوْ صَامَ الْعَبْدُ فَعَتَقَ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ وَلَوْ بِسَاعَةٍ فَأَصَابَ مَالًا وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْكَفَّارَةِ بِالْمَالِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْمُجْتَبَى: كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، وَفِي مِلْكِهِ رَقَبَةٌ، أَوْ ثِيَابٌ أَوْ طَعَامٌ قَدْ نَسِيَهُ قِيلَ يُجْزِئُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَفِي الْجَامِعِ الْأَصْغَرِ وَهَبَ مَالَهُ وَسَلَّمَهُ، ثُمَّ صَامَ، ثُمَّ رَجَعَ بِالْهِبَةِ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّكْفِيرِ حَالُ الْأَدَاءِ لَا غَيْرُ اهـ.
وَهَذَا يُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فَسْخٌ مِنْ الْأَصْلِ وَفِي الْمُجْتَبَى أَيْضًا بَذَلَ ابْنُ الْمُعْسِرِ لِأَبِيهِ مَالًا لِيُكَفِّرَ بِهِ لَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ بِهِ إجْمَاعًا.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُكَفِّرُ
ــ
[منحة الخالق]
وَالْمَرْأَةُ إذَا كَانَتْ لَابِسَةً قَمِيصًا سَابِلًا، أَوْ إزَارًا، أَوْ خِمَارًا غَطَّى رَأْسَهَا وَأُذُنَيْهَا دُونَ عُنُقِهَا لَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ اسْمِ أَنَّهَا مُكْتَسِيَةٌ لَا عُرْيَانَةُ وَمَعَ هَذَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهَا فَالْعِبْرَةُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الِاسْمِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ، أَوْ لَا اهـ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَحَدِهَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي التَّحْرِيرَ وَالْإِطْعَامَ وَالْكِسْوَةَ جَمِيعًا لَا عَنْ بَعْضِهَا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثِ لَا يَصُومُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ أَحَدٌ دَائِرًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ " الْإِعْتَاقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ " فَبَطَلَ اعْتِرَاضُ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1485
قَبْلَ الْحِنْثِ) أَيْ لَا يَصِحُّ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْمَالِ، أَوْ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِسَتْرِ الْجِنَايَةِ وَلَا جِنَايَةَ، وَالْيَمِينُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الْحِنْثِ غَيْرُ مُفْضِيَةٍ إلَيْهِ بِخِلَافِ التَّكْفِيرِ بَعْدَ الْجَرْحِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ، ثُمَّ إذَا كَفَّرَ قَبْلَهُ لَا يَسْتَرِدُّهُ مِنْ الْفَقِيرِ لِوُقُوعِهِ صَدَقَةً.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَسْأَلَةَ تَعْدَادِ الْكَفَّارَةِ لِتَعَدُّدِ الْيَمِينِ وَهِيَ مُهِمَّةٌ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَ فَفِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ وَيَتَعَدَّدُ الْيَمِينُ بِتَعَدُّدِ الِاسْمِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ تَخَلُّلُ حَرْفِ الْقَسَمِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ سَمَرْقَنْدَ وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَفَعَلَ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَالْفَرْقُ عَلَى قَوْلِ أُولَئِكَ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْوَاوَ إذَا اتَّحَدَ ذِكْرُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ وَاوَ عَطْفٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ وَاوَ الْقَسَمِ وَلَا يَثْبُتُ الْقَسَمُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَدَّدَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لِلْعَطْفِ وَالْآخَرَ لِلْقَسَمِ وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ يَتَعَدَّدُ الْيَمِينُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ فِي الِاسْمِ الْوَاحِدِ لَا يَتَعَدَّدُ الْيَمِينُ وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ اللَّهِ، أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ الرَّحْمَنِ تَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا أَدْخَلَ بَيْنَ اسْمَيْنِ حَرْفَ عَطْفٍ كَانَا يَمِينَيْنِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الصِّفَةِ وَالتَّأْكِيدِ تَكُونُ يَمِينًا وَاحِدَةً اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْأَصْلِ إذَا حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، ثُمَّ حَلَفَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَبَدًا، ثُمَّ فَعَلَهُ إنْ نَوَى يَمِينًا مُبْتَدَأً، أَوْ التَّشْدِيدَ أَوْ لَمْ يَنْوِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينَيْنِ أَمَّا إذَا نَوَى بِالثَّانِي الْأَوَّلَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَفِي التَّجْرِيدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا حَلَفَ بِأَيْمَانٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ وَالْمَجْلِسُ وَالْمَجَالِسُ سَوَاءٌ وَلَوْ قَالَ: عَنَيْتُ بِالثَّانِي الْأَوَّلَ لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ حَلَفَ بِحَجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٍ يَسْتَقِيمُ وَفِي الْأَصْلِ أَيْضًا وَلَوْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ هُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا هُوَ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا فَهُمَا يَمِينَانِ، وَفِي النَّوَازِلِ قَالَ لِآخَرَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ يَوْمًا، وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ شَهْرًا، وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ سَنَةً إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ سَاعَةٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيْمَانٍ، وَإِنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ الْغَدِ فَعَلَيْهِ يَمِينَانِ، وَإِنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ الشَّهْرِ فَعَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ سَنَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَعُرِفَ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَقَعَ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ. .
(قَوْلُهُ: وَمَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ) بَيَانٌ لِبَعْضِ أَحْكَامِ الْيَمِينِ وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ: فِعْلُ مَعْصِيَةٍ، أَوْ تَرْكُ فَرْضٍ فَالْحِنْثُ وَاجِبٌ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحِنْثُ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» .
وَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» ، ثُمَّ الْيَمِينُ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْيَمِينِ جُمْلَتَانِ إحْدَاهُمَا مُقْسَمٌ بِهِ وَالْأُخْرَى مُقْسَمٌ عَلَيْهِ فَذُكِرَ الْكُلُّ وَأُرِيدَ الْبَعْضُ وَقِيلَ ذُكِرَ اسْمُ الْحَالِ وَأُرِيدَ الْمَحَلُّ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَحَلُّ الْيَمِينِ وَلِأَنَّ فِيمَا قُلْنَاهُ تَفْوِيتَ الْبِرِّ إلَى جَابِرٍ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَلَا جَابِرَ لِلْمَعْصِيَةِ فِي ضِدِّهِ.
وَأَطْلَقَ فِي الْمَعْصِيَةِ فَشَمِلَ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ فَالْأَوَّلُ مِثْلُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ، أَوْ لَا يُكَلِّمَ أَبَاهُ فَيَجِبَ الْحِنْثُ بِالصَّلَاةِ وَكَلَامِ الْأَبِ، وَالثَّانِي نَحْوُ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُوَقَّتَةً بِوَقْتٍ كَالْيَوْمِ وَغَدًا لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَمْ يُتَصَوَّرْ الْحِنْثُ بِاخْتِيَارِهِ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ فَيُوصِي بِالْكَفَّارَةِ حِينَئِذٍ إذَا هَلَكَ الْحَالِفُ وَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ إذَا هَلَكَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ شَيْئًا غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ إلَخْ) هَذَا خَاصٌّ بِالثَّانِي أَعْنِي الْإِثْبَاتَ أَمَّا النَّفْيُ مِثْلُ لَا يُصَلِّي فَيُتَصَوَّرُ الْحِنْثُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَنْ يُصَلِّيَ.
стр. 1486
كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ شَهْرًا، أَوْ نَحْوَهُ فَالْحِنْثُ أَفْضَلُ لِأَنَّ الرِّفْقَ أَيْمَنُ وَدَلِيلُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ، وَهُوَ يَسْتَأْهِلُ ذَلِكَ أَوْ لَيَشْكُوَنَّ مَدْيُونَهُ إنْ لَمْ يُوَافِهِ غَدًا؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ أَفْضَلُ وَكَذَا تَيْسِيرُ الْمُطَالَبَةِ.
الثَّالِثُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ وَضِدُّهُ مِثْلُهُ كَالْحَلِفِ لَا يَأْكُلُ هَذَا الْخُبْزَ، أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ فَالْبِرُّ فِي هَذَا وَحِفْظُ الْيَمِينِ أَوْلَى وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إنَّهُ وَاجِبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي تَأْوِيلِهَا أَنَّهُ الْبِرُّ فِيهَا أَمْكَنَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقِسْمَ الرَّابِعَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَجِبُ فِعْلُهُ قِيلَ: الْيَمِينُ كَحَلِفِهِ لَيُصَلِّيَنَّ الظُّهْرَ الْيَوْمَ لِظُهُورِ أَنَّ الْبِرَّ فَرْضٌ وَمِنْهُ إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ تَرْكَ مَعْصِيَةٍ فَإِنَّ الْبِرَّ وَاجِبٌ فَيَثْبُتُ وُجُوبَانِ لِأَمْرَيْنِ الْفِعْلُ وَالْبِرُّ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ إمَّا فِعْلٌ أَوْ تَرْكٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً أَوْ وَاجِبًا، أَوْ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ أَوْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ، أَوْ مُسْتَوِيَانِ وَقَدْ عَلِمْت أَحْكَامَ الْعَشَرَةِ. .
(قَوْلُهُ: وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى كَافِرٍ، وَإِنْ حَنِثَ مُسْلِمًا) لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ شَرْطَ انْعِقَادِهَا الْإِسْلَامُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ الْكُفْرِ لَا يَكُونُ مُعَظِّمًا وَلَا هُوَ لِلْكَفَّارَةِ أَهْلٌ وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَعْدَهُ ﴿نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] فَيَعْنِي صُورَةَ الْأَيْ مَانِ الَّتِي أَظْهَرُوهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ أَمَّا فِي ﴿لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الْمُرَادَ لَا إيفَاءَ لَهُمْ بِهَا، أَوْ فِي نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّ الْمُرَادَ مَا هُوَ صُورَةُ الْأَيْمَانِ دُونَ حَقِيقَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَيُرَجَّحُ الثَّانِي بِالْفِقْهِ وَهُوَ أَنَّا نَعْلَمُ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْيَمِينِ يَكُونُ أَهْلًا لِلْكَفَّارَةِ وَلَيْسَ الْكَافِرُ أَهْلًا لَهَا، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمُرْتَدَّ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْكُفْرَ يُبْطِلُ الْيَمِينَ فَلَوْ حَلَفَ مُسْلِمًا، ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ حَنِثَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا قَبْلَهُ قَالُوا: وَلَوْ نَذَرَ الْكَافِرُ بِمَا هُوَ قُرْبَةٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَأَمَّا تَحْلِيفُهُ الْقَاضِيَ وَقَوْلُهُ: ﵇ «تُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» فَالْمُرَادُ كَمَا قُلْنَا صُورَةُ الْأَيْمَانِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا رَجَاءُ النُّكُولِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ تَعْظِيمَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ وَمَعَ الْكُفْرِ لَا يَكُونُ مُعَظِّمًا. .
(قَوْلُهُ: وَمَنْ حَرَّمَ مِلْكَهُ لَمْ يَحْرُمْ) أَيْ لَا يَصِيرُ حَرَامًا عَلَيْهِ لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَلْبُ الْمَشْرُوعِ وَتَغْيِيرُهُ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي ذَلِكَ بِالتَّبْدِيلِ وَغَيْرِهِ إنْ اسْتَبَاحَهُ كَفَّرَ أَيْ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمُبَاحِ بِأَنْ فَعَلَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] الْآيَتَيْنِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نَبِيَّهُ ﵇ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا هُوَ حَلَالٌ وَأَنَّهُ فَرَضَ لَهُ تَحِلَّتَهُ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فَعُلِمَ أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ وَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ أَنَّهُ يَحْلِفُ صَرِيحًا فَلَيْسَ هُوَ فِي الْآيَةِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إلَى آخِرِ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَوْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ الْمِلْكِ الشَّيْءَ بِأَنْ قَالَ: وَمَنْ حَرَّمَ شَيْئًا ثُمَّ فَعَلَهُ كَفَّرَ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْأَعْيَانَ وَالْأَفْعَالَ وَمِلْكَهُ وَمِلْكَ غَيْرِهِ وَمَا كَانَ حَلَالًا وَمَا كَانَ حَرَامًا فَيَدْخُلَ فِيهِ مَا إذَا قَالَ كَلَامُك عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ مَعِي أَوْ الْكَلَامُ مَعَك حَرَامٌ كَمَا فِي الْمُبْتَغَى وَكَذَا إذَا قَالَ دُخُولُ هَذَا الْمَنْزِلِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَحْوَهُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَلَوْ قَالَ لِقَوْمٍ: كَلَامُكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ أَيَّهُمْ كَلَّمَ حَنِثَ، وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ وَكَذَا كَلَامُ فُلَانٍ وَفُلَانٍ عَلَيَّ حَرَامٌ يَحْنَثُ بِكَلَامِ أَحَدِهِمَا وَكَذَا كَلَامُ أَهْلِ بَغْدَادَ وَكَذَا أَكْلُ هَذَا الرَّغِيفِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُمْ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُكَلِّمَهُمْ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ: هَذَا الرَّغِيفُ عَلَيَّ حَرَامٌ حَنِثَ بِأَكْلِ لُقْمَةٍ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَالَ مَشَايِخُنَا: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَانِثًا لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذَا الرَّغِيفُ عَلَيَّ حَرَامٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ وَلَوْ قَالَ هَكَذَا لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْبَعْضِ اهـ.
مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْعَيْنِ الْمُرَادُ مِنْهَا تَحْرِيمُ الْفِعْلِ فَإِذَا قَالَ هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَالْمُرَادُ أَكْلُهُ وَكَذَا إذَا قَالَ هَذَا الثَّوْبُ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1487
عَلَيَّ حَرَامٌ فَالْمُرَادُ لُبْسُهُ إلَّا إذَا نَوَى غَيْرَهُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ قَالَ لِدَرَاهِمَ فِي يَدِهِ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ اشْتَرَى بِهَا حَنِثَ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ وَهَبَهَا لَمْ يَحْنَثْ بِحُكْمِ الْعُرْفِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلدَّرَاهِمِ بَلْ لَوْ وَهَبَ مَا جَعَلَهُ حَرَامًا، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ حُرْمَةُ الِاسْتِمْتَاعِ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ مَالِي عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَنْفَقَ مِنْهُ شَيْئًا حَنِثَ وَكَذَا مَالُ فُلَانٍ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَكَلَ مِنْهُ، أَوْ أَنْفَقَ حَنِثَ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا قَالَ هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ لِطَعَامٍ لَا يَمْلِكُهُ فَيَصِيرُ بِهِ حَالِفًا حَتَّى لَوْ أَكَلَهُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْهَا وَهُوَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا مَا إذَا قَالَ: هَذِهِ الْخَمْرُ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِذَا شَرِبَهُ كَفَّرَ فَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ فَصْلِ الْأَكْلِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: الْخَمْرُ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ الْخِنْزِيرُ عَلَيَّ حَرَامٌ كَانَ يَمِينًا حَتَّى إذَا فَعَلَهُ كَفَّرَ وَذَكَرَ فِي فَصْلِ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ إذَا قَالَ: هَذِهِ الْخَمْرُ عَلَيَّ حَرَامٌ فِيهِ قَوْلَانِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يُنْوَى فِي ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْخَبَرَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَعِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ اهـ.
وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِمَنْ الْمُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ لِيَشْمَلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى فَلِذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَالْخُلَاصَةِ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ قَالَتْ: حَرَّمْتُكَ عَلَى نَفْسِي فَيَمِينٌ حَتَّى لَوْ طَاوَعَتْهُ فِي الْجِمَاعِ، أَوْ أَكْرَهَهَا لَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَأُدْخِلَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ اهـ.
وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ حُرْمَتَهُ مُعَلَّقَةً عَلَى فِعْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ: إنْ أَكَلْتُ هَذَا الطَّعَامَ فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَأَكَلَهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ كُلُّ طَعَامٍ آكُلُهُ فِي مَنْزِلِك فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَحْنَثُ إذَا أَكَلَهُ هَكَذَا رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَحْنَثُ وَالنَّاسُ يُرِيدُونَ بِهَذَا أَنَّ أَكْلَهُ حَرَامٌ، وَفِي الْحِيَلِ: إنْ أَكَلْت عِنْدَك طَعَامًا أَبَدًا فَهُوَ حَرَامٌ فَأَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ: إنْ دَخَلْت عَلَيْك فَمَا أَخَذْت بِيَمِينِي فَحَرَامٌ فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ صَارَ يَمِينًا فَإِنْ مَلَكَ شَيْئًا وَلَوْ شَرْبَةَ مَاءٍ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ اهـ. .
(قَوْلُهُ: كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهُوَ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ كَمَا فُرِّعَ؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ فِعْلًا مُبَاحًا وَهُوَ التَّنَفُّسُ وَنَحْوُهُ وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الْبِرُّ لَا يَحْصُلُ مَعَ اعْتِبَارِ الْعُمُومِ وَإِذَا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ يَنْصَرِفُ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِلْعُرْفِ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُتَنَاوَلُ عَادَةً فَيَحْنَثُ إذَا أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَلَا يَحْنَثُ بِجِمَاعِ زَوْجَتِهِ لِإِسْقَاطِ اعْتِبَارِ الْعُمُومِ وَإِذَا نَوَاهَا كَانَ إيلَاءً وَلَا تُصْرَفُ الْيَمِينُ عَنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَهَذَا كُلُّهُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْحَاكِمِ فِي الْكَافِي إذَا قَالَ الرَّجُلُ كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ سُئِلَ عَنْ نِيَّتِهِ فَإِنْ نَوَى يَمِينًا فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَلَا تَدْخُلُ امْرَأَتُهُ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ فَإِنْ نَوَاهَا دَخَلَتْ فَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، أَوْ قَرِبَ امْرَأَتَهُ حَنِثَ وَسَقَطَ عَنْهُ الْإِيلَاءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا لَا تَدْخُلُ امْرَأَتُهُ فِيهَا وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْحَرَامِ أَيْ يَصِحُّ مَا نَوَى، وَإِنْ نَوَى الْكَذِبَ فَهُوَ كَذِبٌ اهـ.
تَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ عَلَى النِّيَّةِ وَأَنَّهُ لَوْ نَوَى الْكَذِبَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى. (قَوْلُهُ: وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ تَبِينُ امْرَأَتُهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ) لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى النَّوَازِلِ أَنَّهُ يَحْنَثُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ اهـ.
يَعْنِي: إذَا أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ لِانْصِرَافِهِ عِنْدَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَعَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِمَنْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ فِي شُمُولِ كَلَامِهِ لِذَلِكَ نَظَرًا بَيِّنًا. (قَوْلُهُ: وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَحْنَثُ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ فِي قَوْلِهِ: إنْ أَكَلْت طَعَامًا بِأَكْلِهِ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: تَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ عَلَى النِّيَّةِ إلَخْ) الضَّمِيرُ فِي " تَقْتَضِي " رَاجِعٌ إلَى عِبَارَةِ الْحَاكِمِ وَفِي كَوْنِهَا تَقْتَضِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَمِينٌ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ كَمَا أَفَادَهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ نَوَى يَمِينًا إلَخْ فَصَارَ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْيَمِينَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَلَا تَدْخُلُ امْرَأَتُهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا فَإِنْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ نَوَى الْمَرْأَةَ وَقَرِبَهَا سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ حَنِثَ وَهَذَا كُلُّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ أَيْضًا، نَعَمْ فِي عِبَارَةِ الْحَاكِمِ زِيَادَةٌ وَهِيَ لَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، أَوْ نَوَى بِهِ الْكَذِبَ فَهُوَ كَمَا نَوَى وَلَيْسَ فِي الْهِدَايَةِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ إلَّا فِي زِيَادَةِ حُكْمٍ لَمْ تُصَرِّحْ بِهِ عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي إذَا أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ إلَخْ) مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ بَاشَرَ الشَّرْطَ: الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا تَبِينُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ جُعِلَ يَمِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى إلَخْ وَلَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ هَذَا بِمَا إذَا حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَمَا يَأْتِي فِي عِبَارَةِ الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: قَالَ: وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَقَعُ الطَّلَاقُ بِلَفْظِ الْحَرَامِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ إنْ حَنِثَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ
стр. 1488
عَدَمِ الزَّوْجَةِ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ.
وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ هَكَذَا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي عُرْفُ النَّاسِ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَا امْرَأَةَ لَهُ يَحْلِفُ بِهِ كَمَا يَحْلِفُ ذُو الْحَلِيلَةِ وَلَوْ كَانَ الْعُرْفُ مُسْتَفِيضًا فِي ذَلِكَ لَمَا اسْتَعْمَلَهُ إلَّا ذُو الْحَلِيلَةِ فَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَيَّدَ الْجَوَابُ فِي هَذَا فَنَقُولَ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ يَكُونُ طَلَاقًا فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَقِفَ الْإِنْسَانُ فِيهِ وَلَا يُخَالِفَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَاعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ لَمْ يُتَعَارَفْ فِي دِيَارِنَا بَلْ الْمُتَعَارَفُ فِيهِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَلَامُكَ وَنَحْوُهُ كَأَكْلِ كَذَا وَلُبْسِهِ دُونَ الصِّيغَةِ الْعَامَّةِ وَتَعَارَفُوا أَيْضًا الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الطَّلَاقَ مُعَلَّقًا فَإِنَّهُمْ يَزِيدُونَ بَعْدَهُ لَا أَفْعَلُ كَذَا وَلَأَفْعَلَنَّ وَهُوَ مِثْلُ تَعَارُفِهِمْ " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا " فَإِنَّهُ يُرَادُ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ وَيَجِبُ إمْضَاؤُهُ عَلَيْهِمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي انْصِرَافِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَرَبِيَّةً كَانَتْ، أَوْ فَارِسِيَّةً إلَى مَعْنًى بِلَا نِيَّةٍ التَّعَارُفُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يُتَعَارَفْ سُئِلَ عَنْ نِيَّتِهِ وَفِيمَا يَنْصَرِفُ بِلَا نِيَّةٍ لَوْ قَالَ أَرَدْت غَيْرَهُ لَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مُصَدَّقٌ هَكَذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَقَطْ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ وَعَلَى الْمُفْتَى بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَةٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا وَلَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: رَجُلٌ قَالَ: كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ قَالَ: كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ قَالَ حَلَالُ اللَّهِ، أَوْ قَالَ حَلَالُ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ امْرَأَةٌ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَالْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سَعِيدٍ تَبِينُ امْرَأَتُهُ بِتَطْلِيقَةٍ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ صَارَ طَلَاقًا عُرْفًا وَلِهَذَا لَا يَحْلِفُ بِهِ إلَّا الرِّجَالُ فَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ تَبِينُ بِتَطْلِيقَةٍ، وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ حَلَفَ بِهَذَا اللَّفْظِ إنْ كَانَ فَعَلَ كَذَا وَقَدْ كَانَ فَعَلَ وَلَهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ أَكْثَرُ بِنَّ جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ يَمِينًا بِالطَّلَاقِ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ يَمِينًا بِاَللَّهِ فَهُوَ غَمُوسٌ وَإِنْ حَلَفَ بِهَذَا عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَفَعَلَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَةٌ وَقْتَ الْيَمِينِ فَمَاتَتْ قَبْلَ الشَّرْطِ، أَوْ بَانَتْ لَا إلَى عِدَّةٍ ثُمَّ بَاشَرَ الشَّرْطَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْصَرَفَ إلَى الطَّلَاقِ وَقْتَ وُجُودِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ وَقْتَ الْيَمِينِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ بَاشَرَ الشَّرْطَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: تَبِينُ الْمُتَزَوِّجَةُ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَبِينُ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِأَنَّ يَمِينَهُ جُعِلَ يَمِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى وَقْتَ
ــ
[منحة الخالق]
وَالنَّسَفِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ اهـ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ حَمْلُ كَلَامِ النَّسَفِيِّ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَلِفُهُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ فَلَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ وَسَكَتَ، أَوْ قَالَ إنْ كُنْت فَعَلْت كَذَا لِأَمْرٍ فَعَلَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأَةٌ.
وَإِنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالْحِنْثِ هَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى تَغَيُّرِ الْعُرْفِ مِنْ انْصِرَافِهِ إلَى الطَّلَاقِ بَعْدَمَا كَانَ الْعُرْفُ قَبْلَهُ فِي انْصِرَافِهِ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي تَأْوِيلِ عِبَارَةِ النِّهَايَةِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمِنَحِ أَقُولُ: مَا بَحَثَهُ جَيِّدٌ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَيُحْمَلُ كَلَامُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِعْمَالُ مُشْتَرَكًا فِيهِ، وَفِي غَيْرِهِ أَمَّا إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا تَعَيَّنَ مُوَافَقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَقُولُ: أَكْثَرُ عَوَامِّ بِلَادِنَا لَا يَقْصِدُونَ بِقَوْلِهِمْ: أَنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ، أَوْ حَرَامٌ عَلَيَّ أَوْ حَرَّمْتُكِ عَلَيَّ إلَّا حُرْمَةَ الْوَطْءِ الْمُقَابِلَةَ لِحِلِّهِ وَلِذَلِكَ أَكْثَرُهُمْ يَضْرِبُ مُدَّةً لِتَحْرِيمِهَا وَلَا يُرِيدُ قَطْعًا إلَّا تَحْرِيمَ الْجِمَاعِ إلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَمِينٌ مُوجِبٌ لِلْإِيلَاءِ تَأَمَّلْ؛ فَقَلَّ مَنْ حَقَّقَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهِهَا وَانْظُرْ إلَى قَوْلِهِمْ لَا نَقُولُ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لَكِنْ يُجْعَلُ نَاوِيًا عُرْفًا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي اعْتِبَارِ الْعُرْفِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ مُشْتَرَكًا تَعَيَّنَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ وَتَصْدِيقُ الْحَالِفِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُتَقَدِّمِينَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَهُ: لَكِنْ فِي الدِّرَايَةِ لَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَإِلَيْهِ الْبَيَانُ فِي الْأَظْهَرِ كَقَوْلِهِ امْرَأَتِي كَذَا وَلَهُ امْرَأَتَانِ، أَوْ أَكْثَرُ اهـ.
قَالَ مُحَشِّي مِسْكِينٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَوْ أَكْثَرُ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَإِلَيْهِ الْبَيَانُ لَا يَخُصُّ الثِّنْتَيْنِ بَلْ كَذَلِكَ لَوْ كُنَّ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَهُوَ قَوْلٌ مُقَابِلٌ لِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَحَيْثُ كَانَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَإِلَيْهِ الْبَيَانُ هُوَ الْأَظْهَرَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، أَوْ أَكْثَرُ فَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ وُقُوعِهِ عَلَى الْكُلِّ خِلَافُ الْأَظْهَرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَحْرِ لَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ الدِّرَايَةِ اهـ.
قُلْتُ: لَمْ يَذْكُرْهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ آخِرَ بَابِ الْإِيلَاءِ وَقَدَّمَ هُنَاكَ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّ الْأَشْبَهَ مَا هُنَا لِأَنَّ قَوْلَهُ: حَلَالُ اللَّهِ، أَوْ حَلَالُ الْمُسْلِمِينَ يَعُمُّ كُلَّ زَوْجَةٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِغْرَاقِ
стр. 1489
وُجُودِهَا فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
وَقَيَّدَ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَقَدْ قَدَّمَ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ لِلزَّوْجَةِ فَتَطْلُقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا مُطْلَقًا، أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ وَوُجِدَ وَفَى بِهِ) أَيْ وَفَى بِالْمَنْذُورِ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ نَذَرَ وَسَمَّى فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا سَمَّى» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ الْمُنَجَّزَ وَالْمُعَلَّقَ وَلِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ عِنْدَهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يُرِيدُ كَوْنَهُ أَوْ لَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ فَقَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ صَدَقَةُ مَا أَمْلِكُهُ أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْوَفَاءِ بِمَا سَمَّى أَيْضًا إذَا كَانَ شَرْطًا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ وَهُوَ الْمَنْعُ وَهُوَ بِظَاهِرِهِ نَذْرٌ فَيَتَخَيَّرُ وَيَمِيلُ إلَى أَيِّ الْجِهَتَيْنِ شَاءَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ شَرْطًا يُرِيدُ كَوْنَهُ كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي لِانْعِدَامِ مَعْنَى الْيَمِينِ فِيهِ قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ: مَشَايِخُ بَلْخٍ وَبُخَارَى يُفْتُونَ بِهَذَا وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ - وَلِكَثْرَةِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الزَّمَانِ - وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَوَجْهُ الصَّحِيحِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» وَهُوَ يَقْتَضِي السُّقُوطَ بِالْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا فَتَعَارَضَا فَيُحْمَلُ مُقْتَضَى الْإِيفَاءِ بِعَيْنِهِ عَلَى الْمُنَجَّزِ، أَوْ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطٍ يُرِيدُ كَوْنَهُ وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ عَلَى الْمُعَلَّقِ بِشَرْطٍ لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ لِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَا يُرِيدُهُ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ كَوْنَهُ الْمَنْذُورَ حَيْثُ جَعَلَهُ مَانِعًا مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، مِثْلُ دُخُولِ الدَّارِ وَكَلَامِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَهُ حِينَئِذٍ لِمَنْعِ نَفْسِهِ عَنْهُ بِخِلَافِ الشَّرْطِ الَّذِي يُرِيدُ كَوْنَهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُنَجَّزِ ابْتِدَاءً فَيَنْدَرِجُ فِي حُكْمِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْإِيفَاءِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ، وَإِنْ كَانَ قَوْلَ الْمُحَقِّقِ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لُزُومُ الْوَفَاءِ بِالْمَنْذُورِ عَيْنًا مُنَجَّزًا كَانَ أَوْ مُعَلَّقًا، وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا بَيْنَ الْوَفَاءِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَقَدْ قَدَّمَ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ لِلزَّوْجَةِ فَتَطْلُقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ) كَانَ عَلَيْهِ حَذْفُ قَوْلِهِ فَتَطْلُقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمَتْنِ فِي بَابِ الْإِيلَاءِ هَكَذَا أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إيلَاءٌ إنْ نَوَى التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَظِهَارٌ إنْ نَوَاهُ وَكَذِبٌ إنْ نَوَى الْكَذِبَ وَبَائِنَةٌ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَثَلَاثٌ إنْ نَوَى، وَفِي الْفَتْوَى إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ وَالْحَرَامُ عِنْدَهُ طَلَاقٌ وَلَكِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا وَقَعَ الطَّلَاقُ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَخُصُّ الْمَرْأَةَ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ بِخِلَافِ الْعَامِّ.
(قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا سَمَّى) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا صَرِيحٌ فِي تَعَيُّنِهِ وَعَدَمِ جَوَازِ الْبَدَلِ هَذَا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِعَدَمِ تَعَيُّنِ الدِّرْهَمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الدِّينَارَ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْفُلُوسُ النَّافِقَةُ لِعَدَمِ التَّفَاوُتِ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِالْأَصْلِ لَا بِكُلِّ وَصْفٍ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا) ظَاهِرُ سِيَاقِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ ضَمِيرَ فِيهِمَا عَائِدٌ عَلَى الْمَنْذُورِ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ مُطْلَقًا وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ قَوْلُهُ: إنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ أَيْ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الرِّوَايَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى قِسْمَيْ الْمُعَلَّقِ أَعْنِي الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ يُرِيدُ كَوْنَهُ، أَوْ لَا يُرِيدُ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ فَإِنَّهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَالْقَوْلَ الثَّانِيَ الَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ قَالَ: وَالْأَوَّلُ وَهُوَ لُزُومُ الْوَفَاءِ بِهِ عَيْنًا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالتَّخْيِيرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْعِنَايَةِ فَإِنَّهُ بَعْدَمَا ذَكَرَ رُجُوعَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى التَّخْيِيرِ فِيمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَنَّهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ قَالَ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ، وَفِي النَّهْرِ بَعْدَ سَوْقِهِ كَلَامَ الْخُلَاصَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى التَّخْيِيرِ مُطْلَقًا وَأَقُولُ: وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْخُلَاصَةِ فِي التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الَّذِي لَا يُرَادُ كَوْنُهُ فَالْإِطْلَاقُ مَمْنُوعٌ أَعْنِي سَوَاءٌ أُرِيدَ كَوْنُهُ أَوْ لَا وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. اهـ. كَلَامُ النَّهْرِ وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلِذَا اُعْتُرِضَ فِي الْعِنَايَةِ عَلَى تَصْحِيحِ الْهِدَايَةِ أَيْ حَيْثُ قَالَ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ حَصْرَ الصِّحَّةِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ الدِّرَايَةُ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ فَالدَّفْعُ مُمْكِنٌ مِنْ حَيْثُ حَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْمُرْسَلِ وَالْآخَرِ عَلَى الْمُعَلَّقِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ مَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَجَابَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ مُنْتَصِرًا لِمَا فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ حَصْرَ الصِّحَّةِ مِنْ حَيْثُ رُجُوعُ الْإِمَامِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ فَصَارَ هُوَ الصَّحِيحَ لِأَنَّ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ لَا يُقَاوِمُ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْمُجْتَهِدِ وَرَأْيُهُ عَلَيْهِ صَارَ هُوَ الْمَذْهَبَ لِلْإِمَامِ فَيَصِيرُ الْمُسَطَّرُ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَالْمَنْسُوخِ بِمَا بَعْدَهُ وَلَا يَكُونُ مَا أَرَادَهُ الْأَكْمَلُ إلَّا إذَا تَقَابَلَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالنَّوَادِرِ وَتَعَارَضَا مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ عَنْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَمَّا مَعَهُ كَمَا بَيَّنَّا فَلَا وَلِهَذَا أَفْتَى بِمَا فِي النَّوَادِرِ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ وَبَعْضُ مَشَايِخِ بُخَارَى.
وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالْقَاضِي الْمَرْوَزِيِّ وَقَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ فِي الْفَيْضِ
стр. 1490
الْيَمِينِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ وَبِهِ يُفْتَى فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى التَّخْيِيرِ مُطْلَقًا وَلِذَا اُعْتُرِضَ فِي الْعِنَايَةِ عَلَى تَصْحِيحِ الْهِدَايَةِ اهـ.
وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَفَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِأَصْلِ الْقُرْبَةِ الَّتِي الْتَزَمَهَا لَا بِكُلِّ وَصْفٍ الْتَزَمَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ دِرْهَمًا، أَوْ فَقِيرًا أَوْ مَكَانًا لِلتَّصْدِيقِ، أَوْ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَقَدَّمْنَا تَفَارِيعَ النَّذْرِ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي آخِرِ الصَّوْمِ، وَأَنَّ شَرَائِطَهُ أَرْبَعَةٌ: أَنْ لَا يَكُونَ مَعْصِيَةً لِذَاتِهِ فَخَرَجَ النَّذْرُ بِصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ لِصِحَّةِ النَّذْرِ بِهِ لِأَنَّهُ لِغَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ عِبَادَةً مَقْصُودَةً، وَأَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَبْلَ النَّذْرِ فَلَوْ نَذَرَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ غَيْرُهَا وَبِهِ عُرِفَ أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ الْتَزَمَ بِالنَّذْرِ أَكْثَرَ مِمَّا يَمْلِكُهُ لَزِمَهُ مَا يَمْلِكُهُ هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي صَدَقَةٌ فَفَعَلَ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ إلَّا مِائَةً لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْمِائَةُ؛ لِأَنَّهُ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْمِلْكِ وَلَا مُضَافًا إلَى سَبَبِهِ فَلَمْ يَصِحَّ كَقَوْلِهِ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ وَلَا مَالَ لَهُ لَا يَصِحُّ فَكَذَا هَذَا كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَذِهِ الشَّاةَ وَهِيَ مِلْكُ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَأُهْدِيَنَّ وَلَوْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ شَرْطٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مَا الْتَزَمَهُ مِلْكًا لِلْغَيْرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ النَّذْرَ بِهِ مَعْصِيَةٌ لَكِنْ لَيْسَ مَعْصِيَةً لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ إطْعَامُ الْمَسَاكِينِ فَهُوَ عَلَى عَشَرَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِلَّهِ عَلَيَّ إطْعَامُ مِسْكِينٍ يَلْزَمُهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِي صَدَقَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ فَحَنِثَ وَتَصَدَّقَ بِالْكُلِّ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ جَازَ وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذِهِ الرَّقَبَةَ وَهُوَ يَمْلِكُهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَفِ يَأْثَمُ وَلَكِنْ لَا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي، وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ: لَوْ قَالَ: وَهُوَ مَرِيضٌ إنْ بَرِئْتَ مِنْ مَرَضِي هَذَا ذَبَحْت شَاةً، أَوْ عَلَيَّ شَاةٌ أَذْبَحُهَا فَبَرِئَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ شَاةٌ أَذْبَحُهَا وَأَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهَا لَزِمَهُ وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ.
ــ
[منحة الخالق]
وَالْمُفْتَى بِهِ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ رُجُوعِهِ وَكَذَا اخْتَارَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَاخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَبِهِ يُفْتَى وَقَدْ جَعَلَهُ مَتْنًا فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَصَحَّحَهُ وَكَذَا صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَتَمَامُهُ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِتُحْفَةِ التَّحْرِيرِ وَبَيَّنَ فِيهَا أَيْضًا أَنَّ مَا رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ هُوَ التَّخْيِيرُ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ بِمَا لَا يُرَادُ كَوْنُهُ وَأَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ شَرْطًا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ الْهُمَامِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ وَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَا رَجَعَ إلَيْهِ الْإِمَامُ شَامِلٌ لِذَلِكَ وَلِلشَّرْطِ الَّذِي يُرِيدُ كَوْنَهُ وَأَنَّهُ فِي الْهِدَايَةِ اخْتَارَ تَخْصِيصَهُ بِمَا لَا يُرِيدُ كَوْنَهُ لِأَنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ خَاصٌّ بِالثَّانِي كَمَا اقْتَضَاهُ التَّمْثِيلُ بِقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ إلَخْ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ قَوْلِ حَاكِي الرُّجُوعِ شُمُولَ الْمَنْذُورِ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانَ أَنَّ الْإِمَامَ رَجَعَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ وَقَالَ يُتَخَيَّرُ. بَيَّنَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَمَنْ وَافَقَهُ حُكْمُ النَّوْعِ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ الْإِمَامُ لِئَلَّا يَفْهَمَ أَحَدٌ شُمُولَ الرُّجُوعِ فَيَجْرِيَ التَّخْيِيرُ عُمُومًا فِي كُلِّ مَنْذُورٍ اهـ.
وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ سِوَى الْقَوْلَيْنِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالْقَوْلِ بِالتَّفْصِيلِ فِي الْمُعَلَّقِ (قَوْلُهُ: لِمَا قَدَّمْنَاهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: قَدَّمَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَزِمَ النَّفَلُ بِالشُّرُوعِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَاجِبُ عِبَادَةً مَقْصُودَةً) ظَاهِرُهُ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ الْمَشْرُوطَ كَوْنُهُ عِبَادَةً مَقْصُودَةً هُوَ الْوَاجِبُ الَّذِي مِنْ جِنْسِ الْمَنْذُورِ لَا الْمَنْذُورُ نَفْسُهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ مِمَّا هُوَ طَاعَةٌ مَقْصُودَةٌ لِنَفْسِهَا وَمِنْ جِنْسِهَا وَاجِبٌ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ الْوِتْرِ وَالنَّوَافِلِ وَقَالَ: فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِنَذْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَا يَلْزَمُهُ بِنَذْرِ مُبَاحٍ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلُبْسٍ وَجِمَاعٍ وَطَلَاقٍ وَلَا بِنَذْرِ مَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ كَنَذْرِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، ثُمَّ قَالَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَمِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ وَالْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْأَذَانِ وَبِنَاءِ الرِّبَاطَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ قُرَبًا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ اهـ.
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّرْطَ كَوْنُ الْمَنْذُورِ نَفْسِهِ عِبَادَةً مَقْصُودَةً لَا مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوا النَّذْرَ بِالْوَقْفِ؛ لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا وَهُوَ وَقْفُ مَسْجِدٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَقْصُودٍ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَأُهْدِيَنَّ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّأْكِيدِ وَعَدَمِهِ مِمَّا لَا أَثَرَ لَهُ يَظْهَرُ فِي صِحَّةِ النَّذْرِ وَعَدَمِهِ ثُمَّ عَلَى الصِّحَّةِ هَلْ تَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا أَوْ بِتَوَقُّفِ الْحَالِ إلَى مِلْكِهَا؟ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ.
(قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ) أَقُولُ: فِي الْبَزَّازِيَّةِ: إنْ عُوفِيتُ صُمْتُ كَذَا لَمْ يَجِبْ مَا لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ عَلَيَّ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقًا لَا يَجِبُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا كَمَا إذَا قَالَ: أَنَا أَحُجُّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَحُجُّ فَفَعَلَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ إنْ سَلِمَ وَلَدِي أَصُومُ مَا عِشْتُ فَهَذَا وَعْدٌ اهـ.
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا هُنَا مَبْنِيًّا عَلَى الْقِيَاسِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ وَعْدٌ لِعَدَمِ الْفَاءِ الرَّابِطَةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ شَاةٌ أَذْبَحُهَا تَأَمَّلْ.
стр. 1491
جَزُورًا وَأَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ فَذَبَحَ مَكَانَهُ سَبْعَ شِيَاهٍ جَازَ اهـ.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ وَاجِبَةٌ وَهُوَ الذَّبْحُ لَا التَّصَدُّقُ مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِالذَّبْحِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالتَّصَدُّقِ بِلَحْمِهِ وَقَدَّمْنَا فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ مَا يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ مِنْ الْمَنْذُورِ وَكَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّوْمِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ إنْسَانٌ فَمَهُ فَلَمْ يُتِمَّ الْكَلَامَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَصَدَّقَ فُرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ فَإِنَّ ثَمَّةَ إذَا وَصَلَ الشَّرْطَ بَعْدَمَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ فَمِهِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ مَحْظُورٌ فَيُكَلَّفُ لِعَدَمِهِ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ بِجَعْلِ هَذَا الِانْقِطَاعِ غَيْرَ فَاصِلٍ كَمَا لَوْ حَصَلَ الِانْقِطَاعُ بِالْعُطَاسِ، أَمَّا الصَّدَقَةُ عِبَادَةٌ فَلَا يُكَلَّفُ لِعَدَمِهَا وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ مَثَلًا فَدَخَلَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَثَلَ بِمَنْزِلَةِ التَّشْبِيهِ وَلَيْسَ فِي التَّشْبِيهِ إيجَابٌ فَلَا يَجِبُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْإِيجَابَ وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُكَفِّنَ الْمَيِّتَ، أَوْ أَنْ أُضَحِّيَ لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّ تَكْفِينَ الْمَيِّتِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ مَقْصُودَةٍ، وَأَمَّا التَّضْحِيَةُ فَلِأَنَّ التَّضْحِيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ حَجَّةً كَانَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ عُمُرِهِ اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَفَى بِهِ إلَى أَنَّهُ مُعَيَّنٌ مُسَمًّى فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى كَقَوْلِهِ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ فَإِنْ نَوَى قُرْبَةً مِنْ الْقُرَبِ الَّتِي يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا نَحْوُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَجُعِلَ مَا نَوَى كَالْمَنْطُوقِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَكَذَا إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ أَبِي فَعَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ إنْ صَلَّيْت الظُّهْرَ فَإِنْ نَوَى مُعَيَّنًا لَزِمَهُ، وَإِلَّا كَفَّرَ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَإِذَا حَلَفَ بِالنَّذْرِ وَهُوَ يَنْوِي صِيَامًا وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا مَعْلُومًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الصِّيَامِ، وَأَدْنَى ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَإِنْ نَوَى صَدَقَةً وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَعَلَيْهِ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ لِمَا ذَكَرْنَا اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ: نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إذَا نَوَى أَبْنَاءَ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّهُمْ مَحَلُّ الزَّكَاةِ وَلَوْ قَالَ: إنْ قَدِمَ غَائِبِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَيِّفَ هَؤُلَاءِ الْأَقْوَامَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ لَا يَصِحُّ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَقُولَ دُعَاءَ كَذَا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﵊ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَذَا يَلْزَمُهُ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ وَلَوْ قَالَ: إنْ ذَهَبَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ عَنِّي فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا فَذَهَبَتْ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَصَلَ بِحَلِفِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَّ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ» إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاتِّصَالِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ رُجُوعٌ، وَلَا رُجُوعَ فِي الْيَمِينِ إلَّا إذَا كَانَ انْقِطَاعُهُ لِتَنَفُّسٍ، أَوْ سُعَالٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْيَمِينَ مُنْعَقِدَةٌ إلَّا أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ أَصْلًا لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمَا - أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ إبْطَالٌ وَلِذَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ بَرَّ عَدَمَ الِانْعِقَادِ لِأَنَّ فِيهِ عَدَمَ الْحِنْثِ كَالْبِرِّ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فَائِدَةَ الِاخْتِلَافِ فِي آخِرِ بَابِ التَّعْلِيقِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ إلَخْ) تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ تِلْمِيذُهُ فِي الْمِنَحِ وَقَوَّاهُ بِنَصِّ الدُّرَرِ عَلَى الِافْتِرَاضِ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَقُولُ: إنَّ مَا فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ لَا يُعَيِّنُ اشْتِرَاطَ الِافْتِرَاضِ بَلْ إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لَيْسَ نَذْرًا حَتَّى لَوْ تَلَفَّظَ بِصِيغَةِ النَّذْرِ فِي الذَّبْحِ لَزِمَهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْهِنْدِيَّةِ عَنْ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: رَجُلٌ قَالَ إنْ بَرِئْتُ مِنْ مَرَضِي هَذَا ذَبَحْتُ شَاةً فَبَرِئَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ إنْ بَرِئْتُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ شَاةً اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِنَذْرِ الذَّبْحِ لَزِمَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ حَقِيقَتُهُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الدُّرَرِ الْمَنْذُورُ إذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْفُرُوضِ لَزِمَ النَّاذِرَ فَيُرَادُ بِهِ مَا يَعُمُّ الْوَاجِبَ بِأَنْ يُرَادَ بِالْفَرْضِ فِي كَلَامِهِ اللَّازِمُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ التَّنَافِي الْوَاقِعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ اهـ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ أُضْحِيَّةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ حَيْثُ قَالَ مَا نَصُّهُ نَذَرَ عَشْرَ أُضْحِيَّاتٍ لَزِمَهُ ثِنْتَانِ لِمَجِيءِ الْأَمْرِ بِهِمَا، خَانِيَّةٌ: وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ الْكُلِّ لِإِيجَابِهِ مَا لِلَّهِ مِنْ جِنْسِهِ إيجَابٌ شَرْحُ وَهْبَانِيَّةٍ: قُلْت: وَمُفَادُهُ لُزُومُ النَّذْرِ بِمَا مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ اعْتِقَادِيٌّ، أَوْ اصْطِلَاحِيٌّ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فَلْيُحْفَظْ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ أَنْ أُضَحِّيَ) أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إذَا نَوَى الْأُضْحِيَّةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ لِمَا فِي أُضْحِيَّةِ الْبَدَائِعِ لَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ شَاةً وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِشَاتَيْنِ عِنْدَنَا شَاةٍ لِلنَّذْرِ وَشَاةٍ بِإِيجَابِ الشَّرْعِ ابْتِدَاءً إلَّا إذَا عَنَى بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَوْ قَبْلَ أَيَّامِ النَّحْرِ لَزِمَهُ شَاتَانِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا تَحْتَمِلُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوَاجِبِ إذْ لَا وُجُوبَ
стр. 1492
رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ إلَى أَنَّ النَّذْرَ كَذَلِكَ أَيْضًا إذَا وَصَلَهُ بِالْمَشِيئَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَعَلَّقَ بِالْقَوْلِ فَالْمَشِيئَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِهِ مُبْطِلَةٌ لَهُ عِبَادَةً، أَوْ مُعَامَلَةً بِخِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْقَلْبِ كَالنِّيَّةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الصَّوْمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَالسُّكْنَى وَالْإِتْيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْأَفْعَالِ الَّتِي يُحْلَفُ عَلَيْهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى حَصْرِهَا لِكَثْرَتِهَا لِتَعَلُّقِهَا بِاخْتِيَارِ الْفَاعِلِ فَنَذْكُرُ الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ وَالْمَذْكُورُ نَوْعَانِ أَفْعَالٌ حِسِّيَّةٌ وَأُمُورٌ شَرْعِيَّةٌ وَبَدَأَ بِالْأَهَمِّ، وَهُوَ الدُّخُولُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّ حَالَةَ الْحُلُولِ فِي مَكَان أَلْزَمُ لِلْجِسْمِ مِنْ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ الْأَفْعَالِ خَمْسَةً: الدُّخُولُ وَالْخُرُوجُ وَالسُّكْنَى وَالْإِتْيَانُ وَالرُّكُوبُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ عِنْدَنَا لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَلَا عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِيِّ كَمَا عَنْ مَالِكٍ، وَلَا عَلَى النِّيَّةِ مُطْلَقًا كَمَا عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِالْكَلَامِ الْعُرْفِيِّ أَعْنِي الْأَلْفَاظَ الَّتِي يُرَادُ بِهَا مَعَانِيهَا الَّتِي وُضِعَتْ فِي الْعُرْفِ كَمَا أَنَّ الْعَرَبِيَّ حَالَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ بِالْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ فَوَجَبَ صَرْفُ أَلْفَاظِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى مَا عُهِدَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهَا ثُمَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ جَرَى عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ فَحَكَمَ بِالْفَرْعِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ والمرغيناني، وَهُوَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَهْدِمُ بَيْتًا فَهَدَمَ بَيْتَ الْعَنْكَبُوتِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَنَّهُ خَطَأٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ حَمْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْعُرْفِ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يُصَيِّرُ الْمُعْتَبَرَ الْحَقِيقَةَ اللُّغَوِيَّةَ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ لَيْسَ لَهُ وَضْعٌ لُغَوِيٌّ بَلْ أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ، وَأَنَّ مَا لَهُ وَضْعٌ لُغَوِيٌّ وَوَضْعٌ عُرْفِيٌّ يُعْتَبَرُ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِهِ مُتَكَلِّمٌ مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ، وَهَذَا يَهْدِمُ قَاعِدَةَ حَمْلِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَيِّرْ الْمُعْتَبَرَ إلَّا اللُّغَةَ إلَّا مَا تَعَذَّرَ، وَهَذَا بَعِيدٌ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِالْعُرْفِ الَّذِي بِهِ التَّخَاطُبُ سَوَاءٌ كَانَ عُرْفَ اللُّغَةِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَوْ غَيْرِهَا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا. يَعُمُّ مَا وَقَعَ اسْتِعْمَالُهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَهْلِ الْعُرْفِ تُعْتَبَرُ اللُّغَةُ عَلَى أَنَّهَا الْعُرْفُ.
وَأَمَّا الْفَرْعُ الْمَذْكُورُ فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ نَوَاهُ فِي عُمُومِ بَيْتًا حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَخْطِرْ لَهُ وَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ لِانْصِرَافِ الْكَلَامِ إلَى الْمُتَعَارَفِ عِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِ بَيْتٍ وَظَهَرَ أَنَّ مُرَادَنَا بِانْصِرَافِ الْكَلَامِ إلَى الْعُرْفِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ مُوجَبُ الْكَلَامِ مَا هُوَ مَعْنًى عُرْفِيًّا لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةُ شَيْءٍ وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ انْعَقَدَ الْيَمِينُ بِاعْتِبَارِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ الْأَلْفَاظُ دُونَ الْأَغْرَاضِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ الْهِبَةِ رَجُلٌ اغْتَاظَ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ إنْ اشْتَرَيْتُ لَكَ بِفَلْسٍ شَيْئًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَاشْتَرَى لَهُ بِدِرْهَمٍ شَيْئًا لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ. اهـ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْخَلَّاطِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْجَامِعِ فُرُوعًا مَبْنِيَّةً عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ بَابُ الْيَمِينِ فِي الْمُسَاوَمَةِ حَلَفَ لَا يَشْتَرِيهِ بِعَشَرَةٍ حَنِثَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ، وَلَوْ حَلَفَ الْبَائِعُ لَمْ يَحْنَثْ بِهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْمُشْتَرِي الْمُطْلَقَةُ، وَمُرَادُ الْبَائِعِ الْمُفْرَدَةُ، وَهُوَ الْعُرْفُ، وَلَوْ اشْتَرَى أَوْ بَاعَ بِتِسْعَةٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُسْتَنْقِصٌ، وَالْبَائِعُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَزِيدًا لَكِنْ لَا يَحْنَثُ بِلَا مُسَمًّى كَمَنْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَابِ أَوْ لَا يَضْرِبُهُ سَوْطًا أَوْ لَا يَشْتَرِي بِفَلْسٍ أَوْ لَيُغَدِّيَنَّهُ الْيَوْمَ بِأَلْفٍ فَخَرَجَ مِنْ السَّطْحِ وَضَرَبَ بِعَصًا وَاشْتَرَى بِدِينَارٍ وَغَدَّى بِرَغِيفٍ لَمْ يَحْنَثْ. اهـ.
وَفِي التَّنْوِيرِ لِلْإِمَامِ الْمَسْعُودِيِّ شَارِحِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ
ــ
[منحة الخالق]
قَبْلَ الْوَقْتِ اهـ. تَأَمَّلْ.
(بَابُ الْيَمِينِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَالسُّكْنَى وَالْإِتْيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)
(قَوْلُهُ: وَفِي الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْأَيْمَانِ الْأَلْفَاظُ دُونَ الْأَغْرَاضِ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بِقَوْلِهِ، وَلَعَلَّهُ قَضَاءٌ، وَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ دِيَانَةً فَلَا مُخَالَفَةَ. اهـ.
وَسَيَأْتِي قَرِيبًا تَوْفِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْأَلْفَاظِ هُوَ الْقِيَاسُ وَحَمْلَهُ عَلَى الْأَغْرَاضِ اسْتِحْسَانٌ (قَوْلُهُ: وَغَدَّى بِرَغِيفٍ لَمْ يَحْنَثْ) بَقِيَ مِنْ عِبَارَةِ مُخْتَصَرِ الْجَامِعِ بَقِيَّةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَغَدَّى بِرَغِيفٍ مُشْتَرًى بِأَلْفٍ لَمْ يَحْنَثْ كَذَا بِتِسْعَةٍ وَدِينَارٍ أَوْ ثَوْبٍ وَبِالْعُرْفِ يُخَصُّ، وَلَا يُزَادُ حَتَّى خَصَّ الرَّأْسَ بِمَا يُكْبَسُ، وَلَمْ يَرِدْ الْمِلْكُ فِي تَعْلِيقِ طَلَاقِ الْأَجْنَبِيَّةِ بِالدُّخُولِ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الْجَامِعِ، وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَقَامَ الْإِمَامُ الْفَارِسِيُّ فِي شَرْحِهِ الْمُسَمَّى تُحْفَةِ الْحَرِيصِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ فَنَذْكُرُهُ مُلَخَّصًا، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي لَا يَشْتَرِيهِ بِعَشَرَةٍ فَاشْتَرَاهُ بِأَحَدَ عَشَرَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِعَشَرَةٍ وَزِيَادَةٍ وَالزِّيَادَةُ عَلَى شَرْطِ الْحِنْثِ لَا تَمْنَعُ الْحِنْثَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا وَدَخَلَ دَارًا أُخْرَى.
وَلَوْ حَلَفَ الْبَائِعُ لَا يَبِيعُهُ بِعَشَرَةٍ فَبَاعَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ لَمْ يَحْنَثْ لِحُصُولِ شَرْطِ بِرِّهِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَقَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّ
стр. 1493
فِي الْيَمِينِ مَلْفُوظٌ بِهِ يَجُوزُ تَعْيِينُ أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ بِالْغَرَضِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الْمَلْفُوظِ فَلَا يَجُوزُ بِالْغَرَضِ فَفِي مَسْأَلَةِ لَا أَبِيعُهُ بِعَشَرَةٍ فَبَاعَهُ بِتِسْعَةٍ إنَّمَا لَا يَحْنَثُ الْبَائِعُ، وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ الْمَنْعَ عَنْ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ عَنْ الْعَشَرَةِ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِهِ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ مِنْ الْجِنْسِ الْخَامِسِ مِنْ الْيَمِينِ فِي الشِّرَاءِ، وَلَوْ أَنَّ الْبَائِعَ هُوَ الَّذِي حَلَفَ فَقَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ بِعْتُ هَذَا مِنْكَ بِعَشَرَةٍ فَبَاعَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ أَوْ بِأَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ بَاعَهُ بِتِسْعَةٍ لَا يَحْنَثُ أَيْضًا هَذَا جَوَابُ الْقِيَاسِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَى عَكْسِ هَذَا فَإِنَّ الْعُرْفَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ بِعَشَرَةٍ أَنْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةٍ فَإِذَا بَاعَهُ بِتِسْعَةٍ يَحْنَثُ اسْتِحْسَانًا. اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ بِنَاءَ الْحُكْمِ عَلَى الْأَلْفَاظِ هُوَ الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ بِنَاؤُهُ عَلَى الْأَغْرَاضِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ هَلْ يُعْتَبَرُ فِي الْعُرْفِ عِنْدَ التَّخَاطُبِ أَوْ الْعَمَلِ (قَوْلُهُ: حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ وَالْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَالدِّهْلِيزِ وَالظُّلَّةِ وَالصُّفَّةِ) لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَالْبَيْتُ فِي الْعُرْفِ مَا أُعِدَّ لِلْبَيْتُوتَةِ، وَهَذِهِ الْبِقَاعُ مَا بُنِيَتْ لَهَا، وَأَرَادَ بِالْبَيْتِ الْكَعْبَةَ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهَا لَكَانَ أَظْهَرَ وَالْبِيعَةُ بِكَسْرِ الْبَاءِ مَعْبَدُ النَّصَارَى وَالْكَنِيسَةُ مَعْبَدُ الْيَهُودِ وَالدِّهْلِيزُ بِكَسْرِ الدَّالِ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالدَّارِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَالظُّلَّةُ السَّابَاطُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى بَابِ الدَّارِ مِنْ سَقْفٍ لَهُ جُذُوعٌ أَطْرَافُهَا عَلَى جِدَارِ الْبَابِ، وَأَطْرَافُهَا الْأُخْرَى عَلَى جِدَارِ الْجَارِ الْمُقَابِلِ لَهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهِ؛ لِأَنَّ الظُّلَّةَ إذَا كَانَ مَعْنَاهَا مَا هُوَ دَاخِلُ الْبَيْتِ مُسْقَفًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّهْلِيزِ وَالصُّفَّةِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَصْلُحَا
ــ
[منحة الخالق]
الْبَيْعَ بِالْعَشَرَةِ نَوْعَانِ بَيْعٌ بِعَشَرَةٍ مُفْرَدَةٍ وَبَيْعٌ بِعَشَرَةٍ مَقْرُونَةٍ بِالزِّيَادَةِ فَفِي الْمُشْتَرِي اللَّفْظُ مُطْلَقٌ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ فَكَانَ مُرَادُهُ الْعَشَرَةَ الْمُطْلَقَةَ أَمَّا الْبَائِعُ فَمُرَادُهُ الْبَيْعُ بِعَشَرَةٍ مُفْرَدَةٍ بِدَلَالَةِ الْحَالِ إذْ غَرَضُهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ حِنْثِهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ بِعَشَرَةٍ مُفْرَدَةٍ فَلَا يَحْنَثُ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ النَّاسِ فَيُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَى مَا تَعَارَفُوهُ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَهُ الْبَائِعُ بِتِسْعَةٍ لَمْ يَحْنَثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّهُ مُسْتَنْقِصٌ فَكَانَ شَرْطُ بِرِّهِ الشِّرَاءَ بِأَنْقَصَ مِنْ عَشَرَةٍ، وَقَدْ وُجِدَ، وَأَمَّا الْبَائِعُ فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَزِيدًا لِلثَّمَنِ عَلَى الْعَشَرَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِفَوَاتِ الْغَرَضِ وَحْدَهُ بِدُونِ وُجُودِ الْفِعْلِ الْمُسَمَّى، وَهُوَ الْبَيْعُ بِعَشَرَةٍ فَلَا يَحْنَثُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِمَا يُنَاقِضُ الْبِرَّ صُورَةً، وَهُوَ تَحْصِيلُ مَا هُوَ شَرْطُ الْحِنْثِ صُورَةً، وَلِلْحَالِفِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْيَمِينِ غَرَضٌ فَإِذَا وُجِدَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْحِنْثِ صُورَةً، وَفَاتَ غَرَضُهُ بِهِ فَقَدْ فَاتَ شَرْطُ الْبِرِّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَحْنَثُ أَمَّا إذَا وُجِدَ صُورَةُ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الْحِنْثِ بِدُونِ فَوْتِ الْغَرَضِ أَوْ بِالْعَكْسِ لَا يَكُونُ حِنْثًا مُطْلَقًا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحِنْثِ فَصَارَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَابِ فَخَرَجَ مِنْ جَانِبِ السَّطْحِ أَوْ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ سَوْطًا فَضَرَبَهُ بِعَصًا أَوْ لَا يَشْتَرِي لِامْرَأَتِهِ شَيْئًا بِفَلْسٍ فَاشْتَرَى شَيْئًا بِدِينَارٍ أَوْ لَيُغَدِّيَنَّ فُلَانًا الْيَوْمَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَغَدَّاهُ بِرَغِيفٍ مُشْتَرًى بِأَلْفٍ لَمْ يَحْنَثْ فِي الْكُلِّ.
وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ فِي الْأُولَى الْقَرَارَ فِي الدَّارِ، وَفِي الثَّانِيَةِ الِامْتِنَاعَ عَنْ إيلَامِ الْعَبْدِ، وَفِي الثَّالِثَةِ إيذَاءَ الْمَرْأَةِ، وَعَدَمَ الْإِنْعَامِ عَلَيْهَا، وَفِي الرَّابِعَةِ كَوْنَ مَا يُغَدِّيهِ بِهِ كَثِيرَ الْقِيمَةِ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَهُ الْبَائِعُ بِتِسْعَةٍ وَدِينَارٍ أَوْ بِتِسْعَةٍ وَثَوْبٍ لَمْ يَحْنَثْ أَمَّا الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْعَشَرَةَ بِإِزَاءِ الْمَبِيعِ، وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنْقِصًا الثَّمَنَ عَنْ الْعَشَرَةِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ غَرَضٌ وَبِالْغَرَضِ يَبَرُّ، وَلَا يَحْنَثُ لِمَا قُلْنَا، وَأَمَّا الْبَائِعُ فَلِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ صُورَةً، وَهُوَ الْبَيْعُ بِعَشَرَةٍ مَعَ تَحَقُّقِ شَرْطِ بِرِّهِ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَشَرَةِ إذْ غَرَضُهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَبِالْغَرَضِ يَتَحَقَّقُ الْبِرُّ دُونَ الْحِنْثِ لِمَا قُلْنَا، وَقَوْلُهُ وَبِالْعُرْفِ يُخَصُّ، وَلَا يُزَادُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ، وَهُوَ أَنَّ غَرَضَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْيَمِينِ عُرْفًا النُّقْصَانُ عَنْ عَشَرَةٍ فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِتِسْعَةٍ وَدِينَارٍ أَوْ بِتِسْعَةٍ وَثَوْبٍ لَمْ يُوجَدْ النُّقْصَانُ بَلْ وُجِدَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ وَالْمَالِيَّةُ فَوَجَبَ الْحِنْثُ، وَكَذَا الْبَائِعُ بِتِسْعَةٍ مُفْرَدَةٍ وَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ عَنْ إزَالَةِ مِلْكِهِ بِعَشَرَةٍ مَنْعٌ عَنْ إزَالَتِهِ بِتِسْعَةٍ مُفْرَدَةٍ عُرْفًا.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْغَرَضِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِاللَّفْظِ وَاَلَّذِي تَلَفَّظَ بِهِ الْمُشْتَرِي لَا يَحْتَمِلُ الشِّرَاءَ بِتِسْعَةٍ وَدِينَارٍ أَوْ ثَوْبٍ إذْ الدِّرْهَمُ لَا يَحْتَمِلُ الدِّينَارَ، وَلَا الثَّوْبَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا عَنْ الشِّرَاءِ بِمَا يَبْلُغُ قِيمَتُهُ عَشَرَةً بِاعْتِبَارِ الْغَرَضِ فِي الْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى مَا لَيْسَ فِي لَفْظِهِ بِالْعُرْفِ لِمَا يَذْكُرُهُ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِيهِ بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهُ بِدِينَارٍ لَمْ يَحْنَثْ وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمَلْفُوظَ هُوَ الْعَشَرَةُ وَطَلَبُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا لَيْسَ فِي لَفْظِ الْبَائِعِ، وَلَيْسَ مُحْتَمَلُ لَفْظِهِ إذْ اسْمُ الْعَشَرَةِ لَا يَحْتَمِلُ التِّسْعَةَ لِيَتَعَيَّنَ بِغَرَضِهِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى اللَّفْظِ بِالْعُرْفِ لَا تَجُوزُ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ بِتِسْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ فِي جَانِبِ الْمُشْتَرِي.
стр. 1494
لِلْبَيْتُوتَةِ أَمَّا إذَا كَانَ الدِّهْلِيزُ كَبِيرًا بِحَيْثُ يُبَاتُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ يُعْتَادُ بَيْتُوتَتُهُ لِلضُّيُوفِ فِي بَعْضِ الْقُرَى، وَفِي الْمُدُنِ يَبِيتُ فِيهِ بَعْضُ الْأَتْبَاعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَحْنَثُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ إذَا أُغْلِقَ الْبَابُ صَارَ دَاخِلًا لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْ الدَّارِ، وَلَهُ سِعَةٌ تَصْلُحُ لِلْمَبِيتِ مِنْ سَقْفٍ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ، وَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ بِالصُّفَّةِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا أَرْبَعُ حَوَائِطَ كَمَا هِيَ صِفَافُ الْكُوفَةِ أَوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُسْقَفًا كَمَا هِيَ صِفَافُ دِيَارِنَا؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مِفْتَحَهُ وَاسِعٌ وَسَيَأْتِي أَنَّ السَّقْفَ لَيْسَ شَرْطًا فِي مُسَمَّى الْبَيْتِ فَيَحْنَثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدِّهْلِيزُ مُسْقَفًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي دَارٍ بِدُخُولِهَا خَرِبَةً، وَفِي هَذِهِ الدَّارِ يَحْنَثُ، وَإِنْ بُنِيَتْ دَارًا أُخْرَى بَعْدَ الِانْهِدَامِ) أَيْ فِي حَلِفِهِ لَا يَدْخُلُ دَارًا لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا خَرِبَةً، وَفِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا خَرِبَةً، وَإِنْ بُنِيَتْ دَارًا أُخْرَى بَعْدَ الِانْهِدَامِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِلْعَرْصَةِ عِنْدَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ يُقَال دَارٌ عَامِرَةٌ وَدَارٌ غَامِرَةٌ أَيْ خَرَابٌ، وَقَدْ شَهِدَتْ أَشْعَارُ الْعَرَبِ بِذَلِكَ وَالْبِنَاءُ وَصْفٌ فِيهَا غَيْرَ أَنَّ الْوَصْفَ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ وَالِاسْمُ بَاقٍ بَعْدَ الِانْهِدَامِ، وَفِي الْغَائِبِ تُعْتَبَرُ، وَأَرَادَ بِالْخَرِبَةِ الدَّارَ الَّتِي لَمْ يَبْقَ فِيهَا بِنَاءٌ أَصْلًا فَأَمَّا إذَا زَالَ بَعْضُ حِيطَانِهَا وَبَقِيَ الْبَعْضُ فَهَذِهِ دَارٌ خَرِبَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فِي الْمُنَكَّرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْوَصْفَ فِي الْمُعَيَّنِ لَغْوٌ إنْ لَمْ يَكُنْ دَاعِيًا إلَى الْيَمِينِ وَحَامِلًا عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ حَامِلًا عَلَيْهَا تَقَيَّدَتْ بِهِ كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ هَذَا الْبُسْرَ فَأَكَلَهُ رُطَبًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ مَهْجُورَةً شَرْعًا فَحِينَئِذٍ لَا يَتَقَيَّدُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلَةً كَمَنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ لَا يَتَقَيَّدُ بِصِبَاهُ كَمَا سَيَأْتِي قَيَّدَ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِشِرَاءِ دَارٍ مُنَكَّرَةٍ فَاشْتَرَى دَارًا خَرِبَةً نَفَذَ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِتَعَرُّفِهَا مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ بَيَانِ الثَّمَنِ وَالْمَحَلَّةِ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ لِلْجَهَالَةِ الْمُتَفَاحِشَةِ، وَهِيَ فِي الْيَمِينِ مُنَكَّرَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَافْتَرَقَا.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْمَسْجِدَ فَهُدِمَ فَصَارَ صَحْرَاءَ ثُمَّ دَخَلَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ هُوَ مَسْجِدٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْخَرِبِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ إنَّ الْمَسْجِدَ إذَا خَرِبَ وَاسْتَغْنَى النَّاسُ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْقَى مَسْجِدًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يَبْقَى الْمَسْجِدُ بَعْدَ خَرَابِهِ هُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جُعِلَتْ بُسْتَانًا أَوْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بَيْتًا لَا كَهَذَا الْبَيْتُ فَهُدِمَ أَوْ بُنِيَ آخَرُ) بَيَانٌ لِثَلَاثِ مَسَائِلَ: الْأُولَى لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَخَرِبَتْ فَجُعِلَتْ بُسْتَانًا أَوْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بَيْتًا لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ دَارًا لِاعْتِرَاضِ اسْمٍ آخَرَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ أَوْ جُعِلَتْ نَهْرًا فَدَخَلَهُ قَيْدٌ بِالْإِشَارَةِ مَعَ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَشَارَ، وَلَمْ يُسَمِّ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ دَارًا أَوْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ عَلَى الْعَيْنِ دُونَ الِاسْمِ بَاقِيَةٌ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ دَخَلَهُ بَعْدَمَا انْهَدَمَ الْمَبْنَى ثَانِيًا مِنْ الْحَمَّامِ، وَمَا مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى اسْمِ الدَّارِيَّةِ بِالتَّشْدِيدِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ بُنِيَ دَارًا بَعْدَمَا انْهَدَمَ مَا بُنِيَ ثَانِيًا مِنْ الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ تِلْكَ الدَّارِ الَّتِي مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا. الثَّانِيَةُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَدَخَلَهُ بَعْدَ مَا انْهَدَمَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِزَوَالِ اسْمِ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاتُ فِيهِ حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ الْحِيطَانُ وَسَقَطَ السَّقْفُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ وَالسَّقْفُ وَصْفٌ فِيهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ الصَّيْفِيَّ لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَيْتُ مُنَكَّرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْأَوْلَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَيْتَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُنَكَّرًا أَوْ مُعَرَّفًا فَإِذَا دَخَلَهُ، وَهُوَ صَحْرَاءُ لَا يَحْنَثُ لِزَوَالِ الِاسْمِ بِزَوَالِ الْبِنَاءِ، وَأَمَّا الدَّارُ فَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُنَكَّرَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ حَامِلًا عَلَيْهَا تَقَيَّدَتْ) كَذَا تَتَقَيَّدُ إذَا ذُكِرَتْ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ كَمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَدَوَامُ الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ.
[ثَلَاثِ مَسَائِلَ فِي الْحُلْف]
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ جُعِلَتْ بُسْتَانًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدْ سُئِلْت عَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَقُسِّمَتْ وَوَقَعَ فِي قِسْمَةِ الْحَالِفِ مِنْهَا بَيْتٌ فَجُعِلَ لَهُ اسْتِطْرَاقٌ مِنْ غَيْرِهَا هَلْ يَحْنَثُ بِدُخُولِهِ؟ . فَأَجَبْت لَا يَحْنَثُ لِعَدَمِ دُخُولِهِ الدَّارَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
قُلْت: لِيُنْظَرْ هَذَا مَعَ مَا سَيَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِهِ لَا يَخْرُجُ فَأُخْرِجَ مَحْمُولًا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا فِي دَارٍ وَسَمَّى دَارًا بِعَيْنِهَا فَتَقَاسَمَاهَا وَضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا حَائِطًا، وَفَتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ بَابًا ثُمَّ سَكَنَ الْحَالِفُ فِي طَائِفَةٍ
стр. 1495
وَالْمُعَيَّنَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ انْهَدَمَ السَّقْفُ وَحِيطَانُهُ قَائِمَةٌ فَدَخَلَهُ يَحْنَثُ فِي الْمُعَيَّنِ، وَلَا يَحْنَثُ فِي الْمُنَكَّرِ؛ لِأَنَّ السَّقْفَ بِمَنْزِلَةِ الصُّفَّةِ فِيهِ، وَهِيَ فِي الْحَاضِرِ لَغْوٌ، وَفِي الْغَائِبِ مُعْتَبَرَةٌ. اهـ. الثَّالِثَةُ: لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَهُدِمَ وَبُنِيَ آخَرُ فَدَخَلَهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الِانْهِدَامِ، وَهَذَا الْمَبْنَى غَيْرُ الْبَيْتِ الَّذِي مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ دُخُولِهِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى جِنْسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَهُوَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَجْلِسُ إلَى هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ أَوْ إلَى هَذَا الْحَائِطِ فَهُدِمَا ثُمَّ بُنِيَا بِنَقْضِهِمَا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْحَائِطَ إذَا هُدِمَ زَالَ الِاسْمُ عَنْهُ، وَكَذَا الْأُسْطُوَانَةُ فَبَطَلَتْ الْيَمِينُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَكْتُبُ بِهَذَا الْقَلَمِ فَكَسَرَهُ ثُمَّ بَرَاهُ فَكَتَبَ بِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَبْرِيِّ لَا يُسَمَّى قَلَمًا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى أُنْبُوبًا فَإِذَا كَسَرَهُ فَقَدْ زَالَ الِاسْمُ عَنْهُ فَبَطَلَتْ الْيَمِينُ، وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ عَلَى مِقَصٍّ فَكَسَرَهُ ثُمَّ جَعَلَهُ مِقَصًّا آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ قَدْ زَالَ بِالْكَسْرِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ سِكِّينٍ وَسَيْفٍ، وَقِدْرٍ كُسِرَ ثُمَّ صُنِعَ مِثْلُهُ، وَلَوْ نُزِعَ مِسْمَارٌ لِنَقْصٍ، وَلَمْ يَكْسِرْهُ ثُمَّ أَعَادَ فِيهِ مِسْمَارًا آخَرَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَمْ يَزُلْ بِزَوَالِ الْمِسْمَارِ، وَكَذَلِكَ إنْ نَزَعَ نِصَابَ السِّكِّينِ وَجَعَلَ عَلَيْهِ نِصَابًا آخَرَ؛ لِأَنَّ السِّكِّينَ اسْمٌ لِلْحَدِيدِ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى قَمِيصٍ لَا يَلْبَسُهُ أَوْ قَبَاءٍ مَحْشُوًّا أَوْ مُبَطَّنًا أَوْ جُبَّةٍ مُبَطَّنَةً أَوْ مَحْشُوَّةً أَوْ قَلَنْسُوَةٍ أَوْ خُفَّيْنِ فَنَقَضَ ذَلِكَ كُلَّهُ ثُمَّ أَعَادَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ بَقِيَ بَعْدَ النَّقْضِ يُقَالُ قَمِيصٌ مَفْتُوقٌ وَجُبَّةٌ مَفْتُوقَةٌ وَالْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ عَلَى الْعَيْنِ لَا تَبْطُلُ بِتَغَيُّرِ الصِّفَةِ مَعَ بَقَاءِ اسْمِ الْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ بِهَذَا السَّرْجِ فَنَقَضَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ هَذِهِ السَّفِينَةَ فَنَقَضَهَا ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا بِذَلِكَ الْخَشَبِ فَرَكَّبَهَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى سَفِينَةً بَعْدَ النَّقْضِ وَزَوَالُ الِاسْمِ يُبْطِلُ الْيَمِينَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى هَذَا الْفِرَاشِ فَفَتَقَهُ وَغَسَلَهُ ثُمَّ حَشَاهُ بِحَشْوٍ وَخَلَطَهُ وَنَامَ عَلَيْهِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ فَتْقَ الْفِرَاشِ لَا يُزِيلُ الِاسْمَ عَنْهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَقَّةَ غَزْلٍ بِعَيْنِهَا فَنَقَضَهَا وَغُزِلَتْ وَجُعِلَتْ شَقَّةً أُخْرَى لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا إذَا نُقِضَتْ صَارَتْ خُيُوطًا وَزَالَ الِاسْمُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى قَمِيصٍ لَا يَلْبَسُهُ فَقَطَعَهُ جُبَّةً مَحْشُوَّةً فَلَبِسَهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ قَدْ زَالَ فَزَالَتْ الْيَمِينُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ فِي هَذَا الْمُصْحَفِ فَخَلَعَهُ ثُمَّ أَلَّفَ وَرَقَهُ وَخَرَزَ دَفَّتَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ فِيهِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمُصْحَفِ بَاقٍ، وَإِنْ فَرَّقَهُ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى نَعْلٍ لَا يَلْبَسُهَا فَقَطَعَ شِرَاكَهَا وَشَرَكَهَا بِغَيْرِهِ ثُمَّ لَبِسَهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ اسْمَ النَّعْلِ يَتَنَاوَلُهَا بَعْدَ قَطْعِ الشِّرَاكِ.
، وَلَوْ حَلَفَتْ امْرَأَةٌ لَا تَلْبَسُ هَذِهِ الْمِلْحَفَةَ فَخِيطَ جَانِبُهَا فَجُعِلَتْ دِرْعًا وَجَعَلَتْ لَهَا جَيْبًا ثُمَّ لَبِسَتْهَا لَمْ تَحْنَثْ؛ لِأَنَّهَا دِرْعٌ، وَلَيْسَتْ بِمِلْحَفَةٍ فَإِنْ أُعِيدَتْ مِلْحَفَةً فَلَبِسَتْهَا حَنِثَتْ؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ مِلْحَفَةً بِغَيْرِ تَأْلِيفٍ، وَلَا زِيَادَةٍ، وَلَا نُقْصَانٍ فَهِيَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْمَسْجِدَ فَزِيدَ فِيهِ طَائِفَةٌ فَدَخَلَهَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ، وَقَعَتْ عَلَى بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهَا، وَلَوْ قَالَ مَسْجِدَ بَنِي فُلَانٍ ثُمَّ زِيدَ فِيهِ فَدَخَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي زِيدَ فِيهِ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ الدَّارُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ يَمِينَهُ عَلَى الْإِضَافَةِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الزِّيَادَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْفُسْطَاطِ، وَهُوَ مَضْرُوبٌ فِي مَوْضِعٍ فَقُلِعَ وَضُرِبَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَدَخَلَ فِيهِ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ الْقُبَّةُ مِنْ الْعِيدَانِ، وَكَذَلِكَ دُرْجٌ مِنْ عِيدَانٍ أَوْ مِنْبَرٍ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَزُولُ بِنَقْلِهَا مِنْ مَكَان إلَى مَكَان كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَالْوَاقِفُ عَلَى السَّطْحِ دَاخِلٌ، وَفِي طَاقِ الْبَابِ لَا) أَيْ لَيْسَ بِدَاخِلٍ؛ لِأَنَّ السَّطْحَ مِنْ الدَّارِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ بِالْخُرُوجِ إلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَوَقَفَ عَلَى سَطْحِهَا مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ مِنْ الْبَابِ بِأَنْ تَوَصَّلَ إلَيْهِ مِنْ سَطْحٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَقِيلَ فِي عُرْفِنَا لَا يَحْنَثُ، وَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَوَفَّقَ بَيْنَهُمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِحَمْلِ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا إذَا كَانَ لِلسَّطْحِ حَضِيرٌ وَحُمِلَ مُقَابِلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَضِيرٌ أَيْ سَاتِرٌ.
وَأَشَارَ
ــ
[منحة الخالق]
وَالْآخَرُ فِي طَائِفَةٍ حَنِثَ، وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ الدَّارَ فِي يَمِينِهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ دَارًا عَلَى التَّنْكِيرِ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا لَا يَحْنَثُ. اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ انْهَدَمَ السَّقْفُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: فِيهِ نَظَرٌ بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُنَكَّرِ وَالْمُعَرَّفِ حَيْثُ صَلَحَ؛ لَأَنْ يُبَاتَ فِيهِ فَتَدَبَّرْهُ.
стр. 1496
الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ صَعِدَ عَلَى شَجَرَةٍ دَاخِلَهَا أَوْ قَامَ عَلَى حَائِطٍ فِيهَا فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فَيَحْنَثُ، وَلَوْ كَانَ الْحَائِطُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارِهِ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا وَالظَّاهِرُ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى دَاخِلَ الدَّارِ عُرْفًا مَا لَمْ يَدْخُلْ جَوْفَهَا حَتَّى صَحَّ أَنْ يُقَالَ لَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ، وَلَكِنْ صَعِدَ سَطْحَهَا وَنَحْوَهُ، وَفِي التَّبْيِينِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْعَجَمِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ عَلَى السَّطْحِ لَا يُسَمَّى دَاخِلًا عِنْدَهُمْ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى فِي حَلِفِهِ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ صَحْنَهَا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً لَكِنْ يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَذْكُرُونَ الدَّارَ وَيُرِيدُونَ صَحْنَهَا فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَأَفَادَ بِإِطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ دَارًا أَوْ بَيْتًا أَوْ مَسْجِدًا فَإِنْ كَانَ فَوْقَ الْمَسْجِدِ مَسْكَنٌ فَدَخَلَهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ دَاخِلَ إلَى أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ دُخُولُ الدَّارِ فَقَطْ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ الْبَابِ لَمْ يَحْنَثْ لِعَدَمِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الدُّخُولُ مِنْ الْبَابِ فَإِنْ نَقَبَ لِلدَّارِ بَابًا آخَرَ فَدَخَلَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى الدُّخُولِ مِنْ بَابٍ مَنْسُوبَةٍ إلَى الدَّارِ، وَقَدْ وُجِدَ وَالْبَابُ الْحَادِثُ كَذَلِكَ فَيَحْنَثُ، وَإِنْ عَنَى بِهِ الْبَابَ الْأَوَّلَ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِلُهُ، وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ حَيْثُ أَرَادَ بِالْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدَ، وَإِنْ عَيَّنَ الْبَابَ فَقَالَ لَا أَدْخُلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَدَخَلَ مِنْ بَابٍ آخَرَ لَا يَحْنَثُ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَقَيَّدَ بِالسَّطْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَحَفَرَ سِرْدَابًا تَحْتَ دَارِ فُلَانٍ أَوْ قَنَاةً فَدَخَلَ ذَلِكَ السِّرْدَابَ أَوْ الْقَنَاةَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ، وَلَوْ كَانَ لِلْقَنَاةِ مَوْضِعٌ مَكْشُوفٌ فِي الدَّارِ فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا يَسْتَقِي مِنْهُ أَهْلُ الدَّارِ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدَّارِ فَإِنَّ أَهْلَ الدَّارِ يَنْتَفِعُونَ بِهِ انْتِفَاعَ الدَّارِ فَيَكُونُ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ بِمَنْزِلَةِ بِئْرِ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ بِئْرًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُ الدَّارِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلضَّوْءِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ، وَلَا يُعَدُّ دَاخِلُهُ دَاخِلَ الدَّارِ، وَلَوْ اتَّخَذَ فُلَانٌ سِرْدَابًا تَحْتَ دَارِهِ وَجَعَلَ بُيُوتًا وَجَعَلَ لَهَا أَبْوَابًا إلَى الطَّرِيقِ فَدَخَلَهَا الْحَالِفُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ السِّرْدَابَ تَحْتَ الدَّارِ مِنْ بُيُوتِهَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَصَعِدَ سَطْحَهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ، وَلَيْسَ بِخَارِجٍ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، وَفِي الدَّارِ شَجَرَةٌ أَغْصَانُهَا خَارِجُ الدَّارِ فَارْتَقَى تِلْكَ الشَّجَرَةَ حَتَّى صَارَ بِحَالٍ لَوْ سَقَطَ سَقَطَ فِي الطَّرِيقِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَةَ بِمَنْزِلَةِ بِنَاءِ الدَّارِ. اهـ.
وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ دَاخِلًا إذَا وَقَفَ فِي طَاقِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لِإِحْرَازِ الدَّارِ، وَمَا فِيهَا فَلَمْ يَكُنْ الْخَارِجُ مِنْ الدَّارِ وَالْمُرَادُ بِطَاقِ الْبَابِ عَتَبَتُهُ الَّتِي إذَا أُغْلِقَ الْبَابُ كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهُ، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِأُسْكُفَّةِ الْبَابِ، وَأَمَّا الْعَتَبَةُ الَّتِي لَوْ أُغْلِقَ الْبَابُ تَكُونُ دَاخِلَةَ فَهِيَ مِنْ الدَّارِ فَيَحْنَثُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الْخُرُوجَ انْعَكَسَ الْحُكْمُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ وَاقِفًا فِي طَاقِ الْبَابِ أَيْ بِقَدَمَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْعَتَبَةِ، وَأَدْخَلَ الْأُخْرَى فَإِنْ اسْتَوَى الْجَانِبَانِ أَوْ كَانَ الْجَانِبُ الْخَارِجُ أَسْفَلَ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِبُ الدَّاخِلُ أَسْفَلَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ اعْتِمَادَ جَمِيعِ بَدَنِهِ عَلَى رِجْلِهِ الَّتِي هِيَ فِي الْجَانِبِ الْأَسْفَلِ كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى السَّرَخْسِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا. اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الِانْفِصَالَ التَّامَّ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَدَمَيْنِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ بَعْدَهُ، وَلَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ، وَإِحْدَى قَدَمَيْهِ حَنِثَ، وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ ﵀ دَلَالَةَ أَنَّ حَقِيقَةَ الدُّخُولِ الِانْفِصَالُ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ فَلِهَذَا لَوْ أَدْخَلَ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُدْخِلْ قَدَمَيْهِ أَوْ تَنَاوَلَ مِنْهَا لَمْ يَحْنَثْ أَلَا تَرَى أَنَّ السَّارِقَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ دَخَلَ الدِّهْلِيزَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَى دُخُولِهِ الدَّارَ أَوْ الْبَيْتَ فَفِي الْأَوَّلِ يَحْنَثُ بِدُخُولِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ لِلضَّوْءِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَقْدِيمِ الضَّادِ عَلَى الْوَاوِ، وَفِي بَعْضِهَا لِلْوُضُوءِ وَيُؤَيِّدُ الْأُولَى قَوْلُ الْخَانِيَّةِ لِضَوْءِ الْقَنَاةِ
стр. 1497
دِهْلِيزِهِ، وَفِي الثَّانِي لَا، وَأَمَّا صَحْنُ الدَّارِ أَوْ الْبَيْتِ فَفِي الْكَافِي لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ فُلَانٍ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَدَخَلَ فِي صَحْنِ دَارِهِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَدْخُلَ الْبَيْتَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ الدُّخُولُ فِي الْبَيْتِ، وَلَمْ يُوجَدْ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا فِي عُرْفِهِمْ، وَأَمَّا فِي عُرْفِنَا فَالدَّارُ وَالْبَيْتُ وَاحِدٌ فَيَحْنَثُ إنْ دَخَلَ صَحْنَ الدَّارِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ قَامَ عَلَى كَنِيفِ شَارِعٍ أَوْ ظُلَّةٍ شَارِعَةٍ إنْ كَانَ مَفْتَحُ الْكَنِيفِ وَالظُّلَّةِ فِي الدَّارِ كَانَ حَانِثًا.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ دَخَلَ حَانُوتًا مُشْرَعًا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَى الطَّرِيقِ، وَلَيْسَ لَهُ بَابٌ فِي الدَّارِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الدَّارِ مَا أَحَاطَتْ بِهِ الدُّورُ، وَإِنْ دَخَلَ بُسْتَانًا فِي تِلْكَ الدَّارِ فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهَا حَنِثَ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارِهِ فَدَخَلَ إصْطَبْلَه لَا يَحْنَثُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى النَّسَفِيِّ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ فُلَانٍ فَجَلَسَ عَلَى دُكَّانٍ عَلَى بَابِهِ إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَبَعٌ لِبَيْتِهِ يَحْنَثُ قَالَ ﵀، وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ دَخَلَ حَوْشًا بِجَنْبِ الْبَيْتِ يَحْنَثُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ دَارَ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْوُقُوفِ عَلَى سَطْحِهَا أَوْ حَائِطِهَا أَوْ شَجَرَةٍ فِيهَا أَوْ عَتَبَةٍ دَاخِلِ الْبَابِ وَدِهْلِيزِهَا أَوْ صَحْنِهَا أَوْ كَنِيفِهَا أَوْ ظُلَّتِهَا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ أَوْ بُسْتَانِهَا الَّذِي فِي وَسَطِهَا وَيَحْنَثُ بِدُخُولِهَا عَلَى أَيٍّ صِفَةٍ كَانَ الْحَالِفُ رَاكِبًا كَانَ أَوْ مَاشِيًا أَوْ مَحْمُولًا بِأَمْرِهِ حَافِيًا أَوْ مُنْتَعِلًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا لِمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ جَاءَ إلَى بَابِهَا، وَهُوَ يَشْتَدُّ فِي الْمَشْيِ أَيْ يَعْدُو فَانْعَثَرَ أَوْ انْزَلَقَ فَوَقَعَ فِي الدَّارِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ دَفَعَتْهُ الرِّيحُ، وَأَوْقَعَتْهُ فِي الدَّارِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ فَجَمَحَتْ وَانْفَلَتَتْ، وَأَدْخَلَتْهُ فِي الدَّارِ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ إمْسَاكَهَا لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ أَدْخَلَهُ إنْسَانٌ مُكْرَهًا فَخَرَجَ مِنْهَا ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مُخْتَارًا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ. اهـ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ بِالدُّخُولِ مُكْرَهًا بِدَلِيلِ عَدَمِ الْحِنْثِ، وَقَدْ وُجِدَ بِالدُّخُولِ ثَانِيًا مُخْتَارًا فَحَنِثَ وَسَيَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ إيضَاحُهُ وَوَضْعُ الْقَدَمِ كَالدُّخُولِ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَجَازًا عَنْ الدُّخُولِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي الْأُصُولِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِاعْتِبَارِ الدَّارِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ صِفَتِهَا بِالْإِضَافَةِ إلَى فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا دَخَلَ دَارًا مُضَافَةً إلَى فُلَانٍ سَوَاءٌ كَانَ يَسْكُنُهَا بِالْمِلْكِ أَوْ بِالْإِجَارَةِ أَوْ بِالْعَارِيَّةِ، وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْتُ دَارَ زَيْدٍ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِنْ دَخَلْتُ دَارَ عَمْرٍو فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَدَخَلَ دَارَ زَيْدٍ، وَهِيَ فِي يَدِ عَمْرٍو بِإِجَارَةِ يُعْتَقُ وَتَطْلُقُ إذَا لَمْ يَنْوِ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا صُدِّقَ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ، وَلَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا وَدَارُ غَلَّةٍ فَدَخَلَ دَارَ الْغَلَّةِ لَا يَحْنَثُ إذَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى دَارِ الْغَلَّةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ دَارِهِ مُطْلَقًا دَارٌ يَسْكُنُهَا. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ ابْنَتِهِ وَابْنَتُهُ تَسْكُنُ فِي دَارِ زَوْجِهَا أَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ أُمِّهِ وَأُمُّهُ تَسْكُنُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا فَدَخَلَ الْحَالِفُ حَنِثَ. اهـ.
وَقَدْ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ هِيَ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ أَوْلَادَ زَوْجَتِهِ لَا يَطْلُعُونَ إلَى بَيْتِهِ فَطَلَعَ وَاحِدٌ هَلْ يَحْنَثُ فَأَجَبْتُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ لَيْسَ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ الْفُقَرَاءَ أَوْ الْمَسَاكِينَ أَوْ الرِّجَالَ فَكَلَّمَ وَاحِدًا مِنْهُمْ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً. اهـ.
فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَالْمُفْرَدِ وَغَيْرِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْإِضَافَةِ، وَعَدَمِهَا بِدَلِيلِ مَا فِي الْوَاقِعَاتِ أَيْضًا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ إخْوَةَ فُلَانٍ وَالْأَخُ وَاحِدٌ فَإِنْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: يُعْتَقُ وَتَطْلُقُ) هَكَذَا رَأَيْته فِي الْمُجْتَبَى فَقَوْلُهُ فِي النَّهْرِ لَمْ يُعْتَقْ بِزِيَادَةِ لَمْ سَبْقُ قَلَمٍ (قَوْلُهُ: وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ ابْنَتِهِ إلَخْ) سَيَأْتِي آخِرَ كِتَابِ الْأَيْمَانِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ مَا يُخَالِفُهُ (قَوْلُهُ: لَا أُكَلِّمُ الْفُقَرَاءَ أَوْ الْمَسَاكِينَ إلَخْ) لَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْتُ بَنِي آدَمَ أَوْ الرِّجَالَ أَوْ النِّسَاءَ حَنِثَ بِالْفَرْدِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْكُلَّ إلْحَاقًا لِلْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِالْجِنْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْجَمِيعِ فَإِذَا لَمْ يَنْوِ حَنِثَ بِالْفَرْدِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ بِالْيَمِينِ مَنْعُ نَفْسِهِ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ كُلِّ الْجِنْسِ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا دُونَهُ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ فَصَرَفْنَاهُ إلَى الْأَدْنَى، وَهُوَ الْوَاحِدُ لِتَيَقُّنِهِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْبَحْرِ يَنْصَرِفُ إلَى قَطْرَةٍ مِنْهُ، وَفِي مَاءَ هَذَا الْكُوزِ إلَى جَمِيعِهِ، وَفِي لَا يَأْكُلُ هَذَا الطَّعَامَ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَأْكُلْهُ كُلَّهُ دُفْعَةً، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ إنْ أَمْكَنَهُ أَكْلُهُ فِي عُمُرِهِ لَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَكْلِ بَيْعٌ لَا يَحْنَثُ بِالْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يَرِدُ عَلَى جَمِيعِهِ هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَوْ نَوَى الْكُلَّ صُدِّقَ دِيَانَةً، وَقَضَاءً، وَلَوْ قَالَ إنْ كَلَّمْتُ الرَّجُلَ فَكَلَّمَ رَجُلًا، وَقَالَ عَنَيْتُ بِالْيَمِينِ غَيْرَهُ يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ بِخِلَافِ إنْ كَلَّمْتُ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ مُنَكَّرٌ فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهِ.
وَلَوْ قَالَ لَا آكُلُ التَّمْرَ أَوْ تَمْرًا أَوْ الطَّعَامَ أَوْ طَعَامًا أَوْ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ أَوْ مَاءً فَإِنَّ الْمُعَرَّفَ وَالْمُنَكَّرَ فِيهِ سَوَاءٌ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ فَيَقَعُ عَلَى الْأَدْنَى، وَإِنْ كَانَ مُنَكَّرًا، وَفِي الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ يَحْنَثُ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى الْجَمْعِ، وَلَهُ نِيَّةُ الزَّائِدِ وَالْمُفْرَدِ لَا الْمُثَنَّى؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ عَامٌّ وَالْعَامُّ لَا يَتَعَرَّضُ لِلْمُثَنَّى؛ لِأَنَّهُ لَا إشْعَارَ لَهُ بِعَدَدٍ خَاصٍّ. اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ
стр. 1498
كَانَ يَعْلَمُ يَحْنَثُ إذَا كَلَّمَ ذَلِكَ الْوَاحِدَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْجَمْعَ، وَأَرَادَ الْوَاحِدَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْوَاحِدَ فَبَقِيَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْجَمْعِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ مِنْ هَذَا الْحَبِّ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا رَغِيفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ لَا يَحْنَثُ. اهـ. بِلَفْظِهِ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْجَمْعَ الْمُضَافَ كَالْمُنَكَّرِ لَكِنْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ إنْ أَحْسَنْتِ إلَى أَقَارِبِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَحْسَنَتْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْنَثُ، وَلَا يُرَادُ الْجَمْعُ فِي عُرْفِنَا. اهـ.
فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ فِي الْعُرْفِ فَرْقًا، وَلَوْ دَخَلَ دَارًا مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ، وَفُلَانٌ لَا يَسْكُنُهَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ إنْ كَانَ فُلَانٌ يَسْكُنُهَا يَحْنَثُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَآجَرَ فُلَانٌ دَارِهِ فَدَخَلَهَا الْحَالِفُ هَلْ يَحْنَثُ فِيهِ رِوَايَتَانِ قَالُوا مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا كَمَا تَبْطُلُ الْإِضَافَةُ بِالْبَيْعِ تَبْطُلُ بِالْإِجَارَةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَمِلْكِ الْيَدِ لِلْغَيْرِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْأُصُولِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَدَوَامُ الرُّكُوبِ وَاللُّبْسُ وَالسُّكْنَى كَالْإِنْشَاءِ لَا دَوَامُ الدُّخُولِ) يَعْنِي لَوْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ هَذِهِ الدَّابَّةَ، وَهُوَ رَاكِبُهَا أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، وَهُوَ لَابِسُهُ أَوْ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ، وَهُوَ سَاكِنُهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالدَّوَامِ كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ بِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ، وَهُوَ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالِاسْتِمْرَارِ فِيهَا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ وَالِاسْتِحْسَانُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الدَّوَامَ عَلَى الْفِعْلِ لَا يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ هُوَ الْبَقَاءُ وَالْفِعْلُ الْمُحْدَثُ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ مُسْتَحِيلُ الْبَقَاءِ فَيَسْتَحِيلُ دَوَامُهُ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِالدَّوَامِ تَجَدُّدُ أَمْثَالِهِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ وَالسُّكْنَى، وَلَا يُوجَدُ فِي الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلِانْتِقَالِ مِنْ الْعَوْرَةِ إلَى الْحِصْنِ وَالْمُكْثُ قَرَارٌ فَيَسْتَحِيلُ الْبَقَاءُ تَحْقِيقُهُ أَنَّ الِانْتِقَالَ حَرَكَةٌ وَالْمُكْثَ سُكُونٌ، وَهُمَا ضِدَّانِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهَا مُدَّةً يُقَالُ رَكِبْت يَوْمًا، وَلَبِسْت يَوْمًا، وَلَا يُقَالُ دَخَلْت يَوْمًا قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَالْفَارِقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ امْتِدَادُهُ لَهُ دَوَامٌ كَالْقُعُودِ وَالْقِيَامِ وَالنَّظَرِ وَنَحْوِهِ، وَمَا لَا يَمْتَدُّ لَا دَوَامَ لَهُ كَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ. اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْفَارِقُ بَيْنَهُمَا صِحَّةُ قِرَانِ الْمُدَّةِ بِهِ كَالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ، وَهُوَ خَارِجٌ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَدْخُلَ ثُمَّ يَخْرُجَ، وَكَذَا لَا يَتَزَوَّجُ، وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ فَاسْتَدَامَ الطَّهَارَةَ وَالنِّكَاحَ لَا يَحْنَثُ. اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالدَّوَامِ الْمُكْثُ سَاعَةً عَلَى حَالِهِ، وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَزَلَ مِنْ سَاعَتِهِ أَوْ نَزَعَ الثَّوْبَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَقَالَ زُفَرُ يَحْنَثُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قَلَّ، وَلَنَا أَنَّ الْيَمِينَ تُعْقَدُ لِلْبِرِّ فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ زَمَانُ تَحْقِيقِهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ كُلَّمَا رَكِبْتُ فَأَنْت طَالِقٌ، وَهُوَ رَاكِبٌ، وَمَكَثَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي كُلِّ سَاعَةٍ طَلْقَةً بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ رَاكِبًا فَرَكِبَ أَنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَلَا تَطْلُقُ بِالِاسْتِمْرَارِ، وَفِي الْمُجْتَبَى، وَإِنَّمَا يُعْطَى لِلدَّوَامِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ فِيمَا يَمْتَدُّ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ حَالَ الدَّوَامِ أَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَهُ فَلَا حَتَّى لَوْ قَالَ كُلَّمَا رَكِبْتُ هَذِهِ الدَّابَّةَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ رَكِبَهَا وَدَامَ عَلَيْهَا فَعَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ حَالَةَ الرُّكُوبِ لَزِمَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُمْكِنُهُ النُّزُولُ دِرْهَمٌ قُلْتُ: فِي عُرْفِنَا لَا يَحْنَثُ إلَّا بِابْتِدَاءِ الْفِعْلِ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، وَفِيهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ أُسْتَاذُنَا ﵀ اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي تَكُونُ دَوَامًا هِيَ مَا يُمْكِنُهُ النُّزُولُ فِيهَا، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّهَا غَدًا، وَهُوَ فِيهَا فَمَكَثَ حَتَّى مَضَى الْغَدُ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا فِيهِ إذْ لَمْ يَخْرُجْ.
وَلَوْ نَوَى بِالدُّخُولِ الْإِقَامَةَ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَى هُنَا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ مَسَائِلِ الدُّخُولِ لَكِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِهَا وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا فَاتَهُ مِنْهَا تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَلِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ السِّكَّةِ فَدَخَلَ دَارًا مِنْ تِلْكَ السِّكَّةِ لَا مِنْ السِّكَّةِ بَلْ مِنْ السَّطْحِ أَوْ غَيْرِهِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ
ــ
[منحة الخالق]
التَّلْخِيصِ وَشَرْحِهِ لِلْفَارِسِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ دَخَلَ دَارًا مَمْلُوكَةً لِفُلَانٍ، وَفُلَانٌ لَا يَسْكُنُهَا يَحْنَثُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِدَارِ الْغَلَّةِ مَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى دَارِ الْغَلَّةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ دَارِهِ مُطْلَقًا دَارٌ يَسْكُنُهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ مَسْكُونَةً لِغَيْرِهِ بِأَنْ كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ سَاكِنٍ تُنْسَبُ إلَيْهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَدَوَامُ الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ وَالسُّكْنَى كَالْإِنْشَاءِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَعَلَيْهِ فَرَّعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا لَوْ كَانَ الْحَلِفُ عَلَى الْإِثْبَاتِ نَحْوِ وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسَنَّ هَذَا الثَّوْبَ غَدًا فَاسْتَمَرَّ لَابِسَهُ حَتَّى مَضَى الْغَدُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ لِدَوَامِهِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ. اهـ.
стр. 1499
إلَى السِّكَّةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ سِكَّةَ فُلَانٍ فَدَخَلَ مَسْجِدًا فِي تِلْكَ السِّكَّةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ السِّكَّةَ لَا يَحْنَثُ رَجُلٌ جَالِسٌ فِي الْبَيْتِ مِنْ الْمَنْزِلِ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذَا الْبَيْتَ فَالْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ جَالِسًا فِيهِ؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْبَيْتِ يُسَمَّى مَنْزِلًا وَدَارًا هَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ بِالْفَارِسِيَّةِ فَالْيَمِينُ عَلَى دُخُولِ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ وَتِلْكَ الدَّارِ فَإِنْ قَالَ عَنَيْتُ ذَلِكَ الْبَيْتَ الَّذِي كُنْتُ جَالِسًا فِيهِ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ فِي الْفَارِسِيَّةِ خانه اسْمٌ لِلْكُلِّ هَذَا إذَا لَمْ يُشِرْ إلَى بَيْتٍ بِعَيْنِهِ فَإِنْ أَشَارَ إلَى بَيْتٍ بِعَيْنِهِ فَالْعِبْرَةُ لِلْإِشَارَةِ امْرَأَةٌ حَلَفَتْ أَنْ لَا يَدْخُلَ زَوْجُهَا دَارَهَا فَبَاعَتْ دَارَهَا فَدَخَلَ الزَّوْجُ، وَهِيَ تَسْكُنُهَا إنْ كَانَتْ نَوَتْ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا تَسْكُنُهَا الْمَرْأَةُ لَا تَبْطُلُ الْيَمِينُ بِالْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نِيَّةٌ فَالْيَمِينُ عَلَى دَارٍ مَمْلُوكَةٍ لَهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعْتَبَرُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ سَبَبُ الْيَمِينِ إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ لِغَيْظٍ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ تَبْطُلُ الْيَمِينُ بِالْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَتْ لِضَرَرِ الْجِيرَانِ لَا تَبْطُلُ الْيَمِينُ بِالْبَيْعِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ مَحَلَّةَ كَذَا فَدَخَلَ دَارًا لَهَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا مَفْتُوحٌ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ وَالْآخَرُ مَفْتُوحٌ فِي مَحَلَّةٍ أُخْرَى حَنِثَ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ تُنْسَبُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَحَلَّتَيْنِ، وَعَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الْحَمَّامَ فَدَخَلَ الْمَسْلَخَ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ مِنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ ذَلِكَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَمَاتَ صَاحِبُ الدَّارِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَالِفُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَى الْوَرَثَةِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا بَقِيَتْ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ لَا يَحْنَثُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ مِلْكًا لِلْمَيِّتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا يَشْتَرِيهَا فُلَانٌ فَاشْتَرَى فُلَانٌ دَارًا وَبَاعَهَا مِنْ الْحَالِفِ فَدَخَلَ الْحَالِفُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ اشْتَرَى فُلَانٌ دَارًا، وَوَهَبَهَا لِلْحَالِفِ ثُمَّ دَخَلَ الْحَالِفُ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ قَرْيَةَ كَذَا فَدَخَلَ أَرَاضِيِ الْقَرْيَةِ لَا يَحْنَثُ وَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى عُمْرَانِهَا، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي قَرْيَةِ كَذَا فَشَرِبَ فِي كُرُومِهَا وَضَيَاعِهَا لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُرُومُ وَالضِّيَاعُ فِي الْعُمْرَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى الْبَلْدَةِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ كُورَةَ كَذَا أَوْ رُسْتَاقَ كَذَا فَدَخَلَ الْأَرَاضِيَ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَغْدَادَ فَمِنْ أَيِّ الْجَانِبَيْنِ دَخَلَ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ مَدِينَةَ السَّلَامِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَدْخُلْ مِنْ نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ بَغْدَادَ يَتَنَاوَلُ الْجَانِبَيْنِ، وَمَدِينَةُ السَّلَامِ لَا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الرَّيَّ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الرَّيَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَتَنَاوَلُ الْمَدِينَةَ وَالنَّوَاحِيَ وَرُوِيَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَدِينَةِ حَتَّى لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إلَى الرَّيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا إلَى الرُّسْتَاقِ بِعَيْنِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ لَا تَفْسُدُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَغْدَادَ فَمَرَّ بِهَا فِي سَفِينَةٍ رَوَى هِشَامٌ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَدْخُلْ إلَى الْجِدَّةَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْبَغْدَادِيَّ إذَا جَاءَ مِنْ الْمَوْصِلِ فِي السَّفِينَةِ فَدَخَلَ بَغْدَادَ فَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ فِي السَّفِينَةِ تَلْزَمُهُ صَلَاةُ الْإِقَامَةِ لَا صَلَاةُ السَّفَرِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فِي الْفُرَاتِ فَرَكِبَ سَفِينَةً فِي الْفُرَاتِ أَوْ كَانَ عَلَى الْفُرَاتِ جِسْرٌ فَمَرَّ عَلَى الْجِسْرِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَدْخُلْ الْمَاءَ.
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ فَاشْتَرَى صَاحِبُهَا بِجَنْبِ الدَّارِ بَيْتًا، وَفَتَحَ بَابَ الْبَيْتِ إلَى هَذِهِ الدَّارِ وَجَعَلَ طَرِيقَهُ فِيهَا وَسَدَّ الْبَابَ الَّذِي كَانَ لِلْبَيْتِ قِبَلَ ذَلِكَ فَدَخَلَ الْحَالِفُ هَذَا الْبَيْتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ قَالَ مُحَمَّدٌ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ صَارَ مِنْ الدَّارِ. اهـ.
مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُرُورِ بِالسَّفِينَةِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَغْدَادَ كَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَإِنْ قَصَدَهُ بِالدُّخُولِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ لَا يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَ غَيْرِهِ فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي مَسْجِدٍ أَوْ ظُلَّةٍ أَوْ سَقِيفَةٍ أَوْ دِهْلِيزِ دَارٍ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: أَوْ دِهْلِيزَ دَارٍ لَمْ يَحْنَثْ) هَكَذَا بَعْضُ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا يَحْنَثُ بِدُونِ لَمْ
стр. 1500
فِي فُسْطَاطٍ أَوْ خَيْمَةٍ أَوْ بَيْتِ شَعْرٍ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُسَمُّونَ ذَلِكَ بَيْتًا وَالتَّعْوِيلُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الْعُرْفِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَ الدَّارَ، وَفُلَانٌ فِي بَيْتٍ مِنْ الدَّارِ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَ فِي صَحْنِ الدَّارِ يَحْنَثُ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ هَذِهِ الْقَرْيَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ دَاخِلًا عَلَيْهِ إلَّا إذَا دَخَلَ فِي بَيْتِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ فَدَخَلَ عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ رَجُلًا غَيْرَهُ يَزُورُهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى فُلَانٍ لَمَّا لَمْ يَقْصِدْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حَنِثَ. اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ قَالُوا الصِّفَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ دَاعِيَةً إلَى الْيَمِينِ إنَّمَا لَا تُعْتَبَرُ فِي الْمُعَيَّنِ إذَا ذُكِرَتْ عَلَى وَجْهِ التَّعْرِيفِ أَمَّا إذَا ذُكِرَتْ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ تُعْتَبَرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْتِ هَذِهِ الدَّارَ رَاكِبَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْهَا مَاشِيَةً لَا تَطْلُقُ وَاعْتُبِرَتْ الصِّفَةُ فِي الْمُعَيَّنِ لَمَّا ذُكِرَتْ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ. اهـ.
وَفِي الْوَاقِعَاتِ رَجُلَانِ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى صَاحِبِهِ فَدَخَلَا فِي الْمَنْزِلِ مَعًا لَا يَحْنَثَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ قَالَ لِأَخِ امْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَدْخُلْ بَيْتِي كَمَا كُنْتَ تَدْخُلُ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِ فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ أَوْجَبَ التَّقْيِيدَ، وَإِلَّا كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْأَبَدِ وَيَقَعُ الْيَمِينُ عَلَى الدُّخُولِ الْمُعْتَادِ قَبْلَ الْيَمِينِ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ الْأَخُ مَرَّةً مِمَّا كَانَ الْمُعْتَادُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مُطْلَقَةٌ فَتَنْصَرِفُ إلَى الْأَبَدِ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَالْوَلْوالِجِيَّة وَغَيْرِهِمَا لَوْ قَالَ إنْ أَدْخَلْتُ فُلَانًا بَيْتِي فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَهُوَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى دَخَلَ بِأَمْرِهِ فَقَدْ أَدْخَلَهُ، وَلَوْ قَالَ إنْ تَرَكْتُ فُلَانًا يَدْخُلُ بَيْتِي فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَهُوَ عَلَى الدُّخُولِ بِعِلْمِ الْحَالِفِ فَمَتَى عَلِمَ، وَلَمْ يَمْنَعْ فَقَدْ تَرَكَ، وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلَ فُلَانٌ بَيْتِي فَهُوَ عَلَى الدُّخُولِ أَمَرَ الْحَالِفُ بِهِ أَوْ لَمْ يَأْمُرْ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الدُّخُولُ، وَقَدْ وُجِدَ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ إنْ دَخَلَ دَارِي هَذِهِ أَحَدٌ فَعَبْدِي حُرٌّ وَالدَّارُ لَهُ، وَلِغَيْرِهِ فَدَخَلَهَا هُوَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ النَّكِرَةِ كَمَا لَوْ قَالَ زَوِّجْ بِنْتِي مِنْ رَجُلٍ لَا يَدْخُلُ الْمَأْمُورُ تَحْتَ هَذَا الْأَمْرِ، وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ أَحَدٌ يَحْنَثُ إذَا دَخَلَ هُوَ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّارُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ تَدْخُلُ تَحْتَ النَّكِرَةِ.
وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلَ دَارَكَ أَحَدٌ فَالْمَنْسُوبُ إلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُعَرَّفًا بِالْإِضَافَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ لَأَمْنَعَنَّ فُلَانًا مِنْ دُخُولِ دَارِي فَمَنَعَهُ مَرَّةً بَرَّ فِي يَمِينِهِ فَإِنْ رَآهُ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَلَمْ يَمْنَعْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. رَجُلٌ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ هَذَا الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ أَوْهَمْتُ وَحَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَدْ دَخَلَهَا الْيَوْمَ يَلْزَمُهُ طَلَاقُ الْأُولَى، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقُ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْيَمِينُ الْأُولَى كَذِبٌ وَالثَّانِيَةُ صِدْقٌ فَلَا يَحْنَثُ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَوْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ أَنَّهُ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ لَمْ أَدْخُلْهُ وَحَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدٍ آخَرَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا الْيَوْمَ ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ قَدْ دَخَلْتُهَا الْيَوْمَ وَحَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدٍ آخَرَ عَتَقَ الْعَبِيدُ الثَّلَاثُ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَتَقَ بِالْكَلَامِ الثَّانِي وَالْوَسْطُ عَتَقَ بِالْكَلَامِ الثَّالِثِ، وَعَتَقَ الثَّالِثُ بِعِتْقِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ زَعَمَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي الْكُلِّ فَيَلْزَمُهُ عِتْقُ الْكُلِّ، وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْتُ الْكُوفَةَ، وَلَمْ أَتَزَوَّجْ فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَ التَّزَوُّجِ حَنِثَ، وَلَوْ قَالَ فَلَمْ أَتَزَوَّجْ فَهَذَا عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّزَوُّجُ بَعْدَ الدُّخُولِ حِينَ يَدْخُلُ، وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْتُ الْكُوفَةَ ثُمَّ لَمْ أَتَزَوَّجْ فَهُوَ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ الدُّخُولِ عَلَى الْأَبَدِ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ كَانَ فِي الْبَيْتِ الشَّتْوِيِّ فَخَاصَمَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ إنْ دَخَلْتُ هَذَا الْبَيْتَ إلَى الْعِيدِ فَالْحَلَالُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ نَوَيْتُ ذَلِكَ الْبَيْتَ بِعَيْنِهِ يُصَدَّقُ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ثُمَّ دَخَلَ عَتَبَةَ الْبَابِ فَرَأَى وَاحِدًا مِنْهُمْ فَرَجَعَ لَا يَحْنَثُ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْتُ دَارَ أَبُوكِ فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَ دَارَ أَبِيهَا ثُمَّ إنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا لَا تَطْلُقُ بِتِلْكَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا مُعَرَّفَةٌ بِإِضَافَةِ الْيَمِينِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت هَذِهِ رَاكِبَةً إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الصِّفَةَ هَاهُنَا الرُّكُوبُ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمَعْنَى الدَّارُ الْمُشَارُ إلَيْهَا فَهَذِهِ الصِّفَةُ لَيْسَتْ لَهَا، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْمَرْأَةِ تَأَمَّلْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِهَذِهِ لِلْمَرْأَةِ لَا لِلدَّارِ فَهَذِهِ فَاعِلُ دَخَلَتْ وَالدَّارُ مَفْعُولُهُ
стр. 1501
النَّكِرَةِ هَذَا فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ، وَفِي النَّوَازِلِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَنِسَاءٍ طَوَالِقُ فَدَخَلَتْ الدَّارَ، وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، وَعَلَى غَيْرِهَا وَالِاعْتِمَادُ عَلَى هَذَا دُونَ مَا ذُكِرَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِغَيْرِ خُسْرَانٍ يُشْتَرَطُ قَبُولُهَا عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ وَتَفْسِيرُ غَيْرِ الْخُسْرَانِ إنْ وَهَبَتْ الْمَهْرَ ثُمَّ دَخَلَتْ الدَّارَ. اهـ.
وَفِي الْعُمْدَةِ لَوْ قَالَ لَا أَدَعُ فُلَانًا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الدَّارُ مِلْكًا لَهُ فَالْمَنْعُ بِالْقَوْلِ، وَفِي الْمِلْكِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَاسْتَعَارَ فُلَانٌ دَارَ جَارِهِ وَاتَّخَذَ فِيهَا وَلِيمَةً وَدَخَلَهَا الْحَالِفُ لَا يَحْنَثُ. اهـ.
فَقَوْلُهُمْ إنَّ الْمُسْتَعَارَةَ تُضَافُ إلَيْهِ مَعْنَاهُ إذَا سَكَنَهَا لَا إذَا اتَّخَذَ فِيهَا وَلِيمَةً، وَفِي الْعِدَّةِ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ وَأَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَإِذَا دَخَلَ الْأُولَى يَحْنَثُ، وَإِنْ دَخَلَ الثَّانِيَةَ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ بِنَصْبِ اللَّامِ فَإِنْ دَخَلَ الدَّارَ الْأُولَى أَوَّلًا ثُمَّ دَخَلَ الثَّانِيَةَ يَحْنَثُ، وَإِنْ دَخَلَ الثَّانِيَةَ أَوَّلًا ثُمَّ دَخَلَ الْأُولَى لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَوْ بِمَنْزِلِهِ حَتَّى. اهـ.
وَفِي مَآلِ الْفَتَاوَى قَالَ لَا أَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ أَوْ دَارَ الْفُلَانِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ دَخَلَ دَارًا اشْتَرَاهَا بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يَحْنَثُ. اهـ.
ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ ﵀ فِي الْكَلَامِ عَلَى السُّكْنَى؛ لِأَنَّهَا تَعْقُبُ الدُّخُولَ (قَوْلُهُ: لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ الْبَيْتَ أَوْ الْمَحَلَّةَ فَخَرَجَ وَبَقِيَ مَتَاعُهُ، وَأَهْلُهُ حَنِثَ) ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاكِنًا بِبَقَاءِ أَهْلِهِ، وَمَتَاعِهِ فِيهَا عَرْفًا فَإِنَّ السُّوقِيَّ فِي عَامَّةِ نَهَارِهِ فِي السُّوقِ وَيَقُولُ أَسْكُنُ بِبَلْدَةِ كَذَا وَالْبَيْتُ وَالْمَحَلَّةُ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ وَالْمَحَلَّةُ هِيَ الْمُسَمَّاةُ فِي عُرْفِنَا بِالْحَارَةِ قَيَّدَ بِالثَّلَاثَةِ وَالسِّكَّةُ كَالْمَحَلَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْيَمِينُ عَلَى الْمِصْرِ أَوْ الْبَلْدَةِ لَا يَتَوَقَّفُ الْبِرُّ عَلَى نَقْلِ الْمَتَاعِ وَالْأَهْلِ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاكِنًا فِي الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ عُرْفًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْمِصْرِ وَالْقَرْيَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمِصْرِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْجَوَابِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَأَطْلَقَ السَّاكِنَ فَشَمِلَ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِسُكْنَاهُ أَوْ لَا، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْمُسْتَقِلِّ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَوْ كَانَ سُكْنَاهُ تَبَعًا كَابْنٍ كَبِيرٍ سَاكِنٍ مَعَ أَبِيهِ أَوْ امْرَأَةٍ مَعَ زَوْجِهَا فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْكُنُ هَذِهِ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ، وَهِيَ زَوْجَهَا، وَمَالَهَا لَا يَحْنَثُ،.
وَقَيَّدَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ حَلِفُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ عَقَدَ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا يَحْنَثُ إذَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِسُكْنَاهُ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْأَوْلَى وَالْكُلُّ مُقَيَّدٌ بِالْإِمْكَانِ، وَلِذَا قَالُوا لَوْ بَقِيَ فِيهَا أَيَّامًا يَطْلُبُ مَنْزِلًا آخَرَ حَتَّى يَجِدَهُ أَوْ خَرَجَ وَاشْتَغَلَ بِطَلَبِ دَارٍ أُخْرَى لِنَقْلِ الْأَهْلِ وَالْمَتَاعِ أَوْ خَرَجَ لِطَلَبِ دَابَّةٍ لِيَنْقُلَ عَلَيْهَا الْمَتَاعَ فَلَمْ يَجِدْ أَيَّامًا لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ أَمْتِعَةٌ كَثِيرَةٌ فَاشْتَغَلَ بِنَقْلِهَا بِنَفْسِهِ، وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَكْرِيَ دَابَّةً فَلَمْ يَسْتَكْرِ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ أَبَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَنْتَقِلَ وَغَلَبَتْهُ وَخَرَجَ هُوَ، وَلَمْ يُرِدْ الْعَوْدَ إلَيْهِ أَوْ مُنِعَ هُوَ مِنْ الْخُرُوجِ بِأَنْ أُوثِقَ أَوْ مُنِعَ مَتَاعُهُ فَتَرَكَهُ أَوْ وَجَدَ بَابَ الدَّارِ مُغْلَقًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى فَتْحِهِ، وَلَا عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ بِهَدْمِ بَعْضِ الْحَائِطِ، وَلَمْ يَهْدِمْ لَا يَحْنَثُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَعْهُودِ عِنْدَ النَّاسِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ الْيَوْمَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَقُيِّدَ، وَمُنِعَ عَنْ الْخُرُوجِ أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَجِيئِي اللَّيْلَةَ إلَى الْبَيْتِ فَأَنْت طَالِقٌ فَمَنَعَهَا وَالِدُهَا حَيْثُ تَطْلُقُ فِيهِمَا فِي الصَّحِيحِ وَالْفَرْقُ أَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ الْفِعْلُ، وَهُوَ السُّكْنَى، وَهُوَ مُكْرَهٌ فِيهِ، وَلِلْإِكْرَاهِ تَأْثِيرٌ فِي إعْدَامِ الْفِعْلِ وَالشَّرْطُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ الْفِعْلِ، وَلَا أَثَرَ لِلْإِكْرَاهِ فِي إبْطَالِ الْعَدَمِ، وَإِنْ كَانَ الْيَمِينُ فِي اللَّيْلِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ حَتَّى أَصْبَحَ لَمْ يَحْنَثْ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ سَكَنْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ، وَكَانَتْ الْيَمِينُ بِاللَّيْلِ فَإِنَّهَا مَعْذُورَةٌ حَتَّى تُصْبِحَ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُكْرَهِ فِي هَذِهِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّهَا تَخَافُ الْخُرُوجَ لَيْلًا، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا؛ لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُمْ إنَّ الْمُسْتَعَارَةَ تُضَافُ إلَيْهِ مَعْنَاهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ كَأَنَّهُ يَخُصُّ بِهِ كَلَامَهُمْ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُ إذْ صَرِيحُ كَلَامِهِمْ فِي الْمُسْتَعَارَةِ لِلسُّكْنَى فَخَرَجَ الْمُسْتَعَارَةُ لِاتِّخَاذِ الْوَلِيمَةِ وَنَحْوِهَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْيَمِينُ عَلَى الْمِصْرِ أَوْ الْبَلَدِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ قَيَّدَ بِالثَّلَاثَةِ، وَقَوْلُهُ وَالسِّكَّةُ كَالْمَحَلَّةِ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمَعْلُولِ، وَعِلَّتِهِ، وَفِي النَّهْرِ، وَفِي مِصْرِنَا يُعَدُّ سَاكِنًا بِتَرْكِ أَهْلِهِ، وَمَتَاعِهِ فِيهَا، وَلَوْ خَرَجَ وَحْدَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ. اهـ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ: كَوْنُهُ يُعَدُّ سَاكِنًا مُطْلَقًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ إنَّمَا يُعَدُّ سَاكِنًا إذَا كَانَ قَصْدُهُ الْعَوْدَ أَمَّا إذَا خَرَجَ مِنْهَا لَا يَقْصِدُ الْعَوْدَ لَا يُعَدُّ سَاكِنًا، وَلَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ، وَكَذَا لَوْ أَبَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَخْ تَأَمَّلْ
стр. 1502
لَا يَخَافُ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ.
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ مَفْرُوضٌ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ، وَمَا فِي التَّجْنِيسِ فِيمَا إذَا كَانَ لَا يَخَافُ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَبَقِيَ أَهْلُهُ، وَمَتَاعُهُ بِمَعْنَى أَوْ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَحْصُلُ بِبَقَاءِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَيْهِمَا فَلَوْ قَالَ نَوَيْتُ التَّحَوُّلَ بِبَدَنِي خَاصَّةً لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ وَيُدَيَّنُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَأَفَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ جَمِيعِ الْأَهْلِ وَالْمَتَاعِ، وَهُوَ فِي الْأَهْلِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْمُرَادُ بِالْأَهْلِ زَوْجَتُهُ، وَأَوْلَادُهُ الَّذِينَ مَعَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ يَأْوِيهِ لِخِدْمَتِهِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَأَمَّا فِي الْأَمْتِعَةِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَقَالَ الْإِمَامُ الْمَتَاعُ كَالْأَهْلِ حَتَّى لَوْ بَقِيَ، وَقَدْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى تَثْبُتُ بِالْكُلِّ فَتَبْقَى بِبَقَاءِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَقَدْ صَارَ هَذَا أَصْلًا لِلْإِمَامِ حَتَّى لَوْ بَقِيَ صِفَةُ السُّكُونِ فِي الْعَصِيرِ يَمْنَعُ مِنْ صَيْرُورَتِهِ خَمْرًا وَبَقَاءُ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ فِي دَارٍ ارْتَدَّ أَهْلُهَا يَمْنَعُ مِنْ صَيْرُورَتِهَا دَارَ حَرْبٍ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّيْءَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ كَالْعَشَرَةِ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَجْزَاءِ أَمَّا فِي الْأَفْرَادِ فَلَا كَالرِّجَالِ لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ وَاحِدٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْدِ وَالْجُزْءِ أَنَّهُ إنْ صَدَقَ اسْمُ الْكُلِّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فَالْآحَادُ أَفْرَادٌ، وَإِلَّا فَأَجْزَاءٌ كَمَا عُرِفَ مِنْ بَحْثِ الْعَامِّ فِي الْأُصُولِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُعْتَبَرُ نَقْلُ الْأَكْثَرِ لِتَعَذُّرِ نَقْلِ الْكُلِّ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُعْتَبَرُ نَقْلُ مَا تَقُومُ بِهِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَهُ لَيْسَ مِنْ السُّكْنَى، وَقَدْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ فَالْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ رَجَّحَ قَوْلَ الْإِمَامِ، وَأَخَذَ بِهِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَشَايِخُ اسْتَثْنَوْا مِنْهُ مَا لَا تَتَأَتَّى بِهِ السُّكْنَى كَقِطْعَةِ حَصِيرٍ وَوَتَدٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ وَرُجِّحَ فِي الْهِدَايَةِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ بِأَنَّهُ أَحْسَنُ، وَأَرْفَقُ بِالنَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَصَرَّحَ كَثِيرٌ كَصَاحِبِ الْمُحِيطِ وَالْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالْكَافِي بِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ كَمَا تَرَى وَالْإِفْتَاءُ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَرْفَقَ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِ السُّكْنَى تَبْقَى بِبَقَاءِ الْيَسِيرِ مِنْ الْمَتَاعِ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ الْمُودَعُ وَتَرَكَ الْوَدِيعَةَ لَا غَيْرُ فِي الْمَنْزِلِ الْمُنْتَقَلِ عَنْهُ لَا يَضْمَنُ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ بِكُلِّ حَالٍ ذَكَرَهُ الْبَزَّازِيُّ فِي فَتَاوَاهُ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ فَصْلِ الْخَيَّاطِ وَالنَّسَّاجِ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ فَسَكَنَ مَنْزِلًا مِنْهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ الدَّارَ هَكَذَا تُسْكَنُ عَادَةً فَإِنْ عَنَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا كُلَّهَا لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَسْكُنَهَا كُلَّهَا؛ لِأَنَّ الدَّارَ حَقِيقَةً اسْمٌ لِلْجَمِيعِ فَقَدْ نَوَى الْحَقِيقَةَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ أَهْلَهُ، وَمَتَاعَهُ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَبَرُّ سَوَاءٌ سَكَنَ فِي مَنْزِلٍ آخَرَ أَوْ لَا، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَفِي الْهِدَايَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَنْزِلٍ آخَرَ بِلَا تَأْخِيرٍ حَتَّى يَبَرَّ فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى السِّكَّةِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ قَالُوا لَا يَبَرُّ دَلِيلُهُ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِعِيَالِهِ مِنْ مِصْرِهِ فَلَمْ يَتَّخِذْ وَطَنًا آخَرَ يَبْقَى وَطَنُهُ الْأَوَّلَ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ كَذَا هَذَا. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَإِطْلَاقُ عَدَمِ الْحِنْثِ أَوْجُهُ، وَكَوْنُ وَطَنِهِ بَاقِيًا فِي حَقِّ إتْمَامِ الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَسْتَوْطِنْ غَيْرَهُ لَا يَسْتَلْزِمُ تَسْمِيَتَهُ سَاكِنًا عُرْفًا بِذَلِكَ الْمَكَانِ بَلْ يَقْطَعُ مِنْ الْعُرْفِ فِيمَنْ نَقَلَ أَهْلَهُ، وَأَمْتِعَتَهُ وَخَرَجَ مُسَافِرًا أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ سَاكِنٌ. اهـ.
وَفَصَّلَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ تَفْصِيلًا حَسَنًا فَقَالَ إنْ لَمْ يُسَلِّمْ دَارِهِ الْمُسْتَأْجَرَةَ إلَى أَهْلِهَا حَنِثَ، وَإِنْ سَلَّمَهَا لَا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْنَثُ مَا لَمْ يَتَّخِذْ مَسْكَنًا آخَرَ، وَلَمْ يَسْتَوْفِ الْمُصَنِّفُ ﵀ مَسَائِلَ الْيَمِينِ عَلَى السُّكْنَى فَنَحْنُ نَذْكُرُهَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ فَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ، وَلَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِيهَا فَالسُّكْنَى فِيهَا أَنْ يَسْكُنَهَا بِنَفْسِهِ وَيَنْقُلَ إلَيْهَا مِنْ مَتَاعِهِ مَا يَبَاتُ فِيهِ وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي مَنْزِلِهِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ حَانِثٌ، وَأَمَّا الْمُسَاكَنَةُ فَإِذَا كَانَ رَجُلٌ سَاكِنًا مَعَ رَجُلٍ فِي دَارٍ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُسَاكِنَ صَاحِبَهُ فَإِنْ أَخَذَ فِي النَّقْلَةِ، وَهِيَ مُمْكِنَةٌ بَرَّ، وَإِلَّا حَنِثَ وَالنَّقْلَةُ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ لِلْحَالِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ مُسَاكَنَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهُمَا مَنْزِلٌ وَاحِدٌ.
فَإِنْ وَهَبَ مَتَاعَهُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ أَعَارَهُ ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ مَنْزِلٍ فَلَمْ يَجِدْ مَنْزِلًا أَيَّامًا، وَلَمْ يَأْتِ الدَّارَ الَّتِي فِيهَا صَاحِبُهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَالْمَشَايِخُ اسْتَثْنَوْا مِنْهُ إلَخْ) أَقُولُ: عَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ يَتَوَافَقُ قَوْلُ الْإِمَامِ مَعَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا مَا فِي النَّهْرِ مِنْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالْإِفْتَاءُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَوْلَى) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَدَارُ إلَّا عَلَى الْعُرْفِ فِي أَنَّهُ سَاكِنٌ أَوْ لَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى نِيَّةِ تَرْكِ الْمَكَانِ، وَعَدَمِ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَنَقَلَ مِنْ أَمْتِعَتِهِ فِيهِ مَا يَقُومُ بِهِ أَمْرُ سُكْنَاهُ، وَهُوَ عَلَى نِيَّةِ نَقْلِ الْبَاقِي يُقَالُ لَيْسَ سَاكِنًا فِي هَذَا الْمَكَانِ بَلْ انْتَقَلَ مِنْهُ وَسَكَنَ فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. اهـ.
وَهَذَا التَّرْجِيحُ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَتْحِ، وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْبُرْهَانِ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَصَحُّ مَا يُفْتَى بِهِ مِنْ التَّصْحِيحَيْنِ
стр. 1503
قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ وَهَبَ لَهُ الْمَتَاعَ، وَقَبَضَهُ مِنْهُ وَخَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَلَيْسَ مِنْ رَأْيِهِ الْعَوْدُ فَلَيْسَ بِمُسَاكَنٍ، وَكَذَلِكَ إنْ أَوْدَعَهُ الْمَتَاعَ ثُمَّ خَرَجَ لَا يُرِيدُ الْعَوْدَ إلَى ذَلِكَ الْمَنْزِلِ، وَكَذَا الْعَارِيَّةُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي الدَّارِ زَوْجَةٌ فَرَاوَدَهَا الْخُرُوجَ فَأَبَتْ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِبَقَائِهَا.
وَإِذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا فَسَاكَنَهُ فِي عَرْصَةِ دَارٍ أَوْ بَيْتٍ أَوْ غُرْفَةٍ حَنِثَ فَإِنْ سَاكَنَهُ فِي دَارٍ هَذَا فِي حُجْرَةٍ، وَهَذَا فِي حُجْرَةٍ أَوْ هَذَا فِي مَنْزِلٍ، وَهَذَا فِي مَنْزِلٍ حَنِثَ إلَّا أَنْ تَكُونَ دَارًا كَبِيرَةً قَالَ أَبُو يُوسُفَ مِثْلُ دَارِ الرَّقِيقِ وَدَارِ الْوَلِيدِ بِالْكُوفَةِ، وَكَذَا كُلُّ دَارٍ عَظِيمَةٍ فِيهَا مَقَاصِيرُ وَمَنَازِلُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا فَسَكَنَ هَذَا فِي حُجْرَةٍ، وَهَذَا فِي حُجْرَةٍ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يُسَاكِنَهُ فِي حُجْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ سَكَنَ هَذَا فِي بَيْتٍ مِنْ دَارٍ، وَهَذَا فِي بَيْتٍ آخَرَ، وَقَدْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ، وَلَمْ يُسَمِّ دَارًا حَنِثَ فِي قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّ بُيُوتَ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ كَالْبَيْتِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فَإِنْ سَاكَنَهُ فِي حَانُوتٍ فِي سُوقٍ يَعْمَلَانِ فِيهِ عَمَلًا أَوْ يَبِيعَانِ تِجَارَةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا قَالُوا إذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا بِالْكُوفَةِ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَسَكَنَ أَحَدُهُمَا فِي دَارٍ وَالْآخَرُ فِي دَارٍ أُخْرَى فِي قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ دَرْبٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَجْمَعَهُمَا السُّكْنَى فِي دَارٍ؛ لِأَنَّ الْمُسَاكَنَةَ الْمُخَالَطَةُ وَذَكَرَ الْكُوفَةَ لِتَخْصِيصِ الْيَمِينِ بِهَا حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِمُسَاكَنَتِهِ فِي غَيْرِهَا، وَلَوْ حَلَفَ الْمَلَّاحُ أَنْ لَا يُسَاكِنَ فُلَانًا فِي سَفِينَةٍ فَنَزَلَ مَعَ كُلِّ أَهْلِهِ، وَمَتَاعِهِ وَاتَّخَذَهَا مَنْزِلَهُ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ إذَا جَمَعَتْهُمْ خَيْمَةٌ، وَإِنْ تَفَرَّقَتْ الْخِيَامُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ تَقَارَبَتْ، وَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْوِي مَعَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَأْوِي فِي مَكَان أَوْ دَارٍ أَوْ بَيْتٍ فَالْإِيوَاءُ الْكَوْنُ مَاكِثًا فِي الْمَكَانِ أَوْ مَعَ فُلَانٍ فِي مَكَان قَلِيلًا كَانَ الْمُكْثُ أَوْ كَثِيرًا لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا فَإِنْ نَوَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى فَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيتُ مَعَ فُلَانٍ أَوْ لَا يَبِيتُ فِي مَكَانِ كَذَا فَالْمَبِيتُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يَكُونُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَحْنَثْ وَسَوَاءٌ نَامَ فِي الْمَوْضِعِ أَوْ لَمْ يَنَمْ.
فَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيتُ اللَّيْلَةَ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَقَدْ ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ ثُمَّ بَاتَ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْبَيْتُوتَةَ إذَا كَانَتْ تَقَعُ عَلَى أَكْثَرِ اللَّيْلِ فَقَدْ حَلَفَ عَلَى مَا لَا يُتَصَوَّرُ فَلَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ. اهـ.
وَفِي الْوَاقِعَاتِ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا فَنَزَلَ مَنْزِلَهُ فَمَكَثَ فِيهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ سَاكِنًا مَعَهُ حَتَّى يُقِيمَ مَعَهُ فِي مَنْزِلِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ الْكُوفَةَ فَمَرَّ بِهَا مُسَافِرًا فَنَوَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَحْنَثُ فَإِنْ نَوَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَحْنَثُ، وَلَوْ سَافَرَ الْحَالِفُ فَسَكَنَ فُلَانٌ مَعَ أَهْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَحْنَثُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يُسَاكِنْهُ حَقِيقَةً. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا فَدَخَلَ فُلَانٌ دَارَ الْحَالِفِ غَصْبًا فَأَقَامَ الْحَالِفُ مَعَهُ حَنِثَ عَلِمَ الْحَالِفُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ خَرَجَ الْحَالِفُ بِأَهْلِهِ، وَأَخَذَ بِالنَّقْلِ حِينَ نَزَلَ الْغَاصِبُ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا فَسَاكَنَهُ فِي مَقْصُورَةٍ أَوْ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلٍ وَمَتَاعٍ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا فِي دَارٍ وَسَمَّى دَارًا بِعَيْنِهَا فَتَقَاسَمَاهَا وَضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا حَائِطًا، وَفَتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ بَابًا فَسَكَنَ الْحَالِفُ فِي طَائِفَةٍ وَالْآخَرُ فِي طَائِفَةٍ حَنِثَ الْحَالِفُ، وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ الدَّارَ فِي يَمِينِهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ دَارًا عَلَى التَّنْكِيرِ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا شَهْرَ كَذَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ فَسَاكَنَهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ أَوْ مَقْصُورَةٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلٍ، وَمَتَاعٍ لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقْلًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةَ، وَقَدْ قَدَّمَ قَبْلَهُ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْمُسَاكَنَةُ إلَّا بِأَهْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ مَتَاعِهِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْوَاقِعَاتِ إلَخْ) قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُسَاكِنَ فُلَانًا فَنَزَلَ الْحَالِفُ، وَهُوَ مُسَافِرٌ مَنْزِلَ فُلَانٍ فَسَكَنَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يَحْنَثُ إلَخْ فَقَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِالْمُسَافِرِ (قَوْلُهُ: فَدَخَلَ فُلَانٌ دَارَ الْحَالِفِ غَصْبًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ مَعْنَاهُ وَسَكَنَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ تَأَمَّلْ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَفِي الْأَصْلِ لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ زَائِرًا أَوْ ضَيْفًا فَأَقَامَ فِيهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَا يَحْنَثُ، وَالْمُسَاكَنَةُ بِالِاسْتِقْرَارِ وَالدَّوَامِ، وَذَلِكَ بِأَهْلِهِ وَمَتَاعِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُسَاكَنَةَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ) اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْبَدَائِعِ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ مُسَاكَنَةٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسَاكَنَةَ مِمَّا يَمْتَدُّ، وَهُوَ الْحَقُّ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ.
وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الرَّمْلِيُّ فَقَالَ الصَّوَابُ حَذْفُ لَا قَالَ ثُمَّ إنِّي تَتَبَّعْت كُتُبَ أَئِمَّتِنَا فَرَأَيْت فِي كَثِيرٍ مِنْهَا كالتتارخانية وَالْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِثْلَ مَا هُنَا مِنْ إثْبَاتِ حَرْفِ لَا (قَوْلُهُ: لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُقِمْ جَمِيعَ الشَّهْرِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ هُوَ التَّعْرِيفُ وَالتَّنْكِيرُ إذْ مَعَ التَّعْرِيفِ مَعْنَاهُ فِي شَهْرِ كَذَا، وَمَعَ التَّنْكِيرِ مَعْنَاهُ مُدَّةَ شَهْرٍ، وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْ الْمُسَاكَنَةِ وَالْإِقَامَةِ مِمَّا يَمْتَدُّ إذْ يُقَالُ سَكَنْتُ فِي الدَّارِ شَهْرًا، وَأَقَمْتُ فِيهِ شَهْرًا تَأَمَّلْ أَقُولُ: أَيْضًا عِنْدِي فِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ إذْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ
стр. 1504
فَسَاكَنَهُ سَاعَةً فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمُسَاكَنَةَ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ، وَلَوْ قَالَ لَا أُقِيمُ بِالرَّقَّةِ شَهْرًا لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُقِمْ جَمِيعَ الشَّهْرِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ الرَّقَّةَ شَهْرًا فَسَكَنَ سَاعَةً حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيتُ اللَّيْلَةَ فِي هَذَا الْمَنْزِلِ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَبَاتَ خَارِجَ الْمَنْزِلِ، وَأَهْلُهُ وَمَتَاعُهُ فِي الْمَنْزِلِ لَا يَحْنَثُ، وَهَذِهِ الْيَمِينُ تَكُونُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى الْمَتَاعِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيتُ عَلَى سَطْحِ هَذَا الْبَيْتِ، وَعَلَى الْبَيْتِ غُرْفَةٌ، وَأَرْضُ الْغَرْفَةِ سَطْحُ هَذَا الْبَيْتِ يَحْنَثُ إنْ بَاتَ عَلَيْهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيتُ عَلَى سَطْحٍ فَبَاتَ عَلَى هَذَا لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَبِيتُ فِي مَنْزِلِ فُلَانٍ غَدًا فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ اللَّيْلَةَ الْجَائِيَةَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْدَمَا مَضَى أَكْثَرُ اللَّيْلَةِ، وَلَوْ قَالَ لَا أَكُونُ غَدًا فِي مَنْزِلِ فُلَانٍ فَهُوَ عَلَى سَاعَةٍ مِنْ الْغَدِ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ قَالَ لَأَسْكُنَنَّ هَذِهِ الدَّارَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَذَهَبَ عَلَى مَا هُوَ الشَّرْطُ ثُمَّ عَادَ وَسَكَنَ يَحْنَثُ هَذَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى، وَأَفْتَى الْقَاضِي الْإِمَامُ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْفَوْرَ لَا يَحْنَثُ إذَا عَادَ وَسَكَنَ، وَكَذَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مُقَدِّمَةُ الْفَوْرِ، وَفِي الْمُحِيطِ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي هَذِهِ الدَّارَ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ قَالُوا إنْ كَانَ سَاكِنًا فِيهَا فَهُوَ عَلَى السُّكْنَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فَهُوَ عَلَى الْقُعُودِ حَقِيقَةً، وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا يَجْمَعُنِي، وَإِيَّاكَ سَقْفُ بَيْتٍ فَهَذَا عَلَى الْمُجَالَسَةِ فَإِنْ جَالَسَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ فُسْطَاطٍ أَوْ سَفِينَةٍ أَوْ خَيْمَةٍ حَنِثَ، وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً فَصَلَّى الْآخَرُ مَعَهُ فِي الْقَوْمِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَجَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إلَيْهِ فَقَدْ حَنِثَ، وَإِنْ جَلَسَ بَعِيدًا مِنْهُ، وَلَمْ يَجْلِسْ إلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ الْبَيْتُ الْوَاحِدُ إذَا كَانَ يَجْلِسُ هَذَا فِي مَكَان، وَهَذَا فِي مَكَان غَيْرَ مُجَالِسٍ لَهُ لَا يَحْنَثُ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا يَخْرُجُ فَأُخْرِجَ مَحْمُولًا بِأَمْرِهِ حَنِثَ وَبِرِضَاهُ لَا بِأَمْرِهِ أَوْ مُكْرَهًا لَا) أَيْ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ شُرُوعٌ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْحَلِفِ عَلَى الْخُرُوجِ فَإِذَا حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ مَثَلًا فَأَمَرَ إنْسَانًا فَحَمَلَهُ، وَأَخْرَجَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ مُضَافٌ إلَى الْآمِرِ فَصَارَ كَمَا إذَا رَكِبَ دَابَّةً فَخَرَجَتْ، وَلَوْ أَخْرَجَهُ مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ لِعَدَمِ الْأَمْرِ، وَلَوْ حَمَلَهُ بِرِضَاهُ لَا بِأَمْرِهِ لَا يَحْنَثُ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ بِالْأَمْرِ لَا بِمُجَرَّدِ الرِّضَا، وَإِذَا لَمْ يَحْنَثْ فِيهِمَا لَا تَنْحَلُّ فِي الصَّحِيحِ لِعَدَمِ فِعْلِهِ، وَقَالَ السَّيِّدُ أَبُو شُجَاعٍ تَنْحَلُّ، وَهُوَ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِيمَا لَوْ دَخَلَ بَعْدَ هَذَا الْإِخْرَاجِ هَلْ يَحْنَثُ فَمَنْ قَالَ انْحَلَّتْ قَالَ لَا يَحْنَثُ، وَهَذَا بَيَانُ كَوْنِهِ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ، وَمَنْ قَالَ لَا تَنْحَلُّ قَالَ حَنِثَ وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَصَوَابُهُ إنْ كَانَ الْحَلِفُ بِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إنْ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ دَخَلَ بَعْدَ هَذَا الْإِخْرَاجِ ثُمَّ خَرَجَ، وَإِنْ كَانَ الْحَلِفُ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فَنَعَمْ. قَيَّدَ بِكَوْنِهِ أُخْرِجَ مُكْرَهًا أَيْ حَمَلَهُ الْمُكْرِهُ، وَأَخْرَجَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ مُكْرَهًا، وَهُوَ الْإِكْرَاهُ الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَعَّدَهُ حَتَّى يَفْعَلَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْنَثُ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُعْدِمُ الْفِعْلَ عِنْدَنَا وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لَا أُسَاكِنُهُ شَهْرَ كَذَا تَوْقِيتُ الْحَلِفِ بِالشَّهْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ إذْ مَعْنَاهُ لَا أُسَاكِنُهُ مُدَّةَ شَهْرِ كَذَا ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْخَانِيَّةِ والتتارخانية أَنَّهُ تَصِحُّ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ وَيَدِينُ فِي كُلٍّ مِنْ مَسْأَلَتَيْ التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ وَالظَّاهِرُ الِاحْتِمَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فَإِذَا كَانَ الْعُرْفُ يَقْضِي بِشَيْءٍ مِنْهُمَا اُتُّبِعَ فَظَهَرَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى صِحَّةُ مَا بَحَثْتُهُ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُسَاكَنَةِ قَالَ عَنَيْتُ مُسَاكَنَةَ فُلَانٍ جَمِيعَ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ دُيِّنَ، وَلَا يُدَيَّنُ فِي الْقَضَاءِ، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ وَالْبُخَارِيُّ يَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يُدَيَّنَ فِي الْقَضَاءِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ هَذَا إذَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ، وَإِنْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى السُّكْنَى بِأَنْ قَالَ إنْ سَكَنْتُ هَذِهِ الدَّارَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَعَبْدِي حُرٌّ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْجَامِعِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا الْمَشَايِخُ فَبَعْضُهُمْ قَالَ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَسْكُنْ فِيهَا جَمِيعَ الشَّهْرِ وَبَعْضُهُمْ قَالَ يَحْنَثُ إذَا سَكَنَ فِيهَا سَاعَةً، وَإِلَى هَذَا مَالَ الْقَاضِي الْعَامِرِيُّ. اهـ.
أَقُولُ: فَتَحَرَّرَ أَنَّ فِيهَا اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا بِسُكْنَى الْجَمِيعِ مَا لَمْ يَنْوِ سُكْنَى سَاعَةٍ مِنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ بِخِلَافِ لَا أَسْكُنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَوْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِسُكْنَى سَاعَةٍ اهـ. مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ: وَهَذَا بَيَانُ كَوْنِهِ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ) ذَكَرَ الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ مَنْ يَثِقُ بِهِ عَنْ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ أَفْتَى بِهَذَا ثُمَّ قَالَ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَالَ إلَى مَا هُوَ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ نَقَرْت فِي فَتَاوَاهُ الَّتِي هِيَ وَاقِعَاتُهُ فَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْفُتْيَا فِيهَا بَلْ رَأَيْت مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ فِي مِثْلِهَا فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَحْنَثُ، وَإِذَا لَمْ يَحْنَثْ لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ فَهِيَ بَاقِيَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
قُلْتُ: قَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي فَتَاوَاهُ الْمُرَتَّبَةِ ثُمَّ نَقَلَ مُرَتِّبُهَا عِبَارَةَ الْبَحْرِ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّ شَيْخَنَا أَفْتَى بِانْحِلَالِهَا لِكَوْنِهِ أَرْفَقَ بِالنَّاسِ (قَوْلُهُ: لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُعْدِمُ الْفِعْلَ عِنْدَنَا) اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِمَا مَرَّ قَبْلَ هَذَا بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ مِنْ أَنَّ لِلْإِكْرَاهِ تَأْثِيرًا فِي إعْدَامِ الْفِعْلِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ هُنَا لَا يُعْدِمُ الْفِعْلَ أَيْ لَا يَرْفَعُهُ بَعْدَ وُجُودِهِ وَصُدُورِهِ
стр. 1505
هَذَا الطَّعَامَ فَأُكْرِهَ عَلَيْهِ حَتَّى أَكَلَهُ حَنِثَ، وَلَوْ أُوجِرَ فِي حَلْقِهِ لَا يَحْنَثُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِالْحَلِفِ عَلَى الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فَأُدْخِلَ مَحْمُولًا بِأَمْرِهِ حَنِثَ وَبِرِضَاهُ لَا بِأَمْرِهِ أَوْ مُكْرَهًا لَا، وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ، وَأَدْخَلَتْهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَفِي الِانْحِلَالِ كَلَامٌ، وَفِيمَنْ زَلَقَ فَوَقَعَ فِيهَا أَوْ كَانَ رَاكِبًا دَابَّةً فَانْفَلَتَتْ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ إمْسَاكَهَا فَأَدْخَلَتْهُ خِلَافٌ. اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ الْخُرُوجُ هُوَ الِانْفِصَالُ مِنْ الْحِصْنِ إلَى الْعَوْدَةِ عَلَى مُضَادَّةِ الدُّخُولِ فَلَا يَكُونُ الْمُكْثُ بَعْدَ الْخُرُوجِ خُرُوجًا كَمَا لَا يَكُونُ الْمُكْثُ بَعْدَ الدُّخُولِ دُخُولًا ثُمَّ الْخُرُوجُ كَمَا يَكُونُ مِنْ الْبُلْدَانِ وَالدُّورِ وَالْمَنَازِلِ وَالْبُيُوتِ تَكُونُ مِنْ الْأَخْبِيَةِ وَالْفَسَاطِيطِ وَالْخِيَمِ وَالسُّفُنِ لِوُجُودِ حَدِّهِ وَالْخُرُوجُ مِنْ الدُّورِ الْمَسْكُونَةِ أَنْ يَخْرُجَ الْحَالِفُ بِنَفْسِهِ، وَمَتَاعِهِ، وَعِيَالِهِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَسْكُنُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْبُلْدَانِ وَالْقُرَى أَنْ يَخْرُجَ الْحَالِفُ بِبَدَنِهِ خَاصَّةً، وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَخْرُجُ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ مِنْ الدَّارِ فَخَرَجَ إلَى صَحْنِ الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ إلَى مَكَّةَ أَوْ خُرُوجًا مِنْ الْبَلَدِ لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً، وَلَا دِيَانَةً؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورِ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وَلَوْ قَالَ إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ فَخَرَجَتْ مِنْهَا مِنْ الْبَابِ أَيِّ بَابٍ كَانَ، وَمِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ فَوْقِ حَائِطٍ أَوْ سَطْحٍ أَوْ نَقْبٍ حَنِثَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الدَّارِ، وَلَوْ قَيَّدَ بِبَابِ هَذِهِ الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ قَدِيمًا كَانَ الْبَابُ أَوْ حَادِثًا، وَلَوْ عَيَّنَ بَابًا فِي الْيَمِينِ تَعَيَّنَ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَلَا يَخْرُجُ إلَّا إلَى جِنَازَةٍ فَخَرَجَ إلَيْهَا ثُمَّ أَتَى حَاجَةً) يَعْنِي لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ خُرُوجٌ مُسْتَثْنًى وَالْمُضِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ بِخُرُوجٍ، وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا إلَى الْمَسْجِدِ فَأَنْت طَالِقٌ فَخَرَجَتْ تُرِيدُ الْمَسْجِدَ ثُمَّ بَدَا لَهَا فَذَهَبَتْ إلَى غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَمْ تَطْلُقْ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ مَعَ فُلَانٍ فَأَنْت طَالِقٌ فَخَرَجَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ فُلَانٍ آخَرَ ثُمَّ خَرَجَ فُلَانٌ، وَلَحِقَهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ فَيَقْتَضِي مُقَارَنَتَهَا لِلْخُرُوجِ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّ الْمُكْثَ بَعْدَ الْخُرُوجِ لَيْسَ بِخُرُوجٍ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا، وَلَوْ خَرَجَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لِغَيْرِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَالِاعْتِبَارُ لِلْقَصْدِ عِنْدَ الْخُرُوجِ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ لَهَا إنْ خَرَجْتِ إلَى مَنْزِلِ أَبِيكِ فَأَنْت كَذَا فَهُوَ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ قَصْدٍ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَى أَهْلِهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ أَهْلُهَا أَبَوَاهَا، وَلَيْسَ أَحَدٌ سِوَاهُمَا أَهْلَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبَوَانِ فَأَهْلُهَا كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا أُمٌّ مُطَلَّقَةٌ فَأَهْلُهَا مَنْزِلُ أُمِّهَا فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُتَزَوِّجًا وَالْأُمُّ مُتَزَوِّجَةً فَالْأَهْلُ مَنْزِلُ الْأَبِ دُونَ مَنْزِلِ الْأُمِّ اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا يَخْرُجُ أَوْ لَا يَذْهَبُ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ يُرِيدُهَا ثُمَّ رَجَعَ يَحْنَثُ، وَفِي لَا يَأْتِيهَا لَا) أَيْ لَا يَحْنَثُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْخُرُوجِ وَالْإِتْيَانِ أَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى قَصْدِ مَكَّةَ قَدْ وُجِدَ
ــ
[منحة الخالق]
مِنْ فَاعِلِهِ، وَقَوْلُهُ هُنَاكَ إنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِي إعْدَامِهِ أَيْ فِي إعْدَامِ نِسْبَتِهِ إلَى فَاعِلِهِ حَيْثُ كَانَ مُفَوِّتًا لِلِاخْتِيَارِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ إنْ أَثَّرَ فِي إعْدَامِ الِاخْتِيَارِ لَا يُنْسَبُ إلَى فَاعِلِهِ، وَإِلَّا نُسِبَ كَمَا فِي مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّهُ مَا خَرَجَ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ نَعَمْ الْإِكْرَاهُ أَبْطَلَ رِضَاهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْإِيجَارِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الرِّضَا، وَلَا الِاخْتِيَارُ، وَكَذَا مَسْأَلَةُ السُّكْنَى السَّابِقَةُ، وَعِبَارَةُ الْخَانِيَّةِ فِي تَعْلِيلِهَا هَكَذَا؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ لَا أَسْكُنُ شَرْطُ الْحِنْثِ السُّكْنَى، وَالْفِعْلُ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الِاخْتِيَارِ، وَفِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ أَخْرُجْ شَرْطُ الْحِنْثِ عَدَمُ الْخُرُوجِ وَالْعَدَمُ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الِاخْتِيَارِ انْتَهَتْ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالْخُرُوجُ مِنْ الدُّورِ الْمَسْكُونَةِ أَنْ يَخْرُجَ الْحَالِفُ بِنَفْسِهِ، وَمَتَاعِهِ، وَعِيَالِهِ) عَزَاهُ فِي الذَّخِيرَةِ والتتارخانية إلَى الْقُدُورِيِّ، وَقَدْ قَيَّدَ فِي النَّهْرِ مَسْأَلَةَ الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ مَثَلًا فَأُخْرِجَ مَحْمُولًا إلَخْ ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ الْبَدَائِعِ هَذِهِ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَمِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَيْتِ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ كَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ فِي السُّكْنَى كَمَا مَرَّ. اهـ.
قُلْت: وَقَدْ وَقَعَ تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا بِالْمَسْجِدِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَكِنْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ. اهـ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ بَلَدِ كَذَا فَهُوَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ بِبَدَنِهِ، وَلَوْ قَالَ لَا أَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَهُوَ عَلَى النَّقْلَةِ مِنْهَا بِأَهْلِهِ إنْ كَانَ سَاكِنًا فِيهَا إلَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْخُرُوجَ بِبَدَنِهِ. اهـ.
فَمِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ بِالْبَيْتِ مُرَادُهُ حَيْثُ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْخُرُوجُ بِبَدَنِهِ لَكِنَّ التَّصْوِيرَ بِالْمَسْجِدِ كَمَا فَعَلَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ أَوْلَى لِظُهُورِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَالْخُرُوجُ مِنْ الْبُلْدَانِ وَالْقُرَى أَنْ يَخْرُجَ الْحَالِفُ بِبَدَنِهِ خَاصَّةً) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ بَعْدَهُ زَادَ فِي الْمُنْتَقَى إذَا خَرَجَ بِبَدَنِهِ فَقَدْ بَرَّ أَرَادَ سَفَرًا أَوْ لَمْ يُرِدْ. اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ فَائِدَةُ الِارْتِحَالِ وَالِانْتِقَالِ بِعَامَّةِ الْمَتَاعِ بِحَيْثُ يُقَالُ فُلَانٌ ارْتَحَلَ أَوْ فُلَانٌ انْتَقَلَ فَارْجِعْ إلَى مَا كَتَبْنَاهُ عَلَى حَاشِيَةِ التَّتَارْخَانِيَّة، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ وَاَلَّذِي كَتَبَهُ فِي حَاشِيَةِ التَّتَارْخَانِيَّة قَوْلُهُ: حَتَّى يُقَالُ
стр. 1506
وَهُوَ الشَّرْطُ إذْ الْخُرُوجُ هُوَ الِانْفِصَالُ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ، وَأَمَّا الْإِتْيَانُ فَعِبَارَةٌ عَنْ الْوُصُولِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] وَاخْتُلِفَ فِي الذَّهَابِ فَقِيلَ هُوَ كَالْإِتْيَانِ، وَقِيلَ كَالْخُرُوجِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الزَّوَالِ أُطْلِقَ فِي الْحِنْثِ بِالْخُرُوجِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا جَاوَزَ عُمْرَانَ مِصْرِهِ عَلَى قَصْدِهَا فَلَوْ خَرَجَ قَاصِدًا مَكَّةَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ عُمْرَانَهُ لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا كَأَنَّهُ ضَمَّنَ لَفْظَ أَخْرُجُ مَعْنَى أُسَافِرُ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُضِيَّ إلَيْهَا سَفَرٌ لَكِنْ عَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مُدَّةُ سَفَرٍ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ مِنْ الدَّاخِلِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْمُحِيطِ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إلَى بَغْدَادَ الْيَوْمَ فَخَرَجَ مِنْ بَابِ دَارِهِ يُرِيدُ بَغْدَادَ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ عُمْرَانَ مِصْرِهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَخْرُجُ إلَى جِنَازَةِ فُلَانٍ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يَحْنَثُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخُرُوجَ إلَى بَغْدَادَ سَفَرٌ وَالْمَرْءُ لَا يُعَدُّ مُسَافِرًا مَا لَمْ يُجَاوِزْ عُمْرَانَ مِصْرِهِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْجِنَازَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي مَنْزِلٍ مِنْ دَارِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَخَرَجَ إلَى صَحْنِ الدَّارِ ثُمَّ رَجَعَ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَابِ الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ خَارِجًا فِي جِنَازَةِ فُلَانٍ مَا دَامَ فِي دَارِهِ كَمَا لَا يُعَدُّ خَارِجًا إلَى بَغْدَادَ مَا دَامَ فِي مِصْرِهِ فَاسْتَوَتْ الْمَسْأَلَتَانِ مَعْنًى. اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ قَالَ عَمْرُ بْنُ أَسَدٍ سَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ الرَّقَّةِ مَا الْخُرُوجُ قَالَ إذَا جَعَلَ الْبُيُوتَ خَلْفَ ظَهْرِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ حَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ. اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخُرُوجَ إنْ كَانَ مِنْ الْبَلَدِ فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى يُجَاوِزَ عُمْرَانَ مِصْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ إلَى مَقْصِدِهِ مُدَّةَ سَفَرٍ أَوْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خُرُوجًا مِنْ الْبَلَدِ فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ مَاشِيًا فَخَرَجَ مِنْ أَبْيَاتِ الْمِصْرِ مَاشِيًا يُرِيدُ بِهِ مَكَّةَ ثُمَّ رَكِبَ حَنِثَ، وَلَوْ خَرَجَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ فَمَشَى لَا يَحْنَثُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِيهَا أَيْضًا رَجُلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ مَعَ فُلَانٍ الْعَامَ إلَى مَكَّةَ إذَا خَرَجَ مَعَ فُلَانٍ حَتَّى جَاوَزَ الْبُيُوتَ وَصَارَ بِحَيْثُ يُبَاحُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ بَغْدَادَ فَخَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ وَالْمَقَابِرُ خَارِجَةٌ مِنْ بَغْدَادَ يَحْنَثُ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَاهُنَا الْيَوْمَ فَإِنْ رَجَعْتِ إلَى سَنَةٍ فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَخَرَجَتْ الْيَوْمَ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْيَمِينِ خُرُوجَ الِانْتِقَالِ أَوْ السَّفَرِ لَا تَطْلُقُ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ انْتَقَلَ الزَّوْجَانِ مِنْ الرُّسْتَاقِ إلَى قَرْيَةٍ فَلَحِقَهُ رَبُّ الدُّيُونِ فَقَالَ لَهَا اُخْرُجِي مَعِي إلَى حَيْثُ كُنَّا فِيهِ فَأَبَتْ إلَى الْجُمُعَةِ فَقَالَ إنْ لَمْ تَخْرُجِي مَعِي فَكَذَا فَإِنْ كَانَ قَدْ تَأَهَّبَ لِلْخُرُوجِ فَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مَعَهُ فِي الْحَالِ إلَى دَرْبِ الْقَرْيَةِ ثُمَّ رَجَعَتْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ أَرَادَ زَوْجُهَا الْخُرُوجَ أَصْلًا. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الرِّيِّ إلَى الْكُوفَةِ فَخَرَجَ مِنْ الرِّيِّ يُرِيدُ مَكَّةَ وَجَعَلَ طَرِيقَهُ إلَى الْكُوفَةِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ حَيْثُ خَرَجَ نَوَى أَنْ يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ حَنِثَ، وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَمَا خَرَجَ فَصَارَ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَقَصَدَ أَنْ يَمُرَّ بِالْكُوفَةِ لَا يَحْنَثُ. اهـ.
ثُمَّ فِي الْخُرُوجِ وَالذَّهَابِ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عِنْدَ الِانْفِصَالِ لِلْحِنْثِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الْإِتْيَانِ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا يَحْنَثُ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مُتَنَوِّعٌ يَحْتَمِلُ الْخُرُوجَ إلَيْهَا، وَإِلَى غَيْرِهَا، وَكَذَا الذَّهَابُ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ عِنْدَ ذَلِكَ كَالْخُرُوجِ إلَى الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ الْإِتْيَانِ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ غَيْرُ مُتَنَوِّعٍ، وَفِي الْمُحِيطِ لَيَأْتِيَنَّهُ فَأَتَاهُ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَا يَحْنَثُ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ أَنْ لَا تَأْتِيَ امْرَأَتُهُ عُرْسَ فُلَانٍ فَذَهَبَتْ قَبْلَ الْعُرْسِ، وَكَانَتْ ثَمَّةَ حَتَّى مَضَى الْعُرْسُ لَا يَحْنَثُ هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى، وَعَلَّلَهُ فَقَالَ؛ لِأَنَّهَا مَا أَتَتْ الْعُرْسَ بَلْ الْعُرْسُ أَتَاهَا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْتِي فُلَانًا فَهُوَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ أَوْ حَانُوتَهُ لَقِيَهُ أَوْ لَمْ يَلْقَهُ، وَإِنْ أَتَى مَسْجِدَهُ لَمْ يَحْنَثْ رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَفِي الْمُنْتَقَى رَجُلٌ لَزِمَ رَجُلًا وَحَلَفَ الْمُلْتَزَمُ لَيَأْتِيَنَّهُ غَدًا فَأَتَاهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَزِمَهُ فِيهِ لَا يَبَرُّ حَتَّى يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ فَإِنْ كَانَ لَزِمَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَحَلَفَ
ــ
[منحة الخالق]
فُلَانٌ قَدْ انْتَقَلَ إلَخْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّقْلَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِعَامَّةِ مَتَاعِهِ، وَأَقُولُ: وَالرِّحْلَةُ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ ارْتَحَلَ الْقَوْمُ مِنْ الْمَكَانِ انْتَقَلُوا وَبِهِ يُعْلَمُ الْجَوَابُ عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ الرَّجُلَ يَحْلِفُ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْ بَلَدِهِ فَاسْتَفِدْ ذَلِكَ اهـ.
стр. 1507
لَيَأْتِيَنَّهُ غَدًا فَتَحَوَّلَ الطَّالِبُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَأَتَى الْحَالِفُ الْمَنْزِلَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الطَّالِبُ فَلَمْ يَجِدْهُ لَا يَبَرُّ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَنْزِلَ الَّذِي تَحَوَّلَ إلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ آتِكَ غَدًا فِي مَوْضِعِ كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ فَأَتَاهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَقَدْ بَرَّ إنَّمَا هَذَا عَلَى إتْيَانِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ لَمْ أُوَفِّكَ غَدًا فِي مَوْضِعِ كَذَا فَأَتَى الْحَالِفُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَلَمْ يَجِدْهُ حَيْثُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ هَذَا عَلَى أَنْ يَجْتَمِعَا. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْإِتْيَانِ؛ لِأَنَّ الْعِيَادَةَ وَالزِّيَارَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْوُصُولُ، وَلِذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إذَا حَلَفَ لَيَعُودَنَّ فُلَانًا أَوْ لِيَزُورُنَّهُ فَأَتَى بَابَهُ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَرَجَعَ، وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ أَتَى بَابَهُ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ حَنِثَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَعَلَى قِيَاسِ مَنْ قَالَ إنْ لَمْ أَخْرُجْ مِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ الْيَوْمَ فَمُنِعَ أَوْ قُيِّدَ حَنِثَ فَيَجِبُ أَنْ يَحْنَثَ هُنَا فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِمَشَايِخِنَا. اهـ.
وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أُرْسِلْ إلَيْكِ نَفَقَتَكِ هَذَا الشَّهْرَ فَأَنْت طَالِقٌ فَأَرْسَلَ بِهَا عَلَى يَدِ إنْسَانٍ وَضَاعَتْ مِنْ يَدِ الرَّسُولِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ، وَكَذَا إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَبْعَثْ إلَيْكِ نَفَقَةَ هَذَا الشَّهْرِ، وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَجِيئِينِي غَدًا بِمَتَاعِ كَذَا فَأَنْت طَالِقٌ فَبَعَثَتْ بِهِ مَعَ إنْسَانٍ قَالَ إنْ كَانَ مُرَادُهُ وُصُولَ عَيْنِ الْمَتَاعِ إلَيْهِ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ أَنْ تَحْمِلَ بِنَفْسِهَا يَحْنَثُ، وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِأَصْحَابِهِ إنْ لَمْ أَذْهَبْ بِكُمْ اللَّيْلَةَ إلَى مَنْزِلِي فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَذَهَبَ بِهِمْ بَعْضَ الطَّرِيقِ فَأَخَذَهُمْ الْعَسَسُ فَحَبَسَهُمْ لَا تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ هَذَا الْجَوَابُ يُوَافِقُ قَوْلَهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ، وَقَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ النَّوْعِ اخْتِيَارُ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِخِلَافِ هَذَا. اهـ. مَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِلَفْظِ الرَّوَاحِ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَهُوَ كَثِيرُ الْوُقُوعِ فِي كَلَامِ الْمِصْرِيِّينَ، وَفِي أَيْمَانِهِمْ لَكِنْ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ لُغَةُ الْعَرَبِ أَنَّ الرَّوَاحَ الذَّهَابُ سَوَاءٌ كَانَ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَوْ آخِرَهُ أَوْ فِي اللَّيْلِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مِنْ كِتَابِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ نَقْلِهِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. اهـ.
فَعَلَى هَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَرُوحُ إلَى كَذَا فَهُوَ بِمَعْنَى لَا يَذْهَبُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ يَحْنَثُ بِالْخُرُوجِ عَنْ قَصْدِهِ وَصَلَ أَوْ لَا.
(قَوْلُهُ) (: لَيَأْتِيَنَّهُ فَلَمْ يَأْتِهِ حَتَّى مَاتَ حَنِثَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ قَبْلَ ذَلِكَ مَوْجُودٌ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْإِتْيَانِ بَلْ كُلُّ فِعْلٍ حَلَفَ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَطْلَقَهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِوَقْتٍ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَقَعَ الْإِيَاسُ عَنْ الْبِرِّ مِثْلُ لَيَضْرِبَنَّ زَيْدًا أَوْ لَيُعْطِيَنَّ فُلَانَةَ أَوْ لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَهُ وَتَحَقَّقَ الْيَأْسُ عَنْ الْبِرِّ يَكُونُ بِفَوْتِ أَحَدِهِمَا فَلِذَا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْحَالِفَ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ لَا يَحْنَثُ مَا دَامَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَائِمَيْنِ لِتَصَوُّرِ الْبِرِّ فَإِذَا فَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. اهـ.
وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ حَتَّى مَاتَ يَعُودُ إلَى أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا كَانَ سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفَ أَوْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْحَالِفِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ، وَقَيَّدَ بِالْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً كَقَوْلِهِ إنْ لَمْ أَدْخُلْ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَإِنَّ الْحِنْثَ مُعَلَّقٌ بِآخِرِ الْوَقْتِ حَتَّى إذَا مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَدْخُلْ الدَّارَ لَا يَحْنَثُ، وَأَمَّا إذَا مَضَى الْوَقْتُ قَبْلَ دُخُولِهِ، وَهُوَ حَيٌّ عَتَقَ الْعَبْدُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ إلَّا بِقَرِينَةٍ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ فِي الْفَصْلِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْعِيَادَةَ وَالزِّيَارَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْوُصُولُ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ الْمَنْفِيَّ فِي عِبَارَةِ الذَّخِيرَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا هُوَ الْوُصُولُ إلَى الشَّخْصِ الْمُعَادِ وَالْمَزُورِ أَمَّا الْوُصُولُ إلَى بَابِ دَارِهِ فَهُوَ شَرْطٌ، وَكَذَا فِي الْإِتْيَانِ فَقَدْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْتِي فُلَانًا فَهُوَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ أَوْ حَانُوتَهُ لَقِيَهُ أَوْ لَمْ يَلْقَهُ، وَإِنْ أَتَى مَسْجِدَهُ لَمْ يَحْنَثْ رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ.
فَقَدْ اشْتَرَكَ الْإِتْيَانُ وَالْعِيَادَةُ وَالزِّيَارَةُ فِي اشْتِرَاطِ الْوُصُولِ إلَى الْمَنْزِلِ دُونَ الْوُصُولِ إلَى صَاحِبِهِ بَلْ زَادَتْ الْعِيَادَةُ وَالزِّيَارَةُ اشْتِرَاطَ الِاسْتِئْذَانِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى قِيَاسِ مَنْ قَالَ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي إنْ لَمْ أَخْرُجْ مَنْفِيٌّ، وَفِي لَيَعُودَنَّ فُلَانًا مُثْبَتٌ، وَالْإِكْرَاهُ يُؤَثِّرُ فِي الْمُثْبَتِ لَا فِي الْمَنْفِيِّ كَمَا مَرَّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِأَصْحَابِهِ إنْ لَمْ أَذْهَبْ بِكُمْ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا يَتَأَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الذَّهَابَ كَالْإِتْيَانِ لَا عَلَى أَنَّهُ كَالْخُرُوجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْأَصَحُّ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَرُوحُ إلَى كَذَا إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ الدَّلِيلُ خَاصٌّ بِالذَّهَابِ لَيْلًا وَالْمُدَّعَى أَعَمُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى عَلَى الْعُرْفِ. اهـ.
قُلْتُ: وَفِي الْمِصْبَاحِ مَا هُوَ أَوْضَحُ مِمَّا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ حَيْثُ قَالَ فِيهِ، وَقَدْ يَتَوَهَّمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الرَّوَاحَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي آخِرِ النَّهَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الرَّوَاحُ وَالْغُدُوُّ عِنْدَ الْعَرَبِ يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْمَسِيرِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﵊ «مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَلَهُ كَذَا» أَيْ مَنْ ذَهَبَ ثُمَّ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ، وَأَمَّا رَاحَتْ الْإِبِلُ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْعَشِيِّ إذَا أَرَاحَهَا عَلَى أَهْلِهَا يُقَالُ سَرَحَتْ الْإِبِلُ بِالْغَدَاةِ إلَى الْمَرْعَى وَرَاحَتْ بِالْعَشِيِّ عَلَى أَهْلِهَا أَيْ رَجَعَتْ مِنْ الْمَرْعَى إلَيْهِمْ فَهِيَ رَائِحَةٌ. اهـ
стр. 1508
السَّابِعِ، وَلَوْ حَلَفَ إنْ رَأَى فُلَانًا لَيَضْرِبَنَّهُ فَالرُّؤْيَةُ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ وَالضَّرْبُ مَتَى شَاءَ إلَّا أَنْ يَعْنِيَ الْفَوْرَ، وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يُوَاقِعَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ فَقَالَ لَهَا إنْ لَمْ تَدْخُلِي مَعِي فِي الدَّارِ فَأَنْت طَالِقٌ فَدَخَلَتْ بَعْدَمَا سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا، وَإِنْ دَخَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ، وَفِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ فِي كُلِّ حَقٍّ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ عَلَى أَنْ يَضْرِبَهُ كُلَّ مَا شُكِيَ إلَيْهِ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، وَلَا يَكُونُ يَمِينُهُ عَلَى فَوْرِ الشِّكَايَةِ مَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ. اهـ. وَسَيَأْتِي تَمَامُ مَسَائِلِ الْفَوْرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ: لَيَأْتِيَنَّهُ إنْ اسْتَطَاعَ فَهِيَ اسْتِطَاعَةُ الصِّحَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ فِي الْعُرْفِ، وَهِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَصِحَّةُ الْأَسْبَابِ، وَفَسَّرَهَا مُحَمَّدٌ ﵀ بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يَمْرَضْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ السُّلْطَانُ، وَلَمْ يَجِئْ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِهِ فَلَمْ يَأْتِهِ حَنِثَ. اهـ.
فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ بِسَلَامَةِ الْآلَاتِ صِحَّةُ الْجَوَارِحِ فَالْمَرِيضُ لَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ وَالْمُرَادُ بِصِحَّةِ الْأَسْبَابِ تَهْيِئَةٌ لِإِرَادَةِ الْفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ فَخَرَجَ الْمَمْنُوعُ، وَلِذَا ذَكَرَ فِي الِاخْتِيَارِ أَنَّهَا سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَرَفْعُ الْمَوَانِعِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ الِاسْتِطَاعَةُ رَفْعُ الْمَوَانِعِ. اهـ.
فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا نَسِيَ الْيَمِينَ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ مَانِعٌ، وَكَذَا لَوْ جُنَّ فَلَمْ يَأْتِهِ حَتَّى مَضَى الْغَدُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلِذَا قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَحَدُّهَا التَّهَيُّؤُ لِتَقْيِيدِ الْفِعْلِ عَلَى إرَادَةِ الْمُخْتَارِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَوَى الْقُدْرَةَ دُيِّنَ) أَيْ صُدِّقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا فِيمَا يُقَارِنُ الْفِعْلَ وَيُطْلَقُ الِاسْمُ عَلَى سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَصِحَّةِ الْأَسْبَابِ فِي الْمُتَعَارَفِ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَتَصِحُّ نِيَّةُ الْأَوَّلِ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَقِيلَ يُصَدَّقُ قَضَاءً أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَإِذَا صُدِّقَ لَا يُتَصَوَّرُ حِنْثُهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْبِقُ الْفِعْلَ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا لَكِنْ تُعُورِفَ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَنْ الْقَرِينَةِ لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بِخُصُوصِهِ، وَهُوَ سَلَامَةُ آلَاتِ الْفِعْلِ وَصِحَّةُ أَسْبَابِهِ فَصَارَ ظَاهِرًا فِيهِ بِخُصُوصِهِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِ الظَّاهِرِ. اهـ.
وَقَدْ أَظْهَرَ الزَّاهِدِيُّ فِي الْمُجْتَبَى اعْتِزَالَهُ فِي هَذَا الْمَحِلِّ كَمَا أَظْهَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْمُجْتَبَى قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ حَقِيقَةُ الِاسْتِطَاعَةِ فِيمَا يُقَارِنُ الْفِعْلَ نَظَرٌ قَوِيٌّ؛ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالسُّنِّيَّةِ أَنَّ الْقُدْرَةَ تُقَارِنُ الْفِعْلَ، وَإِنَّهُ بَاطِلٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ فِرْعَوْنُ، وَهَامَانُ وَسَائِرُ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ قَادِرِينَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَكَانَ تَكْلِيفُهُمْ بِالْإِيمَانِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ، وَكَانَ إرْسَالُ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ضَائِعَةً فِي حَقِّهِمْ. اهـ.
وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ حَتَّى يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَصِحَّةُ الْأَسْبَابِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ.
(قَوْلُهُ: لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي شَرْطٌ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ بِخِلَافِ إلَّا أَنْ وَحَتَّى) أَيْ بِخِلَافِ لَا تَخْرُجِي إلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ أَوْ حَتَّى أَنْ آذَنَ لَكِ فَأَذِنَ لَهَا مَرَّةً انْتَهَتْ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ ثُمَّ خَرَجَتْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَحْنَثُ وَالْفَرْقُ فِي الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى خُرُوجٌ مَقْرُونٌ بِالْإِذْنِ؛ لِأَنَّهُ مُفَرَّغٌ لِلْمُتَعَلِّقِ فَصَارَ الْمَعْنَى إلَّا خُرُوجًا مُلْصَقًا بِهِ فَمَا لَمْ يَكُنْ مُلْصَقًا بِالْإِذْنِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْيَمِينِ لِعُمُومِ النَّكِرَةِ فَيَحْنَثُ بِهِ، وَفِي الثَّانِي الْإِذْنُ غَايَةٌ أَمَّا فِي حَتَّى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي إلَّا أَنْ فَتَجُوزُ بِإِلَّا فِيهَا لِتَعَذُّرِ اسْتِثْنَاءِ الْإِذْنِ مِنْ الْخُرُوجِ وَبِالْمَرَّةِ يَتَحَقَّقُ فَيَنْتَهِي الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا لُزُومُ تَكْرَارِ الْإِذْنِ فِي دُخُولِ بُيُوتِهِ ﵇ مَعَ تِلْكَ الصِّيغَةِ ﴿إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فَبِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ، وَهُوَ تَعْلِيلُهُ بِالْأَذَى ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وَتَمَامُهُ فِي الْأُصُولِ فِي بَحْثِ الْبَاءِ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ إلَّا أَنْ آذَنَ بِمَعْنَى إلَّا بِإِذْنِي؛ لِأَنَّ أَنْ وَالْفِعْلَ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْبَاءِ، وَإِلَّا صَارَ الْمَعْنَى إلَّا خُرُوجًا إذْنِي فَصَارَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْدِيرِ الْبَاءِ مَحْذُوفَةً
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: يَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ، وَلَا يَرِدُ.
стр. 1509
أَوْ مَا قُلْنَا مِنْ جَعْلِهَا بِمَعْنَى حَتَّى مَجَازًا أَيْ حَتَّى آذَنَ لَكِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ كَالْأَوَّلِ، وَعَلَى الثَّانِي يَنْعَقِدُ عَلَى إذْنٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا لَزِمَ فِي إلَّا أَنَّ أَحَدَ الْمَجَازَيْنِ وَجَبَ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا، وَمَجَازُ غَيْرِ الْحَذْفِ أَوْلَى مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي وَصْفِ نَفْسِ اللَّفْظِ، وَمَجَازُ الْحَذْفِ تَصَرُّفٌ فِي ذَاتِهِ بِالْإِعْدَامِ مَعَ الْإِرَادَةِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ شَرْطٌ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِذْنَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يُصَدَّقْ قَضَاءً، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَكِنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلَ كَلَامِهِ فَيُسْتَعَارُ بِمَعْنَى حَتَّى لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدِّقُهُ الْقَاضِي بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى التَّعَدُّدَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ، وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ إلَّا بِإِذْنٍ بِغَيْرِ إذْنِي فَيُشْتَرَطُ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ مَعَ وُجُودِ الْبَاءِ وَالرِّضَا وَالْأَمْرُ وَالْعِلْمُ كَالْإِذْنِ فِيمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجْت إلَّا بِقِنَاعٍ أَوْ بِمِلْحَفَةٍ، وَلَوْ قَالَ لَهَا أَذِنْتُ لَكِ فِي الْخُرُوجِ كُلَّمَا أَرَدْت فَخَرَجَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى لَا يَحْنَثُ فَإِنْ نَهَاهَا عَنْ الْخُرُوجِ بَعْدَ ذَلِكَ صَحَّ النَّهْيُ، وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَبِهِ أَخَذَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ ثُمَّ قَالَ لَهَا كُلَّمَا نَهَيْتُكِ فَقَدْ أَذِنْتُ لَكِ فَنَهَاهَا لَا يَصِحُّ نَهْيُهُ إيَّاهَا، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا عَهْدَ لَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَخَرَجَتْ حَنِثَ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهَا، وَهِيَ نَائِمَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ لَمْ تَسْمَعْ فَخَرَجَتْ حَنِثَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ يَكُونُ إذْنًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْإِذْنُ يَصِحُّ بِدُونِ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْأَمْرِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَثْبُتُ الْأَمْرُ بِدُونِ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَكُونُ الْإِذْنُ إلَّا بِالسَّمَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إيقَاعُ الْخَبَرِ فِي الْإِذْنِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالسَّمَاعِ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ إذْنَ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالسَّمَاعِ، وَلَوْ كَنَسَتْ الْبَيْتَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ فَخَرَجَتْ إلَى بَابِ الدَّارِ لِكَنْسِ الْبَابِ حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَلَوْ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ إلَى بَعْضِ أَهْلِهَا فَلَمْ تَخْرُجْ ثُمَّ خَرَجَتْ فِي، وَقْتٍ آخَرَ إلَى بَعْضِ أَهْلِهَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَخَافُ أَنْ يَحْنَثَ، وَلَوْ أَنَّ الْمَرْأَةَ سَمِعَتْ سَائِلًا يَسْأَلُ شَيْئًا بَعْدَمَا مَنَعَهَا زَوْجُهَا عَنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَقَالَ لَهَا الزَّوْجُ ادْفَعِي هَذِهِ الْكِسْرَةَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ السَّائِلُ بِحَيْثُ لَا تَقْدِرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الدَّفْعِ إلَيْهِ إلَّا بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَتْ لَا يَحْنَثُ، وَإِلَّا فَيَحْنَثُ، وَلَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا تُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ حَتَّى أَصِيرَ مُطَلَّقَةً فَقَالَ الزَّوْجُ نَعَمْ فَخَرَجَتْ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ هَذَا لِلتَّهْدِيدِ لَا لِلْإِذْنِ.
وَلَوْ قَالَ لَهَا اُخْرُجِي أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ خَرَجْتِ لَيُخْزِيَنَّكِ اللَّهُ تَعَالَى وَنَحْوَ ذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ إذْنًا، وَكَذَا لَوْ غَضِبَتْ الْمَرْأَةُ وَتَأَهَّبَتْ لِلْخُرُوجِ فَقَالَ الزَّوْجُ دَعُوهَا تَخْرُجُ لَمْ يَكُنْ إذْنًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِذْنَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ فِي غَضَبِهِ اُخْرُجِي يَنْوِي التَّهْدِيدَ وَالتَّوْعِيدَ يَعْنِي اُخْرُجِي حَتَّى تَطْلُقِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إذْنًا، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَأَنْت طَالِقٌ فَخَرَجَتْ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ طَالِقٌ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى تَخْرُجَ مَرَّةً أُخْرَى إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْيَمِينِ مُخَاشَنَةً كَانَتْ بَيْنَهُمَا فِي الْخُرُوجِ فَمَتَى كَانَتْ كَذَلِكَ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ عَلَى الْخُرُوجِ الْأَوَّلِ الْكُلُّ مِنْ الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي قَوْلِهِ لَهَا إنْ خَرَجْتِ مِنْ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَحْنَثُ بِخُرُوجِهَا لِوُقُوعِ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ غَالِبٍ فِيهَا، وَكَذَا فِي الْقُنْيَةِ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ خَمْرًا بِغَيْرِ إذْنِهَا فَأَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَهَا فِي دَارِ كَذَا فَشَرِبَهَا فِي غَيْرِهَا حَنِثَ. اهـ.
وَفِي بَابٍ آخَرَ مِنْهَا إنْ دَفَعْتِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْت طَالِقٌ فَدَفَعَتْ مِنْ مَالِ نَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَقَعْ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى السَّبَبِ الدَّاعِي إلَى الْيَمِينِ كَمَا لَا يَخْفَى. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنٍ وَوَقَعَ الطَّلَاقُ ثُمَّ خَرَجَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً بِغَيْرِ إذْنٍ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِانْحِلَالِ الْيَمِينِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَدَخَلَتْ وَخَرَجَتْ مِرَارًا فِي الْعَشَرَةِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1510
لَا يَحْنَثُ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُ الزَّوْجَةَ أَوْ الْعَبْدَ حَتَّى لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ إنْ خَرَجْتَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْت حُرٌّ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ فَلَوْ قَالَ لَهُ أَطِعْ فُلَانًا فِي جَمِيعِ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ فَأَمَرَهُ فُلَانٌ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَ فَالْمَوْلَى حَانِثٌ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِطَاعَةِ فُلَانٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِرَجُلٍ ائْذَنْ لَهُ فِي الْخُرُوجِ فَأَذِنَ لَهُ الرَّجُلُ فَخَرَجَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ فُلَانًا بِالْإِذْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ قُلْ يَا فُلَانُ مَوْلَاكَ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ لَهُ فَخَرَجَ فَإِنَّ الْمَوْلَى حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَإِنَّمَا أَمَرَ فُلَانًا بِكَذِبٍ، وَلَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ بَعْدَ يَمِينِهِ مَا أَمَرَكَ بِهِ فُلَانٌ فَقَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ فَأَمَرَهُ الرَّجُلُ بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَ فَالْمَوْلَى حَانِثٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمَوْلَى مِنْ هَذَا أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا بِرِضَاهُ فَإِذَا قَالَ مَا أَمَرَكَ بِهِ فُلَانٌ فَقَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ فُلَانًا يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَمْ يَعْلَمْ كَوْنَ هَذَا الْخُرُوجِ مَرْضِيًّا بِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ مُسْتَثْنًى فَبَقِيَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِلرَّجُلِ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ فَأَخْبَرَ الرَّجُلُ بِهِ الْعَبْدَ لَمْ يَحْنَثْ الْمَوْلَى.
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ خَرَجْتِ إلَّا بِإِذْنِي ثُمَّ قَالَ لَهَا إنْ بِعْتِ خَادِمَك فَقَدْ أَذِنْتُ لَكِ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ هَذَا إذْنًا؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَيَّدَ بِالزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ أَوْ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ أَوْ إلَّا أَنْ يَقْدَمَ فُلَانٌ أَوْ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ فِي دَارِهِ وَاَللَّهِ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِي فَإِنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ الْإِذْنُ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّ قُدُومَ فُلَانٍ لَا يَتَكَرَّرُ عَادَةً وَالْإِذْنُ فِي الْكَلَامِ يُتَنَاوَلُ كُلَّمَا يُوجَدُ مِنْ الْكَلَامِ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَكَذَا خُرُوجُ الرَّجُلِ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ عَادَةً بِخِلَافِ الْإِذْنِ لِلزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا ذَلِكَ الْخُرُوجَ الْمَأْذُونَ فِيهِ لَا كُلَّ خُرُوجٍ إلَّا بِنَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ مِثْلِ أَذِنْتُ لَكِ أَنْ تَخْرُجِي كُلَّمَا أَرَدْتِ الْخُرُوجَ وَنَحْوِهِ فَكَانَ الِاقْتِصَارُ فِي هَذَا الْوُجُودِ الصَّارِفِ عَنْ التَّكْرَارِ لَا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْكُلِّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا أَنْ يَنْسَى فَدَخَلَهَا نَاسِيًا ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا لَمْ يَحْنَثْ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ إلَّا نَاسِيًا فَدَخَلَهَا نَاسِيًا ثُمَّ دَخَلَهَا ذَاكِرًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ كُلِّ دُخُولٍ دُخُولًا بِصِفَةٍ فَبَقِيَ مَا سِوَاهُ دَاخِلًا تَحْتَ الْيَمِينِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْنِي حَتَّى فَلَمَّا دَخَلَهَا نَاسِيًا انْتَهَتْ الْيَمِينُ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ دَخْلَةً إلَّا أَنْ يَأْمُرَنِي فُلَانٌ فَأَمَرَهُ فُلَانٌ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَقَدْ سَقَطَتْ الْيَمِينُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إلَّا أَنْ يَأْمُرَنِي بِهَا فُلَانٌ بِزِيَادَةِ بِهَا فَأَمَرَهُ فَدَخَلَ ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرِ فِي كُلِّ دَخْلَةٍ كَقَوْلِهِ إلَّا بِأَمْرِ فُلَانٍ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْتِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَّا لِأَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ فَأَنْت طَالِقٌ، وَلِلْمَرْأَةِ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ فَأَرَادَتْ أَنْ تَدَّعِيَ ذَلِكَ وَخَرَجَتْ لِأَجْلِهِ قَالُوا إنْ كَانَتْ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تُوَكِّلَ بِذَلِكَ حَنِثَ الْحَالِفُ، وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَنْ تُوَكِّلَ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ امْرَأَتُهُ إلَّا بِعِلْمِهِ فَخَرَجَتْ، وَهُوَ يَرَاهَا فَمَنَعَهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ أَذِنَ لَهَا بِالْخُرُوجِ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فَخَرَجَتْ، وَهُوَ يَرَاهَا لَا يَحْنَثُ أَيْضًا. اهـ.
ثُمَّ انْعِقَادُ الْيَمِينِ عَلَى الْإِذْنِ فِي قَوْلِهِ إنْ خَرَجْتِ إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ وَاَللَّهِ لَا تَخْرُجِينَ إلَّا بِإِذْنِي مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ الْمَنْعُ فَلَوْ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَخَرَجَتْ بِلَا إذْنٍ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ زَوَالُ الْمِلْكِ لَا يُبْطِلُ الْيَمِينَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ إلَّا عَلَى مُدَّةِ بَقَاءِ النِّكَاحِ، وَكَذَا فِي الْعَبْدِ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ مِلْكِ الْمَوْلَى وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ حَلَفَ لَيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ دَخَلَ الْبَلْدَةَ تَقَيَّدَ بِقِيَامِ وِلَايَتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، وَلَا عَبْدُهُ فَبَانَتْ مِنْهُ أَوْ خَرَجَ الْعَبْدُ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِحَالِ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْمِلْكِ لِانْعِدَامِ دَلَالَةِ التَّقْيِيدِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إلَّا بِإِذْنِهِ فَيُعْمَلُ بِعُمُومِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →