Полный текст (3 122 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
وَلَوْ قَالَ أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدًا وَنِصْفَ عَبْدٍ عَتَقَ الْعَبْدُ الْكَامِلُ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِعَبْدٍ فَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي اسْمِهِ فَلَا يُقْطَعُ عَنْهُ اسْمُ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ كَمَا لَوْ مَلَكَ مَعَهُ ثَوْبًا أَوْ نَحْوَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَوَّلُ كُرٍّ أَمْلِكُهُ فَهُوَ هَدْيٌ فَمَلَكَ كُرًّا وَنِصْفًا حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ يُزَاحِمُ الْكُلَّ فِي الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ لِأَنَّهُ بِالضَّمِّ يَصِيرُ شَيْئًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الثِّيَابِ وَالْعَبِيدِ. (قَوْلُهُ فَلَوْ قَالَ: آخِرُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدًا وَمَاتَ لَمْ يَعْتِقْ) ؛ لِأَنَّ الْآخِرَ بِكَسْرِ الْخَاءِ فَرْدٌ لَاحِقٌ، وَلَا سَابِقَ لَهُ فَلَا يَكُونُ لَاحِقًا، وَلِهَذَا يَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ضِدِّهِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ تُحَقِّقُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَحَقُّقِ الْآخِرِيَّةِ وُجُودُ سَابِقٍ بِالْفِعْلِ، وَفِي الْأَوَّلِيَّةِ عَدَمُ تَقَدُّمِ غَيْرِهِ لَا وُجُودُ آخَرَ مُتَأَخِّرٍ عَنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِهِ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ إذَا لَمْ يَشْتَرِ بَعْدَهُ غَيْرَهُ. اهـ. وَالضَّمِيرُ فِي مَاتَ رَاجِعٌ إلَى الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ (فَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ الْآخَرُ) ؛ لِأَنَّهُ فَرْدٌ لَاحِقٌ فَاتَّصَفَ بِالْآخِرِيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَقْتَ عِتْقِهِ لِلِاخْتِلَافِ فَعِنْدَ الْإِمَامِ يَسْتَنِدُ الْعِتْقُ إلَى وَقْتِ الشِّرَاءِ حَتَّى يُعْتَبَرَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إنْ كَانَ اشْتَرَاهُ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْ الثُّلُثِ، وَعِنْدَهُمَا يَعْتِقُ مُقْتَصَرًا عَلَى حَالَةِ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْآخِرِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدَمِ شِرَاءِ غَيْرِهِ بَعْدَهُ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالْمَوْتِ فَكَانَ الشَّرْطُ مُتَحَقِّقًا عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَوْتَ مُعَرَّفٌ فَأَمَّا اتِّصَافُهُ بِالْآخِرِيَّةِ فَمِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ فَيَثْبُتُ مُسْتَنِدًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ تَعْلِيقُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ بِهِ كَمَا إذَا قَالَ آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَيَقَعُ عِنْدَ الْمَوْتِ عِنْدَهُمَا وَتَرِثُ بِحُكْمِ أَنَّهُ فَارٌّ، وَلَهَا مَهْرٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَتُحِدُّ، وَعِنْدَهُ يَقَعُ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرٌ وَنِصْفُ مَهْرٍ بِالدُّخُولِ بِشُبْهَةٍ وَنِصْفُ مَهْرِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَعِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ بِلَا حِدَادٍ، وَلَا تَرِثُ مِنْهُ.
وَلَوْ قَالَ آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً ثُمَّ أُخْرَى ثُمَّ طَلَّقَ الْأُولَى ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ مَاتَ طَلُقَتْ الَّتِي تَزَوَّجَهَا مَرَّةً؛ لِأَنَّ الَّتِي أَعَادَ عَلَيْهَا التَّزَوُّجَ اتَّصَفَتْ بِكَوْنِهَا أَوْلَى فَلَا تَتَّصِفُ بِالْآخِرِيَّةِ لِلتَّضَادِّ كَمَنْ قَالَ آخِرُ عَبْدٍ أَضْرِبُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَ عَبْدًا ثُمَّ ضَرَبَ آخَرَ ثُمَّ أَعَادَ الضَّرْبَ فِي الْأَوَّلِ ثُمَّ مَاتَ عَتَقَ الْمَضْرُوبُ مَرَّةً بِخِلَافِ الْفِعْلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَقَيَّدَ بِمَوْتِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الثَّانِيَ آخِرُ إلَّا بِمَوْتِ الْمَوْلَى لِجَوَازِ أَنْ يَشْتَرِيَ غَيْرَهُ فَيَكُونُ هُوَ الْآخِرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْأَوْسَطَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ قَالَ أَوْسَطُ عَبْدٍ أَشْتَرِيه فَهُوَ حُرٌّ فَكُلُّ عَبْدٍ فَرْدٍ لَهُ حَاشِيَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ فِيمَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فَهُوَ أَوْسَطُ، وَلَا يَكُونُ الْأَوَّلُ وَلَا الْآخِرُ وَسَطًا أَبَدًا، وَلَا يَكُونُ الْوَسَطُ إلَّا فِي وِتْرٍ، وَلَا يَكُونُ فِي شَفْعٍ فَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا فَالثَّانِي هُوَ الْوَسَطُ فَإِذَا اشْتَرَى رَابِعًا خَرَجَ الثَّانِي مِنْ أَنْ يَكُونَ أَوْسَطَ فَإِذَا اشْتَرَى خَامِسًا صَارَ الثَّالِثُ هُوَ الْوَسَطُ فَإِذَا اشْتَرَى سَادِسًا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَوْسَطَ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ. اهـ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ عَبْدٍ بَشَّرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرَهُ ثَلَاثَةٌ مُتَفَرِّقُونَ) (عَتَقَ الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَرٍ سَارٍ صِدْقٍ لَيْسَ لِلْمُبَشَّرِ بِهِ عِلْمٌ عُرْفًا وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الْبَاقِينَ، وَأَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَالَ ﵇ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ فَابْتَدَرَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ فَسَبَقَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَكَانَ يَقُولُ بَشَّرَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ» ، وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ أَحَدُهُمَا كِتَابًا بِالْبِشَارَةِ يَعْتِقُ إلَّا إذَا نَوَى الْمُشَافَهَةَ؛ لِأَنَّ الْبِشَارَةَ قَدْ تَكُونُ بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ الْغَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِنْ الْحَاضِرِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولًا فَإِنَّهُ يَعْتِقُ فِي الْبِشَارَةِ وَالْخَبَرِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمُشَافَهَةِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْعُو فُلَانًا فَكَتَبَ إلَيْهِ يَدْعُوهُ
ــ
[منحة الخالق]
هَذَا، وَفِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ عَلَى الْأَشْبَاهِ فَإِنْ عَنَى بِأَحَدِهِمَا الْآخَرَ صُدِّقَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَعْنَى الْجَامِعِ وَهُوَ الْوَحْدَةُ لَكِنَّهُ إنْ عَنَى بِقَوْلِهِ وَاحِدًا وَحْدَهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً وَقَضَاءً لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْلِيظِ، وَفِي عَكْسِهِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْفِيفِ. اهـ.
وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ عِبَارَةِ التَّلْخِيصِ كَمَا أَوْضَحَهُ شَارِحُهُ فَرَاجِعْهُ.
стр. 1542
حَنِثَ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَقَيَّدْنَاهَا بِالصِّدْقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَشَّرَهُ كَذِبًا لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ ظَهَرَ فِي بَشَرَةِ الْوَجْهِ الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ لَكِنَّهُ قَدْ زَالَ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُهُ بِخِلَافِ مَنْ أَخْبَرَنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَكَذَا فَأَخْبَرَهُ وَاحِدٌ كَذِبًا فَإِنَّهُ يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكَذِبِ وَالصِّدْقِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَنْ أَخْبَرَنِي بِقُدُومِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الصِّدْقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَفِي الْبِشَارَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَاءِ أَوْ لَا بِخِلَافِ الْخَبَرِ، وَقَدْ عُلِمَ الْفَرْقُ فِي بَحْثِ الْبَاءِ مِنْ الْأُصُولِ وَالْكِتَابَةُ كَالْخَبَرِ فَلَوْ قَالَ إنْ كَتَبْت أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَكَذَا فَكَتَبَ كَذِبًا عَتَقَ؛ لِأَنَّهَا جَمَعَ الْحُرُوفَ وَقَدْ وُجِدَ بِخِلَافِ إنْ كَتَبْت بِقُدُومِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قُدُومِهِ حَقِيقَةً فَلَوْ كَتَبَ بِقُدُومِهِ غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ، وَقَدْ قَدِمَ حَقِيقَةً عَتَقَ بَلَغَ الْخَبَرُ إلَى الْحَالِفِ أَوْ لَا لِوُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَمَّا الْإِعْلَامُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ إثْبَاتُ الْعِلْمِ وَالْكَذِبُ لَا يُفِيدُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَاءِ أَوْ لَا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَخَرَجَ الْخَبَرُ الضَّارُّ فَلَيْسَ بِبِشَارَةٍ عُرْفًا، وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ بِشَارَةً فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ؛ لِأَنَّهُ بِشَارَةٌ لُغَةً، وَالْكَلَامُ فِي الْعُرْفِ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ أَوَّلُ مَنْ بَشَّرَنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ مِنْ عَبِيدِي فَهُوَ حُرٌّ فَأَرْسَلَ بَعْضَ عَبِيدِهِ عَبْدًا آخَرَ فَقَالَ قُلْ لِلْمَوْلَى إنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَك قَدْ قَدِمَ فُلَانٌ فَأَبْلَغَهُ ذَلِكَ الْعَبْدُ قَالَ يُعْتَقُ الْمُرْسِلُ دُونَ الرَّسُولِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ، وَلَوْ قَالَ الرَّسُولُ إنَّ فُلَانًا قَدْ قَدِمَ، وَلَمْ يَقُلْ أَرْسَلَنِي إلَيْك فُلَانٌ عَبْدُك بِكَذَا عَتَقَ الرَّسُولُ دُونَ الْمُرْسِلِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَشَّرُوهُ مَعًا عَتَقُوا) لِتَحَقُّقِهَا مِنْ الْجَمِيعِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] .
قَوْلُهُ (وَصَحَّ شِرَاءُ أَبِيهِ لِلْكَفَّارَةِ لَا شِرَاءُ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ؛ لِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَ نَفْسَ الشِّرَاءِ إعْتَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ غَيْرُهُ فَصَارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ سَقَاهُ فَأَرْوَاهُ فَصَادَفَ النِّيَّةُ الْعِلَّةَ فَأَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةَ، وَأَمَّا شِرَاءُ مَنْ حَلَفَ بِعِتْقِهِ كَمَا إذَا قَالَ إنْ اشْتَرَيْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ يَنْوِي بِهِ كَفَّارَةً عَنْ يَمِينِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قِرَانُ النِّيَّةِ بِعِلَّةِ الْعِتْقِ، وَهِيَ الْيَمِينُ فَأَمَّا الشِّرَاءُ فَشَرْطُهُ، وَأَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الظِّهَارِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهَا عَنْ كَفَّارَتِهِ لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُرَادِهِ هُنَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: أُمُّ الْوَلَدِ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأُمَّةِ قَدْ اسْتَوْلَدَهَا بِالنِّكَاحِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْت حُرَّةٌ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَإِنَّهَا تُعْتَقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا مُسْتَحَقَّةٌ بِالِاسْتِيلَادِ فَلَا تُضَافُ إلَى الْيَمِينِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ لِقِنَّةٍ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي حَيْثُ يُجْزِئُهُ عَنْهَا إذَا اشْتَرَاهَا؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهَا غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ بِجِهَةٍ أُخْرَى فَلَمْ تَخْتَلَّ الْإِضَافَةُ إلَى الْيَمِينِ، وَقَدْ قَارَنَتْهُ النِّيَّةُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّيَّةَ إذَا قَارَنَتْ عِلَّةَ الْعِتْقِ، وَرِقُّ الْمُعْتَقِ كَامِلٌ صَحَّ التَّكْفِيرُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَوْلُهُمْ هُنَا أَنَّ الْيَمِينَ عِلَّةُ الْعِتْقِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْكُلِّ، وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هُوَ الْجَزَاءُ، وَهُوَ أَنْتَ حُرٌّ لَا مَجْمُوعُ الْيَمِينِ مِنْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَقَيَّدَ بِالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ قَرِيبَهُ وَنَوَاهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَتِهِ فِعْلٌ حَتَّى يُجْعَلَ تَحْرِيرًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ وُهِبَ لَهُ قَرِيبُهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهِ أَوْ جُعِلَ مَهْرًا لَهَا فَنَوَى أَنْ يَكُونَ عَنْ كَفَّارَتِهِ عِنْدَ قَبُولِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ صَادَفَتْ الْعِلَّةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِخِلَافِ الْإِرْثِ؛ لِأَنَّهُ جَبْرِيٌّ، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا صَرِيحًا، وَكَلَامُهُمْ يُفِيدُهُ دَلَالَةً.
قَوْلُهُ (إنْ تَسَرَّيْت أَمَةً فَهِيَ حُرَّةٌ صَحَّ لَوْ فِي مِلْكِهِ وَإِلَّا لَا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ لَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيقُ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ فَقَدْ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ فِي حَقِّهَا لِمُصَادَفَتِهَا الْمِلْكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مُنْكَرَةٌ فِي هَذَا الشَّرْطِ فَتَتَنَاوَلُ لِكُلِّ جَارِيَةٍ عَلَى الِانْفِرَادِ. وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً وَتَسَرَّاهَا فَإِنَّهَا لَا تُعْتَقُ خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ التَّسَرِّي لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ فَكَانَ ذِكْرُهُ ذِكْرًا لِمِلْكٍ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ طَلَّقْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ يَصِيرُ التَّزَوُّجُ مَذْكُورًا، وَلَنَا أَنَّ الْمِلْكَ يَصِيرُ مَذْكُورًا ضَرُورَةَ صِحَّةِ التَّسَرِّي، وَهُوَ شَرْطٌ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، وَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْجَزَاءِ
ــ
[منحة الخالق]
[اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ وَكَانَ قَدْ قَالَ آخَرُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ]
(قَوْلُهُ: فَفِي الْبِشَارَةِ لَا فَرْقَ إلَخْ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا يُكَلِّمُهُ فَنَادَاهُ وَهُوَ نَائِمٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِعْلَامُ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ، وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لَوْ قَالَ إنْ أَخْبَرْتنِي أَنَّ زَيْدًا قَدِمَ فَكَذَا حَنِثَ بِالْكَذِبِ كَذَا إنْ كَتَبْت إلَيَّ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ، وَفِي بَشَّرْتنِي أَوْ أَعْلَمْتنِي يُشْتَرَطُ الصِّدْقُ وَجَهْلُ الْحَالِفِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِي الْأُولَيَيْنِ الدَّالُ عَلَى الْمُخْبَرِ وَجَمْعِ الْحُرُوفِ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ إفَادَةُ الْبِشْرِ وَالْعِلْمِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ بِقُدُومِهِ؛ لِأَنَّ بَاءَ الْإِلْصَاقِ تَقْتَضِي الْوُجُودَ، وَهُوَ بِالصِّدْقِ وَيَحْنَثُ بِالْإِيمَاءِ فِي أَعْلَمْتنِي وَبِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ فِي الْكُلِّ قَوْلُهُ: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْفَتْحِ وَالنَّهْرِ وَالتِّلَاوَةُ وَبَشَّرُوهُ بِالْوَاوِ.
[شِرَاءُ أَبِيهِ لِلْكَفَّارَةِ]
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لَهُ قَرِيبُهُ إلَخْ)
стр. 1543
هُوَ الْحُرِّيَّةُ.
وَفِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الشَّرْطِ دُونَ الْجَزَاءِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْت طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً لَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا فَهَذَا وِزَانُ مَسْأَلَتِنَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فَهِيَ حُرَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ تَسَرَّيْت أَمَةً فَأَنْت طَالِقٌ أَوْ عَبْدِي حُرٌّ فَتَسَرَّى مَنْ فِي مِلْكِهِ أَوْ مَنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَ التَّعْلِيقِ، وَأَنَّهَا تَطْلُقُ وَيُعْتَقُ الْعَبْدُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ بِلَا مَانِعٍ قَالَ فِي التَّبْيِينِ لَوْ قَالَ لِأَمَةٍ إنْ تَسَرَّيْت بِك فَعَبْدِي حُرٌّ فَاشْتَرَاهَا فَتَسَرَّى بِهَا عَتَقَ عَبْدُهُ الَّذِي كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْحَلِفِ، وَلَا يُعْتَقُ مَنْ اشْتَرَاهُ بَعْدَهُ. اهـ.
فَاحْفَظْ هَذَا فَإِنْ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ قَاسَ مَسْأَلَةَ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالتَّسَرِّي عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُخْتَصَرِ، وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ يَصِحُّ تَعْلِيقُ طَلَاقِهَا بِأَيِّ شَرْطٍ كَانَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ التَّسَرِّيَ هُنَا تَفَعُّلٌ مِنْ السَّرِيَّةِ، وَهُوَ اتِّخَاذُهَا وَالسَّرِيَّةُ إنْ كَانَتْ مِنْ السُّرُورِ فَإِنَّهَا تُسَرُّ بِهَذِهِ الْحَالَةِ وَيُسَرُّ هُوَ بِهَا أَوْ مِنْ السَّرْوِ وَالسِّيَادَةِ فَضُمَّ سِينُهَا عَلَى الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ السِّرِّ بِمَعْنَى الْجِمَاعِ أَوْ بِمَعْنَى ضِدِّ الْجَهْرِ فَإِنَّهَا قَدْ تَخْفَى عَلَى الزَّوْجَاتِ الْحَرَائِرِ فَضَمُّهَا مِنْ تَغْيِيرَاتِ النَّسَبِ كَمَا قَالُوا دُهْرِيٌّ بِالضَّمِّ فِي النِّسْبَةِ إلَى الدَّهْرِ، وَفِي النِّسْبَةِ إلَى السَّهْلِ مِنْ الْأَرْضِ سُهْلِيٌّ بِالضَّمِّ وَالْفِعْلُ مِنْهُ بِحَسَبِ اعْتِبَارِ مَصْدَرِهِ، وَمَعْنَى التَّسَرِّي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنْ يُحْصِنَ أَمَتَهُ وَيُعِدَّهَا لِلْجِمَاعِ أَفْضَى إلَيْهَا بِمَائِهِ أَوْ عَزَلَ عَنْهَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ لَا يَعْزِلَ مَاءَهُ مَعَ ذَلِكَ فَعُرِفَ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّحْصِينِ وَالْإِعْدَادِ لَا يَكُونُ تَسَرِّيًا، وَإِنْ لَمْ يَعْزِلْ عَنْهَا وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَسَرَّى فَاشْتَرَى جَارِيَةً فَحَصَّنَهَا وَوَطِئَهَا حَنِثَ ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ) (عَتَقَ عَبِيدَهُ الْقِنَّ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، وَمُدَبَّرُوهُ لَا مُكَاتَبَهُ) لِوُجُودِ الْإِضَافَةِ الْمُطْلَقَةِ فِيمَا عَدَا الْمُكَاتَبَ إذْ الْمِلْكُ ثَابِتٌ فِيهِمْ رَقَبَةً وَيَدًا وَلَا يَدْخُلُ الْمُكَاتَبُ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ ثَابِتٍ يَدًا فِيهِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ أَكْسَابَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ الْمُكَاتَبَةِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَاخْتَلَّتْ الْإِضَافَةُ وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ كَالْمُكَاتَبِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ، وَهَذِهِ) (طَلُقَتْ الْأَخِيرَةُ وَخُيِّرَ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَكَذَا الْعِتْقُ وَالْإِقْرَارُ) يَعْنِي لَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا، وَهَذَا عَتَقَ الْأَخِيرُ، وَلَهُ الْخِيَارُ فِي الْأَوَّلَيْنِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ لِفُلَانٍ، وَفُلَانٍ لَزِمَهُ خَمْسُمِائَةٍ لِلْأَخِيرِ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ خَمْسَمِائَةٍ لِأَيِّهِمَا شَاءَ وَالْأَصْلُ هُنَا أَنَّ كَلِمَةَ أَوْ لِإِثْبَاتِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَقَدْ أَدْخَلَهَا بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ، وَعَطَفَ الثَّالِثَ عَلَى الْوَاقِعِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْحُكْمِ فَيَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ أَنَّ النِّصْفَ لِلْأَوَّلِ وَالنِّصْفَ لِلْأَخِيرَيْنِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ مِنْهُمَا فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُ، وَلَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا يَلِيهِ كَمَا ذَكَرَ لَكَانَ الْمُقَرُّ بِهِ لِلْأَوَّلِ وَحْدَهُ أَوْ لِلْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهُ لِأَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا لَهُمَا فَتَنْتَفِي الشَّرِكَةُ إلَّا إذَا مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ قَيَّدَ بِكَوْنِ أَوْ دَخَلَتْ فِي الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ دَخَلَتْ فِي النَّفْيِ كَمَا إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا، وَفُلَانًا فَإِنْ كَلَّمَ الْأَوَّلَ وَحْدَهُ حَنِثَ، وَلَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ أَحَدِ الْأَخِيرَيْنِ حَتَّى يُكَلِّمَهُمَا فَجَعَلَ الثَّالِثَ فِي الْكَلَامِ مَضْمُومًا إلَى الثَّانِي عَلَى التَّعْيِينِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ جُعِلَ مَضْمُومًا إلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ أَوْ إذَا دَخَلَتْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ تَنَاوَلَتْ أَحَدَهُمَا مُنْكَرًا إلَّا أَنَّ فِي الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ الْإِثْبَاتِ فَتَخُصُّ فَتَطْلُقُ إحْدَاهُمَا، وَفِي الْكَلَامِ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ النَّفْيِ فَتَعُمُّ عُمُومَ الْإِفْرَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَلَا فُلَانًا فَيَنْضَمُّ الثَّالِثُ إلَى مَا يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ أَوْ لِعُمُومِ الْإِفْرَادِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَلَامًا عَلَى حِدَةٍ كَأَنَّ الْأَوَّلَ انْقَطَعَ وَشَرَعَ فِي الْكَلَامِ الثَّانِي وَالْعَطْفُ فِيهِ لَا يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَأَمْثَالِهِ فَإِنَّ الِاتِّصَالَ فِيهِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ ثَابِتٌ فَيَكُونُ الثَّالِثُ
ــ
[منحة الخالق]
عَزَاهُ فِي النَّهْرِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ إلَى الْفَتْحِ تَبَعًا لِلزَّيْلَعِيِّ ثُمَّ قَالَ: وَكَأَنَّهُ فِي الْبَحْرِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى هَذَا غَيْرُ أَنَّهُ زَادَ مِمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَا لَوْ جَعَلَهُ مَهْرًا، وَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ النِّيَّةِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْمَعْنَى) الَّذِي فِي الزَّيْلَعِيِّ الْمَأْخُوذَةُ مِنْهُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ قَالُوا، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا هُنَا تَحْرِيفٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ
стр. 1544
مَعْطُوفًا عَلَى مَنْ وَجَبَ لَهُ الْحُكْمُ وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ.
وَقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ خَبَرًا فَإِنْ ذَكَرَ لَهُ خَبَرًا بِأَنْ قَالَ هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ، وَهَذِهِ طَالِقَانِ أَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا، وَهَذَا حُرَّانِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ وَلَا تَطْلُقُ بَلْ يُخَيَّرُ إنْ اخْتَارَ الْإِيجَابَ الْأَوَّلَ عَتَقَ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ وَطَلُقَتْ الْأُولَى وَحْدَهَا، وَإِنْ اخْتَارَ الْإِيجَابَ الثَّانِي عَتَقَ الْأَخِيرَانِ وَطَلُقَتْ الْأَخِيرَتَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بَابُ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّزْوِيجِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا) .
لَمَّا كَانَتْ الْأَيْمَانُ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ أَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَمَا بَعْدَهَا قَدَّمَهَا عَلَيْهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ بَابٍ فَوُقُوعُهُ أَقَلُّ مِمَّا قَبْلَهُ وَأَكْثَرُ مِمَّا بَعْدَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُقُودَ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِمَنْ، وَقَعَ لَهُ الْعَقْدُ لَا بِالْعَاقِدِ كَالنِّكَاحِ وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِالْعَاقِدِ إذَا كَانَ الْعَاقِدُ أَهْلًا لِتَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَمِنْ الْعُقُودِ مَا لَا حُقُوقَ لَهُ أَصْلًا كَالْإِعَارَةِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالِاقْتِضَاءِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي التَّبْيِينِ، وَفَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ تَقْسِيمِهَا إلَى نَوْعَيْنِ نَوْعٌ تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِالْعَاقِدِ وَنَوْعٌ لَا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِالْآمِرِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ حُقُوقٌ أَصْلًا فَمَا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِالْعَاقِدِ فَإِنَّ الْحَالِفَ لَا يَحْنَثُ بِمُبَاشَرَةِ وَكِيلِهِ لِوُجُودِ الْفِعْلِ مِنْ الْوَكِيلِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَمَا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِالْآمِرِ، وَمَا لَا حُقُوقَ لَهُ أَصْلًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ الْحَالِفُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ كَمَا يَحْنَثُ بِمُبَاشَرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهِ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ، وَقَدْ جَعَلَ فِي الْمُحِيطِ الْعَارِيَّةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهَا بِالْآمِرِ.
قَوْلُهُ (مَا يَحْنَثُ بِالْمُبَاشَرَةِ لَا بِالْآمِرِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ وَالِاسْتِئْجَارُ وَالصُّلْحُ عَنْ مَالٍ وَالْقِسْمَةُ وَالْخُصُومَةُ وَضَرْبُ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وُجِدَ مِنْ الْعَاقِدِ حَتَّى كَانَتْ الْحُقُوقُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْعَاقِدُ هُوَ الْحَالِفَ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مَا هُوَ الشَّرْطُ، وَهُوَ الْعَقْدُ مِنْ الْآمِرِ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ لَهُ حُكْمُ الْعَقْدِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ يَتَوَلَّى الْعُقُودَ بِنَفْسِهِ أَمَّا إذَا كَانَ الْحَالِفُ ذَا سُلْطَانٍ كَالْأَمِيرِ وَالْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا لَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْأَمْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ نَفْسَهُ عَمَّا يَعْتَادُهُ فَإِنْ كَانَ الْآمِرُ يُبَاشِرُهُ مَرَّةً وَيُفَوِّضُ أُخْرَى يُعْتَبَرُ الْأَغْلَبُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَطْلَقَ فِي الصُّلْحِ عَنْ مَالٍ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ عَنْ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بَيْعٌ أَمَّا الصُّلْحُ عَنْ إنْكَارٍ فَهُوَ فِدَاءٌ لِلْيَمِينِ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْوَكِيلُ مِنْ جَانِبِهِ سَفِيرًا مَحْضًا فَكَانَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فَعَلَى هَذَا إذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنْ لَا يُصَالِحَ فُلَانًا عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَى أَوْ عَنْ هَذَا الْمَالِ فَوَكَّلَ فِيهِ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ وَكَّلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ عَنْ إقْرَارٍ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ عَنْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ) حَيْثُ قَالَ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ طَالِقٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِلْمُثَنَّى، وَفِي ضَمِّ الثَّالِثِ إلَى الثَّانِي جَعْلُهُ لِلْمَثْنَى؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ هَذِهِ طَالِقٍ أَوْ هَاتَانِ طَالِقٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا قَالَ طَالِقَانِ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ لَا يَصْلُحُ خَبَرًا لِلْمَثْنَى بِخِلَافِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُكَلِّمُ يَصْلُحُ لِلْمَثْنَى، وَلِأَقَلَّ وَلِأَكْثَرَ. اهـ.
وَأَجَابَ فِي النَّهْرِ بِهَذَا عَمَّا أَوْرَدَهُ فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ يُقَالُ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ كَمَا يَصِحُّ عَلَى الْأَحَدِ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ أَوْ هَذِهِ يَصِحُّ عَلَى هَذِهِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ الطَّلَاقُ فِي الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّ التَّرْدِيدَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْأُولَى فَقَطْ وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مَعًا فَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ لِذَلِكَ. اهـ.
وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ ذَكَرَهُ فِي التَّلْوِيحِ بِقَوْلِهِ: وَقِيلَ إنَّهُ لَا يَعْتِقُ أَحَدُهُمْ فِي الْحَالِ وَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالْجَمْعُ بِالْوَاوِ بِمَنْزِلَةِ الْجَمْعِ بِأَلْفٍ التَّثْنِيَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَانِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا أَوْ هَذَا، وَهَذَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْأَوَّلِ أَوْ بِالْأَخِيرَيْنِ جَمِيعًا لَا بِالثَّانِي وَحْدَهُ وَالثَّالِثِ وَحْدَهُ. اهـ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْجَوَابَ الْمَارَّ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُقَدَّرَ قَدْ يُغَايِرُ الْمَذْكُورَ لَفْظًا كَمَا فِي قَوْلِك هِنْدُ جَالِسَةٌ وَزَيْدٌ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَك رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ
قَالَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي مِثْلِ أَعْتَقْت هَذَا أَوْ هَذَا، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّقْدِيرَ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَانِ حُرَّانِ بَلْ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا حُرٌّ، وَهَذَا حُرٌّ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمُقَدَّرُ مِثْلَ الْمَلْفُوظِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَهُ لَوْ كَانَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَفِيهِ كَلَامٌ يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَةِ حَوَاشِيهِ لِحَسَنٍ جَبَلِيٍّ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّزْوِيجِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ]
(بَابُ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتَّزْوِيجِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا) .
(قَوْلُهُ:، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي التَّبْيِينِ) قَرَّرَ فِي النَّهْرِ الضَّابِطَ عَلَى وَجْهٍ دَفَعَ بِهِ الْأَوْلَوِيَّةَ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: وَنَوْعٌ لَا تَتَعَلَّقُ حُقُوقُهُ بِالْآمِرِ) كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَالصَّوَابُ مَا فِي بَعْضِهَا تَتَعَلَّقُ بِدُونِ لَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ عَنْ إقْرَارٍ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ عَنْ إنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لَا يَحْنَثُ) كَذَا فِي عِدَّةٍ مِنْ النُّسَخِ الَّتِي
стр. 1545
إنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ لَا يَحْنَثُ، وَقَيَّدَ بِالصُّلْحِ عَنْ الْمَالِ احْتِرَازًا عَمَّا صَرَّحَ بِهِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَالِحُ رَجُلًا فِي حَقٍّ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ فَوَكَّلَ رَجُلًا فَصَالَحَهُ لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُصَالِحُ فُلَانًا فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَصَالَحَهُ حَنِثَ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ لَا عُهْدَةَ فِيهِ. اهـ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْعِ الثَّانِي الصُّلْحُ اللُّغَوِيُّ بِمَعْنَى عَدَمِ الْعَدَاوَةِ وَالْغَيْظِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ عَقْدٌ بِرَفْعِ النِّزَاعِ الَّذِي هُوَ الصُّلْحُ الْفِقْهِيُّ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي مِنْ فُلَانٍ فَأَسْلَمَ إلَيْهِ فِي ثَوْبٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى مُؤَجَّلًا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي عَبْدَ فُلَانٍ فَآجَرَ بِهِ دَارِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشِرَاءٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا مَعَ أَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ فِي الشِّرَاءِ حَلَّفَهُ السُّلْطَانُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ طَعَامًا لِلْبَيْعِ ثُمَّ اشْتَرَى طَعَامًا لِبَيْتِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَبَاعَهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مَا اشْتَرَى لِلْبَيْعِ، وَهَذَا كَمَنْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَى بَيْتِ وَالِدَتِهَا فَخَرَجَتْ لِلْمَسْجِدِ ثُمَّ زَارَتْ وَالِدَتَهَا لَا يَحْنَثُ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي ثَوْبًا جَدِيدًا فَتَفْسِيرُ الْجَدِيدِ مَا لَا يَنْكَسِرُ حَتَّى يَصِيرَ شَبَهَ الْخَلِقِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَدِيدًا قَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَهُ لَا لِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بَقْلًا فَاشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا مَبْقَلَةٌ قَدْ نَبَتَتْ وَشَرَطَ ذَلِكَ مَعَهَا حَنِثَ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي رُطَبًا وَاشْتَرَى نَخْلًا بِهَا رُطَبٌ وَشَرَطَ ذَلِكَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ فَإِذَا شَرَطَهُ حَتَّى دَخَلَ يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فَصَارَ مُشْتَرِيًا لَهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ دَارِهِ فَأَعْطَاهَا امْرَأَتَهُ فِي صَدَاقِهَا حَنِثَ كَذَا ذَكَرَ هُنَا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى الدَّارِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِبَيْعٍ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى الدَّرَاهِمِ ثُمَّ أَعْطَاهَا عِوَضًا عَنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ. اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي ذَهَبًا، وَلَا فِضَّةً فَاشْتَرَى مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ آنِيَةٍ أَوْ تِبْرٍ أَوْ مَصُوغٍ حِلْيَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَحْنَثُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِلْعُرْفِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي حَدِيدًا فَهُوَ عَلَى مَضْرُوبِهِ، وَإِبَرِهِ سِلَاحًا كَانَ أَوْ غَيْرَ سِلَاحٍ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ الْحَدِيدِ يُسَمَّى بَائِعُهُ حَدَّادًا يَحْنَثُ، وَإِلَّا فَلَا وَبَائِعُ الْإِبَرِ لَا يُسَمَّى حَدَّادًا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي صُفْرًا فَاشْتَرَى طَسْتَ صُفْرٍ أَوْ كُوزًا أَوْ تَوْرًا حَنِثَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ اشْتَرَى فُلُوسًا لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي صُوفًا فَاشْتَرَى شَاةً عَلَى ظَهْرِهَا صُوفٌ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا فَاشْتَرَى شَاةً حَيَّةً لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي دُهْنًا فَهُوَ عَلَى دُهْنٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِادِّهَانِ بِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بَنَفْسَجًا أَوْ لَا يَشُمُّهُ فَهُوَ عَلَى الدُّهْنِ وَالْوَرِقِ، وَأَمَّا الْحِنَّاءُ وَالْوَرْدُ فَهُوَ عَلَى الْوَرِقِ دُونَ الدُّهْنِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بَذْرًا فَاشْتَرَى دُهْنَ بَذْرٍ حَنِثَ، وَإِنْ اشْتَرَى حَبًّا لَمْ يَحْنَثْ. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ اشْتَرَيْت شَيْئًا فَأَنْت طَالِقٌ فَاشْتَرَتْ الْمَاءَ قَالُوا إنْ اشْتَرَتْهُ فِي قِرْبَةٍ أَوْ جَرَّةٍ طَلُقَتْ، وَإِنْ دَفَعَتْ الْجَرَّةَ إلَى السَّقَّاءِ وَخُبْزًا حَتَّى يَحْمِلَ لَهَا الْمَاءَ لَا تَطْلُقُ، وَلَوْ بَاعَ عَبْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَسَلَّمَ إلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ حَلَفَ الْبَائِعُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَهُ مِنْ فُلَانٍ ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَقَالَ الْبَيْعَ، وَقَبِلَ الْبَائِعُ الْإِقَالَةَ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَوَقَعَتْ الْإِقَالَةُ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ حَنِثَ قِيلَ هَذَا قَوْلُهُمَا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَحْنَثُ لِكَوْنِهِ إقَالَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى مَا عُرِفَ. وَلَوْ حَلَفَ وَقَالَ وَاَللَّهِ مَا اشْتَرَيْت الْيَوْمَ شَيْئًا، وَقَدْ كَانَ اشْتَرَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَشْيَاءَ لَكِنْ بِالتَّعَاطِي فَقَدْ قِيلَ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي طَرَفِ الْمَبِيعِ فَقَالَ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ الْخُبْزَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ لِأَجْلِ الْخُبْزِ وَدَفَعَ هُوَ إلَيْهِ الْخُبْزَ لَا يَحْنَثُ وَذَكَرَ فِي شَهَادَاتِ الْقُدُورِيِّ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ فَقَالَ لَا يَسَعُ لِمَنْ عَايَنَ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ يَشْهَدُ عَلَى التَّعَاطِي وَإِلَى هَذَا مَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي قَمِيصًا فَاشْتَرَى قَمِيصًا مُقَطَّعًا غَيْرَ مِخْيَطٍ
ــ
[منحة الخالق]
رَأَيْنَاهَا وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ لَا يَحْنَثُ، وَفِي الثَّانِي حَنِثَ، وَقَدْ وُجِدَ كَذَلِكَ مُصَلَّحًا فِي نُسْخَةٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُصَالِحُ فُلَانًا مِنْ غَيْرِهِ) هَكَذَا فِي عِدَّةِ نُسَخٍ، وَفِي بَعْضِهَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ، وَهِيَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ لَا عُهْدَةَ فِيهِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا حُقُوقَ لَهُ فَيَحْنَثُ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ كَاَلَّذِي لَهُ حُقُوقٌ تَتَعَلَّقُ بِالْآمِرِ (قَوْلُهُ: حَنِثَ فِي الْقَضَاءِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ تَقْيِيدُهُ بِالْقَضَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الدِّيَانَةِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْعِ الثَّانِي إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي النَّهْرِ وَحَمَلَ الثَّانِي فِي الْبَحْرِ عَلَى الصُّلْحِ اللُّغَوِيِّ أَيْ الدَّافِعِ لِلْعَدَاوَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ الْأَوَّلُ عَنْ إقْرَارٍ وَالثَّانِي عَنْ إنْكَارٍ. اهـ.
وَأَقُولُ: كَيْفَ هَذَا مَعَ تَعْلِيلِهِ بِأَنَّ الصُّلْحَ لَا عُهْدَةَ فِيهِ وَالصُّلْحُ عَنْ إنْكَارٍ مُعَاوَضَةٌ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَقٍّ يَدَّعِيهِ أَنَّ الثَّانِيَ لَا فِي حَقٍّ يَدَّعِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِيمَا قَالَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ بَعْدَ تَأَمُّلٌ. اهـ.
قُلْتُ: قَالَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ: وَكَذَا فِي الْخُصُومَةِ حَلَفَ لَا أُصَالِحُ فُلَانًا فَأَمَرَ الْغَيْرَ بِصُلْحِهِ
стр. 1546
لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ قَالَ إنْ بَعَثَ غُلَامِي هَذَا أَحَدًا مِنْ النَّاسِ فَامْرَأَتُهُ كَذَا فَبَاعَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ حَنِثَ، وَكَذَا إذَا قَالَ إنْ أَكَلَ هَذَا الرَّغِيفَ أَحَدٌ فَأَكَلَهُ اثْنَانِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَوَهَبَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بَاعَ جَارِيَتَهُ ثُمَّ قَالَ إنْ دَخَلَتْ هِيَ فِي بَيْعِي فَهِيَ حُرَّةٌ فَإِنْ رَدَّتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ تُعْتِقُ، وَإِلَّا فَلَا حَلَفَ إنْ اشْتَرَاهَا يَحْنَثُ بِالْإِقَالَةِ حَلَفَ لَا يَبِيعُ يَحْنَثُ بِبَيْعِ التَّلْجِئَةِ. اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ يَمِينٍ لَا يَهَبُ نَظَرَ إلَى أَنَّهَا هِبَةٌ ابْتِدَاءً فَيَحْنَثُ وَدَاخِلَةٌ تَحْتَ يَمِينٍ لَا يَبِيعُ نَظَرَ إلَى أَنَّهَا بَيْعٌ انْتِهَاءً فَيَحْنَثُ بِهَا، وَلَوْ قَالَ إنْ آجَرْت دَارِيَ هَذِهِ فَهِيَ صَدَقَةٌ ثُمَّ احْتَاجَ إلَى إجَارَتِهَا فَالْمُخْرِجُ لَهُ عَنْ الْيَمِينِ أَنْ يَبِيعَهَا الْحَالِفُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يُوَكِّلُ الْمُشْتَرِي الْحَالِفَ بِالْإِجَارَةِ فَيُؤَاجِرُهَا بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا فَتَخْرُجُ عَنْ يَمِينِهِ بِالْإِجَارَةِ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي. اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ فِي إجَارَتِهَا لَا يَحْنَثُ فَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَ ضَرْبِ الْوَلَدِ وَضَرْبِ الْغُلَامِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ حَلَفَ لَا يُؤَجِّرُ، وَلَهُ مُسْتَغَلَّاتٌ آجَرَتْهَا امْرَأَتُهُ، وَقَبَضَتْ الْأُجْرَةَ فَأَنْفَقَتْ أَوْ أَعْطَتْهَا زَوْجَهَا لَا يَحْنَثُ وَتَرَكَهَا فِي أَيْدِي السَّاكِنِينَ لَا يَكُونُ إجَارَةً فَلَوْ قَالَ لِلسَّاكِنِينَ اُقْعُدُوا فِي هَذِهِ الْمَنَازِلِ فَهُوَ إجَارَةٌ وَيَحْنَثُ، وَكَذَا إذَا تَقَاضَى مِنْهُمْ أُجْرَةَ شَهْرٍ لَمْ يَسْكُنُوا فِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَنْقَدُوهُ أُجْرَةَ شَهْرٍ قَدْ سَكَنُوا فِيهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِجَارَةٍ اهـ.
قَوْلُهُ (وَمَا يَحْنَثُ بِهِمَا النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ، وَالْخُلْعُ وَالْعِتْقُ، وَالْكِتَابَةُ وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالْقَرْضُ وَالِاسْتِقْرَاضُ وَضَرْبُ الْعَبْدِ، وَالذَّبْحُ وَالْبِنَاءُ وَالْخِيَاطَةُ وَالْإِيدَاعُ وَالِاسْتِيدَاعُ وَالْإِعَارَةُ وَالِاسْتِعَارَةُ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ وَقَبْضُهُ وَالْكِسْوَةُ وَالْحَمْلُ) بَيَانٌ لِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: الْأَوَّلُ مَا تَرْجِعُ حُقُوقُهُ إلَى الْآمِرِ. الثَّانِي مَا لَا حُقُوقَ لَهُ أَصْلًا. الثَّالِثُ مَا كَانَ مِنْ الْأَفْعَال الْحِسِّيَّةِ. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهِمَا عَائِدٌ إلَى الْمُبَاشَرَةِ وَالْأَمْرِ وَفِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ الْوَكِيلِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَوَكَّلَ بِهِ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُزَوِّجَهُ الْوَكِيلُ فَلَوْ قَالَ وَمَا يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ، وَفِعْلِ مَأْمُورِهِ لَكَانَ أَوْلَى، وَفَسَّرَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ الْأَمْرَ بِالتَّوْكِيلِ، وَلَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّوْكِيلِ وَالرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْنَثُ بِالرِّسَالَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اقْتِصَارِهِ عَلَى التَّوْكِيلِ أَنَّ مِنْ هَذَا النَّوْعِ الِاسْتِعْوَاضَ وَالتَّوْكِيلُ بِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا حَنِثَ فِي هَذَا النَّوْعِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ لِمَا أَنَّ غَرَضَ الْحَالِفِ التَّوَقِّي عَنْ حُكْمِ الْعَقْدِ وَحُقُوقِهِ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ بِحُقُوقِهَا فَصَارَ كَمُبَاشَرَتِهِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ وَصَارَ الْوَكِيلُ سَفِيرًا، وَمُعَبِّرًا، وَلِهَذَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَتِهَا إلَى الْآمِرِ، وَمَا كَانَ مِنْ الْأَفْعَالِ حِسِّيًّا كَضَرْبِ الْغُلَامِ وَالذَّبْحِ وَنَحْوِهِمَا مَنْقُولٌ أَيْضًا إلَى الْآمِرِ حَتَّى لَا يَجِبَ الضَّمَانُ عَلَى الْفَاعِلِ فَكَانَ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَيَحْنَثُ، وَقَدْ فَرَّقَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَ ضَرْبِ الْوَلَدِ وَضَرْبِ الْعَبْدِ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ وَلَدَهُ فَضَرَبَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَضَرَبَهُ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ حَنِثَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْفَعَةَ ضَرْبِ الْوَلَدِ عَائِدَةٌ إلَى الْوَلَدِ الْمَضْرُوبِ، وَهِيَ التَّأَدُّبُ وَالتَّثْقِيفُ أَيْ التَّقْوِيمُ وَتَرْكُ الِاعْوِجَاجِ فِي الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْأَخْلَاقِ فَلَمْ يُنْسَبْ فِعْلُ الْمَأْمُورِ إلَى الْآمِرِ وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى الْأَبِ أَيْضًا لَكِنَّ أَصْلَ الْمَنَافِعِ وَحَقِيقَتَهَا إنَّمَا تَرْجِعُ إلَى الْمُتَّصِفِ بِهَا فَلَا مُوجِبَ لِلنَّقْلِ بِخِلَافِ ضَرْبِ الْعَبْدِ فَإِنَّ مَنْفَعَتَهُ رَاجِعَةٌ إلَى الْآمِرِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَهُوَ مَا يَحْصُلُ مِنْ أَدَبِهِ وَانْزِجَارِهِ، وَإِنْ كَانَ نَفْعُهُ يَرْجِعُ إلَى الْعَبْدِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ضَرْبِ الْوَلَدِ حَاصِلٌ لَهُ، وَإِنْ حَصَلَ لِلْأَبِ ضِمْنًا وَالْمَقْصُودُ مِنْ ضَرْبِ الْعَبْدِ حَاصِلٌ لِلْمَوْلَى، وَإِنْ حَصَلَ لِلْعَبْدِ ضِمْنًا فَافْتَرَقَا، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمَا فِي عُرْفِنَا، وَعُرْفِ عَامَّتِنَا فَإِنَّهُ يُقَالُ ضَرَبَ فُلَانٌ الْيَوْمَ، وَلَدَهُ، وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ وَيَقُولُ الْعَامِّيُّ لِوَلَدِهِ غَدًا أَسْقِيك عَلْقَةً ثُمَّ يَذْكُرُ لِمُؤَدِّبِ الْوِلْدَانِ يَضْرِبُهُ فَيَعُدُّ الْأَبُ نَفْسَهُ أَنَّهُ قَدْ حَقَّقَ إيعَادَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكْذِبْ فَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَنْعَقِدَ عَلَى مَعْنَى
ــ
[منحة الخالق]
حَنِثَ فِي الْقَضَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: حَلَفَ إنْ اشْتَرَاهَا يَحْنَثُ بِالْإِقَالَةِ) عَزَاهُ فِي النَّهْرِ إلَى عَقْدِ الْفَوَائِدِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلٌ آخَرُ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا إذَا تَقَاضَى مِنْهُمْ أُجْرَةَ شَهْرٍ لَمْ يَسْكُنُوا فِيهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ تَقَاضِيَ أُجْرَةِ شَهْرٍ لَمْ يَسْكُنُوا فِيهِ لَيْسَ إلَّا الْإِجَارَةَ بِالتَّعَاطِي فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَك أَنْ تَقُولَ إنَّمَا خَصَّهُ لِتُعْلَمَ الرِّسَالَةُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى
стр. 1547
لَا يَقَعُ بِهِ ضَرْبٌ مِنْ جِهَتِي وَيَحْنَثُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِالْوَلَدِ الْوَلَدَ الْكَبِيرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ضَرْبَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ حُرًّا أَجْنَبِيًّا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فَلَا يُعْتَبَرُ أَمْرُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ سُلْطَانًا أَوْ قَاضِيًا؛ لِأَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ ضَرْبَ الْأَحْرَارِ حَدًّا وَتَعْزِيرًا فَمَلَكَا الْأَمْرَ بِهِ، وَأَمَّا الْوَلَدُ الصَّغِيرُ فَكَالْعَبْدِ لِمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ الْحَالِفُ لِأَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ ضَرْبَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ فَيَمْلِكُ التَّفْوِيضَ إلَى غَيْرِهِ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي وَالسُّلْطَانِ. اهـ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ فِي الْفَتَاوَى؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ أَعَمُّ مِنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَلَمْ يُخَصَّصْ بِالْكَبِيرِ فِي الرِّوَايَاتِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا يَضْرِبُهَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ حَتَّى ضَرَبَهَا فَقَدْ قِيلَ إنَّهَا نَظِيرُ الْعَبْدِ فَيَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَقِيلَ إنَّهَا نَظِيرُ الْوَلَدِ فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ. اهـ.
وَلَمْ يُرَجِّحْ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الْمَنْفَعَةِ تَعُودُ لَهَا، وَإِنْ حَصَلَتْ لِلزَّوْجِ ضِمْنًا، وَلَوْ نَوَى الْمُبَاشَرَةَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ فِي هَذَا النَّوْعِ قَالُوا فَمَا كَانَ مِنْ الْحُكْمِيَّاتِ كَالتَّزَوُّجِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، وَمَا كَانَ مِنْ الْحِسِّيَّاتِ كَالضَّرْبِ وَالذَّبْحِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ دِيَانَةً، وَقَضَاءً، وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ إلَّا تَكَلُّمًا بِكَلَامٍ يُفْضِي إلَى الْوُقُوعِ، وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ مِثْلُ التَّكَلُّمِ بِهِ وَاللَّفْظُ يَنْتَظِمُهُمَا فَإِذَا نَوَى أَنْ لَا يَلِيَهُ فَقَدْ نَوَى الْخُصُوصَ فِي الْعَامِّ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَمَا كَانَ حِسِّيًّا فَإِنَّهُ يُعْرَفُ بِأَثَرِهِ الْمَحْسُوسِ فِي الْمَحَلِّ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ فَكَانَ فِيهِ حَقِيقَةً، وَالنِّسْبَةُ إلَى الْآمِرِ بِالسَّبَبِ مَجَازٌ فَإِذَا نَوَى الْفِعْلَ بِنَفْسِهِ فَقَدْ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَقَيَّدَ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُزَوِّجُ فُلَانَةَ فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهَا لَا يَحْنَثُ بِخِلَافِ التَّزَوُّجِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَأَلْت نَجْمَ الدِّينِ عَنْ الْفَرْقِ فَقَالَ التَّزْوِيجُ بِأَمْرِهِ لَا يَلْحَقُهُ حُكْمُهُ وَالتَّزَوُّجُ بِأَمْرِهِ يَثْبُتُ حُكْمُهُ لَهُ وَهُوَ الْحِلُّ كَذَا فِي الْفَيْضِ مَعْزِيًّا إلَى مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ، وَفِي الْبَدَائِعِ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ بِنْتِهٍ الصَّغِيرَةَ فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَجَازَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُجِيزِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ ابْنًا لَهُ كَبِيرًا فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهُ ثُمَّ بَلَغَ الِابْنُ فَأَجَازَ أَوْ زَوَّجَهُ رَجُلٌ، وَأَجَازَ الْأَبُ وَرَضِيَ الِابْنُ لَمْ يَحْنَثْ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي قَوْلِهِ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَأَجَازَ بِالْقَوْلِ حَنِثَ وَبِالْفِعْلِ لَا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا إنْ تَزَوَّجْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ فَتَزَوَّجَهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى مَا يُتَصَوَّرُ عَبْدٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ فَزَوَّجَهُ مَوْلَاهُ، وَهُوَ كَارِهٌ لِذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ لَفْظَ النِّكَاحِ وُجِدَ مِنْ الْمَوْلَى، وَلَوْ حَلَفَ رَجُلٌ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأُكْرِهَ عَلَى النِّكَاحِ فَتَزَوَّجَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ لَفْظُ النِّكَاحِ مِنْهُ رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ، وَلَيْسَ لِلدَّارِ أَهْلٌ ثُمَّ سَكَنَهَا قَوْمٌ فَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أَوْ قَالَ لَا أَتَزَوَّجُ مِنْ بَنَاتِ فُلَانٍ، وَلَيْسَ لِفُلَانٍ بِنْتٌ ثُمَّ وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ فَتَزَوَّجَهَا الْحَالِفُ لَا يَحْنَثُ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَمْ تَكُنْ وُلِدَتْ قَبْلَ الْيَمِينِ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بِالْكُوفَةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَالْمَخْرَجُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ الرَّجُلُ وَكِيلًا وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ ثُمَّ يَخْرُجُ الْوَكِيلَانِ وَيَعْقِدَانِ عَقْدَ النِّكَاحِ خَارِجَ الْكُوفَةِ فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَكَانُ الْعَقْدِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً إلَّا عَلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَكَمَّلَ الْقَاضِي عَشَرَةً أَوْ زَادَ الزَّوْجُ بَعْدَ الْعَقْدِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ فِي مَهْرِهَا لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً كَانَتْ وُلِدَتْ بِالْبَصْرَةِ وَنَشَأَتْ بِالْكُوفَةِ يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْمَوْلِدُ دُونَ الْمَنْشَأِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً كَانَ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَهُ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهَا، وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً بِاسْمِك فَهِيَ طَالِقٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً بِهَذَا الِاسْمِ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا طَلُقَتْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ وَرَجَّحَ ابْنُ وَهْبَانَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ النَّفْعَ عَائِدٌ إلَيْهِ بِطَاعَتِهَا لَهُ، وَقِيلَ إنْ حِنْث فَنَظِيرُ الْعَبْدِ وَإِلَّا فَنَظِيرُ الْوَلَدِ قَالَ بَدِيعُ الدِّينِ، وَلَوْ فَصَّلَ هَذَا فِي الْوَلَدِ لَكَانَ حَسَنًا كَذَا فِي الْقُنْيَةِ (قَوْلُهُ: رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ إلَى قَوْلِهِ لَا يَحْنَثُ) هَكَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ مَا ذُكِرَ هُنَا مُوَافِقٌ قَوْلَ مُحَمَّدٍ أَمَّا مَا يُوَافِقُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ مِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ امْرَأَةَ فُلَانٍ، وَلَيْسَ لِفُلَانٍ امْرَأَةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ فُلَانٌ امْرَأَةً، وَكَلَّمَهَا الْحَالِفُ حَنِثَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَفِي الْحُجَّةِ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا اهـ.
стр. 1548
وَالْفَرْقُ أَنَّ فِيمَا تَقَدَّمَ صَارَتْ مُعَرَّفَةً بِكَافِ الْخِطَابِ فَلَا تَدْخُلُ النَّكِرَةُ، وَفِيمَا تَأَخَّرَ لَمْ تَصِرْ مُعَرَّفَةً فَتَدْخُلُ تَحْتَ النَّكِرَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَنَوَى امْرَأَةً بِعَيْنِهَا دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا فِي الْقَضَاءِ، وَلَوْ نَوَى كُوفِيَّةً أَوْ بَصَرِيَّةً لَا يَدِينُ أَصْلًا، وَكَذَا لَوْ نَوَى امْرَأَةً عَوْرَاءَ أَوْ عَمْيَاءَ، وَلَوْ نَوَى عَرَبِيَّةً أَوْ حَبَشِيَّةً دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْجِنْسَ. اهـ. وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَقَعَا بِكَلَامٍ وُجِدَ بَعْدَ الْيَمِينِ أَمَّا إذَا وَقَعَا بِكَلَامٍ وُجِدَ قَبْلَ الْيَمِينِ فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَأَنْت طَالِقٌ ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ فَدَخَلَتْ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا بِكَلَامٍ كَانَ قَبْلَ الْيَمِينِ.
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَ ثُمَّ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالشَّرْطِ ثُمَّ وُجِدَ الشَّرْطُ حَنِثَ، وَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا بِمُضِيِّ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ قَبْلَ الْيَمِينِ لَا يَحْنَثُ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِالْعُنَّةِ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ زُفَرَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُعْتِقَ يُشْتَرَطُ لِلْحِنْثِ وُقُوعُ الْعِتْقِ بِكَلَامٍ وُجِدَ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَلَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ فَعَتَقَ فَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ قَبْلَ الْيَمِينِ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَهُ يَحْنَثُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ فُلَانَةَ الْيَوْمَ، وَفُلَانَةُ أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ مُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا أَوْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا أَبَدًا تَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى صُورَةِ الطَّلَاقِ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ إذَا حَلَفَ لَا يُكَاتِبُهُ فَفَعَلَهُ إنْسَانٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَجَازَهُ حَنِثَ. اهـ.
وَأَمَّا الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ حَلَفَ أَنْ لَا يَهَبَ لِفُلَانٍ فَوَهَبَ هِبَةً غَيْرَ مَقْسُومَةٍ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ الْإِعْمَارُ وَالنَّحْلُ وَالْإِرْسَالُ إلَيْهِ مَعَ رَسُولِهِ وَصُورَةُ الْإِعْمَارِ أَنْ يَقُولَ صَاحِبُ الدَّارِ لِغَيْرِهِ هِيَ لَك مَا دُمْت حَيًّا فَإِذَا مِتَّ رُدَّتْ إلَيَّ، وَكَذَا لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ حَتَّى وَهَبَ حَنِثَ، وَكَذَا لَوْ أَجَازَ هِبَةَ الْفُضُولِيِّ عَبْدَهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لِفُلَانٍ فَوَهَبَ عَلَى عِوَضٍ حَنِثَ، وَلَا يَحْنَثُ بِالصَّدَقَةِ فِي غَيْرِ الْهِبَةِ. اهـ.
وَأَمَّا الْقَرْضُ وَالِاسْتِقْرَاضُ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ حَلَفَ لَا يَسْتَقْرِضُ فَاسْتَقْرَضَ، وَلَمْ يُقْرِضْهُ حَنِثَ، وَأَمَّا الْإِعَارَةُ وَالِاسْتِعَارَةُ فَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يُعِيرُ ثَوْبَهُ فُلَانًا فَبَعَثَ فُلَانٌ، وَكِيلًا إلَى الْحَالِفِ وَاسْتَعَارَهُ فَأَعَارَهُ الْحَالِفُ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَعِيرُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا فَأَرْدَفَهُ فُلَانٌ عَلَى دَابَّتِهِ فَرَدَفَهُ لَا يَحْنَثُ. اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ حَلَفَ لَا يَسْتَعِيرُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا يَنْصَرِفُ إلَى كُلِّ مَوْجُودٍ تَصِحُّ إعَارَتُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ عَيْنًا يَنْتَفِعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ فَإِنْ دَخَلَ دَارَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِيَسْتَقِيَ مِنْ بِئْرِهِ فَاسْتَعَارَ مِنْهُ الرَّشَا وَالدَّلْوَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قِيلَ يَحْنَثُ، وَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ يَدُهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا فِي يَدِ صَاحِبِ الدَّارِ فَلَا يَكُونُ مُسْتَعِيرًا، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِعَارَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ، وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ فِيمَا إذَا أَرْدَفَهُ عَلَى دَابَّتِهِ فَعَلَى قِيَاسِ هَذَا التَّعْلِيلِ إذَا اسْتَعَارَ مِنْهُ الرَّشَا وَالدَّلْوَ مِنْ بِئْرٍ لَيْسَ فِي مِلْكِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَحْنَثُ. اهـ.
وَقَدْ زَادَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ مِنْ هَذَا الْقَسَمِ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ وَالْإِذْنَ فَيَحْنَثُ فِيهِمَا بِالْأَمْرِ أَيْضًا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ الشُّفْعَةَ فَسَكَتَ، وَلَمْ يُخَاصِمْ حَتَّى بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ وَكَّلَ وَكِيلًا بِالتَّسْلِيمِ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَرَآهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ يَصِيرُ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ الْبِكْرُ إذَا حَلَفَتْ أَنْ لَا تَأْذَنَ فِي تَزْوِيجِهَا فَسَكَتَتْ عِنْدَ الِاسْتِئْمَارِ لَا تَحْنَثُ. اهـ.
وَزَادَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ النَّفَقَةَ فَإِذَا حَلَفَ لَا يُنْفِقُ فَوَكَّلَ حَنِثَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الشَّرِكَةَ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَعْمَلُ مَعَ فُلَانٍ فِي قِصَارَةٍ فَفَعَلَ مَعَ شَرِيكِ فُلَانٍ حَنِثَ، وَلَوْ عَمِلَ مَعَ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يَرْجِعُ بِالْعُهْدَةِ عَلَى صَاحِبِهِ وَيَصِيرُ الْحَالِفُ عَامِلًا مَعَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَقْدُ الشَّرِكَةِ نَفْسُهُ لَا يُوجِبُ الْحُقُوقَ أَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ فَلَا يَرْجِعُ بِالْعُهْدَةِ عَلَى الْمَوْلَى فَلَا يَصِيرُ الْحَالِفُ شَرِيكًا لِمَوْلَاهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُشَارِكُ فُلَانًا فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ ثُمَّ خَرَجَا عَنْهَا، وَعَقَدَا عَقْدَ الشَّرِكَةِ ثُمَّ دَخَلَاهَا، وَعَمِلَا فِيهَا إنْ كَانَ الْحَالِفُ نَوَى فِي يَمِينِهِ أَنْ لَا يَعْقِدَ عَقْدَ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1549
الشَّرِكَةِ فِي الْبَلْدَةِ لَا يَحْنَثُ.
وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِشَرِكَةِ فُلَانٍ حَنِثَ، وَإِنْ دَفَعَ أَحَدَهُمَا إلَى صَاحِبِهِ مَالًا مُضَارَبَةً فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ شَرِكَةٌ فِي عُرْفِنَا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُشَارِكُ فُلَانًا فَأَخْرَجَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَرَاهِمَهُ وَاشْتَرَكَا حَنِثَ الْحَالِفُ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُشَارِكُ فُلَانًا فَشَارَكَهُ بِمَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُشَارِكُ فُلَانًا ثُمَّ إنَّ الْحَالِفَ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا بِضَاعَةً، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْلُ فِيهِ بِرَأْيِهِ فَشَارَكَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ الْمَالُ الرَّجُلَ الَّذِي حَلَفَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَرِيكًا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَبْضِعَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الرِّبْحِ فَكَانَ الْعَامِلُ شَرِيكًا لِرَبِّ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْمُسْتَبْضِعِ مُضَارِبٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ لَهُ حَقٌّ فِي الرِّبْحِ فَكَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ شَرِيكًا لِلْمُضَارِبِ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَبْضِعُ حَلَفَ أَنْ لَا يُشَارِكَ أَحَدًا فَدَفَعَ الْمَالَ شَرِيكُهُ بِإِذْنِ الْمُسْتَبْضِعِ لَا يَحْنَثُ رَجُلٌ قَالَ لِأَخِيهِ إنْ شَارَكْتُك فَحَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ ثُمَّ بَدَا لَهُمَا أَنْ يَشْتَرِكَا قَالُوا إنْ كَانَ لِلْحَالِفِ ابْنٌ كَبِيرٌ يَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَ الْحَالِفُ مَالَهُ إلَى ابْنِهِ مُضَارَبَةً وَيَجْعَلُ لِابْنِهِ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الرِّبْحِ وَيَأْذَنُ لِابْنِهِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ ثُمَّ أَنَّ لِلِابْنِ أَنْ يُشَارِكَ عَمَّهُ فَإِذَا فَعَلَ الِابْنُ ذَلِكَ كَانَ لِلِابْنِ مَا شَرَطَ لَهُ الْأَبُ مِنْ الرِّبْحِ وَالْفَاضِلُ عَلَى ذَلِكَ إلَى النِّصْفِ يَكُونُ لِلْأَبِ، وَلَا يَحْنَثُ وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ أَجْنَبِيٌّ فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ إلَى أَنَّ الدَّفْعَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ حَلَفَ لَا يَدْفَعُ إلَى فُلَانٍ مَالَهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَمِنَهُ وَنَقَدَهُ بِضَمَانِهِ فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَنْقَدَهُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ فَصَارَ كَأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحَالَهُ عَلَيْهِ فَأَعْطَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ وَالْكَفَالَةُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَحْنَثُ بِأَدَائِهِ، وَكَذَا إذَا تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِالْأَدَاءِ. اهـ.
ثُمَّ قَالَ: وَفِي النَّوَازِلِ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَكُونِي غَسَلْت هَذِهِ الْقَصْعَةَ فَأَنْت طَالِقٌ فَأَمَرَتْ الْمَرْأَةُ خَادِمَهَا بِغَسْلِ الْقَصْعَةِ فَغَسَلَتْهَا فَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا تَغْسِلُ بِنَفْسِهَا لَا غَيْرُ يَقَعُ الطَّلَاقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهَا أَنَّهَا لَا تَغْسِلُ إلَّا بِخَادِمِهَا، وَعَرَفَ الزَّوْجُ ذَلِكَ لَا يَقَعُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهَا أَنَّهَا تَغْسِلُ بِنَفْسِهَا وَبِخَادِمِهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقَعُ إلَّا إذَا عَنَى الزَّوْجُ الْآمِرَ بِالْغَسْلِ فَلَا يَقَعُ. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ إلَى أَنَّ الْإِعْطَاءَ كَذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالْأَدَاءِ أَوْ أَحَالَهُ فَقَبَضَ بَرَّ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ حَنِثَ اهـ.
وَإِذَا حَنِثَ بِالْأَمْرِ فِي حَلِفِهِ لَا يَقْضِي دَيْنَهُ بَرَّ بِالتَّوْكِيلِ فِي حَلِفِهِ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ، وَكَذَا فِي قَبْضِهِ نَفْيًا، وَإِثْبَاتًا فَإِذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ مِنْ فُلَانٍ حَقَّهُ فَأَخَذَ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ كَفِيلِهِ أَوْ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْمَطْلُوبِ بَرَّ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ وَالْكَفَالَةُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَطْلُوبِ لَمْ يَبَرَّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْحَوَالَةَ وَالْكَفَالَةَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ عَنْهُ شَيْئًا فَكَفَلَ نَفْسَهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِهِ لَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ عَنْهُ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ لَا فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ يُقَالُ كَفَلَ عَنْهُ أَيْ بِمَالِهِ، وَكَفَلَ بِهِ أَيْ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ كَفَلَ عَنْ كَفِيلِهِ بِأَمْرِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مَا كَفَلَ عَنْهُ وَإِنَّمَا كَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ فُلَانًا أَوْ لِفُلَانٍ فَكَفَلَ بِنَفْسِهِ حَنِثَ، وَلَوْ كَفَلَ عَنْهُ بِالْمَالِ لَا يَحْنَثُ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ عَنْ فُلَانٍ فَأَحَالَهُ فُلَانٌ عَلَى الْحَالِفِ لِغَرِيمِهِ إنْ كَانَ لِلْمُحْتَالِ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُحِيلِ يَحْنَثُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ فِي الْحَوَالَةِ مَا فِي الْكَفَالَةِ وَزِيَادَةً؛ لِأَنَّ فِيهَا الْتِزَامًا وَضَمَانًا. اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ حَلَفَ لَا يُوصِي بِوَصِيَّةٍ فَوَهَبَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ شَيْئًا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ لَكِنْ أَعْطَى الشَّرْعُ لَهَا حُكْمَ الْوَصِيَّةِ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ حُكْمِ الْحِنْثِ. اهـ.
وَفِي الْوَاقِعَاتِ حَلَفَ لَا يَأْتَمِنُ فُلَانًا عَلَى شَيْءٍ فَأَرَاهُ دِرْهَمًا، وَقَالَ اُنْظُرْ إلَى هَذَا، وَلَمْ يُفَارِقْهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دَابَّتَهُ، وَقَالَ أَمْسِكْهَا حَتَّى أُصَلِّيَ فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ التَّوْلِيَةَ، وَقَدْ صَارَتْ حَادِثَةَ الْفَتْوَى فَسُئِلَتْ عَنْ قَاضِي الْقُضَاةِ لَوْ حَلَفَ لَا يُوَلِّي فُلَانًا الْقَضَاءَ فَوَكَّلَ مِنْ وَلَّاهُ فَأَجَبْت يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِسْمِ مَا لَا حُقُوقَ لَهُ فَيَحْنَثُ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ.
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1550
(قَوْلُهُ (وَدُخُولُ اللَّامِ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالصِّيَاغَةِ وَالْخِيَاطَةِ وَالْبِنَاءِ كَإِنْ بِعْت لَك ثَوْبًا لِاخْتِصَاصِ الْفِعْلِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ بِأَمْرِهِ كَانَ مِلْكُهُ أَوْ لَا وَعَلَى الدُّخُولِ وَالضَّرْبِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْعَيْنِ كَإِنْ بِعْت ثَوْبًا لَك لِاخْتِصَاصِهَا بِهِ بِأَنْ كَانَ مِلْكَهُ أَمْرَهُ أَوْ لَا) يَعْنِي أَنَّ اللَّامَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِفِعْلٍ قَبْلهَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَلِي اللَّامُ الْفِعْلَ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَفْعُولِ أَوْ تَلِي الْمَفْعُولَ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ إنْ بِعْت لَك ثَوْبًا إنْ اشْتَرَيْت لَك ثَوْبًا إنْ آجَرْت لَك بَيْتًا إنْ صَنَعْت لَك خَاتَمًا إنْ خِطْت لَك ثَوْبًا إنْ بَنَيْت لَك بَيْتًا فَإِنَّ اللَّامَ لِلِاخْتِصَاصِ وَالْوَجْهُ الظَّاهِرُ فِيهَا التَّعْلِيلُ، وَوَجْهُ إفَادَتِهَا الِاخْتِصَاصَ أَنَّهَا تُضِيفُ مُتَعَلِّقَهَا، وَهُوَ الْفِعْلُ لِمَدْخُولِهَا، وَهُوَ كَافُ الْخِطَابِ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ مُخْتَصٌّ بِالْفِعْلِ، وَكَوْنُهُ مُخْتَصًّا بِهِ يُفِيدُ أَنْ لَا يُسْتَفَادَ إطْلَاقُ فِعْلِهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِأَمْرِهِ، وَإِذَا بَاعَ بِأَمْرِهِ كَأَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ مِنْ أَجْلِهِ، وَهِيَ لَامُ التَّعْلِيلِ فَصَارَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْ أَجْلِهِ فَإِذَا دَسَّ الْمُخَاطَبُ ثَوْبَهُ بِلَا عِلْمِهِ فَبَاعَهُ لَمْ يَكُنْ بَاعَهُ مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِالْعِلْمِ بِأَمْرِهِ وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا كَوْنُ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا النِّيَابَةُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَعْنِي مَا إذَا وَقَعَتْ عَقِبَ الْمَفْعُولِ كَإِنْ بِعْت ثَوْبًا لَك فَهِيَ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْضًا، وَهُوَ اخْتِصَاصُ الْعَيْنِ بِالْمُخَاطَبِ، وَهُوَ كَوْنُ الْعَيْنِ مَمْلُوكَةً لِلْمُخَاطَبِ فَيَحْنَثُ إذَا بَاعَ ثَوْبًا مَمْلُوكًا لِلْمُخَاطَبِ سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ يُوجَدُ مَعَ أَمْرِهِ، وَعَدَمِ أَمْرِهِ، وَهُوَ بَيْعُ ثَوْبٍ مُخْتَصٍّ بِالْمُخَاطَبِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ هُنَا أَقْرَبُ إلَى الِاسْمِ الَّذِي هُوَ الثَّوْبُ مِنْهُ لِلْفِعْلِ وَالْقُرْبُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ.
وَأَمَّا الثَّانِي أَعْنِي مَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ لَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ مِثْلُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَضَرْبِ الْغُلَامِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ عَقِبَ الْفِعْلِ أَوْ عَقِبَ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِاخْتِصَاصِ الْعَيْنِ بِالْمُخَاطَبِ نَحْوُ إنْ أَكَلْت لَك طَعَامًا أَوْ طَعَامًا لَك أَوْ شَرِبْت لَك شَرَابًا أَوْ شَرَابًا لَك أَوْ ضَرَبْت لَك غُلَامًا أَوْ غُلَامًا لَك أَوْ دَخَلَتْ لَك دَارًا لَك فَيَحْنَثُ بِدُخُولِ دَارٍ تُنْسَبُ إلَى الْمُخَاطَبِ وَبِأَكْلِ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلْمِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ أَوْ دُونَهُمَا.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ الْأَكْلِ رَجُلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَبِيعُ لِفُلَانٍ ثَوْبًا فَبَاعَ الْحَالِفُ ثَوْبًا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِيُجِيزَ صَاحِبُ الثَّوْبِ حَنِثَ الْحَالِفُ أَجَازَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ بَاعَهُ الْحَالِفُ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بَيْعُهُ لِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ حَانِثًا. اهـ.
فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ لِأَجْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْأَمْرِ بِأَنْ يَقْصِدَ الْحَالِفُ بَيْعَهُ لِأَجْلِ فُلَانٍ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ حِفْظُهُ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ هُنَا يُخَالِفُهُ مَعَ أَنَّهُ هُوَ الْحُكْمُ فَلَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ بِأَنْ كَانَ بِأَمْرِهِ لَكَانَ أَوْلَى إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ كَلَامَهُمْ هُنَا فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَصَارَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْ أَجْلِهِ) زَادَ فِي النَّهْرِ سَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا أَوْ لَا. اهـ.
وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ لِأَجْلِهِ إلَخْ) أَقُولُ: يُؤَيِّدُهُ مَا فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ وَشَرْحِهِ لِلْفَارِسِيِّ رَجُلٌ قَالَ لِزَيْدٍ إنْ بِعْتُ لَك ثَوْبًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَدَفَعَ زَيْدٌ ثَوْبًا إلَى رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى الْحَالِفِ لِيَبِيعَهُ فَدَفَعَهُ الْمَأْمُورُ إلَى الْحَالِفِ، وَقَالَ لَهُ بِعْهُ لِي أَوْ قَالَ بِعْهُ، وَلَمْ يَقُلْ لِزَيْدٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْحَالِفُ أَنَّهُ ثَوْبُ زَيْدٍ فَبَاعَهُ جَاهِلًا بِكَوْنِهِ ثَوْبَ زَيْدٍ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ اللَّامَ فِي بِعْت لَك دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ قَابِلٍ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ الْبَيْعُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لِاخْتِصَاصِ الْفِعْلِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ زَيْدٌ وَوُجُودُ الِاخْتِصَاصِ بِزَيْدٍ إنَّمَا يَكُونُ بِأَمْرِ الْحَالِفِ أَوْ بِعِلْمِ الْحَالِفِ أَنَّهُ بَاعَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ لِزَيْدِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا بَاعَ لِغَيْرِ زَيْدٍ لَا يَكُونُ قَاصِدًا تَمْلِيكَ فِعْلِ الْبَيْعِ مِنْ زَيْدٍ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ مَمْلُوكًا لِزَيْدٍ أَمْ لِغَيْرِهِ وَلِهَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَبِيعَ مَالَ رَجُلٍ آخَرَ تَكُونُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَا عَلَى الْمَالِكِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَالِفَ مَنَعَ نَفْسَهُ بِالْيَمِينِ عَنْ الْتِزَامِ الْحُقُوقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْدٍ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ حَيْثُ بَاعَ بِأَمْرِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ الْإِضَافَةِ إلَيْهِ، وَلِهَذَا يَرْجِعُ بِالْحُقُوقِ عَلَى الرَّسُولِ دُونَ الْمُرْسِلِ. اهـ.
فَقَوْلُهُ وَوُجُودُ الِاخْتِصَاصِ يَزِيدُ إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بَيْعُهُ لِأَجَلِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَمْ لَا وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ فِي التَّعْلِيلِ مِنْ أَنَّهُ صَارَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ مِنْ أَجْلِهِ وَحِينَئِذٍ فَتَصْرِيحُهُمْ هُنَا بِاشْتِرَاطِ الْأَمْرِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا لَوْ دَسَّ الْمُخَاطَبُ ثَوْبَهُ بِلَا عِلْمِ الْحَالِفِ فَبَاعَهُ كَمَا مَرَّ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِلَا أَمْرٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ لِوُجُودِ الْبَيْعِ لِأَجْلِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ وَبِهَذَا تَتَّفِقُ عِبَارَاتُهُمْ وَيَنْدَفِعُ عَنْهَا التَّنَافِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُرَادَ إلَخْ) يُنَافِي هَذِهِ الْإِرَادَةَ تَصْوِيرُ الْمَسْأَلَةِ فِي كَلَامِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ بِتَعْلِيقِ الْعِتْقِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ شَرْطٍ
стр. 1551
وَالطَّلَاقِ، وَكَلَامُ قَاضِي خَانْ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي الْفَتَاوَى أَيْضًا رَجُلٌ قَالَ إنْ بِعْت لَك ثَوْبًا فَعَبْدِي حُرٌّ فَهَذَا عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَوْبًا بِأَمْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَانَ الثَّوْبُ مِلْكًا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ قَالَ إنْ بِعْت ثَوْبًا لَك فَهُوَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَوْبًا مِلْكًا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. اهـ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ غَيْرِهَا بَعِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ الْجَامِعِ وَذَكَرَ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْأَكْلِ عَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَفِي الْمُحِيطِ أَيْضًا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لِفُلَانٍ فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالشِّرَاءِ، وَالْآمِرُ يَنْوِي الشِّرَاءَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ لَهُ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ لِلْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَدَ نَفَاذًا عَلَيْهِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ فَلَا يَقَعُ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. اهـ.
وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَفْعُولَ بِهِ أَوْ لَا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لِفُلَانٍ ثَوْبًا فَأَمَرَهُ فُلَانٌ أَنْ يَشْتَرِيَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ ثَوْبًا فَاشْتَرَاهُ لَا يَحْنَثُ، وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِعَبْدِهِ ثَوْبًا فَاشْتَرَاهُ لَا يَحْنَثُ. اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمَرَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَفْعَلَهُ لِنَفْسِهِ لَا مُطْلَقَ الْأَمْرِ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الضَّرْبَ فَشَمِلَ ضَرْبَ الْغُلَامِ وَضَرْبَ الْوَلَدِ وَوَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ التَّعْبِيرُ بِضَرْبِ الْغُلَامِ فَاخْتَلَفُوا فِي الْغُلَامِ فَذَكَرَ ظَهِيرُ الدِّينِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغُلَامِ الْوَلَدُ دُونَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الْعَبْدِ يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ وَالْوَكَالَةَ فَصَارَ نَظِيرَ الْإِجَارَةِ لَا نَظِيرَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْغُلَامُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَلَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَبْدُ لِلْعُرْفِ؛ وَلِأَنَّ الضَّرْبَ مِمَّا لَا يُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، وَلَا يَلْزَمُ بِهِ فَانْصَرَفَ إلَى الْمَحَلِّ الْمَمْلُوكِ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ صُدِّقَ فِيمَا عَلَيْهِ) أَيْ فَإِنْ نَوَى غَيْرَ مَا هُوَ ظَاهِرٌ كَلَامُهُ صُدِّقَ فِيمَا فِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ دِيَانَةً، وَقَضَاءً بِأَنْ بَاعَ ثَوْبًا مَمْلُوكًا لِلْمُخَاطَبِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَنَوَى بِالِاخْتِصَاصِ الْمِلْكَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَوْلَا نِيَّتَهُ لَمَا حَنِثَ أَوْ بَاعَ ثَوْبًا لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ بِأَمْرِ الْمُخَاطَبِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَنَوَى الِاخْتِصَاصَ بِالْأَمْرِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَوْلَا نِيَّتُهُ لَمَا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَخْفِيفٌ فَيُصَدِّقُهُ الْقَاضِي أَيْضًا قُيِّدَ بِمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى مَا فِيهِ تَخْفِيفٌ كَعَكْسِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ كَلَامَهُ، وَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَهُوَ مُتَّهَمٌ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ الدِّيَانَةِ وَالْقَضَاءِ لَا يَتَأَتَّى فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا مُطَالِبَ لَهَا (قَوْلُهُ: إنْ بِعْته أَوْ ابْتَعْته فَهُوَ حُرٌّ فَعَقَدَ بِالْخِيَارِ) (حَنِثَ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ الْبَيْعُ وَالْمِلْكُ فِيهِ قَائِمٌ فَيَنْزِلُ الْجَزَاءُ، وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ قَدْ وُجِدَ الشَّرْطُ، وَهُوَ الشِّرَاءُ وَالْمِلْكُ قَائِمٌ فِيهِ، وَقَوْلُهُ عَقَدَ بِالْخِيَارِ أَيْ بَاعَ فِي الْأُولَى وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ وَاشْتَرَى فِي الثَّانِيَةِ وَشَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، وَكَوْنُ الْمِلْكِ مَوْجُودًا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّ الْبَائِعَ إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ لَا يَخْرُجُ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِهِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مَمْلُوكٌ
ــ
[منحة الخالق]
كَمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ فِي الْخَانِيَّةِ) الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَذْكُورِ، وَفَاعِلُ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ عَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ خِلَافُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ لَوْ بَاعَ الْحَالِفُ ثَوْبًا لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَكِنَّهُ أَجَازَ الْبَيْعَ فَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَعَلَّلَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ اللَّاحِقَةَ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ، وَمَا فِي الْخَانِيَّةِ جَزَمَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا نَوَى بِالِاخْتِصَاصِ الْمِلْكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي. اهـ.
قَدْ عَلِمْت مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَرْحِ تَلْخِيصِ الْجَامِعِ التَّصْرِيحَ بِمَا يُؤَيِّدُ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ فِي الْخَانِيَّةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَى نِيَّةِ الِاخْتِصَاصِ بِالْمِلْكِ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَ الْمَفْعُولَ بِهِ أَوْ لَا) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ تَمَايُزَ الْأَقْسَامِ أَعْنِي تَارَةً تَدْخُلُ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ عَلَى الْعَيْنِ إنَّمَا يَظْهَرُ بِالتَّصْرِيحِ بِالْمَفْعُولِ فَلَا جَرَمَ صَرَّحَ بِهِ. اهـ.
أَقُولُ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُدَّعَى عَدَمُ اشْتِرَاطٍ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَعْنِي إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ لَا مُطْلَقًا، وَادِّعَاءُ أَنَّ تَمَايُزَ الْأَقْسَامِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقًا فَمَمْنُوعٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ فِيمَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْعَيْنِ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَمَرَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَفْعَلَهُ لِنَفْسِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى التَّوْجِيهِ السَّابِقِ يَعْنِي تَوْجِيهَ كَوْنِهَا لِلتَّعْلِيلِ حِنْثُهُ حَيْثُ كَانَ الشِّرَاءُ لِأَجْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَمْرَهُ بِبَيْعِ مَالِ غَيْرِهِ مُوجِبٌ لِحِنْثِهِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ لَهُ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغُلَامِ الْوَلَدُ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَغَيُّرِ الْغُلَامِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِهِمْ خِلَافًا لِمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ النِّيَابَةَ وَالْكَلَامُ فِيمَا لَا يَحْمِلُهَا كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: وَنَوَى بِالِاخْتِصَاصِ الْمِلْكَ) ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ الْخَانِيَّةِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ
стр. 1552
لِلْمُشْتَرِي عِنْدَهُمَا.
وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَلِأَنَّ هَذَا الْعِتْقَ بِتَعْلِيقِهِ وَالْمُعَلَّقُ كَالْمُنَجَّزِ، وَلَوْ نَجَّزَ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ الْعِتْقَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ سَابِقًا عَلَيْهِ فَكَذَا هَذَا، قَيَّدَ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُهُ بِأَنْ قَالَ إنْ بِعْته فَهُوَ حُرٌّ فَبَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا بِلَا خِيَارٍ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا بَاعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَاتَ مِنْ جِهَتِهِ، وَكَذَا إذَا قَالَ إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ بِالْخِيَارِ لِلْبَائِعٍ لَا يَعْتِقُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ بَائِعِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَسَوَاءٌ أَجَازَ الْبَائِعُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُجِزْ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ إذَا أَجَازَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ مُسْتَنِدٌ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ تَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ ابْتَعْته؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ مَلَكْته فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَا يَعْتِقُ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ، وَهُوَ الْمِلْكُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ عِنْدَهُ كَمَا عُرِفَ فِي بَابِهِ، وَقَيَّدَ بِالتَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ لَوْ كَانَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَبِيعِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إلَّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَكَلُّمُهُ بِالْإِعْتَاقِ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ حَتَّى سَقَطَ خِيَارُهُ، وَإِنَّمَا يَعْتِقُ عَلَى الْقَرِيبِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَلَا مِلْكَ لِلْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، وَالشَّارِعُ إنَّمَا عَلَّقَ عِتْقَهُ بِالْمِلْكِ لَا بِالشِّرَاءِ أَمَّا هُنَا فَالْإِيجَابُ الْمُعَلَّقُ صَارَ مُنَجَّزًا عِنْدَ الشَّرْطِ وَصَارَ قَائِلًا أَنْتَ حُرٌّ فَيَنْفَسِخُ الْخِيَارُ ضَرُورَةً كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا قَالَ إنْ اشْتَرَيْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ هَلْ تَنْحَلُّ يَمِينُهُ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ وَحُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ أَنَّهُ قَالَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ تَنْحَلُّ يَمِينُهُ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا تَنْحَلُّ وَهُوَ الْأَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْيَمِينِ عُرْفًا الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ لَا الشِّرَاءُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ جِهَةِ الْحَالِفِ لَا يَقَعُ إلَّا بِالشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ وَصَارَ تَقْدِيرُ الْمَسْأَلَةِ كَأَنَّهُ قَالَ إنْ اشْتَرَيْتُك لِنَفْسِي فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَاشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ لَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ فَكَذَا هَذَا وَبِهَذَا الْحَرْفِ يَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ اشْتَرَيْت غُلَامًا فَأَنْت طَالِقٌ فَاشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ أَنَّ الْيَمِينَ تَنْحَلُّ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ مِنْ قِبَلِهِ يَقَعُ عَلَى امْرَأَتِهِ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ أَمَّا هُنَا بِخِلَافِهِ. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ بِعْت مِنْك شَيْئًا فَأَنْت حُرَّةٌ ثُمَّ بَاعَهَا نِصْفَهَا مِنْ الزَّوْجِ الَّذِي وُلِدَتْ مِنْهُ أَوْ بَاعَ نِصْفَهَا مِنْ أَبِيهَا لَا يَقَعُ عِتْقُ الْمَوْلَى عَلَيْهَا بِالْيَمِينِ، وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَقَعَ عِتْقُ الْمَوْلَى عَلَيْهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوِلَادَةَ مِنْ الزَّوْجِ وَالنَّسَبِ مِنْ الْأُمِّ مُقَدَّمٌ فَيَقَعُ مَا تَقَدَّمَ سَبَبُهُ أَوَّلًا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت مِنْ هَذِهِ الْجَارِيَةِ شَيْئًا فَهِيَ مُدَبَّرَةٌ ثُمَّ اشْتَرَاهَا هُوَ وَزَوْجُهَا الَّذِي وُلِدَتْ مِنْهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِزَوْجِهَا، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا تَدْبِيرُ الْمُشْتَرِي لِلْمَعْنَى الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ. اهـ.
وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ حَلَفَ بِعِتْقِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى الْبَيْعِ فَبَاعَ بَيْعًا فِيهِ خِيَارٌ لِلْبَائِعٍ أَوْ لِلْمُشْتَرِي لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَحَنِثَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ قَالَ مُحَمَّدٌ سَمِعَتْ أَبَا يُوسُفَ قَالَ فِيمَنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَمَضَتْ مُدَّةُ الثَّلَاثِ وَوَجَبَ الْبَيْعُ يَعْتِقُ، وَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ صَحِيحٌ لِأَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ عِنْدَهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْبَيْعَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْخِيَارُ فَلَا يَصِيرُ مُشْتَرِيًا بِنَفْسِ الْقَبُولِ بَلْ عِنْدَ سُقُوطِ الْخِيَارِ وَالْعَبْدِ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَعْتِقُ وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ خِيَارِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَحْنَثُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ، وَأَصْلٌ فِيهِ أَصْلًا وَهُوَ أَنَّ كُلَّ بَيْعٍ يُوجِبُ الْمِلْكَ أَوْ تَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ يَحْنَثُ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَا بِالْفَاسِدِ وَالْمَوْقُوفِ لَا بِالْبَاطِلِ) أَيْ يَحْنَثُ إذَا عُقِدَ فَاسِدًا أَوْ مَوْقُوفًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ مُجْمَلٌ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ أَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مَا إذَا قَالَ إنْ بِعْتُك فَأَنْت حُرٌّ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1553
فَبَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ أَوْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي غَائِبًا عَنْهُ بِأَمَانَةٍ أَوْ رَهْنٍ يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ بِالْعَقْدِ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ، وَهِيَ مَا إذَا قَالَ إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَكَانَ حَاضِرًا عِنْدَهُ، وَقْتَ الْعَقْدِ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا لَهُ عَقِبَ الْعَقْدِ فَمَلَكَهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فِي بَيْتِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ كَالْمَغْصُوبِ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَمَانَةً أَوْ كَانَ مَضْمُونًا بِغَيْرِهِ كَالرَّهْنِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ قَابِضًا عَقِبَ الْعِتْقِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى عَبْدًا شِرَاءً فَاسِدًا ثُمَّ تَتَارَكَا الْبَيْعَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ شِرَاءً صَحِيحًا قَالَ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ حَنِثَ فِي الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ حَقِيقَةً فَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَارْتَفَعَتْ بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
لَوْ حَلَفَ، وَقَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْت طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا فَاسِدًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا صَحِيحًا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَنْحَلَّ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ مُطْلَقٍ. اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ تَامٌّ لَيْسَ فِي الْمَحَلِّ مَا يُنَافِي انْعِقَادَهُ إلَّا أَنَّهُ تَرَاخَى حُكْمُهُ، وَهُوَ الْمِلْكُ، وَأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى نُقْصَانٍ فِيهِ، وَكَذَا إذَا عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى الْمَاضِي بِأَنْ قَالَ إنْ كُنْت اشْتَرَيْت الْيَوْمَ أَوْ قَالَ إنْ كُنْت بِعْت الْيَوْمَ. اهـ.
وَأَمَّا فِي الْمَوْقُوفِ فَصُورَتُهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ الْبَائِعَ أَنْ يَبِيعَهُ لِشَخْصٍ غَائِبٍ قَبِلَ عَنْهُ فُضُولِيٌّ فَيَعْتِقُ الْعَبْدُ عَلَى الْبَائِعِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِذَا كَانَ الْحَالِفُ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ بِبَيْعِ الْفُضُولِيِّ لَهُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عِنْدَ إجَازَةِ الْبَائِعِ فَيَعْتِقُ الْعَبْدُ، وَفِي التَّبْيِينِ مَا يُخَالِفُهُ، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي أَوْ لَا يَبِيعُ فَاشْتَرَى أَوْ بَاعَ مَوْقُوفًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ، وَأَمَّا بِالْعَقْدِ الْبَاطِلِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ لِانْعِدَامِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ، وَلِانْعِدَامِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَهُوَ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ. وَفِي الْمُحِيطِ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي الْيَوْمَ شَيْئًا فَاشْتَرَى عَبْدًا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ أَوْ اشْتَرَى عَيْنًا لَمْ يَأْمُرْهُ صَاحِبُهُ بِالْبَيْعِ حَنِثَ قَبْلَ إجَازَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ بَيْعٌ حَقِيقَةً لِمَا بَيَّنَّا، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ مَالٌ، وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِدَمٍ أَوْ مَيْتَةٍ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ لِعَدَمِ الْمَالِ بِخِلَافِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُمَا مَالٌ، وَلَوْ اشْتَرَى مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ فِي الْمَحَلِّ مَا يُنَافِي التَّمْلِيكَ وَالتَّمَلُّكَ، وَهُوَ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ فِيهِ تَمْلِيكًا فَلَا يَتَحَقَّقُ بَيْعًا إلَّا أَنَّ فِي الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ يَحْنَثُ إنْ أَجَازَ الْقَاضِي أَوْ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِيَ زَالَ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ فَصْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ وَبِإِجَازَةِ الْمُكَاتَبِ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ فَارْتَفَعَ الْمُنَافِي فَتَمَّ الْعَقْدُ. اهـ.
وَهَذَا إذَا اشْتَرَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَلَوْ اشْتَرَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ هَذَا الْفَصْلَ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَحْنَثُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَحْنَثُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا حَلَفَ لَيَبِيعَنِّ هَذِهِ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ أَوْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ أَوْ هَذَا الْحُرُّ الْمُسْلِمُ فَبَاعَهُمْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَفِي التَّبْيِينِ مَا يُخَالِفُهُ) الْمُخَالَفَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ حَيْثُ صَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّهُ يَحْنَثُ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ قَالَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا عِنْدَ الْإِجَازَةِ كَالنِّكَاحِ وَنَقُولُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْحِلُّ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ الْمَوْقُوفُ لِإِفَادَتِهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْمِلْكُ دُونَ الْحِلِّ، وَلِهَذَا تُجَامِعُهُ الْحُرْمَةُ فَيَحْنَثُ فِيهِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَفِي النِّكَاحِ مِنْ وَقْتِ الْإِجَازَةِ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ جَعَلَ مُقَابِلَهُ رِوَايَةً عَنْ الثَّانِي قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ يَحْنَثُ بِالشِّرَاءِ أَنَّهُ إذَا أَجَازَ صَاحِبُ الْعَبْدِ الْبَيْعَ ظَهَرَ أَنَّ الْعَبْدَ عَتَقَ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ. اهـ.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ خِلَافُهُ بَلْ الظَّاهِرُ حِنْثُهُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ، وَفِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ وَيَحْنَثُ بِالشِّرَاءِ مِنْ فُضُولِيٍّ أَوْ بِخَمْرٍ أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إذْ الذَّاتُ لَا تَخْتَلُّ لِخَلَلٍ فِي الصِّفَةِ قَالَ شَارِحُهُ الْفَارِسِيُّ حَنِثَ لِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ، وَهُوَ ذَاتُ الْبَيْعِ بِوُجُودِ رُكْنِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَفِدْ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ فِي الْأَوَّلِ وَاتِّصَالُ الْمُفْسِدِ بِهِ فِي الثَّانِي وَالْخِيَارُ فِي الثَّالِثِ وَإِفَادَةُ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ صِفَةُ الْبَيْعِ لَا ذَاتِهِ فَإِنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ لَفْظَ الْبَيْعِ لِمُبَادَلَةِ الْمَالِ بِالْمَالِ مَعَ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْأَحْكَامَ، وَلَا الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ، وَمَتَى وُجِدْت الذَّاتُ لَا تَخْتَلُّ لِخَلَلٍ وُجِدَ فِي الصِّفَاتِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي أَوْ لَا يَبِيعُ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَعْنِي إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلَاقِ بِأَنَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَبِيعُ أَوْ لَا أَشْتَرِي أَوْ قَالَ امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ بِعْت أَوْ اشْتَرَيْت فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ. اهـ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ مَا فِي قَوْلِهِ وَفِي التَّبْيِينِ مَا يُخَالِفُهُ فَهُوَ نَقْلٌ لِمَا فِي التَّبْيِينِ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ) كَذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى بِالدَّمِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ اشْتَرَاهُ إلَخْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ.
стр. 1554
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَذَلِكَ فَأَمَّا فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَالْحُرَّةِ فَالْيَمِينُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ فَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْحِلُّ، وَلَا يَثْبُتُ بِالْفَاسِدِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ الْمِلْكُ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِالْفَاسِدِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَا يَصُومُ هُوَ عَلَى الصَّحِيحِ حَتَّى لَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ أَوْ صَامَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْمَاضِي بِأَنْ قَالَ إنْ كُنْت تَزَوَّجْت أَوْ صَلَّيْت أَوْ صُمْت فَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْحِلُّ وَالتَّقَرُّبُ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِخْبَارُ عَنْ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ فَإِنْ عَنَى بِهِ الصَّحِيحَ دِينَ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ النِّكَاحُ الْمَعْنَوِيُّ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَوَهَبَ هِبَةً غَيْرَ مَقْسُومَةٍ حَنِثَ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَعُلِمَ أَنَّ فَاسِدَ الْهِبَةِ كَصَحِيحِهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِجَارَةَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ.
قَوْلُهُ (إنْ لَمْ أَبِعْ فَكَذَا فَأَعْتَقَ أَوْ دَبَّرَ حَنِثَ) يَعْنِي لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَبِعْ هَذَا الْعَبْدَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَأَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ تَحَقَّقَ، وَهُوَ عَدَمُ الْبَيْعِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّيَّةِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَنْعَ وُقُوعِ الْيَأْسِ فِي الْعِتْقِ مُطْلَقًا بَلْ فِي الْعَبْدِ أَمَّا فِي الْأَمَةِ فَجَازَ أَنْ تَرْتَدَّ بَعْدَ الْعِتْقِ فَتُسْبَى فَيَمْلِكُهَا هَذَا الْحَالِفُ فَيَعْتِقُهَا، وَفِي التَّدْبِيرِ مُطْلَقًا لِجَوَازِ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِبَيْعِ الْمُدَبَّرِ أُجِيبَ بِأَنَّ مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ قَالَ لَا تَطْلُقُ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّ مَا فُرِضَ مِنْ الْأُمُورِ الْمَوْهُومَةِ الْوُقُوعِ فَلَا تُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى بَيْعِ هَذَا الْمِلْكِ لَا كُلِّ مِلْكٍ وَأُجِيبَ أَيْضًا عَنْ الْمُدَبَّرِ أَنَّ بَيْعَهُ بَيْعُ قِنٍّ لِانْفِسَاخِ التَّدْبِيرِ بِالْقَضَاءِ فَيَعْتِقُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْعَبْدِ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْلِمًا فَيَجْرِي اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فِيهِ وَالتَّصْحِيحُ.
وَأَشَارَ بِالتَّدْبِيرِ إلَى أَنَّ الِاسْتِيلَادَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُرَادُ بِالتَّدْبِيرِ الْمُطْلَقُ مِنْهُ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْمُقَيَّدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَبِعْك فَأَنْتَ حُرٌّ فَدَبَّرَهُ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا أَنْ يَعْتِقَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا ذَكَرُوهُ، وَكَذَا لَوْ اسْتَوْلَدَهَا، وَأَمَّا إذَا قَالَ إنْ لَمْ أَبِعْك فَأَنْت حُرٌّ فَأَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ التَّعْلِيقُ؛ لِأَنَّ تَنْجِيزَ الْعِتْقِ يَبْطُلُ تَعْلِيقُهُ كَتَنْجِيزِ الثَّلَاثِ يَبْطُلُ تَعْلِيقُهُ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْحِنْثِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَرْعَانِ فِي الْقَاسِمِيَّةِ الْأُوَلُ لَوْ قَالَ لَهَا إنْ لَمْ تَضَعِي هَذَا فِي هَذَا الصَّحْنِ فَأَنْت طَالِقٌ فَكَسَرْته وَقَعَ الطَّلَاقُ الثَّانِي، وَعَزَاهُ إلَى الذَّخِيرَةِ لَوْ قَالَ لَهَا إنْ لَمْ تَذْهَبِي فَتَأْتِي بِهَذَا الْحَمَامِ فَأَنْت طَالِقٌ فَطَارَ الْحَمَامُ وَقَعَ الطَّلَاقُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: قَالَتْ تَزَوَّجْت عَلَيَّ فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ طَلُقَتْ الْمُحَلِّفَةُ) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ الْمَرْأَةُ الَّتِي دَعَتْهُ إلَى الْحَلِفِ، وَكَانَتْ سَبَبًا فِيهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ جَوَابًا فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ غَرَضَهُ إرْضَاؤُهَا، وَهُوَ بِطَلَاقِ غَيْرِهَا فَيَتَقَيَّدُ بِهِ وَجْهُ الظَّاهِرِ عُمُومُ الْكَلَامِ، وَقَدْ زَادَ عَلَى حَرْفِ الْجَوَابِ فَيُجْعَلُ مُبْتَدِئًا، وَقَدْ يَكُونُ غَرَضُهُ إيحَاشَهَا حِينَ اعْتَرَضَتْ عَلَيْهِ فِيمَا أَحَلَّهُ الشَّرْعُ وَمَعَ التَّرَدُّدِ لَا يَصْلُحُ مُقَيَّدًا، وَلَوْ نَوَى غَيْرَهَا يَصْدُقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ وَاخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَشَايِخِ رِوَايَةَ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي جَامِعِ قَاضِي خَانْ وَبِهِ أَخَذَ مَشَايِخُنَا وَذَكَرَ فِي الْغَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الذَّخِيرَةِ الْأَوْلَى تَحْكِيمُ الْحَالِ إنْ كَانَ قَدْ جَرَى بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةً وَخُصُومَةً تَدُلُّ عَلَى غَصْبِهِ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَقَعُ. اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ قِيلَ لَهُ أَلَكَ امْرَأَةٌ غَيْرُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي فَهِيَ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا إنَّك تُرِيدُ أَنْ تَتَزَوَّجَ عَلَيَّ امْرَأَةً أُخْرَى فَقَالَ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةٌ فَهِيَ طَالِقٌ حَيْثُ تَطْلُقُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إذَا أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَالْفَرْقُ هُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ مَا يَحْتَمِلُ الدُّخُولَ تَحْتَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَوْلُهَا إنَّك تَزَوَّجْت عَلَيَّ امْرَأَةً اسْمُ الْمَرْأَةِ يَتَنَاوَلُهَا كَمَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا أَمَّا هُنَا قَوْلُهُ: غَيْرُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَا يَحْتَمِلُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النَّكِرَةَ تَدْخُلُ تَحْتَ النَّكِرَةِ وَالْمَعْرِفَةُ لَا تَدْخُلُ
ــ
[منحة الخالق]
[قَالَ إنْ لَمْ أَبِعْ هَذَا الْعَبْدَ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَأَعْتَقَهُ]
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى بَيْعِ هَذَا الْمِلْكِ) الظَّاهِرُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ لِيَكُونَ جَوَابًا ثَانِيًا وَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِهِ وَأُجِيبَ أَيْضًا عَنْ الْمُدَبَّرِ إلَخْ فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ جَوَابٌ آخَرُ غَيْرُ مَا قَبْلَهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ أَبِعْ هَذَا الْعَبْدَ عُقِدَتْ عَلَى بَيْعِ الْقِنِّ وَبَعْدَ الِانْفِسَاخِ عَادَ قِنًّا كَمَا كَانَ ثُمَّ رَأَيْت فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَوْضَحَ الْجَوَابِ فَقَالَ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ فَسْخِ التَّدْبِيرِ لَا قَبْلَهُ، وَقَبْلَ الْفَسْخِ هُوَ مُدَبَّرٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فَلَمَّا لَمْ يَحْتَمِلْ الْبَيْعَ حِينَئِذٍ وُجِدَ الشَّرْطُ فَنَزَلَ الْجَزَاءُ ثُمَّ إذَا حَصَلَ الْفَسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ. اهـ.
ثُمَّ كَانَ الظَّاهِرُ إبْدَالُ قَوْلِهِ فَيَعْتِقُ بِقَوْلِهِ فَتَطْلُقُ إلَّا أَنْ يُصَوَّرَ بِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى عِتْقِ عَبْدٍ آخَرَ لَا عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ رَأَيْت فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا ذِكْرَ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَجَعْلَهُ جَوَابَيْنِ حَيْثُ قَالَ أَوْ نَقُولُ إنَّ الْحَالِفَ عَقَدَ يَمِينَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَطَارَ الْحَمَامُ وَقَعَ الطَّلَاقُ)
стр. 1555
تَحْتَ النَّكِرَةِ إلَّا فِي الْعَلَمِ وَبَيَانُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ قَالَ إنْ دَخَلَ دَارِي هَذِهِ أَحَدٌ فَكَذَا فَدَخَلَ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَدٌ نَكِرَةٌ وَالْحَالِفُ مَعْرِفَةٌ بِيَاءِ الْإِضَافَةِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ إنْ دَخَلَ دَارَك هَذِهِ أَحَدٌ فَكَذَا فَفَعَلَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ بِكَافِ الْخِطَابِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ أَلْبَسْت هَذَا الْقَمِيصَ أَحَدًا فَكَذَا فَلَبَّسَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً بِالتَّاءِ الَّتِي لِلْمُخَاطَبِ، وَإِنْ أَلْبَسَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الْحَالِفَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ نَكِرَةٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَ النَّكِرَةِ وَلَوْ قَالَ إنْ مَسَّ هَذَا الرَّأْسَ أَحَدٌ، وَأَشَارَ إلَى رَأْسِهِ لَمْ يَدْخُلْ الْحَالِفُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى نَفْسِهِ بِيَاءِ الْإِضَافَةِ؛ لِأَنَّ رَأْسَهُ مُتَّصِلٌ بِهِ خِلْقَةً فَكَانَ أَقْوَى مِنْ إضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ بِيَاءِ الْإِضَافَةِ، وَلَوْ قَالَ إنْ كَلَّمَ غُلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَحَدًا فَعَبْدِي حُرٌّ فَكَلَّمَ الْحَالِفَ، وَهُوَ غُلَامُ الْحَالِفِ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْعِلْمِ فِي مَوْضِعِ النَّكِرَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ الْحَالِفُ عَنْ عُمُومِ النَّكِرَةِ. اهـ. وَتَمَامُ تَعْرِيفَاتِهِ فِي الذَّخِيرَةِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ مَاشِيًا فَإِنْ رَكِبَ أَرَاقَ دَمًا بِخِلَافِ الْخُرُوجِ أَوْ الذَّهَابِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ أَوْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) لِمَا قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْهَدْيِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَالْفَارِقُ الْعُرْفُ، وَعَدَمُهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَلَا بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ مَجَازًا، وَلَا بِالنَّظَرِ إلَى الْغَالِبِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ تُعُورِفَ إيجَابُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ بِهِ فَصَارَ مَجَازًا لُغَوِيًّا حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ مَاشِيًا وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَطُوفَ لِلرُّكْنِ فَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ بَيْتِهِ لَا مِنْ حَيْثُ يَحْرُمُ فَإِنْ كَانَ النَّاذِرُ فِي مَكَّةَ، وَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ النُّسُكَ الَّذِي لَزِمَهُ حَجًّا فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ مِنْ الْحَرَمِ وَيَخْرُجُ إلَى عَرَفَاتٍ مَاشِيًا إلَى أَنْ يَطُوفَ لِلرُّكْنِ، وَإِنْ أَرَادَ إسْقَاطَهُ بِعُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ فَيُحْرِمُ مِنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي ذَهَابِهِ إلَى الْحِلِّ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْهُ مُحْرِمًا وَالْوَجْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ بَلْدَتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مُحْرِمًا مِنْهَا بَلْ هُوَ ذَاهِبٌ إلَى مَحَلِّ الْإِحْرَامِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ أَعْنِي الْمَوَاقِيتَ فِي الْأَصَحِّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ أَنَّ بَغْدَادِيًّا قَالَ إلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ دَمٌ بِرُكُوبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا فِيهِ وَمِثْلُ الْخُرُوجِ السَّفَرُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا الشَّدُّ وَالْهَرْوَلَةُ وَالسَّعْيُ إلَى مَكَّةَ، وَقَيَّدَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِ الْكَعْبَةِ أَوْ مِيزَابِهَا أَوْ أُسْطُوَانَةِ الْبَيْتِ أَوْ إلَى عَرَفَاتٍ، وَمُزْدَلِفَةَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَمَسْأَلَةُ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ قَوْلُهُ: وَقَالَا يَلْزَمُهُ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ تُعُورِفَ بَعْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إيجَابُ النُّسُكِ بِهِ فَقَالَا بِهِ كَمَا تُعُورِفَ بِالْمَشْيِ إلَى الْكَعْبَةِ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ فَشَهِدَا بِنَحْرِهِ بِالْكُوفَةِ لَمْ يَعْتِقْ) ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ قَامَتْ عَلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ، وَهُوَ التَّضْحِيَةُ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ انْتِفَاءُ الْحَجِّ فَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ، وَلَهُمَا أَنَّهَا قَامَتْ عَلَى النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا نَفْيُ الْحَجِّ لَا إثْبَاتُ التَّضْحِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُطَالِبَ لَهَا فَصَارَ كَمَا إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ مِمَّا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ الشَّاهِدِ وَلَكِنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ نَفْيٍ وَنَفْيٍ تَيْسِيرًا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَفْصِلُ فِي النَّفْيِ بَيْنَ أَنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ الشَّاهِدِ فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِهِ أَوْ لَا فَلَا بَلْ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ مُطْلَقًا، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلُ النَّصَارَى وَالرَّجُلُ يَقُولُ وَصَلْت بِهِ ذَلِكَ قُبِلَتْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَبَانَتْ امْرَأَتُهُ، وَلَيْسَ هُوَ إلَّا؛ لِأَنَّهُ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّا نَقُول إنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى أَمْرٍ وُجُودِيٍّ، وَهُوَ السُّكُوتُ؛ لِأَنَّهُ انْضِمَامُ الشَّفَتَيْنِ فَصَارَ كَشُهُودِ الْإِرْثِ إذَا قَالُوا نَشْهَدُ إنَّهُ وَارِثُهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ حَيْثُ يُعْطَى كُلَّ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْإِرْثِ، وَالنَّفْيُ
ــ
[منحة الخالق]
قَالَ فِي النَّهْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَمِينُ الْفَوْرِ، وَإِلَّا فَعَوْدُ الْحَمَامِ بَعْدَ الطَّيَرَانِ مُمْكِنٌ عَقْلًا، وَعَادَةً فَتَدَبَّرْهُ.
[قَالَتْ تَزَوَّجْت عَلَيَّ فَقَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ]
(قَوْلُهُ: إنْ كَلَّمَ غُلَامُ عَبْدِ اللَّهِ) غُلَامُ فَاعِلُ كَلَّمَ وَاحِدًا مَفْعُولُهُ وَضَمِيرُ كَلَّمَ عَائِدٌ عَلَى غُلَامٍ وَالْحَالِفُ مَفْعُولُهُ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى مَا عَادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ كَلَّمَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَاسْمُهُ عَائِدٌ عَلَى الْحَالِفِ، وَفِي غَالِبِ النُّسَخِ بِرَفْعِ أَحَدٍ، وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُهَا إلَّا عَلَى حَذْفِ الضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ فِي قَوْلِهِ، وَهُوَ غُلَامُ الْحَالِفِ.
[قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ]
(قَوْلُهُ: لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) الْفَرْعُ عَلَى مَا فِي الْفَتْحِ لَوْ أَنَّ بَغْدَادِيًّا قَالَ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا فَلَقِيَهُ بِالْكُوفَةِ فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ بَغْدَادَ.
стр. 1556
فِي ضِمْنِهِ وَالْإِرْثُ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ النَّحْرِ، وَأَمَّا مَا فِي الْمَبْسُوطِ مَنْ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ تُقْبَلُ فِي الشُّرُوطِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْت حُرٌّ فَشَهِدَا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا قُبِلَتْ وَيُقْضَى بِعِتْقِهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الشُّرُوطِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهَا قَامَتْ بِأَمْرٍ ثَابِتٍ مُعَايَنٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ خَارِجًا فَيَثْبُتُ النَّفْيُ ضِمْنًا وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبْدَ كَمَا لَا حَقَّ لَهُ فِي التَّضْحِيَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ هِيَ شَرْطُ الْعِتْقِ فَلَمْ تَصِحَّ الشَّهَادَةُ بِهَا كَذَلِكَ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الشَّرْطَ بَلْ عَدَمُ الدُّخُولِ كَعَدَمِ الْحَجِّ فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَمَّا كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مِمَّا هُوَ وَجُودِيٌّ مُتَضَمِّنٌ لِلْمُدَّعَى بِهِ مِنْ النَّفْيِ الْمَجْعُولِ شَرْطًا قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَّعًى بِهِ لِتَضَمُّنِهِ الْمُدَّعَى بِهِ كَذَلِكَ يَجِبُ قَبُولُ شَهَادَةِ التَّضْحِيَةِ الْمُتَضَمَّنَةِ لِنَفْيِ الْمُدَّعَى بِهِ فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀ أَوْجَهٌ. اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: إنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ هُوَ الْخُرُوجُ لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ فَلَهُ حَقُّ الْخُرُوجِ قُلْتُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّهُ الِانْفِصَالُ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ فَإِنْ كَانَ خَارِجًا وَقْتَ الْيَمِينِ وَاسْتَمَرَّ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ، وَلَمْ يَخْرُجْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، وَهُوَ خَارِجُهَا لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَدْخُلَ ثُمَّ يَخْرُجَ كَمَا قَدَّمْنَا فَلَيْسَ عَدَمُ الدُّخُولِ هُوَ الْخُرُوجُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ الْمَقْصُودِ لَا تُقْبَلُ سَوَاءٌ كَانَ نَفْيًا صُورَةً أَوْ مَعْنًى سَوَاءٌ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُ الشَّاهِدِ أَوْ لَا وَسَيَأْتِي تَفَارِيعُهُ فِي الشَّهَادَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ (وَحَنِثَ فِي لَا يَصُومُ بِصَوْمِ سَاعَةٍ بِنِيَّةٍ، وَفَّى صَوْمًا أَوْ يَوْمًا بِيَوْمٍ) لِوُجُودِ الشَّرْطِ فِي الْأَوَّلِ بِإِمْسَاكٍ سَاعَةً إذْ الصَّوْمُ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ، وَأَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَصُومُ صَوْمًا أَوْ لَا يَصُومُ يَوْمًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِإِمْسَاكٍ سَاعَةً؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الصَّوْمُ التَّامُّ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا وَذَلِكَ بِإِنْهَائِهِ إلَى آخَرِ الْيَوْمِ وَالْيَوْمُ صَرِيحٌ فِي تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ بِهِ، وَلَا يُقَالُ الْمَصْدَرُ مَذْكُورٌ بِذِكْرِ الْفِعْلِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَلِفِهِ لَا يَصُومُ، وَلَا يَصُومُ صَوْمًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي الْأَوَّلِ إلَّا بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الثَّابِتُ فِي ضِمْنِ الْفِعْلِ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي غَيْرِ تَحْقِيقِ الْفِعْلِ بِخِلَافِ الصَّرِيحِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارِيٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُطْلَقِ فَيُوجِبُ الْكَمَالَ قَيَّدَ بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيَصُومُ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، وَكَانَ بَعْدَ أَنْ أَكَلَ أَوْ بَعْدَ الزَّوَالَ صَحَّتْ الْيَمِينُ وَطَلُقَتْ فِي الْحَالِ مَعَ أَنَّهُ مَقْرُونٌ بِذِكْرِ الْيَوْمِ، وَلَا كَمَالَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعْتَمِدُ التَّصَوُّرَ، وَالصَّوْمُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْأَكْلُ مُتَصَوَّرٌ كَمَا فِي صُورَةِ النَّاسِي، وَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تُصَلِّ الْيَوْمَ فَأَنْت طَالِقٌ فَحَاضَتْ مِنْ سَاعَتِهَا أَوْ بَعْدَمَا صَلَّتْ رَكْعَةً صَحَّتْ الْيَمِينُ وَطَلُقَتْ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ دَوْرَ الدَّمِ لَا يَمْنَعُ كَمَا فِي الِاسْتِحَاضَةِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْفِعْلِ، وَهُوَ الْمَاءُ غَيْرُ قَائِمٍ أَصْلًا فَلَا يُتَصَوَّرُ بِوَجْهٍ وَاسْتَشْكَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّصَوُّرَ شَرْعًا مُنْتَفٍ، وَكَوْنُهُ مُمْكِنًا فِي صُورَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ صُورَةُ النِّسْيَانِ وَالِاسْتِحَاضَةِ لَا يُفِيدُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ كَانَ فِي صُورَةِ الْحَلِفِ مُسْتَحِيلًا شَرْعًا لَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ إلَّا عَلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ الشَّرْعِيِّينَ أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا يَنْعَقِدَانِ ثُمَّ يَحْنَثُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التُّمُرْتَاشِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ فَهُوَ عَلَى الْجَائِزِ؛ لِأَنَّهُ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْفَاسِدِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ فِي الْمَاضِي وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ حَنَّثَهُ بَعْدَمَا قَالَ ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ يَوْمِهِ لَكِنْ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا نَصُّ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تُصَلِّ الْفَجْرَ غَدًا فَأَنْتِ كَذَا فَحَاضَتْ بُكْرَةً وَنَقَلْنَاهُ عَنْ الْمُنْتَقَى فَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِبَحْثِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهَمَّامِ
ــ
[منحة الخالق]
[قَوْلُهُ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ لَمْ يَحُجَّ الْعَامَ فَشَهِدَا بِنَحْرِهِ بِالْكُوفَةِ]
قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ الرَّمْزِ أَقُولُ: الشَّهَادَةُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ أُوِّلَتْ بِالْخُرُوجِ الَّذِي هُوَ وَجُودِيٌّ صُورَةً، فِي الْحَقِيقَةِ الْمَقْصُودُ أَنَّ الْخُرُوجَ يُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ بِلَا رَيْبٍ بِأَنْ يُشَاهِدَ الْعَبْدُ خَارِجَ الدَّارِ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ فَهِيَ نَفْيٌ مَحْصُورٌ بِخِلَافِ التَّضْحِيَةِ بِالْكُوفَةِ لَيْسَتْ ضِدًّا لِلْحَجِّ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَرَامَةً لَهُ، وَهِيَ جَائِزَةٌ كَمَا قَالُوا فِي الْمَشْرِقِيِّ وَالْمَغْرِبِيَّةِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّوْمُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْأَكْلُ مُتَصَوَّرٌ كَمَا فِي صُورَةِ النَّاسِي) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ تَصَوُّرَهُ فِيمَا إذَا حَلَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي النَّاسِي الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ مَمْنُوعٌ. اهـ.
أَيْ فِي النَّاسِي لِلنِّيَّةِ لَكِنْ قَرَّرَ فِي الذَّخِيرَةِ التَّصَوُّرَ فِي غَيْرِ النَّاسِي فَقَالَ قُلْنَا الصَّوْمُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الْأَكْلِ مُتَصَوَّرٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ شَرَعَ الصَّوْمَ بَعْدَهُمَا لَا يَكُونُ مُسْتَحِيلًا أَلَا تَرَى كَيْفَ شَرَعَهُ بَعْدَ الْأَكْلِ نَاسِيًا، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ مَعَ الْحَيْضِ مُتَصَوَّرٌ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَيْسَ إلَّا دُرُورُ الدَّمِ، وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي شَرْعِيَّةَ الصَّلَاةِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَمَنْ بِمَعْنَاهَا الصَّلَاةُ مَشْرُوعَةٌ وَشَرْطُ إقَامَةِ الدَّلِيلِ مَقَامَ الْمَدْلُولِ التَّصَوُّرُ لَا الْوُجُودُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ. اهـ. مُخَلَّصًا.
وَتَمَامُ الْكَلَامِ مَبْسُوطٌ فِيهَا وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ كَمَا فِي صُورَةِ النَّاسِي تَنْظِيرٌ لَا تَمْثِيلٌ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ فِي النَّهْرِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيَحْصُلُ الْجَوَابُ بِذَلِكَ عَنْ إشْكَالِ ابْنِ الْهُمَامِ أَيْضًا
стр. 1557
وَالْمُرَادُ بِالْبُكْرَةِ، وَقْتُ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا لَا يَخْفَى فَحِينَئِذٍ لَا يَحْنَثُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّوْمِ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنْ جَزَمَ فِي الْمُحِيطِ بِالْحِنْثِ فِيهِمَا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ الْحِنْثَ قِيلَ هَذَا الْجَوَابُ يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا يَسْتَقِيمُ أَصْلُهُ مَسْأَلَةُ الْكُوزِ، وَقِيلَ لَا بَلْ هَذَا الْجَوَابُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ وَذَكَرَ أَبُو الْفَضْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلًا فَقَالَ إنْ كَانَتْ أَطَالَتْ الصَّلَاةَ بِحَيْثُ لَوْلَا إطَالَتُهَا إيَّاهَا أَمْكَنَهَا أَدَاؤُهَا حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا هَذِهِ الْإِطَالَةُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ مَا قُلْنَا إنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَعْتَمِدُ الصِّحَّةَ لَكِنَّهَا تَعْتَمِدُ الْإِمْكَانَ وَالتَّصَوُّرَ، وَأَنَّهُ ثَابِتٌ هَاهُنَا. اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَصُمْ شَهْرًا فَعَبْدِي حُرٌّ لَا يَنْصَرِفُ إلَى شَهْرٍ يَلِيه بَلْ يَنْصَرِفُ إلَى شَهْرٍ فِي عُمُرِهِ بِخِلَافِ إنْ لَمْ أُسَاكِنْك شَهْرًا، وَإِنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ شَهْرًا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيهِ، وَلَا يَحْنَثُ حَتَّى يَتْرُكَهُ شَهْرًا مِنْ حِينِ حَلَفَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّفْيَ مُعْتَبَرٌ بِالْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ تُعْرَفُ بِأَضْدَادِهَا، وَفِي الْإِثْبَاتِ لَوْ قَالَ إنْ صُمْتُ شَهْرًا فَعَبْدِي حُرٌّ تَعَلَّقَ الْحِنْثُ بِصَوْمِ شَهْرٍ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيه فَكَذَلِكَ فِي النَّفْيِ تَعَلَّقَ الْحِنْثُ بِتَرْكِ الصَّوْمِ فِي شَهْرٍ، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيه فَذَكَرَ الْوَقْتَ فِيهِ لِتَقْدِيرِ الصَّوْمِ بِهِ بِخِلَافِ الْمُسَاكَنَةِ وَالضَّرْبِ وَالْإِتْيَانِ وَنَحْوِهِ مَا ذُكِرَ الْوَقْتُ لِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِتَقْدِيرِ الْيَمِينِ فَتَقَيَّدَتْ بِالشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ. وَلَوْ قَالَ إنْ تَرَكْت الصَّوْمَ شَهْرًا يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيه، وَإِنْ صَامَ يَوْمًا قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ قَالَ إنْ تَرَكْت صَوْمَ شَهْرٍ أَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَصُمْ شَهْرًا أَوْ قَالَ إنْ صُمْتُ شَهْرًا انْصَرَفَ إلَى جَمِيعِ الْعُمْرِ وَتَمَامُهُ فِيهِ، وَفِي حِيَلِ الْوَلْوَالِجيَّةِ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يُسَافِرَ، وَلَا يَصُومَ.
(قَوْلُهُ: وَفِي لَا يُصَلِّي بِرَكْعَةٍ وَفِي صَلَاةٍ بِشَفْعٍ) أَيْ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ إذَا صَلَّى رَكْعَةً، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً لَا يَحْنَثُ إلَّا بِصَلَاةِ شَفْعٍ، وَالْقِيَاسُ فِي الْأَوَّلِ أَنْ يَحْنَثَ بِالِافْتِتَاحِ اعْتِبَارًا بِالشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الصَّلَاةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَرْكَانِ الْمُخْتَلِفَةِ فَمَا لَمْ يَأْتِ بِجَمِيعِهَا لَا تُسَمَّى صَلَاةً بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَيَتَكَرَّرُ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَالْمُرَادُ بِهَا الصَّلَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْبُتَيْرَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ فِي الْأُولَى بِأَنَّهُ إذَا سَجَدَ ثُمَّ قَطَعَ حَنِثَ وَيَشْكُلُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ حَلَفَ لَا يُصَلِّي يَقَعُ عَلَى الْجَائِزَةِ فَلَا يَحْنَثُ بِالْفَاسِدَةِ إلَّا إذَا كَانَ الْيَمِينُ فِي الْمَاضِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفَاسِدَةِ أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَيَكُونَ مَا فِي الذَّخِيرَةِ بَيَانًا لَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى صَلَاةً فَاسِدَةً بِأَنْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مَثَلًا لَا يَحْنَثُ اسْتِحْسَانًا.
وَلَوْ نَوَى الْفَاسِدَةَ يَصْدُقُ دِيَانَةً، وَقَضَاءً، وَمَعَ هَذَا يَحْنَثُ بِالصَّحِيحَةِ أَيْضًا إلَى آخِرِهِ فَظَهَرَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَاسِدَةِ بِهِيَ الَّتِي لَا يُوصَفُ مِنْهَا شَيْءٌ بِوَصْفِ الصِّحَّةِ فِي وَقْتٍ بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الشُّرُوعِ غَيْرَ صَحِيحٍ، وَأَوْرَدَ أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ الْقَعْدَةَ، وَلَيْسَتْ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَحْنَثَ بِهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَعْدَةَ مَوْجُودَةٌ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنْ السَّجْدَةِ، وَهَذَا أَوَّلًا مَبْنِيٌّ عَلَى تَوَقُّفِ الْحِنْثِ عَلَى الرَّفْعِ مِنْهَا، وَفِيهِ خِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ تَفَرَّعَ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ وَالْأَوْجَهُ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ لِتَمَامِ حَقِيقَةِ السُّجُودِ بِوَضْعِ بَعْضِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَوْ سَلَّمَ فَلَيْسَتْ تِلْكَ الْقَعْدَةُ هِيَ الرُّكْنُ، وَالْأَرْكَانُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْخَمْسَةُ وَالْقَعْدَةُ رُكْنٌ زَائِدٌ عَلَى مَا تَحَرَّرَ، وَإِنَّمَا وَجَبَ لِلْخَتْمِ فَلَا تُعْتَبَرُ رُكْنًا فِي حَقِّ الْحِنْثِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَرْكَانَ الْأَصْلِيَّةَ ثَلَاثَةٌ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَرُكْنٌ زَائِدٌ، وَالتَّحْرِيمَةُ شَرْطٌ، وَلِذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَقَامَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَلَمْ يَقْرَأْ فَقَدْ قِيلَ لَا يَحْنَثُ وَقَدْ قِيلَ يَحْنَثُ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبُتَيْرَاءِ مَانِعٌ لِصِحَّةِ الرَّكْعَةِ لَوْ فَعَلَتْ وَالْبُتَيْرَاءُ تَصْغِيرٌ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ صَامَ يَوْمًا قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ لَمْ يَحْنَثْ) ؛ لِأَنَّهُ بِصَوْمِهِ الْيَوْمَ لَمْ يَتْرُكْ الصَّوْمَ شَهْرًا فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحِنْثِ، وَهُوَ تَرْكُهُ الصَّوْمَ شَهْرًا.
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْفَاسِدَةِ أَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ إلَخْ) قَالَ تِلْمِيذُهُ فِي الْمِنَحِ أَقُولُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا بَلْ الْجَوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الصَّوْمِ مِنْ أَنَّ قَوْلَ التُّمُرْتَاشِيِّ لَا يُعَارِضُ مَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنْ لَا يَتَوَقَّفَ) أَيْ عَلَى رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ السَّجْدَةِ، وَقَوْلُهُ لِتَمَامِ إلَخْ عِلَّةٌ لِلْأَوْجَهِيَّةِ
стр. 1558
الْبَتْرَاءُ تَأْنِيثُ الْأَبْتَرِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ ثُمَّ صَارَ يُقَالُ لِلنَّاقِصِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى فَرْعٍ مَذْكُورٍ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ صَلَّيْت رَكْعَةً فَأَنْت حُرٌّ فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ تَكَلَّمَ لَا يَعْتِقُ وَلَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَتَقَ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى مَا صَلَّى رَكْعَةً؛ لِأَنَّهَا بُتَيْرَاءُ بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً فَهَلْ يَتَوَقَّفُ حِنْثُهُ عَلَى قُعُودِهِ قَدْرَ التَّشَهُّدِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَالْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ إنْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى مُجَرَّدِ الْفِعْلِ، وَهُوَ إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً لَا يَحْنَثُ قَبْلَ الْقَعْدَةِ، وَإِنْ عَقَدَهَا عَلَى الْفَرْضِ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْمُثْنَى فَكَذَلِكَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَقْعُدَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَتَشَهَّدَ بَعْدَ الْأَرْبَعِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِيهَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي خَلْفَ فُلَانٍ فَأَمَّهُ فُلَانٌ، وَقَامَ الْحَالِفُ عَنْ يَمِينِهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
وَإِنْ نَوَى أَنْ يَكُونَ حَلِفُهُ لَمْ يَدِينَ فِي الْقَضَاءِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ قَالَ لَا أُصَلِّي مَعَك فَصَلَّيَا خَلْفَ إمَامٍ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَشَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَنَوَى أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَجَاءَ قَوْمٌ وَاقْتَدُوا بِهِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ أَمَّهُمْ، وَقَصْدُهُ أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا أَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ دِيَانَةً وَإِنْ أَشْهَدَ الْحَالِفُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ نَفْسِهِ، وَلَا يَؤُمُّ أَحَدًا لَا يَحْنَثُ قَضَاءً وَدِيَانَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى هَذَا الْحَالِفُ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ أَمَّ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْصَرَفَتْ إلَى الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَةِ، وَلَوْ أَمَّهُمْ فِي النَّافِلَةِ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِمَامَةُ فِي النَّوَافِلِ مَنْهِيًّا عَنْهَا، وَذَكَرَ النَّاطِفِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُ إذَا نَوَى أَنْ لَا يَؤُمَّ أَحَدًا فَصَلَّى خَلْفَهُ رَجُلَانِ جَازَتْ صَلَاتُهُمَا، وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ أَنْ يَقْصِدَ الْإِمَامَةَ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ خَلْفَ فُلَانٍ أَوْ قَالَ مَعَ فُلَانٍ فَكَبَّرَ مَعَهُ ثُمَّ أَحْدَثَ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَمَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ فَأَتَمَّ بِصَلَاتِهِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ أَنَّهُ كَبَّرَ مَعَ فُلَانٍ وَنَامَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى حَتَّى فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ تِلْكَ الرَّكْعَةِ ثُمَّ انْتَبَهَ فَاتَّبَعَهُ وَصَلَّى تَمَامَ صَلَاتِهِ مَعَهُ حَنِثَ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ فُلَانٍ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فَقَدَّمَ الْحَالِفَ فَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بِصَلَاةِ فُلَانٍ فَدَخَلَ مَعَهُ فِي الظُّهْرِ فَأَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَمَا صَلَّى ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ فَتَقَدَّمَ الْحَالِفُ فَصَلَّى الْحَالِفُ مَا بَقِيَ وَسَلَّمَ فَقَدْ صَلَّى الظُّهْرَ بِصَلَاةِ فُلَانٍ، وَهُوَ حَانِثٌ، وَكَذَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ مِنْهَا رَكْعَةً وَصَلَّى مَا بَقِيَ فَقَدْ صَلَّى بِصَلَاتِهِ فَيَكُونُ حَانِثًا، وَلَوْ حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ هَذَا الْيَوْمَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِالْجَمَاعَةِ وَيُجَامِعُ امْرَأَتَهُ، وَلَا يَغْتَسِلُ سُئِلَ الْإِمَامُ ابْنُ الْفَضْلِ عَنْ هَذَا فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِالْجَمَاعَةِ ثُمَّ يُجَامِعُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ إنْ عَقَدَ إلَى قَوْلِهِ لَا يَحْنَثُ قَبْلَ الْقَعْدَةِ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى مُجَرَّدِ الْفِعْلِ، وَهُوَ إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً يَحْنَثُ قَبْلَ الْقَعْدَةِ لِمَا ذَكَرْته. اهـ.
وَهَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّهْرِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْعُقْدَةَ رُكْنٌ زَائِدٌ وَجَبَتْ لِلْخَتْمِ فَلَا تُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِمَا ذَكَرْته فَهَذَا اسْتِظْهَارٌ مِنْهُ لِخِلَافِ مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَسَقَطَ مَا قِيلَ إنَّ لَا سَقَطَتْ مِنْ عِبَارَةِ النَّهْرِ، وَقَدْ رَاجَعْت عِبَارَةَ الظَّهِيرِيَّةِ فَرَأَيْتهَا مُوَافِقَةً لِمَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتَشَهَّدَ بَعْدَ الْأَرْبَعِ، وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي الْفَجْرَ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتَشَهَّدَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتَشَهَّدَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ عَقَدَهَا عَلَى الْفَرْضِ إلَخْ) تَوَقَّفَ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ إلَخْ ثُمَّ قَالَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ عَقَدَهَا إلَخْ أَيْ نَوَى بِحَلِفِهِ لَا يُصَلِّي صَلَاةَ خُصُوصِ الْفَرْضِ أَوْ صَرَّحَ بِهِ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ قَالَ لَا أُصَلِّي صَلَاةً مَفْرُوضَةً فَلِهَذَا يَحْنَثُ إذَا صَلَّى مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَلَوْ قَبْلَ الْقُعُودِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ فَوَضَحَ الْفَرْقُ. اهـ. وَيَحْتَاجُ إلَى التَّأَمُّلِ فِي وَجْهِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَشْهَدَ الْحَالِفُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ مَا فِي الْجُمُعَةِ لَا يُعْتَبَرُ الْإِشْهَادُ وَتُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ فَإِذَا لَمْ يَنْوِ إمَامَةَ أَحَدٍ بَلْ نَوَى فِيهَا الصَّلَاةَ لِنَفْسِهِ جَازَتْ الْجُمُعَةُ لَهُ، وَلَهُمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ وَحَنِثَ قَضَاءً لَا دِيَانَةً صَرَّحَ بِهِ الْبَزَّازِيِّ. اهـ.
أَيْ حَنِثَ قَضَاءً أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ، وَعِبَارَةُ الْبَزَّازِيَّةِ، وَلَوْ أَشْهَدَ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ أَنْ يُصَلِّيَ لِنَفْسِهِ لَمْ يَحْنَثْ دِيَانَةً، وَلَا قَضَاءً (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمَّ النَّاسِي فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ لَا يَحْنَثُ إلَخْ) هَذَا النَّقْلُ مَعَ التَّعْلِيلِ يَدْفَعُ مَا بَحَثَهُ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ وَيَنْبَغِي إذَا أَمَّهُمْ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ كَالْأَوَّلِ إنْ أَشْهَدَ صُدِّقَ فِيهِمَا، وَإِلَّا فَفِي الدِّيَانَةِ (قَوْلُهُ: فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِالْجَمَاعَةِ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْيَوْمِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ إلَى الْغُرُوبِ فَكَيْفَ يَبَرُّ بِثَلَاثِ صَلَوَاتٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَشْمَلُ اللَّيْلَةَ بِقَرِينَةِ الْخَمْسِ صَلَوَاتٍ فَمَا الْحَاجَةُ إلَى مُجَامَعَتِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ بِالْجَمَاعَةِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْأَلْغَازِ فَتَأَمَّلْ. اهـ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ
стр. 1559
يَغْتَسِلُ كَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْجَمَاعَةِ وَلَا يَحْنَثُ، وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ، وَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَخَّرْت صَلَاةً عَنْ، وَقْتِهَا، وَقَدْ كَانَ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ خَرَجَ، وَقْتُهَا فَصَلَّاهَا فَقَدْ قِيلَ يَحْنَثُ، وَقَدْ قِيلَ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي بِأَهْلِ هَذَا الْمَسْجِدِ مَا دَامَ فُلَانٌ يُصَلِّي فِيهِ فَمَرِضَ فُلَانٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يُصَلِّ أَوْ كَانَ فُلَانٌ صَحِيحًا فَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ فَصَلَّى الْحَالِفُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَزِيدَ فِيهِ فَصَلَّى فِي مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ بَنَى فُلَانٌ فَزِيدَ فِيهِ فَصَلَّى فِي مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ يَحْنَثُ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ تَرَكْتِ الصَّلَاةَ فَأَنْت طَالِقٌ فَأَخَّرَتْ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ثُمَّ قَضَتْهَا هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَقَعُ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَيْفُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْكَرْمِينِيُّ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الْقَاضِي الْإِمَامُ رُكْنُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ السُّغْدِيُّ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَالْأَظْهَرُ.
رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تُصْبِحِي غَدًا، وَلَمْ تُصَلِّي فَأَنْت طَالِقٌ فَأَصْبَحَتْ وَشَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَفْتَى شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ بِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَأَفْتَى رُكْنُ الْإِسْلَامِ السُّغْدِيُّ ﵀ هُنَا بِالْوُقُوعِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِلَّا بَيَّنَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ قَالَ وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْت الْيَوْمَ يَعْنِي بِجَمَاعَةٍ قَالَ يَصْدُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْت الْيَوْمَ ظُهْرًا يَعْنِي ظُهْرَ أَمْسِ يَصْدُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْت الظُّهْرَ يَعْنِي بِجَمَاعَةٍ قَالَ مُحَمَّدٌ لَمْ يَصْدُقْ عِنْدِي فِي هَذَا، وَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ مَا صَلَّيْت ظُهْرًا يَعْنِي ظُهْرَ مُقِيمٍ يَصْدُقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ صَلَّيْت فَأَنْت حُرٌّ فَقَالَ صَلَّيْت، وَأَنْكَرَ الْمَوْلَى لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ يُمْكِنُ لِغَيْرِهِ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِلَا حَرَجٍ. اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْيَمِينَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ مَسَائِلِهَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَحُجُّ فَهُوَ عَلَى الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ قَالَ الْإِمَامُ الصَّفَّارُ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فَسَدَ الْحَجُّ أَمْ لَا إذَا وَاقَعَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ كَذَا ذَكَرَهُ فِي مَنَاسِكِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَحُجُّ أَوْ لَا يَحُجُّ حَجَّةً لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَةَ رَوَاهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَطُوفَ أَكْثَرَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَعْتَمِرُ أَوْ لَا يَعْتَمِرُ عُمْرَةً لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَيَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ رَوَاهُ بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَإِذَا حَلَفَ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الرُّعَافِ فَرَعَفَ ثُمَّ بَالَ أَوْ بَالَ ثُمَّ رَعَفَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَالْوُضُوءُ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَيَحْنَثُ.
وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَغْتَسِلَ مِنْ امْرَأَتِهِ هَذِهِ مِنْ جَنَابَةٍ فَأَصَابَهَا ثُمَّ أَصَابَ أُخْرَى أَوْ أَصَابَ امْرَأَةً أُخْرَى ثُمَّ أَصَابَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا وَاغْتَسَلَ فَهَذَا اغْتِسَالٌ مِنْهُمَا وَيَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا حَلَفَتْ أَنْ لَا تَغْتَسِلَ مِنْ جِنَايَةٍ أَوْ مِنْ حَيْضٍ فَأَصَابَهَا زَوْجُهَا وَحَاضَتْ وَاغْتَسَلَتْ فَهُوَ اغْتِسَالٌ مِنْهُمَا وَتَحْنَثُ فِي يَمِينِهَا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ قَالَ إنْ اغْتَسَلْت مِنْ زَيْنَبَ فَهِيَ طَالِقٌ، وَإِنْ اغْتَسَلْت مِنْ عَمْرَةَ فَهِيَ طَالِقٌ فَجَامَعَ زَيْنَبَ ثُمَّ جَامَعَ عَمْرَةَ وَاغْتَسَلَ فَهَذَا الِاغْتِسَالُ مِنْهُمَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ إذَا أَجْنَبَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ اغْتَسَلَتْ كَانَ الِاغْتِسَالُ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا رَعَفَ ثُمَّ بَالَ فَالْوُضُوءُ يَكُونُ مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ فَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ إذَا اجْتَمَعَ الْحَدَثَانِ فَالْوُضُوءُ بَعْدَهُمَا يَكُونُ مِنْ الْأَوَّلِ إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ إنْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ بِأَنْ بَالَ ثُمَّ بَالَ أَوْ رَعَفَ ثُمَّ رَعَفَ فَالْوُضُوءُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ فَالْوُضُوءُ يَكُونُ مِنْهُمَا، وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ عَبْدُ الْكَرِيمِ كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْحَدَثَيْنِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الْغِلَظِ وَالْخِفَّةِ، وَمَتَى كَانَ أَحَدُهُمَا أَغْلَظُ
ــ
[منحة الخالق]
وَجْهَهُ أَنَّ يَمِينَهُ بِظَاهِرِهَا مَعْقُودَةٌ عَلَى بَقِيَّةِ النَّهَارِ وَبِذِكْرِهِ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَا يَشْمَلُ اللَّيْلَةَ فَإِذَا جَامَعَ فِي النَّهَارِ وَاغْتَسَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ حِنْثِهِ يَقِينًا بِخِلَافِ مَا إذَا جَامَعَ لَيْلًا وَاغْتَسَلَ فَإِنَّهُ قَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ يَقِينًا عَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي النَّهَارِ لَمْ يُجَامِعْ، وَفِي اللَّيْلِ اغْتَسَلَ، وَقَدْ حَلَفَ أَنَّهُ يُجَامِعُ وَلَا يَغْتَسِلُ، وَلِذَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ يَنْبَغِي؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فَتَأَمَّلْ، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ التَّقْيِيدِ بِالْجَمَاعَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَوَاتِ هُوَ الْمَكْتُوبَاتُ الْخَمْسُ تَأَمَّلْ
стр. 1560
فَالْوُضُوءُ مِنْ أَغْلَظِهِمَا، وَقَدْ وَجَدْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ مِنْهُمَا فَرَجَعْنَا إلَى قَوْلِهِ وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي تَأْسِيسِ النَّظَائِرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ فَاغْتَسَلَتْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ الْغُسْلُ مِنْ الْأَوَّلِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَكُونُ مِنْهُمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَبَسْت مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ فَمَلَكَ قُطْنًا فَغَزَلَتْهُ فَلَبَسَ فَهُوَ هَدْيٌ) أَيْ إنْ لَبَسْت ثَوْبًا مِنْ مَغْزُولِك، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِي حَتَّى تَغْزِلَهُ مِنْ قُطْنٍ مَلَكَهُ يَوْمَ حَلَفَ، وَمَعْنَى الْهَدْيِ التَّصَدُّقُ بِهِ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَيْهَا لَهُمَا أَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمِلْكِ أَوْ مُضَافًا إلَى سَبَبِ الْمِلْكِ، وَلَمْ يُوجَدُ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ وَغَزْلَ الْمَرْأَةِ لَيْسَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ وَلَهُ أَنَّ غَزْلَ الْمَرْأَةِ عَادَةً يَكُونُ مِنْ قُطْنِ الزَّوْجِ وَالْمُعْتَادُ هُوَ الْمُرَادُ وَذَلِكَ سَبَبٌ لِمِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَحْنَثُ إذَا غَزَلَتْ مِنْ قُطْنٍ مَمْلُوكٍ لَهُ وَقْتَ النَّذْرِ؛ لِأَنَّ الْقُطْنَ لَمْ يَصِرْ مَذْكُورًا وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقُطْنُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ الْحَلِفِ فَغَزَلَتْهُ فَلَبِسَهُ فَإِنَّهُ هَدْيٌ بِالْأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْوَاجِبُ فِي دِيَارِنَا أَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَغْزِلُ إلَّا مِنْ كَتَّانِ نَفْسِهَا أَوْ قُطْنِهَا فَلَيْسَ الْغَزْلُ سَبَبًا لِمِلْكِهِ لِلْمَغْزُولِ عَادَةً فَلَا يَسْتَقِيمُ جَوَابُ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ وَنَوَى الْغَزْلَ بِعَيْنِهِ لَا يَحْنَثُ إذَا لَبِسَهُ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لُبْسُ الْغَزْلِ قَبْلَ النَّسْجِ غَيْرَ مُمْكِنٍ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ وَنَوَى شُرْبَ جَمِيعِ الْمِيَاهِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ يُحْمَلُ عَلَى الْمَنْسُوجِ عُرْفًا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى مَا لَا يُتَصَوَّرُ لُبْسُهُ عُرْفًا فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا يُصْنَعُ مِنْهُ مَجَازًا عُرْفًا كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَغَزْلِ أُخْرَى لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمَلْبُوسِ لَيْسَ مِنْ غَزْلِهَا وَبَعْضَ الثَّوْبِ لَا يُسَمَّى ثَوْبًا كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ فُلَانٍ فَلَبِسَ ثَوْبًا بَيْنَ فُلَانٍ وَبَيْنَ آخَرَ لَمْ يَحْنَثْ فَكَذَا هُنَا حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَغَزْلِ غَيْرِهَا حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ خَيْطٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْغَزْلَ لَيْسَ بِاسْمٍ لِشَيْءٍ مُقَدَّرٍ فَالْبَعْضُ مِنْهُ يُسَمَّى غَزْلًا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلٍ فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلٍ، وَقُطْنٍ كَانَ فِي مِلْكِهِ وَقْتَ الْيَمِينِ يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا.
وَفِي الْمُنْتَقَى حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ، وَلَمْ يَقُلْ ثَوْبًا فَلَبِسَ ثَوْبًا زِرُّهُ وَعُرَاهُ مِنْ غَزْلُهَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الزِّرَّ وَالْعِرَاءَ قَبْلَ الشَّدِّ لَا يَصِيرُ مَلْبُوسًا بِلُبْسِ الْقَمِيصِ وَبَعْدَ الشَّدِّ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ صَارَ لَابِسًا؛ لِأَنَّ هَذَا يُسَمَّى شَدًّا وَلَا يُسَمَّى لُبْسًا عُرْفًا، وَفِي اللَّبِنَةِ وَالَزِيقِ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى لَابِسًا لَهُمَا عَرَفَا بِلُبْسِ الثَّوْبِ، وَلَوْ لَبِسَ تِكَّةً مِنْ غَزْلِهَا لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا فِي التِّكَّةِ عُرْفًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَبِسَ تِكَّةً مِنْ حَرِيرٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ مَقْصُودًا سَوَاءٌ صَارَ لَابِسًا أَوْ لَمْ يَصِرْ، وَقَدْ وُجِدَ، وَهَذَا الْمُحَرَّمُ بِالْيَمِينِ اللُّبْسُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَمْ يُكْرَهْ الزِّرُّ وَالْعُرَى مِنْ حَرِيرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ لَابِسًا، وَلَا مُسْتَعْمِلًا وَكَذَا اللَّبِنَةُ وَالَزِيقُ لَا يُكْرَهُ مِنْ الْحَرِيرِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لَهُ تَبَعًا لَا مَقْصُودًا فَصَارَ كَالْإِعْلَامِ، وَلَوْ أَخَذَ الْحَالِفُ خِرْقَةً مِنْ غَزْلِهَا قَدْرَ شِبْرَيْنِ وَوَضَعَهَا عَلَى عَوْرَتِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إذَا رَقَعَ فِي ثَوْبِهِ شِبْرًا حَنِثَ، وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا فَلَمَّا بَلَغَ الذَّيْلُ إلَى السُّرَّةِ، وَلَمْ يُدْخِلْ كُمَّيْهِ وَرِجْلَاهُ بَعْدُ تَحْتَ اللِّحَافِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ نَسْجِ فُلَانٍ فَنَسَجَهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَقَدْ وَجَدْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَخْ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَإِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ مِنْ الرُّعَافِ فَرَعَفَ ثُمَّ بَالَ فَتَوَضَّأَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ بَالَ أَوَّلًا ثُمَّ رَعَفَ وَتَوَضَّأَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَعَلَى ظَاهِرِ الْجَوَابِ يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلٍ فَلَبِسَ ثَوْبًا إلَخْ) هَكَذَا فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ النُّسَخِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَسَقَطَ لَفْظُ فُلَانَةَ أَوْ نَحْوِهِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا لَبِسَ تِكَّةً مِنْ حَرِيرٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ اتِّفَاقًا) قَالَ فِي الْمِنَحِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ نَقْلًا عَنْ التَّتِمَّةِ قَالَ لَا بَأْسَ بِتِكَّةِ الْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ذَكَرَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَكَرَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي أَيْمَانِ الْوَاقِعَاتِ أَنَّهُ يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ رَمْزٌ لِشَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَقَالَ تُكْرَهُ التِّكَّةُ الْمَعْمُولَةُ مِنْ الْإِبْرَيْسَمِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا الْقَلَنْسُوَةُ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ الْعِمَامَةِ وَالْكِيسِ الَّذِي يُعَلَّقُ. اهـ.
وَفِي شَرْحِهِ لِلْقُدُورِيِّ لَا تُكْرَهُ التِّكَّةُ مِنْ الْحَرِيرِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ تُكْرَهُ وَاخْتُلِفَ فِي عَصْبِهِ الْجِرَاحَةَ بِالْحَرِيرِ. اهـ.
إذَا عَلِمْت هَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْجَوَابَ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِشْكَالِ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الْقُنْيَةِ أَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَلَا. اهـ
стр. 1561
غِلْمَانُهُ فَإِنْ كَانَ فُلَانٌ لَمْ يَعْمَلْ بِيَدَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَ عَمِلَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّسْجِ مَا يَفْعَلُهُ بِيَدِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا أَمْكَنَ، وَإِلَّا يُحْمَلْ عَلَى الْمَجَازِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا فَلَبِسَ كِسَاءً مِنْ غَزْلِهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا ثَوْبٌ مِنْ غَزْلِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ الصُّوفِ. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَلَبِسَ ثَوْبًا خِيطَ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ لَبِسَ قَلَنْسُوَةً أَوْ شَبَكَةً مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ يَحْنَثُ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَمَعْنَى مِنْ غَزْلِ الْهَدْيِ هُنَا مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَيْهَا فَإِنْ كَانَ نَذَرَ هَدْيَ شَاةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَإِنَّمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْعُهْدَةِ ذَبْحُهُ فِي الْحَرَمِ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ هُنَاكَ فَلَا يُجْزِئُهُ إهْدَاءُ قِيمَتِهِ، وَقِيلَ فِي إهْدَاءِ قِيمَةِ الشَّاةِ رِوَايَتَانِ فَلَوْ سُرِقَ بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ نَذَرَ ثَوْبًا جَازَ التَّصَدُّقُ فِي مَكَّةَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ، وَلَوْ نَذَرَ إهْدَاءَ مَا لَمْ يَنْقُلْ كَإِهْدَاءِ دَارِ وَنَحْوِهَا فَهُوَ نَذْرٌ بِقِيمَتِهَا. اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ إلَّا بِالتَّصَدُّقِ بِمَكَّةَ مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَوْ الْتَزَمَ التَّصَدُّقُ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ بِمَكَّةَ أَلْغَيْنَا تَعْيِينَهُ الدِّرْهَمَ وَالْمَكَانِ وَالْفَقِيرِ فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْتِزَامٍ بِصِيغَةِ الْهَدْيِ وَبَيْنَهُ بِصِيغَةِ النَّذْرِ.
قَوْلُهُ (لُبْسُ خَاتَمِ ذَهَبٍ أَوْ عِقْدِ لُؤْلُؤٍ لُبْسُ حُلِيٍّ) يَعْنِي لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حُلِيًّا فَلَبِسَ خَاتَمَ ذَهَبٍ أَوْ عِقْدَ لُؤْلُؤٍ حَنِثَ أَمَّا الذَّهَبُ فَلِأَنَّهُ حُلِيٌّ، وَلِهَذَا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ، وَأَمَّا عِقْدُ اللُّؤْلُؤِ فَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمُرَصَّعَ وَغَيْرَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَقَالَ الْإِمَامُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْمُرَصَّعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَحَلَّى بِهِ عُرْفًا إلَّا مُرَصَّعًا، وَمَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْعُرْفِ لَهُمَا أَنَّ اللُّؤْلُؤَ حُلِيٌّ حَقِيقَةً حَتَّى سُمِّيَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] ، وَقِيلَ هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ وَيُفْتَى بِقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ التَّحَلِّيَ بِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ مُعْتَادٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَلِهَذَا اخْتَارَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَأَطْلَقَ الْخَاتِمَ مِنْ الذَّهَبِ فَشَمِلَ مَا لَهُ فَصٌّ، وَمَا لَا فَصَّ لَهُ اتِّفَاقًا وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْحَالِفُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَوْلُهُ (لَا خَاتِمَ فِضَّةٍ) أَيْ لَيْسَ بِحُلِيٍّ عُرْفًا وَلَا شَرْعًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ أُبِيحَ لِلرِّجَالِ مَعَ مَنْعِهِمْ مِنْ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُمْ لِقَصْدِ التَّخَتُّمِ لَا لِقَصْدِ الزِّينَةِ فَلَمْ يَكُنْ حُلِيًّا كَامِلًا فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّينَةُ لَازِمَ وُجُودِهِ لَكِنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ بِهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مَصُوغًا عَلَى هَيْئَةِ خَاتَمِ النِّسَاءِ أَوْ لَا، وَقَيَّدَهُ فِي النِّهَايَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَصُوغًا؛ لِأَنَّ مَا صِيغَ عَلَى هَيْئَةِ خَاتَمِ النِّسَاءِ بِأَنْ كَانَ ذَا فَصٍّ يَحْنَثُ بِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ نَفْيُ كَوْنِهِ حُلِيًّا، وَإِنْ كَانَ زِينَةً. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ لَا بَأْسَ لِلرِّجَالِ بِلُبْسِ اللُّؤْلُؤِ الْخَالِصِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَذَكَرَ الْقَلَانِسِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ أَنَّهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لَيْسَ بِحُلِيٍّ قَبْلَ الصِّيَاغَةِ حَتَّى لَوْ عَلَّقَتْ فِي عُنُقِهَا تِبْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا تَحْنَثُ وَعِنْدَهُمَا. اهـ.
وَقَيَّدَ بِخَاتَمِ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ الْخَلْخَالَ وَالدُّمْلُجَ وَالسِّوَارَ حُلِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا لِلتَّزَيُّنِ فَكَانَ كَامِلًا فِي مَعْنَى الْحُلِيِّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِعِقْدِ اللُّؤْلُؤِ إلَى أَنَّ عِقْدَ الزَّبَرْجَدِ أَوْ الزُّمُرُّدِ كَذَلِكَ فَأَبُو حَنِيفَةَ شَرَطَ التَّرْصِيعَ، وَهُمَا أَطْلَقَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْحُلِيُّ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمَعَ حَلْيٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ كَثَدْيٍ وَثُدِيٍّ، وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ سِلَاحًا، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَقَلَّدَ سَيْفًا أَوْ تُرْسًا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْ السِّلَاحَ، وَلَوْ لَبِسَ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي سِلَاحًا فَاشْتَرَى سِكِّينًا أَوْ حَدِيدًا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ بَائِعَهُ لَا يُسَمَّى بَائِعَ السِّلَاحِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا أَوْ لَا يَشْتَرِي فَيَمِينُهُ عَلَى كُلِّ مَلْبُوسٍ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى مِسْحًا أَوْ بِسَاطًا أَوْ طَنْفَسَةً، وَلَبِسَهَا لَا يَحْنَثُ وَالْمَسْحُ الْحِلْسُ، وَهُوَ الْبِسَاطُ الْمَنْسُوجُ مِنْ شَعْرِ الْمِعْزَى وَالطَّنْفَسَةُ الْبِسَاطُ الْمَحْشُوُّ، وَلَوْ اشْتَرَى فَرْوًا أَوْ لَبِسَ فَرْوًا يَحْنَثُ وَلَوْ اشْتَرَى قَلَنْسُوَةً أَوْ لَبِسَهَا لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا صَغِيرًا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ فُلَانٌ لَمْ يَعْمَلْ بِيَدَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ يَعْمَلُ حَنِثَ) كَذَا فِيمَا رَأَيْنَاهُ مِنْ النُّسَخِ، وَهِيَ مَقْلُوبَةٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ كَانَ فُلَانٌ يَعْمَلُ بِيَدِهِ لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَلْبَسَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ كَانَ فُلَانٌ لَا يَعْمَلُ بِيَدِهِ يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْأَعْمَالُ كُلُّهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: لَا بَأْسَ لِلرِّجَالِ بِلُبْسِ اللُّؤْلُؤِ الْخَالِصِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَجَزَمَ الْحَدَّادِيُّ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ بِحُرْمَةِ اللُّؤْلُؤِ لِلرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ لَكِنَّهُ بِقَوْلِهِمَا أَلْيَقُ.
стр. 1562
يَحْنَثُ هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ قَالُوا أَرَادَ بِهِ أَنْ يَكُونَ إزَارًا أَوْ سَرَاوِيلَ بَلْ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى مِنْدِيلًا يَمْتَخِطُ بِهِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ لَا تَلْبَسَ ثَوْبًا فَتَقَنَّعَتْ بِقِنَاعٍ لَمْ تَحْنَثُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ مِقْدَارَ الْإِزَارِ، وَإِنْ بَلَغَ حَنِثَتْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَلَبِسَ لِفَافَةً لَا يَحْنَثُ، وَعَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْخِمَارِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ إذَا كَانَتْ اللِّفَافَةُ تَبْلُغُ مِقْدَارَ الْإِزَارِ، وَإِنْ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ عِمَامَةً لَوْ لَفَّهَا كَانَتْ إزَارًا أَوْ رِدَاءً فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ، وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ إنَّ اسْمَ الثَّوْبِ لَا يَنْتَظِمُ الْعِمَامَةَ وَالْقَلَنْسُوَةَ وَالْخُفَّ وَذَكَرَ خواهر زاده أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ فِي عَمَائِمِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهَا صَغِيرَةٌ لَا يَجِيءُ مِنْهَا الثَّوْبُ الْكَامِلُ فَأَمَّا فِي عَمَائِمِنَا فَالْجَوَابُ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْهَا الْمِئْزَرُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَمِيصًا فَاتَّزَرَ بِقَمِيصٍ أَوْ ارْتَدَى بِقَمِيصٍ لَا يَحْنَثُ.
وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى لُبْسِ ثَوْبٍ لَا بِعَيْنِهِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ اللُّبْسُ الْمُعْتَادُ، وَإِذَا حَلَفَ عَلَى لُبْسِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ فَعَلَى أَيِّ وَصْفِ لَبِسَهُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَوَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ يُرِيدُ حَمْلَهُ أَوْ عَرْضَهُ عَلَى الْبَيْعِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَبَاءً أَوْ هَذَا الْقَبَاءَ فَوَضَعَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ، وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ بَعْضُهُمْ قَالُوا لَا يَحْنَثُ اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْمَنَاسِكِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا فَعَلَ هَكَذَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْقَبَاءَ قَدْ يُلْبَسُ هَكَذَا، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَحْنَثُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَبَاءً أَوْ هَذَا الْقَبَاءَ فَوَضَعَهُ عَلَى اللِّحَافِ حَالَةَ النَّوْمِ لَا يَحْنَثُ هَكَذَا حَكَى ظَهِيرُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ فَتْوَى عَمِّهِ شَمْسِ الْإِسْلَامِ الْأُوزْجَنْدِيّ اهـ.
قَوْلُهُ (لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ لَا يَنَامُ عَلَى هَذَا الْفِرَاشِ فَجَعَلَ فَوْقَهُ فِرَاشًا آخَرَ فَنَامَ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ فَجَعَلَ فَوْقَهُ سَرِيرًا آخَرَ لَا يَحْنَثُ) بَيَانٌ لِثَلَاثِ مَسَائِلَ الْأُولَى حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ الْمَقْصُودُ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ لَيْسَ بِتَابِعٍ لِلْحَالِفِ فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْحَائِلُ ثِيَابَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ فَلَا يَصِيرُ حَائِلًا، وَلَوْ خَلَعَ ثَوْبَهُ فَبَسَطَهُ وَجَلَسَ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ لِارْتِفَاعِ التَّبَعِيَّةِ الثَّانِيَةُ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى هَذَا الْفِرَاشِ فَجَعَلَ فَوْقَهُ فِرَاشًا آخَرَ فَنَامَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ، وَالشَّيْءُ لَا يَكُونُ تَبَعًا لِمِثْلِهِ فَتَنْقَطِعُ النِّسْبَةُ إلَى الْأَسْفَلِ قَيَّدَ بِكَوْنِ الْفِرَاشِ مُشَارًا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَكَّرَهُ فَحَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ حَنِثَ بِوَضْعِ الْفِرَاشِ عَلَى الْفِرَاشِ؛ لِأَنَّهُ نَامَ عَلَى فِرَاشٍ نَكِرَةٍ الثَّالِثَةُ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ فَجَعَلَ فَوْقَهُ سَرِيرًا آخَرَ لَا يَحْنَثُ هَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ السَّرِيرُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ فَجَعَلَ فَوْقَهُ سَرِيرًا آخَرَ فَجَلَسَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّرِيرُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ نَكِرَةً يَحْنَثُ بِالْجُلُوسِ عَلَى السَّرِيرِ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُنَكَّرَ يَتَنَاوَلُهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَقَيَّدَ بِالسَّرِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى أَلْوَاحِ هَذَا السَّرِيرِ أَوْ أَلْوَاحِ هَذِهِ السَّفِينَةِ فَفَرَشَ عَلَى ذَلِكَ فِرَاشًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنَمْ عَلَى الْأَلْوَاحِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ قَوْلُهُ (وَلَوْ جُعِلَ عَلَى الْفِرَاشِ قِرَامٌ أَوْ عَلَى السَّرِيرِ بِسَاطٌ أَوْ حَصِيرٌ حَنِثَ) ؛ لِأَنَّ الْقِرَامَ تَبَعٌ لِلْفِرَاشِ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ رَقِيقٌ يُجْعَلُ فَوْقَهُ كَالَّتِي فِي عُرْفِنَا الْمُلَاءَةُ أَيْ الْمُلَاءَةُ الْمَجْعُولَةُ فَوْقَ الطَّرَّاحَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ نَامَ عَلَى نَفْسِ الْفِرَاشِ، وَذَكَرَ الشُّمُنِّيُّ أَنَّ الْقِرَامَ بِكَسْرِ الْقَافِ سِتْرٌ فِيهِ رَقْمٌ وَنَقْشٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ يُعَدُّ جَالِسًا عَلَى السَّرِيرِ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ هُوَ الْجُلُوسُ عَلَى مَا يُفْرَشُ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي هَذَا الدُّكَّانِ، وَهَذَا السَّطْحِ إذَا حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَبَسَطَ عَلَيْهِ وَجَلَسَ حَنِثَ، وَلَوْ بَنَى دُكَّانًا فَوْقَ الدُّكَّانِ أَوْ سَطْحًا عَلَى السَّطْحِ انْقَطَعَتْ النِّسْبَةُ عَنْ الْأَسْفَلِ فَلَا يَحْنَثُ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْأَعْلَى، وَلِذَا كُرِهَتْ الصَّلَاةُ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1563
عَلَى سَطْحِ الْكَنِيفِ وَالْإِصْطَبْلِ، وَلَوْ بَنَى عَلَى ذَلِكَ سَطْحًا آخَرَ وَصَلَّى عَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ، وَفِي كَافِي الْحَاكِمِ حَلَفَ لَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ فَمَشَى عَلَيْهَا بِنَعْلٍ أَوْ خُفٍّ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى بِسَاطٍ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ مَشَى عَلَى أَحْجَارٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَرْضِ. اهـ.
وَفِي الْوَاقِعَاتِ حَلَفَ لَا يَنَامُ عَلَى هَذَا الْفِرَاشِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْحَشْوَ وَنَامَ عَلَيْهِ لَا يَحْنَثُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْفِرَاشِ، وَلَوْ رَفَعَ الظِّهَارَةَ وَنَامَ عَلَى الصُّوفِ وَالْحَشْوَ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فِرَاشًا. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ نِمْتُ عَلَى ثَوْبِك فَأَنْت طَالِقٌ فَاتَّكَأَ عَلَى وِسَادَةٍ لَهَا أَوْ وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى مِرْفَقَةٍ لَهَا أَوْ اضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِهَا إنْ وَضَعَ جَنْبَهُ أَوْ أَكْثَرَ بَدَنِهِ عَلَى ثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ نَائِمًا، وَإِنْ اتَّكَأَ عَلَى وِسَادَةٍ أَوْ جَلَسَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ نَائِمًا. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ]
وَالْأَصْلُ هُنَا أَنَّ مَا شَارَكَ الْمَيِّتُ فِيهِ الْحَيَّ يَقَعُ الْيَمِينُ فِيهِ حَالَةَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَمَا اخْتَصَّ بِحَالَةِ الْحَيَاةِ تَقَيَّدَ بِهَا قَوْلُهُ (ضَرَبْتُك، وَكَسَوْتُك، وَكَلَّمْتُك وَدَخَلْت عَلَيْك تَقَيَّدَ بِالْحَيَاةِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ وَالْحَمْلِ وَالْمَسِّ) ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ مُتَّصِلٍ بِالْبَدَنِ، وَالْإِيلَامُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَيِّتِ، وَمَنْ يُعَذَّبُ فِي الْقَبْرِ يُوضَعُ فِيهِ الْحَيَاةُ فِي قَوْلِ الْعَامَّةِ، وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهَا التَّمْلِيكُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَمِنْهُ الْكِسْوَةُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَهُوَ مِنْ الْمَيِّتِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ السِّتْرَ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ وَالدُّخُولُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ الْإِفْهَامُ وَالْمَوْتُ يُنَافِيهِ وَالْمُرَادُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ زِيَارَتُهُ وَبَعْدَ الْمَوْتِ يُزَارُ قَبْرُهُ لَا هُوَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ غَسَلْته فَأَنْت حُرٌّ فَغَسَّلَهُ بَعْدَمَا مَاتَ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ هُوَ الْإِسَالَةُ وَمَعْنَاهُ التَّطْهِيرُ وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ، وَكَذَا الْحَمْلُ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ ﵇ «مَنْ حَمَلَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ» وَالْمَسُّ لِلتَّعْظِيمِ أَوْ لِلشَّفَقَةِ فَيَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يُلِذُّ وَيُؤْلِمُ وَيَغُمُّ وَيَسُرُّ يَقَعُ عَلَى الْحَيَاةِ دُونَ الْمَمَاتِ كَالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَالْجِمَاعِ وَالْكِسْوَةِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ. اهـ.
وَمِثْلُهُ التَّقْبِيلُ إذَا حَلَفَ لَا يُقَبِّلُهَا فَقَبَّلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَحْنَثُ وَتَقْبِيلُهُ ﵊ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بَعْدَمَا أُدْرِجَ فِي الْكَفَنِ مَحْمُولٌ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الشَّفَقَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَقَيَّدَ بِالْكِسْوَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُلْبِسُهُ ثَوْبًا لَا يَتَقَيَّدُ بِالْحَيَاةِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ فَمَدَّ شَعْرَهَا أَوْ خَنَقَهَا أَوْ عَضَّهَا حَنِثَ) ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْإِيلَامُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ حَالَةَ الْمِزَاحِ وَالْغَضَبِ، وَقِيلَ إنَّهُ إنْ كَانَ فِي حَالَةِ الْمِزَاحِ لَا يَحْنَثُ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَصَابَ رَأْسُهُ أَنْفَهَا فِي الْمُلَاعَبَةِ فَأَدْمَاهَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ ضَرْبًا فِي الْمُلَاعَبَةِ كَذَا فِي جَامِعِ قَاضِي خَانْ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَصْدُ فِي الضَّرْبِ لِمَا فِي عِدَّةِ الْفَتَاوَى حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ فَضَرَبَ أَمَته، وَأَصَابَ رَأْسَ امْرَأَتِهِ يَحْنَثُ. اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَجَمَعَ مِائَةَ سَوْطٍ وَضَرَبَهُ مَرَّةً لَا يَحْنَثُ قَالُوا هَذَا إذَا ضَرَبَهُ ضَرْبًا يَتَأَلَّمُ بِهِ أَمَّا إذَا ضَرَبَهُ ضَرْبًا بِحَيْثُ لَا يَتَأَلَّمُ بِهِ لَا يَبَرُّ؛ لِأَنَّهُ صُورَةٌ لَا مَعْنًى وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ لَهُ شُعْبَتَانِ خَمْسِينَ مَرَّةً كُلُّ مَرَّةٍ تَقَعُ الشُّعْبَتَانِ عَلَى بَدَنِهِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَتَا مِائَةَ سَوْطٍ لَمَّا وَقَعَتْ الشُّعْبَتَانِ عَلَى بَدَنِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَإِنْ جَمَعَ الْأَسْوَاطَ جَمِيعًا وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً إنْ ضَرَبَ بِعَرْضِ الْأَسْوَاطِ لَا يَبَرُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ الْأَسْوَاطِ لَمْ تَقَعْ عَلَى بَدَنِهِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْبَعْضُ وَإِنْ ضَرَبَهُ بِرَأْسِ الْأَسْوَاطِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ قَدْ سَوَّى رُءُوسَ الْأَسْوَاطِ قَبْلَ الضَّرْبِ حَتَّى إذَا ضَرَبَهُ ضَرْبًا أَصَابَهُ رَأْسُ كُلِّ سَوْطٍ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَأَمَّا إذَا انْدَسَّ مِنْ الْأَسْوَاطِ شَيْءٌ لَا يَقَعُ بِهِ الْبَرُّ عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ إذَا حَلَفَ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَوَجَأَهُ أَوْ قَرَصَهُ أَوْ مَدَّ شَعْرَهُ أَوْ زَادَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَوْ
ــ
[منحة الخالق]
بَابُ الْيَمِينِ فِي الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) .
(قَوْلُهُ: وَإِنْ ضَرَبَهُ بِرَأْسِ الْأَسْوَاطِ إلَخْ) فِي الْفَتْحِ مِنْ الْمَشَايِخِ مِنْ شَرْطٍ فِيمَا إذَا جَمَعَ بِرُءُوسِ الْأَعْوَادِ وَضَرَبَ بِهَا كَوْنُ كُلِّ عُودٍ بِحَالِ لَوْ ضَرَبَ مُنْفَرِدًا لَأَوْجَعَ الْمَضْرُوبَ وَبَعْضُهُمْ قَالُوا بَلْ يَحْنَثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ أَنْ لَا بُدَّ مِنْ الْأَلَمِ
стр. 1564
عَضَّهُ حَنِثَ، وَلَوْ قَالَ إنْ ضَرَبْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَضَرَبَ أَمَتَهُ فَأَصَابَهَا، ذَكَرَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْقَصْدِ لَا يُعْدِمُ الْفِعْلَ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي الشَّيْخُ ظَهِيرُ الدَّيْن الْمَرْغِينَانِيُّ وَقِيلَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَعَارَفُ وَالزَّوْجُ لَا يَقْصِدُهُ بِيَمِينِهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الْبَقَّالِيُّ فِي فَتَاوَاهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْبَهُ. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَضْرِبَ فُلَانًا فَرَمَاهُ بِحَجَرٍ أَوْ نُشَّابَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا ذَكَرَ فِي النَّوَازِلِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رَمْيٌ، وَلَيْسَ بِضَرْبٍ، وَإِنْ دَفَعَهُ دَفْعًا، وَلَمْ يُوجِعْهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ عَضَّهُ أَوْ خَنَقَهُ أَوْ مَدَّ شَعْرَهُ فَآلَمَهُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ قَالُوا هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَالَةِ الْمِزَاحِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي تِلْكَ الْحَالِ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ غَيْرَهُ فَأَصَابَهُ لَا يَحْنَثُ، وَكَذَا لَوْ نَفَضَ ثَوْبَهُ فَأَصَابَ وَجْهَهُ فَآلَمَهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أَضْرِبْك حَتَّى أَتْرُكَك لَا حَيَّةً، وَلَا مَيِّتَةً قَالَ أَبُو يُوسُفَ هَذَا عَلَى أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ بَرَّ فِي يَمِينِهِ رَجُلٌ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ بِالسِّيَاطِ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ حَتَّى يَقْتُلَهُ فَهُوَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي الضَّرْبِ، وَلَوْ قَالَ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ أَوْ حَتَّى يَسْتَغِيثَ أَوْ حَتَّى يَبْكِيَ فَهَذَا عَلَى حَقِيقَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يَمُوتَ فَهُوَ عَلَى أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ وَيَمُوتَ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ فُلَانًا بِالسَّيْفِ، وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَضَرَبَهُ بِعَرْضِهِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ وَالسَّيْفُ فِي غِمْدِهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ فُلَانًا بِالسَّوْطِ فَلَفَّ السَّوْطَ فِي ثَوْبٍ وَضَرَبَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ضَرْبًا بِالسَّوْطِ، وَلَوْ جَرَحَهُ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ فِي غِمْدِهِ لَكِنْ بَعْدَمَا انْشَقَّ الْغِمْدُ بَرَّ فِي يَمِينِهِ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا بِمِقْبَضِ فَأْسٍ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ بِالْفَأْسِ لَا يَحْنَثُ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ لَمْ أَضْرِبْ وَلَدَك عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يَنْشَقَّ نِصْفَيْنِ فَأَنْت طَالِقٌ فَضَرَبَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَلَمْ يَنْشَقَّ وَالْيَمِينُ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِيَوْمٍ فَمَضَى الْيَوْمُ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ وَجَعَلَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَضْرِبْك حَتَّى تَبُولَ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ.
رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ عَبْدَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ أَحَدٌ عَنْ ضَرْبِهِ فَمَنَعَهُ إنْسَانٌ بَعْدَمَا ضَرَبَهُ خَشَبَةً أَوْ خَشَبَتَيْنِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَضْرِبَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا حَنِثَ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى يَضْرِبَهُ إلَى أَنْ يَطِيبَ قَلْبُهُ فَإِذَا مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ وَضَعْت يَدِي عَلَى جَارِيَتِي فَهِيَ حُرَّةٌ فَضَرَبَهَا قِيلَ إنْ كَانَتْ الْيَمِينُ لِغَيْرَةِ الْمَرْأَةِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْجَارِيَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْوَضْعُ الَّذِي يَغِيظُهَا وَيَسُوءُهَا وَالْوَضْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَغِيظُهَا، وَلَا يَسُوءُهَا بَلْ يَسُرُّهَا. رَجُلٌ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ فُلَانًا أَلْفَ مَرَّةٍ فَهَذَا عَلَى أَنْ يَضْرِبَهُ مِرَارًا كَثِيرَةً، وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ أَضْرِبْك الْيَوْمَ فَأَنْت طَالِقٌ فَأَرَادَ أَنْ يَضْرِبَهَا فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ إنْ مَسَّ عُضْوُك عُضْوِيِّ فَعَبْدِي حُرٌّ فَضَرَبَهَا الرَّجُلُ بِخَشَبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لَمْ يَحْنَثْ لِفَقْدِ الشَّرْطِ، وَهُوَ مَسُّ عُضْوِهِ عُضْوَهَا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسِّ الْمَذْكُورِ هَاهُنَا الضَّرْبُ عُرْفًا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ إنْ وَضَعْت يَدِي عَلَى جَارِيَتِي، وَلَوْ قَالَتْ إنْ ضَرَبْتنِي فَعَبْدِي حُرٌّ فَالْحِيلَةُ أَنْ تَبِيعَ الْمَرْأَةُ الْعَبْدَ مِمَّنْ تَثِقُ بِهِ ثُمَّ يَضْرِبُهَا الزَّوْجُ ضَرْبًا خَفِيفًا فِي الْيَوْمِ فَيَبَرُّ الزَّوْجُ وَتَنْحَلُّ يَمِينُ الْمَرْأَةِ لَا إلَى جَزَاءِ رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلَّمَا ضَرَبْتُك فَأَنْت طَالِقٌ فَضَرَبَهَا بِكَفِّهِ فَوَقَعَتْ الْأَصَابِعُ مُتَفَرِّقَةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ حَصَلَ بِالْكَفِّ وَالْأَصَابِعُ تَبَعٌ لَهَا، وَإِنْ ضَرَبَهَا بِيَدَيْهِ قِنًّا اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَنْ يَضْرِبَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ عِشْرِينَ سَوْطًا فَإِنَّهُ يَضْرِبُهَا بِعِشْرِينَ شِمْرَاخًا، وَهُوَ السَّعَفُ، وَهُوَ مَا صَغُرَ مِنْ أَغْصَانِ النَّخْلِ، وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَأْتِنِي حَتَّى أَضْرِبَك فَهُوَ عَلَى الْإِتْيَانِ ضَرَبَهُ أَوْ لَمْ يَضْرِبْهُ، وَلَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت فُلَانًا لَأَضْرِبَنَّهُ فَعَلَى التَّرَاخِي إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْفَوْرَ، وَلَوْ قَالَ إنْ رَايَتك فَلَمْ أَضْرِبْك فَرَآهُ الْحَالِفُ، وَهُوَ مَرِيضٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الضَّرْبِ حَنِثَ، وَلَوْ قَالَ إنْ لَقِيتُك فَلَمْ أَضْرِبْك فَرَآهُ مِنْ قَدْرِ مِيلٍ لَمْ يَحْنَثْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ أَقْتُلْ فُلَانًا فَكَذَا، وَهُوَ مَيِّتٌ إنْ عَلِمَ بِهِ حَنِثَ، وَإِلَّا لَا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَرَمَاهُ بِحَجَرٍ أَوْ نُشَّابَةٍ إلَخْ) اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْيَمِينَ إنْ تَعَلَّقَتْ بِصُورَةِ الضَّرْبِ عُرْفًا وَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالْخَنْقِ وَنَحْوِهِ أَوْ مَعْنًى وَجَبَ أَنْ يَحْنَثَ بِالرَّمْيِ بِالْحَجَرِ أَوْ بِهِمَا فَيَحْنَثُ بِالضَّرْبِ مَعَ الْإِيلَامِ مُمَازَحَةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ حُصُولُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الضَّرْبُ لَفْظًا، وَعُرْفًا مِثَالُهُ لَا يَبِيعُ بِعَشَرَةٍ فَبَاعَ بِتِسْعَةٍ أَوْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ لَا يَحْنَثُ إنْ وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ عُرْفًا فِي الْأَقَلِّ لَمْ يُوجَدْ لَفْظًا، وَفِي الْأَكْثَرِ لَوْ وُجِدَ لَفْظًا لَكِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عُرْفًا قَالَ فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ غَيْرُ دَافِعٍ بِقَلِيلٍ تَأَمَّلْ كَذَا فِي النَّهْرِ. (قَوْلُهُ: فَهَذَا عَلَى أَنْ يَضْرِبَهُ مِرَارًا كَثِيرَةً) ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ قُبَيْلَ بَابِ الْيَمِينِ فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ حَلَفَ إنْ لَمْ يُجَامِعْ امْرَأَتَهُ أَلْفَ مَرَّةٍ فَهِيَ طَالِقٌ قَالُوا هَذَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَلَا تَقْدِيرَ فِيهِ وَالسَّبْعُونَ كَثِيرٌ. اهـ. .
стр. 1565
فَقَدْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَهُوَ مُتَصَوَّرٌ فَيَنْعَقِدُ ثُمَّ يَحْنَثُ لِلْعَجْزِ الْعَادِي، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَقَدْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى حَيَاةٍ كَانَتْ فِيهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ فَيَصِيرُ قِيَاسُ مَسْأَلَةِ الْكُوزِ عَلَى الِاخْتِلَافِ، وَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ الْعِلْمُ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا أَلْفَ مَرَّةٍ فَهُوَ عَلَى شِدَّةِ الْقَتْلِ رَجُلٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْتُلَ فُلَانًا بِالْكُوفَةِ فَضَرَبَهُ بِالسَّوَادِ، وَمَاتَ بِالْكُوفَةِ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْتُلَ فُلَانًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَرَحَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَكَانُ الْمَوْتِ وَزَمَانِهِ لَا زَمَانُ الْجُرْحِ، وَمَكَانِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ وَالْجُرْحُ بَعْدَ الْيَمِينِ فَإِنْ كَانَا قَبْلَ الْيَمِينِ فَلَا حِنْثَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَقْتَضِي شَرْطًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي. اهـ.
قَوْلُهُ (مَا دُونَ الشَّهْرِ قَرِيبٌ، وَهُوَ وَمَا فَوْقَهُ بَعِيدٌ) ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الشَّهْرِ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ قَرِيبًا وَالشَّهْرُ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُعَدُّ بَعِيدًا يُقَالُ عِنْدَ بُعْدِ الْعَهْدِ مَا لَقِيتُك مُنْذُ شَهْرٍ فَإِذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ إلَى قَرِيبٍ فَهُوَ مَا دُونَ الشَّهْرِ، وَإِنْ قَالَ إلَى بَعِيدٍ فَهُوَ الشَّهْرُ، وَمَا فَوْقَهُ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إلَى قَرِيبٍ أَوْ إلَى بَعِيدٍ، وَلَفْظُ الْعَاجِلِ وَالسَّرِيعِ كَالْقَرِيبِ وَالْآجِلُ كَالْبَعِيدِ، وَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَأَمَّا إنْ نَوَى بِقَوْلِهِ إلَى قَرِيبٍ، وَإِلَى بَعِيدٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى حَتَّى لَوْ نَوَى سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ فِي الْقَرِيبِ صَحَّتْ، وَكَذَا إلَى آخَرِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخِرَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُصَدَّقَ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعُرْفِ الظَّاهِرِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ قَرِيبًا فَغَابَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَالِفَ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَإِذَا رَفَعَ إلَيْهِ بَرَّ، وَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ انْتَصَبَ نَائِبًا عَنْهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ نَظَرًا لِلْحَالِفِ هُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ مَلِيًّا أَوْ طَوِيلًا إنْ نَوَى شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى شَهْرٍ وَيَوْمٍ. اهـ.
وَفِيهَا مِنْ الْفَصْلِ الْخَامِسِ حَلَفَ لَا يَحْبِسُ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا، وَلَا نِيَّةَ لَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ سَاعَةَ حَلَفَ يُرِيدُ بِهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْإِعْطَاءِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ كَمَا فَرَغَ مِنْ الْيَمِينِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ طَلَبَ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَطْلُبْ، وَإِنْ نَوَى الْحَبْسَ بَعْدَ الطَّلَبِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُدَّةِ كَانَ كَمَا نَوَى، وَإِنْ حَاسَبَهُ، وَأَعْطَاهُ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ لَهُ لَدَيْهِ، وَأَقَرَّ بِهِ لِذَلِكَ الطَّالِبِ ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَقَالَ قَدْ بَقِيَ لِي عِنْدَك كَذَا وَكَذَا مِنْ قَبْلِ كَذَا، وَكَذَا فَتَذَكَّرَ الْمَطْلُوبَ، وَقَدْ كَانَا جَمِيعًا نَسِيَاهُ لَمْ يَحْنَثْ إنْ أَعْطَاهُ سَاعَةَ تَذَكَّرَ.
[قَالَ لَأَقْضِيَنَّ دَيْنَيْ الْيَوْمَ فَقَضَاهُ نَبَهْرَجَةً أَوْ زُيُوفًا أَوْ مُسْتَحَقَّةً]
(قَوْلُهُ: لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ الْيَوْمَ فَقَضَاهُ نَبَهْرَجَةً أَوْ زُيُوفًا أَوْ مُسْتَحَقَّةً بَرَّ، وَلَوْ رَصَاصًا أَوْ سَتُّوقَةً لَا) أَيْ لَا يَبَرُّ؛ لِأَنَّ الزِّيَافَةَ وَالنَّبَهْرَجَةَ عَيْبٌ وَالْعَيْبُ لَا يُعْدِمُ الْجِنْسَ، وَلِهَذَا لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ صَارَ مُسْتَوْفِيًا فَيُوجَدُ شَرْطُ الْبِرِّ، وَقَبْضُ الْمُسْتَحَقَّةِ صَحِيحٌ، وَلَا يَرْتَفِعُ بِرَدِّهِ الْبِرُّ الْمُتَحَقِّقُ. وَإِنْ ارْتَفَعَ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْقَبْضِ لِتَضَرُّرِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِبُطْلَانِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الْجَوْدَةِ وَحْدَهَا، وَلَا اسْتِيفَاءَ الْجِيدِ مَعَ بَقَاءِ الِاسْتِيفَاءِ الْأَوَّلِ فَتَعَيَّنَ النَّقْضُ ضَرُورَةً، وَأَمَّا الرَّصَاصُ وَالسَّتُّوقَةُ فَلَيْسَ هِيَ مِنْ جِنْسِ الدَّرَاهِمِ حَتَّى لَا يَجُوزُ التَّجَوُّزُ بِهِمَا فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَالزُّيُوفُ الرَّدِيءُ مِنْ الدَّرَاهِمِ يَرُدُّهُ بَيْتُ الْمَالِ وَالنَّبَهْرَجَةُ أَرْدَأُ مَنْ يَرُدُّهُ النَّجَّارُ أَيْضًا وَالسَّتُّوقَةُ هِيَ الَّتِي غَلَبَ عَلَيْهَا النُّحَاسُ فَإِنْ غَلَبَتْ الْفِضَّةُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْغَالِبِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي النَّبَهْرَجَةِ أَنَّهُ يَرُدُّهَا مِنْ التُّجَّارِ الْمُسْتَقْضَى مِنْهُمْ وَيَقْبَلُهَا السَّهْلُ مِنْهُمْ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَذَكَرَ مِسْكِينٌ مَعْزِيًّا إلَى الرِّسَالَةِ الْيُوسُفِيَّةِ النَّبَهْرَجَةُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا النُّحَاسُ لَمْ تُؤْخَذْ، وَأَمَّا السَّتُّوقَةُ فَحَرَامٌ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهَا فُلُوسٌ. اهـ. وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَيْنَ لَفْظِ الْقَضَاءِ أَوْ الدَّفْعِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُسْتَحَقَّةِ فَشَمِلَ مَا إذَا رَدَّ بَدَلَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ لَا.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَوْ دَفَعَ إلَى مَوْلَاهُ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ عَتَقَ، وَلَا يَبْطُلُ عِتْقُهُ بِرَدِّ الْمَوْلَى، وَلَوْ دَفَعَ السَّتُّوقَةَ وَالرَّصَاصَ لَا يَعْتِقُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي آخَرِ كِتَابِ الشُّفْعَةِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ الزُّيُوفَ بِمَنْزِلَةِ الْجِيَادِ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ أَوَّلُهَا رَجُلٌ اشْتَرَى دَارًا بِالْجِيَادِ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1566
وَنَقَدَ الزُّيُوفَ أَخَذَ الشَّفِيعُ بِالْجِيَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا إلَّا بِمَا اشْتَرَى، وَقَدْ اشْتَرَى بِالْجِيَادِ. وَالثَّانِيَةُ الْكَفِيلُ إذَا كَفَلَ بِالْجِيَادِ وَنَقَدَ الزُّيُوفَ يَرْجِعُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ بِالْجِيَادِ. وَالثَّالِثَةُ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا بِالْجِيَادِ وَنَقَدَ الْبَائِعُ الزُّيُوفَ ثُمَّ بَاعَهُ مُرَابَحَةً فَإِنَّ رَأْسَ الْمَالِ هُوَ الْجِيَادُ. وَالرَّابِعَةُ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ حَقَّهُ الْيَوْمَ، وَكَانَ عَلَيْهِ جِيَادٌ فَقَضَاهُ الزُّيُوفَ لَا يَحْنَثُ. وَالْخَامِسَةُ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ جِيَادٍ فَقَبَضَ الزُّيُوفَ فَأَنْفَقَهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الْإِنْفَاقِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْجِيَادِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا لَوْ قَبَضَ الْجِيَادَ. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى النَّوَازِلِ إذَا قَالَ الْمَدْيُونُ لِرَبِّ الْمَالِ وَاَللَّهِ لَأَقْضِيَنَّ مَالَك الْيَوْمَ فَأَعْطَاهُ، وَلَمْ يَقْبَلْ قَالَ إنْ وَضَعَهُ بِحَيْثُ تَنَالُهُ يَدُهُ لَوْ أَرَادَ لَا يَحْنَثُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَقْبِضَ الْمَغْصُوبَ فَجَاءَ بِهِ الْغَاصِبُ، وَقَالَ سَلَّمْته إلَيْك فَقَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ لَا أَقْبَلُ لَا يَحْنَثُ وَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنْ ضَمَانِ الرَّدِّ. اهـ.
وَفِيهَا رَجُلٌ حَلَفَ لَيَجْهَدَنَّ فِي قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ لِفُلَانٍ فَإِنَّهُ يَبِيعُ مَا كَانَ الْقَاضِي يَبِيعُهُ عَلَيْهِ إذَا رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي.
قَوْلُهُ (وَالْبَيْعُ بِهِ قَضَاءً لَا الْهِبَةُ) أَيْ لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ الْيَوْمَ فَبَاعَ مَتَاعًا لِصَاحِبِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَقَدْ قَضَاهُ دَيْنَهُ وَبَرَّ، وَلَوْ وَهَبَ الدَّائِنُ الدَّيْنَ مِنْ الْمَدْيُونِ فَلَيْسَ بِقَضَاءٍ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ طَرِيقُهُ الْمُقَاصَّةُ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ، وَلَا مُقَاصَّةَ فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ فَعْلُهُ وَالْهِبَةَ إسْقَاطٌ مِنْ صَاحِبِ الدَّيْنِ، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَاشْتِرَاطُ قَبْضِ الْمَبِيعِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَقَعَ اتِّفَاقًا لِيَتَقَرَّرَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْبِرِّ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ لَا يَرْتَفِعُ الْبِرُّ الْمُحَقَّقُ بِبُطْلَانِ الثَّمَنِ وَشَمِلَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَكِنْ يُشْتَرَطُ قَبْضُ الْمَبِيعِ فِيهِ لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ قَبْلَهُ فِيهِ لِتَحْصُلَ الْمُقَاصَّةُ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ الطَّالِبَ بِأَنْ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَقْبِضَنَّ دَيْنِي الْيَوْمَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَمْلُوكًا لِلْحَالِفِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَكَذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ إنَّ ثَمَنَ الْمُسْتَحَقِّ مَمْلُوكٌ مِلْكًا فَاسِدًا فَمِلْكُ الْمَدْيُونِ مَا فِي ذِمَّتِهِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْبَيْعِ إلَى كُلِّ مَوْضِعٍ حَصَلَتْ فِيهِ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَهُمَا فَلِذَا قَالُوا لَوْ تَزَوَّجَ الطَّالِبُ أَمَةَ الْمَطْلُوبِ عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِلْمَطْلُوبِ دَيْنٌ بِالْجِنَايَةِ وَالِاسْتِهْلَاكِ لَا يَحْنَثُ، وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ لَا الْهِبَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَضَاءٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتَةِ؛ لِأَنَّ الْبَرَّ غَيْرُ مُمْكِنٍ مَعَ هِبَةِ الدَّيْنِ، وَإِمْكَانُ الْبَرِّ شَرْطُ الْبَقَاءِ كَمَا هُوَ شَرْطُ الِابْتِدَاءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَيْنَهُ غَدًا فَقَضَاهُ الْيَوْمَ أَوْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا غَدًا فَمَاتَ الْيَوْمَ أَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ غَدًا فَأَكَلَهُ الْيَوْمَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَتَقَدَّمَ نَظَائِرُهَا، وَهُنَا فُرُوعٌ حَسَنَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقُك حَتَّى أَسْتَوْفِيَ مِنْك حَقِّي ثُمَّ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ مَدْيُونِهِ عَبْدًا بِذَلِكَ الدَّيْنِ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ ثُمَّ فَارَقَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى قَوْلٍ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حَانِثًا إذَا وَهَبَ الدَّيْنَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ وَقَبْلَ الْمَدْيُونِ ثُمَّ فَارَقَهُ لَا يَحْنَثُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَهَاهُنَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهُ حَانِثًا فِي الْهِبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ حَانِثًا هَاهُنَا، وَإِنْ لَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ فَارَقَهُ حَنِثَ وَلَوْ بَاعَهُ الْمَدْيُونُ عَبْدًا لِغَيْرِهِ بِذَلِكَ الدَّيْنِ ثُمَّ فَارَقَهُ الْحَالِفُ بَعْدَمَا قَبَضَ الْغَرِيمُ الْعَبْدَ ثُمَّ إنَّ مَوْلَى الْعَبْدِ اسْتَحَقَّهُ وَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ؛ لِأَنَّ الْمَدْيُونَ مَلَكَ مَا فِي ذِمَّتِهِ بِهَذَا الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْمُسْتَحَقِّ مَمْلُوكٌ مِلْكًا فَاسِدًا، وَلَوْ بَاعَهُ الْمَدْيُونُ عَبْدًا عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِيهِ وَقَبَضَهُ الْحَالِفُ ثُمَّ فَارَقَهُ حَنِثَ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى امْرَأَةٍ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُفَارِقَهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهَا فَتَزَوَّجَهَا الْحَالِفُ عَلَى مَا لَهُ عَلَيْهَا مِنْ الدَّيْنِ فَهُوَ اسْتِيفَاءٌ لِمَا عَلَيْهَا مِنْ الدَّيْنِ، وَلَوْ بَاعَ الْمَدْيُونُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِذَا هُوَ مُدَبَّرٌ أَوْ مُكَاتَبٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ أَوْ كَانَ الْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ لِغَيْرِ الْمَدْيُونِ ثُمَّ فَارَقَهُ الطَّالِبُ بَعْدَمَا قَبَضَهُ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ وَهَبَ الطَّالِبُ الْأَلْفَ لِلْغَرِيمِ فَقَبِلَهُ أَوْ أَحَالَ الطَّالِبُ رَجُلًا لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ بِمَالِهِ عَلَى مَدْيُونِهِ
ــ
[منحة الخالق]
قَوْلُهُ: فَدَخَلَ بِهَا) قَالَ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ التَّقْيِيدُ بِالدُّخُولِ وَقَعَ اتِّفَاقًا فَإِنْ قُلْتُ: قَيَّدَ بِهِ لِيَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ كُلُّ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ بِعُرْضَةِ السُّقُوطِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ قُلْتُ: إنَّ الْبِرَّ لَا يَنْتَقِضُ بِانْتِقَاضِ الْمُقَاصَّةِ فِي نِصْفِهِ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ فِي انْتِقَاضِ الْمُقَاصَّةِ بِالثَّمَنِ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَالْحَاصِلُ أَنِّي لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا سِوَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْقَبْضِ أَيْ قَبْضِ الْمَبِيعِ فِي جَانِبِ الْبَيْعِ، وَقَعَ اتِّفَاقًا لَا أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْبَرِّ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ لَا يَرْتَفِعُ الْبَرُّ الْمُحَقَّقُ بِبُطْلَانِ الثَّمَنِ. اهـ.
فَلْيَكُنْ التَّقْيِيدُ بِالدُّخُولِ فِي جَانِبِ التَّزَوُّجِ اتِّفَاقِيًّا أَيْضًا. اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَسْأَلَةُ التَّزَوُّجِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْفُرُوعِ عَقِيبَهُ
стр. 1567
أَوْ أَحَالَ الْمَطْلُوبُ الطَّالِبَ عَلَى رَجُلٍ، وَأَبْرَأَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ الْأَوَّلَ لَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَأْخُذَنَّ مِنْ فُلَانٍ حَقَّهُ أَوْ قَالَ لَيَقْبِضَنَّ فَأَخَذَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَخَذَ وَكِيلُهُ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ.
وَكَذَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ وَكِيلِ الْمَطْلُوبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ مِنْ رَجُلٍ كَفَلَ بِالْمَالِ عَنْ الْمَدْيُونِ بِأَمْرِ الْمَدْيُونِ أَوْ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ أَحَالَ الْمَدْيُونَ عَلَيْهِ فَقَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ ﵀ وَذَكَرَ فِي الْعُيُونِ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ لَا يَأْخُذُ مَالَهُ مِنْ الْمَطْلُوبِ الْيَوْمَ فَقَبَضَهُ مِنْ وَكِيلِ الْمَطْلُوبِ حَنِثَ فَإِنْ قَبَضَهُ مِنْ مُتَطَوِّعٍ لَا يَحْنَثُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَهُ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ قَالَ الْقُدُورِيُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ الْمَدْيُونُ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ فَأَمَرَهُ غَيْرُهُ بِالْأَدَاءِ أَوْ أَحَالَهُ فَقَبَضَ بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ قَضَى عَنْهُ مُتَبَرِّعٌ لَمْ يَبَرَّ، وَفِي الْعُيُونِ حَلَفَ لَا يَقْبِضُ مَالَهُ عَلَى الْغَرِيمِ فَأَحَالَ الطَّالِبُ رَجُلًا لَيْسَ لَهُ عَلَى الطَّالِبِ شَيْءٌ عَلَى غَرِيمِهِ، وَقَبَضَ ذَلِكَ الرَّجُلُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْحَوَالَةُ قَبْلَ الْيَمِينِ لَمْ يَحْنَثْ، وَعَلَى هَذَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِقَبْضِ الدَّيْنِ مِنْ الْمَدْيُونِ ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْبِضَ مَا لَهُ عَلَيْهِ فَقَبَضَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْيَمِينِ لَا يَحْنَثُ، وَقَدْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ، وَهَذَا الْقَائِلُ قَاسَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا إذَا، وَكَّلَ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً أَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَوْ لَا يُطَلِّقَ ثُمَّ فَعَلَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ حَنِثَ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْبِضُ دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ الْيَوْمَ فَاشْتَرَى الطَّالِبُ مِنْ الْغَرِيمِ شَيْئًا فِي يَوْمِهِ، وَقَبَضَ الْمَبِيعَ الْيَوْمَ حَنِثَ، وَإِنْ قَبَضَ الْمَبِيعُ غَدًا لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ الْيَمِينِ فِي يَوْمِهِ شِرَاءً فَاسِدًا، وَقَبَضَهُ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ الْيَوْمَ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَهْلَكُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالِاسْتِهْلَاكِ مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْقِيَمِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَ الدَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَابِضًا بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَغْصِبَ أَوَّلًا ثُمَّ يَسْتَهْلِكَ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ، وَلَمْ يَغْصِبْهُ بِأَنْ أَحْرَقَهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ الْقَبْضُ فَإِذَا غَصَبَ أَوَّلًا وُجِدَ الْقَبْضُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ فَيَصِيرُ قَابِضًا دَيْنَهُ بِذَلِكَ أَمَّا إذَا اسْتَهْلَكَهُ فَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ حَقِيقَةً فَلَا يَصِيرُ قَابِضًا دَيْنَهُ كَرَجُلَيْنِ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ مُشْتَرَكٌ فَقَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْمَدْيُونِ ثَوْبًا وَاسْتَهْلَكَهُ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ أَحْرَقَهُ مِنْ غَيْرِ غَصْبٍ لَا يَرْجِعُ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ثَمَنُ مَبِيعٍ فَقَالَ إنْ أَخَذْت ثَمَنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَأَخَذَ مَكَانَ ذَلِكَ حِنْطَةً، وَقَعَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ عِوَضَ الثَّمَنِ، وَأَخْذُ الْعِوَضِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ أَخْذِ الْعِوَضِ، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي ذَلِكَ كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ،.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا لَهُ عَلَيْهِ فَقَعَدَ، وَهُوَ بِحَيْثُ يَرَاهُ وَيَحْفَظُهُ فَهُوَ غَيْرُ مُفَارِقٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ أَوْ أُسْطُوَانَةٌ مِنْ أَسَاطِينِ الْمَسْجِدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَعَدَ أَحَدُهُمَا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْبَابُ بَيْنَهُمَا مَفْتُوحٌ بِحَيْثُ يَرَاهُ، وَإِنْ تَوَارَى عَنْهُ بِحَائِطِ الْمَسْجِدِ وَالْآخَرُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَقَدْ فَارَقَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا بَابٌ مُغْلَقٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمِفْتَاحُ بِيَدِ الْحَالِفِ بِأَنْ أَدْخَلَهُ بَيْتًا وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَقَعَدَ عَلَى الْبَابِ فَهَذَا لَمْ يُفَارِقْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوسُ هُوَ الْحَالِفَ وَالْمُخْلَى عَنْهُ هُوَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي أَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ، وَأَخَذَ الْمِفْتَاحَ حَنِثَ الْحَالِفُ، وَفِي الْحِيَلِ إذَا نَامَ الطَّالِبُ أَوْ غَفَلَ عَنْ الْمَطْلُوبِ أَوْ شَغَلَهُ إنْسَانٌ بِالْكَلَامِ حَتَّى هَرَبَ الْمَطْلُوبُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَنَعَهُ إنْسَانٌ عَنْ الْمُلَازَمَةِ حَتَّى هَرَبَ الْمَطْلُوبُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ.
وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ رَجُلٌ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ يُعْطِيهَا كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا فَرُبَّمَا يَدْفَعُ إلَيْهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ وَرُبَّمَا يَدْفَعُ إلَيْهَا عِنْدَ الْعَشَاءِ قَالَ إذَا لَمْ يَخْلُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَنْ دَفْعِ دِرْهَمٍ بَرَّ فِي يَمِينِهِ وَسُئِلَ الْأُوزْجَنْدِيّ عَمَّنْ قَالَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ إنْ لَمْ أَقْضِ حَقَّك يَوْمَ الْعِيدِ فَكَذَا فَجَاءَ يَوْمُ الْعِيدِ إلَّا أَنَّ قَاضِيَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ لَمْ يَجْعَلْهُ عِيدًا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ صَلَاةَ الْعِيدِ لِدَلِيلٍ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1568
لَاحَ عِنْدَهُ، وَقَاضِيَ بَلْدَةٍ أُخْرَى جَعَلَهُ عِيدًا قَالَ إذَا حَكَمَ قَاضِي بَلْدَةٍ بِكَوْنِهِ عِيدًا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَهْلَ بَلْدَةٍ أُخْرَى إذَا لَمْ تَخْتَلِفْ الْمَطَالِعُ كَمَا فِي الْحُكْمِ بالرمضانية وَسُئِلَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُوسِيُّ عَمَّنْ حَلَفَ غَرِيمُهُ أَنْ يَأْتِيَ مَنْزِلَهُ غَدًا وَيُرِيَهُ وَجْهَهُ فَأَتَاهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَقَدْ غَابَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ. اهـ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَقْبِضُ دَيْنَهُ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ فَقَبَضَ بَعْضَهُ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَقْبِضَ كُلَّهُ مُتَفَرِّقًا لَا بِتَفْرِيقٍ ضَرُورِيٍّ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَبْضُ الْكُلِّ لَكِنَّهُ بِوَصْفِ التَّفْرِيقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَضَافَ الْقَبْضَ إلَى دَيْنٍ مُعَرَّفٍ مُضَافًا إلَيْهِ فَيَنْصَرِفُ إلَى كُلِّهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِهِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالتَّفْرِيقِ الضَّرُورِيِّ وَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ دَيْنَهُ فِي وَزْنَتَيْنِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بَيْنَهُمَا إلَّا بِعَمَلِ الْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ قَبْضُ الْكُلِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً عَادَةً فَيَصِيرُ هَذَا الْقَبْضُ مُسْتَثْنًى عَنْهُ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْيَمِينَ لَوْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِالْيَوْمِ بِأَنْ حَلَفَ لَا يَقْبِضُ دَيْنَهُ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ الْيَوْمَ فَقَبَضَ الْبَعْضَ فِي الْيَوْمِ مُتَفَرِّقًا أَوْ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ أَخْذُ الْكُلِّ فِي الْيَوْمِ مُتَفَرِّقًا، وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ قَبَضَ الْكُلَّ جُمْلَةً ثُمَّ وُجِدَ بَعْضُهَا سَتُّوقَةٌ فَرَدَّ لَمْ يَحْنَثْ بِالرَّدِّ مَا لَمْ يَسْتَبْدِلْ؛ لِأَنَّ السَّتُّوقَةَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا فَلَمْ يُوجَدْ قَبْضُ الْكُلِّ حَتَّى يَقْبِضَ الْبَدَلَ فَإِذَا قَبَضَهُ وُجِدَ قَبْضُ الْكُلِّ مُتَفَرِّقًا بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ بَعْضُهَا زُيُوفًا حَيْثُ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ بَرَّ حِينَ وُجِدَ قَبْضُ الْكُلِّ وَبِالرَّدِّ لَمْ يَنْتَقِضْ الْقَبْضُ فِي حَقِّهِ عَلَى مَا مَرَّ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ دَيْنَهُ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَا يَقْبِضُ مِنْ دَيْنِهِ دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ أَوْ إنْ قَبَضْت مِنْ دَيْنِي دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ أَوْ إنْ أَخَذْت مِنْ دَيْنِي دِرْهَمًا دُونَ دِرْهَمٍ فَقَبَضَ الْبَعْضَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ هُنَا قَبْضُ الْبَعْضِ مِنْ الدَّيْنِ مُتَفَرِّقًا، وَفِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ قَبْضُ الْكُلِّ بِصِفَةِ التَّفْرِيقِ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَفِي الْحِيَلِ إذَا حَلَفَ لَا يَأْخُذُ مَا لَهُ عَلَى فُلَانٍ إلَّا جُمْلَةً أَوْ إلَّا جَمْعًا ثُمَّ أَرَادَ وَتُطَّلَقَ عَلَى التَّفَارِيقِ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ حَقِّهِ دِرْهَمًا وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ كَيْفَ يَشَاءُ، وَفِيهِ أَيْضًا إذَا حَلَفَ لَا يَأْخُذُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ دُونَ شَيْءٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى التَّفَارِيقِ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ حَقِّهِ يَحْنَثُ لَكِنَّ الْحِيلَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ قَضَاءً عَنْهُ فَلَا يَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَطْلُوبِ مَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ، وَكَانَ لِلطَّالِبِ مَنْ يَقْبِضُ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ. وَإِذَا حَلَفَ لَا يَتَقَاضَى فُلَانًا فَلَزِمَهُ وَلَمْ يَتَقَاضَهُ لَا يَحْنَثُ. اهـ.
وَفِيهَا، وَلَوْ قَالَ لَا أُفَارِقُك الْيَوْمَ حَتَّى تُعْطِيَنِي حَقِّي الْيَوْمِ، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يَتْرُكَ لُزُومَهُ فَمَضَى الْيَوْمُ ثُمَّ فَارَقَهُ لَا يَحْنَثُ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ لِي إلَّا مِائَةً أَوْ غَيْرَ أَوْ سِوَى فَكَذَا لَمْ يَحْنَثْ بِمِلْكِهَا أَوْ بَعْضِهَا) ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ نَفْيُ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ فَكَانَ شَرْطُ حِنْثِهِ مِلْكَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْمِائَةِ اسْتِثْنَاؤُهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَغَيْرُ وَسِوَى كَإِلَّا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ أَدَاةُ الِاسْتِثْنَاءِ. قَيَّدَ بِكَوْنِهِ مَلَكَ الدَّرَاهِمَ أَوْ بَعْضَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ لِي إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ، وَكَانَ لَهُ دَنَانِيرُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ مَالُ الزَّكَاةِ فَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَكُونُ مَالُ الزَّكَاةِ، وَالدَّنَانِيرُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ أَوْ عَرَضًا لِلتِّجَارَةِ أَوْ سَوَائِمَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ يَحْنَثُ سَوَاءٌ كَانَ نِصَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَوْ مَلَكَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ أَوْ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الزَّكَاةِ كَالدَّرَاهِمِ وَالْعَقَارِ وَالْعُرُوضِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُسَمَّاةُ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ كُنْت أَمْلِكُ إلَّا خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَلَمْ يَمْلِكْ إلَّا عَشَرَةً لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُ الْمُسْتَثْنَى، وَلَوْ مَلَكَ زِيَادَةً عَلَى خَمْسِينَ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَالِ الزَّكَاةِ حَنِثَ، وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ لَوْ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَلَهُ عُرُوضٌ وَضِيَاعٌ وَدُورٌ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ لَمْ يَحْنَثْ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ لِي إلَّا مِائَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ فَقَالَ لِي عَلَيْهِ مِائَةٌ، وَقَالَ الْآخَرُ خَمْسُونَ فَقَالَ إنْ كَانَ لِي عَلَيْهِ إلَّا مِائَةً فَهَذَا لِنَفْيِ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِيَمِينِهِ الرَّدَّ عَلَى الْمُنْكِرِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَعْطَى زَيْدًا الْمِائَةَ مَثَلًا فَقَالَ زَيْدٌ لَمْ يُعْطِنِي إلَّا خَمْسِينَ فَقَالَ إنْ كُنْت أَعْطَيْته إلَّا مِائَةً فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْأَقَلِّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ إنْ قَبَضْت مَا لِي عَلَى فُلَانٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَفِيهَا وَلَوْ قَالَ لَا أُفَارِقُك الْيَوْمَ حَتَّى تُعْطِيَنِي حَقِّي الْيَوْمَ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ بِذِكْرِ الْيَوْمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهَكَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمَتْنِ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ زَيْدٍ عَنْ فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ، وَلَوْ قَالَ لِغَرِيمِهِ وَاَللَّهِ لَا أُفَارِقُك حَتَّى تَقْضِيَنِي حَقِّي الْيَوْمَ وَنِيَّتُهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ لُزُومَهُ حَتَّى يُعْطِيَهُ حَقَّهُ فَمَضَى الْيَوْمُ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ فَارَقَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَحْنَثُ، وَلَوْ قَدِمَ الْيَوْمُ فَقَالَ لَا أُفَارِقُك الْيَوْمَ حَتَّى تُعْطِيَنِي حَقِّي فَمَضَى الْيَوْمُ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ فَارَقَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْفِرَاقِ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
стр. 1569
شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ فَهُوَ فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةً يَعْنِي مَا لَهُ عَلَى فُلَانٍ فَقَبَضَ تِسْعَةً فَوَهَبَهَا لِرَجُلٍ ثُمَّ قَبَضَ الدِّرْهَمَ الْبَاقِيَ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِالدِّرْهَمِ الْبَاقِي وَيَضْمَنُ مِثْلَ مَا وَهَبَ وَيَتَصَدَّقُ بِالضَّمَانِ. وَلَوْ قَالَ لَا أَتْرُكُك حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَطَلَبَ إلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَهُ فَقَالَ قَدْ تَرَكْتُك ثُمَّ أَبَى أَنْ يَخْرُجَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِقَوْلِهِ تَرَكْتُك. اهـ.
قَوْلُهُ (لَا يَفْعَلُ كَذَا تَرَكَهُ أَبَدًا) ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْفِعْلَ مُطْلَقًا فَعَمَّ الِامْتِنَاعُ ضَرُورَةَ عُمُومِ النَّفْيِ. قَيَّدَ بِكَوْنِ الْيَمِينِ مُطْلَقَةً عَنْ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِهِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا الْيَوْمَ فَمَضَى الْيَوْمُ قَبْلَ الْفِعْلِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ تَرْكَ الْفِعْلِ فِي الْيَوْمِ كُلِّهِ وَكَذَلِكَ إنْ هَلَكَ الْحَالِفُ وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِأَنَّ شَرْطَ الْبَرِّ عَدَمُ الْفِعْلِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَدَمُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَقَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ أَفْعَلُ كَذَا أَنَّهَا يَمِينُ النَّفْيِ وَتَكُونُ لَا مُقَدَّرَةً وَلَيْسَتْ لِلْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُ نُونِ التَّوْكِيدِ وَلَامِهِ فِي الْإِثْبَاتِ فَلْيُحْفَظْ هَذَا. وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ لَا يَفْعَلُ كَذَا تَرَكَهُ أَبَدًا أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْحَلُّ بِفِعْلِهِ، وَهُوَ سَهْوٌ بَلْ تَنْحَلُّ فَإِذَا حَنِثَ بِفِعْلِهِ مَرَّةً لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِهِ ثَانِيًا (قَوْلُهُ: لَيَفْعَلَنَّهُ بَرَّ بِمَرَّةٍ) أَيْ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِذَا تَرَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمُلْتَزَمَ فِعْلٌ وَاحِدٌ غَيْرُ عَيْنٍ إذْ الْمَقَامُ مَقَامَ الْإِثْبَاتِ فَيَبَرُّ بِأَيِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْهُ وَذَلِكَ بِمَوْتِهِ أَوْ بِفَوْتِ مَحَلِّ الْفِعْلِ قَيَّدَ بِكَوْنِ الْيَمِينِ مُطْلَقَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُؤَقَّتَةً، وَلَمْ يَفْعَلْ فِيهِ يَحْنَثُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ إنْ كَانَ الْإِمْكَانُ بَاقِيًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يَحْنَثْ إنْ لَمْ يَبْقَ بِأَنْ وَقَعَ الْيَأْسُ بِمَوْتِهِ أَوْ بِفَوْتِ الْمَحَلِّ لِأَنَّهُ فِي الْمُؤَقَّتَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَإِذَا مَاتَ الْفَاعِلُ أَوْ فَاتَ الْمَحَلُّ اسْتَحَالَ الْبِرُّ فِي آخَرِ الْوَقْتِ فَتَبْطُلُ الْيَمِينُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ وَيَأْتِي فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ فِي فَوْتِ الْمَحَلِّ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ حَلَفَ إنْ فَعَلْت كَذَا مَا دُمْت بِبُخَارَى فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَخَرَجَ مِنْ بُخَارَى ثُمَّ رَجَعَ فَفَعَلَ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى الْيَمِينُ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ النَّبِيذَ مَا دَامَ بِبُخَارَى، وَفَارَقَ بُخَارَى ثُمَّ عَادَ فَشَرِبَ لَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا عَنَى بِقَوْلِهِ مَا دُمْت بِبُخَارَى أَنْ تَكُونَ بُخَارَى وَطَنًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ كَوْنَهُ بِالْكُوفَةِ غَايَةً لِيَمِينِهِ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْهَا.
قَوْلُهُ (وَلَوْ حَلَّفَهُ وَالٍ لَيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ دَخَلَ الْبَلْدَةَ تَقَيَّدَ بِقِيَامِ وِلَايَتِهِ) بَيَانٌ لِكَوْنِ الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ تَصِيرُ مُقَيَّدَةً مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقَةٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَقْصُودُ الْمُسْتَحْلِفِ دَفْعَ شَرِّهِ أَوْ شَرِّ غَيْرِهِ بِزَجْرِهِ فَلَا يُفِيدُ فَائِدَتَهُ بَعْدَ زَوَالِ سَلْطَنَتِهِ وَالزَّوَالُ بِالْمَوْتِ، وَكَذَا بِالْعَزْلِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَالدَّاعِرُ بِالدَّالِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ كُلُّ مُفْسِدٍ وَجَمْعُهُ دُعَّارٌ مِنْ الدَّعْرِ، وَهُوَ الْفَسَادُ، وَمِنْهُ دَعِرَ الْعُودَ يَدْعَرُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي، وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ إذَا فَسَدَ، وَإِذَا تَقَيَّدَتْ بِقِيَامِ وِلَايَتِهِ بَطَلَتْ الْيَمِينُ بِعَزْلِهِ فَلَا تَعُودُ بَعْدَ تَوْلِيَتِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي.
وَفِي التَّبْيِينِ: ثُمَّ إنَّ الْحَالِفَ لَوْ عَلِمَ الدَّاعِرُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا إذَا مَاتَ هُوَ أَوْ الْمُسْتَحْلِفُ أَوْ عُزِلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ بَلْ بِالْيَأْسِ عَنْ الْفِعْلِ وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا إلَّا إذَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً فَيَحْنَثُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ مَعَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا فَلَا. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ حَكَمَ بِانْعِقَادِ هَذِهِ لِلْفَوْرِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا اُنْظُرْ إلَى الْمَقْصُودِ، وَهِيَ الْمُبَادَرَةُ لِزَجْرِهِ وَدَفْعِ شَرِّهِ فَالدَّعَرُ يُوجِبُ التَّقْيِيدَ بِالْفَوْرِ، وَفَوْرُ عِلْمِهِ بِهِ. اهـ.
وَلَيْسَ الْعُمُومُ فِي قَوْلِهِ بِكُلِّ دَاعِرٍ عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعْلِمَهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ كُلُّ دَاعِرٍ يَعْرِفُهُ أَوْ فِي بَلَدِهِ أَوْ دَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ ﵀ إلَى مَسَائِلَ مِنْهَا لَوْ حَلَّفَ رَبُّ الدَّيْنِ غَرِيمَهُ أَوْ الْكَفِيلَ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ إلَّا بِإِذْنِهِ تَقَيَّدَ بِالْخُرُوجِ حَالَ قِيَامِ الدَّيْنِ وَالْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الْمَنْعِ، وَوِلَايَةُ الْمَنْعِ حَالٌ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: أَوْ الْكَفِيلُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِلتَّقْيِيدِ بِالْأَمْرِ قُلْتُ: لَكِنَّ عِبَارَةَ الْكَافِي لِلْمُصَنِّفِ أَوْ الْكَفِيلُ بِأَمْرٍ الْمَكْفُولَ عَنْهُ فَالْكَفِيلُ بِالرَّفْعِ وَبِأَمْرٍ مُنَوَّنٍ بِدُونِ إضَافَةٍ وَالْمَكْفُولُ بِالنَّصْبِ، وَعَلَيْهِ وَالتَّقْيِيدُ لَهُ فَائِدَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ لَهُ الرُّجُوعُ فَهُوَ كَرَبِّ الدَّيْنِ فَلَوْ حَلَفَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ كَانَ لَهُ فَائِدَةٌ مَا دَامَتْ كَفَالَتُهُ بَاقِيَةً تَأَمَّلْ
стр. 1570
قِيَامِهِ. وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ تَقَيَّدَ بِحَالِ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إنْ خَرَجَتْ امْرَأَتُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَعَبْدُهُ حُرٌّ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْإِذْنِ أَوْ حَلَفَ لَا يُقْبِلُهَا فَخَرَجَتْ بَعْدَمَا أَبَانَهَا أَوْ قَبْلَهَا بَعْدَمَا أَبَانَهَا حَيْثُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ دَلَالَةُ التَّقْيِيدِ فِي حَالِ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا بِغَيْرِ إذْنِك طَالِقٌ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهَا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ يَمِينَهُ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَقَيَّدُ بِهِ لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَسْتَفِيدُ وِلَايَةَ الْإِذْنِ وَالْمَنْعِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ.
وَمِنْهَا لَوْ أَنَّ سُلْطَانًا حَلَّفَ رَجُلًا أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْبَلَدِ إلَّا بِإِذْنِهِ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ عَزْلِهِ بِدُونِ إذْنِهِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَقَيَّدَتْ بِحَالِ قِيَامِ السَّلْطَنَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا حَلَّفَهُ وَالٍ لَيُعْلِمَنَّهُ بِكُلِّ دَاعِرٍ ثُمَّ عُزِلَ مِنْ وَظِيفَتِهِ وَتَوَلَّى وَظِيفَةً أُخْرَى أَعْلَى مِنْهَا كَالدُّوَيْدَارِ إذَا حَلَّفَ حَقِيرًا ثُمَّ صَارَ وَالِيًا، وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي زَمَانِنَا بالصوباشاه وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إزَالَةِ الْفَسَادِ أَكْثَرَ مِنْ الْحَالَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ (يَبَرُّ بِالْهِبَةِ بِلَا قَبُولٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ) فَإِذَا حَلَفَ لَيَهَبَنَّ فُلَانًا فَوَهَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ فَإِنَّهُ يَبَرُّ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَبِيعَنِّ كَذَا فَبَاعَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ الْمُشْتَرِي لَا يَبَرُّ، وَكَذَا فِي طَرَفِ النَّفْيِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرِّعِ، وَلِهَذَا يُقَالُ وَهَبْت وَلَمْ يَقْبَلْ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إظْهَارُ السَّمَاحَةِ، وَذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ، وَأَمَّا الْبَيْعُ فَمُعَاوَضَةٌ فَاقْتَضَى الْفِعْلَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ اسْمَ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّهْنِ وَالْخُلْعِ بِإِزَاءِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعًا، وَفِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ بِإِزَاءِ الْإِيجَابِ فَقَطْ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعَطِيَّةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْعُمْرَى وَالْإِقْرَارِ وَالْهَدِيَّةِ، وَقَالَ زُفَرُ هِيَ كَالْبَيْعِ، وَفِي الْبَيْعِ، وَمَا مَعَهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لِلْمَجْمُوعِ فَلِذَا، وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ بِعْتُك أَمْسِ هَذَا الثَّوْبَ فَلَمْ تَقْبَلْ فَقَالَ بَلْ قَبِلْت أَوْ آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ فَلَمْ تَقْبَلْ فَقَالَ بَلْ قَبِلْت الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَالْمُسْتَأْجِرِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْبَيْعِ تَضَمَّنَ إقْرَارَهُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَقَوْلُهُ فَلَمْ يَقْبَلْ رُجُوعٌ عَنْهُ، وَكَذَا عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَأَوْجَبَ فَقَطْ، وَعَلَى الْحِنْثِ لَوْ حَلَفَ لَيَبِيعَنَّ الْيَوْمَ فَأَوْجَبَ فِيهِ فَقَطْ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ لَوْ كَانَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْقَرْضُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ قَبُولَ الْمُسْتَقْرِضِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ فِي حُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَوْ قَالَ أَقْرَضَنِي فُلَانٌ أَلْفًا فَلَمْ أَقْبَلَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَالْإِبْرَاءُ يُشْبِهُ الْبَيْعَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِاللَّفْظِ دُونَ قَبْضٍ وَالْهِبَةَ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ فِي الْقَرْضِ وَالْإِبْرَاءِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِيهِمَا كَالْهِبَةِ، وَقِيلَ الْأَشْبَهُ أَنْ يَلْحَقَ الْإِبْرَاءُ بِالْهِبَةِ لِعَدَمِ الْعِوَضِ وَالْقَرْضِ بِالْبَيْعِ، وَلَا يُعْلَمُ خِلَافٌ أَنَّ الِاسْتِقْرَاضَ كَالْهِبَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ، وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ حَضْرَةَ الْمَوْهُوبِ لَهُ شَرْطٌ فِي الْحِنْثِ حَتَّى لَوْ وَهَبَ الْحَالِفُ مِنْهُ، وَهُوَ غَائِبٌ لَا يَحْنَثُ اتِّفَاقًا. اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ قَالَ إنْ وَهَبَ لِي فُلَانٌ هَذَا الْعَبْدَ فَهُوَ حُرٌّ فَقَالَ فُلَانٌ وَهَبْته لَك فَقَالَ الْحَالِفُ قَبِلْت، وَقَبَضْته قَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ هِبَةٌ قَبْلَ الْقَبُولِ.
(قَوْلُهُ: لَا يَشُمُّ رَيْحَانًا لَا يَحْنَثُ بِشَمِّ وَرْدٍ وَيَاسَمِينَ) ؛ لِأَنَّ الرَّيْحَانَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا لِسَاقِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَمَا لِوَرِقِهِ، وَقِيلَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ اسْمٌ لِمَا لَا سَاقَ لَهُ مِنْ الْبُقُولِ مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ وَقِيلَ اسْمُ مَا لَيْسَ لَهُ شَجَرٌ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَيْسَ الْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا طَابَ رِيحُهُ مِنْ النَّبَاتِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي دِيَارِنَا إهْدَارُ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الرَّيْحَانَ مُتَعَارَفٌ لِنَوْعٍ وَهُوَ رَيْحَانُ الْحَمَاحِمِ، وَأَمَّا الرَّيْحَانُ التَّرْنَجِيُّ مِنْهُ فَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ؛ لِأَنَّهُمْ يُلْزِمُونَهُ التَّقْيِيدَ فَيُقَالُ رَيْحَانٌ تَرَنْجِيٌّ وَعِنْدَنَا يُطَلِّقُونَ اسْمَ الرَّيْحَانِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الْحَمَاحِمَ فَلَا يَحْنَثُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ إلَخْ) تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَتْنًا فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ التَّعْلِيقِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ لَا يُقَالُ إنَّ الْبُطْلَانَ لِتَقْيِيدِهِ بِامْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْقَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ لِإِضَافَتِهَا إلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ امْرَأَتُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ فَطَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَخَرَجَتْ، وَفِيمَا لَوْ قَالَ إنْ قَبَّلْت امْرَأَتِي فُلَانَةَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَقَبَّلَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ مَعَ أَنَّهُ يَحْنَثُ فِيهِمَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلتَّعْرِيفِ لَا لِلتَّقْيِيدِ. اهـ.
لَكِنْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ قَبْلَ هَذَا مَا نَصُّهُ: وَفِي الْقُنْيَةِ إنْ سَكَنْت فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ وَخَرَجَ عَلَى الْفَوْرِ وَخَلَعَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ سَكَنَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا تَطْلُقُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِامْرَأَتِهِ وَقْتَ وُجُودِ الشَّرْطِ. اهـ.
فَقَدْ بَطَلَتْ الْيَمِينُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ هُنَا فَعَلَى هَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ
стр. 1571
إلَّا بِعَيْنِ ذَلِكَ النَّوْعِ. اهـ.
وَمَا قَالَهُ هُوَ الْوَاقِعُ فِي مِصْرَ وَيَشَمُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالشَّيْنِ مُضَارِعُ شَمَمْت الطِّيبَ بِكَسْرِ الْمِيمِ فِي الْمَاضِي هَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ الْفَصِيحَةُ. وَأَمَّا شَمَمْته أَشُمُّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا فِي الْمُضَارِعِ فَقَدْ أَنْكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ هُوَ خَطَأٌ وَصَحَّحَ عَدَمَهُ فَقَدْ نَقَلَهَا الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ بِفَصِيحَةٍ ثُمَّ يَمِينُ الشَّمِّ تَنْعَقِدُ عَلَى الشَّمِّ الْمَقْصُودِ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَشَمُّ طِيبًا فَوَجَدَ رِيحَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ وَصَلَتْ الرَّائِحَةُ إلَى دِمَاغِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
قَوْلُهُ (الْبَنَفْسَجُ وَالْوَرْدُ عَلَى الْوَرَقِ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بَنَفْسَجًا أَوْ وَرْدًا فَاشْتَرَى وَرَقَهُمَا يَحْنَثُ وَلَوْ اشْتَرَى دُهْنَهُمَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُمَا يَقَعَانِ عَلَى الْوَرِقِ دُونَ الدُّهْنِ فِي عُرْفِنَا كَذَا فِي الْكَافِي، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَوْ اشْتَرَى وَرَقَ الْبَنَفْسَجِ لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ اشْتَرَى دُهْنَهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَنَفْسَجِ إذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ الدُّهْنُ وَيُسَمَّى بَائِعُهُ بَائِعَ الْبَنَفْسَجِ فَيَصِيرُ هُوَ بِشِرَائِهِ مُشْتَرِي الْبَنَفْسَجِ أَيْضًا، وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِالْوَرَقِ كَالدُّهْنِ، وَهَذَا شَيْءٌ يُبْتَنَى عَلَى الْعُرْفِ، وَفِي عُرْفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ بَائِعُ الْوَرَقِ لَا يُسَمَّى بَائِعَ الْبَنَفْسَجِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى بَائِعَ الدُّهْنِ فَبَنَى الْجَوَابَ فِي الْكِتَابِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ شَاهَدَ الْكَرْخِيُّ عُرْفَ أَهْلِ بَغْدَادَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ بَائِعَ الْوَرَقِ وَبَائِعَ الْبَنَفْسَجِ أَيْضًا فَقَالَ يَحْنَثُ وَبِهِ، وَقَالَ هَكَذَا فِي دِيَارِنَا أَعْنِي فِي الْمَبْسُوطِ، وَلَا يُقَالُ فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةً، وَفِي الْآخَرِ مَجَازًا بَلْ فِيهِمَا حَقِيقَةٌ وَيَحْنَثُ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْمَجَازِ، وَالْيَاسَمِينُ قِيَاسُ الْوَرْدِ لَا يَتَنَاوَلُ الدُّهْنَ؛ لِأَنَّ دُهْنَهُ يُسَمَّى زَنْبَقًا لَا يَاسَمِينًا، وَكَذَا الْحِنَّاءُ يَتَنَاوَلُ الْوَرَقَ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَقَالَ فِي الْكَافِي فِي الْحِنَّاءِ تَقَعُ فِي عُرْفِنَا عَلَى الْمَدْقُوقِ.
[حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَزَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ وَأَجَازَ بِالْقَوْلِ]
قَوْلُهُ (حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَزَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ، وَأَجَازَ بِالْقَوْلِ حَنِثَ وَبِالْفِعْلِ لَا) أَيْ لَا يَحْنَثُ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَالْفَتْوَى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْإِجَازَةِ بِالْقَوْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ هُوَ التَّزَوُّجُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَقْدِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالْقَوْلِ، وَالْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةِ كَالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ فَيَكُونُ لِلْفُضُولِيِّ حُكْمُ الْوَكِيلِ، وَلِلْمُجِيزِ حُكْمُ الْمُوَكِّلِ، وَالْإِجَازَةُ بِالْفِعْلِ بَعْثُ الْمَهْرِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ وَالْمُرَادُ الْوُصُولُ إلَيْهَا ذَكَرَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ، وَقِيلَ سَوْقُ الْمَهْرِ يَكْفِي سَوَاءٌ وَصَلَ إلَيْهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ الْإِجَازَةُ بِالْفِعْلِ، وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِالسَّوْقِ وَبَعْثُ الْهَدِيَّةِ لَا تَكُونُ إجَازَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ، وَلَوْ قَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ جَامَعَهَا تَكُونُ إجَازَةً بِالْفِعْلِ لَكِنْ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ لِقُرْبِ نُفُوذِ الْعَقْدِ مِنْ الْمَحْرَمِ.
وَلَوْ أَجَازَ فِي نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ بِالْكِتَابَةِ هَلْ تَكُونُ إجَازَةً بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ ذَكَرَ فِي أَيْمَانِ الْجَامِعِ فِي الْفَتَاوَى إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقُولُ: لِفُلَانٍ شَيْئًا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا لَا يَحْنَثُ وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ يَحْنَثُ قَيَّدَ بِكَوْنِ التَّزَوُّجِ بَعْدَ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ ثُمَّ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَأَجَازَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالْقَوْلِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، وَفِيهِ لَا يَحْنَثُ بِمُبَاشَرَتِهِ فَبِالْإِجَازَةِ أَوْلَى.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ فَأَجَازَ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ كَمَا يَحْنَثُ بِالتَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَى مُتَوَقِّفٍ عَلَى إذْنِهِ لِمِلْكِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي ابْنِهِ وَابْنَتِهِ الصَّغِيرَيْنِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ كَانَا كَبِيرِينَ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمَا بَلْ هُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْهُمَا فَتَتَعَلَّقُ بِحَقِيقَةِ الْعَقْدِ، وَهُوَ مُبَاشَرَتُهُ الْعَقْدَ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ هُوَ الْعَبْدَ أَوْ الِابْنَ فَزَوَّجَهُ مَوْلَاهُ، وَهُوَ كَارِهٌ أَوْ أَبُوهُ، وَهُوَ مَجْنُونٌ حَيْثُ لَا يَحْنَثَانِ بِهِ بِخِلَافِ الْمُكْرَهِ لِوُجُودِ الْفِعْلِ مِنْهُ حَقِيقَةً دُونَهُمَا.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فَإِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا أَوْ يُزَوِّجُهَا غَيْرِي لِأَجْلِي وَأُجِيزُهُ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا وَجْهَ لِجَوَازِهِ، وَفِي رَقْمِ حُرٍّ فَحِيلَتُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فُضُولِيٌّ بِلَا أَمْرِهِمَا فَيُجِيزُهُ هُوَ فَيَحْنَثُ قَبْلَ إجَازَةِ الْمَرْأَةِ لَا إلَى جَزَاءٍ لِعَدَمِ الْمِلْكِ ثُمَّ تُجِيزُهُ هِيَ فَإِجَازَتُهَا
ــ
[منحة الخالق]
كَوْنِ الْجَزَاءِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَبَيْنَ كَوْنِهِ فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ لَمْ تَبْقَ امْرَأَتُهُ فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّهُ حَسَنٌ جِدًّا. اهـ.
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا فَاعْتِبَارُ التَّقْيِيدِ فِي الْإِضَافَةِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلَاقَهَا لَا غَيْرَهُ فَلَا يُنَافِي مَا فِي الْمُحِيطِ تَأَمَّلْ.
[حَلَفَ لَيَهَبَنَّ فُلَانًا فَوَهَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ]
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ هُوَ التَّزَوُّجُ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَبِهِ انْدَفَعَ (قَوْلُهُ: وَالْإِجَازَةُ بِالْفِعْلِ بَعْثُ الْمَهْرِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ) قَالَ فِي الْقَاسِمِيَّةِ، وَقَوْلُهُ ادْفَعْ الدَّرَاهِمَ إلَيْهَا إجَازَةٌ مِنْهُ بِالْفِعْلِ، وَقَدْ حَصَلَتْ، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهَا، وَقَالَ هَذَا مَهْرُك قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ يَكُونُ إجَازَةً بِالْقَوْلِ، وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً يَبْعَثُ إلَى وَلِيِّهَا، وَهَلْ تَكُونُ الْخَلْوَةُ إجَازَةً قَالَ فِي الْفُصُولِ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ يَكُونُ إجَازَةً كَذَا ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى ظَهِيرِ الدِّينِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَفْسُ الْخَلْوَةِ لَا تَكُونُ إجَازَةً
стр. 1572
لَا تَعْمَلُ فَيُجَدِّدَانِ فَيَجُوزُ زَادَ الْيَمِينُ انْعَقَدَتْ عَلَى تَزَوُّجٍ وَاحِدٍ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا قَالَ فِي حَلِفِهِ وَأُجِيزُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ قَالَ النَّسَفِيُّ يُزَوِّجُ الْفُضُولِيُّ لِأَجْلِهِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا إذْ الشَّرْطُ تَزْوِيجُ الْغَيْرِ لَهُ مُطْلَقًا، وَلَكِنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِطَلَاقِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ أَقُولُ: فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ مُحَالٌ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَدْخُلُ فِي نِكَاحِي فَهِيَ طَالِقٌ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا وَكَذَا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَصِيرُ حَلَالًا لِي، وَلَوْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ يَدْخُلُ فِي مِلْكِي فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى فُضُولِيٌّ عَبْدًا فَأَجَازَ هُوَ بِالْفِعْلِ يَحْنَثُ عِنْدَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ لِلْمِلْكِ أَسْبَابًا كَثِيرَةً. اهـ.
وَعَلَّلَ فِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الدُّخُولَ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ لَهُ إلَّا سَبَبٌ وَاحِدٌ هُوَ النِّكَاحُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَذْكُرَهُ أَوْ لَا. اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ تَدْخُلُ فِي عِصْمَتِي فَهِيَ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهُ فُضُولِيٌّ وَيُجِيزُ بِالْفِعْلِ وَلَا يَحْنَثُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْقُنْيَةِ إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَأَمْرُهَا بِيَدِك فَزَوَّجَهُ فُضُولِيٌّ فَأَجَازَ بِالْفِعْلِ لَا يَصِيرُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت امْرَأَةٌ فِي نِكَاحِي فَأَمْرُهَا بِيَدِك فَإِنَّ الْأَمْرَ يَصِيرُ بِيَدِهَا. اهـ.
وَهَاهُنَا تَعْلِيقٌ كَثِيرُ الْوُقُوعِ فِي مِصْرَ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً بِنَفْسِي أَوْ بِوَكِيلِي أَوْ بِفُضُولِيٍّ فَأَنْت طَالِقٌ أَوْ فَهِيَ طَالِقٌ فَهَلْ لَهُ مُخَلِّصٌ؟ . قُلْتُ: إذَا أَجَازَ عَقْدَ الْفُضُولِيِّ بِالْفِعْلِ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ بِفُضُولِيٍّ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِنَفْسِي وَالْعَامِلُ فِيهِ تَزَوَّجْت، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ فَقَوْلُهُ أَوْ بِفُضُولِيٍّ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى إجَازَتِهِ بِالْقَوْلِ فَقَطْ فَلَوْ زَادَ عَلَيْهِ أَوْ دَخَلَتْ فِي نِكَاحِي أَوْ فِي عِصْمَتِي فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الدُّخُولَ فِيهِ لَيْسَ لَهُ إلَّا سَبَبٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّزَوُّجُ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَوْلِ فَلَوْ زَادَ عَلَيْهِ أَوْ أَجَزْت نِكَاحَ فُضُولِيٍّ، وَلَوْ بِفِعْلٍ فَلَا مُخَلِّصَ لَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلَاقَ الْمُتَزَوِّجَةِ فَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى شَافِعِيٍّ لِيَفْسَخَ الْيَمِينَ الْمُضَافَةَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِ التَّعْلِيقِ.
(قَوْلُهُ: وَدَارُهُ بِالْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ) أَيْ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ يَحْنَثُ بِدُخُولِ مَا يَسْكُنُهُ بِالْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَسْكَنُ عُرْفًا فَدَخَلَ مَا يَسْكُنُهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ مِلْكٍ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْمَجَازِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْحَقِيقَةِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ قَيَّدْنَا بِأَنْ تَكُونَ مَسْكَنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ سَاكِنًا فِيهَا، وَهِيَ مِلْكُهُ لَا يَحْنَثُ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارًا بَيْنَ فُلَانٍ وَغَيْرِهِ، وَفُلَانٌ سَاكِنُهَا لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى دَارِ الْغَلَّةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَطْلَقَ فِي الْمِلْكِ فَشَمِلَ الدَّارَ الْمُشْتَرَكَةَ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهُ فُضُولِيٌّ وَيُجِيزُ بِالْفِعْلِ) أَقُولُ: مُقْتَضَى مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا إلَخْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ وَيُجِيزُ بِالْفِعْلِ إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ بَيْنَ تَدْخُلُ فِي عِصْمَتِي وَبَيْنَ تَدْخُلُ فِي نِكَاحِي أَوْ تَصِيرُ حَلَالًا لِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّ هَذَيْنِ بِمَنْزِلَةِ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا ثُمَّ ظَهَرَ لِي الْجَوَابُ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ، وَهَذِهِ الْحِيلَةُ إلَخْ بِالنَّظَرِ إلَى قَوْلِهِ أَوْ يُزَوِّجُهَا غَيْرِي لِأَجْلِي وَظَاهِرٌ أَنَّ تَزْوِيجَ الْغَيْرِ يُوجَدُ بِدُونِ الْإِجَازَةِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَمَّا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ أَتَزَوَّجُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِجَازَةِ فِيمَا لَوْ زَوَّجَهُ الْفُضُولِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ تَزَوُّجُهُ بِدُونِهَا. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: تَدْخُلُ فِي عِصْمَتِي فَإِنَّهُ مِثْلُ أَتَزَوَّجُهَا لَا مِثْلُ يُزَوِّجُهَا غَيْرِي لِأَجْلِي، وَأَنَّهُ بِتَزْوِيجِ الْفُضُولِيِّ لَا تَدْخُلُ فِي عِصْمَتِهِ بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَتِهِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْقُنْيَةِ إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك إلَخْ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَتَزَوَّجُهَا وَبَيْنَ تَدْخُلُ فِي نِكَاحِي فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَلَا مُخَلِّصَ لَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ طَلَاقَ الْمُتَزَوِّجَةِ فَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى شَافِعِيٍّ) أَقُولُ: مُقْتَضَى مَا مَرَّ عَنْ الْفُصُولَيْنِ عَدَمُ الْحَاجَةِ إلَى الرَّفْعِ إلَى الشَّافِعِيِّ بِأَنْ يُزَوِّجَهُ فُضُولِيٌّ بِلَا أَمْرِهِمَا فَيُجِيزُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ أَجَزْت نِكَاحَ فُضُولِيٍّ وَلَوْ بِالْفِعْلِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ يُزَوِّجُهَا غَيْرُهَا لِأَجْلِي وَأُجِيزُهُ تَأَمَّلْ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِجَوَازِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَدَارُهُ بِالْمِلْكِ وَالْإِجَارَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالْوَاقِفُ عَلَى السَّطْحِ دَاخِلٌ عَنْ الْمُجْتَبَى لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت دَارَ زَيْدٍ فَعَبْدِي حُرٌّ وَإِنْ دَخَلْت دَارَ عَمْرٍو فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَدَخَلَ دَارَ زَيْدٍ، وَهِيَ فِي يَدِ عَمْرٍو بِإِجَارَةِ يَعْتِقُ وَتَطْلُقُ إذَا لَمْ يَنْوِ فَإِنْ نَوَى شَيْئًا صُدِّقَ. اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّهُ إذَا نَوَى الْمِلْكَ هُنَا خَاصَّةً يَصْدُقُ، وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى (قَوْلُهُ: قَيَّدْنَا بِأَنْ تَكُونَ مَسْكَنَهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، وَإِنْ جَعَلْت بُسْتَانًا أَوْ حَمَّامًا إلَخْ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ لَوْ دَخَلَ دَارًا مَمْلُوكَةً لِفُلَانِ وَفُلَانٍ لَا يَسْكُنُهَا يَحْنَثُ فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَتْ مَسْكُونَةً لِغَيْرِهِ أَمَّا إذَا كَانَتْ خَالِيَةً فَيَحْنَثُ إذْ لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهَا عَنْهُ، وَإِضَافَتُهَا إلَيْهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: لَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى دَارِ الْغَلَّةِ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَالصَّوَابُ حَذْفُ لَا مِنْ قَوْلِهِ لَا يَحْنَثُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ وَالسِّبَاقُ وَالسِّيَاقُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَدَوَامُ الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ حَيْثُ قَالَ عَازِيًا إلَى الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ فَدَخَلَ دَارًا مُشْتَرَكَةً
стр. 1573
فَدَخَلَ دَارًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ فُلَانٍ وَغَيْرِهِ، وَفُلَانٌ سَاكِنُهَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ تُضَافُ إلَيْهِ بَعْضُهَا بِالْمِلْكِ، وَكُلُّهَا بِالسُّكْنَى، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سُكْنَى فُلَانٍ بِهَا لَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانَةَ فَدَخَلَ دَارَهَا وَزَوْجُهَا سَاكِنٌ فِيهَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ تُنْسَبُ إلَى السَّاكِنِ، وَالسَّاكِنُ هُوَ الزَّوْجُ كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا فِي بَحْثِ الدُّخُولِ.
قَوْلُهُ (حَلَفَ بِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ مَلِيءٍ لَا يَحْنَثُ) ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ بِمَالٍ وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْضُهُ حَقِيقَةً، وَلِهَذَا قِيلَ إنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمَقْبُوضَ مَضْمُونٌ عَلَى الْقَابِضِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ وَلِرَبِّ الدَّيْنِ عَلَى الْمَدِينِ مِثْلُهُ فَالْتَقَى الدَّيْنَانِ قِصَاصًا فَصَارَ غَيْرُهُ حَقِيقَةً وَشَرْعًا أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الشَّرْعُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إسْقَاطِ اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ وَالْمُفَلَّسُ بِالتَّشْدِيدِ رَجُلٌ حَكَمَ الْقَاضِي بِإِفْلَاسِهِ وَالْمَلِيءُ الْغَنِيُّ ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[منحة الخالق]
بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ إنْ كَانَ فُلَانٌ يَسْكُنُهَا يَحْنَثُ، وَإِلَّا فَلَا وَذَكَرَ قَبْلَهَا عَازِيًا إلَى الْمُحِيطِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ، وَلَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا وَدَارُ غَلَّةٍ فَدَخَلَ دَارَ الْغَلَّةِ لَا يَحْنَثُ إنَّمَا لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى دَارِ الْغَلَّةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ دَارِهِ مُطْلَقًا دَارٌ يَسْكُنُهَا (قَوْلُهُ: كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ) أَقُولُ: يُخَالِفُهُ مَا مَرَّ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَدَوَامُ الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ إلَخْ مَعْزِيًّا إلَى الْخَانِيَّةِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ ابْنَتِهِ وَابْنَتُهُ تَسْكُنُ فِي دَارٍ لَا يَدْخُلُ دَارَ أُمِّهِ وَأُمُّهُ تَسْكُنُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا فَدَخَلَ الْحَالِفُ حَنِثَ. اهـ.
وَكَذَا ذَكَرَ فِي النَّهْرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ، وَفِي طَارِقِ الْبَابِ لَا مَا نَصُّهُ، وَلَا فَرْقَ فِي السَّاكِنِ بَيْنَ كَوْنِهِ تَبَعًا أَوْ لَا حَتَّى لَوْ حَلَفَ إلَى آخَرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ عَيَّنَ الْفَرْعَ الْمَنْقُولَ هُنَا عَنْ الْوَاقِعَاتِ، وَقَالَ فِي جَوَابِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ تِلْكَ الدَّارَ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ السُّكْنَى تُضَافُ إلَى الزَّوْجِ لَا إلَى الْمَرْأَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الدَّارَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لِلْمَرْأَةِ أُرِيدَتْ السُّكْنَى بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَتْ الدَّارُ فِي مَسْأَلَتِنَا مِلْكًا لَهَا انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ عَلَى السُّكْنَى بِالْأَصَالَةِ، وَلَمَّا كَانَ زَوْجُهَا سَاكِنًا مَعَهَا صَارَتْ تَبَعًا لَهُ لِأَنَّهَا تُضَافُ حِينَئِذٍ إلَى الزَّوْجِ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحِنْثِ لَكِنْ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَا يُفِيدُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ حَيْثُ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْوَاقِعَاتِ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّانِيَةَ عَنْ الْمُنْتَقَى ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُخَالِفُ مَا ذُكِرَ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْفَضْلِيِّ تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ دَارٌ أُخْرَى تُنْسَبُ إلَيْهِ يَحْنَثُ، وَإِلَّا فَلَا قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْمُنْتَقَى. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ قَالَ، وَفِي الْمُنْتَقَى اخْتَارَ الْحِنْثَ مُطْلَقًا اعْتِبَارًا بِالْمُسَاكَنَةِ إلَّا إذَا نَوَى دَارًا مَمْلُوكَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا اهـ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
стр. 1574
[كِتَابُ الْحُدُودِ]
لَمَّا كَانَتْ الْيَمِينُ لِلْمَنْعِ فِي أَحَدِ نَوْعَيْهَا نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ الْحُدُودَ عَقِيبَهَا لِأَنَّ الْحَدَّ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا لِمَنْعِهِ النَّاسَ عَنْ الدُّخُولِ وَالسَّجَّانُ حَدَّادًا لِمَنْعِهِ عَنْ الْخُرُوجِ، وَحُدُودُ الدِّيَارِ نِهَايَاتُهَا لِمَنْعِهَا عَنْ دُخُولِ مِلْكِ الْغَيْرِ فِيهَا وَخُرُوجِ بَعْضِهَا إلَيْهِ وَسُمِّيَ اللَّفْظُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ حَدًّا لِأَنَّهُ يَجْمَعُ مَعْنَى الشَّيْءِ وَيَمْنَعُ دُخُولَ غَيْرِهِ فِيهِ وَسُمِّيَتْ الْعُقُوبَاتُ الْخَالِصَةُ حُدُودًا لِأَنَّهَا مَوَانِعُ مِنْ ارْتِكَابِ أَسْبَابِهَا مُعَاوَدَةً، وَحُدُودُ اللَّهِ مَحَارِمُهُ لِأَنَّهَا مَمْنُوعٌ عَنْهَا وَمِنْهُ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وَحُدُودُ اللَّهِ أَيْضًا أَحْكَامُهُ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ التَّخَطِّي إلَى مَا وَرَاءَهَا وَمِنْهُ ﴿حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلِأَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعِبَادَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ الْعُقُوبَاتِ الْمُحَصِّنَةَ بَعْدَهَا قَوْلُهُ (الْحَدُّ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى) بَيَانٌ لِمَعْنَاهُ شَرْعًا فَخَرَجَ التَّعْزِيرُ لِعَدَمِ التَّقْدِيرِ وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُمْ: إنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرَهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا؛ لِأَنَّ مَا بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ بِغَيْرِ الضَّرْبِ وَخَرَجَ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ فَلَا يُسَمَّى حَدًّا اصْطِلَاحًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ يُسَمَّى بِهِ فَهُوَ الْعُقُوبَةُ الْمُقَدَّرَةُ شَرْعًا فَهُوَ عَلَى هَذَا قِسْمَانِ قِسْمٌ يَصِحُّ فِيهِ الْعَفْوُ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَقِسْمٌ لَا يَصِحُّ فِيهِ وَهُوَ مَا عَدَاهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْمَشْهُورُ الْحَدُّ لَا يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ مُطْلَقًا بَعْدَ ثُبُوتِ سَبَبِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَعَلَى هَذَا يُبْنَى عَدَمُ جَوَازِ الشَّفَاعَةِ فِيهِ فَإِنَّهَا طَلَبُ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَلِذَا «أَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حِينَ شَفَعَ فِي الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» وَأَمَّا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْإِمَامِ وَالثُّبُوتِ عِنْدَهُ تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَ الرَّافِعِ لَهُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُطْلِقَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَمْ يَثْبُتْ
ــ
[منحة الخالق]
كِتَابُ الْحُدُودِ)
стр. 1575
كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْحُدُودَ مَوَانِعٌ قَبْلَ الْفِعْلِ زَوَاجِرٌ بَعْدَهُ أَيْ الْعِلْمُ بِشَرْعِيَّتِهَا يَمْنَعُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ وَإِيقَاعُهُ بَعْدَهُ يَمْنَعُ مِنْ الْعَوْدِ إلَيْهِ فَهِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إلَى كَافَّةِ النَّاسِ فَكَانَ حُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ الِانْزِجَارُ عَمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْعِبَادُ وَصِيَانَةَ دَارِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْفَسَادِ فَفِي حَدِّ الزِّنَا صِيَانَةُ الْأَنْسَابِ وَفِي حَدِّ السَّرِقَةِ صِيَانَةُ الْأَمْوَالِ وَفِي حَدِّ الشُّرْبِ صِيَانَةُ الْعُقُولِ وَفِي حَدِّ الْقَذْفِ صِيَانَةُ الْأَعْرَاضِ فَالْحُدُودُ أَرْبَعَةٌ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَجَعَلَ الْخَامِسَ حَدَّ السُّكْرِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حَدَّ السُّكْرِ هُوَ حَدُّ الشُّرْبِ كَمِّيَّةً وَكَيْفِيَّةً وَإِنْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ﵏ فِي أَنَّ الطَّهِرَةَ مِنْ الذَّنْبِ مِنْ أَحْكَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى ذَلِكَ وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَحْكَامِهِ، فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَتُبْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ إثْمُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ عِنْدَنَا عَمَلًا بِآيَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] فَإِنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ يَعُودُ إلَى التَّقْتِيلِ أَوْ التَّصْلِيبِ أَوْ النَّفْيِ فَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَيْهِمْ وَأَسْقَطَ عَذَابَ الْآخِرَةِ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَائِدٌ إلَيْهِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا أَنَّ «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْمَعَاصِي شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا تَابَ فِي الْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ضَرْبَهُ أَوْ رَجْمَهُ يَكُونُ مَعَهُ تَوْبَةٌ مِنْهُ لِذَوْقِهِ سَبَبَ فِعْلِهِ فَتَقَيَّدَ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَتَقَيُّدُ الظَّنِّيِّ مَعَ مُعَارَضَةِ الْقَطْعِيِّ لَهُ مُتَعَيِّنٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ يُقَالُ: إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ عَائِدًا إلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ لَمْ يَبْقَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَرْفَعُ الذَّنْبَ قَبْلَ الْأَخْذِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَبَعْدَهَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى عَذَابِ الدُّنْيَا لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ حَدَّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَبْقَى حَدُّ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقِصَاصِ إنْ قَتَلُوا وَالْقَطْعِ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ فَصَحَّ الْعَفْوُ عَنْهُمْ بِخِلَافِهَا بَعْدَ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّهَا لَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَا يَصِحَّ عَفْوُ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِينَ وَاسْتَدَلَّ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِ مُطَهِّرًا مِنْ الذَّنْبِ بِأَنَّهُ يُقَامُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَا مُطَهِّرَ لَهُ اتِّفَاقًا وَزَادَ بَعْضُهُمْ وَيُقَامُ عَلَى كُرْهٍ مِمَّنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِشَيْءٍ لِجَوَازِ التَّكْفِيرِ بِمَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْمَكَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْعَاصِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ التَّوْبَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِنَابَةُ ثُمَّ إذَا اتَّصَلَ بِالْإِمَامِ ثُبُوتُهُ وَجَبَ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ إقَامَتِهِ بِسَبَبِ التَّوْبَةِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ أَتَى بِفَاحِشَةٍ ثُمَّ تَابَ وَأَنَابَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يُعْلِمُ الْقَاضِيَ بِفَاحِشَتِهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّتْرَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالزِّنَا وَطْءٌ فِي قُبُلٍ خَالٍ عَنْ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ) بَيَانٌ لِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، وَاللُّغَوِيِّ، فَإِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِيهِ وَخَرَجَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ وَخَرَجَ وَطْءُ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَمَنْ لَهُ فِيهَا شُبْهَةُ مِلْكٍ وَدَخَلَ وَطْءُ الْأَبِ جَارِيَةَ ابْنِهِ، فَإِنَّهُ زِنًا شَرْعِيٌّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِالزِّنَا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ وَطْءُ الرَّجُلِ فَخَرَجَ الصَّبِيُّ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ، فَإِنَّ فِعْلَهَا لَيْسَ وَطْئًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْكِينٌ مِنْهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا زَانِيَةً مَجَازٌ، وَالْكَلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَقَدْ يُقَالُ إنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ التَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إلَى عَذَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَتَّى لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَمَا أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الدُّنْيَا وَالْعِقَابُ فِي الْآخِرَةِ أَمَّا لَوْ أَخَافَ الطَّرِيقَ وَتَابَ بَعْدَمَا أُخِذَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الدُّنْيَا كَمَا سَيَأْتِي وَبِهَذَا ظَهَرَ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِمَا قَبْلَ الْقُدْرَةِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْجُمَلِ لِاتِّحَادِ جِنْسِهَا فَيَرْتَفِعُ الْكُلُّ بِالتَّوْبَةِ وَرَجَعَ إلَى مَا يَلِيه فِي آيَةِ الْقَذْفِ لِمُغَايِرَتِهَا لِمَا قَبْلَهَا فَكَانَتْ فَاصِلَةً اهـ.
وَيُرِيدُ بِارْتِفَاعِ الْكُلِّ الْمَجْمُوعَ لِمَا قَدْ عَلِمْته مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ أَوْ أَخَذَ الْمَالَ وَتَابَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا سَوَاءٌ تَابَ قَبْلَ الْأَخْذِ أَوْ بَعْدَهُ اهـ.
قُلْتُ: وَفِي حَمْلِهِ الْكُلَّ عَلَى الْمَجْمُوعِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ وَلَا شُبْهَةَ فِي سُقُوطِهِ فِيمَا لَوْ قَتَلَ أَوْ أَخَذَ الْمَالَ ثُمَّ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لَا يَسْقُطُ الْقَتْلُ وَالضَّمَانُ لِكَوْنِهِ حَقَّ عَبْدٍ حَتَّى لَوْ عَفَا عَنْهُ صَحَّ كَمَا يَأْتِي (قَوْلُهُ وَالْقَطْعُ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ) صَوَابُهُ وَالضَّمَانُ بَدَلٌ قَوْلُهُ وَالْقَطْعُ وَعِبَارَتُهُ فِي بَابِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةُ لَوْ قَتَلَ فَتَابَ قَبْلَ الْأَخْذِ لَا حَدَّ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَا تُقَامُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ أَوْ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ الْمَالِ وَلَا قَطْعَ فِي مِثْلِهِ فَظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي النَّفْسِ وَالْمَالِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ أَوْ يَعْفُوَ وَيَجِبُ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ اهـ.
[بَاب حَدّ الزِّنَا]
(قَوْلُهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا زَانِيَةً مَجَازٌ وَالْكَلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ) اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ
стр. 1576
وَلَمْ يَقْصِدْ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفَ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ كَمَا تَوَهَّمَهُ الزَّيْلَعِيُّ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَانْتَقَضَ التَّعْرِيفُ طَرْدًا وَعَكْسًا أَمَّا انْتِقَاضُهُ طَرْدًا، فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي الْمَجْنُونِ، وَالْمُكْرَهِ وَفِي وَطْءِ الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَالْمَيِّتَةِ، وَالْبَهِيمَةِ وَفِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَهُوَ زِنًا شَرْعِيٌّ، وَأَمَّا انْتِقَاضُهُ عَكْسًا فَبِزِنَا الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ الْحَدَّ انْتَفَى وَلَمْ يَنْتَفِ الْمَحْدُودُ وَهُوَ الزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ فَالزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ هُوَ وَطْءُ مُكَلَّفٍ طَائِعٍ مُشْتَهَاةً حَالًا أَوْ مَاضِيًا فِي الْقُبُلِ بِلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ تَمْكِينِهِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ تَمْكِينِهَا لِيَصْدُقَ عَلَى مَا لَوْ كَانَ مُسْتَلْقِيًا فَقَعَدَتْ عَلَى ذَكَرِهِ فَتَرَكَهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهُ، فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَيْسَ الْمَوْجُودُ مِنْهُ سِوَى التَّمْكِينِ.
وَالْوَطْءُ هُوَ إدْخَالُ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ الذَّكَرِ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ وَبِهَذَا عُرِفَ أَنَّ تَعْرِيفَ الزَّيْلَعِيِّ الزِّنَا الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ بِأَنَّهُ وَطْءُ مُكَلَّفٍ فِي قُبُلِ الْمُشْتَهَاةِ عَارٍ عَنْ مِلْكِهِ وَشُبْهَتُهُ عَنْ طَوْعٍ لَيْسَ بِتَامٍّ، وَإِنْ قَالَ إنَّهُ أَتَمُّ كَمَا لَا يَخْفَى وَزَادَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِهِ الْعِلْمَ بِالتَّحْرِيمِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحُرْمَةِ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ وَأَصْلُهُ مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِالْيَمَنِ فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ ﵁ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ الزِّنَا فَاجْلِدُوهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَعَلِّمُوهُ، فَإِنْ عَادَ فَاجْلِدُوهُ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ الشُّيُوعُ، وَالِاسْتِفَاضَةُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أُقِيمَ مَقَامَ الْعِلْمِ وَلَكِنْ لَا أَقَلَّ مِنْ إيرَاثِ شُبْهَةٍ لِعَدَمِ التَّبْلِيغِ اهـ.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْكَوْنَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ كَمَا هُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي الْأَحْكَامِ كُلِّهَا وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ، وَالْمِلَلِ فَالْحَرْبِيُّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ فَزَنَى وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهُ حَلَالٌ يُحَدُّ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَهُ أَوَّلَ يَوْمٍ دَخَلَهُ فَكَيْفَ يُقَالُ إذَا ادَّعَى مُسْلِمٌ أَصْلِيٌّ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حُرْمَةَ الزِّنَا إِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْحَدِّ وَلَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْمَعْنَى إنَّ شَرْطَ الْحَدِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِلْمُهُ بِالْحُرْمَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَا حَدَّ عَلَيْهِ كَانَ قَلِيلَ الْجَدْوَى أَوْ غَيْرَ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحُدَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي ثَبَتَ زِنَاهُ عِنْدَهُ عُرِفَ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
الْمَرْأَةُ تُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى زَانِيَةً فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] عُلِمَ أَنَّهَا تُسَمَّى زَانِيَةً حَقِيقَةً وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا لَا تُسَمَّى وَاطِئَةً أَنَّهَا زَانِيَةٌ مَجَازًا فَلِذَا زَادَ فِي التَّعْرِيفِ تَمْكِينَهَا حَتَّى يَدْخُلَ فِعْلُهَا فِي الْمُعَرَّفِ وَهُوَ الزِّنَا الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَمْكِينُهَا زِنًا حَقِيقَةً لَمَا اُحْتِيجَ إلَى إدْخَالِهِ فِي التَّعْرِيفِ وَهُوَ أَيْضًا إمَارَةُ كَوْنِهَا زَانِيَةً حَقِيقَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاطِئَةً كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يُسَمَّى زَانِيًا حَقِيقَةً بِالتَّمْكِينِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْوَطْءُ حَقِيقَةً وَبِهِ سَقَطَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ تَسْمِيَتَهَا زَانِيَةً مَجَازٌ فَافْهَمْ اهـ.
يَقُولُ الْفَقِيرُ أَحْمَدُ جَامِعُ هَذِهِ الْحَوَاشِي هَذِهِ الْمَقُولَةُ لَمْ أَرَهَا بِخَطِّ شَيْخِنَا عَلَى هَامِشِ الْبَحْرِ هُنَا وَإِنَّمَا أَفَادَهَا فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ فَلْيُحْفَظْ فَرَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَمَرِّ الْأَزْمَانِ عَلَى تَحْقِيقِهِ الْفَرِيدِ فِي كُلِّ مَكَان (قَوْلُهُ وَلَمْ يَقْصِدْ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفَ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ نَقْضَ الطَّرْدِ إنَّمَا يَتِمُّ بِتَقْدِيرِ كَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَلَا نُسَلِّمُهُ بَلْ هُوَ لِلزِّنَا الشَّرْعِيِّ وَلَا يَرِدُ زِنَا الْمَرْأَةِ بِالْعَكْسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ زِنًا حَقِيقَةً وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَمْكِينَهُ يَرِدُ عَلَى الْعَكْسِ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرْعِيُّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْوَطْءِ كَوْنُ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلِ مُشْتَهَاةٍ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ وَتِلْكَ الشُّرُوطُ الْمَزِيدَةُ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ وَقَدْ مَرَّ نَظِيرُهُ ثُمَّ رَأَيْت الرَّازِيَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ تَعْرِيفِ الْمُصَنِّفِ، وَأَمَّا كَوْنُ الزَّانِي مُكَلَّفًا طَائِعًا وَكَوْنُ الزَّانِيَةِ مُشْتَهَاةً فَشَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِمَا وَقَوْلُ الشَّارِحِ لَوْ عَرَّفَهُ بِمَا قَالَ لَكَانَ أَتَمَّ أَيْ أَوْفَى بِالشُّرُوطِ نَعَمْ بَقِيَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى لَوْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي وَهَذَا الشَّرْطُ أَوْمَأَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَمَكَانُهُ (قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ فِي الْبَابِ الْآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ أَخِيهِ أَوْ عَمِّهِ وَقَالَ ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي حُدَّ قَالَ أَيْ إنْ عَلِمَ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ لَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ وَطْأَهُ هَذِهِ لَيْسَ زِنًا مُحَرَّمًا فَلَا يُعَارِضُ مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ قَوْلِهِ شَرْطُ وُجُوبِ الْحَدِّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الزِّنَا حَرَامٌ وَإِنَّمَا يَنْفِيه مَسْأَلَةُ الْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ إلَى آخَرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَقَدْ أَقَرَّ هَذَا التَّعَقُّبَ فِي الرَّمْزِ وَالنَّهْرِ وَالْمِنَحِ والشرنبلالية وَنَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِمَا مَرَّ عَنْ عُمَرَ كَيْفَ وَالْبَابُ تُدْرَأُ فِيهِ الشُّبُهَاتُ وَلَعَلَّ مَسْأَلَةَ الْحَرْبِيِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْعِلْمَ تَأَمَّلْ قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ فِي تَحْرِيرِهِ الْأُصُولِيِّ الْفَرْعَ الْمَذْكُورَ، وَقَالَ فَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ مُشْكِلٌ وَقَالَ شَارِحُهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الْمُحِيطِ مَا نَصُّهُ غَيْرَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْمَبْسُوطِ عَقِبَ هَذَا الْأَثَرِ فَقَدْ جَعَلَ ظَنَّ الْحِلِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ شُبْهَةً لِعَدَمِ اشْتِهَارِ الْأَحْكَامِ اهـ.
يُشِيرُ إلَى أَنَّ هَذَا الظَّنَّ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَكُونُ شُبْهَةً مُعْتَبَرَةً لِاشْتِهَارِ الْأَحْكَامِ فِيهِ وَلَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّاشِئِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُ الْمُهَاجِرُ الْمُقِيمُ بِهَا مُدَّةً يَطَّلِعُ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ الْمُهَاجِرُ إلَيْهَا الْوَاقِعُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي فَوْرِ دُخُولِهِ فَلَا وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَنُقِلَ فِي اشْتِرَاطِ
стр. 1577
لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ وَاجِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِيه فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْبَةُ، وَالْإِنَابَةُ ثُمَّ إذَا اتَّصَلَ بِالْإِمَامِ ثُبُوتُهُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَةُ الْحَدِّ اهـ.
وَهُوَ مَقْصُورٌ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ وَيُمَدُّ فِي لُغَةِ نَجْدٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمِلْكِ هُنَا الْأَعَمُّ مِنْ مِلْكِ الْعَيْنِ وَمِنْ مِلْكِ حَقِيقَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَدَخَلَ تَحْتَ شُبْهَةِ الْمِلْكِ حَقُّ الْمِلْكِ وَشُبْهَةُ النِّكَاحِ وَشُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ وَقَدْ فَصَّلَهَا فِي الْبَدَائِعِ فَقَالَ الْعَارِي عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ وَعَنْ شُبْهَتِهِ وَعَنْ حَقِّ الْمِلْكِ وَعَنْ حَقِيقَةِ النِّكَاحِ وَشُبْهَتِهِ وَعَنْ شُبْهَةِ الِاشْتِبَاهِ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ فِي الْمِلْكِ، وَالنِّكَاحِ جَمِيعًا اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ إذَا زَنَا فِي حَالِ إفَاقَتِهِ أُخِذَ بِالْحَدِّ، وَإِنْ قَالَ زَنَيْت فِي حَالِ جُنُونِي لَا يُحَدُّ كَالْبَالِغِ إذَا قَالَ زَنَيْت فِي حَالِ الصِّبَا.
قَوْلُهُ (: وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ بِالزِّنَا لَا بِالْوَطْءِ، وَالْجِمَاعِ) أَيْ يَثْبُتُ الزِّنَا عِنْدَ الْحَاكِم ظَاهِرًا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ مِنْ الرِّجَالِ يَشْهَدُونَ بِلَفْظِ الزِّنَا لَا بِلَفْظِ الْوَطْءِ، وَالْجِمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] «وَقَالَ ﵇ لِلَّذِي قَذَفَ امْرَأَتَهُ ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك» وَلِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِ تَحْقِيقَ مَعْنَى السَّتْرِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ، وَالْإِشَاعَةُ ضِدُّهُ فَعَلَى هَذَا فَالشَّهَادَةُ بِالزِّنَا خِلَافُ الْأَوْلَى الَّتِي مَرْجِعُهَا إلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ؛ لِأَنَّهَا فِي رُتْبَةِ النَّدْبِ فِي جَانِبِ الْفِعْلِ وَكَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ فِي جَانِبِ التَّرْكِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدْ بِالزِّنَا وَلَمْ يَتَهَتَّكْ بِهِ أَمَّا إذَا وَصَلَ الْحَالُ إلَى إشَاعَتِهِ، وَالتَّهَتُّكِ بِهِ بَلْ بَعْضُهُمْ رُبَّمَا افْتَخَرَ بِهِ فَيَجِبُ كَوْنُ الشَّهَادَةِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا؛ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الشَّارِعِ إخْلَاءُ الْأَرْضِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْفَوَاحِش، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْغَافِلِينَ وَبِالزَّجْرِ لَهُمْ، فَإِذَا أَظْهَرَ حَالَ الشَّرَهِ فِي الزِّنَا مَثَلًا، وَالشُّرْبِ وَعَدَمَ مُبَالَاتِهِ فَإِخْلَاءُ الْأَرْضِ حِينَئِذٍ بِالْحُدُودِ وَعَلَى هَذَا ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِمَنْزِلَةِ الْغَيْبَةِ فِيهِ يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِنْهَا وَيَحِلُّ مِنْهُ مَا يَحِلُّ مِنْهَا وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الذُّكُورَةِ فِي الشُّهُودِ لِإِدْخَالِ التَّاءِ فِي الْعَدَدِ فِي الْمَنْصُوصِ وَأَطْلَقَهُمْ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ أَحَدَهُمْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ هُوَ يَقُولُ هُوَ مُتَّهَمٌ وَنَحْنُ نَقُولُ التُّهْمَةُ مَا تُوجِبُ جَرَّ نَفْعٍ، وَالزَّوْجُ مُدْخِلٌ عَلَى نَفْسِهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لُحُوقَ الْعَارِ وَخُلُوَّ الْفِرَاشِ خُصُوصًا إذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ وَقَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ الزَّوْجُ قَذَفَهَا فَلَوْ كَانَ قَدْ قَذَفَهَا وَشَهِدَ بِالزِّنَا وَمَعَهُ ثَلَاثَةٌ حُدَّ الثَّلَاثَةُ لِلْقَذْفِ وَعَلَى الزَّوْجِ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الزَّوْجِ لَمْ تُقْبَلْ لِمَكَانِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ يَسْعَى فِي دَفْعِ اللِّعَانِ عَنْ نَفْسِهِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُ الشُّهُودِ إنَّ فُلَانًا قَدْ زَنَى أَوْ قَالَ لَهُ زَنَيْت ثُمَّ جَاءَ وَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِمَا ذُكِرَ فِي الزَّوْجِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى الْمَرْأَةِ أَحَدُهُمْ زَوْجُهَا بِالزِّنَا بِابْنِ زَوْجِهَا مُطَاوَعَةً لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُرِيدُ إسْقَاطَ الْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِسْقَاطَ النَّفَقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ وَلَا يُحَدُّ الزَّوْجُ اهـ.
وَلَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ حَتَّى لَوْ شَهِدُوا مُتَفَرِّقِينَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ لَوْ جَاءُوا مِثْلَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ فُرَادَى لَجَلَدْتُهُمْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَوْ جَاءُوا فُرَادَى وَقَعَدُوا مَقْعَدَ الشُّهُودِ وَقَامَ إلَى الْقَاضِي وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ حُدُّوا جَمِيعًا اهـ.
وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ لَفْظَ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الدَّالُّ عَلَى فِعْلِ الْحَرَامِ لَا لَفْظُ الْوَطْءِ، وَالْجِمَاعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ لَفْظٌ مَقَامَ لَفْظِ الزِّنَا فَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ وَطِئَهَا وَطْئًا مُحَرَّمًا لَا يَثْبُتُ بِهِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بِالزِّنَا إلَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ زَنَى وَآخَرَانِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالزِّنَا، فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا تُحَدُّ الشُّهُودُ أَيْضًا.
وَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا وَشَهِدَ الرَّابِعُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا فَعَلَى الثَّلَاثَةِ الْحَدُّ اهـ.؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ
ــ
[منحة الخالق]
الْعِلْمِ بِحُرْمَةِ الزِّنَا إجْمَاعُ الْفُقَهَاءِ اهـ.
وَهُوَ مُفِيدٌ أَنَّ جَهْلَهُ يَكُونُ عُذْرًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَا قَبْلَهُ فَمَتَى يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ عُذْرًا، وَأَمَّا نَفْيُ كَوْنِهِ عُذْرًا فِي حَالَةِ الْكُفْرِ لِتَقْصِيرِهِ فِي الطَّلَبِ لِمَعْرِفَةِ هَذَا الْحُكْمِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَمَحَلُّ نَظَرٍ وَحِينَئِذٍ فَالْفَرْعُ الْمَذْكُورُ هُوَ الْمُشْكِلُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ وَاجِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) تَمَامُ عِبَارَةِ الْفَتْحِ هَكَذَا إلَّا وُجُوبَهُ عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الزَّانِي أَنْ يَحُدَّ نَفْسَهُ وَلَا أَنْ يُقِرَّ بِالزِّنَا بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَشُبْهَةُ الِاشْتِبَاهِ) هَذَا مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَدَّعِيَ الْحِلَّ كَمَا سَيَأْتِي مَتْنًا فِي الْبَابِ التَّالِي.
[مَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا]
(قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ لَفْظٌ مَقَامَ لَفْظِ الزِّنَا) هَذَا فِي غَيْرِ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ أَمَّا فِيهِمَا فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ قِيَامِهِمَا مَقَامَ الزِّنَا كَمَا لَا يَخْفَى
стр. 1578
عَلَى الْإِقْرَارِ لَا تُعْتَبَرُ فَبَقِيَ كَلَامُ الثَّلَاثَةِ قَذْفًا.
قَوْلُهُ (فَسَأَلَهُمْ الْإِمَامُ عَنْ مَاهِيَّتِه وَكَيْفِيَّتِهِ وَمَكَانِهِ وَزَمَانِهِ، وَالْمَزْنِيَّةِ) أَيْ سَأَلَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ عَنْ مَاهِيَّتِه أَيْ ذَاتِهِ وَهُوَ إدْخَالُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ عَنَوْا غَيْرَ الْفِعْلِ فِي الْفَرْجِ كَمَا قَالَ ﵇ «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ» الْحَدِيثَ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ كُلَّ وَطْءٍ حَرَامٍ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَاهِيَّةِ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَالْكَيْفِيَّةُ هِيَ الطَّوَاعِيَةُ، وَالْكَرَاهِيَةُ وَعَنْ الْمَكَانِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَنْ الزَّمَانِ لِجَوَازِ تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَلِجَوَازِ أَنَّهُ زَنَى فِي زَمَنِ صِبَاهُ وَعَنْ الْمَزْنِيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ جَارِيَةَ ابْنِهِ أَوْ أَمَةَ مُكَاتِبِهِ فَلْيَسْتَقْصِ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ احْتِيَالًا لِدَرْءِ الْحَدِّ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقِيَاسُهُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى زِنَا امْرَأَةٍ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ الزَّانِي بِهَا مَنْ هُوَ، فَإِنَّ فِيهِ أَيْضًا الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ وَزِيَادَةً وَهُوَ جَوَازُ كَوْنِهِ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا بِأَنْ مَكَّنَتْ أَحَدَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهَا عِنْدَ الْإِمَامِ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ سَأَلَهُمْ فَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّهُمَا زَنَيَا فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَالُوا وَلَا عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزِّنَا وَلَمْ يَثْبُتْ قَذْفُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا مَا يَنْفِي كَوْنَ مَا ذَكَرُوهُ زِنًا لِيَظْهَرَ قَذْفُهُمْ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدُّونَ وَلَوْ بَيَّنَ ثَلَاثَةٌ وَلَمْ يَزِدْ وَاحِدٌ عَلَى الزِّنَا لَا يُحَدُّ وَمَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الرَّابِعَ لَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ زَانٍ فَسُئِلَ عَنْ صِفَتِهِ وَلَمْ يَصِفْهُ أَنَّهُ يُحَدُّ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ لِلْقَاضِي فِي مَجْلِسٍ غَيْرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ الثَّلَاثَةُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَإِلَى أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا لَا يُحَدُّ قَالَ فِي الْمُحِيطِ لَا يُحَدُّ، وَإِنْ قَالَ لَيْسَتْ بِامْرَأَتِي، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُهَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ عَارِفٌ بِحَالِهِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ شَهِدُوا أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَا يَعْرِفُونَهَا ثُمَّ قَالُوا بِفُلَانَةَ لَا يُحَدُّ الرَّجُلُ وَلَا الشُّهُودُ اهـ.
قَوْلُهُ (: فَإِنْ بَيَّنُوهُ وَقَالُوا رَأَيْنَاهُ وَطِئَهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ وَعُدِلُوا سِرًّا وَجَهْرًا حُكِمَ بِهِ) لِظُهُورِ الْحَقِّ وَوُجُوبِ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى الْقَاضِي، وَالْمُكْحُلَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَالْحَاءِ وَقَوْلُهُمْ وَطِئَهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ رَاجِعٌ إلَى بَيَانِ الْكَيْفِيَّةِ وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَإِلَّا السُّؤَالُ عَنْ مَاهِيَّتِه كَافٍ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ مَوْقُوفٌ عَلَى بَيَانِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ هُنَا بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ اتِّفَاقًا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ مُسْلِمٌ لَيْسَ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ عَنْ الْإِمَامِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ التَّعْدِيلِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَحَاصِلُ التَّعْدِيلِ سِرًّا أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي وَرَقَةً فِيهَا أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ مَحَلَّتِهِمْ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَيَّزُ كُلٌّ مِنْهُمْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَيَكْتُبَ تَحْتَ اسْمِهِ هُوَ عَدْلٌ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ وَحَاصِلُ التَّعْدِيلِ عَلَانِيَةً أَنْ يَجْمَعَ الْقَاضِي بَيْنَ الْمُزَكِّي، وَالشَّاهِدِ فَيَقُولُ هَذَا هُوَ الَّذِي زَكَّيْته وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ عَدَالَةَ الشُّهُودِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ عَدَالَتِهِمْ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُغْنِيه عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْحَاصِلِ لَهُ مِنْ تَعْدِيلِ الْمُزَكِّي وَلَوْلَا مَا ثَبَتَ مِنْ إهْدَارِ الشَّرْعِ عِلْمَهُ بِالزِّنَا فِي إقَامَةِ الْحَدِّ بِالسَّمْعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَكَانَ يَحُدُّهُ بِعِلْمِهِ لَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ هُنَاكَ وَلَمْ يَثْبُتْ هُنَا قَالُوا وَيَحْبِسُهُ هُنَا حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ كَيْ لَا يَهْرُبَ وَلَا وَجْهَ لِأَخْذِ الْكَفِيلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْكَفِيلِ نَوْعُ احْتِيَاطٍ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِيمَا يَنْبَنِي عَلَى الدَّرْءِ وَلَيْسَ حَبْسُهُ لِلِاحْتِيَاطِ بَلْ لِلتُّهْمَةِ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ بِخِلَافِ الدُّيُونِ لَا يُحْبَسُ فِيهَا قَبْلَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ أَقْصَى عُقُوبَةٍ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ قَبْلَ الثُّبُوتِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ، فَإِنَّهُ فِيهَا عُقُوبَةٌ أُخْرَى أَغْلَظُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ (وَبِإِقْرَارِهِ أَرْبَعًا فِي مَجَالِسِهِ الْأَرْبَعَةِ كُلَّمَا أَقَرَّ رَدَّهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى بِالْبَيِّنَةِ أَيْ يَثْبُتُ الزِّنَا بِإِقْرَارِهِ وَقُدِّمَ الثُّبُوتُ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ وَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِهَا أَقْوَى حَتَّى لَا يَنْدَفِعَ الْحَدُّ بِالْفِرَارِ وَلَا بِالتَّقَادُمِ وَلِأَنَّهَا حُجَّةٌ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يَنْدَفِعَ الْحَدُّ بِالْفِرَارِ وَلَا بِالتَّقَادُمِ) هَكَذَا فِي الْفَتْحِ وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ فِي عِلَّةِ سُؤَالِهِمْ عَنْ الزَّمَانِ لِجَوَازِ تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَلِمَا يَأْتِي أَيْضًا قَرِيبًا وَيَأْتِي مَتْنًا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَحَلِّ ثُمَّ رَأَيْت الرَّمْلِيَّ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا كَمَا هُنَا فَقَالَ الْمُقَرَّرُ إنَّ التَّقَادُمَ يَمْنَعُهَا دُونَ الْفِرَارِ وَكَمَا يَمْنَعُ التَّقَادُمُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فِي الِابْتِدَاءِ فَكَذَا يَمْنَعُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَتَأَمَّلْ
стр. 1579
مُتَعَدِّيَةٌ، وَالْإِقْرَارُ قَاصِرٌ وَلِلْإِقْرَارِ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فَلَوْ أَقَرَّ الْأَخْرَسُ بِالزِّنَا بِكِتَابَةٍ أَوْ إشَارَةٍ لَا يُحَدُّ لِلشُّبْهَةِ لِعَدَمِ الصَّرَاحَةِ وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْأَخْرَسِ لَا تُقْبَلُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَدَّعِي شُبْهَةً كَمَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى مَجْنُونٍ أَنَّهُ زَنَى فِي حَالِ إفَاقَتِهِ بِخِلَافِ الْأَعْمَى، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْخَصِيُّ، وَالْعِنِّينُ وَعَلَى هَذَا فَيُزَادُ فِي تَعْرِيفِ الزِّنَا الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ بَعْدَ قَوْلِهِ مُكَلَّفٌ نَاطِقٌ لَمَّا عَلِمْت أَنَّ الْأَخْرَسَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لَا بِإِقْرَارِهِ وَلَا بِبَيِّنَةٍ. الثَّانِي أَنْ لَا يَظْهَرَ كَذِبُهُ فِي إقْرَارِهِ فَلَوْ أَقَرَّ فَظَهَرَ مَجْبُوبًا أَوْ أَقَرَّتْ فَظَهَرَتْ رَتْقَاءَ وَذَلِكَ بِأَنْ تُخْبِرَ النِّسَاءُ بِأَنَّهَا رَتْقَاءُ قَبْلَ الْحَدِّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ إخْبَارَهُنَّ بِالرَّتْقِ يُوجِبُ شُبْهَةً فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ وَبِالشُّبْهَةِ يَنْدَرِئُ الْحَدُّ وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِخَرْسَاءَ أَوْ هِيَ أَقَرَّتْ بِأَخْرَسَ لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ فِي حَالَةِ الصَّحْوِ لِمَا فِي الْمُحِيطِ السَّكْرَانُ إذَا سَرَقَ أَوْ زَنَى فِي حَالِ سُكْرِهِ يُحَدُّ وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا أَوْ بِالسَّرِقَةِ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، وَالْإِقْرَارَ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ فَاعْتُبِرَ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي حَالِ سُكْرِهِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْحَدِّ لَا غَيْرُ اهـ.
وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ الْآخَرُ، فَإِنْ أَقَرَّ الرَّجُلُ بِالزِّنَا بِفُلَانَةَ فَكَذَّبَتْهُ دُرِئَ الْحَدُّ عَنْ الرَّجُلِ سَوَاءٌ قَالَتْ إنَّهُ تَزَوَّجَنِي أَوْ لَا أَعْرِفُهُ أَصْلًا وَيُقْضَى بِالْمَهْرِ عَلَيْهِ إنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ.
وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِالزِّنَا بِفُلَانٍ وَكَذَّبَهَا الرَّجُلُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا أَيْضًا عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ أَصْلُهُ أَنَّ الْحَدَّ مَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ أَصْلًا أَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَيْهَا لَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ بِالْإِجْمَاعِ وَمَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّجُلِ أَصْلًا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ انْعَقَدَ فِعْلُهُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ لَكِنْ بَطَلَ الْحَدُّ عَنْهُ لِمَعْنًى عَارِضٍ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا اهـ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ بُلُوغَ الْمُقِرِّ وَعَقْلَهُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُمَا شُرِطَا لِكُلِّ تَكْلِيفٍ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْحُرِّيَّةُ فَصَحَّ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِالزِّنَا أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ مَوْلَاهُ غَائِبًا وَكَذَا الْقَطْعُ، وَالْقِصَاصُ وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ بَيْنَ حُجَّةِ الْبَيِّنَةِ وَحُجَّةِ الْإِقْرَارِ وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ بَعْدَ مَا أُعْتِقَ زَنَيْت وَأَنَا عَبْدٌ لَزِمَهُ حَدُّ الْعَبِيدِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنَّمَا شَرَطْنَا تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ أَرْبَعًا «لِحَدِيثِ مَاعِزٍ أَنَّهُ ﵇ أَخَّرَ إقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ تَمَّ إقْرَارُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي أَرْبَعِ مَجَالِسَ» فَلِهَذَا قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافِ الْمَجَالِسِ؛ لِأَنَّ لِاتِّحَادِهِ أَثَرًا فِي جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَاتِ فَعِنْدَهُ يَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ الِاتِّحَادِ فِيهِ، وَالْعِبْرَةُ لِمَجْلِسِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِهِ دُونَ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَفَسَّرَ مُحَمَّدٌ الْمَجَالِسَ الْمُتَفَرِّقَةَ أَنْ يَذْهَبَ الْمُقِرُّ بِحَيْثُ يَتَوَارَى عَنْ بَصَرِ الْقَاضِي وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَزْجُرَهُ عَنْ الْإِقْرَارِ وَيُظْهِرَ لَهُ الْكَرَاهِيَةَ مِنْ ذَلِكَ وَيَأْمُرَ بِإِبْعَادِهِ عَنْ مَجْلِسِهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ لِأَنَّهُ ﵇ فَعَلَ كَذَلِكَ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ أَقَرَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً أَوْ كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنَّهُ يُحَدُّ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَيِّنَةِ، وَالْإِقْرَارِ إلَى أَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَإِلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ، وَالشَّهَادَةَ لَا يَجْتَمِعَانِ فَلِذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَالذَّخِيرَةِ أَرْبَعَةٌ فَسَقَةٌ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَأَقَرَّ هُوَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا يُحَدُّ وَلَوْ كَانَ الشُّهُودُ عُدُولًا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ يُحَدُّ وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يُحَدُّ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يُحَدُّ اهـ.
قَوْلُهُ (وَسَأَلَهُ كَمَا مَرَّ، فَإِنْ بَيَّنَهُ حُدَّ) أَيْ سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُقِرَّ عَنْ الْأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِلِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ بَيَّنَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِخَرْسَاءَ أَوْ هِيَ أَقَرَّتْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِغَائِبَةٍ حُدَّ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ انْتِظَارَ حُضُورِهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَذْكُرَ مُسْقِطًا عَنْهُ وَعَنْهَا وَلَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ قَالَ شَيْخُنَا تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ قَدْ صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ فِي الْبَابِ الْآتِي بِالْفَرْقِ حَيْثُ قَالَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِغَائِبَةٍ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ حَيْثُ يُحَدُّ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يُنْكِرَ الْغَائِبُ الزِّنَا أَوْ يَدَّعِيَ النِّكَاحَ لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ الزِّنَا أَوْ ادَّعَى النِّكَاحَ يَكُونُ شُبْهَةً وَاحْتِمَالُ ذَلِكَ يَكُونُ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ فَالشُّبْهَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ اهـ.
قَالَ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ فَارِقًا لِمَا أَنَّ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ ثَابِتَةٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إذْ دَعْوَى الْخَرْسَاءِ عَلَى فَرْضِ نُطْقِهَا مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ هُوَ الشُّبْهَةُ وَجَوَازُ أَنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ أَبْدَتْهُ شُبْهَةَ الشُّبْهَةِ فَكَانَ الِاحْتِيَاجُ إلَى إبْدَاءِ الْفَرْقِ بَاقِيًا اهـ. بِلَفْظِهِ.
وَذَكَرَ فِي الْجَوْهَرَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ الْحَدِّ لِجَوَازِ أَنْ تَحْضُرَ فَتَجْحَدَ فَتَدَّعِيَ حَدَّ الْقَذْفِ أَوْ تَدَّعِيَ نِكَاحًا فَتَطْلُبَ الْمَهْرَ وَفِي حَدِّهِ إبْطَالُ حَقِّهَا وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يُحَدَّ لِحَدِيثِ مَاعِزٍ أَنَّهُ حُدَّ مَعَ غَيْبَةِ الْمَرْأَةِ وَتَمَامُهُ فِيهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَاسَ لِلدَّلِيلِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَا لَوْ زَنَا بِخَرْسَاءَ لِوُرُودِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ: وَمَتَى لَمْ يَجِبْ عَلَى الرَّجُلِ أَصْلًا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَرْأَةِ) سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِزِنَا صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِزِنَا الْمُكْرَهِ بِالْمُطَاوَعَةِ وَالْمُسْتَأْمَنِ بِالذِّمِّيَّةِ وَالْمُسْلِمَةِ اهـ.
لَكِنْ احْتَرَزَ هُنَا عَنْ الْأَوَّلِ
стр. 1580
وَجَبَ الْحَدُّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَسْأَلُهُ عَنْ الزَّمَانِ، وَالْمَزْنِيِّ بِهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زَنَى فِي صِبَاهُ أَوْ زَنَى بِجَارِيَةِ ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُهَا وَلَيْسَ فَائِدَةُ السُّؤَالِ عَنْ الزَّمَانِ مُنْحَصِرَةً فِي احْتِمَالِ التَّقَادُمِ وَهُوَ مُضِرٌّ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ لَهُ فَائِدَةً أُخْرَى وَهُوَ احْتِمَالُ وُجُودِهِ فِي زَمَانِ الصِّبَا وَلَوْ سُئِلَ عَنْ الْمَزْنِيِّ بِهَا فَقَالَ لَا أَعْرِفُهَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ يُحَدُّ وَكَذَا إذَا أَقَرَّ بِالزِّنَا بِفُلَانَةَ وَهِيَ غَائِبَةٌ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ اسْتِحْسَانًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَذَّبَتْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَشَارَ بِسُؤَالِ الْإِمَامِ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ وَلَوْ كَانَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ حَتَّى لَا تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُنْكِرًا فَقَدْ رَجَعَ، وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا لَا تُعْتَبَرُ الشَّهَادَةُ مَعَ الْإِقْرَارِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ لَا تُقْبَلُ أَصْلًا.
قَوْلُهُ (: فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ الْحَدِّ أَوْ فِي وَسَطِهِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ خَبَرٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ كَالْإِقْرَارِ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُكَذِّبُهُ فِيهِ فَتَحَقُّقُ الشُّبْهَةِ بِالْإِقْرَارِ بِخِلَافِ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ لِوُجُودِ مَنْ يُكَذِّبُهُ وَلَا كَذَلِكَ مَا هُوَ خَالِصُ حَقِّ الشَّرْعِ أَطْلَقَ فِي الرُّجُوعِ فَشَمِلَ الرُّجُوعَ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ كَمَا إذَا هَرَبَ كَمَا فِي الْحَاوِي وَقَيَّدَ بِالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الزِّنَا بِالْبَيِّنَةِ فَهَرَبَ فِي حَالِ الرَّجْمِ اُتُّبِعَ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يُقْضَى عَلَيْهِ كَذَا فِي الْحَاوِي، وَإِنْكَارُ الْإِقْرَارِ رُجُوعٌ كَإِنْكَارِ الرِّدَّةِ تَوْبَةٌ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ أَقَرَّ عِنْدَ الْقَاضِي بِالزِّنَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ الْقَاضِي بِرَجْمِهِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَقْرَرْت بِشَيْءٍ يُدْرَأُ عِنْدَ الْحَدِّ اهـ.
وَكَذَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ شَرْطًا لِلْحَدِّ صَارَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَصَحَّ الرُّجُوعُ عَنْهُ لِعَدَمِ الْمُكَذِّبِ كَذَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مِنْ بَحْثِ الْعَلَّامَةِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ الْخَالِصَةِ كَحَدِّ الشُّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ.
قَوْلُهُ (وَنُدِبَ تَلْقِينُهُ بِلَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ لَمَسْت أَوْ وَطِئْت بِشُبْهَةٍ) لِحَدِيثِ مَاعِزٍ فِي الْبُخَارِيِّ «لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ غَمَزْت أَوْ نَظَرْت» وَقَالَ فِي الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُ لَعَلَّك تَزَوَّجْتهَا أَوْ وَطِئْتهَا بِشُبْهَةٍ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ يُلَقِّنَهُ بِمَا يَكُونُ ذِكْرُهُ دَارِئًا لِيُذَكِّرَهُ كَائِنًا مَا كَانَ كَمَا «قَالَ ﵇ لِلسَّارِقِ الَّذِي جِيءَ بِهِ إلَيْهِ أَسَرَقْت وَمَا أَخَالُهُ سَرَقَ» أَيْ وَمَا أَظُنُّهُ سَرَقَ تَلْقِينًا لَهُ لِيَرْجِعَ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الزَّانِيَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً لِلْغَيْرِ وَلَا يُكَلَّفُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِلشُّبْهَةِ كَمَا لَوْ ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ الْعَيْنَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ سَقَطَ الْقَطْعُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ تَزَوَّجَ الْمَزْنِيَّ بِهَا أَوْ اشْتَرَاهَا لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ وَقْتَ الْفِعْلِ
قَوْلُهُ (، فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رَجَمَهُ فِي فَضَاءٍ حَتَّى يَمُوتَ) «؛ لِأَنَّهُ ﵇ رَجَمَ مَاعِزًا وَقَدْ كَانَ أُحْصِنَ» وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ» وَعَلَى هَذَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَإِنْكَارُ الْخَوَارِجِ الرَّجْمَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَنْكَرُوا حُجِّيَّةَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَجَهْلٌ مُرَكَّبٌ بِالدَّلِيلِ بَلْ هُوَ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ، وَإِنْ أَنْكَرُوا وُقُوعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِنْكَارِهِمْ حُجِّيَّةَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بَعْدَ بُطْلَانِهِ بِالدَّلِيلِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الرَّجْمِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَاتِرُ الْمَعْنَى كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ وُجُودِ حَاتِمٍ، وَالْآحَادِ فِي تَفَاصِيلِ صُوَرِهِ وَخُصُوصِيَّاتِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَإِنَّمَا يُرْجَمُ فِي الْفَضَاءِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «إنَّ مَاعِزًا رُجِمَ بِالْمُصَلَّى» وَفِي مُسْلِمٍ «فَانْطَلَقْنَا بِهِ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ» ، فَإِنَّ الْمُصَلَّى كَانَ بِهِ وَهُوَ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ وَفِي الْمُحِيطِ الْمَقْضِيُّ بِرَجْمِهِ إذَا قَتَلَهُ إنْسَانٌ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَتَلَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ يَجِبُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ عَمْدًا، وَالدِّيَةُ إنْ كَانَ خَطَأً.
قَوْلُهُ (يَبْدَأُ الشُّهُودُ بِهِ) أَيْ بِالرَّجْمِ يَعْنِي عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ وَلَوْ بِحَصَاةٍ صَغِيرَةٍ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَلِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَتَجَاسَرُ عَلَى الْأَدَاءِ ثُمَّ يَسْتَعْظِمُ الْمُبَاشَرَةَ فَيَرْجِعُ فَكَانَ فِي بِدَايَتِهِ احْتِيَالٌ لِلدَّرْءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُشْتَرَطُ بِدَايَتُهُمْ اعْتِبَارًا بِالْجَلْدِ قُلْنَا كُلُّ أَحَدٍ لَا يُحْسِنُ الْجَلْدَ فَرُبَّمَا يَقَعُ
ــ
[منحة الخالق]
بِقَوْلِهِ: وَإِنْ انْعَقَدَ إلَخْ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ لَا تُقْبَلُ أَصْلًا) أَيْ إلَّا فِي سَبْعٍ ذَكَرَهَا فِي الْأَشْبَاهِ.
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا عُلِمَ إلَخْ) فِي كَافِي الْحَاكِمِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ فَزُفَّتْ لَهُ أُخْرَى فَوَطِئَهَا قَالَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَاذِفِهِ رَجُلٌ فَجَرَ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ قَالَ حَسَبْتهَا امْرَأَتِي قَالَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَالْأُولَى؛ لِأَنَّ الزِّفَافَ شُبْهَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّهَا إنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَإِنْ جَاءَتْ هَذِهِ الَّتِي فَجَرَ بِهَا بِوَلَدٍ لَمْ أُثْبِتْ نَسَبَهُ مِنْهُ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ هُوَ جَازِمٌ بِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ إلَى الْآنَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ حَسَبْتهَا امْرَأَتِي، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُ الْآنَ مُقِرٌّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَتَهُ، وَإِنَّمَا ظَنَّهَا وَقْتَ الْفِعْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا ثُمَّ ادَّعَى
следующие страницы →