← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 12227

البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري

زين الدين ابن نجيم

Полный текст (3 122 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وَقَدْ كَتَبْت أَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ اهـ. وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْوَالِدَ، وَالِدَ لَا يُعَاقَبُ بِسَبَبِ وَلَدِهِ، فَإِذَا كَانَ الْقَذْفُ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئًا فَالشَّتْمُ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: وَيَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَقْذُوفِ) أَيْ بَطَلَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ عِنْدَنَا وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ فِيهِ حَقُّ الشَّرْعِ وَحَقُّ الْعَبْدِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ عَلَى الْخُصُوصِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ حَقُّ الْعَبْدِ ثُمَّ إنَّهُ شُرِعَ زَاجِرًا وَمِنْهُ سُمِّيَ حَدًّا، وَالْمَقْصِدُ مِنْ شَرْعِ الزَّوَاجِرِ إخْلَاءُ الْعَالَمِ عَنْ الْفَسَادِ وَهَذَا آيَةُ حَقِّ الشَّرْعِ وَبِكُلِّ ذَلِكَ تَشْهَدُ الْأَحْكَامُ، فَإِذَا تَعَارَضَتْ الْجِهَتَانِ فَالشَّافِعِيُّ مَالَ إلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الْعَبْدِ تَقْدِيمًا لَحِقَ الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ حَاجَتِهِ وَغِنَى الشَّرْعِ وَنَحْنُ صِرْنَا إلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ مَا لِلْعَبْدِ مِنْ الْحَقِّ يَتَوَلَّاهُ مَوْلَاهُ فَيَصِيرُ حَقُّ الْعَبْدِ مُدَّعِيًا بِهِ وَلَا كَذَلِكَ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْعَبْدِ فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّ الشَّرْعِ إلَّا نِيَابَةً وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمَشْهُورُ الَّذِي تَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ الْفُرُوعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا مِنْهَا الْإِرْثُ إذْ الْإِرْثُ يَجْرِي فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ لَا فِي حُقُوقِ الشَّرْعِ وَمِنْهَا الْعَفْوُ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ عَنْ الْمَقْذُوفِ عِنْدَنَا وَيَصِحُّ عِنْدَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ وَيَجْرِي فِيهِ التَّدَاخُلُ وَعِنْدَهُ لَا يَجْرِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْعَفْوِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّ الْغَالِبَ حَقُّ الْعَبْدِ وَخَرَّجَ الْأَحْكَامَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الدَّعْوَى فِي إقَامَتِهِ وَلَمْ تَبْطُلْ الشَّهَادَةُ بِالتَّقَادُمِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ وَيُقِيمُهُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ إذَا عَلِمَهُ فِي أَيَّامِ قَضَائِهِ وَكَذَا لَوْ قَذَفَهُ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي حَدَّهُ، وَإِنْ عَلِمَهُ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْضِيَ ثُمَّ وَلِيَ الْقَضَاءَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَهُ حَتَّى يَشْهَدَ بِهِ عِنْدَهُ وَيُقَدَّمُ اسْتِيفَاؤُهُ عَلَى حَدِّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ إذَا اجْتَمَعَا وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِهِ وَهَذَا كُلُّهُ بِاعْتِبَارِ حَقِّ الْعَبْدِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَوْفِيه دُونَ الْمَقْذُوفِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَلَا يَنْقَلِبُ مَالًا عِنْدَ سُقُوطِهِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِ الْقَاذِفَ وَيَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ كَالْعُقُوبَاتِ الْوَاجِبَةِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا يُبَاحُ الْقَذْفُ بِإِبَاحَتِهِ وَلَا يَحْلِفُ الْقَاذِفُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كَقِيلٍ إلَى أَنْ يَثْبُتَ وَهَذَا كُلُّهُ بِاعْتِبَارِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْفُرُوعِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صَدْرَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّ الْغَالِبَ حَقُّ الْعَبْدِ لَمْ يُخَالِفْ فِي الْفُرُوعِ مِنْ عَدَمِ الْإِرْثِ وَصِحَّةِ الْعَفْوِ إلَى آخِرِهِ، وَإِنَّمَا أَجَابَ عَنْهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَأَطْلَقَ بُطْلَانَهُ بِمَوْتِ الْمَقْذُوفِ فَشَمِلَ الْكُلَّ، وَالْبَعْضَ حَتَّى لَوْ ضُرِبَ الْقَاذِفُ بَعْضَ الْحَدِّ فَمَاتَ الْمَقْذُوفُ لَا يُقَامُ مَا بَقِيَ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ قَذَفَهُ حَيًّا إذْ لَوْ قَذَفَهُ مَيِّتًا فَلِأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ الْمُطَالَبَةُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ لَا بِطَرِيقِ الْمِيرَاثِ. (قَوْلُهُ: لَا بِالرُّجُوعِ، وَالْعَفْوِ) أَيْ لَا يَبْطُلُ بِرُجُوعِ الْقَاذِفِ عَنْ الْإِقْرَارِ وَلَا بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ حَنَفِيَّةِ زَمَانِنَا مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْعَفْوِ أَنَّ الْقَاضِيَ يُقِيمُ الْحَدَّ عَلَيْهِ مَعَ عَفْوِ الْمَقْذُوفِ وَتَعَلَّقَ بِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْهَا الْعَفْوُ، فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْقَذْفُ، وَالْإِحْصَانُ لَوْ عَفَا الْمَقْذُوفُ عَنْ الْقَاذِفِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْعَفْوُ وَيُحَدُّ عِنْدَنَا اهـ. وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّهُ إذَا قَضَى الْقَاضِي بِحَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الْقَاذِفِ ثُمَّ عَفَا الْمَقْذُوفُ عَنْهُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ وَلَكِنَّ الْحَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ بِعَفْوِهِ، فَإِذَا ذَهَبَ الْعَافِي لَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الِاسْتِيفَاءَ عِنْدَ طَلَبِهِ وَقَدْ تَرَكَ الطَّلَبَ إلَّا إذَا عَادَ وَطَلَبَ فَحِينَئِذٍ يُقِيمُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ كَانَ لَغْوًا فَكَأَنَّهُ لَمْ يُخَاصِمْ إلَى الْآنَ. اهـ. وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْرِيًّا إلَى الشَّامِلِ لَا يَصِحُّ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَمْ يَقْذِفْنِي أَوْ كَذَبَ شُهُودِي؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّ خُصُومَتَهُ شَرْطٌ. اهـ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ لَوْ غَابَ الْمَقْذُوفُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ لَمْ يَتِمَّ الْحَدُّ إلَّا وَهُوَ حَاضِرٌ لِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ فَالْعَفْوُ الصَّرِيحُ أَوْلَى فَتَعَيَّنَ حَمْلُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى مَا إذَا عَادَ وَطَلَبَ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ ــ [منحة الخالق] [وَلَا يَطْلُبُ وَلَدٌ وَعَبْدٌ أَبَاهُ وَسَيِّدَهُ بِقَذْفِ أُمِّهِ] قَوْلُهُ: وَفِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ إلَخْ) نَقَلَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ وَأَقَرَّهُ وَاقْتَصَرَ فِي الرَّمْزِ وَالْمِنَحِ عَلَى مَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَمْ يُعَوِّلَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَمَنَعَهُ فِي النَّهْرِ أَيْضًا وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ وَقَدْ وَجَّهَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّ الْحَدَّ يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحُرْمَةُ الْأُبُوَّةِ شُبْهَةٌ صَالِحَةٌ لِلدَّرْءِ وَالتَّعْزِيرُ خَالِصُ حَقِّ الْعَبْدِ وَهُوَ لَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الْأَدْنَى سُقُوطُ الْأَعْلَى. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُعَاقَبُ يَشْمَلُ التَّعْزِيرَ فَيَبْقَى تَوَقُّفُ الْمُؤَلِّفِ وَإِبْدَاءُ هَذَا الْفَرْقِ لَا يَدْفَعُهُ تَأَمَّلْ. [وَيَبْطُلُ حَدّ الْقَذْف بِمَوْتِ الْمَقْذُوفِ] (قَوْلُهُ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنَّهُ إذَا قَضَى إلَخْ) فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الصُّلْحِ رَجُلٌ قَذَفَ مُحْصَنًا أَوْ مُحْصَنَةً فَأَرَادَ الْمَقْذُوفُ حَدَّ الْقَذْفِ فَصَالَحَهُ الْقَاذِفُ عَلَى دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ عَلَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ فَفَعَلَ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ حَتَّى لَا يَجِبَ الْمَالُ وَهَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ إنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي لَا يَبْطُلُ الْحَدُّ. اهـ. وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا فِي الْمَبْسُوطِ؛ لِأَنَّ قَاضِي خَانْ إنَّمَا حَكَمَ بِعَدَمِ بُطْلَانِ الْحَدِّ بِالصُّلْحِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ

стр. 1612

قَالَ زَنَأْت فِي الْجَبَلِ وَعَنَى الصُّعُودَ حُدَّ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْمَهْمُوزَ مِنْهُ لِلصُّعُودِ حَقِيقَةً قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ وَارْقَ إلَى الْخَيْرَاتِ زَنْئًا فِي الْجَبَلِ وَذِكْرُ الْجَبَلِ يُقَرِّرُهُ مُرَادًا وَلَهُمَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَاحِشَةِ مَهْمُوزًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَهْمِزُ الْمُلَيَّنَ كَمَا يُلَيِّنُ الْمَهْمُوزَ وَحَالَةُ الْغَضَبِ، وَالسِّبَابِ تُعَيِّنُ الْفَاحِشَةَ مُرَادًا بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا قَالَ يَا زَانِي أَوْ قَالَ زَنَأْت وَذِكْرُ الْجَبَلِ إنَّمَا يُعَيِّنُ الصُّعُودَ مُرَادًا إذَا كَانَ مَقْرُونًا بِكَلِمَةِ عَلَى إذْ هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ قَيَّدَ بِفِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ زَنَأْتَ عَلَى الْجَبَلِ قِيلَ لَا يُحَدُّ وَقِيلَ يُحَدُّ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدِي إذَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ، وَالسِّبَابِ يَجِبُ الْحَدُّ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَا يَكُونُ صُعُودُ الْجَبَلِ سَبًّا وَإِلَّا فَلَا لِلِاحْتِمَالِ، وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ بِالِاحْتِمَالِ. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَالْأَوْجَهُ وُجُوبُ الْحَدِّ حَيْثُ كَانَ فِي الْغَضَبِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ زَنَأْت بِالْهَمْزِ إذْ لَوْ كَانَ بِالْيَاءِ وَجَبَ الْحَدُّ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِالْجَارِ، وَالْمَجْرُورِ إذْ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ زَنَأْتَ يُحَدُّ اتِّفَاقًا كَمَا أَفَادَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَأَطْلَقَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُونَ بِأَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ أَمَّا فِي حَالَةِ الرِّضَا فَلَا حَدَّ اتِّفَاقًا وَبِهَذَا تَرَجَّحَ قَوْلُهُمَا فَمَا فِي الْمُغْرِبِ مِنْ أَنَّ زَنَأَ فِي الْجَبَلِ بِمَعْنَى صَعِدَ فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَظْهَرُ. اهـ. لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَعَنَى الصُّعُودَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْنِ الصُّعُودَ يُحَدُّ اتِّفَاقًا. [قَالَ يَا زَانِي وَعَكَسَ] (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ يَا زَانِي وَعَكَسَ حُدَّا) أَيْ الْمُبْتَدِئُ، وَالْمُجِيبُ بِقَوْلِهِ لَا بَلْ أَنْتَ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَذَفَ صَاحِبَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ وَكَذَا الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا بَلْ أَنْتَ زَانٍ إذْ هِيَ كَلِمَةُ عَطْفٍ يُسْتَدْرَكُ بِهِ الْغَلَطُ فَيَصِيرُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَوَّلِ خَبَرًا لِمَا بَعْدَ بَلْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَلْتَقِيَا قِصَاصًا؛ لِأَنَّ فِي حَدِّ الْقَذْفِ الْغَالِبَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَوْ جُعِلَ قِصَاصًا يَلْزَمُ إسْقَاطُ حَقِّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلِذَا لَمْ يَجُزْ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ، فَإِذَا طَالَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ وَأَثْبَتَهُ لَزِمَ الِاسْتِيفَاءُ فَلَا يَتَمَكَّنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ إسْقَاطِهِ فَيُحَدُّ كُلٌّ مِنْهُمَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِمَا وَلَوْ أَسْقَطَاهُ وَتَقَدَّمَ عَدَمُ صِحَّتِهِ وَأَنَّهُ غَلَطٌ فِي الْفَهْمِ، فَإِذَا أَسْقَطَاهُ بَعْدَ الثُّبُوتِ امْتَنَعَ الْإِمَامُ مِنْ إقَامَتِهِ لِعَدَمِ الطَّلَبِ لَا لِصِحَّةِ الْإِسْقَاطِ، فَإِذَا عَادَ أَوْ طَلَبَا أَقَامَهُ عَلَيْهِمَا وَقَيَّدَ بِحَدِّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ يَا خَبِيثُ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ أَنْت تَكَافَآ وَلَا يُعَزِّرُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ؛ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ وَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا وَجَبَ لِلْآخَرِ فَتَسَاقَطَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْقُنْيَةِ ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَضَرَبَهُ الْمَضْرُوبُ أَيْضًا أَنَّهُمَا يُعَزَّرَانِ وَيَبْدَأُ بِإِقَامَةِ التَّعْزِيرِ بِالْبَادِئِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَظْلَمُ، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ أَسْبَقُ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ التَّعْزِيرَ بِالضَّرْبِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَأَنَّ التَّكَافُؤَ إنَّمَا هُوَ فِي الشَّتْمِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي قَالُوا: لَوْ تَشَاتَمَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي عَزَّرَهُمَا. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ وَعَكَسَتْ حُدَّتْ وَلَا لِعَانَ) ؛ لِأَنَّهُمَا قَاذِفَانِ وَقَذْفُهُ يُوجِبُ اللِّعَانَ، وَقَذْفُهَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَفِي الْبِدَايَةِ بِالْحَدِّ إبْطَالُ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهُ وَلَا إبْطَالَ فِي عَكْسِهِ أَصْلًا فَيُحْتَالُ لِلدَّرْءِ إذْ اللِّعَانُ فِي مَعْنَى الْحَدِّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ بِنْتَ الزَّانِيَةِ فَخَاصَمَتْ الْأُمُّ أَوَّلًا فَحُدَّ الرَّجُلُ سَقَطَ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الرَّجُلِ وَلَوْ خَاصَمَتْ الْمَرْأَةُ أَوَّلًا فَلَاعَنَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا ثُمَّ خَاصَمَتْ الْأُمُّ يُحَدُّ الرَّجُلُ حَدَّ الْقَذْفِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَتْ زَنَيْت بِك بَطَلَا) أَيْ الْحَدُّ وَاللِّعَانُ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ الزِّنَا قَبْلَ النِّكَاحِ فَيَجِبُ الْحَدُّ دُونَ اللِّعَانِ لِتَصْدِيقِهَا إيَّاهُ وَانْعِدَامِهِ مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ زِنَايَ الَّذِي كَانَ مَعَك بَعْدَ النِّكَاحِ؛ لِأَنِّي مَا مَكَّنْت أَحَدًا غَيْرَك وَهُوَ الْمُرَادُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَجِبُ الْحَدُّ دُونَ اللِّعَانِ لِوُجُودِ الْقَذْفِ مِنْهُ وَعَدَمِهِ مِنْهَا فَجَاءَ مَا قُلْنَاهُ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا بَدَأَتْ بِقَوْلِهَا زَنَيْت بِك ثُمَّ قَذَفَهَا أَوْ قَذَفَهَا ثُمَّ أَجَابَتْ بِهِ لِلِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَاءِ وَكَلِمَةِ مَعَ كَزَنَيْت مَعَك لِلِاحْتِمَالِ السَّابِقِ ــ [منحة الخالق] يُقَامُ بِغَيْرِ طَلَبٍ أَمْ لَا فَسَاكِتٌ عَنْهُ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا هُنَا حُكْمُهُ أَفَادَهُ فِي الْمِنَحِ وَبِهَذَا ظَهَرَ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ فِي كَلَامِ الْمَبْسُوطِ بِالْعَفْوِ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالنَّظَرِ إلَى مَا إذَا كَانَ عَلَى عِوَضٍ لِمَا عَلِمْت مِنْ اقْتِضَاءِ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يَبْطُلُ إذَا كَانَ الصُّلْحُ عَلَى عِوَضٍ وَكَانَ قَبْلَ الرَّفْعِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي فُصُولِ الْعِمَادِيِّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهَا بَعْضُهُمْ. (قَوْلُهُ: قَالُوا لَوْ تَشَاتَمَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي عَزَّرَهُمَا) أَيْ؛ لِأَنَّ فِيهِ إخْلَالًا بِالْأَدَبِ فِي مَجْلِسِ الشَّرْعِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَحْضَ حَقِّهِمَا حَتَّى يَتَكَافَآ فِيهِ. [قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةُ وَعَكَسَتْ] (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَجِبُ الْحَدُّ دُونَ اللِّعَانِ) صَوَابُهُ اللِّعَانُ دُونَ الْحَدِّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا. وَقَوْلُهُ: فَجَاءَ مَا قُلْنَا أَيْ مِنْ بُطْلَانِ الْحَدِّ وَاللِّعَانِ لِوُقُوعِ الشَّكِّ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرٍ يَجِبُ الْحَدُّ دُونَ اللِّعَانِ وَعَلَى تَقْدِيرٍ يَجِبُ اللِّعَانُ دُونَ الْحَدِّ وَالْحُكْمُ بِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا مُتَعَذِّرٌ فَلَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ إلَخْ)

стр. 1613

مَعَ احْتِمَالٍ آخَرَ وَهُوَ إنِّي زَنَيْت بِحُضُورِك وَأَنْتَ تَشْهَدُ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا اقْتَصَرَتْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ زَادَتْ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك تُحَدُّ الْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَذَفَ صَاحِبَهُ غَيْرَ أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ فَبَطَلَ مُوجِبُ قَذْفِهِ وَلَمْ يُصَدِّقْهَا فَوَجَبَ مُوجِبُ قَذْفِهَا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ حُدَّتْ الْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُلِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَصْدِيقِهَا وَعَدَمِ الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَعَ الزَّوْجَةِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهَا زَنَيْت بِك؛ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ فِي جَوَابِهِ أَنْت أَزْنَى مِنِّي حُدَّ الرَّجُلُ وَحْدَهُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ. قَوْلُهُ (: وَإِنْ أَقَرَّ بِوَلَدٍ ثُمَّ نَفَاهُ لَاعَنَ) ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ لَزِمَهُ بِإِقْرَارِهِ وَبِالنَّفْيِ بَعْدَهُ صَارَ قَاذِفًا فَيُلَاعِنُ (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَكَسَ حُدَّ) أَيْ إنْ نَفَى الْوَلَدَ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَطَلَ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ ضَرُورِيٌّ صَيَّرَ إلَيْهِ ضَرُورَةُ التَّكَاذُبِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدُّ الْقَذْفِ، فَإِذَا بَطَلَ التَّكَاذُبُ يُصَارُ إلَى الْأَصْلِ (قَوْلُهُ:، وَالْوَلَدُ لَهُ فِيهِمَا) أَيْ فِيمَا إذَا أَقَرَّ بِهِ ثُمَّ نَفَاهُ أَوْ نَفَاهُ ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِإِقْرَارِهِ بِهِ سَابِقًا أَوْ لَاحِقًا، وَاللَّعَّانُ يَصِحُّ بِدُونِ قَطْعِ النَّسَبِ كَمَا يَصِحُّ بِدُونِ الْوَلَدِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ لَيْسَ بِابْنِي وَلَا بِابْنِك بَطَلَا) أَيْ الْحَدُّ، وَاللَّعَّانُ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْوِلَادَةَ وَبِهِ لَا يَصِيرُ قَاذِفًا وَكَذَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيٍّ لَسْت بِابْنِ فُلَانٍ وَلَا فُلَانَةَ وَهُمَا أَبَوَيْهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. [قَذَفَ الْمُلَاعَنَةَ بِغَيْرِ وَلَدٍ] (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَذَفَ امْرَأَةً لَمْ يَدْرِ أَبُو وَلَدِهَا أَوْ لَاعَنَتْ بِوَلَدِ أَوْ رَجُلًا وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَوْ أَمَةً مُشْتَرَكَةً أَوْ مُسْلِمًا زِنَا فِي كُفْرِهِ أَوْ مُكَاتَبًا مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ لَا يُحَدُّ) بَيَانٌ لِسِتِّ مَسَائِلَ إلَّا الْأُولَيَانِ فَلِقِيَامِ أَمَارَةِ الزِّنَا مِنْهَا وَهُوَ وِلَادَةُ وَلَدٍ لَا أَبَ لَهُ فَفَاتَتْ الْعِفَّةُ نَظَرًا إلَيْهَا وَهِيَ شَرْطٌ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا عِنْدَ الْقَذْفِ أَوْ مَيِّتًا وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا لَاعَنَتْ بِوَلَدٍ إذْ لَوْ قَذَفَ الْمُلَاعَنَةَ بِغَيْرِ وَلَدٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِانْعِدَامِ أَمَارَةِ الزِّنَا وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ لَاعَنَتْ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ اللِّعَانِ حَتَّى لَوْ بَطَلَ بِإِكْذَابِهِ نَفْسَهُ ثُمَّ قَذَفَهَا رَجُلٌ حُدَّ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ وَكَذَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ ادَّعَاهُ وَهُوَ يُنْكِرُ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ وَيُحَدُّ وَمَنْ قَذَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ يُحَدُّ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ صُورَةِ الزَّوَانِي وَلَوْ قَذَفَهَا الزَّوْجُ فَرَافَعَتْهُ وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ أَوْ بِمُعَايَنَةٍ وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْطَعَ الْقَاضِي نَسَبَ الْوَلَدِ حَتَّى لَوْ لَاعَنَتْ بِوَلَدٍ وَلَمْ يَقْطَعْ الْقَاضِي النَّسَبَ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى قَاذِفِهَا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ أَبِي وَلَدِهَا عَدَمُهَا فِي بَلَدِ الْقَذْفِ لَا فِي كُلِّ الْبِلَادِ وَلِذَا قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ امْرَأَةٌ قُذِفَتْ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَمَعَهَا أَوْلَادٌ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ أَبٌ فَقَالَ لَهَا رَجُلٌ يَا زَانِيَةُ إلَخْ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ صَحَّ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ مِنْ قَوْلِهِ «وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأَبٍ وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا وَمَنْ رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ» وَكَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَلَدِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُ يَرِثُ أُمَّهُ وَتَرِثُهُ وَمَنْ رَمَاهَا بِهِ جُلِدَ ثَمَانِينَ» أَشْكَلَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ جَعَلُوا قَذْفَ الْمُلَاعَنَةِ بِوَلَدٍ كَقَذْفِ الْمُلَاعَنَةِ بِلَا وَلَدٍ إلَى آخِرِهِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، وَالرَّابِعَةُ أَعْنِي إذَا قَذَفَ رَجُلًا وَطِئَ الْمَقْذُوفُ امْرَأَةً فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَوْ أَمَةً مُشْتَرَكَةً فَلِفَوَاتِ الْعِفَّةِ وَهِيَ شَرْطُ الْإِحْصَانِ؛ لِأَنَّ الْقَاذِفَ صَادِقٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَنْ وَطِئَ وَطْئًا حَرَامًا لِعَيْنِهِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا هُوَ الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ لِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا لِغَيْرِهِ يُحَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزِنًا، وَالْوَطْءُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ وَكَذَا الْوَطْءُ فِي الْمِلْكِ، وَالْحُرْمَةُ مُؤَبَّدَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ مُؤَقَّتَةً فَالْحُرْمَةُ لِغَيْرِهِ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ أَنْ تَكُونَ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ لِتَكُونَ ثَابِتَةً ــ [منحة الخالق] أَيْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَلَوْ قَالَتْ كَذَا فِي جَوَابِهِ لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ فِي جَوَابِهِ أَنْتَ أَزَنَى مِنِّي حُدَّ الرَّجُلُ وَحْدَهُ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا مَرَّ أَوَائِلَ الْبَابِ عَنْ الْخَانِيَّةِ مُخَالِفًا لِلظَّهِيرِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِأَنْتَ أَزَنَى مِنِّي أَمَّا عَلَى مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، فَإِنَّهَا تُحَدُّ بِقَوْلِهَا ذَلِكَ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ بِهِ هُوَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَدَمُهُ هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهَا أَنْتَ أَزَنَى مِنِّي قَذْفٌ لَهُ صَرِيحًا بِنَاءً عَلَى مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَكِنْ هَلْ يُقَالُ: إنَّ فِيهِ تَصْدِيقًا لَهُ فَتُحَدُّ وَحْدَهَا دُونَهُ كَمَا لَوْ قَالَتْ زَنَيْت بِك قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَك عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ مِنْ اقْتِضَائِهِ الْمُشَارَكَةَ وَالزِّيَادَةَ أَمْ لَا فَلْيُرَاجَعْ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. [أَقَرَّ بِوَلَدٍ ثُمَّ نَفَاهُ] (قَوْلُهُ: أَوْ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ) مِثَالُهُ حُرْمَةُ وَطْءِ الْمَنْكُوحَةِ لِلْأَبِ بِلَا

стр. 1614

مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ وَقَدْ قَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَطِئَ أَمَته الْمَجُوسِيَّةَ أَوْ الْمُزَوَّجَةَ أَوْ امْرَأَتَهُ الْحَائِضَ أَوْ مُكَاتَبَتَهُ أَوْ الْمَظَاهِرَ مِنْهَا أَوْ الْمُحَرَّمَةَ أَوْ الْمُشْتَرَاةَ شِرَاءً فَاسِدًا فَعَلَى قَاذِفِهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مُؤَقَّتَةٌ وَكَذَا إذَا وَطِئَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَهِيَ أَمَتُهُ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً مُؤَبَّدَةً فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ. وَهَذَا قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ لِثُبُوتِ التَّضَادِّ بَيْنَ الْحِلِّ، وَالْحُرْمَةِ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوْ رَجُلًا وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ أَوْ فِي مِلْكِهِ، وَالْحُرْمَةُ مُؤَبَّدَةٌ لَكَانَ أَوْلَى وَشَمِلَ قَوْلُهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ جَارِيَةَ ابْنِهِ، وَالْمَنْكُوحَةَ نِكَاحًا فَاسِدًا، وَالْأَمَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ، وَالْمُكْرَهَ عَلَى الزِّنَا، وَالثَّابِتَ حُرْمَتُهَا بِالْمُصَاهَرَةِ أَوْ تَزَوَّجَ مَحَارِمَهُ وَدَخَلَ بِهِنَّ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَحَارِمِ أَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ وَهِيَ مَا إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا زَنَى فِي حَالِ كُفْرِهِ فَلِتَحَقُّقِ الزِّنَا مِنْهُ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ الْإِثْمُ قَدْ ارْتَفَعَ بِإِسْلَامِهِ لِانْعِدَامِ الْمِلْكِ وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَوْ كَانَ فِي دِيَارِنَا وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْحَرْبِيَّ، وَالذِّمِّيَّ وَمَا إذَا كَانَ الزِّنَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَشَمِلَ مَا إذَا قَالَ لَهُ زَنَيْت وَأَطْلَقَ ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهُ زَنَى فِي كُفْرِهِ أَوْ قَالَ لَهُ زَنَيْت وَأَنْتَ كَافِرٌ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لِمُعْتَقِ زَنَيْت وَأَنْتَ عَبْدٌ، وَأَمَّا السَّادِسَةُ وَهِيَ مَا إذَا قَذَفَ مُكَاتِبًا مَاتَ عَنْ وَفَاءِ فَلِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِي الْحُرِّيَّةِ لِمَكَانِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمَكَاتِبَ إذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ بِالْأَوْلَى لِمَوْتِهِ عَبْدًا. (قَوْلُهُ: وَحُدَّ قَاذِفُ وَاطِئِ أَمَةٍ مَجُوسِيَّةٍ وَحَائِضٍ وَمُكَاتَبَةٍ وَمُسْلِمٍ نَكَحَ أُمَّهُ فِي كُفْرِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مِلْكَهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثَابِتٌ، وَالْمُرَادُ بِأُمِّهِ مَحْرَمُهُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْكَافِرِ مَحْرَمَهُ صَحِيحٌ وَعِنْدَهُمَا فَاسِدٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَابِهِ (قَوْلُهُ: وَمُسْتَأْمَنٌ قَذَفَ مُسْلِمًا) أَيْ حُدَّ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقُولُ لَا يُحَدُّ؛ لِأَنَّ الْغَلَبَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَصَارَ كَسَائِرِ الْحُدُودِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَا ذُكِرَ هُنَا؛ لِأَنَّهُ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَقَدْ الْتَزَمَ إيفَاءَ حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ لَا يُؤْذِيَ بِطَمَعِهِ فِي أَنْ لَا يُؤْذَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَحَدُّ الْخَمْرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَلَا يَجِبُ حَدُّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْحُدُودِ اتِّفَاقًا إلَّا حَدُّ الْخَمْرِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. [قَذَفَ أَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ مِرَارًا فَحُدَّ] (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَذَفَ أَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ مِرَارًا فَحُدَّ فَهُوَ لِكُلِّهِ) أَمَّا الْأَخِيرَانِ فَلِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ إقَامَةِ الْحَدِّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى الِانْزِجَارُ وَاحْتِمَالُ حُصُولِهِ بِالْأَوَّلِ قَائِمٌ فَتُمْكِنُ شُبْهَةُ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ فِي الثَّانِي، وَأَمَّا الْقَذْفُ فَالْمُغَلَّبُ فِيهِ عِنْدَنَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ مُلْحَقًا بِهِمَا قَيَّدَ بِكَوْنِهِ فَعَلَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ كُلَّهَا بِأَنْ زَنَى وَقَذَفَ وَشَرِبَ الْخَمْرَ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدَّهُ مِنْهَا لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَعْضِ إذْ الْأَغْرَاضُ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حَدِّ الزِّنَا صِيَانَةُ الْأَنْسَابِ وَمِنْ حَدِّ الْقَذْفِ صِيَانَةُ الْأَعْرَاضِ وَمِنْ حَدِّ الشُّرْبِ صِيَانَةُ الْعُقُولِ فَلَا يَحْصُلُ بِكُلِّ جِنْسٍ إلَّا مَا قُصِدَ بِشَرْعِهِ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ قَذَفَ مِرَارًا فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً فَقَذَفَهُمْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِكَلِمَاتٍ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ وَمَا إذَا ــ [منحة الخالق] شُهُودٍ بِنَاءً عَلَى ادِّعَاءِ شُهْرَةِ حَدِيثِ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» وَلِذَا لَمْ يُعْرَفْ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَحُرْمَةُ وَطْءِ أَمَتِهِ الَّتِي هِيَ خَالَتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ عَمَّتُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» كَذَا فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: وَالثَّابِتُ حُرْمَتُهَا بِالْمُصَاهَرَةِ) لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا مَرَّ آنِفًا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْحُرْمَةِ الْمُؤَبَّدَةِ عِنْدَهُ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَأَبُو حَنِيفَةَ إنَّمَا يَعْتَبِرُ الْخِلَافَ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ عَلَى الْحُرْمَةِ بِأَنْ تَثْبُتَ بِقِيَاسٍ أَوْ احْتِيَاطٍ كَثُبُوتِهَا بِالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ وَالْمَسِّ بِشَهْوَةٍ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا لِإِقَامَةِ الْمُسَبِّبِ مَقَامَ السَّبَبِ احْتِيَاطًا فَهِيَ حُرْمَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يَنْتَفِي بِهَا الْإِحْصَانُ الثَّابِتُ بِيَقِينٍ بِخِلَافِ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِزِنَا الْأَبِ، فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] فَلَا يُعْتَبَرُ الْخِلَافُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ (قَوْلُهُ: أَوْ قَالَ لَهُ زَنَيْت وَأَنْتَ كَافِرٌ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِهِ وَقَدْ مَرَّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِحْصَانُهُ إلَخْ مَا يُخَالِفُهُ فَتَأَمَّلْ وَقَدْ يُقَالُ مَا مَرَّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الزِّنَا فِي حَالَةِ الْكُفْرِ أَوْ الرِّقِّ غَيْرَ ثَابِتٍ وَمَا هُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ ثَابِتًا ثُمَّ رَأَيْته لَكِنْ فِي الْفَتْحِ وَالْمُرَادُ قَذْفُهَا بَعْدَ الْإِعْلَامِ بِزِنًا كَانَ فِي نَصْرَانِيَّتِهَا بِأَنْ قَالَ زَنَيْت وَأَنْتِ كَافِرَةٌ وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُعْتَقُ زَنَى وَهُوَ عَبْدٌ زَنَيْت وَأَنْتَ عَبْدٌ لَا يُحَدُّ كَمَا لَوْ قَالَ قَذَفْتُك بِالزِّنَا وَأَنْتِ مُكَاتَبَةٌ أَوْ أَمَةٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ أَنَّهُ قَذَفَهَا فِي حَالٍ لَوْ عَلِمْنَا مِنْهُ صَرِيحَ الْقَذْفِ لَمْ يَلْزَمْ حَدُّهُ؛ لِأَنَّ الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْكَافِرِ وَلِذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْجَلْدُ حَدًّا بِخِلَافِ الرَّجْمِ عَلَى مَا مَرَّ وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالْإِسْلَامِ وَكَذَا الْعَبْدُ.

стр. 1615

طَالَبُوا الْحَدَّ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ وَمَا إذَا حَضَرُوا أَوْ حَضَرَ أَحَدُهُمْ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَمَا إذَا جُلِدَ لِلْقَذْفِ إلَّا سَوْطًا ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ الْأَوَّلَ وَلَا يُثَنَّى عَلَيْهِ لِلثَّانِي لِلتَّدَاخُلِ وَمَا إذَا قَذَفَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ فَأَخَذَهُ الْأَوَّلُ فَضُرِبَ أَرْبَعِينَ ثُمَّ أَخَذَهُ الثَّانِي قَالُوا: فَإِنَّهُ يُتِمُّ لَهُ ثَمَانِينَ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ وَقَعَ لَهُمَا فَيَبْقَى لِلْبَاقِي أَرْبَعِينَ وَلَوْ قَذَفَ الْآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فَالثَّمَانُونَ تَكُونُ لَهُمَا جَمِيعًا وَلَا يُضْرَبُ ثَمَانِينَ مُسْتَأْنَفًا؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ تَمَامُهُ حَدُّ الْأَحْرَارِ فَجَازَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الْأَحْرَارُ وَفِي الْمُحِيطِ رَجُلٌ شَرِبَ الْخَمْرَ فَضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ ثُمَّ هَرَبَ ثُمَّ شَرِبَ ثَانِيًا ضُرِبَ حَدًّا مُسْتَقْبَلًا وَكَذَا لَوْ ضُرِبَ الزَّانِي بَعْضَ الْحَدِّ ثُمَّ هَرَبَ وَزَنَى بِأُخْرَى. وَلَوْ ضُرِبَ الْقَاذِفُ بَعْضَ الْحَدِّ فَهَرَبَ ثُمَّ قَذَفَ آخَرَ ثُمَّ قَدِمَ إلَى الْقَاضِي يُنْظَرُ إنْ حَضَرَ الْمَقْذُوفُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ جَمِيعًا يُكْمَلْ الْأَوَّلُ وَيَسْقُطَ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَتَدَاخَلُ، وَإِنْ حَضَرَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ يُضْرَبَ جَلْدًا مُسْتَقِلًّا لِلثَّانِي وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إقَامَةُ الْحَدِّ الثَّانِي لِوُجُودِ دَعْوَاهُ وَلَا يُمْكِنُ الْإِقَامَةُ لِلْأَوَّلِ لِعَدَمِ دَعْوَاهُ. اهـ. فَتَعَيَّنَ حَمْلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جُلِدَ لِلْقَذْفِ إلَّا سَوْطًا إلَى آخِرِهِ عَلَى مَا إذَا حَضَرَا جَمِيعًا وَمِنْ أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً يُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْقَذْفُ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْبَعْضَ كَمَا لَا يَخْفَى وَشَمِلَ مَا إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ فَعَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ حَيَّيْنِ كَانَا أَوْ مَيِّتَيْنِ وَحُكِيَ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى سَمِعَ مَنْ يَقُولُ لِرَجُلٍ يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ فَحَدَّهُ حَدَّيْنِ فِي الْمَسْجِدِ فَبَلَغَ أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ يَا لِلْعَجَبِ لِقَاضِي بَلْدَتِنَا أَخْطَأَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي خَمْسِ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ حَدَّهُ بِدُونِ طَلَبِ الْمَقْذُوفِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَوْ خَاصَمَ وَجَبَ حَدٌّ وَاحِدٌ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ حَدَّيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَبَّصَ بَيْنَهُمَا يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى يَخِفَّ أَثَرُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَالرَّابِعُ ضَرَبَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْخَامِسُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّفَ أَنَّ وَالِدَيْهِ فِي الْأَحْيَاءِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَا حَيَّيْنِ فَالْخُصُومَةُ لَهُمَا وَإِلَّا فَالْخُصُومَةُ لِلِابْنِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ فَحَدٌّ أَنَّ الْحَدَّ وَقَعَ بَعْدَ الْفِعْلِ الْمُتَكَرِّرِ إذْ لَوْ حُدَّ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ فَعَلَ الثَّانِي يُحَدُّ حَدًّا آخَرَ لِلثَّانِي سَوَاءٌ كَانَ قَذْفًا أَوْ زِنًا أَوْ شُرْبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا قَذَفَ رَجُلًا فَحُدَّ لَهُ ثُمَّ عَادَ فَقَذَفَهُ ثَانِيًا، فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ إظْهَارُ كَذِبِ الْقَاذِفِ وَدَفْعُ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ قَدْ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الثَّانِي صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ سَرِقَةِ الْعَيْنِ ثَانِيًا بَعْدَ مَا قُطِعَ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ بِالْحَدِّ الْأَوَّلِ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ فِي إخْبَارٍ مُسْتَقْبَلٍ إنَّمَا ظَهَرَ كَذِبُهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مَاضِيًا قَبْلَ الْحَدِّ. وَلِهَذَا ذَكَرَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عِنْدَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَصَارَ كَمَا لَوْ قَذَفَ شَخْصًا فَحُدَّ بِهِ ثُمَّ قَذَفَهُ بِعَيْنِ ذَلِكَ الزِّنَا بِأَنْ قَالَ أَنَا بَاقٍ عَلَى نِسْبَتِي إلَيْهِ الزِّنَا الَّذِي نَسَبْته إلَيْهِ لَا يُحَدُّ ثَانِيًا فَكَذَا هَذَا أَمَّا إذَا قَذَفَهُ بِزِنًا آخَرَ حُدَّ بِهِ. اهـ. لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمَنْ قَذَفَ إنْسَانًا فَحُدَّ ثُمَّ قَذَفَهُ ثَانِيًا لَمْ يُحَدَّ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ لَمَّا شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَا وَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِقُصُورِ الْعَدَدِ بِالشَّهَادَةِ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَحَافِلِ أَشْهَدُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ لِزَانٍ فَأَرَادَ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَحُدَّهُ ثَانِيًا فَمَنَعَهُ عَلِيٌّ ﵁ فَرَجَعَ إلَى قَوْلِهِ وَصَارَتْ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعًا. اهـ. بِلَفْظِهِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ إطْلَاقُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ التَّدَاخُلَ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ وَلَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا مَا إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ الْمُخْتَلِفَةُ كَيْفَ يُفْعَلُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ حَدَّانِ وَقَدَرَ عَلَى دَرْءِ أَحَدِهِمَا دَرَأَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْ اجْتَمَعَ حَدُّ الزِّنَا، وَالسَّرِقَةِ، وَالشُّرْبِ، وَالْقَذْفِ، وَالْفَقْءِ بَدَأَ بِالْفَقْءِ، فَإِذَا بَرَأَ حُدَّ لِلْقَذْفِ، فَإِذَا بَرَأَ إنْ شَاءَ بَدَأَ بِالْقَطْعِ، وَإِنْ شَاءَ بَدَأَ بِحَدِّ الزِّنَا وَحَدُّ الشُّرْبِ آخِرُهَا لِثُبُوتِهِ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃، وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا يَبْدَأَ بِالْفَقْءِ ثُمَّ بِحَدِّ الْقَذْفِ ثُمَّ بِالرَّجْمِ وَيُلْغِي غَيْرَهَا اهـ. قَالُوا وَلَا يُقَامُ حَدٌّ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا قَوَدٌ وَلَا تَعْزِيرٌ ــ [منحة الخالق] [قَاذِفُ وَاطِئِ أَمَةٍ مَجُوسِيَّةٍ وَحَائِضٍ وَمُكَاتَبَةٍ وَمُسْلِمٍ نَكَحَ أُمَّهُ فِي كُفْرِهِ] (قَوْلُهُ: فَظَهَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ إطْلَاقُ الْمَسْأَلَةِ إلَخْ) أَيْ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ بِقَوْلِهِ لَمْ يُحَدَّ أَنَّ الْمَذْهَبَ إطْلَاقُ الْمَسْأَلَةِ عَمَّا قَيَّدَهَا بِهِ فِي الْفَتْحِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الظَّهِيرِيَّةِ مُطْلَقٌ مِثْلُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ تَقْيِيدَهُ؛ لِأَنَّ اسْتِدْلَالَهُ بِالْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ يُنَافِيه؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَشْهَدُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ لِزَانٍ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالزِّنَا الْأَوَّلِ وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ أَشْهَدُ أَنَّ الْمُرَادَ الزِّنَا الْأَوَّلُ الَّذِي عَايَنَهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَالْفَقْءُ) أَيْ لَوْ فَقَأَ عَيْنَ رَجُلٍ كَمَا فِي النَّهْرِ قَالَ الرَّمْلِيُّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَهَابُ الْبَصَرِ تَأَمَّلْ.

стр. 1616

وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُقَامَ بِحَضْرَتِهِ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْغَامِدِيَّةِ أَوْ يَبْعَثُ أَمِينًا كَمَا فَعَلَ ﵊ فِي مَاعِزٍ ﵁ (فَصْلٌ فِي التَّعْزِيرِ) . هُوَ تَأْدِيبٌ دُونَ الْحَدِّ وَأَصْلُهُ مِنْ الْعَزْرِ بِمَعْنَى الرَّدِّ وَالرَّدْعِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ هُوَ ضَرْبٌ دُونَ الْحَدِّ لِلتَّأْدِيبِ. وَالتَّعْزِيرُ التَّعْظِيمُ وَالنَّصْرُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] اهـ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ وَمَا فِي الْمُغْرِبِ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ فَإِنَّهُ شَرْعًا لَا يَخْتَصُّ بِالضَّرْبِ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِهِ وَقَدْ يَكُونُ بِالصَّفْعِ وَبِفَرْكِ الْأُذُنِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْكَلَامِ الْعَنِيفِ وَقَدْ يَكُونُ بِنَظَرِ الْقَاضِي إلَيْهِ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ وَالسَّرَخْسِيُّ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ التَّعْزِيرُ بِالصَّفْعِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْلَى مَا يَكُونُ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ فَيُصَانُ عَنْهُ أَهْلُ الْغَفْلَةِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الصَّفْعُ الضَّرْبُ عَلَى الْقَفَا وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ التَّعْزِيرَ بِأَخْذِ الْمَالِ وَقَدْ قِيلَ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ التَّعْزِيرَ مِنْ السُّلْطَانِ بِأَخْذِ الْمَالِ جَائِزٌ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ سَمِعْت عَنْ ثِقَةٍ أَنَّ التَّعْزِيرَ بِأَخْذِ الْمَالِ إنْ رَأَى الْقَاضِي ذَلِكَ أَوْ الْوَالِي جَازَ وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ رَجُلٌ لَا يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ اهـ. وَأَفَادَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى التَّعْزِيرِ بِأَخْذِ الْمَالِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ إمْسَاكُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ عَنْهُ مُدَّةً لِيَنْزَجِرَ ثُمَّ يُعِيدُهُ الْحَاكِمُ إلَيْهِ لَا أَنْ يَأْخُذَهُ الْحَاكِمُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الظَّلَمَةُ إذْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَخْذُ مَالِ أَحَدٍ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَفِي الْمُجْتَبَى لَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ الْأَخْذِ وَأَرَى أَنْ يَأْخُذَهَا فَيُمْسِكَهَا فَإِنْ أَيِسَ مِنْ تَوْبَتِهِ يَصْرِفُهَا إلَى مَا يَرَى وَفِي شَرْحِ الْآثَارِ التَّعْزِيرُ بِالْمَالِ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ التَّعْزِيرِ بِأَخْذِ الْمَالِ، وَأَمَّا التَّعْزِيرُ بِالشَّتْمِ فَلَمْ أَرَهُ إلَّا فِي الْمُجْتَبَى قَالَ وَفِي شَرْحِ أَبِي الْيُسْرِ التَّعْزِيرُ بِالشَّتْمِ مَشْرُوعٌ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ قَاذِفًا اهـ. وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّعْزِيرِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ بَلْ هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْقَاضِي لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الزَّجْرُ وَأَحْوَالُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِيهِ وَفِي الشَّافِي التَّعْزِيرُ عَلَى مَرَاتِبِ أَشْرَافِ الْأَشْرَافِ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ وَالْعَلَوِيَّةُ بِالْإِعْلَامِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي: إنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا فَيَنْزَجِرُ بِهِ وَتَعْزِيرُ الْأَشْرَافِ وَهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالدَّهَاقِينَ بِالْإِعْلَامِ وَالْجَرِّ إلَى بَابِ الْقَاضِي وَالْخُصُومَةِ وَتَعْزِيرُ الْأَوْسَاطِ وَهُمْ السُّوقَةُ بِالْجَرِّ وَالْحَبْسِ وَتَعْزِيرُ الْأَخِسَّةِ بِهَذَا كُلِّهِ وَبِالضَّرْبِ. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِ الْقَاضِي ــ [منحة الخالق] [فَصْلٌ فِي التَّعْزِيرِ] (قَوْلُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْقَامُوسِ إنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ عَلَى التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ وَعَلَى التَّأْدِيبِ وَعَلَى أَشَدِّ الضَّرْبِ وَعَلَى ضَرْبِهِ دُونَ الْحَدِّ اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ غَلَطٌ لِأَنَّ هَذَا وَضْعٌ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ إذْ لَمْ يُعْلَمْ إلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَكَيْفَ نُسِبَ إلَى أَهْلِ اللُّغَةِ الْجَاهِلِينَ بِذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاحِ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ بِالضَّرْبِ وَمِنْهُ سُمِّيَ ضَرْبُ مَا دُونَ الْحَدِّ تَعْزِيرًا فَأَشَارَ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مَنْقُولَةٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ بِزِيَادَةِ قَيْدٍ هُوَ كَوْنُ ذَلِكَ الضَّرْبِ دُونَ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ فَهُوَ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا الْمَنْقُولَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِيهَا وَزِيَادَةً وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ مُهِمَّةٌ تَفَطَّنَ لَهَا صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَغَفَلَ عَنْهَا صَاحِبُ الْقَامُوسِ وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرًا وَهُوَ غَلَطٌ يَتَعَيَّنُ التَّفَطُّنُ لَهُ اهـ. (قَوْلُهُ: فَيُصَانُ عَنْهُ أَهْلُ الْغَفْلَةِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا الْقِبْلَةُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَنَّ الصَّفْعَ شُرِعَ لِأَهْلِ الذَّمَّةِ عِنْدَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَصَرَّحَ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّعْزِيرِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ إلَخْ) أَيْ فِي أَنْوَاعِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ أَمَّا إنْ اقْتَضَى رَأْيُهُ الضَّرْبَ فَلَا يَزِيدُ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْفَتْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَأَكْثَرُ التَّعْزِيرِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ) فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْزَجِرُ بِالنَّصِيحَةِ وَمِنْهُمْ بِاللَّطْمَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى الضَّرْبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى الْحَبْسِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مُفَوَّضًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مَا فِي الشَّافِي عَلَى إطْلَاقِهِ فَإِنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَشْرَافِ لَوْ ضَرَبَ غَيْرَهُ فَأَدْمَاهُ لَا يُكْتَفَى بِتَعْزِيرِهِ بِقَوْلِ الْقَاضِي مَا مَرَّ إذْ لَا يَنْزَجِرُ بِذَلِكَ وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْقُضَاةِ مِنْ الْإِخْوَانِ مَنْ أَدَّبَهُ بِالضَّرْبِ بِذَلِكَ وَأَرَى أَنَّهُ صَوَابٌ اهـ. أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الشَّافِي بَيَانًا لِمَا تَضَمَّنَهُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ ثُمَّ هُوَ قَدْ يَكُونُ بِالْحَبْسِ وَقَدْ يَكُونُ بِالصَّفْعِ وَبِتَعْرِيكِ الْأُذُنِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْكَلَامِ الْعَنِيفِ أَوْ بِالضَّرْبِ وَقَدْ يَكُونُ بِنَظَرِ الْقَاضِي إلَيْهِ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ وَإِنَّمَا هُوَ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَقْتَضِي جِنَايَتَهُمْ فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ فِيهِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْجِنَايَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْلُغَ غَايَةَ التَّعْزِيرِ فِي الْكَبِيرَةِ كَمَا إذَا أَصَابَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ كُلَّ مُحَرَّمٍ سِوَى الْجِمَاعِ أَوْ جَمَعَ السَّارِقُ الْمَتَاعَ فِي الدَّارِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ وَكَذَا يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِهِمْ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَنْزَجِرُ بِالْيَسِيرِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِالْكَثِيرِ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ التَّعْزِيرَ عَلَى مَرَاتِبَ إلَخْ فَقَوْلُهُ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ إلَخْ

стр. 1617

وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي التَّعْزِيرُ بِغَيْرِ الْمُنَاسِبِ لِمُسْتَحِقِّهِ وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرُوا التَّعْزِيرَ بِالْقَتْلِ قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَسُئِلَ الْهِنْدُوَانِيُّ عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ أَيَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ قَالَ: إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْزَجِرُ بِالصِّيَاحِ وَالضَّرْبِ بِمَا دُونَ السِّلَاحِ لَا وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِالْقَتْلِ حَلَّ لَهُ الْقَتْلُ وَإِنْ طَاوَعَتْهُ الْمَرْأَةُ حَلَّ لَهُ قَتْلُهَا أَيْضًا وَفِي الْمُنْيَةِ رَأَى رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِهِ وَهُوَ يَزْنِي بِهَا أَوْ مَعَ مَحْرَمِهِ وَهُمَا مُطَاوِعَتَانِ قَتَلَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ جَمِيعًا. اهـ. فَقَدْ أَفَادَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالزَّوْجَةِ وَالْمَحْرَمِ فَفِي الْأَجْنَبِيَّةِ لَا يَحِلُّ الْقَتْلُ إلَّا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مِنْ عَدَمِ الِانْزِجَارِ بِالصِّيَاحِ وَالضَّرْبِ وَفِي غَيْرِهَا يَحِلُّ مُطْلَقًا وَفِي الْمُجْتَبَى الْأَصْلُ فِي كُلِّ شَخْصٍ إذَا رَأَى مُسْلِمًا يَزْنِي أَنْ يَحِلَّ لَهُ قَتْلُهُ وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ خَوْفًا أَنْ يَقْتُلَهُ وَلَا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ زَنَى وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ الْمُكَابَرَةُ بِالظُّلْمِ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَصَاحِبُ الْمَكْسِ وَجَمِيعُ الظَّلَمَةِ بِأَدْنَى شَيْءٍ لَهُ قِيمَةٌ وَجَمِيعُ الْكَبَائِرِ وَالْأَعْوِنَةُ وَالظَّلَمَةُ وَالسُّعَاةُ فَيُبَاحُ قَتْلُ الْكُلِّ وَيُثَابُ قَاتِلُهُمْ. اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مَنْ يُقِيمُهُ قَالُوا لِكُلِّ مُسْلِمٍ إقَامَتُهُ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ رَأَى غَيْرَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ مُوجِبَةٍ لِلتَّعْزِيرِ فَعَزَّرَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُحْتَسِبِ فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُعَزِّرَ الْمُعَزِّرَ إنْ عَزَّرَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا قَالَ ﵁ قَوْلُهُ: إنْ عَزَّرَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ عَزَّرَهُ حَالَ كَوْنِهِ مَشْغُولًا بِالْفَاحِشَةِ فَلَهُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مَأْمُورٌ بِهِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ لَيْسَ بِنَهْيٍ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَمَّا مَضَى لَا يُتَصَوَّرُ فَيَتَمَخَّضُ تَعْزِيرًا وَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ. اهـ. وَذَكَرَ قَبْلَهُ مَنْ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: أَقِمْ عَلَيَّ التَّعْزِيرَ فَفَعَلَ ثُمَّ رُفِعَ إلَى الْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْتَسِبُ بِذَلِكَ التَّعْزِيرِ الَّذِي أَقَامَهُ بِنَفْسِهِ. اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى فَأَمَّا إقَامَةُ التَّعْزِيرِ فَقِيلَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ كَالْقِصَاصِ وَقِيلَ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ يُسْرِفُ فِيهِ غِلَظًا بِخِلَافِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ الْوَاجِبِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى حَيْثُ يَتَوَلَّى إقَامَتَهُ كُلُّ أَحَدٍ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَضَرَبَهُ الْمَضْرُوبُ أَيْضًا أَنَّهُمَا يُعَزَّرَانِ ــ [منحة الخالق] يَصْلُحُ بَيَانًا لِقَوْلِهِ وَكَذَا يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِهِمْ فَصَارَ حَاصِلُ الْقَوْلِ بِالتَّفْوِيضِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْجِنَايَةِ وَإِلَى حَالِ الْجَانِي، فَإِذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ صَغِيرَةً وَالْجَانِي ذَا مُرُوءَةٍ مِمَّنْ يَنْزَجِرُ بِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ كَبِيرَةً كَاللِّوَاطَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْدُرُ مِنْ ذِي مُرُوءَةٍ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مِنْ الْأَشْرَافِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الْإِعْلَامِ وَمَا فِي الشَّافِي وَالنِّهَايَةِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَحْوَ الْعُلَمَاءِ وَالْعَلَوِيَّةِ يُرَادُ بِهِمْ مَنْ جِنَايَتُهُ صَغِيرَةٌ صَدَرَتْ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الزَّلَّةِ وَالنُّدُورِ وَلِذَا قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ أَوَّلَ مَا فَعَلَ يُوعَظُ اسْتِحْسَانًا وَلَا يُعَزَّرُ وَقَالَ النَّاطِفِيُّ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ يُضْرَبُ التَّعْزِيرَ، فَإِنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ تَكْرَارَ ذَلِكَ مِنْهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ ذَا مُرُوءَةٍ فَكَذَا مَا كَانَ مَعْصِيَةً شَنِيعَةً لَا تَصْدُرُ عَادَةً مِنْ ذِي مُرُوءَةٍ وَالْمُرَادُ كَمَا فِي الْفَتْحِ بِالْمُرُوءَةِ الدِّينُ وَالصَّلَاحُ وَمَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ. (قَوْلُهُ: فَقَدْ أَفَادَ الْفَرْقَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا عَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ نَصٌّ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِامْرَأَةٍ لَهُ وَخَصَّهَا لِتَعُمَّ الْأَجْنَبِيَّةَ بِالْأَوْلَى وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي حُدُودِ الْبَزَّازِيَّةِ مَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا إنْ كَانَ يَنْزَجِرُ بِالصِّيَاحِ وَبِمَا دُونَ السِّلَاحِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِالْقَتْلِ حَلَّ قَتْلُهُ، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ حَلَّ قَتْلُهَا أَيْضًا وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ وَالْقَتْلَ يَلِيهِ غَيْرُ الْمُحْتَسِبِ اهـ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّدَافُعُ بَيْنَ كَلَامَيْ الْهِنْدُوَانِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ نُكْرُ الْمَرْأَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ رَأَى رَجُلًا يَزْنِي بِامْرَأَتِهِ أَوْ بِامْرَأَةِ رَجُلٍ آخَرَ وَهُوَ مُحْصَنٌ فَصَاحَ بِهِ وَلَمْ يَهْرُبْ وَلَمْ يَمْتَنِعْ عَنْ الزِّنَا حَلَّ لِهَذَا الرَّجُلِ قَتْلُهُ، وَإِنْ قَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي السَّرِقَةِ حَيْثُ قَالَ رَأَى رَجُلًا يَسْرِقُ مَالَهُ فَصَاحَ بِهِ أَوْ يَنْقُبُ حَائِطَهُ أَوْ حَائِطَ غَيْرِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالسَّرِقَةِ فَصَاحَ بِهِ وَلَمْ يَهْرُبْ حَلَّ قَتْلُهُ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ. اهـ. وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي وَعَلَيْهِ جَرَى الْخَبَّازِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُحِيطِ مُطْلَقًا لَكِنْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى التَّقْيِيدِ تَوْفِيقًا بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَمِنْ هُنَا جَزَمَ ابْنُ وَهْبَانَ فِي نَظْمِهِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْحَقُّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ فِي الْخَانِيَّةِ شَرَطَ فِي جَوَازِ قَتْلِ الزَّانِي أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا وَفِي السَّارِقِ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الطَّرَسُوسِيُّ وَرَدَّهُ ابْنُ وَهْبَانَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ بَلْ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ حَسَنٌ، فَإِنَّ هَذَا الْمُنْكَرَ حَيْثُ تَعَيَّنَ الْقَتْلُ طَرِيقًا فِي إزَالَتِهِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْإِحْصَانِ فِيهِ وَلِذَا أَطْلَقَهُ الْبَزَّازِيُّ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ قَبْلَهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا مَحْمُولٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ عَلَى أَنَّهُمَا حُكْمَاهُ فَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الَّذِي يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الدَّعْوَى لَا يُقِيمُهُ إلَّا الْحَاكِمُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْقُنْيَةِ ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قُدِّمَ أَنَّهُمَا إذَا تَشَاتَمَا تَكَافَأَ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي فَرَاجِعْهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ يَا زَانِي وَعَكَسَ حُدَّا فَاعْلَمْهُ. اهـ. قُلْت مَحْمَلُ مَا مَرَّ عَلَى مَا إذَا قَالَ لَهُ

стр. 1618

بِإِقَامَةِ التَّعْزِيرِ بِالْبَادِي مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَظْلَمُ وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ أَسْبَقُ اهـ (قَوْلُهُ وَمَنْ قَذَفَ مَمْلُوكًا أَوْ كَافِرًا بِالزِّنَا أَوْ مُسْلِمًا بِيَا فَاسِقُ يَا كَافِرُ يَا خَبِيثُ يَا لِصُّ يَا فَاجِرُ يَا مُنَافِقُ يَا لُوطِيُّ يَا مَنْ يَلْعَبُ بِالصِّبْيَانِ يَا آكِلَ الرِّبَا يَا شَارِبَ الْخَمْرِ يَا دَيُّوثُ يَا مُخَنَّثُ يَا خَائِنُ يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ يَا زِنْدِيقُ يَا قَرْطَبَانُ يَا مَأْوَى الزَّوَانِي أَوْ اللُّصُوصِ يَا حَرَامٌ زَادُهُ عُزِّرَ) ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةُ قَذْفٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَقَدْ امْتَنَعَ وُجُوبُ الْحَدِّ لِفَقْدِ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ وَفِيمَا عَدَاهُمَا قَدْ آذَاهُ وَأَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ فَوَجَبَ التَّعْزِيرُ وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ مِنْهَا «تَعْزِيرُهُ ﵇ رَجُلًا قَالَ لِغَيْرِهِ يَا مُخَنَّثُ» «وَحَبَسَ ﵇ رَجُلًا بِالتُّهْمَةِ» وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِهِ فِي كَبِيرَةٍ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ أَوْ جِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ كَذَا فِي التَّبْيِينِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ وَثَبَتَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّعْزِيرُ مِنْ نَظَرٍ مُحَرَّمٍ وَمَسٍّ مُحَرَّمٍ وَخَلْوَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَأَكْلِ رِبًا ظَاهِرٍ وَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي الْقُنْيَةِ مِسْكِينَةٌ أَخَذَتْ كِسْرَةَ خُبْزٍ مِنْ خَبَّازٍ فَضَرَبَهَا حَتَّى صَرَعَهَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُعَزَّرُ. اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَالَ أَحَدٍ لَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ حَيْثُ أَمْكَنَهُ رَفْعُهُ إلَى الْحَاكِمِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لِقِلَّةِ قِيمَتِهَا وَلِكَوْنِهَا مِسْكِينَةً وَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِخْفَافُ بِالْمُسْلِمِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَمِنْهُ الْمُسْلِمُ إذَا بَاعَ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إلَيْهِ، فَإِنْ بَاعَ فِي الْمِصْرِ بَعْدَ التَّقْدِيمِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ الضَّرْبُ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي مَنْ يُتَّهَمُ بِالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ وَضَرْبِ النَّاسِ يُحْبَسُ وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ إلَى أَنْ يُظْهِرَ التَّوْبَةَ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ أَنَّ التُّهْمَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ مَسْتُورَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ عَدْلٍ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَاحِدٌ مَسْتُورٌ وَفَاسِقٌ بِفَسَادِ شَخْصٍ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ حَبْسُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ عَدْلًا أَوْ مَسْتُورَيْنِ، فَإِنَّ لَهُ حَبْسَهُ وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِيهَا وَلَا يُحْبَسُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَوْ وَاحِدٌ عَدْلٌ. اهـ. وَتَقْدِيرُ مُدَّةِ الْحَبْسِ رَاجِعَةٌ إلَى الْحَاكِمِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُعَزَّرُ مَنْ شَهِدَ شُرْبَ الشَّارِبِينَ، وَالْمُجْتَمِعُونَ عَلَى شِبْهِ الشُّرْبِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبُوا وَمَنْ مَعَهُ رَكْوَةُ خَمْرٍ وَالْمُفْطِرُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ وَالْمُسْلِمُ يَأْكُلُ الرِّبَا يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ وَكَذَا الْمُغَنِّي وَالْمُخَنَّثُ وَالنَّائِحَةُ يُعَزَّرُونَ وَيُحْبَسُونَ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً وَكَذَا مَنْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ عَانَقَهَا أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ أَنَّ كُلَّ مَنْ ارْتَكَبَ مُنْكَرًا أَوْ آذَى مُسْلِمًا بِغَيْرِ حَقٍّ بِقَوْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ إلَّا إذَا كَانَ الْكَذِبُ ظَاهِرًا كَقَوْلِهِ يَا كَلْبُ. اهـ. وَالْمُصَنِّفُ ﵀ اقْتَصَرَ عَلَى مَسَائِلِ الشَّتْمِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ قَذْفًا مَجَازًا شَرْعِيًّا وَهُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ فِي اللُّغَةِ الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ وَنَحْوِهَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ - دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩] وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ رَمْيُهُنَّ بِالْفُجُورِ، وَالْقَذْفُ بِالْغَيْبِ الرَّجْمُ بِالظَّنِّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [سبأ: ٥٣] وَقَذَفَ قَذْفًا كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ وَأُطْلِقَ فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ بِالشَّتْمِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَعْجِزَ الْقَائِلُ عَنْ إثْبَاتِ مَا قَالَهُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ قَالَ لَهُ: يَا فَاسِقُ يَا فَاجِرُ يَا مُخَنَّثُ يَا لِصُّ وَالْمَقُولُ لَهُ فَاسِقٌ أَوْ فَاجِرٌ أَوْ لِصٌّ لَا يُعَزَّرُ ذَكَرَهُ الْحَسَنُ فِي الْمُجَرَّدِ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي أَخْبَارِهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ إلْحَاقُ الشَّيْنِ بِهِ بَلْ الشَّيْنُ كَانَ مُلْحَقًا بِهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّمَا يَجِبُ التَّعْزِيرُ فِيمَنْ لَمْ يُعْلَمْ اتِّصَافُهُ بِهِ أَمَّا مَنْ عُلِمَ اتِّصَافُهُ، فَإِنَّ الشَّيْنَ قَدْ أَلْحَقَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ. اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ قَالَ لَهُ يَا فَاسِقُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ بِالْبَيِّنَةِ فِسْقَهُ لِيَدْفَعَ التَّعْزِيرَ عَنْ نَفْسِهِ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُجَرَّدِ الْجَرْحِ وَالْفِسْقِ لَا تُقْبَلُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: يَا زَانِي ثُمَّ أَثْبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْحَدِّ وَلَوْ أَرَادَ إثْبَاتَ ــ [منحة الخالق] يَا خَبِيثُ مَثَلًا فَرَدَّ عَلَيْهِ بِهِ فَيَحْصُلُ التَّكَافُؤُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ هُنَاكَ أَمَّا الضَّرْبُ فَلَا تَكَافُؤَ فِيهِ لِتَفَاوُتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. [قَذَفَ مَمْلُوكًا أَوْ كَافِرًا بِالزِّنَا أَوْ مُسْلِمًا بِيَا فَاسِقُ] (قَوْلُهُ: وَيُخَلَّدُ فِي الْحَبْسِ إلَى أَنْ يُظْهِرَ التَّوْبَةَ) أَيْ إمَارَتَهَا إذْ لَا وُقُوفَ لَنَا عَلَى حَقِيقَتِهَا وَلَا يَنْبَغِي الْقَوْلُ بِحَبْسِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْمُدَّةِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ إذْ قَدْ تَحْصُلُ فِيهَا التَّوْبَةُ، وَقَدْ لَا تَحْصُلُ وَلَا تَظْهَرُ أَمَارَاتُ الْحُصُولِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِمَا قُلْنَا أَوْلَى وَأَيْضًا التَّقْدِيرُ بِالْمُدَّةِ سَمَاعِيٌّ لَا دَخْلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ عَنْ الطَّرَسُوسِيِّ وَأَقَرَّهُ وَدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ ابْنُ وَهْبَانَ (قَوْلُهُ: كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ) وَقَعَ قَبْلَهُ فِي نُسْخَةٍ أَيْ فَاءَ وَفِي أُخْرَى أَيْ رَمَاهُ وَفِي أُخْرَى بِدُونِ ذَلِكَ

стр. 1619

فِسْقِهِ ضِمْنًا لِمَا تَصِحُّ فِيهِ الْخُصُومَةُ كَجَرْحِ الشُّهُودِ إذَا قَالَ رَشَوْته بِكَذَا فَعَلَيْهِ رَدُّهُ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ كَذَا هَذِهِ. اهـ. وَهَذَا إذَا شَهِدُوا عَلَى فِسْقِهِ وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ، وَأَمَّا إذَا بَيَّنُوهُ بِمَا يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الْعَبْدِ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ يَا فَاسِقُ فَلَمَّا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي ادَّعَى أَنَّهُ رَآهُ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً أَوْ عَانَقَهَا أَوْ خَلَا بِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ رَجُلَيْنِ شَهِدَا أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ فِي قَبُولِهَا وَسُقُوطِ التَّعْزِيرِ عَنْ الْقَائِلِ؛ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ إثْبَاتَ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ التَّعْزِيرُ عَلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَخْتَصُّ بِالْحَدِّ بَلْ أَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ التَّعْزِيرِ وَكَذَلِكَ يَجْرِي هَذَا فِي جَرْحِ الشَّاهِدِ بِمِثْلِهِ وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الشَّاتِمَ عَنْ سَبَبِ فِسْقِهِ، فَإِنْ يُبَيِّنْ سَبَبًا شَرْعِيًّا طَلَبَ مِنْهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ أَنَّ سَبَبَهُ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَفِي مِثْلِ هَذَا لَا يَطْلُبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ بَلْ يَسْأَلُ الْمَقُولَ لَهُ عَنْ الْفَرَائِضِ الَّتِي يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهَا. فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ثَبَتَ فِسْقُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَائِلِ لَهُ يَا فَاسِقُ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّ تَرْكَ الِاشْتِغَالِ بِالْفِقْهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي مَسَائِلِ الشَّتْمِ عَلَى النِّدَاءِ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ كَذَلِكَ كَمَا إذَا قَالَ أَنْتَ فَاسِقٌ أَوْ فُلَانٌ فَاسِقٌ وَنَحْوَهُ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ لَوْ قَالَ لَهُ يَا مُنَافِقُ أَوْ أَنْت مُنَافِقٌ يُعَزَّرُ. اهـ. وَهَذَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الدَّعْوَى قَالَ فِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي سَرِقَةً وَعَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهَا لَا يُعَزَّرُ بِخِلَافِ دَعْوَى الزِّنَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ دَعْوَى السَّرِقَةِ إثْبَاتُ الْمَالِ لَا نِسْبَتُهُ إلَى السَّرِقَةِ بِخِلَافِ دَعْوَى الزِّنَا وَإِنْ قَصَدَ إقَامَةَ الْحِسْبَةِ لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهَا إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا فَكَانَ قَاصِدًا نِسْبَتَهُ إلَى الزِّنَا وَفِي الْمَالِ يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ بِدُونِ نِسْبَتِهِ إلَى السَّرِقَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَاصِدًا نِسْبَتَهُ إلَى السَّرِقَةِ. اهـ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ قَالَ إنْ زَنَيْت فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ زَنَى أُحْلِفَ الْمَوْلَى بِاَللَّهِ مَا زَنَيْت، فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يُعْتَقْ الْعَبْدُ وَوَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ الْحَدُّ لِلْمَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَتَقَ الْعَبْدُ وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا. اهـ. وَفِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى شَخْصٍ بِدَعْوَى تُوجِبُ تَكْفِيرَهُ وَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إذَا صَدَرَ الْكَلَامُ عَلَى وَجْهِ الدَّعْوَى عِنْدَ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ أَمَّا إذَا صَدَرَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ السَّبِّ أَوْ الِانْتِقَاصِ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ. اهـ. وَالتَّقْيِيدُ بِالْمُسْلِمِ فِي قَوْلِهِ أَوْ مُسْلِمًا فِي مَسَائِلِ الشَّتْمِ اتِّفَاقًا إذْ لَوْ شَتَمَ ذِمِّيًّا، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْلَالِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ لَوْ قَالَ لِيَهُودِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ يَا كَافِرُ يَأْثَمُ إنْ شَقَّ عَلَيْهِ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يُعَزَّرَ لِارْتِكَابِهِ مَا أَوْجَبَ الْإِثْمَ، وَقَدْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّتْمِ يَا كَافِرُ يَا مُنَافِقُ وَفِي الْمُحِيطِ جَعَلَ مِنْهُ يَا يَهُودِيُّ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّاتِمَ لَا يَكْفُرُ بِهِ وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَوْ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ لَبَّيْكَ كَفَرَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ وَيَا رَافِضِيُّ بِمَنْزِلَةِ يَا كَافِرُ أَوْ يَا مُبْتَدِعُ فَيُعَزَّرُ؛ لِأَنَّ الرَّافِضِيَّ كَافِرٌ إنْ كَانَ يَسُبُّ الشَّيْخَيْنِ وَمُبْتَدِعٌ إنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ سَبٍّ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الرِّدَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَفَادَ بِعَطْفِهِ يَا فَاجِرُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: فَلَا شَكَّ فِي قَبُولِهَا إلَخْ) قُلْت قَدْ ذَكَرُوا فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ الْجَرْحِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ لَوْ شَهِدُوا عَلَى شُهُودِ الْمُدَّعِي بِأَنَّهُمْ فَسَقَةٌ أَوْ زُنَاةٌ أَوْ أَكَلَةُ رِبًا أَوْ شَرَبَةُ الْخَمْرِ أَوْ عَلَى إقْرَارِهِمْ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِزُورٍ أَوْ أَنَّهُمْ أُجَرَاءُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَخْ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ إقْرَارَهُمْ بِشَهَادَةِ الزُّورِ مُوجِبٌ لِلتَّعْزِيرِ (قَوْلُهُ: هَذَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الدَّعْوَى) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْإِشَارَةُ إنْ رَجَعَتْ إلَى الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ جَمِيعِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهُوَ مُشْكِلٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ دَعْوَى السَّرِقَةِ وَالزِّنَا فَتَأَمَّلْ هَذَا الْكَلَامَ وَكُنْ فِيهِ عَلَى بَصِيرَةٍ وَتَبِعَهُ فِيهِ صَاحِبُ النَّهْرِ وَشَرْحِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ (قَوْلُهُ: قَالَ فِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ كَلَامُ الْقُنْيَةِ خَاصٌّ بِذِكْرِ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِغَيْرِهِ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّ الْفَرْقَ الْمَذْكُورَ يَلْحَقُ مَا عَدَا السَّرِقَةَ بِالزِّنَا إذْ لَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالزِّنَا وَأَقُولُ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ يَقْتَضِي عَكْسَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إذْ الْمَالُ حَيْثُ أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ بِدُونِ نِسْبَتِهِ لِلسَّرِقَةِ يَصِيرُ بِدَعْوَاهَا ظَاهِرًا قَاصِدًا نِسْبَتَهُ إلَيْهَا وَإِلَّا لَعَدَلَ عَنْهَا إلَى دَعْوَى الْمَالِ بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ طَرِيقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَنْهُ فَلَمْ يَكُنْ قَاصِدًا نِسْبَتَهُ إلَيْهِ ظَاهِرًا تَأَمَّلْ. اهـ. وَقَدْ خَطَرَ لِي هَذَا قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ وُرُودُ النَّصِّ فِي الزِّنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يُجْلَدُ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يُعَزَّرَ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ وَسَيَأْتِي مَا يُرْشِدُ إلَيْهِ. اهـ. قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَا مَرَّ فِي يَا فَاسِقُ فَتَأَمَّلْ. اهـ. أَيْ مِنْ أَنَّهُ أَلْحَقَ بِنَفْسِهِ قَبْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فَتَأَمَّلْ إلَى ضَعْفِ هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِنَفْسِهِ لَكِنَّا الْتَزَمْنَا بِعَقْدِ الذِّمَّةِ مَعَهُ أَنْ لَا نُؤْذِيَهُ. اهـ. قُلْت وَيُؤَيِّدُ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ قَوْلُ الْفَتْحِ الْمَارِّ آنِفًا لَوْ شَتَمَ ذِمِّيًّا يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً

стр. 1620

عَلَى يَا فَاسِقُ التَّغَايُرَ بَيْنَهُمَا. وَلِذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ لَوْ أَقَامَ مُدَّعِي الشَّتْمِ شَاهِدَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهُ يَا فَاسِقُ وَالْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ يَا فَاجِرُ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ. اهـ. وَأُطْلِقَ فِي قَوْلِهِ يَا لُوطِيُّ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ وَأَنَّهُ يُعَزَّرُ مُطْلَقًا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقِيلَ فِي يَا لُوطِيُّ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ يُعَزَّرُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعَزَّرُ إنْ كَانَ فِي غَضَبٍ قُلْت أَوْ هَزْلِ مَنْ تَعَوَّدَ بِالْهَزْلِ وَالْقَبِيحِ. اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّيُّوثَ وَالْقَرْطَبَانَ فَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ الدَّيُّوثُ الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ مِمَّنْ يَدْخُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَالْقَرْطَبَانُ نَعْتُ سَوْءٍ فِي الرَّجُلِ الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ عَنْ اللَّيْثِ وَعَنْ الْأَزْهَرِيِّ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْحَاضِرَةِ وَلَمْ أَرَ الْبَوَادِيَ لَفَظُوا بِهِ وَلَا عَرَفُوهُ وَمِنْهُ مَا فِي قَذْفِ الْأَجْنَاسِ كَشَحَّاتٍ اهـ. وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّ الْقَرْطَبَانَ هُوَ الَّذِي يَرَى مَعَ امْرَأَتِهِ أَوْ مَحْرَمِهِ رَجُلًا فَيَدَعَهُ خَالِيًا بِهَا وَقِيلَ هُوَ الْمُتَسَبِّبُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِمَعْنًى غَيْرِ مَمْدُوحٍ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يَبْعَثُ امْرَأَتَهُ مَعَ غُلَامٍ بَالِغٍ أَوْ مَعَ مُزَارِعِهِ إلَى الضَّيْعَةِ أَوْ يَأْذَنُ لَهُمَا بِالدُّخُولِ عَلَيْهَا فِي غَيْبَتِهِ. اهـ. وَعَلَى هَذَا يُعَزَّرُ بِلَفْظِ مُعَرِّصٍ؛ لِأَنَّهُ الدَّيُّوثُ فِي عُرْفِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ إلَى مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إذَا شَتَمَ أَصْلَهُ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ بِطَلَبِ الْوَلَدِ كَقَوْلِهِ يَا ابْنَ الْفَاسِقِ يَا ابْنَ الْكَافِرِ أَوْ النَّصْرَانِيِّ وَأَبُوهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا قَحْبَةُ يُعَزَّرُ وَلَا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ بِخِلَافِ يَا رُوسْبِيُّ، فَإِنَّهُ قَذْفٌ يُحَدُّ بِهِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ رُوسْبِيَّ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ بِالزِّنَا بِخِلَافِ الْقَحْبَةِ، فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الزَّانِيَةِ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْقَحْبَةُ الزَّانِيَةُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقُحَابُ وَهُوَ السُّعَالُ وَكَانَتْ الزَّانِيَةُ فِي الْعَرَبِ إذَا مَرَّ بِهَا رَجُلٌ سَعَلَتْ لِيَقْضِيَ مِنْهَا وَطَرَهُ فَسُمِّيَتْ الزَّانِيَةُ قَحْبَةً لِهَذَا. اهـ. وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّعْزِيرِ يَا رُسْتَاقِيُّ يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ وَيَا ابْنَ الْحَجَّامِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَمِنْهَا يَا خَائِنُ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَمِنْهَا يَا سَفِيهُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْأَوْلَى لِلْإِنْسَانِ فِيمَا إذَا قِيلَ لَهُ مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ أَنْ لَا يُجِيبَهُ قَالُوا لَوْ قَالَ لَهُ يَا خَبِيثُ الْأَحْسَنُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ وَلَوْ رَفَعَ إلَى الْقَاضِي لِيُؤَدِّبَهُ يَجُوزُ وَلَوْ أَجَابَ مَعَ هَذَا فَقَالَ بَلْ أَنْتَ لَا بَأْسَ. اهـ. وَفِي الْقُنْيَةِ تَشَاتَمَا يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ عَلَيْهِمَا وَعَنْ الشَّيْخِ الْجَلِيلِ الْمُتَكَلِّمِ أَنَّ مَنْ شَتَمَ غَيْرَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَالذَّهَابُ إلَيْهِ فِي الِاسْتِحْلَالِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْإِرْسَالِ إلَيْهِ. اهـ. وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَزُولُ عَنْهُ الْمَأْثَمُ بِمُجَرَّدِ الذَّهَابِ أَوْ الْإِرْسَالِ سَوَاءٌ حَالَلَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ أَوْ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى الْإِثْمُ إلَى أَنْ يُوجَدَ الْإِبْرَاءُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْإِبْرَاءَ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ وَإِنَّمَا فِي قُدْرَتِهِ طَلَبُ الْمُحَالَلَةِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا قَحْبَةُ إلَخْ) قَالَ شَارِحُ الْوِقَايَةِ قِيلَ الْقَحْبَةُ تَكُونُ هِمَّتُهُ الزِّنَا فَلَا يُحَدُّ أَقُولُ: الْقَحْبَةُ أَفْحَشُ مِنْ الزَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّانِيَةَ قَدْ تَفْعَلُ سِرًّا أَوْ تَأْنَفُ مِنْهُ وَالْقَحْبَةُ تُجَاهِرُ بِهِ بِالْأُجْرَةِ. اهـ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَوَاشِي قَوْلُهُ الْقَحْبَةُ مَنْ تُجَاهِرُ بِهِ بِالْأُجْرَةِ يَعْنِي فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ لِمَنْ قَذَفَ بِهَا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الظَّهِيرِيَّةِ الْقَحْبَةُ الزَّانِيَةُ وَالْإِنْصَافُ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ فِي دِيَارِنَا إذْ لَا يَسْتَعْمِلُهُ أَحَدٌ إلَّا فِي الزَّانِيَةِ سِيَّمَا حَالَةُ الْغَضَبِ فَكَأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْقَحْبَةُ فِي الْعُرْفِ أَفْحَشُ مِنْ الزَّانِي لَا يَخْلُو مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى اهـ. قُلْت: وَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ مُنْلَا خُسْرو فِي شَرْحِهِ حَيْثُ قَالَ اللَّهُمَّ لَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَجِبُ إذَا قَذَفَ بِصَرِيحِ الزِّنَا أَوْ بِمَا فِي حُكْمِهِ بِأَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ اقْتِضَاءً كَمَا إذَا قَالَ: لَسْتَ لِأَبِيك أَوْ لَسْتَ يَا ابْنَ فُلَانٍ أَبِيهِ فِي الْغَضَبِ كَمَا مَرَّ وَلَفْظُ الْقَحْبَةِ لَمْ يُوضَعْ لِمَعْنَى الزَّانِيَةِ بَلْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ بَعْدَ وَضْعِهِ لِمَعْنًى آخَرَ كَمَا مَرَّ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اقْتِضَاءٌ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ لَا يُقَالُ كَيْفَ يَجِبُ الْحَدُّ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ لَسْتَ لِأَبِيك وَهُوَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الزِّنَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ بِالْوَطْءِ بِشِهْبَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فِيهِ نِسْبَةٌ لَهُ إلَى الزِّنَا اقْتِضَاءً وَالْمُقْتَضَى إذَا ثَبَتَ يَثْبُتُ بِجَمِيعِ لَوَازِمِهِ فَيَجِبُ الْحَدُّ إذْ الثَّابِتُ اقْتِضَاءً كَالثَّابِتِ بِالْعِبَارَةِ هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَكِنَّهُ بَعْدَ مَوْضِعِ تَأَمُّلٍ. اهـ. كَذَا فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ وَكَانَ وَجْهُ التَّأَمُّلِ أَنَّهُ لَمَّا صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً صَارَ مَدْلُولُهُ الزِّنَا حَقِيقَةً بِالْوَضْعِ الْحَادِثِ وَدَلَالَةُ الْوَضْعِ أَبْلَغُ مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لَزِمَ أَنْ لَا يُوجَدَ لَفْظٌ صَرِيحٌ بِغَيْرِ الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ كَالْفَارِسِيَّةِ وَنَحْوِهَا وَقُدِّمَ أَنَّهُ يُعَزَّرُ فِي مَعْرِضِ الْعُرْفِ وَقَالَ فِي الشرنبلالية نُقِلَ التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِقَوْلِهِ يَا ابْنَ الْقَحْبَةِ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ وَمِنْ الْمُضْمَرَاتِ. اهـ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ بَيْنَ الْقَحْبَةِ وَابْنِ الْقَحْبَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَفِي الْقُنْيَةِ تَشَاتَمَا يَجِبُ الِاسْتِحْلَالُ عَلَيْهِمَا) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ يَا زَانٍ وَعَكَسَ حُدَّا حَيْثُ قَالَ لَوْ قَالَ لَهُ: يَا خَبِيثُ فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ بَلْ أَنْتَ تَكَافَآ وَلَا يُعَزِّرُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا تَخَالَفَتْ أَلْفَاظُهُمَا بِأَنْ أَجَابَهُ بِيَا فَاسِقُ مَثَلًا تَأَمَّلْ

стр. 1621

وَالْإِبْرَاءِ، وَقَدْ أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ وَفِي الْخَانِيَّةِ التَّعْزِيرُ حَقُّ الْعَبْدِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ يَجُوزُ فِيهِ الْإِبْرَاءُ وَالْعَفْوُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَيَجْرِي فِيهِ الْيَمِينُ يَعْنِي إذَا أَنْكَرَ أَنَّهُ سَبَّهُ يَحْلِفُ وَيُقْضَى بِالنُّكُولِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ حَقُّ الْعَبْدِ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَحَقُّ الْعَبْدِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ مَا ذُكِرَ، وَأَمَّا مَا وَجَبَ مِنْهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَتُهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ تَرْكُهُ إلَّا فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ انْزَجَرَ الْفَاعِلُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَجِبُ أَنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِمُدَّعٍ شَهِدَ بِهِ فَيَكُونُ مُدَّعِيًا شَاهِدًا إذَا كَانَ مَعَهُ آخَرُ. فَإِنْ قُلْت فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَا مُرُوءَةٍ وَكَانَ أَوَّلَ مَا فَعَلَ يُوعَظُ اسْتِحْسَانًا وَلَا يُعَزَّرُ، فَإِنْ عَادَ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُضْرَبُ وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي فِيهَا مِنْ إسْقَاطِ التَّعْزِيرِ قُلْت يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَحْمَلُ مَا قُلْت مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مُنَاقَصَةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ فَقَدْ حَصَلَ تَعْزِيرُهُ بِالْجَرِّ إلَى بَابِ الْقَاضِي وَالدَّعْوَى فَلَا يَكُونُ مُسْقِطًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّعْزِيرِ وَقَوْلُهُ وَلَا يُعَزَّرُ يَعْنِي بِالضَّرْبِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ حِينَئِذٍ بِالضَّرْبِ وَيُمْكِنُ كَوْنُ مَحْمَلِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ مِنْ الشَّتْمِ وَهُوَ مِمَّنْ تَعْزِيرُهُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الرَّجُلِ يَشْتُمُ النَّاسَ إنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ وُعِظَ وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ حُبِسَ وَإِنْ كَانَ سِبَابًا ضُرِبَ وَحُبِسَ يَعْنِي الَّذِي دُونَ ذَلِكَ وَالْمُرُوءَةُ عِنْدِي فِي الدِّينِ وَالصَّلَاحِ. اهـ. مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ يَا فَاسِقُ أَوْ يَا زِنْدِيقُ أَوْ يَا كَافِرُ أَوْ يَا مُنَافِقُ أَوْ يَا فَاجِرُ أَوْ مَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ لَا يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَا قُلْت هَذَا لَكِنْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا لَهُ عَلَيْك هَذَا الْحَقُّ الَّذِي يَدَّعِي ذِكْرَهُ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِحْلَالِ وَفِي الْقُنْيَةِ التَّعْزِيرُ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَفِي مُشْكِلِ الْآثَارِ وَإِقَامَةُ التَّعْزِيرِ إلَى الْإِمَامِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْعَفْوُ إلَيْهِ أَيْضًا قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَعِنْدِي أَنَّ الْعَفْوَ ثَابِتٌ لِلَّذِي جَنَى عَلَيْهِ لَا لِلْإِمَامِ قَالَ ﵁ وَلَعَلَّ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْعَفْوَ إلَى الْإِمَامِ فَذَاكَ فِي التَّعْزِيرِ الْوَاجِبِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى بِأَنْ ارْتَكَبَ مُنْكَرًا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مَشْرُوعٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى إنْسَانٍ وَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ فِيمَا إذَا جَنَى عَلَى إنْسَانٍ. اهـ. مَا فِي الْقُنْيَةِ فَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ لِلْإِمَامِ جَائِزٌ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَبِيَا كَلْبُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَخْفَى إلَخْ) اعْتِرَاضٌ عَلَى عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ حَيْثُ حَصَرَتْ التَّعْزِيرَ بِحَقِّ الْعَبْدِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهَا بِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِيَّةِ أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ التَّعْزِيرِ وَقَوْلُهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ التَّعْزِيرُ قُلْت وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ يَدْخُلُ فِيهِ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ حَقُّ الْعَبْدِ يَكُونُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى الْعَبْدِ بِالشَّتْمِ أَوْ الضَّرْبِ مَعْصِيَةٌ وَلِذَا قَالَ فِي الدُّرَرِ وَهُوَ أَيْ التَّعْزِيرُ لَهُ حَقُّ الْعَبْدِ غَالِبٌ فِيهِ نَعَمْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَعْصِيَةٍ كَتَعْزِيرِ الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قُلْت فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَتُهُ كَمَا أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ إلَخْ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ حَمْلَ كَلَامِ الْخَانِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مُمْكِنٌ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ وَلَا يُنَاقِضُ مَا مَرَّ؛ لِأَنَّ جَرَّهُ إلَى بَابِ الْقَاضِي وَالدَّعْوَى وَتَعْزِيرَهُ لَهُ لِكَوْنِهِ ذَا مُرُوءَةٍ وَكَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا كَانَ حَقَّ آدَمِيٍّ لِمَا قُلْنَا (قَوْلُهُ وَلَا مُنَاقَضَةَ إلَخْ) أَقُولُ: يُمْكِنُ دَفْعُ الْمُنَاقَضَةِ مِنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ أَيْ ذَا دِيَانَةٍ وَصَلَاحٍ كَمَا يَأْتِي لَا يَصْدُرُ مِنْهُ مُوجِبُ التَّعْزِيرِ غَالِبًا إلَّا عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ أَوْ الْغَفْلَةِ نَادِرًا وَلِذَا لَوْ عَادَ يُعَزَّرُ وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ التَّعْزِيرِ الِانْزِجَارَ فَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ ذِي الْمُرُوءَةِ فَلِذَا قَالُوا: إنَّهُ لَا يُعَزَّرُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ بَلْ يُوعَظُ فَلَعَلَّهُ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَقَدْ مَرَّ اسْتِثْنَاءُ مَا إذَا عَلِمَ الْإِمَامُ انْزِجَارَ الْفَاعِلِ (قَوْلُهُ: لَا يُحَلِّفُهُ بِاَللَّهِ مَا قُلْت إلَخْ) أَيْ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ فِيمَا نَسَبَهُ إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ (قَوْلُهُ: فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ لِلْإِمَامِ جَائِزٌ) قَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ: إنَّ الْمَقْصِدَ مِنْ شَرْعِيَّةِ التَّعْزِيرِ هُوَ الِانْزِجَارُ فَعَفْوُ الْإِمَامِ عَنْهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَقْصُودِ فَلَا يَجُوزُ فَالْمُرَادُ أَنَّ لَهُ الْعَفْوَ إذَا رَأَى حُصُولَ الِانْزِجَارِ بِدُونِهِ فَلِذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ انْزَجَرَ الْفَاعِلُ قَبْلَ ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّاتِمُ ذَا مُرُوءَةٍ وَعَظَ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ ذَلِكَ لِحُصُولِ الِانْزِجَارِ مِنْ ذِي الْمُرُوءَةِ فَهَذَا فِي الشَّتْمِ الَّذِي هُوَ حَقُّ عَبْدٍ وَاكْتَفَى فِيهِ بِالْوَعْظِ فَكَيْفَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَوَّلَ الْبَابِ أَنَّ مَا نُصَّ عَلَيْهِ مِنْ التَّعْزِيرِ كَمَا فِي وَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَجِبُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ فِيهِ وَمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ بَعْدَ مُجَانَبَةِ هَوَى نَفْسِهِ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ إلَّا بِهِ وَجَبَ؛ لِأَنَّهُ زَاجِرٌ مَشْرُوعٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ كَالْحَدِّ وَمَا عُلِمَ أَنَّهُ انْزَجَرَ بِدُونِهِ لَا يَجِبُ.

стр. 1622

يَا تَيْسُ يَا حِمَارُ يَا خِنْزِيرُ يَا بَقَرُ يَا حَيَّةُ يَا حَجَّامُ يَا بَغَّاءُ يَا مُؤَاجِرُ يَا وَلَدَ الْحَرَامِ يَا عَيَّارُ يَا نَاكِسُ يَا مَنْكُوسُ يَا سُخْرَةُ وَيَا ضُحْكَةُ يَا كَشْخَانُ يَا أَبْلَهُ يَا مُوَسْوِسُ لَا) أَيْ لَا يُعَزَّرُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَمَّا عَدَمُ التَّعْزِيرِ فِي يَا كَلْبُ يَا حِمَارُ يَا خِنْزِيرُ يَا بَقَرُ يَا حَيَّةُ يَا تَيْسُ يَا ذِئْبُ يَا قِرْدُ فَلِظُهُورِ كَذِبِهِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ سَبٍّ عَادَ شَيْنُهُ إلَى السَّابِّ، فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ، فَإِنْ عَادَ الشَّيْنُ فِيهِ إلَى الْمَسْبُوبِ عُزِّرَ وَعَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ مَا أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهِ لِلتَّيَقُّنِ بِنَفْيِهِ وَفِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ مُطْلَقًا لِمَا ذَكَرْنَا وَاخْتَارَ الْهِنْدُوَانِيُّ أَنَّهُ يُعَزَّرُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُذْكَرُ لِلشَّتِيمَةِ فِي عُرْفِنَا وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فِي يَا كَلْبُ لَا يُعَزَّرُ قَالَ وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ شَتِيمَةٌ ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ قَطْعًا. اهـ. وَفِي الْمَبْسُوطِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعُدُّهُ شَتِيمَةً وَلِهَذَا يُسَمُّونَ بِكَلْبٍ وَذِئْبٍ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ عَنْ أَمَالِي أَبِي يُوسُفَ فِي يَا خِنْزِيرُ يَا حِمَارُ يُعَزَّرُ ثُمَّ قَالَ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ لَا يُعَزَّرُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ اسْتَحْسَنَ التَّعْزِيرَ إذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ مِنْ الْأَشْرَافِ وَتَبِعَهُ فِي التَّبْيِينِ وَسَوَّى فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَيْنَ قَوْلِهِ يَا حَجَّامُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ يَا ابْنَ الْحَجَّامِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي عَدَمِ التَّعْزِيرِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي التَّبْيِينِ فَأَوْجَبَ التَّعْزِيرَ فِي يَا ابْنَ الْحَجَّامِ دُونَ يَا حَجَّامُ كَأَنَّهُ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْكَذِبِ فِي قَوْلِهِ يَا ابْنَ الْحَجَّامِ لِمَوْتِ أَبِيهِ فَالسَّامِعُونَ لَا يَعْلَمُونَ كَذِبَهُ فَلَحِقَهُ الشَّيْنُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَهُ يَا حَجَّامُ؛ لِأَنَّهُمْ يُشَاهِدُونَ صَنْعَتَهُ. وَأَمَّا بَغَّا بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ فَهُوَ الْمَأْبُونُ بِالْفَارِسِيَّةِ وَيُقَالُ بَاغًّا وَكَأَنَّهُ اُنْتُزِعَ مِنْ الْبِغَاءِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ التَّعْزِيرُ فِيهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهِ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْكَذِبِ فِيهِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى وَهُوَ بِمَعْنَى يَا مَعْفُوجُ وَهُوَ الْمَأْتِيُّ فِي الدُّبُرِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ فِيهِ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهِ بَلْ هُوَ أَقْوَى إيذَاءً؛ لِأَنَّ الِابْنَةَ فِي الْعُرْفِ عَيْبٌ شَدِيدٌ إذْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ أَنْ يُؤْتَى فِي دُبُرِهِ بِسَبَبِ دُودَةٍ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا الْمُؤَاجِرُ، فَإِنْ كَانَ بِكَسْرِ الْجِيمِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُؤَجِّرِ لِلشَّيْءِ وَلَا عَيْبَ فِيهِ إلَّا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ خَطَأٌ وَقَبِيحٌ وَإِنْ كَانَ بِفَتْحِ الْجِيمِ بِمَعْنَى الْمُؤَجَّرِ بِالْفَتْحِ يُقَالُ آجَرَهُ الْمَمْلُوكَ فَاسْمُ الْمَفْعُولِ مُؤَجَّرٌ وَمُؤَاجَرٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ فَقَدْ نَسَبَهُ إلَى أَنَّ غَيْرَهُ قَدْ اسْتَأْجَرَهُ وَلَا عَيْبَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ شَرْعِيٌّ، وَأَمَّا وَلَدُ الْحَرَامِ فَيَنْبَغِي التَّعْزِيرُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ بِمَعْنَى يَا وَلَدَ الزِّنَا وَلَمْ يَجِبْ الْقَذْفُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَقَدْ أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهِ، وَقَدْ أَبْدَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِيَا وَلَدَ الْحِمَارِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَأَمَّا الْعَيَّارُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ فَهُوَ كَثِيرُ الْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ عَنْ ابْنِ دُرَيْدٍ وَعَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ الْعَيَّارُ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِي يُخَلِّي نَفْسَهُ وَهَوَاهَا لَا يَرْدَعُهَا وَلَا يَزْجُرُهَا وَفِي أَجْنَاسِ النَّاطِفِيِّ الَّذِي يَتَرَدَّدُ بِلَا عَمَلٍ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ فَرَسٌ عَائِرٌ وَعَيَّارٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرُ الْإِنْسَانِ ظَاهِرًا مِنْ التَّرَدُّدِ أَوْ كَثْرَةِ الْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ لَمْ يَلْحَقْ الشَّيْنُ بِهِ فَلِذَا لَمْ يُعَزَّرْ، وَأَمَّا قَوْلُهُ يَا نَاكِسُ يَا مَنْكُوسُ فَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ مِنْ بَابِ فَعِلَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ النَّكِسُ الرَّجُلُ الضَّعِيفُ وَمِنْ بَابِ فَعَلَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: ثَلَاثُ مَذَاهِبَ) الْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالثَّانِي مُخْتَارُ الْهِنْدُوَانِيُّ وَالثَّالِثُ مَا يَأْتِي عَنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ. (قَوْلُهُ: كَأَنَّهُ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْكَذِبِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْفَرْقِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَعْزِيرِهِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِمَوْتِ أَبِيهِ اهـ. قُلْت وَالظَّاهِرُ فِي وَجْهِ الْفَرْقِ أَنَّ قَوْلَهُ يَا ابْنَ الْحَجَّامِ فِيهِ نِسْبَةٌ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَكَانَ الْقِيَاسُ لُزُومَ الْحَدِّ فِيهِ لَكِنَّهُ فِي الْعُرْفِ يُرَادُ بِهِ الْخِسَّةُ وَالدَّنَاءَةُ، فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ يَبْقَى التَّعْزِيرُ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَرَبِيٍّ يَا نَبَطِيُّ أَوْ لِهَاشِمِيٍّ لَسْت بِهَاشِمِيٍّ تَأَمَّلْ ثُمَّ إنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي التَّبْيِينِ هَكَذَا وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا تُوجِبُ التَّعْزِيرَ قَوْلُهُ يَا رُسْتَاقِيُّ وَيَا ابْنَ الْأَسْوَدِ وَيَا ابْنَ الْحَجَّامِ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ. اهـ. فَقَوْلُهُ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُسْتَاقِيٍّ وَلَا ابْنَ الْأَسْوَدِ وَلَا ابْنَ الْحَجَّامِ وَكَانَ الْمُؤَلِّفُ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ لَيْسَ كَذَلِكَ رَدٌّ لِقَوْلِهِ وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا تُوجِبُ التَّعْزِيرَ (قَوْلُهُ: يَا مَعْفُوجُ إلَخْ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ عَفَجَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَالْجِيمِ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَهُوَ الْمَضْرُوبُ فِي الدُّبُرِ وَهُوَ بِمَعْنَى مَا فَسَّرَهُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَفِي الْقَامُوسِ عَفَجَ يَعْفِجُ ضَرَبَ وَجَارِيَتَهُ جَامَعَهَا (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِوُجُوبِ التَّعْزِيرِ فِيهِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ يَا مَعْفُوجُ وَقَوْلُهُ بَلْ هُوَ أَقْوَى إيذَاءً أَيْ لَفْظُ بَغَّا بِمَعْنَى الْمَأْبُونِ قُلْت: وَقَدْ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُعَزَّرُ بِهِ حَيْثُ قَالَ وَفِي تَجْنِيسِ النَّاصِرِيِّ قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ لَوْ قَالَ يَا بَغَّا يَا مُؤَاجِرُ يَا جِيفَةُ فِي عُرْفِنَا فِيهِ التَّعْزِيرُ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَا نَاكِسُ إلَخْ) قَالَ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْتَقَى نَاكِسٌ وَمَنْكُوسٌ عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ

стр. 1623

بِالْفَتْحِ يَفْعُلُ بِالضَّمِّ النَّكْسُ قَلْبُ الشَّيْءِ عَلَى رَأْسِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥] اهـ. فَكَأَنَّهُ دَعَا عَلَى الْمُخَاطَبِ فَلَا تَعْزِيرَ فِيهِ لِعَدَمِ إلْحَاقِ الشَّيْنِ بِهِ، وَأَمَّا السُّخْرَةُ بِضَمِّ السِّينِ فَفِي الْمُغْرِبِ السُّخْرِيُّ مِنْ السُّخْرَةِ وَهُوَ مَا يُتَسَخَّرُ أَيْ يُسْتَعْمَلُ بِغَيْرِ أَجْرٍ. اهـ. فَلَا شَيْنَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَدْحٌ، وَأَمَّا الضُّحْكَةُ بِضَمِّ الضَّادِ فَهُوَ الشَّيْءُ يُضْحَكُ مِنْهُ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَقَدْ اُسْتُخِفَّ بِهِ وَمَنْ اسْتَخَفَّ بِغَيْرِهِ عُزِّرَ فَيَنْبَغِي التَّعْزِيرُ بِهِ وَلِذَا قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ قَالَ لَهُ: يَا سَاحِرُ يَا ضُحْكَةُ يَا مُقَامِرُ لَا يُعَزَّرُ هَكَذَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ اهـ. وَأَمَّا الْكَشْحَانُ فَرَأَيْت فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي أَنَّهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي الْمُغْرِبِ الْكَشْحَانُ الدَّيُّوثُ الَّذِي لَا غَيْرَةَ لَهُ وَكَشَحَهُ وَكَشَحْته شَتَمْته وَيُقَالُ يَا كَشْحَانُ. اهـ. فَحِينَئِذٍ هُوَ بِمَعْنَى الْقَرْطَبَانِ وَالدَّيُّوثِ فَيَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ وَلِذَا قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ يُعَزَّرُ فِي الْكَشْحَانِ إذْ قِيلَ لَهُ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْقَرْطَبَانِ وَالدَّيُّوثِ. اهـ. فَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ مُشْكِلٌ لَكِنْ قَالَ فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ كَشَحَ الْقَوْمُ عَنْ الشَّيْءِ إذَا تَفَرَّقُوا عَنْهُ وَذَهَبُوا وَكَشَحَ لَهُ بِالْعَدَاوَةِ وَأَضْمَرَهَا فِي كَشْحِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ فِيهِ وَقِيلَ الْكَاشِحُ الْمُتَبَاعِدُ عَنْ مَوَدَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ كَشَحَ الْقَوْمُ عَلَى الشَّيْءِ إذَا ذَهَبُوا عَنْهُ وَفِي الْحَدِيثِ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» ، فَإِنْ صَحَّ مَجِيءُ الْكَشْخَانِ مِنْهُ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَى الْقَرْطَبَانِ فَلِذَا فَرَّقَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا. وَأَمَّا الْأَبْلَهُ فَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الْبَلَهُ الْغَفْلَةُ وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْثَرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْبُلْهُ» قِيلَ الْبُلْهُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا الْغَافِلُونَ عَنْ الشَّرِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ بَلَهٌ قَالَ الزِّبْرِقَانُ خَيْرُ أَوْلَادِنَا الْأَبْلَهُ الْعَقُولُ أَيْ الَّذِي هُوَ لِشِدَّةِ حَيَائِهِ كَالْأَبْلَهِ وَهُوَ عَاقِلٌ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّهَا صِفَةُ مَدْحٍ وَإِنْ كَانَتْ مَفْضُولَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ عِنْدَهُ حِذْقٌ وَعُلِمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ ﵇: «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ الْغُرَفَ فَوْقَهُمْ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ» وَصَرَّحَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْبُلْهُ وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ أَهْلُ الْغُرَفِ فَوْقَهُمْ وَقَيَّدَ بِالْأَبْلَهِ احْتِرَازًا عَنْ الْبَلِيدِ، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ بِهِ قَالَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ قَالَ يَا بَلِيدُ يَا قَذِرُ يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهُ بِمَعْصِيَةٍ وَلِأَنَّهُ أَلْحَقَ الشَّيْنَ بِهِ. اهـ. وَفِي كَوْنِهِ مَعْصِيَةً نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ التَّعْلِيلُ الثَّانِي، وَأَمَّا الْمُوَسْوِسُ فَضَبَطَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ فِي فَصْلِ التَّعْزِيرِ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفِي الْمُغْرِبِ رَجُلٌ مُوَسْوِسٌ بِالْكَسْرِ وَلَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ وَلَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ أَوْ إلَيْهِ أَيْ مُلْقًى إلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدِيثُ النَّفْسِ وَإِنَّمَا قِيلَ مُوَسْوِسٌ؛ لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ يَعْنِي الْمَغْلُوبَ فِي عَقْلِهِ عَنْ الْحَاكِمِ هُوَ الْمُصَابُ فِي عَقْلِهِ إذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ نِظَامٍ (قَوْلُهُ وَ أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا) . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَكْثَرُهُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُعْتَدِينَ» فَتَعَذَّرَ تَبْلِيغُهُ حَدًّا بِالْإِجْمَاعِ غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اعْتَبَرَ أَدْنَى الْحُدُودِ وَهُوَ حَدُّ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ مَا رَوَيْنَا يَتَنَاوَلُهُ وَأَقَلُّهُ أَرْبَعُونَ وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَبَرَ حَدَّ الْأَحْرَارِ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْأُصُولُ وَأَقَلُّهُ ثَمَانُونَ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّقْصِ عَنْهُ فَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يَنْقُصُ خَمْسَةٌ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قِيلَ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنًى مَعْقُولٌ فَلَا يَضُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّدَ فِيهِ عَلِيًّا ﵁ وَيَجِبُ تَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ فِيمَا لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ وَفِي رِوَايَةٍ يَنْقُصُ سَوْطٌ وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ أَكْثَرُهُ فِي الْعَبْدِ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا وَفِي الْحُرِّ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ الْأَصَحَّ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَفِي الْمُجْتَبَى وَرُوِيَ أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْهَا سَوْطًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ. وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَقْدِيرِ أَكْثَرِهِ بِتِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ يُعْرَفُ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّعْزِيرِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ بَلْ مُفَوَّضٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ أَيْ مِنْ أَنْوَاعِهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِالضَّرْبِ ــ [منحة الخالق] وَمَفْعُولٍ لَفْظٌ عَجَمِيٌّ النُّونُ فِي أَوَّلِهِ لِلنَّفْيِ وَالْكَافُ مِنْهُ مَفْتُوحٌ وَلَفْظُ نَكَسَ بِمَعْنَى الْآدَمِيِّ فَمَعْنَى الْقَذْفِ بِهِ سَلْبُ الْآدَمِيَّةِ عَنْ الْمَقْذُوفِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْكَشْحَانُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي بَابِ الْخَاءِ فَقَالَ الْكَشْخَانُ وَيُكْسَرُ الدَّيُّوثُ وَكَشَّخَهُ تَكْشِيخًا وَكَشْخَنَهُ قَالَ لَهُ يَا كَشْخَانُ. اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ لَك مَا فِي تَقْرِيرِ هَذَا الشَّارِحُ فَتَنَبَّهْ. [أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ] (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ أَنَّ الْأَصَحَّ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ) يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ وَبِهِ نَأْخُذُ تَرْجِيحٌ لِرِوَايَةِ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ عَلَى رِوَايَةِ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ الْمَرْوِيَّتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْأُولَى مِنْهُمَا هِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَرْجِيحًا لِقَوْلِهِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ الَّذِي عَلَيْهِ مُتُونُ الْمَذْهَبِ

стр. 1624

وَبِغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَمَّا إنْ اقْتَضَى رَأْيُهُ الضَّرْبَ فِي خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَزِيدُ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ. اهـ.، وَقَدْ وَقَعَ لِي تَرَدُّدٌ فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّ إنْسَانًا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَكْثَرَ مِنْ أَكْثَرِ التَّعْزِيرِ وَرُفِعَ إلَى الْقَاضِي وَثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ ضَرَبَهُ مَثَلًا خَمْسِينَ سَوْطًا كَيْفَ يُعَزِّرُهُ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ إنْ ضَرَبَهُ خَمْسِينَ زَادَ عَلَى أَكْثَرِ التَّعْزِيرِ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَكْثَرِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّ الْمَضْرُوبِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ حَقَّهُ التَّعْزِيرُ لَا الْقِصَاصُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ مِمَّا يَجِبُ التَّعْزِيرُ بِهِ الضَّرْبُ. (قَوْلُهُ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ) أَيْ أَقَلُّ التَّعْزِيرِ بِالضَّرْبِ ثَلَاثَةُ أَسْوَاطٍ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ مَا دُونَهَا لَا يَقَعُ بِهِ الزَّجْرُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَلَا مَعْنَى لِتَقْدِيرِهِ مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ فَيَكُونُ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِ الْقَاضِي يُقَيِّمُهُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا تَفَاصِيلَهُ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا كَذَا فِي التَّبْيِينِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرِ لَوْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ الزَّجْرَ يَحْصُلُ بِسَوْطٍ لَا يَكْتَفِي بِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَعَلَى قَوْلِ الْمَشَايِخِ يَكْتَفِي بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَصَحَّ حَبْسُهُ بَعْدَ الضَّرْبِ) أَيْ جَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْبِسَ الْعَاصِيَ بَعْدَ الضَّرْبِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ حَبْسِهِ وَضَرْبِهِ؛ لِأَنَّهُ صَلُحَ تَعْزِيرًا، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي الْجُمْلَةِ حَتَّى جَازَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ فَجَازَ أَنْ يُضَمَّ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يَشْرَعْ فِي التَّعْزِيرِ بِالتُّهْمَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ كَمَا شَرَعَ فِي الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْزِيرِ أَطْلَقَ فِي الْحَبْسِ فَشَمِلَ الْحَبْسَ فِي الْبَيْتِ وَالسِّجْنِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ، وَقَدْ يَكُونُ التَّعْزِيرُ بِالْحَبْسِ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي السِّجْنِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَأَشَدُّ الضَّرْبِ التَّعْزِيرُ) ؛ لِأَنَّهُ جَرَى التَّخْفِيفُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ فَلَا يُخَفَّفُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى فَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ كَضَرْبِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ إطْلَاقُ الْأَشَدِّيَّةِ الشَّامِلَةِ لِقُوَّتِهِ وَجَمَعَهُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ وَفِي حُدُودِ الْأَصْلِ يُفَرَّقُ التَّعْزِيرُ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَفِي أَشْرِبَةِ الْأَصْلِ يُضْرَبُ التَّعْزِيرُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ فَمَوْضُوعُ الْأَوَّلِ إذَا بَلَغَ بِالتَّعْزِيرِ أَقْصَاهُ وَمَوْضُوعُ الثَّانِي إذَا لَمْ يَبْلُغْ. اهـ. وَهَكَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَثْبَتَ الِاخْتِلَافَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِسْبِيجَابِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ الشِّدَّةُ هُوَ الْجَمْعُ فَتُجْمَعُ الْأَسْوَاطُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ وَلَا يُفَرَّقُ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُدُودِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بَلْ شِدَّتُهُ فِي الضَّرْبِ لَا فِي الْجَمْعِ. اهـ. قَالُوا وَيَتَّقِي الْمَوَاضِعَ الَّتِي تُتَّقَى فِي الْحُدُودِ قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَيَضْرِبُ الظَّهْرَ وَالْأَلْيَةَ قَالُوا وَيَبْلُغُ فِي التَّعْزِيرِ غَايَتَهُ وَهُوَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا فِيمَا إذَا أَصَابَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ كُلَّ مُحَرَّمٍ غَيْرَ الْجِمَاعِ وَفِيمَا إذَا أَخَذَ السَّارِقَ بَعْدَمَا جَمَعَ الْمَتَاعَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ وَفِيمَا إذَا شَتَمَهُ بِجِنْسِ مَا يَجِبُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ كَقَوْلِهِ لِلْعَبْدِ أَوْ الذِّمِّيِّ يَا زَانِي وَأَشَارَ بِالْأَشَدِّيَّةِ إلَى أَنَّهُ يُجَرَّدُ مِنْ ثِيَابِهِ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَيُجَرَّدُ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ إلَّا فِي حَدِّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَيُخَالِفُهُ مَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ يُضْرَبُ لِلتَّعْزِيرِ قَائِمًا عَلَيْهِ ثِيَابُهُ وَيُنْزَعُ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَلَا يُمَدُّ فِي التَّعْزِيرِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِتَصْرِيحِ الْمَبْسُوطِ بِهِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ التَّعْزِيرُ مَعَ الْحُدُودِ قُدِّمَ التَّعْزِيرُ فِي الِاسْتِيفَاءِ لِتَمَحُّضِهِ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ (قَوْلُهُ ثُمَّ حَدُّ الزِّنَا) ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَحَدُّ الشُّرْبِ ثَابِتٌ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَلِأَنَّهُ أَعْظَمُ جِنَايَةً حَتَّى شُرِعَ فِيهِ الرَّجْمُ. (قَوْلُهُ ثُمَّ الشُّرْبُ ثُمَّ الْقَذْفُ) يَعْنِي حَدَّ الشُّرْبِ يَلِي حَدَّ الزِّنَا فِي شِدَّةِ الضَّرْبِ قَدَّمْنَاهُ وَحَدُّ الْقَذْفِ أَدْنَى الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ إلَّا أَنَّ سَبَبَهُ مُحْتَمَلٌ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ صَادِقًا وَسَبَبُ حَدِّ الشُّرْبِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ وَهُوَ الشُّرْبُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الشُّرْبَ مُتَيَقَّنُ السَّبَبِيَّةِ لِلْحَدِّ لَا مُتَيَقَّنُ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ وَهُمَا لَا يُوجِبَانِ الْيَقِينَ (قَوْلُهُ وَمَنْ حُدَّ أَوْ عُزِّرَ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ) ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَ بِأَمْرِ الشَّارِعِ وَفِعْلُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَقَدْ وَقَعَ لِي تَرَدُّدٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّرَدُّدِ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ وَصَحَّ حَبْسُهُ بَعْدَ الضَّرْبِ ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَصَحَّ حَبْسُهُ بَعْدَ الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الزِّيَادَةِ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ لِمَا رَوَيْنَا، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الضَّرْبِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَضُمَّ الْحَبْسَ إلَيْهِ كَذَا فِي الشَّرْحِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي دَفْعِ التَّرَدُّدِ السَّابِقِ.

стр. 1625

الْمَأْمُورِ لَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْفِصَادِ وَالْبَزَّاغِ قَالَ فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ ذَهَبَ دَمُهُ هَدَرًا أَيْ بَاطِلًا (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الزَّوْجِ إذَا عَزَّرَ زَوْجَتَهُ لِتَرْكِ الزِّينَةِ وَالْإِجَابَةِ إذَا دَعَاهَا إلَى فِرَاشِهِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْبَيْتِ) يَعْنِي فَمَاتَتْ، فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا وَلَا يَكُونُ دَمُهَا هَدَرًا؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ وَمَنْفَعَتُهُ تَرْجِعُ إلَيْهِ كَمَا تَرْجِعُ إلَى الْمَرْأَةِ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ اسْتِقَامَتُهَا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ كُلَّ ضَرْبٍ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، فَإِنَّ الضَّارِبَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِمَوْتِهِ وَكُلُّ ضَرْبٍ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ بِدُونِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الضَّارِبَ يَضْمَنُهُ إذَا مَاتَ لِتَقْيِيدِهِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ كَالْمُرُورِ فِي الطَّرِيقِ وَظَهَرَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَرْبُ زَوْجَتِهِ أَصْلًا وَظَهَرَ بِهِ أَيْضًا أَنَّ لَهُ ضَرْبَهَا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ لَكِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي جَوَازِ ضَرْبِهَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ فَذَكَرَ هُنَا تَبَعًا لِكَثِيرٍ أَنَّهُ يَجُوزُ وَفِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِمَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا تَعُودُ إلَيْهِ بَلْ إلَيْهَا وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ وَلِهَذَا قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِبَ زَوْجَتَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ وَفِي مَعْنَاهَا فَفِي قَوْلِهِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا إفَادَةُ عَدَمِ الْحَصْرِ فَمَا فِي مَعْنَاهَا مَا إذَا ضَرَبَتْ جَارِيَةَ زَوْجِهَا غَيْرَةً وَلَا تَتَّعِظُ بِوَعْظِهِ فَلَهُ ضَرْبُهَا كَذَا فِي الْقُنْيَةِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقُ بِهِ مَا إذَا ضَرَبَتْ الْوَلَدَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ عِنْدَ بُكَائِهِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الدَّابَّةِ إذَا كَانَ مَمْنُوعًا فَهَذَا أَوْلَى مِنْهُ مَا إذَا شَتَمَتْهُ أَوْ مَزَّقَتْ ثِيَابَهُ أَوْ أَخَذَتْ لِحْيَتَهُ أَوْ قَالَتْ لَهُ يَا حِمَارُ يَا أَبْلَهُ أَوْ لَعَنَتْهُ سَوَاءٌ شَتَمَهَا أَوْ لَا عَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ وَمِنْهُ مَا إذَا شَتَمَتْ أَجْنَبِيًّا وَمِنْهُ مَا إذَا كَشَفَتْ وَجْهَهَا لِغَيْرِ مَحْرَمٍ أَوْ كَلَّمَتْ أَجْنَبِيًّا أَوْ تَكَلَّمَتْ عَامِدًا مَعَ الزَّوْجِ أَوْ شَاغَبَتْ مَعَهُ لِيَسْمَعَ صَوْتَهَا الْأَجْنَبِيُّ وَمِنْهُ مَا إذَا أَعْطَتْ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ بِلَا إذْنِهِ حَيْثُ كَانَتْ الْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُسَامَحَةَ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ بِلَا مَشُورَةِ الزَّوْجِ فَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا وَمِنْهُ مَا إذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا إذَا طَلَبَتْ نَفَقَتَهَا أَوْ كِسْوَتَهَا وَأَلَحَّتْ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ يَدَ الْمُلَازَمَةِ وَلِسَانَ التَّقَاضِي كَذَا أَفَادَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ فِي مَسَائِلِ الضَّرْبِ مِنْ فَصْلِ الْأَمْرِ بِالْيَدِ وَالْمَعْنَى الْجَامِعُ لِلْكُلِّ أَنَّهَا إذَا ارْتَكَبَتْ مَعْصِيَةً لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ، فَإِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُعَزِّرَهَا كَمَا أَنَّ لِلسَّيِّدِ ذَلِكَ بِعَبْدِهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ فَصْلِ الْقَسْمِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالزَّوْجِ وَبِغَيْرِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا ضَرَبَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا لِتَرْكِ الزِّينَةِ إذَا كَانَتْ قَادِرَةً عَلَيْهَا وَكَانَتْ شَرْعِيَّةً وَإِلَّا فَلَا كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ ضَرْبُهَا لِتَرْكِ الْإِجَابَةِ إذَا كَانَتْ طَاهِرَةً عَنْ الْحَيْضِ وَعَنْ النِّفَاسِ وَكَمَا يَجُوزُ ضَرْبُهَا لِلْخُرُوجِ إذَا كَانَ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَمَّا إذَا كَانَ بِحَقٍّ فَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهَا عَلَيْهِ وَقَدَّمْنَا الْمَوَاضِعَ الَّتِي تَخْرُجُ إلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ وَأَطْلَقَ فِي الزَّوْجَةِ فَشَمِلَ الصَّغِيرَةَ وَلِذَا قَالَ فِي التَّبْيِينِ إنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الصِّبْيَانِ وَفِي الْقُنْيَةِ مُرَاهِقٌ شَتَمَ عَالِمًا فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ. اهـ. وَفِي الْمُجْتَبَى مَعْزِيًّا إلَى السَّرَخْسِيِّ الصَّغِيرُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ التَّعْزِيرِ وَلَوْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لَمُنِعَ وَعَنْ التَّرْجُمَانِيِّ الْبُلُوغُ يُعْتَبَرُ فِي التَّعْزِيرِ أَرَادَ بِهِ مَا وَجَبَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى نَحْوُ مَا إذَا شَرِبَ الصَّبِيُّ أَوْ زَنَى أَوْ سَرَقَ وَمَا ذَكَرَهُ السَّرَخْسِيُّ فِيمَا يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا. اهـ. قَيَّدَ بِالزَّوْجَةِ لَا بِالْأَبِ وَالْمُعَلِّمُ لَا يَضْمَنُ وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَا يَجُوزُ ضَرْبُ أُخْتِهَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إذَا بَلَغَتْ عَشْرًا وَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْيَتِيمَ فِيمَا يَضْرِبُ وَلَدَهُ بِهِ وَرَدَتْ الْآثَارُ وَالْأَخْبَارُ وَفِي الرَّوْضَةِ لَهُ أَنْ يُكْرِهَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ وَالْأَدَبِ وَالْعِلْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فُرِضَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِضَرْبِ عَبْدِهِ حَلَّ لِلْمَأْمُورِ ضَرْبُهُ بِخِلَافِ الْحُرِّ قَالَ ﵁ فَهَذَا نَصِيصٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ضَرْبِ وَلَدِ الْآمِرِ بِأَمْرِهِ بِخِلَافِ الْمُعَلِّمِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ يَضْرِبُهُ نِيَابَةً عَنْ الْأَبِ لِمَصْلَحَتِهِ وَالْمُعَلِّمُ يَضْرِبُهُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ بِتَمْلِيكِ أَبِيهِ لِمَصْلَحَةِ الْوَلَدِ. اهـ. وَفِيهَا أَيْضًا عَنْ ــ [منحة الخالق] [حُدَّ أَوْ عُزِّرَ فَمَاتَ] (قَوْلُهُ: أَوْ قَالَتْ لَهُ يَا حِمَارُ يَا أَبْلَهُ) قَالَ فِي النَّهْرِ يَنْبَغِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَدَمُ التَّعْزِيرِ فِيهِمَا، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي إنْ كَانَ الْمَقُولُ لَهُ مِنْ الْأَشْرَافِ أَنْ يُعَزَّرَ الْقَائِلُ وَإِلَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ فِي الزَّوْجِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا وَالْمَوْضِعُ يَحْتَاجُ إلَى تَدَبُّرٍ وَتَأَمُّلٍ (قَوْلُهُ: إنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الصِّبْيَانِ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ الصَّبِيِّ إذَا وَجَبَ التَّعْزِيرُ عَلَيْهِ لِلتَّأْدِيبِ فَبَلَغَ وَنَقَلَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ سُقُوطَهُ لِزَجْرِهِ بِالْبُلُوغِ وَمُقْتَضَى مَا فِي الْيَتِيمَةِ مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا وَجَبَ التَّعْزِيرُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ. اهـ. قَالَ الرَّمْلِيُّ هُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا وَجْهَ لِسُقُوطِهِ خُصُوصًا إذَا لَمْ يَكُنْ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ كَانَ حَقَّ آدَمِيٍّ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: قَيَّدَ بِالزَّوْجَةِ لَا بِالْأَبِ وَالْمُعَلِّمِ)

стр. 1626

أَبِي بَكْرٍ أَسَاءَ عَبْدُهُ لَا يُعَزِّرُهُ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَلَهُ التَّعْزِيرُ دُونَ الْحَدِّ وَبِهِ نَأْخُذُ وَكَذَلِكَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] . اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (كِتَابُ السَّرِقَةِ) . لَمَّا كَانَتْ صِيَانَةُ الْأَمْوَالِ مُؤَخَّرَةً عَنْ صِيَانَةِ النُّفُوسِ وَالْعُقُولِ وَالْأَعْرَاضِ أُخِّرَ زَاجِرُ ضَيَاعِهَا وَهِيَ فِي اللُّغَةِ أَخْذُ الشَّيْءِ فِي خَفَاءٍ وَحِيلَةٍ يُقَالُ سَرَقَ مِنْهُ مَالًا وَسَرَقَهُ مَالًا سَرَقًا وَسَرِقَةً وَيُسَمَّى الشَّيْءُ الْمَسْرُوقُ سَرِقَةً مَجَازًا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَأَمَّا فِي الشَّرِيعَةِ فَلَهَا تَعْرِيفَانِ تَعْرِيفٌ بِاعْتِبَارِ الْحُرْمَةِ وَتَعْرِيفٌ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْقَطْعُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ سَوَاءٌ كَانَ نِصَابًا أَوْ لَا أَمَّا الثَّانِي فَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (هُوَ أَخْذُ مُكَلَّفٍ خُفْيَةً قَدْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ مُحْرَزَةٍ بِمَكَانٍ أَوْ حَافِظٍ) أُطْلِقَ فِي الْأَخْذِ فَشَمِلَ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ فَالْأَوَّلُ هُوَ أَنْ يَتَوَلَّى السَّارِقُ أَخْذَ الْمَتَاعِ بِنَفْسِهِ وَالثَّانِي هُوَ أَنْ يَدْخُلَ جَمَاعَةٌ مِنْ اللُّصُوصِ مَنْزِلَ رَجُلٍ وَيَأْخُذُوا مَتَاعَهُ وَيَحْمِلُوهُ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَيُخْرِجُوهُ مِنْ الْمَنْزِلِ، فَإِنَّ الْكُلَّ يُقْطَعُونَ اسْتِحْسَانًا وَسَيَأْتِي فَخَرَجَ بِالتَّكْلِيفِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةٌ وَهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا فَهُمَا مَخْصُوصَانِ مِنْ آيَةِ السَّرِقَةِ لَكِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ الْمَالَ وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ، فَإِنْ سَرَقَ فِي حَالِ جُنُونِهِ لَمْ يُقْطَعْ وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْإِفَاقَةِ قُطِعَ وَلَوْ سَرَقَ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ يُدْرَأُ عَنْهُمْ الْقَطْعُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَشَمِلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَلَوْ آبِقًا وَالْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْخُفْيَةِ مَا أُخِذَ جَهْرًا مُغَالَبَةً أَوْ نَهْبًا أَوْ اخْتِلَاسًا، فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ الْأَخْذَ خُفْيَةً إلَى أَنَّ الشَّرْطَ الْخُفْيَةُ وَقْتَ الْأَخْذِ أَوْ دُخُولُ الْحِرْزِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، وَأَمَّا الْخُفْيَةُ فِي الِانْتِهَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ السَّرِقَةُ نَهَارًا فِي الْمِصْرِ فَهِيَ شَرْطٌ أَيْضًا وَمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ مِنْ النَّهَارِ. وَلِذَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ وَلَوْ دَخَلَ بَيْنَ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَالنَّاسُ مُنْتَشِرُونَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّهَارِ وَإِنْ كَانَتْ السَّرِقَةُ لَيْلًا فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الْبَيْتَ لَيْلًا خُفْيَةً ثُمَّ أَخَذَ الْمَالَ مُجَاهَرَةً وَلَوْ بَعْدَ مُقَاتَلَةِ مَنْ فِي يَدِهِ قُطِعَ بِهِ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْخُفْيَةِ الْأُولَى وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُهَا خُفْيَةً عَلَى زَعْمِ السَّارِقِ أَوْ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَهِيَ رَبَاعِيَةٌ فَلَوْ كَانَ السَّارِقُ يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ يَعْلَمُ بِدُخُولِهِ وَعَلِمَ بِهِ صَاحِبُ الدَّارِ أَيْضًا فَلَا قَطْعَ أَوْ لَمْ يَعْلَمَا فَيُقْطَعُ اتِّفَاقًا أَوْ كَانَ صَاحِبُ الدَّارِ يَعْلَمُ بِدُخُولِهِ وَالسَّارِقُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْلَمُ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ اكْتِفَاءً بِكَوْنِهَا خُفْيَةً فِي زَعْمِ السَّارِقِ وَإِنْ كَانَ عَلَى عَكْسِهِ بِأَنْ زَعَمَ اللِّصُّ بِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ عَلِمَ بِهِ وَصَاحِبُ الدَّارِ لَمْ يَعْلَمْ فَفِي التَّبْيِينِ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ جَهْرٌ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ أَنَّهُ يُقْطَعُ اكْتِفَاءً بِكَوْنِهَا خُفْيَةً فِي زَعْمِ أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا كَانَ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ قَدْرَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَنْ سَرِقَةِ مَا دُونَهَا وَأُطْلِقَ فِي الدَّرَاهِمِ فَانْصَرَفَتْ إلَى الْمَعْهُودَةِ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الْعَشَرَةُ مِنْهَا وَزْنَ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَاحْتُرِزَ بِالْمَضْرُوبَةِ عَمَّا إذَا سَرَقَ تِبْرًا وَزْنُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَتَاعًا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ غَيْرِ مَضْرُوبَةٍ، فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الْمَهْرِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْكَامِلِ وَالْمَهْرُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ مَضْرُوبَةً تَأْكِيدٌ وَإِيضَاحٌ وَإِلَّا فَالدِّرْهَمُ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَضْرُوبِ فَلَا يُسَمَّى دِرْهَمًا كَمَا فِي الْمُغْرِبِ فَلَوْ سَرَقَ نِصْفَ دِينَارٍ قِيمَتُهُ النِّصَابُ قُطِعَ عِنْدَنَا وَلَوْ سَرَقَ دِينَارًا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ النِّصَابِ لَا يُقْطَعُ وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ النِّصَابِ يَوْمَ السَّرِقَةِ وَيَوْمَ الْقَطْعِ فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ السَّرِقَةِ عَشَرَةً فَانْتَقَصَ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ نُقْصَانُ الْقِيمَةِ لِنُقْصَانِ الْعَيْنِ يُقْطَعُ وَإِنْ كَانَ لِنُقْصَانِ السِّعْرِ لَا يُقْطَعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَخَذَهُ الْمَالِكُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَقِيمَةُ الثَّوْبِ ثَمَّةَ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ دُرِئَ ــ [منحة الخالق] كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا؛ لِأَنَّ الْأَبَ وَالْمُعَلِّمَ لَا يَضْمَنُ لَكِنْ فِي التَّنْوِيرِ وَشَرْحِهِ عَنْ الشُّمُنِّيِّ لَوْ ضَرَبَ الْمُعَلِّمُ الصَّبِيَّ ضَرْبًا فَاحِشًا، فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيَضْمَنُهُ لَوْ مَاتَ. [كِتَابُ السَّرِقَةِ]

стр. 1627

عَنْهُ الْقَطْعُ وَإِذَا وَجَبَ تَقْوِيمُ الْمَسْرُوقِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ يُقَوَّمُ بِأَعَزِّ النُّقُودِ أَوْ بِنَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي يُرَوَّجُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْغَالِبِ فَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ وَالثَّانِي رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ. وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ لِتَقْوِيمِ الْوَاحِدِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْوِيمِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحُدُودِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا مَا ثَبَتَ بِهِ السَّرِقَةُ فَلَا قَطْعَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُقَوِّمِينَ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأُطْلِقَ فِي قَدْرِ النِّصَابِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ فَلَوْ سَرَقَ وَاحِدٌ نِصَابًا مِنْ جَمَاعَةٍ قُطِعَ وَلَوْ سَرَقَ اثْنَانِ نِصَابًا مِنْ وَاحِدٍ لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا فَالْعِبْرَةُ لِلنِّصَابِ فِي حَقِّ السَّارِقِ لَا الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْحِرْزُ وَاحِدًا فَلَوْ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ مَنْزِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَلَا قَطْعَ وَالْبُيُوتُ مِنْ دَارٍ وَاحِدَةٍ بِمَنْزِلَةِ بَيْتٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ سَرَقَ مِنْ عَشْرَةِ أَنْفُسٍ فِي دَارِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي بَيْتٍ عَلَى حِدَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمًا قُطِعَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ عَظِيمَةً وَفِيهَا حَجَرٌ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَخَرَجَ بِاشْتِرَاطِ النِّصَابِ مَا إذَا سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ فَوَضَعَهُ عَلَى بَابِ الدَّارِ ثُمَّ دَخَلَ فَأَخَذَ ثَوْبًا آخَرَ يُسَاوِي تِسْعَةَ دَرَاهِمَ فَأَخْرَجَهُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ الْمَأْخُوذُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَأُطْلِقَ فِي الدَّرَاهِمِ فَانْصَرَفَتْ إلَى الْجِيَادِ فَلَوْ سَرَقَ زُيُوفًا أَوْ نَبَهْرَجَةً أَوْ سَتُّوقَةً فَلَا قَطْعَ إلَّا أَنْ تَكُونَ كَثِيرَةً تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابًا مِنْ الْجِيَادِ، وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ اشْتِرَاطِ النِّصَابِ اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُقَوَّمًا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا كَالْمُغَيَّرَةِ فَلَا قَطْعَ فِي حُصُرِ الْمَسْجِدِ وَأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُحْرَزَةً وَلَا بُدَّ مِنْ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا لِمَا سَيُصَرَّحُ بِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ السَّارِقِ لَيْسَ بِأَخْرَسَ وَلَا أَعْمَى لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَوْ نَطَقَ ادَّعَى شُبْهَةً وَالْأَعْمَى جَاهِلٌ بِمَالِ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ مُحْرَزَةً بِمَكَانٍ أَوْ حَافِظٍ بَيَانٌ لِكَوْنِ الْحِرْزِ عَلَى قِسْمَيْنِ حِرْزٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ كُلُّ بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلْإِحْرَازِ مَمْنُوعٌ الدُّخُولَ فِيهَا إلَّا بِإِذْنٍ كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْخِيَمِ وَالْخَزَائِنِ وَالصَّنَادِيقِ وَحِرْزٌ بِغَيْرِهِ وَهُوَ كُلُّ مَكَان غَيْرِ مُعَدٍّ لِلْإِحْرَازِ وَفِيهِ حَافِظٌ كَالْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقِ وَالصَّحْرَاءِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ سَرَقَ الْمَدْفُونَ فِي الْمَفَازَةِ يُقْطَعُ. اهـ. وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ السَّرِقَةُ فِي دَارِ عَدْلٍ فَلَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَدَارِ الْبَغْيِ فَلَوْ سَرَقَ بَعْضُ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْبَعْضِ فِي دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَأُخِذَ السَّارِقُ لَا يَقْطَعُهُ الْإِمَامُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ دَلَالَةِ الْقَصْدِ إلَى النِّصَابِ الْمَأْخُوذِ وَعَلَيْهِ ذَكَرَ فِي التَّجْنِيسِ مِنْ عَلَامَةِ النَّوَازِلِ سَرَقَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ دُونَ الْعَشَرَةِ وَعَلَى طَرَفِهِ دِينَارٌ مَشْدُودٌ لَا يُقْطَعُ وَذَكَرَ مِنْ عَلَامَةِ فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ إذَا سَرَقَ ثَوْبًا يُسَاوِي عَشَرَةً وَفِيهِ دَرَاهِمُ مَصْرُورَةٌ لَا يُقْطَعُ قَالَ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ الثَّوْبُ وِعَاءً لِلدَّرَاهِمِ، فَإِنْ كَانَ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهِ يَقَعُ عَلَى سَرِقَةِ الدَّرَاهِمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ كِيسًا فِيهِ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ يُقْطَعُ وَإِنْ كَانَ الْكِيسُ يُسَاوِي دِرْهَمًا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ فَخَرَجَ السَّارِقُ مِنْ السَّارِقِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَهُ ظَاهِرًا حَتَّى لَوْ ابْتَلَعَ دِينَارًا فِي الْحِرْزِ وَخَرَجَ لَا يُقْطَعُ وَلَا يُنْتَظَرُ أَنْ يَتَغَوَّطَهُ بَلْ يَضْمَنُ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ وَهُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ لِلْحَالِ فَقَدْ عَلِمْت مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُخْتَصَرِ قَاصِرٌ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ هِيَ أَخْذُ مُكَلَّفٍ نَاطِقٍ يَصِيرُ صَاحِبَ يَدٍ يُسْرَى وَرِجْلٍ يُمْنَى صَحِيحَتَيْنِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ جِيَادٍ أَوْ مِقْدَارَهَا مَقْصُودَةً ظَاهِرَةَ الْإِخْرَاجِ خُفْيَةً مِنْ صَاحِبِ يَدٍ صَحِيحَةٍ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ الْمَالِ الْمَعْمُولِ لِلْغَيْرِ مِنْ حِرْزٍ بِلَا شُبْهَةٍ وَتَأْوِيلٍ فِي دَارِ الْعَدْلِ لَكَانَ أَوْلَى، وَقَدْ عَلِمْت فَوَائِدَ الْقُيُودِ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَشَرَطَ أَصْحَابُنَا لِقَطْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى أَنْ تَكُونَ الْيَدُ الْيُسْرَى وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى صَحِيحَتَيْنِ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُجْتَبَى مِنْ الشُّرُوطِ وَفِي التَّحْقِيقِ أَنَّ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَخَرَجَ بِاشْتِرَاطِ النِّصَابِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ آخِرَ الْفَصْلِ الْآتِي وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا إنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا اطِّلَاعُ الْمَالِكِ فَأَصْلَحَ النَّقْبَ أَوْ أَغْلَقَ الْبَابَ فَالْإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى كَذَا فِي السِّرَاجِ. اهـ. أَيْ فَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ إنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ نِصَابًا وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَخَلَّلْ ذَلِكَ قُطِعَ، وَقَدْ رَأَيْته فِي الْجَوْهَرَةِ صَرَّحَ بِهِ فَيَتَقَيَّدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ سَرَقَ الْمَدْفُونَ إلَخْ) ذَكَرَ الْمَقْدِسِيَّ عِنْدَ مَسْأَلَةِ النَّبَّاشِ أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ ذَكَرَ فِي التَّجْنِيسِ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ ثُبُوتِ دَلَالَةِ الْقَصْدِ لَكِنْ ظَاهِرُ عِبَارَةِ التَّجْنِيسِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَإِنْ عَلِمَ مَا فِي الثَّوْبِ وَفِي الْفَتْحِ عَنْ الْمَبْسُوطِ سَرَقَ ثَوْبًا لَا يُسَاوِي عَشَرَةً مَصْرُورَةً عَلَيْهِ عَشَرَةٌ قَالَ يُقْطَعُ إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مَالًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ. اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الْفَتْحِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ ظُهُورُ قَصْدِ الْمَسْرُوقِ، فَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ قَصْدَ النِّصَابِ مِنْ الْمَالِ قُطِعَ وَإِلَّا لَا وَعَلَى هَذِهِ فَمَسْأَلَةُ الْعِلْمِ بِالْمَصْرُورِ وَعَدَمِهِ صَحِيحَةٌ إلَّا أَنَّ كَوْنَهُ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ وَمَا تَقَدَّمَ هُوَ مَا إذَا لَمْ يُقِرَّ بِعِلْمِهِ بِمَا فِي الثَّوْبِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ دَلَالَةُ الْقَصْدِ إلَيْهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ كِيسًا فِيهِ الدَّرَاهِمُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَمْ أَقْصِدْ لَمْ أَعْلَمْ. اهـ. وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ.

стр. 1628

الْأَخْذَ الْمَذْكُورَ هُوَ رُكْنُهَا (قَوْلُهُ فَيُقْطَعُ إنْ أَقَرَّ مَرَّةً أَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ) بَيَانٌ لِحُكْمِهَا وَسَبَبِ ثُبُوتِهَا وَفِي قَوْلِهِ مَرَّةً رَدٌّ عَلَى أَبِي يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ لَا يُقْطَعُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ مَرَّتَيْنِ وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُمَا فِي مَجْلِسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحُجَّتَيْنِ فَتُعْتَبَرُ بِالْأُخْرَى وَهِيَ الْبَيِّنَةُ كَذَلِكَ اعْتَبَرْنَا فِي الزِّنَا وَلَهُمَا أَنَّ السَّرِقَةَ ظَهَرَتْ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيُكْتَفَى بِهِ كَمَا فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالشَّهَادَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُفِيدُ فِيهَا تَقْلِيلَ تُهْمَةِ الْكَذِبِ وَلَا تُفِيدُ فِي الْإِقْرَارِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ وَبَابُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الْحَدِّ لَا يَنْسَدُّ بِالتَّكْرَارِ، وَالرُّجُوعُ فِي حَقِّ الْمَالِ لَا يَصِحُّ أَصْلًا؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يُكَذِّبُهُ وَاشْتِرَاطُ الزِّيَادَةِ فِي الزِّنَا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَمِنْ مَسَائِلِ الْإِقْرَارِ لَوْ قَالَ: أَنَا سَارِقُ هَذَا الثَّوْبِ بِالْإِضَافَةِ قُطِعَ وَلَوْ نَوَّنَ الْقَافَ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى الْحَالِ وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ قَالَ سَرَقْت مِنْ فُلَانٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ بَلْ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ يُقْطَعُ فِي الْعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَيَضْمَنُ مِائَةً هَذَا إنْ ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ الْمَالَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِسَرِقَةِ مِائَةٍ وَأَقَرَّ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَصَحَّ رُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ الْأُولَى فِي حَقِّ الْقَطْعِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الضَّمَانِ وَصَحَّ الْإِقْرَارُ بِالسَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ فِي حَقِّ الْقَطْعِ وَبِهِ يَنْتَفِي الضَّمَانُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ سَرَقْت مِائَةً بَلْ مِائَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا لَوْ ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ الْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مِائَتَيْنِ وَوَجَبَ الْقَطْعُ فَانْتَفَى الضَّمَانُ، وَالْمِائَةُ الْأُولَى لَا يَدَّعِيهَا الْمُقَرُّ لَهُ بِخِلَافِ الْأُولَى وَلَوْ قَالَ سَرَقْت مِائَتَيْنِ بَلْ مِائَةً لَمْ يُقْطَعْ وَيَضْمَنُ الْمِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مِائَتَيْنِ وَرَجَعَ عَنْهَا فَانْتَفَى الضَّمَانُ وَلَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ وَلَمْ يَصِحَّ الْإِقْرَارُ بِالْمِائَةِ إذْ لَا يَدَّعِيهَا الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَلَوْ أَنَّهُ صَدَّقَهُ فِي الرُّجُوعِ إلَى الْمِائَةِ لَا ضَمَانَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ صِحَّةَ الرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ كُلِّهَا إلَّا حَدَّ الْقَذْفِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ هَرَبَ لَا يُتْبَعُ وَإِنْ كَانَ فِي فَوْرِهِ. اهـ. بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ ثُمَّ هَرَبَ، فَإِنَّهُ يُتْبَعُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ عَدَمَ التَّقَادُمِ فِي هَذِهِ الْحُجَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِقْرَارِ وَشَرْطُ فِي الْبَيِّنَةِ فَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مُتَقَادِمَةٍ قُطِعَ وَلَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَا كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَدَّمْنَاهُ وَحَدُّ التَّقَادُمِ فِي السَّرِقَةِ هُوَ حَدُّهُ فِي الزِّنَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَأُطْلِقَ فِي الْمُقِرِّ فَشَمِلَ الْحُرَّ، وَالْعَبْدَ وَسَيَأْتِي تَفَاصِيلُهَا فِي الْعَبْدِ وَقَيَّدَ بِالرَّجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ فِيهِ وَكَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَإِنْ قُبِلَتْ فِي حَقِّ الْمَالِ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ بِحَصْرِ الْحُجَّةِ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِالنُّكُولِ وَإِنْ ضَمِنَ الْمَالَ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُقْطَعُ بِإِقْرَارِ مَوْلَاهُ عَلَيْهِ بِهَا، وَإِنْ لَزِمَ الْمَالُ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْإِقْرَارَ بِالطَّوَاعِيَةِ قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ مُكْرَهًا فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَفْتَى بِصِحَّتِهِ وَسُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَيَحِلُّ ضَرْبُ السَّارِقِ حَتَّى يُقِرَّ قَالَ مَا لَمْ يُقْطَعْ اللَّحْمُ وَلَا يَتَبَيَّنُ الْعَظْمُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا. اهـ. وَفِي التَّجْنِيسِ لَا يُفْتَى بِعُقُوبَةِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ جَوْرٌ وَلَا يُفْتَى بِهِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ هَلْ يَنْبَغِي لِلسَّارِقِ أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَ الْمَتَاعِ أَنَّهُ سَرَقَ مَتَاعَهُ إنْ كَانَ لَا يَخَافُ أَنْ يَظْلِمَهُ مَتَى أَخْبَرَهُ يُخْبِرُهُ لِيَصِلَ إلَى حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ لَا يُخْبِرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِ الْإِخْبَارِ وَلَكِنْ يُوصَلُ الْحَقَّ إلَيْهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ وَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْقَطْعِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ ثُمَّ قَالَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ هَذَا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَبَابُ الرُّجُوعِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا قَدْ يُقَالُ فَائِدَتُهُ رَفْعُ احْتِمَالِ كَوْنِهِ يَرْجِعُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ) وَالْأَوَّلُ عَلَى الْحَالِ قَالَ فِي النَّهْرِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَعَ التَّنْوِينِ يُحْتَمَلُ الْحَالُ وَالِاسْتِقْبَالُ فَلَا يُقْطَعُ بِالشَّكِّ لَكِنْ بَقِيَ أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ ثَابِتٌ مَعَ الْإِضَافَةِ أَيْضًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ أَيْضًا فَتَدَبَّرْهُ. اهـ. هَذَا وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ قُلْت: وَالْقَطْعُ الْمَذْكُورُ بِإِحْرَازِهِ وَعَدَمِ رُجُوعِهِ أَمَّا لَوْ رَجَعَ قَبْلَ رُجُوعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْرِيَ فِي هَذَا الْإِطْلَاقُ؛ لِأَنَّ الْعَوَامَّ لَا يُفَرِّقُونَ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ يُجْعَلُ هَذَا شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ وَفِيهِ بُعْدٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مِائَتَيْنِ وَرَجَعَ عَنْهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي فَوَجَبَ ضَمَانُهُمَا بِالْإِقْرَارِ وَلَا يَجْتَمِعُ قَطْعٌ وَضَمَانٌ وَرُجُوعُهُ عَنْ الْمِائَةِ صَحَّ فِي حَقِّ الْقَطْعِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الضَّمَانِ، وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ يَدَّعِي الْمِائَتَيْنِ الْمُقَرَّ بِهِمَا أَوَّلًا وَلَا يَدَّعِي الْمِائَةَ الَّتِي أَضْرَبَ عَنْهَا بِانْفِرَادِهَا فَقَطْ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَانْتَفَى الضَّمَانُ وَلَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ) كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ وَفِي نُسْخَةٍ فَلَا يَنْتَفِي وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْفَتْحِ حَيْثُ قَالَ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ (قَوْلُهُ: وَحَدُّ التَّقَادُمِ فِي السَّرِقَةِ هُوَ حَدُّهُ فِي الزِّنَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِعُذْرٍ تُقْبَلُ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَفْتَى بِصِحَّتِهِ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ صِحَّتُهُ فِي حَقِّ الْمَالِ وَالْقَطْعِ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ شُبْهَةً قَوِيَّةً فَكَيْفَ يُقْطَعُ مَعَهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَاصٌّ فِي حَقِّ تَضْمِينِهِ الْمَالَ فَقَطْ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِالنُّكُولِ

стр. 1629

مَتَاعُهُ لَمْ يَسْرِقْهُ مِنِّي إنَّمَا كُنْت أَوْدَعْته أَوْ قَالَ شَهِدَ شُهُودِي بِزُورٍ أَوْ قَالَ أَقَرَّ هُوَ بِبَاطِلٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُلَقِّنَ السَّارِقَ حَتَّى لَا يُقِرَّ بِالسَّرِقَةِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ أَسَرَقَ مَا إخَالُهُ سَرَقَ» وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلدَّرْءِ وَقَوْلُهُ إخَالُهُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَعْنَاهُ أَظُنُّهُ وَبِالْفَتْحِ كَذَلِكَ وَكِلَاهُمَا فِعْلٌ مُضَارِعٌ مِنْ الْمَخِيلَةِ وَهِيَ الظَّنُّ إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ بِالْكَسْرِ وَإِذَا شَهِدَ كَافِرَانِ عَلَى كَافِرٍ وَمُسْلِمٍ بِسَرِقَةِ مَالٍ لَا يُقْطَعُ الْكَافِرُ كَمَا لَا يُقْطَعُ الْمُسْلِمُ وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ فُلَانٍ ثَوْبًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهُ هَرَوِيٌّ وَقَالَ الْآخَرُ: إنَّهُ مَرْوِيٌّ بِسُكُونِ الرَّاءِ ذُكِرَ فِي نُسَخِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافٍ اعْتِبَارًا بِاخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي لَوْنِ الْبَقَرَةِ وَذَكَرَ فِي نُسْخَةِ أَبِي حَفْصٍ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إجْمَاعًا. اهـ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ سُؤَالَ الشَّاهِدَيْنِ وَفِي الْهِدَايَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُمْ الْإِمَامُ عَنْ كَيْفِيَّةِ السَّرِقَةِ وَمَاهِيَّتِهَا وَزَمَانِهَا وَمَكَانِهَا لِزِيَادَةِ الِاحْتِيَاطِ كَمَا مَرَّ فِي الْحُدُودِ وَيَحْبِسُهُ إلَى أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ لِلتُّهْمَةِ. اهـ. زَادَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ يَسْأَلُهُمَا عَنْ الْمَسْرُوقِ إذْ سَرِقَةُ كُلِّ مَالٍ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ فَالسُّؤَالُ عَنْ الْكَيْفِيَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ سَرَقَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ لَا يُقْطَعُ مَعَهَا كَأَنْ نَقَّبَ الْجِدَارَ وَأَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَالسُّؤَالُ عَنْ الْمَاهِيَّةِ لِإِطْلَاقِهَا عَلَى اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، وَالنَّقْصِ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَالسُّؤَالُ عَنْ الزَّمَانِ لِاحْتِمَالِ التَّقَادُمِ وَعَلَى الْمَكَانِ لِاحْتِمَالِ السَّرِقَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ مُسْلِمٍ وَفِي الْمَبْسُوطِ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ السُّؤَالَ عَنْ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَاضِرٌ يُخَاصِمُ، وَالشُّهُودُ يَشْهَدُونَ عَلَى السَّرِقَةِ مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى السُّؤَالِ عَنْهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ السَّارِقِ أَوْ زَوْجًا فَلَا بُدَّ مِنْ السُّؤَالِ عَنْهُ كَمَا فِي التَّبْيِينِ، وَأَمَّا سُؤَالُ الْمُقِرِّ، فَإِنَّهُ عَنْ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا عَنْ السُّؤَالِ عَنْ الزَّمَانِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يَسْأَلُ الْمُقِرُّ عَنْ الْمَكَانِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِلِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الشَّاهِدَيْنِ وَقْتَ الْقَطْعِ كَحُضُورِ الْمُدَّعِي حَتَّى لَوْ غَابَا أَوْ مَاتَا لَا قَطْعَ وَهَذَا فِي كُلِّ الْحُدُودِ إلَّا فِي الرَّجْمِ وَيَمْضِي الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا اسْتِحْسَانًا كَذَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ، وَإِنْ شُرِطَ بُدَاءَةُ الشُّهُودِ بِالرَّجْمِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ جُمِعَا، وَالْآخِذُ بَعْضُهُمْ قُطِعُوا إنْ أَصَابَ لِكُلٍّ نِصَابٌ) أَيْ لَوْ كَانَ السَّارِقُ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ سَرِقَةُ النِّصَابِ وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجِنَايَتِهِ فَيُعْتَبَرُ كَمَالُ النِّصَابِ فِي حَقِّهِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَخْذِ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَلَا صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ وَلَا مَعْتُوهٌ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانُوا خَرَجُوا مَعَهُ مِنْ الْحِرْزِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْ فَوْرِهِ أَوْ خَرَجَ هُوَ بَعْدَهُمْ فِي فَوْرِهِمْ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَحْصُلُ التَّعَاوُنُ وَقَيَّدَ بِالْجَمْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ــ [منحة الخالق] وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ثُمَّ هَرَبَ لَا يُتْبَعُ (قَوْلُهُ: وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا يُسْأَلُ الْمُقِرُّ عَنْ الْمَكَانِ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ وَكَأَنَّهُ تَحْرِيفٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُسْأَلُ (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الشَّاهِدَيْنِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ لِابْنِ الشِّحْنَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ الشُّهُودِ لِلْقَطْعِ عَلَى الصَّحِيحِ الْأَخِيرِ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ وَكَذَا عِنْدَهُمَا وَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الشُّهُودِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ قِيَاسٌ وَاسْتِحْسَانٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا فِي كُلِّ الْحُدُودِ سِوَى الرَّجْمِ) قَالَ فِي الشرنبلالية بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي النَّهْرِ أَيْضًا وَأَنَّ الْمُؤَلِّفَ وَأَخَاهُ تَبِعَا صَاحِبَ الْفَتْحِ قُلْت اسْتِثْنَاءُ الرَّجْمِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي حَدِّ الزِّنَا بِالرَّجْمِ أَنَّهُ إذَا غَابَ الشُّهُودُ أَوْ مَاتُوا سَقَطَ الْحَدُّ فَلَا يُتَّجَهُ إلَّا اسْتِثْنَاءُ الْجَلْدِ فَيُقَامُ حَدُّ الْغَيْبَةِ وَالْمَوْتِ بِخِلَافِ الرَّجْمِ لِاشْتِرَاطِ بُدَاءَةِ الشُّهُودِ بِهِ وَهَذِهِ عِبَارَةُ الْحَاكِمِ فِي الْكَافِي، وَإِذَا كَانَ أَيْ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ حَاضِرًا وَالشَّاهِدَانِ غَائِبَانِ لَمْ يُقْطَعْ أَيْضًا حَتَّى يَحْضُرُوا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يُقْطَعُ وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمَوْتُ وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ حَدٍّ وَحَقٍّ سِوَى الرَّجْمِ وَيَمْضِي الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ اهـ. فَهَذَا تَصْرِيحُ الْحَاكِمِ. اهـ. مُلَخَّصًا. قُلْت وَكَانَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَشْعَرَ بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْدَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْكَافِي، وَإِنْ شَرَطَ بُدَاءَةَ الشُّهُودِ بِالرَّجْمِ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ دَفْعُ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي الْحُدُودِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا مَرَّ حُضُورُهُمْ فِي ابْتِدَائِهِ وَبُدَاءَتُهُمْ وَمَا هُنَا حُضُورُهُمْ إلَى تَمَامِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَمَّا فِي الْقَطْعِ فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا التَّفْصِيلُ لَكِنْ بَعْدَ هَذَا بَقِيَتْ الْمُنَافَاةُ فِي حَالَةِ الْغَيْبَةِ وَالْمَوْتِ، فَإِنَّ مَا هُنَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُرْجَمُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّك قَدْ عَلِمْت مِنْ عِبَارَةِ الْحَاكِمِ الْمَنْقُولَةِ آنِفًا أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الرَّجْمِ مِنْ الْقَطْعِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الْأَخِيرُ لِلْإِمَامِ لَا مِنْ عَدَمِ الْقَطْعِ وَذَلِكَ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَأَظُنُّ أَنَّهُ فِي نُسْخَةِ الْكَافِي الَّتِي نَقَلَ عَنْهَا صَاحِبُ الْفَتْحِ وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ وَأَخُوهُ سَقَطَا فَسَقَطَ مِنْهَا الْقَوْلُ الثَّانِي فَلِذَا اقْتَصَرُوا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَعَ أَنَّك عَلِمْت عَنْ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ تَصْحِيحَ الْقَوْلِ الثَّانِي الْمَرْجُوعِ إلَيْهِ.

стр. 1630

دِرْهَمًا مِنْ بَيْتٍ وَاحِدٍ يُقْطَعُ لِكَمَالِ النِّصَابِ فِي حَقِّ السَّارِقِ (قَوْلُهُ وَلَا يُقْطَعُ بِخَشَبٍ وَحَشِيشٍ وَقَصَبٍ وَسَمَكٍ وَطَيْرٍ وَصَيْدٍ وَزِرْنِيخٍ وَمَغْرَةٍ وَنَوْرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيمَا يُوجَدُ تَافِهًا مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَتْ الْيَدُ لَا تُقْطَعُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» أَيْ الْحَقِيرِ وَمَا يُوجَدُ جِنْسُهُ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ بِصُورَتِهِ غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيهِ حَقِيرٌ لِقِلَّةِ الرَّغَبَاتِ فِيهِ، وَالطِّبَاعُ لَا تَضُنُّ بِهِ فَقَلَّ مَا يُوجَدُ آخِذُهُ عَلَى كُرْهٍ مِنْ الْمَالِكِ فَلَا حَاجَةَ إلَى شَرْعِ الزَّاجِرِ وَلِهَذَا لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ وَلِأَنَّ الْحِرْزَ فِيهَا نَاقِصٌ أَلَا يُرَى أَنَّ الْخَشَبَ يُلْقَى عَلَى الْأَبْوَابِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الدَّارِ لِلْعِمَارَةِ لَا لِلْإِحْرَازِ، وَالطَّيْرُ يَطِيرُ، وَالصَّيْدُ يَقِرُّ وَكَذَا الشَّرِكَةُ الْعَامَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ وَهِيَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ تُورِثُ الشُّبْهَةَ، وَالْحَدُّ يَنْدَرِئُ بِهَا أُطْلِقَ الْخَشَبُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ صَنْعَةٌ مُتَقَوَّمَةٌ، فَإِنْ كَانَ مَعْمُولًا قُطِعَ فِيهِ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ كَمَا يُقْطَعُ فِي الْحُصُرِ الْبَغْدَادِيَّةِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِحْرَازِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْرُزُ كَالسَّاجِ، وَالْأَبَنُوسِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ فِيهِ وَأُطْلِقَ السَّمَكُ فَشَمِلَ الطَّرِيَّ، وَالْمَالِحَ، وَالطَّيْرُ فَشَمِلَ الدَّجَاجَ، وَالْبَطَّ، وَالْحَمَامَ وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الزِّرْنِيخِ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْرَزُ وَيُصَانُ فِي دَكَاكِينِ الْعَطَّارِينَ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَاخْتُلِفَ فِي الْوَسْمَةِ، وَالْحِنَّاءِ، وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِحْرَازِهِ فِي الدَّكَاكِينِ، وَالْمَغْرَةُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الطِّينُ الْأَحْمَرُ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَأَلْحَقَ فِي الْمُجْتَبَى بِمَا ذُكِرَ الْفَحْمَ، وَالْأُشْنَانَ، وَالزُّجَاجَ، وَالْمِلْحَ، وَالْخَزَفَ، وَاسْتَثْنَى فِي الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الطَّيْرِ الدَّجَاجَ فَأَوْجَبَ الْقَطْعَ فِيهِ (قَوْلُهُ وَفَاكِهَةٌ رَطْبَةٌ أَوْ عَلَى شَجَرٍ أَوْ عَلَى لَبَنٍ وَلَحْمٍ وَزَرْعٍ لَمْ يُحْصَدْ وَأَشْرِبَةٍ وَطُنْبُورٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيمَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ، وَالْكَثَرُ الْجِمَارُ» وَقَالَ ﵇ «لَا قَطْعَ فِي الطَّعَامِ» ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْمُهَيَّأِ لِلْأَكْلِ مِنْهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَاللَّحْمِ، وَالتَّمْرِ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْحِنْطَةِ، وَالسُّكَّرِ إجْمَاعًا وَلَا إحْرَازَ فِيمَا عَلَى الشَّجَرِ وَفِي زَرْعٍ لَمْ يُحْصَدْ وَلِتَأَوُّلِ السَّارِقِ فِي الْأَشْرِبَةِ الْمُطْرِبَةِ الْإِرَاقَةَ وَبَعْضُهَا لَيْسَ بِمَالٍ وَفِي مَالِيَّةِ بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ فَيَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ عَدَمِ الْمَالِ، وَالطُّنْبُورُ مِنْ الْمَعَازِفِ أَطْلَقَ فِي الْفَاكِهَةِ فَشَمَلَ الْعِنَبَ، وَالرُّطَبَ عَلَى الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ الْفَسَادَ مِنْ وَجْهٍ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ يَبْقَى مِنْ حَوْلٍ إلَى حَوْلٍ فَإِذَا سَرَقَ شَيْئًا لَا يَبْقَى مِنْ حَوْلٍ إلَى حَوْلٍ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ. اهـ. وَقَيَّدَ بِالرَّطْبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْيَابِسَةِ وَيُقْطَعُ فِي الزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ وَأَطْلَقَ فِي اللَّحْمِ فَشَمِلَ الْقَدِيدَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْفَسَادُ وَقَيَّدَ بِالْأَشْرِبَةِ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْعَسَلِ، وَالْخَلِّ إجْمَاعًا كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا نَقَلَهُ النَّاطِفِيُّ عَنْ الْمُجَرَّدِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا قَطْعَ فِي الْخَلِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ خَمْرًا مَرَّةً. اهـ. فَلَا يُدَّعَى الْإِجْمَاعُ وَأَطْلَقَ فِي الْأَشْرِبَةِ فَشَمِلَ الْحُلْوَ، وَالْمُرَّ وَمَا إذَا كَانَ السَّارِقُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَأَشَارَ بِالطُّنْبُورِ إلَى جَمِيعِ آلَاتِ اللَّهْوِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقَطْعُ فِي الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا إجْمَاعًا إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ سَنَةِ الْقَحْطِ أَمَّا فِيهَا فَلَا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَتَسَارَعُ الْفَسَادُ إلَيْهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ عَنْ ضَرُورَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ هِيَ تُبِيحُ التَّنَاوُلَ وَعَنْهُ ﵇ «لَا قَطْعَ فِي مَجَاعَةٍ مُضْطَرَّةٍ» وَعَنْ عُمَرَ ﵁ لَا قَطْعَ فِي عَامِ سَنَةٍ (قَوْلُهُ وَمُصْحَفٍ وَلَوْ مُحَلًّى) أَيْ لَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ مُصْحَفٍ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حِلْيَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ يَتَأَوَّلُ فِي أَخْذِهِ الْقِرَاءَةَ وَلَا نَظَرَ فِيهِ وَلِأَنَّهُ لَا مَالِيَّةَ لَهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَكْتُوبِ وَإِحْرَازُهُ لِأَجْلِهِ لَا لِلْجِلْدِ، وَالْأَوْرَاقِ، وَالْحِلْيَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَوَابِعُ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالتَّبَعِ كَمَنْ سَرَقَ آنِيَةً فِيهَا خَمْرٌ وَقِيمَةُ الْآنِيَةِ تَرْبُو عَلَى النِّصَابِ وَكَمَنْ سَرَقَ صَبِيًّا حُرًّا وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ ثَوْبًا لَا يُسَاوِي عَشَرَةً وَوَجَدَ فِي جَيْبِهِ عَشَرَةً مَصْرُورَةً لَمْ يَعْلَمْ بِهَا لَمْ أَقْطَعْهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِهَا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي الدَّفَاتِرِ وَهِيَ الْكُتُبُ شَرْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ لَا (قَوْلُهُ وَبَابِ مَسْجِدٍ) ــ [منحة الخالق] قَوْلُهُ) : وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا نَقَلَهُ النَّاطِفِي إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ يُحْمَلُ مَا فِي التَّبْيِينِ عَلَى مَا لَمْ يَصِرْ خَمْرًا أَوْ أَنَّ تِلْكَ رِوَايَةٌ.

стр. 1631

لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ فَصَارَ كَبَابِ الدَّارِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُحْرَزُ بِبَابِ الدَّارِ مَا فِيهَا وَلَا يُحْرَزُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ مَا فِيهِ حَتَّى لَا يَجِبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ مَتَاعِهِ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ اعْتَادَ سَرِقَةَ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فَيَجِبُ أَنْ يُعَزَّرَ وَيُبَالَغَ فِيهِ وَيُحْبَسَ حَتَّى يَتُوبَ. اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ سَارِقُ الْبَزَابِيزِ مِنْ الْمِيَضِ أَوْ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ حُصُرِهِ وَقَنَادِيلِهِ وَكَذَا أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحْرَزَةً لِعَدَمِ الْمَالِكِ (قَوْلُهُ وَصَلِيبِ ذَهَبٍ وَشِطْرَنْجٍ وَنَرْدٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ مِنْ أَخْذِهَا الْكَسْرَ نَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ بِخِلَافِ الدِّرْهَمِ الَّذِي عَلَيْهِ التِّمْثَالُ؛ لِأَنَّهُ مَا أُعِدَّ لِلْعِبَادَةِ فَلَا يُثْبِتُ شُبْهَةَ إبَاحَةِ الْكَسْرِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي حِرْزٍ أَوْ لَا، وَالشِّطْرَنْجُ بِكَسْرِ الشِّينِ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ النَّرْدُ الَّذِي يُلْعَبُ بِهِ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَقَلَّ مَا يَأْتَلِفُ النُّونُ، وَالرَّاءُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا بِدَخْلٍ بَيْنَهُمَا. اهـ. وَسَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ كُلُّ لَعِبٍ لَا يَحْتَاجُ لَاعِبُهُ إلَى فِكْرٍ وَحِسَابٍ (قَوْلُهُ وَصَبِيٍّ حُرٍّ وَلَوْ مَعَهُ حُلِيٌّ) ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَيْسَ بِمَالٍ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحُلِيِّ تَبَعٌ لَهُ وَلِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ فِي أَخْذِ الصَّبِيِّ إسْكَاتَهُ أَوْ حَمْلَهُ إلَى مُرْضِعَتِهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يَمْشِي وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَالْحُلِيُّ بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ حَلْيٍ بِفَتْحِهَا مَا يُلْبَسُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ جَوَاهِرَ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ إنَاءَ ذَهَبٍ فِيهِ نَبِيذٌ أَوْ ثَرِيدٌ أَوْ كَلْبًا عَلَيْهِ قِلَادَةُ فِضَّةٍ فَلَا يُقْطَعُ عَلَى الْمَذْهَبِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَرَجَّحَهَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَصْلٌ مَقْصُودٌ بِالْأَخْذِ بَلْ الْقَصْدُ إلَى الْإِنَاءِ الذَّهَبُ أَظْهَرُ مِنْهُ إلَى مَا فِيهِ وَمَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَا مَا فِي التَّجْنِيسِ سَرَقَ كُوزًا فِيهِ عَسَلٌ وَقِيمَةُ الْكُوزِ تِسْعَةٌ وَقِيمَةُ الْعَسَلِ دِرْهَمٌ يُقْطَعُ وَكَذَا إذَا سَرَقَ حِمَارًا يُسَاوِي تِسْعَةً وَعَلَيْهِ إكَافٌ يُسَاوِي دِرْهَمًا بِخِلَافِ مَا إذَا سَرَقَ قُمْقُمَةً فِيهَا مَا يُسَاوِي عَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مَاءً مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ سَرَقَ ثَوْبًا لَا يُسَاوِي عَشَرَةً مَصْرُورَةً عَلَيْهِ عَشَرَةٌ قَالَ يُقْطَعُ إذَا عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مَالًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ (قَوْلُهُ وَعَبْدٍ كَبِيرٍ وَدَفَاتِرَ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ وَدَفَاتِرِ الْحِسَابِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْكَبِيرِ غَصْبٌ أَوْ خِدَاعٌ وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الصَّغِيرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ وَلَا يَتَكَلَّمُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مِنْ وَجْهٍ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ وَلَهُمَا أَنَّهُ مَالٌ مُطْلَقٌ لِكَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ أَوْ بِعَرْضٍ أَنْ يَصِيرَ مُنْتَفَعًا بِهِ إلَّا أَنَّهُ انْضَمَّ إلَيْهِ مَعْنَى الْآدَمِيَّةِ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ وَفِي أُذُنِهِ شَيْءٌ يُكْمِلُ النِّصَابَ يُقْطَعُ بِاعْتِبَارِ الضَّمِّ أَرَادَ بِالْكَبِيرِ الْمُمَيِّزَ الْمُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ بَالِغًا كَانَ أَوْ صَبِيًّا وَبِالصَّغِيرِ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَطْلَقَ فِي الْكَبِيرِ فَشَمِلَ النَّائِمَ، وَالْمَجْنُونَ، وَالْأَعْمَى، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الدَّفَاتِرِ مَا فِيهَا، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ إلَّا دَفْتَرَ الْحِسَابِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ لَا يُقْصَدُ بِالْأَخْذِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْكَاغَدَ، وَالْمُرَادُ بِالدَّفَاتِرِ صَحَائِفُ فِيهَا كِتَابَةٌ مِنْ عَرَبِيَّةٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ تَفْسِيرٍ أَوْ فِقْهٍ مِمَّا هُوَ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي غَيْرِهَا فَقِيلَ مُلْحَقَةٌ بِدَفَاتِرِ الْحِسَابِ فَيُقْطَعُ فِيهَا وَقِيلَ بِكُتُبِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهَا قَدْ تَتَوَقَّفُ عَلَى اللُّغَةِ، وَالشِّعْرِ، وَالْحَاجَةُ، وَإِنْ قَلَّتْ كَفَتْ فِي إيرَاثِ الشُّبْهَةِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يَخْتَلِفَ فِي الْقَطْعِ بِسَرِقَةِ كُتُبِ السِّحْرِ، وَالْفَلْسَفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مَا فِيهَا لِأَهْلِ الدِّيَانَةِ فَكَانَتْ سَرِقَةً صِرْفًا، وَالْمُرَادُ بِدَفَاتِرِ الْحِسَابِ دَفَاتِرُ أَهْلِ الدُّيُونِ وَقَوْلُهُمْ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْكَاغَدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الَّذِي مَضَى حِسَابُهُ، وَقَدْ قِيلَ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ، وَأَمَّا الدَّفَاتِرُ الَّتِي فِي الدِّيوَانِ الْمَعْمُولُ بِهَا فَالْمَقْصُودُ عِلْمُ مَا فِيهَا فَلَا قَطْعَ، وَأَمَّا دَفَاتِرُ مِثْلِ عِلْمِ الْحِسَابِ، وَالْهَنْدَسَةِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَكُتُبِ الْأَدَبِ، وَالشِّعْرِ وَقَيَّدَ بِالدَّفَاتِرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ الْوَرَقَ، وَالْجِلْدَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ قُطِعَ ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ (قَوْلُهُ وَكَلْبٍ وَفَهْدٍ) ؛ لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهَا يُوجَدُ مُبَاحُ الْأَصْلِ غَيْرُ مَرْغُوبٍ فِيهِ وَلِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ظَاهِرٌ فِي مَالِيَّةِ الْكَلْبِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ طَوْقُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ كَالصَّبِيِّ الْحُرِّ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حُلِيٌّ. (قَوْلُهُ وَدُفٍّ وَطَبْلٍ وَبَرْبَطٍ وَمِزْمَارٍ) ؛ لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُمَا ــ [منحة الخالق] [سَرِقَةِ الْمُصْحَفٍ] قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَصَلِيبِ ذَهَبٍ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي السَّارِقِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَفِي الذَّخِيرَةِ لَا يُقْطَعُ الذِّمِّيُّ فِي الْخَمْرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَكَذَلِكَ فِي الصَّلِيبِ إذَا كَانَ فِي مُصَلَّى لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتٍ قُطِعَ. اهـ. قُلْت وَهَذَا وَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَأْخُذُهُ لِلْكَسْرِ بَلْ لِذَاتِهِ لَكِنْ إذَا أَخَذَهُ مِنْ مُصَلَّاهُمْ لَا يُقْطَعُ لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْمَسْجِدِ يُؤْذَنُ فِي دُخُولِهِ بِخِلَافِ أَخْذِهِ مِنْ بَيْتٍ.

стр. 1632

لَا قِيمَةَ لَهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَسَرَهَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ آخِذُهَا يَتَأَوَّلُ الْكَسْرَ فِيهَا، وَالدُّفُّ بِالضَّمِّ، وَالْفَتْحِ الَّذِي يُلْعَبُ بِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ مُدَوَّرٌ وَمُرَبَّعٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَالْبَرْبَطُ بِفَتْحِ الْبَاءَيْنِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ وَهُوَ الْعُودُ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ، وَالتَّرْهِيبِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الدُّفَّ، وَالطَّبْلَ لِلْغُزَاةِ وَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ صَلَاحِيَّتَهُ لِلَّهْوِ صَارَتْ شُبْهَةً كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ وَبِخِيَانَةٍ وَنَهْبٍ وَاخْتِلَاسٍ) لِانْتِفَاءِ رُكْنِ السَّرِقَةِ وَهِيَ الْأَخْذُ خُفْيَةً الْخِيَانَةُ هِيَ الْأَخْذُ مِمَّا فِي يَدِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ، وَالنَّهْبُ هُوَ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الْعَلَانِيَةِ، وَالْقَهْرِ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ، وَالِاخْتِلَاسُ الِاخْتِطَافُ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّيْءَ بِسُرْعَةٍ، وَالِاسْمُ الْخِلْسَةُ وَفِي السُّنَنِ، وَالْجَامِعِ لِلتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» ، وَأَمَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِهَا» فَأَجَابَ عَنْهُ الْجَمَاهِيرُ بِأَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لِسَرِقَةٍ صَدَرَتْ مِنْهَا وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ وَنَبْشٍ) أَيْ لَا قَطْعَ عَلَى النَّابِشِ وَهُوَ الَّذِي يَسْرِقُ أَكْفَانَ الْمَوْتَى بَعْدَ الدَّفْنِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ لِقَوْلِهِ ﵇ مَنْ نَبَشَ قَطَعْنَاهُ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مُحْرَزٌ مِثْلُهُ فَيُقْطَعُ وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵇ «لَا قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَفِي» وَهُوَ النَّبَّاشُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِأَنَّ الشُّبْهَةَ تَمَكَّنَتْ فِي الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمَيِّتِ حَقِيقَةً وَلَا لِلْوَارِثِ لِتَقَدُّمِ حَاجَةِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ تَمَكَّنَ الْخَلَلُ فِي الْمَقْصُودِ وَهُوَ الِانْزِجَارُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِي نَفْسِهَا نَادِرَةُ الْوُجُودِ وَمَا رَوَاهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ لِمَنْ اعْتَادَهُ فَيَقْطَعُهُ الْإِمَامُ سِيَاسَةً لَا حَدًّا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ مُقْفَلٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَا إذَا سَرَقَ مِنْ تَابُوتٍ فِي الْقَافِلَةِ وَفِيهِ الْمَيِّتُ لِمَا بَيَّنَّا وَمَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْقَبْرِ ثَوْبًا غَيْرَ الْكَفَنِ لِعَدَمِ الْحِرْزِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ قَبْرُ الْمَيِّتِ مَالًا آخَرَ غَيْرَ الْكَفَنِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ لِتَأَوُّلِهِ بِالدُّخُولِ إلَى زِيَارَةِ الْقَبْرِ وَكَذَا لَوْ سَرَقَ مِنْ بَيْتٍ فِيهِ الْمَيِّتُ لَتَأَوَّلَهُ بِتَجْهِيزِهِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ الْكُلِّ لِوُجُودِ الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ فِيهِ عَادَةً (قَوْلُهُ وَمَالِ عَامَّةٍ أَوْ مُشْتَرَكٍ) ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شَرِكَةً حَقِيقِيَّةً فِي الثَّانِي أَوْ شُبْهَةَ شَرِكَةٍ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ، وَإِذَا احْتَاجَ ثَبَتَ الْحَقُّ لَهُ فِيهِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِهَا، وَأَمَّا مَالُ الْوَقْفِ فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِهِ لِعَدَمِ الْمَالِكِ كَمَا صَرَّحُوا أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ حُصُرَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوَهَا مِنْ حِرْزٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ مُعَلِّلِينَ بِعَدَمِ الْمَالِكِ (قَوْلُهُ وَمِثْلِ دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ لِحَقِّهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْمُمَاثَلَةِ الْمِثْلُ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ بِأَنْ كَانَ مِنْ النُّقُودِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ حَقِيقَةً كَأَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ دَرَاهِمَ فَسَرَقَ دَرَاهِمَ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ حُكْمًا كَأَنْ سَرَقَ دَنَانِيرَ فِي الصَّحِيحِ وَلِهَذَا كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمَطْلُوبِ وَيَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ فَخَرَجَ مَا إذَا سَرَقَ عُرُوضًا وَمِنْهَا الْحُلِيُّ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِيفَاءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِبْدَالٌ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالتَّرَاضِي وَلَمْ يُوجَدْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ قَضَاءً مِنْ حَقٍّ أَوْ رَهْنًا بِحَقِّهِ قُلْنَا هَذَا قَوْلٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى ــ [منحة الخالق] [سَرَقَ مِنْ الْقَبْرِ ثَوْبًا غَيْرَ الْكَفَنِ] (قَوْلُهُ: وَمَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْقَبْرِ ثَوْبًا غَيْرَ الْكَفَنِ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي شُمُولِ الْإِطْلَاقِ لِهَذَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَالُ الْوَقْفِ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ صَرَّحُوا بِأَنَّ مُتَوَلِّيَ الْوَقْفِ يُقْطَعُ بِطَلَبِهِ ذَكَرَهُ فِي التَّبْيِينِ وَالْفَتْحِ وَنَحْوِهِمَا، وَطَلَبُهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْفِ. اهـ. وَقَالَ الرَّمْلِيُّ صَرَّحَ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ بَحْثِ الْخَاصِّ بِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مَالَ الْوَقْفِ مِنْ الْمُتَوَلِّي يَجِبُ الْقَطْعُ وَسَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَوْ مُودِعًا وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ إلَى أَنْ قَالَ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُخَاصِمَ السَّارِقَ ثُمَّ قَالَ: وَمُتَوَلِّي الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ فَتُعْتَبَرُ خُصُومَتُهُمْ فِي ثُبُوتِ وِلَايَةِ الِاسْتِرْدَادِ وَفِي حَقِّ الْقَطْعِ فَهُوَ صَرِيحٌ فِيهِ وَيَلُوحُ الْفَرْقُ بَيْنَ نَحْوِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ وَغَيْرِهَا فَتَأَمَّلْ. اهـ. وَنَحْوُهُ فِي حَوَاشِي أَبِي السُّعُودِ عَنْ شَيْخِهِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ هُوَ أَنَّ الْوَقْفَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ حُكْمًا عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ لَكِنْ هَذَا يَظْهَرُ فِي رَقَبَةِ الْوَقْفِ أَمَّا غَلَّتُهُ فَلَا وَعَلَى هَذَا فَعَدَمُ الْقَطْعِ فِي حُصُرِ الْمَسْجِدِ لِعَدَمِ الْمَالِكِ لِكَوْنِهَا مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ بِخِلَافِ رَقَبَةِ الْوَقْفِ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ مَثَلًا مَا جَرَى بِهِ التَّعَامُلُ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ غَلَّةَ الْوَقْفِ مِلْكُ الْمُسْتَحِقِّينَ وَأَنَّهَا أَمَانَةٌ تَحْتَ يَدِ النَّاظِرِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ لِلْمُتَوَلِّي يَدٌ صَحِيحَةٌ عَلَيْهَا فَلَهُ الْقَطْعُ بِهَا لَكِنْ يَنْبَغِي عَدَمُ الْقَطْعِ فِيمَا لَوْ كَانَ وَقْفًا عَلَى الْعَامَّةِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَإِنَّهُ مِثْلُ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ السَّارِقُ فَقِيرًا وَأَمَّا وَقْفُ الْمَسْجِدِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْ غَلَّتِهِ؛ لِأَنَّهَا تُصْرَفُ فِي مَنَافِعِ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَظِيفَةٌ فِي الْمَسْجِدِ

стр. 1633

دَلِيلٍ ظَاهِرٍ فَلَا يُعْتَبَرُ بِدُونِ اتِّصَالِ الدَّعْوَى بِهِ حَتَّى لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَأَمَّا الْمُمَاثَلَةُ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ بِمِقْدَارِ حَقِّهِ يَصِيرُ شَرِيكًا فِيهِ فَيَصِيرُ شُبْهَةً وَكَذَا الْمُمَاثَلَةُ مِنْ حَيْثُ الْوَصْفُ حَتَّى لَوْ سَرَقَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ لَا يُقْطَعُ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى. وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيَّ يُطْلِقَانِ أَخْذَ خِلَافِ جِنْسِ حَقِّهِ الْمُجَانَسَةَ فِي الْمَالِيَّةِ وَمَا قَالَا هُوَ الْأَوْسَعُ وَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْهَبَنَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُعْذَرُ فِي الْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ اهـ. وَقَيَّدَ بِسَرِقَةِ الدَّائِنِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَوْ الْعَبْدَ إذَا سَرَقَ مِنْ غَرِيمِ الْمَوْلَى قُطِعَ إلَّا إنْ كَانَ الْمَوْلَى وَكَّلَهُمَا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ حِينَئِذٍ لَهُمَا وَلَوْ سَرَقَ مِنْ غَرِيمِ أَبِيهِ أَوْ غَرِيمِ وَلَدِهِ الْكَبِيرِ أَوْ غَرِيمِ مُكَاتَبِهِ أَوْ غَرِيمِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ قُطِعَ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِغَيْرِهِ وَلَوْ سَرَقَ مِنْ غَرِيمِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا يُقْطَعُ (قَوْلُهُ وَبِشَيْءٍ قُطِعَ فِيهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْطَعَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلِأَنَّ الثَّانِيَةَ مُتَكَامِلَةٌ كَالْأُولَى بَلْ أَقْبَحُ لِتَقَدُّمِ الزَّاجِرِ وَصَارَ كَمَا إذَا بَاعَهُ الْمَالِكُ مِنْ السَّارِقِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ثُمَّ كَانَتْ السَّرِقَةُ وَلَنَا أَنَّ الْقَطْعَ أَوْجَبَ سُقُوطَ عِصْمَةِ الْمَحَلِّ كَمَا يُعْرَفُ مِنْ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِالرَّدِّ إلَى الْمَالِكِ، وَإِنْ عَادَتْ حَقِيقَةُ الْعِصْمَةِ بَقِيَتْ شُبْهَةُ السُّقُوطِ نُظِرَ إلَى اتِّحَادِ الْمِلْكِ، وَالْمَحَلِّ وَقِيَامِ الْمُوجِبِ وَهُوَ الْقَطْعُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الْجِنَايَةِ فِيهِ نَادِرٌ لِتَحَمُّلِهِ مَشَقَّةَ الزَّاجِرِ فَتُعَرَّى الْإِقَامَةُ عَنْ الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَقْلِيلُ الْجِنَايَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا قَذَفَ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ الْمَقْذُوفَ الْأَوَّلَ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ مِثْلُ مَا لَوْ كَانَ غَزْلًا فَسَرَقَهُ فَقُطِعَ فِيهِ فَرَدَّهُ ثُمَّ نُسِجَ فَعَادَ فَسَرَقَهُ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَعَلَى هَذَا الصُّوفُ، وَالْقُطْنُ، وَالْكَتَّانُ وَكُلُّ عَيْنٍ أَحْدَثَ الْمَالِكُ فِيهِ صُنْعًا بَعْدَ الْقَطْعِ لَوْ أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ وَأُطْلِقَ فِي التَّغَيُّرِ فَشَمِلَ الْمَعْنَوِيَّ كَمَا إذَا بَاعَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بَعْدَ الْقَطْعِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ فَسَرَقَهُ؛ لِأَنَّ تَبَدُّلَ السَّبَبِ كَتَبَدُّلِ الْعَيْنِ وَذَكَرَ الشُّمُنِّيُّ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ عِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَا إذَا بَاعَهُ الْمَالِكُ فَسَرَقَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي وُجُوبَ الْقَطْعِ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ السَّاجِ، وَالْقَنَا، وَالْأَبَنُوسِ، وَالصَّنْدَلِ، وَالْفُصُوصِ الْأَخْضَرِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَاللُّؤْلُؤِ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ وَأَنْفَسِهَا وَهِيَ مُحْرَزَةٌ لَا تُوجَدُ مُبَاحَةَ الْأَصْلِ بِصُورَتِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيهَا فَصَارَتْ كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ لَا قَطْعَ فِي الْعَاجِ مَا لَمْ يُعْمَلْ فَإِذَا عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ قُطِعَ فِيهِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْعُودِ، وَالْمِسْكِ، وَالْأَدْهَانِ، وَالْوَرْسِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْعَنْبَرِ بِالْأَوْلَى وَفِي طُلْبَةِ الطَّلَبَةِ قَالَ جَارُ اللَّهِ الْعَلَّامَةُ السَّاجُ ضَرْبٌ مِنْ الشَّجَرِ يَعْلُوهُ الْحُمْرَةُ وَهُوَ صُلْبٌ كَالْحَجَرِ وَلَا يَكُونُ هَذَا الْأَبَنُوسُ إلَّا فِي بِلَادِ الْهِنْدِ وَدُورُ سَادَاتِ مَكَّةَ مِنْ هَذَا السَّاجِ. اهـ. وَالْقَنَا خَشَبُ الرِّمَاحِ جَمْعُ قَنَاةٍ وَأَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ الْوَاوِ، وَالْأَبَنُوسُ بِفَتْحِ الْبَاءِ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مُعَرَّبٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الزُّجَاجَ؛ لِأَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْكَسْرُ فَكَانَ نَاقِصًا فِي الْمَالِيَّةِ (قَوْلُهُ، وَالْأَوَانِي، وَالْأَبْوَابُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْخَشَبِ) ؛ لِأَنَّهُ بِالصَّنْعَةِ الْتَحَقَتْ بِالْأَمْوَالِ النَّفِيسَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُحْرَزُ بِخِلَافِ الْحَصِيرِ؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ فِيهِ لَمْ تَغْلِبْ عَلَى الْجِنْسِ حَتَّى يُبْسَطَ فِي غَيْرِ الْحِرْزِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْحُصُرِ الْبَغْدَادِيَّةِ يَجِبُ الْقَطْعُ فِي سَرِقَتِهَا لِغَلَبَةِ الصَّنْعَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَوْلُهُ مِنْ الْخَشَبِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَوَانِي، وَالْأَبْوَابِ وَقَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَانِيَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْ الْحَشِيشِ، وَالْقَصَبِ لَا قَطْعَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الصَّنْعَةَ لَمْ تَغْلِبْ فِيهِ حَتَّى لَا تَتَضَاعَفَ قِيمَتُهُ وَلَا تُحْرَزُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْغَلَبَةُ فِيهِ لِلصَّنْعَةِ كَالْأَوَانِي الَّتِي تُتَّخَذُ لِلَّبَنِ، وَالْمَاءِ مِنْ الْحَشِيشِ فِي بِلَادِ السُّودَانِ يُقْطَعُ فِيهَا لِمَا ذَكَرْنَا وَأُطْلِقَ فِي الْأَبْوَابِ وَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ مُرَكَّبًا لِيَكُونَ حِرْزًا ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى) أَيْ وَفِي الْمُجْتَبَى.

стр. 1634

فَلَا قَطْعَ فِي الْمُرَكَّبِ لِعَدَمِ الْإِحْرَازِ؛ لِأَنَّهَا لِغَيْرِهَا ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ الْبَابُ خَفِيفًا فَلَوْ كَانَ ثَقِيلًا يَثْقُلُ عَلَى الْوَاحِدِ حَمْلُهُ فَلَا قَطْعَ؛ لِأَنَّ الثَّقِيلَ مِنْهُ لَا يُرْغَبُ فِي سَرِقَتِهِ وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ سَرَقَ جُلُودَ السِّبَاعِ الْمَدْبُوغَةِ لَا يُقْطَعُ فَإِذَا جُعِلَتْ مُصَلَّى أَوْ بِسَاطًا يُقْطَعُ هَكَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا جُعِلَتْ ذَلِكَ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ جُلُودَ السِّبَاعِ؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ أَسْمَاءً أُخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ فِي الْحِرْزِ) . هُوَ فِي اللُّغَةِ الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ يُقَالُ أَحْرَزَهُ إذَا جَعَلَهُ فِي الْحِرْزِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَفِي الشَّرْعِ مَا يُحْفَظُ فِيهِ الْمَالُ عَادَةً أَيْ الْمَكَانُ الَّذِي يُحْرَزُ فِيهِ كَالدَّارِ، وَالْحَانُوتِ، وَالْخَيْمَةِ، وَالشَّخْصِ نَفْسِهِ، وَالْمُحْرَزُ مَا لَا يُعَدُّ صَاحِبُهُ مُضَيِّعًا ثُمَّ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحِرْزِ شَرْطٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ تَخْصِيصًا لِآيَةِ السَّرِقَةِ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْخِلَافِ بَعْدَمَا خُصِّصَ بِمِقْدَارِ النِّصَابِ (قَوْلُهُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَا بِرَضَاعٍ وَمِنْ زَوْجَتِهِ وَزَوْجِهَا وَسَيِّدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجِ سَيِّدَتِهِ وَمُكَاتَبَتِهِ وَخَتْنِهِ وَصِهْرِهِ وَمِنْ غُنْمٍ وَحَمَّامٍ وَبَيْتٍ أُذِنَ فِي دُخُولِهِ لَمْ يُقْطَعْ) لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَمَّا إذَا سَرَقَ مِنْ قَرِيبِهِ الْمَحْرَمِ فَلِلدُّخُولِ فِي الْحِرْزِ مَعَ الْبُسُوطَةِ فِي الْمَالِ فِي الْأُصُولِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُرَادُ مِنْ السَّرِقَةِ مِنْهُ السَّرِقَةُ مِنْ بَيْتِهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا سَرَقَ مَالَهُ أَوْ مَالَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ بَيْتَهُ لَيْسَ بِحِرْزٍ فِي حَقِّهِ مُطْلَقًا وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا إذَا سَرَقَ مَالَ مَحْرَمِهِ مِنْ بَيْتِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لِوُجُودِ الْحِرْزِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ لِمَا فِي الْقَطْعِ مِنْ الْقَطِيعَةِ فَيَنْدَرِئُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ الْقَطْعُ حَقَّهُ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقُّ الشَّرْعِ فَلَا يَكُونُ قَطِيعَةً وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ فِي الْوِلَادِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الشُّبْهَةِ فِي مَالِهِ فَعَدَمُ الْقَطْعِ فِي الْوِلَادِ لِلشُّبْهَةِ لَا لِعَدَمِ الْحِرْزِ وَفِي الْمَحَارِمِ لِعَدَمِ الْحِرْزِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ لَا بِرَضَاعٍ عَنْ الْمَحْرَمِ الَّذِي مَحْرَمِيَّتُهُ بِالرَّضَاعِ كَابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ الرَّضَاعِ، فَإِنَّهُ رَحِمٌ مَحْرَمٌ لَا مِنْ جِهَةِ الْقَرَابَةِ، وَإِنَّمَا مَحْرَمِيَّتُهُ مِنْ جِهَةِ الرَّضَاعِ فَإِذَا سَرَقَ مِنْ بَيْتِهِ قُطِعَ كَمَا إذَا سَرَقَ مِنْ الرَّحِمِ فَقَطْ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ. اهـ. ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّحِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَحْرَمِ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا إذَا سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ مِنْ امْرَأَةِ سَيِّدِهِ أَوْ زَوْجِ ــ [منحة الخالق] [سَرِقَةِ السَّاجِ وَالْقَنَا وَالْأَبَنُوسِ وَالصَّنْدَلِ وَالْفُصُوصِ الْأَخْضَرِ] قَوْلُهُ فَلَوْ كَانَ ثَقِيلًا إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَنَظَرَ فِيهِ بِأَنَّ ثِقَلَهُ لَا يُنَافِي فِي مَالِيَّتَهُ وَلَا يُنْقِصُهَا، وَإِنَّمَا ثَقُلَ فِيهِ رَغْبَةُ الْوَاحِدِ لَا الْجَمَاعَةِ وَلَوْ صَحَّ هَذَا امْتَنَعَ الْقَطْعُ فِي فِرْدَةِ حَمْلٍ مِنْ قُمَاشٍ وَنَحْوِهِ وَهُوَ مُنْتَفٍ وَلِذَا أَطْلَقَ الْحَاكِمُ فِي الْكَافِي الْقَطْعَ. اهـ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَرِدُ لَوْ لَمْ يَقُلْ فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الثَّقِيلَ مِنْهُ فَمَعَ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ مِنْهُ لَا يَرِدُ. اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. [فَصْلٌ فِي الْحِرْزِ] (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْحِرْزِ شَرْطٌ إلَخْ) حَاصِلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْفَتْحِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ وَأَنَّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ، وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً لَكِنْ ثَبَتَ تَخْصِيصُهَا بِمِقْدَارِ النِّصَابِ فَجَازَ تَخْصِيصُهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْإِجْمَاعِيَّةِ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ وَنَحْوِهَا فَقَوْلُهُ بِنَاءً قَيْدٌ لِنَقْلِ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ وَقَوْلُهُ بَعْضُ مَا خُصِّصَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَخْصِيصًا وَقَوْلُهُ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ مُتَعَلِّقَانِ بِتَخْصِيصٍ أَيْضًا لَكِنَّ الْبَاءَ فِي بِالْإِجْمَاعِ لِلسَّبِيَّةِ (قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا سَرَقَ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُحَرَّمِ إلَخْ) قَالَ الْبُرْجَنْدِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا دَخْلَ لِلْقَرَابَةِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الْحِرْزُ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِلَا مَانِعٍ وَلَا حِشْمَةٍ لَا يُقْطَعُ سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ أَوْ لَا وَلِهَذَا لَا يُقْطَعُ لَوْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مَتَاعَ غَيْرِهِ قَالَ الْحَمَوِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الصِّدِّيقِينَ يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا بَيْتَ الْآخَرِ بِلَا مَانِعٍ وَلَا حِشْمَةٍ مَعَ أَنَّهُ يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ مِنْ بَيْتِ صَدِيقِهِ فَظَهَرَ أَنَّ لِلْقَرَابَةِ يَعْنِي الْمُؤَبَّدَةَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ مَدْخَلًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيلُهُمْ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ الْقَطْعَ يُفْضِي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَأَقُولُ: هَذَا لَا يَرِدُ عَلَى الْبُرْجَنْدِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّدِيقَ، وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ مَحَلَّ صِدِّيقِهِ بِلَا مَانِعٍ وَلَا حِشْمَةٍ لَكِنْ لَزِمَهُ الْقَطْعُ لِلسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي دُخُولِهِ حَتَّى لَوْ سَرَقَ مِنْ الْمَحَلِّ الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِدُخُولِهِ لَمْ يُقْطَعْ كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ الْقَطْعُ حَقَّهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِالْقَطْعِ فِيمَا إذَا سَرَقَ مِنْ بَيْتِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَلَا يَلْزَمُ الْقَطِيعَةُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ هُنَاكَ لَكِنْ عَدَمُ الْحِرْزِ مَانِعٌ مِنْ الْقَطْعِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَحْرَمٍ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي التَّبْيِينِ إلَخْ) سَبَقَهُ إلَى هَذَا الْعَيْنِيُّ وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا غَفْلَةٌ مِنْهُمْ عَنْ عِبَارَةِ الزَّيْلَعِيِّ، فَإِنَّ نُسْخَةَ الْكَنْزِ الَّتِي شَرَحَ عَلَيْهَا بِلَفْظِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ وَمِثْلُهَا عِبَارَةُ الْهِدَايَةِ فَقَوْلُهُ مِنْهُ قَيْدٌ لِلْمَحْرَمِ وَضَمِيرُهُ لِرَحِمٍ أَيْ مَحْرَمٍ مِنْ الرَّحِمِ فَخَرَجَ بِهِ ابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ مِنْ الرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمٌ مِنْ الرَّضَاعِ لَا مِنْ الرَّحِمِ فَقَوْلُهُ بِلَا رَضَاعٍ لَمْ يُفِدْ

стр. 1635

سَيِّدَتِهِ فَلِوُجُودِ الْإِذْنِ بِالدُّخُولِ عَادَةً فَانْعَدَمَ الْحِرْزُ أَطْلَقَ فِي الزَّوْجَيْنِ فَشَمِلَ الزَّوْجِيَّةَ وَقْتَ السَّرِقَةِ فَقَطْ بِأَنْ سَرَقَ مِنْهَا ثُمَّ أَبَانَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَرَافَعَا فَلَا قَطْعَ، وَالزَّوْجِيَّةُ بَعْدَهَا كَمَا إذَا سَرَقَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثُمَّ تَرَافَعَا فَلَا قَطْعَ وَلَوْ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَكَذَا عَكْسُهُ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ قَبْلَ الْإِمْضَاءِ وَشَمِلَ الزَّوْجِيَّةَ مِنْ وَجْهٍ كَمَا إذَا سَرَقَ مِنْ مَبْتُوتِهِ فِي الْعِدَّةِ أَوْ سَرَقَتْ هِيَ مِنْهُ لِوُجُودِ الْخُلْطَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَرَقَ مِنْهَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي بَابِ السَّرِقَةِ يُكْتَفَى بِوُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ فِي حَالَةٍ مِنْ الْأَحْوَالِ قَبْلَ الْقَطْعِ لِسُقُوطِهِ وَفِي بَابِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ وَقْتَ الْهِبَةِ فَلَوْ حَدَثَتْ بَعْدَهَا فَالرُّجُوعُ ثَابِتٌ وَفِي الْوَصِيَّةِ الِاعْتِبَارُ لَهَا حَالَةَ الْمَوْتِ لَا غَيْرُ وَشَمِلَ مَا إذَا سَرَقَ أَحَدُهُمَا مِنْ حِرْزٍ لَا يَسْكُنَانِ فِيهِ لِوُجُودِ الْبُسُوطَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَمْوَالِ عَادَةً، وَالْعَبْدُ فِي هَذَا مُلْحَقٌ بِمَوْلَاهُ حَتَّى لَا يُقْطَعَ فِي سَرِقَةٍ لَا يُقْطَعُ فِيهَا لَا مَوْلَى كَالسَّرِقَةِ مِنْ أَقَارِبِ الْمَوْلَى وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ بِالدُّخُولِ عَادَةً فِي بَيْتِ مَوْلَاهُ لِإِقَامَةِ الْمَصَالِحِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْقِنَّ، وَالْمُكَاتَبَ؛ لِأَنَّهُ قِنٌّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ دِرْهَمٍ، وَالْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَأَمَّا إذَا سَرَقَ مِنْ مُكَاتَبِهِ، فَإِنَّ لَهُ حَقًّا فِي إكْسَابِهِ وَلِذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ مُكَاتَبِهِ. وَأَمَّا إذَا سَرَقَ مِنْ خَتْنِهِ وَمِنْ صِهْرِهِ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِي مِلْكِ الْخَتْنِ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ بِالْقَرَابَةِ وَلَا قَرَابَةَ وَلَهُ أَنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ بِالْبُسُوطَةِ فِي دُخُولِ بَعْضِهِمْ مَنَازِلَ بَعْضٍ بِلَا اسْتِئْذَانٍ فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي الْحِرْزِ، وَالْمَحْرَمِيَّةُ بِالْمُصَاهَرَةِ كَالْمَحْرَمِيَّةِ بِالرَّضَاعِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا سَرَقَ مِنْ كُلِّ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِالْمُصَاهَرَةِ وَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَجْمَعْهُمَا مَنْزِلٌ وَاحِدٌ أَمَّا إذَا جَمَعَهُمَا مَنْزِلٌ وَاحِدٌ فَلَا قَطْعَ اتِّفَاقًا كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْأَصْهَارَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ امْرَأَتِهِ، وَالْأَخْتَانُ زَوْجُ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا سَرَقَ مِنْ الْمَغْنَمِ، فَإِنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا كَمَا أَفْتَى بِهِ عَلِيٌّ ﵁ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ قَدَّمَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فَالظَّاهِرُ مِنْ إعَادَتِهِ أَنَّهُ لَا قَطْعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْغَنِيمَةِ وَبَحَثَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ السَّارِقِ مِنْ الْغَنِيمَةِ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْغَنِيمَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ أَوْ فِي الْخُمْسِ كَالْغَانِمِينَ أَوْ الْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ أَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا نَصِيبَ لَهُ فِي الْغَنِيمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِخِلَافِ السَّارِقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ مُعَدٌّ لِمَصَالِحِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَالَ الْغَنِيمَةِ مَالٌ مُبَاحٌ فِي الْأَصْلِ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ حَيْثُ كَانَ عَلَى صُورَتِهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ وَسَوَاءٌ كَانَ السَّارِقُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَأَمَّا إذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ أَوْ بَيْتٍ أُذِنَ لِلنَّاسِ فِي الدُّخُولِ فِيهِ فَلِاخْتِلَالِ الْحِرْزِ بِالْإِذْنِ فِي الدُّخُولِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ وَصَاحِبُهُ عِنْدَهُ أَوْ الْمَسْرُوقُ تَحْتَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَصَاحِبُهُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَالْفَرْقُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْحَمَّامَ بُنِيَ لِلْإِحْرَازِ فَكَانَ حِرْزًا فَلَا يُعْتَبَرُ الْحَافِظُ كَالْبَيْتِ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ مَا بُنِيَ لِإِحْرَازِ الْأَمْوَالِ فَلَمْ يَكُنْ مُحْرِزًا بِالْمَكَانِ فَيُعْتَبَرُ الْحَافِظُ كَالطَّرِيقِ، وَالصَّحْرَاءِ وَشَمِلَ مَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْحَمَّامِ فِي وَقْتٍ لَمْ يُؤْذَنْ لِلنَّاسِ فِي الدُّخُولِ فِيهَا كَاللَّيْلِ، وَالْمَنْقُولُ فِي التَّبْيِينِ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ لَا يُقْطَعُ مُطْلَقًا وَأَطْلَقَ فِي الْمَأْذُونِ لِلنَّاسِ فِي دُخُولِهِ فَشَمِلَ حَوَانِيتَ التُّجَّارِ، وَالْخَانَاتِ إلَّا إذَا سَرَقَ مِنْهُ لَيْلًا؛ لِأَنَّهَا بُنِيَتْ لِإِحْرَازِ الْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا الْإِذْنُ يَخْتَصُّ بِالنَّهَارِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي قَوْلِهِ لِلنَّاسِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ بِالدُّخُولِ فَدَخَلَ وَاحِدٌ غَيْرُهُمْ وَسَرَقَ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا، وَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَازِ بِمَكَانٍ أَوْ حَافِظٍ قَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ حِرْزُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِحِرْزِ مِثْلِهِ حَتَّى إذَا سَرَقَ دَابَّةً مِنْ إصْطَبْلٍ يُقْطَعُ وَلَوْ سَرَقَ لُؤْلُؤَةً مِنْ إصْطَبْلٍ لَا يُقْطَعُ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي كِتَابِهِ أَنَّ مَا كَانَ حِرْزَ النَّوْعِ فَهُوَ حِرْزٌ لِلْأَنْوَاعِ كُلِّهَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، وَالْقَفَّافُ لَا يُقْطَعُ وَهُوَ الَّذِي يُعْطَى الدَّرَاهِمَ ــ [منحة الخالق] شَيْئًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَالْمَحْرَمِيَّةُ بِالْمُصَاهَرَةِ كَالْمَحْرَمِيَّةِ بِالرَّضَاعِ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ هُنَا، فَإِنَّ الْمَحْرَمَ بِالرَّضَاعِ يُقْطَعُ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 1636

لِيَنْظُرَ إلَيْهَا فَيَأْخُذَ مِنْهَا وَصَاحِبُهَا لَا يَعْلَمُ، وَالْفَشَّاشُ وَهُوَ مَا يُهَيِّئُ لِغَلْقِ الْبَيْتِ مَا يَفْتَحُهُ بِهِ إذَا فَشَّ نَهَارًا وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ وَلَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ وَأَخَذَ الْمَتَاعَ لَا يُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا فَأَخَذَ الْمَتَاعَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قُطِعَ وَفِي الْحَاوِي إذَا كَانَ بَابُ الدَّارِ مَرْدُودًا غَيْرَ مُغْلَقٍ فَدَخَلَهَا السَّارِقُ خُفْيَةً وَأَخَذَ الْمَتَاعَ قُطِعَ وَلَوْ كَانَ بَابُ الدَّارِ مَفْتُوحًا فَدَخَلَ نَهَارًا وَسَرَقَ لَا يُقْطَعُ وَلَوْ سَرَقَ مِنْ السَّطْحِ ثِيَابًا تُسَاوِي نِصَابًا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ حِرْزٌ، وَإِذَا سَرَقَ ثَوْبًا بُسِطَ عَلَى حَائِطٍ فِي السِّكَّةِ لَا يُقْطَعُ وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ ثَوْبًا بُسِطَ عَلَى خُصٍّ إلَى السِّكَّةِ، وَإِنْ بُسِطَ عَلَى الْحَائِطِ إلَى الدَّارِ أَوْ عَلَى الْخُصِّ إلَى السَّطْحِ قُطِعَ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ سَرَقَ مِنْ الْمَسْجِدِ مَتَاعًا وَرَبُّهُ عِنْدَهُ قُطِعَ) ؛ لِأَنَّهُ ﵇ قَطَعَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ أَرَادَ بِالْمَسْجِدِ كُلَّ مَوْضِعٍ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا فَدَخَلَ الطَّرِيقُ، وَالصَّحْرَاءُ وَأَطْلَقَ فِي رَبِّهِ فَشَمِلَ النَّائِمَ، وَالْيَقْظَانَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَرَادَهُ مِنْ كَوْنِهِ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَرَاهُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَأَطْلَقَ فِي كَوْنِهِ عِنْدَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ تَحْتَ رَأْسِهِ أَوْ تَحْتَ جَنْبِهِ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ حَالَةَ النَّوْمِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَإِلَيْهِ مَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَفِي الْأَصْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ الْمُسَافِرُ يَنْزِلُ فِي الصَّحْرَاءِ فَيَجْمَعُ مَتَاعَهُ وَيَبِيتُ عَلَيْهِ فَسَرَقَ رَجُلٌ مِنْهُ شَيْئًا قُطِعَ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يُقْطَعُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَصَحَّحَ فِي الْمُجْتَبَى مَا اخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ مِنْ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ النَّائِمُ حَافِظًا لَهُ عَادَةً وَعَلَى هَذَا لَا يَضْمَنُ الْمُودِعُ، وَالْمُسْتَعِيرُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَضْيِيعٍ بِخِلَافِ مَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتَاوَى اهـ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ الْغَنَمَ أَوْ الْبَقَرَ أَوْ الْفَرَسَ مِنْ الْمَرْعَى وَمَعَهَا حَافِظٌ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَإِطْلَاقُ مُحَمَّدٍ عَدَمَ الْقَطْعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا حَافِظٌ لَكِنْ إنْ كَانَ الْحَافِظُ الرَّاعِيَ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَفِي الْبَقَّالِيِّ لَا يُقْطَعُ وَهَكَذَا فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَطْلَقَ خواهر زاده ثُبُوتَ الْقَطْعِ إذَا كَانَ مَعَهُ حَافِظٌ وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ الرَّاعِيَ لَمْ يُقْصَدْ لِحِفْظِهَا مِنْ السُّرَّاقِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْمُجْتَبَى لَا قَطْعَ فِي الْمَوَاشِي فِي الْمَرْعَى، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا الرَّاعِي، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا سِوَى الرَّاعِي مَنْ يَحْفَظُهَا يَجِبُ الْقَطْعُ وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا أَفْتَوْا بِهَذَا، وَإِنْ كَانَتْ الْغَنَمُ تَأْوِي إلَى بَيْتٍ فِي اللَّيْلِ بُنِيَ لَهَا عَلَيْهِ بَابٌ مُغْلَقٌ فَكَسَرَهُ وَسَرَقَ مِنْهَا شَاةً قُطِعَ لَا يُعْتَبَرُ الْغَلْقُ إذَا كَانَ الْبَابُ مَرْدُودًا إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْتًا مُنْفَرِدًا فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ الْمَرَاحِ وَفِي الْحَاوِي اتَّخَذَ مِنْ الْحَجَرِ أَوْ الشَّوْكِ حَظِيرَةً وَجَمَعَ هَذِهِ الْأَغْنَامَ وَهُوَ نَائِمٌ عِنْدَهَا قُطِعَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُقْطَعُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا حَافِظٌ أَوْ لَا وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ. اهـ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْحَضْرَةِ إلَى أَنَّ الثِّيَابَ لَيْسَتْ عَلَيْهِ فَلَوْ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا عَلَيْهِ أَوْ رِدَاءً أَوْ قَلَنْسُوَةً أَوْ مِنْطَقَةً أَوْ سَرَقَ مِنْ امْرَأَةٍ نَائِمَةٍ حُلِيًّا عَلَيْهَا لَمْ يُقْطَعْ وَكَذَا إذَا سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ نَائِمٍ عَلَيْهِ مِلَاءَةٌ وَهُوَ لَابِسُهَا لَمْ يُقْطَعْ وَقِيلَ يُقْطَعُ كَالْمَوْضُوعِ عِنْدَهُ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَقَيَّدَ بِمَا لَيْسَ بِحِرْزٍ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ جَمَاعَةٌ نَزَلُوا بَيْتًا أَوْ خَانًا فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مَتَاعًا وَصَاحِبُ الْمَتَاعِ يَحْفَظُهُ أَوْ تَحْتَ رَأْسِهِ لَمْ يُقْطَعْ وَلَوْ كَانَ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ قُطِعَ (قَوْلُهُ وَلَوْ سَرَقَ ضَيْفٌ مِمَّنْ أَضَافَهُ أَوْ سَرَقَ شَيْئًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الدَّارِ لَا) أَيْ لَا يُقْطَعُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَبْقَ حِرْزًا فِي حَقِّهِ لِكَوْنِهِ مَأْذُونًا فِي دُخُولِهِ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الدَّارِ فَيَكُونُ فِعْلُهُ خِيَانَةً لَا سَرِقَةً أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا سَرَقَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي أَضَافَهُ فِيهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ بُيُوتِ الدَّارِ سَوَاءٌ كَانَ مُقْفَلًا أَوْ مِنْ صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَ مَعَ جَمِيعِ بُيُوتِهَا حِرْزٌ وَاحِدٌ فَبِالْإِذْنِ فِي الدَّارِ اخْتَلَّ الْحِرْزُ فِي جَمِيعِ بُيُوتِهَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الدَّارَ كُلَّهَا حِرْزٌ وَاحِدٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِخْرَاجِ مِنْهَا وَمَا فِيهَا يَدُ صَاحِبِهَا مَعْنًى فَتَتَمَكَّنُ شُبْهَةُ عَدَمِ الْأَخْذِ قَيَّدَ بِالسَّرِقَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الدَّارِ هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حُجْرَةٍ إلَى ــ [منحة الخالق] [سَرَقَ مِنْ الْمَسْجِدِ مَتَاعًا وَرَبُّهُ عِنْدَهُ] (قَوْلُهُ: فَلَوْ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا عَلَيْهِ إلَى قَوْلِهِ لَمْ يُقْطَعْ) أَيْ لِأَنَّهُ اخْتِلَاسٌ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ وَجَزَمَ بِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ قِلَادَةً عَلَيْهِ وَهُوَ لَابِسُهَا أَوْ مُلَاءَةً لَهُ وَهُوَ لَابِسُهَا أَوْ وَاضِعُهَا قَرِيبًا مِنْهُ يُقْطَعُ فَتَأَمَّلْ.

стр. 1637

الدَّارِ وَأَغَارَ مِنْ أَهْلِ الْحُجْرَةِ عَلَى حُجْرَةٍ أُخْرَى أَوْ نَقَبَ فَدَخَلَ وَأَلْقَى شَيْئًا فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ أَخَذَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ فَسَاقَهُ وَأَخْرَجَهُ قُطِعَ) بَيَانٌ لِأَرْبَعِ مَسَائِلَ الْأُولَى لَوْ كَانَتْ الدَّارُ فِيهَا مَقَاصِيرُ فَأَخْرَجَهَا مِنْ مَقْصُورَةٍ إلَى صَحْنِ الدَّارِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَقْصُورَةٍ بِاعْتِبَارِ سَاكِنِهَا حِرْزٌ عَلَى حِدَةٍ فَالْمُرَادُ بِالدَّارِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي فِيهَا مَنَازِلُ وَفِي كُلِّ مَنْزِلٍ مَكَانٌ يَسْتَغْنِي بِهِ أَهْلُهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِصَحْنِ الدَّارِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ انْتِفَاعَ السِّكَّةِ وَإِلَّا فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْإِخْرَاجِ مِنْ الدَّارِ الثَّانِيَةِ لَوْ أَغَارَ إنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ الْمَقَاصِيرِ عَلَى مَقْصُورَةٍ فَسَرَقَ مِنْهَا قُطِعَ لِمَا بَيَّنَّا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ دَخَلَ مَقْصُورَةً عَلَى غِرَّةٍ فَأَخَذَ بِسُرْعَةٍ يُقَالُ أَغَارَ الْفَرَسُ وَالثَّعْلَبُ فِي الْعَدْوِ إذَا أَسْرَعَ الثَّالِثَةُ: اللِّصُّ إذَا نَقَبَ الْبَيْتَ فَدَخَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ خَرَجَ وَأَخَذَهُ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَقَالَ زُفَرُ لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْإِلْقَاءَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَطْعِ كَمَا لَوْ خَرَجَ وَلَمْ يَأْخُذْ فَكَذَا الْأَخْذُ مِنْ السِّكَّةِ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَنَا أَنَّ الرَّمْيَ حِيلَةٌ يَعْتَادُهَا السُّرَّاقُ لِتَعَذُّرِ الْخُرُوجِ مَعَ الْمَتَاعِ أَوْ لِيَتَفَرَّغَ لِقِتَالِ صَاحِبِ الدَّارِ وَلِلْفِرَارِ وَلَمْ تَعْتَرِضْ عَلَيْهِ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ فَاعْتُبِرَ الْكُلُّ فِعْلًا وَاحِدًا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ فَهُوَ مُضَيِّعٌ لَا سَارِقٌ وَكَذَا لَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ. الرَّابِعَةُ: لَوْ حَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ وَسَاقَهُ وَأَخْرَجَهُ؛ لِأَنَّ سَيْرَهُ مُضَافٌ إلَيْهِ بِسُوقِهِ قَيَّدَ بِالسُّوقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسُقْهُ وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ لَمْ يُقْطَعْ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ مُتَسَبِّبًا فِي إخْرَاجِهِ فَيَشْمَلُ مَا إذَا عَلَّقَهُ فِي عُنُقِ كَلْبٍ وَزَجَرَهُ وَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ زَاجِرٍ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ لِلدَّابَّةِ اخْتِيَارًا فَمَا لَمْ يُفْسِدْ اخْتِيَارَهَا بِالْحَمْلِ، وَالسَّوْقِ لَا يَنْقَطِعُ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إلَيْهَا وَكَذَا إذَا عَلَّقَهُ عَلَى طَائِرٍ فَطَارَ بِهِ إلَى مَنْزِلِ السَّارِقِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ وَيَشْمَلُ مَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي نَهْرٍ فِي الدَّارِ وَكَانَ الْمَاءُ ضَعِيفًا وَأَخْرَجَهُ بِتَحْرِيكِ السَّارِقِ؛ لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ مُضَافٌ إلَيْهِ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ الْمَاءُ بِقُوَّةِ جَرْيِهِ لَمْ يُقْطَعْ وَقِيلَ يُقْطَعُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِسَبَبِهِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَاوَلَهُ آخَرَ مِنْ خَارِجٍ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي بَيْتٍ فَأَخَذَ أَوْ طَرَّ صُرَّةً خَارِجَةً مِنْ كُمٍّ أَوْ سَرَقَ مِنْ قِطَارٍ بَعِيرًا أَوْ حِمْلًا لَا) أَيْ لَا يُقْطَعُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ أَمَّا الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا نَقَبَ اللِّصُّ الْبَيْتَ فَدَخَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَنَاوَلَهُ آخَرَ مِنْ خَارِجِ الدَّارِ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِخْرَاجُ لِاعْتِرَاضِ يَدٍ مُعْتَبَرَةٍ عَلَى الْمَالِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَالثَّانِي لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ هَتْكُ الْحِرْزِ فَلَمْ تَتِمَّ السَّرِقَةُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا أَخْرَجَ الدَّاخِلُ يَدَهُ وَنَاوَلَهَا الْخَارِجَ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ الْخَارِجُ فَتَنَاوَلَهَا مِنْ يَدِ الدَّاخِلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ مَا إذَا وَضَعَ الدَّاخِلُ الْمَالَ عِنْدَ النَّقْبِ ثُمَّ خَرَجَ وَأَخَذَهُ قِيلَ يُقْطَعُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي بَيْتٍ وَأَخَذَ فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ اللِّصَّ إذَا كَانَ ظَرِيفًا لَا يُقْطَعُ قِيلَ وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ أَنْ يَنْقُبَ الْبَيْتَ وَيُدْخِلَ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الْحِرْزَ قَيَّدَ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الصُّنْدُوقِ، وَالْجَيْبِ، وَالْكُمِّ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ فِيهَا إدْخَالُ الْيَدِ لَا الدُّخُولُ بِخِلَافِ مَا إذَا شَقَّ الْجَوْلَقَ فَتَبَدَّدَ مَا فِيهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَأَخَذَهُ لَا يُقْطَعُ لِعَدَمِ الْهَتْكِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ وَهِيَ مَا إذَا طَرَّ صُرَّةً خَارِجَةً مِنْ كُمٍّ فَلِأَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ خَارِجٍ فَبِالطَّرِّ لَا تَبْقَى الصُّرَّةُ دَاخِلَ الْكُمِّ فَيَتَحَقَّقُ الْأَخْذُ مِنْ الْخَارِجِ فَلَمْ يُوجَدْ هَتْكُ الْحِرْزِ قَيَّدَ بِكَوْنِهَا خَارِجَةً؛ لِأَنَّهُ إنْ طَرَّ صُرَّةً دَاخِلَةً وَأَخَذَهَا قُطِعَ؛ لِأَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ دَاخِلٍ فَبِالطَّرِّ تَبْقَى الصُّرَّةُ دَاخِلَ الْكُمِّ فَتَحَقَّقَ الْأَخْذُ ــ [منحة الخالق] [سَرَقَ ضَيْفٌ مِمَّنْ أَضَافَهُ أَوْ سَرَقَ شَيْئًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الدَّارِ] قَوْلُهُ: فِيهَا مَقَاصِيرُ) قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ الْمَقْصُورَةُ الْحُجْرَةُ بِلِسَانِ أَهْلِ الْكُوفَةِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ إلَخْ) قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ هَذَا إذَا رَمَى بِهِ فِي الطَّرِيقِ بِحَيْثُ يَرَاهُ وَإِلَّا فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَرَجَ وَأَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا قَبْلَ خُرُوجِهِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِاسْتِهْلَاكِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَطْعٌ كَمَا لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ فِي الْحِرْزِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا رَمَى بِهِ بِحَيْثُ يَرَاهُ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ فِي يَدِهِ، فَإِذَا خَرَجَ وَأَخَذَهُ صَارَ كَأَنَّهُ خَرَجَ وَهُوَ مَعَهُ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُقْطَعُ وَهُوَ الْأَصَحُّ) قَالَ فِي النَّهْرِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ وَلِذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ جَزَمَ الْحَدَّادِيُّ بِأَنَّهُ لَا قَطْعَ وَلَمْ يَحْكِ غَيْرَهُ. اهـ. وَقَدْ يُدْفَعُ الْإِشْكَالُ بِأَنَّ الطَّائِرَ طَارَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يُضَفْ الْفِعْلُ إلَى السَّارِقِ؛ لِأَنَّهُ عَرَضَ عَلَى فِعْلِهِ فِعْلٌ مُخْتَارٌ؛ لِأَنَّ لِلدَّابَّةِ اخْتِيَارًا كَمَا مَرَّ وَنَظِيرُهُ مَا قَالُوهُ فِي الْغَصْبِ لَوْ حَلَّ قَيْدَ عَبْدِ غَيْرِهِ أَوْ رِبَاطَ دَابَّتِهِ أَوْ فَتَحَ بَابَ إصْطَبْلِهَا أَوْ قَفَصَ طَائِرِهِ فَذَهَبَتْ لَا يَضْمَنُ. (قَوْلُهُ: فَتَبَدَّدَ مَا فِيهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَأَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَهُ مِنْ الْأَرْضِ مَثَلًا وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ أَمَّا إنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخَذَ يُقْطَعُ لِوُجُودِ الْهَتْكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ لَوْ شَقَّ الْجَوْلَقَ عَلَى الْجَمَلِ وَهُوَ يَسِيرُ وَأَخَذَ مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ.

стр. 1638

مِنْ الدَّاخِلِ فَيُوجَدُ الْهَتْكُ، وَالطَّرُّ الشَّقُّ وَذَكَرَ الشُّمُنِّيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصُّرَّةِ بَعْضُ الْكُمِّ الْمَشْدُودِ فِيهِ الدَّرَاهِمُ وَقَيَّدَ بِالطَّرِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَهُ حَلُّ الرِّبَاطِ انْعَكَسَ الْحُكْمُ لِانْعِكَاسِ الْعِلَّةِ فَيُقْطَعُ إنْ كَانَ الرِّبَاطُ خَارِجَ الْكُمِّ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الدَّرَاهِمَ مِنْ دَاخِلِهِ وَلَا يُقْطَعُ إنْ كَانَ الرِّبَاطُ مِنْ دَاخِلِ الْكُمِّ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنْ خَارِجِهِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَبِمَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الطَّرِّ ظَهَرَ أَنَّ مَا يُطْلَقُ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الطَّرَّارَ يُقْطَعُ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، فَإِنَّهُ قَالَ يُقْطَعُ الطَّرَّارُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. اهـ. وَأَمَّا الرَّابِعَةُ وَهِيَ مَا إذَا سَرَقَ مِنْ قِطَارٍ بَعِيرًا أَوْ حِمْلًا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُحْرَزٍ مَقْصُودًا فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ السَّائِقَ أَوْ الرَّاكِبَ يَقْصِدُ قَطْعَ الْمَسَافَةِ وَنَقْلَ الْأَمْتِعَةِ دُونَ الْحِفْظِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَهَا مَنْ يَحْفَظُهَا يُقْطَعُ، وَالْقِطَارُ الْإِبِلُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَالْجَمْعُ قُطُرٌ وَقَيَّدَ بِسَرِقَةِ الْحِمْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَقَّ الْجَوْلَقَ عَلَى الْجَمَلِ وَهُوَ يَسِيرُ وَأَخَذَ مَا فِيهِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ اعْتَمَدَ الْجَوَالِقَ فَكَانَ هَاتِكًا لِلْحِرْزِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ الْجَوْلَقَ بِمَا فِيهِ وَكَذَا لَوْ سَرَقَ مِنْ الْفُسْطَاطِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَلَوْ سَرَقَ نَفْسَ الْفُسْطَاطِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ لِعَدَمِ إحْرَازِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْفُسْطَاطُ غَيْرَ مَنْصُوبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَلْفُوفٌ عِنْدَ مَنْ يَحْفَظُهُ أَوْ فِي فُسْطَاطٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ شَقَّ الْحِمْلَ فَسَرَقَ مِنْهُ أَوْ سَرَقَ جُوَالِقًا فِيهِ مَتَاعٌ وَرَبُّهُ يَحْفَظُهُ أَوْ نَائِمٌ عَلَيْهِ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي صُنْدُوقِ أَوْ جَيْبِ غَيْرِهِ أَوْ كُمِّهِ فَأَخَذَ الْمَالَ قُطِعَ) لِوُجُودِ السَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ وَقَدَّمْنَا كُلَّ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ وَإِثْبَاتِهِ) . لَمَّا كَانَ الْقَطْعُ حُكْمَ السَّرِقَةِ ذَكَرَهُ عَقِبَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ يَعْقُبُهُ (قَوْلُهُ وَتُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ مِنْ الزَّنْدِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، وَالْمَعْنَى يَدَيْهِمَا وَحُكْمُ اللُّغَةِ أَنَّ مَا أُضِيفَ مِنْ الْخَلْقِ إلَى اثْنَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ أَنْ يُجْمَعَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، وَقَدْ يُثَنَّى، وَالْأَفْصَحُ الْجَمْعُ، وَأَمَّا كَوْنُهَا الْيَمِينَ فَبِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فَكَانَ خَبَرًا مَشْهُورًا فَيُقَيَّدُ إطْلَاقُ النَّصِّ فَهَذَا مِنْ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ لَا مِنْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا إجْمَالَ فِي الْآيَةِ، وَقَدْ قَطَعَ ﵇ الْيَمِينَ، وَالصَّحَابَةُ ﵃، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الزَّنْدِ وَهُوَ مِفْصَلُ الرُّسْغِ وَيُقَالُ الْكُوعُ وَهُوَ مُذَكَّرٌ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ فَلِأَنَّهُ الْمُتَوَارَثُ وَمِثْلُهُ لَا يُطْلَبُ لَهُ سَنَدٌ بِخُصُوصِهِ كَالْمُتَوَاتِرِ وَلَا يُبَالَى فِيهِ بِكُفْرِ النَّاقِلِينَ فَضْلًا عَنْ فِسْقِهِمْ أَوْ ضَعْفِهِمْ (قَوْلُهُ وَتُحْسَمُ) أَيْ تُكْوَى كَيْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ لِقَوْلِهِ ﵇ فَاقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْسَمْ يُفْضِي إلَى التَّلَفِ، وَالْحَدُّ زَاجِرٌ لَا مُتْلِفٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَفِي الْمُغْرِبِ الْحَسْمُ أَنْ يُغْمَصَ فِي الدُّهْنِ الَّذِي أُغْلِيَ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَثَمَنُ الزَّيْتِ وَكُلْفَةُ الْحَسْمِ عَلَى السَّارِقِ عِنْدَنَا، وَالْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يُسَنُّ تَعْلِيقُ يَدِهِ فِي عُنُقِهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَعِنْدَنَا ذَلِكَ مُطْلَقٌ لِلْإِمَامِ إنْ رَآهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﵇ فِي كُلِّ مَنْ قَطَعَهُ لِيَكُونَ سُنَّةً (قَوْلُهُ وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى إنْ عَادَ) لِقَوْلِهِ ﵇ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوهُ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ نِهَايَةَ الْقَطْعِ مِنْ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّهُ يُقْطَعُ مِنْ الْكَعْبِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَفَعَلَ عُمَرُ ﵁ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالرَّوَافِضُ: يُقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَفْعَلُ كَذَلِكَ وَيَدَعُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهَا. اهـ. (قَوْلُهُ، فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا حُبِسَ حَتَّى يَتُوبَ وَلَمْ يُقْطَعْ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ فِيهِ إنِّي لِأَسْتَحْيِيَ مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا وَرِجْلًا يَمْشِي عَلَيْهَا فَلِهَذَا حَاجَّ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَجَمَعَهُمْ فَانْعَقَدَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ إهْلَاكٌ مَعْنًى لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، وَالْحَدُّ زَاجِرٌ وَلِأَنَّهُ نَادِرُ الْوُجُودِ، وَالزَّجْرُ فِيمَا يَغْلِبُ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ فَيُسْتَوْفَى مَا أَمْكَنَ جَبْرًا لِحَقِّهِ وَمَا وَرَدَ مِنْ الْحَدِيثِ مِنْ ــ [منحة الخالق] [فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَة وَإِثْبَاتِهِ] فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ وَإِثْبَاتِهِ) .

стр. 1639

قَطْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى فِي الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلِ الْيُمْنَى فِي الرَّابِعَةِ فَقَدْ طَعَنَ الطَّحَاوِيُّ أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى السِّيَاسَةِ وَتَمَامُهُ فِي الْأُصُولِ مَنْ بَحَثَ الْأَمْرَ وَفِي الْفَتَاوَى السِّرَاجِيَّةِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً كَذَا فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ضَرْبَهُ مَعَ الْحَبْسِ وَأَثْبَتَهُ فِي الْمُجْتَبَى وَلَمْ يَذْكُرُوا مَتَى تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَتَظْهَرُ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى النَّافِعِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ تَظْهَرَ عَلَيْهِ سِيَّمَا رَجُلٍ صَالِحٍ. (قَوْلُهُ كَمَنْ سَرَقَ وَإِبْهَامُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ أَوْ شَلَّاءُ أَوْ أُصْبُعَانِ مِنْهَا سِوَاهَا أَوْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةٌ) يَعْنِي لَا يُقْطَعُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ بَطْشًا أَوْ مَشْيًا وَكَذَا إذَا كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ لِمَا قُلْنَا وَقِوَامُ الْبَطْشِ بِالْإِبْهَامِ قُيِّدَ بِالْإِبْهَامِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ أُصْبُعًا غَيْرَ الْإِبْهَامِ أَوْ أَشَلَّ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ فَوْتَهَا لَا يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْبَطْشِ ظَاهِرًا وَقَيَّدَ بِالْيَدِ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الْأَصَابِعِ تُقْطَعُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالنَّصِّ قَطْعُ الْيُمْنَى وَاسْتِيفَاءُ النَّاقِصِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْكَامِلِ جَائِزٌ وَقَيَّدَ بِقَطْعِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةَ الْأَصَابِعِ، فَإِنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ، وَالْمَشْيَ عَلَيْهَا قُطِعَتْ يَدُهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ، وَالْمَشْيَ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي الْكَافِي، وَإِذَا حُبِسَ السَّارِقُ لِيَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ فَقَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ الْيُمْنَى عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَقَدْ بَطَلَ الْحَدُّ عَنْ السَّارِقِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ قَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى، وَإِنْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ فَقَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ الْيُمْنَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمَرَ بِذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَيَضْمَنُ بِقَطْعِ الْيُسْرَى مَنْ أَمَرَ بِخِلَافِهِ) أَيْ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلْجَلَّادِ اقْطَعْ يَمِينَ هَذَا فِي سَرِقَةٍ سَرَقَهَا فَقَطَعَ يَسَارَهُ عَمْدًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ وَيَضْمَنُ فِي الْعَمْدِ وَقَالَ فِي زُفَرَ يَضْمَنُ فِي الْخَطَأِ أَيْضًا وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَالْمُرَادُ هُوَ الْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فِي مَعْرِفَةِ الْيَمِينِ، وَالْيَسَارِ وَلَا يُجْعَلُ عَفْوًا وَقِيلَ يُجْعَلُ عُذْرًا أَيْضًا لَهُ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَاهُ مَعْصُومَةً، وَالْخَطَأُ فِي حَقِّ الْعِبَادِ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَيَضْمَنُهَا قُلْنَا: إنَّهُ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ إذْ لَيْسَ فِي النَّصِّ تَعْيِينُ الْيَمِينِ، وَالْخَطَأُ فِي الِاجْتِهَادِ مَوْضُوعٌ وَلَهُمَا أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الظُّلْمَ فَلَا يُعْفَى، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَتْلَفَ وَأَخْلَفَ مِنْ جِنْسِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَلَا يُعَدُّ إتْلَافًا كَمَنْ شَهِدَ عَلَى غَيْرِهِ بِبَيْعِ مَالِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى هَذَا لَوْ قَطَعَهُ غَيْرُ الْجَلَّادِ لَا يَضْمَنُ أَيْضًا هُوَ الصَّحِيحُ قَيَّدَ بِالْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهُ أَحَدٌ قَبْلَ الْأَمْرِ، وَالْقَضَاءِ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ اتِّفَاقًا وَسَقَطَ الْقَطْعُ عَنْ السَّارِقِ؛ لِأَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ حَدًّا، وَقَضَاءُ الْقَاضِي بِالْحَدِّ كَالْأَمْرِ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفُ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ أَطْلَقَ وَقَالَ: اقْطَعْ يَدَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ الْيُمْنَى فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاطِعِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ إذْ الْيَدُ تُطْلَقُ عَلَيْهِمَا وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ السَّارِقُ يَدَهُ فَقَالَ هَذِهِ يَمِينِي؛ لِأَنَّهُ قَطَعَهُ بِأَمْرِهِ وَقَيَّدَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ يُعَزَّرُ إذَا كَانَ عَمْدًا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا الْقَطْعَ وَقَعَ حَدًّا أَوْ لَا قَالُوا فَعَلَى طَرِيقَةِ أَنَّهُ وَقَعَ حَدًّا فَلَا ضَمَانَ عَلَى السَّارِقِ لَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَ الْعَيْنَ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً) أَيْ إنْ سَرَقَ بَعْدَ الْقَطْعِ مَرَّتَيْنِ لَا ابْتِدَاءً كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَكَلَامُهُ فِي النَّهْرِ يُفِيدُ أَنَّ جَوَازَ قَتْلِهِ سِيَاسَةً مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا سَرَقَ فِي الْخَامِسَةِ حَيْثُ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَامِسَةِ، «فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ» فَسِيَاقُ كَلَامِهِ يُفِيدُ أَنَّ قَتْلَهُ سِيَاسَةً قَبْلَ الْخَامِسَةِ لَا يَجُوزُ لَكِنْ رَأَيْت بِخَطِّ الْحَمَوِيِّ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ مَا نَصُّهُ إذَا سَرَقَ ثَالِثًا وَرَابِعًا لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً لِسَعْيِهِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ. اهـ. قَالَ فَمَا يَقَعُ مِنْ حُكَّامِ زَمَانِنَا مِنْ قَتْلِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ زَاعِمِينَ أَنَّ ذَلِكَ سَيَاسَةً جَوْرٌ وَظُلْمٌ وَجَهْلٌ وَالسِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ شَرْعٍ مُغَلَّظٍ كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ عَلَى مِسْكِينٍ قُلْت لَا يَخْفَى أَنَّهُمْ حَيْثُ أَجَابُوا بِالْحَمْلِ عَلَى السِّيَاسَةِ لَزِمَ أَنْ يَقُولُوا بِذَلِكَ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَإِلَّا فَالْإِيرَادُ بَاقٍ ثُمَّ رَأَيْته فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ وَلَئِنْ ثَبَتَ فَذَاكَ مَحْمُولٌ عَلَى السِّيَاسَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَكَذَا يُحْمَلُ الْقَطْعُ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ تَأَمَّلْ [سَرَقَ وَإِبْهَامُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ أَوْ شَلَّاءُ أَوْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةٌ] (قَوْلُهُ: يَعْنِي لَا يُقْطَعُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إلَخْ) أَيْ لَا تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْعَيْنِيِّ حَيْثُ قَالَ لَا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْيَدَ الْيُمْنَى تُقْطَعُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ أَمَّا الْيَدُ الْيُسْرَى وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى فَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا مَحَلًّا لِلْقَطْعِ عِنْدَنَا وَأَمَّا مَا سِوَاهُمَا فَلِتَفْوِيتِ الْمَنْفَعَةِ إمَّا بَطْشًا أَوْ مَشْيًا كَمَا ذُكِرَ هُنَا (قَوْلُهُ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ) أَيْ الْخَطَأِ فِي الْفِعْلِ لَا الِاجْتِهَادِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا الْقَطْعَ وَقَعَ حَدًّا أَوْ لَا إلَخْ) فِي الزَّيْلَعِيِّ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْخَطَأِ حَيْثُ قَالَ ثُمَّ فِي الْعَمْدِ يَجِبُ ضَمَانِ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ عَلَى السَّارِقِ

стр. 1640

؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ، وَالضَّمَانَ لَا يَجْتَمِعَانِ وَعَلَى طَرِيقَةِ عَدَمِ وُقُوعِهِ حَدًّا فَهُوَ ضَامِنٌ فِي الْعَمْدِ، وَالْخَطَأِ (قَوْلُهُ وَطَلَبُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ شَرْطُ الْقَطْعِ) أَيْ وَطَلَبُهُ الْمَالَ فَلَا قَطْعَ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ لِظُهُورِهَا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا أَقَرَّ أَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ فَيَسْقُطُ الْقَطْعُ فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَالْقَطْعِ لِتَنْتَفِيَ تِلْكَ الشُّبْهَةُ وَبِمَا ذَكَرْنَا ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي التَّبْيِينِ مَعْزِيًّا إلَى الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ قُطِعَ اسْتِحْسَانًا وَلَا يُنْتَظَرُ حُضُورُ الْغَائِبِ وَتَصْدِيقُهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَلَيْسَتْ هَذِهِ عِبَارَةُ الْبَدَائِعِ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ الدَّعْوَى فِي الْإِقْرَارِ شَرْطٌ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ السَّارِقُ أَنَّهُ سَرَقَ مَالَ فُلَانٍ الْغَائِبِ لَمْ يُقْطَعْ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَيُخَاصِمُ عِنْدَهُمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الدَّعْوَى فِي الْإِقْرَارِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ إلَى آخِرِهِ وَفِي الْبَدَائِعِ أَيْضًا قَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ قَالَ سَرَقْت هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَلَا أَدْرِي لِمَنْ هِيَ أَوْ قَالَ سَرَقْتهَا وَلَا أُخْبِرُك مَنْ صَاحِبُهَا لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَوْقَ غَيْبَتِهِ ثُمَّ الْغَيْبَةُ لَمَّا مَنَعَتْ الْقَطْعَ عَلَى أَصْلِهِ فَالْجَهَالَةُ أَوْلَى. اهـ. وَلَمْ يُعَيِّنْ يَعْنِي الْمُصَنِّفَ مَطْلُوبَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ فَاحْتَمَلَ شَيْئَيْنِ أَحَدَهُمَا: طَلَبُ الْمَالِ وَبِهِ جَزَمَ الشَّارِحُ ثَانِيهِمَا: طَلَبُ الْقَطْعِ وَأَشَارَ الشُّمُنِّيُّ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الطَّلَبَيْنِ وَأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَكْفِي لَكِنْ ذَكَرَهُ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ قُبَيْلَ بَحْثِ الْأَمْرِ أَنَّ وُجُوبَ الْقَطْعِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ وَلِهَذَا لَمْ يَتَقَيَّدْ بِالْمِثْلِ وَمَا يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ يَتَقَيَّدُ بِهِ مَالًا كَانَ أَوْ عُقُوبَةً كَالْغَصْبِ، وَالْقِصَاصِ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْخُصُومَةَ بِدَعْوَى الْحَدِّ وَإِثْبَاتِهِ وَلَا يَمْلِكُ الْعَفْوَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَلَا يُورَثُ عَنْهُ. اهـ. فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَبَ الْقَطْعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَبَ الْقَطْعِ مُجَرَّدًا عَنْ طَلَبِ الْمَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْمَالِ وَيُشْتَرَطُ حَضْرَتُهُ عِنْدَ الْقَطْعِ لَا طَلَبُهُ الْقَطْعَ إذْ هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْعَبْدِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مُودِعًا أَوْ غَاصِبًا أَوْ صَاحِبَ الرِّبَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ يَدٌ صَحِيحَةٌ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ وَمَنْ لَا فَلَا فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُخَاصِمَ السَّارِقَ إذَا سَرَقَ مِنْهُ وَكَذَا الْمُودَعُ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَالْمُسْتَعِيرُ، وَالْمُضَارِبُ، وَالْمُبْضِعُ، وَالْغَاصِبُ، وَالْقَابِضُ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَالْمُرْتَهِنُ وَمُتَوَلِّي الْمَسْجِدِ، وَالْأَبُ، وَالْوَصِيُّ فَتُعْتَبَرُ خُصُومَتُهُمْ فِي ثُبُوتِ وِلَايَةِ الِاسْتِرْدَادِ وَفِي حَقِّ الْقَطْعِ وَأَرَادَ بِصَاحِبِ الرِّبَا أَنْ يَبِيعَ عَشَرَةً بِعِشْرِينَ وَقَبَضَ الْعِشْرِينَ فَسُرِقَ مِنْهُ الْعِشْرُونَ فَيُقْطَعُ السَّارِقُ بِخُصُومَتِهِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ إذْ الشِّرَاءُ فَاسِدٌ بِمَنْزِلَتِهِ، وَأَمَّا الْعَاقِدُ الْآخَرُ مِنْ عَاقِدَيْ الرِّبَا، فَإِنَّهُ بِالتَّسْلِيمِ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِلْكٌ وَلَا يَدٌ فَلَا يَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ. وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ اللُّقَطَةِ رَجُلٌ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَضَاعَتْ مِنْهُ فَوَجَدَهَا فِي يَدِ غَيْرِهِ فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّ فِي الْوَدِيعَةِ يَكُونُ الْمُودِعُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّ فِي اللُّقَطَةِ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ وَفِي وِلَايَةِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ وَلَيْسَ الثَّانِي كَالْأَوَّلِ فِي وِلَايَةِ إثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى الْوَدِيعَةِ. اهـ. فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ بِطَلَبِ الْمُلْتَقِطِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَيُقْطَعُ بِطَلَبِ الْمَالِكِ لَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ إنَّمَا شُرِطَتْ لِيُعْلَمَ أَنَّ ــ [منحة الخالق] عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ حَدًّا وَسُقُوطُ الضَّمَانِ عَنْهُ فِي ضِمْنِ وُقُوعِهِ حَدًّا وَكَذَا عِنْدَهُمَا بَلْ أَوْلَى وَفِي الْخَطَأِ كَذَلِكَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اُعْتُبِرَ فِيهَا أَنَّ الْقَاطِعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ وَأَخْلَفَ وَلَمْ يَقَعْ حَدًّا وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اُعْتُبِرَ فِيهَا أَنَّ الْقَاطِعَ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ إذْ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ لَا يَجْتَمِعَانِ (قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ بِطَلَبِ الْمُلْتَقِطِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ مُخَاصَمَةِ الْمُلْتَقِطِ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي إنَّمَا هُوَ لِزَوَالِ الْأَوَّلِ بِإِثْبَاتِ يَدٍ مِثْلِ يَدِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَوْلُ الْخَانِيَّةِ أَنَّ الثَّانِيَ كَالْأَوَّلِ فِي وِلَايَةِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ ضَيَاعِهَا مِنْهُ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِهَا مِنْهُ وَلَوْ وَصَفَ أَحَدَ عَلَامَتِهَا وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُلْتَقِطُ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا إلَيْهِ، وَلَوْ دَفَعَهَا إلَى أَحَدٍ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ يَدًا صَحِيحَةً فَلَهُ مُخَاصَمَةُ مَنْ سَرَقَهَا مِنْهُ (قَوْلُهُ: أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ عَنْ الشُّمُنِّيِّ اتِّفَاقًا مِنْ أَنَّهُ لَا خُصُومَةَ لِمُعْطِي الرِّبَا ثُمَّ رَأَيْت فِي النَّهْرِ مَا نَصُّهُ وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَيْ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ يَقْطَعُ بِخُصُومَةِ مُعْطِي الرِّبَا دُونَ صَاحِبِ الرِّبَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْصُوبِ كَمَا مَرَّ قَالَ فِي الْفَتْحِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْخُصُومَةُ إلَّا أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي السِّرَاجِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ صَاحِبِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ وَلَا يَدَ وَتَبِعَهُ الشُّمُنِّيُّ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْهُ. اهـ. أَقُولُ: قَدْ صَرَّحَ فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْقُنْيَةِ أَنَّ الرِّبَا لَا يُمْلَكُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ عَيْنِهِ مَا دَامَ قَائِمًا حَتَّى لَوْ أَبْرَأَهُ صَاحِبُهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ رَدَّ عَيْنِهِ الْقَائِمَةِ حَقُّ الشَّرْعِ وَعَلَى هَذَا فَلِصَاحِبِهِ مِلْكٌ قَائِمٌ فِيهِ وَلِلْآخَرِ يَدٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَبَضَهُ بِرِضَا صَاحِبِهِ صَارَ كَالْمُودِعِ

стр. 1641

الْمَسْرُوقَ مِلْكُ غَيْرِ السَّارِقِ وَهَذَا يَحْصُلُ بِخُصُومَةِ الْمَالِكِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الرَّاهِنَ، وَالْمُرْتَهِنَ لِلِاخْتِلَافِ فَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِطَلَبِ الرَّاهِنِ فِي غَيْبَةِ الْمُرْتَهِنِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حَضْرَتِهِ وَصَرَّحَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِأَنَّهُ يُقْطَعُ فِي غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَالِكُ وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ حَضَرَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ وَغَابَ الْغَاصِبُ. (قَوْلُهُ لَا بِطَلَبِ الْمَالِكِ أَوْ السَّارِقِ لَوْ سَرَقَ مِنْ سَارِقٍ بَعْدَ الْقَطْعِ) يَعْنِي لَوْ قُطِعَ سَارِقٌ بِسَرِقَةٍ فَسُرِقَتْ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا لِمَالِكِ الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ أَنْ يَقْطَعَ السَّارِقَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ السَّارِقِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالْهَلَاكِ فَلَمْ تَنْعَقِدْ مُوجِبَةً فِي نَفْسِهَا وَلِلْأَوَّلِ وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ فِي الِاسْتِرْدَادِ لِحَاجَتِهِ إذْ الرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ الْأَوَّلُ أَوْ بَعْدَمَا دُرِئَ الْقَطْعُ بِشُبْهَةٍ يُقْطَعُ بِخُصُومَةِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ ضَرُورَةُ الْقَطْعِ وَلَمْ يُوجَدْ فَصَارَ كَالْغَاصِبِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَأَطْلَقَ الْكَرْخِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ عَدَمَ قَطْعِ السَّارِقِ مِنْ السَّارِقِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَيْسَتْ يَدَ أَمَانَةٍ وَلَا مِلْكَ فَكَانَ ضَائِعًا وَلَا قَطْعَ فِي أَخْذِ مَالٍ ضَائِعًا قُلْنَا: بَقِيَ أَنْ يَكُونَ يَدَ غَصْبٍ، وَالسَّارِقُ مِنْهُ يُقْطَعُ فَالْحَقُّ مَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ وَاخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي مَسْأَلَةِ وِلَايَةِ الِاسْتِرْدَادِ أَنَّ الْوَجْهَ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ هَذَا الْحَالُ لِلْقَاضِي لَا يَرُدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا إلَى الثَّانِي إذَا رَدَّهُ لِظُهُورِ خِيَانَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَلْ يَرُدُّهُ مِنْ يَدِ الثَّانِي إلَى الْمَالِكِ إنْ كَانَ حَاضِرًا وَإِلَّا حَفِظَهُ كَمَا يَحْفَظُ أَمْوَالَ الْغُيَّبِ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ سَرَقَ شَيْئًا وَرَدَّهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ إلَى مَالِكِهِ أَوْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ النِّصَابِ لَمْ يُقْطَعْ) بَيَانٌ لِأَرْبَعِ مَسَائِلَ لَا قَطْعَ فِيهَا الْأُولَى: لَوْ سَرَقَ شَيْئًا وَرَدَّهُ قَبْلَ الْخُصُومَةِ إلَى مَالِكِهِ فَلَا قَطْعَ؛ لِأَنَّ الْخُصُومَةَ شَرْطٌ لِظُهُورِ السَّرِقَةِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا جُعِلَتْ حُجَّةً ضَرُورَةَ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ، وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْخُصُومَةُ قَيَّدَ بِالرَّدِّ بِمَا قَبْلَ الْخُصُومَةِ أَيْ قَبْلَ الْمُرَافَعَةِ إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَرَدَ بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ إلَى الْقَاضِي قُطِعَ لِانْتِهَاءِ الْخُصُومَةِ لِحُصُولِ مَقْصُودِهَا فَتَبْقَى تَقْدِيرًا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا إذَا رَدَّهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ وَمَا إذَا رَدَّهُ بَعْدَمَا شَهِدَ الشُّهُودُ وَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ ظَهَرَتْ عِنْدَ الْقَاضِي بِمَا هُوَ حُجَّةٌ بِنَاءً عَلَى خُصُومَةٍ مُعْتَبَرَةٍ كَذَا فِي التَّبْيِينِ فَالْمُرَادُ بِالْخُصُومَةِ الدَّعْوَى، وَالشَّهَادَةُ أَوْ الْإِقْرَارُ فَلَوْ ادَّعَى وَلَمْ يُثْبِتْ ثُمَّ رَدَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا قَطْعَ لِعَدَمِ ظُهُورِهَا عِنْدَ الْقَاضِي فَهِيَ رُبَاعِيَّةٌ. لِأَنَّ الرَّدَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّرَافُعِ إلَى الْقَاضِي قَبْلَ الدَّعْوَى أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ الثُّبُوتِ أَوْ بَعْدَهُمَا قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فَلَا قَطْعَ فِي الْأُولَيَيْنِ وَيُقْطَعُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَأَطْلَقَ فِي الرَّدِّ فَشَمِلَ الرَّدَّ حَقِيقَةً، وَالرَّدَّ حُكْمًا كَمَا إذَا رَدَّهُ إلَى أُصُولِهِ، وَإِنْ عَلَا كَوَالِدِهِ وَجَدِّهِ وَوَالِدَتِهِ وَجَدَّتِهِ سَوَاءٌ كَانُوا فِي عِيَالِ الْمَالِكِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ شُبْهَةَ الْمِلْكِ فَيَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةُ الرَّدِّ بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّهُ إلَى عِيَالِ أُصُولِهِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَمِنْ الرَّدِّ الْحُكْمِيِّ إلَيْهِ الرَّدُّ إلَى فَرْعِهِ وَكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي عِيَالِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ بِرَدٍّ وَمِنْهُ الرَّدُّ إلَى مُكَاتَبِهِ وَعَبْدِهِ وَمِنْهُ الرَّدُّ إلَى مَوْلَاهُ لَوْ كَانَ مُكَاتَبًا؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَهُ رَقَبَةٌ وَمِنْهُ إذَا سَرَقَ مِنْ الْعِيَالِ وَرَدَّ إلَى مَنْ يَعُولُهُمْ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِمْ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فِي مَالِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ مَلَكَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْقَطْعِ فَلِأَنَّ الْإِمْضَاءَ مِنْ الْقَضَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ لِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالِاسْتِيفَاءِ إذْ الْقَضَاءُ لِلْإِظْهَارِ، وَالْقَطْعُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ قِيَامُ الْخُصُومَةِ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ وَصَارَ كَمَا إذَا مَلَكَهَا مِنْهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْبَيْعَ، وَالْهِبَةَ لَكِنْ بِشَرْطِ الْقَبْضِ فِيهَا لِيَحْصُلَ الْمِلْكُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكُهُ بَعْدَمَا ثَبَتَتْ السَّرِقَةُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ فَلَا قَطْعَ سَوَاءٌ أَقَامَ بَيِّنَةً أَوْ لَمْ يُقِمْ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ دَارِئَةٌ لِلْحَدِّ فَتَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى بِدَلِيلِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ. الرَّابِعَةُ: إذَا سَرَقَ ــ [منحة الخالق] لَا كَالْغَاصِبِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَثْبُتَ الْخُصُومَةُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمَتْنِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ مُودِعًا أَوْ غَاصِبًا أَوْ صَاحِبَ رِبًا، فَإِنَّ التَّعْبِيرَ بِلَوْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى وَصَرَّحَ بِهِ الْمَتْنُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ وَيُقْطَعُ بِطَلَبِ الْمَالِكِ لَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ فَهَذَا يُعَارِضُ قَوْلَ السِّرَاجِ وَالشُّمُنِّيِّ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: وَلِلْأَوَّلِ وِلَايَةُ الْخُصُومَةِ فِي الِاسْتِرْدَادِ) هَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالرِّوَايَةُ لَيْسَ لَهُ وَسَيَأْتِي بَحْثُ الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ بِشَرْطِ الْقَبْضِ فِيهَا إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ رَدُّ الْمَسْرُوقِ إلَى الْمَالِكِ

стр. 1642

شَيْئًا قِيمَتُهُ نِصَابٌ ثُمَّ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَمَّا كَانَ شَرْطًا يُشْتَرَطُ قِيَامُهُ عِنْدَ الْإِمْضَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا تَغَيَّرَ السِّعْرُ فِي بَلَدٍ أَوْ بَلَدَيْنِ حَتَّى إذَا سَرَقَ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ فِي بَلَدٍ وَأَخَذَ فِي بَلَدٍ آخَرَ الْقِيمَةُ فِيهِ أَنْقَصُ لَمْ يُقْطَعْ كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَقَيَّدَ بِنُقْصَانِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَوْ نَقَصَتْ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَكَمُلَ النِّصَابُ عَيْنًا وَدَيْنًا كَمَا إذَا اسْتَهْلَكَهُ كُلَّهُ أَمَّا نُقْصَانُ السِّعْرِ فَغَيْرُ مَضْمُونٍ فَافْتَرَقَا. (قَوْلُهُ وَلَوْ أَقَرَّا بِسَرِقَةٍ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ مَالِي لَمْ يُقْطَعَا) أَيْ السَّارِقَانِ الْمُقِرَّانِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَامِلٌ فِي حَقِّ الرَّاجِعِ وَمُورِثٌ لِلشُّبْهَةِ فِي حَقِّ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ ثَبَتَتْ بِإِقْرَارِهِمَا عَلَى الشَّرِكَةِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَيَّدَ بِإِقْرَارِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ هُوَ وَفُلَانٌ كَذَا فَأَنْكَرَ فُلَانٌ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ الْمُقِرُّ لِعَدَمِ الشَّرِكَةِ بِتَكْذِيبِهِ بِقَوْلِهِ: قَتَلْت أَنَا وَفُلَانٌ وَزَنَيْت أَنَا وَفُلَانٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْمُقِرِّ، وَإِنْ أَنْكَرَ فُلَانٌ. وَقَوْلُهُ: قَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَالِي تَمْثِيلٌ وَإِلَّا فَالْمُرَادُ أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا ادَّعَى شُبْهَةً أَيَّ شُبْهَةٍ كَانَتْ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْقَطْعُ عَنْهُمَا كَمَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَرَقَا وَغَابَ أَحَدُهُمَا وَشَهِدَ عَلَى سَرِقَتِهِمَا قُطِعَ الْآخَرُ) أَيْ الْحَاضِرُ؛ لِأَنَّ الْغَيْبَةَ تَمْنَعُ ثُبُوتَ السَّرِقَةِ عَلَى الْغَائِبِ فَيَبْقَى مَعْدُومًا، وَالْعَدَمُ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَلَا مُعْتَبَرَ بِتَوَهُّمِ حُدُوثِ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْغَائِبَ لَوْ حَضَرَ وَادَّعَى كَانَ شُبْهَةً لِلْحَاضِرِ وَاحْتِمَالُ دَعْوَى الْغَائِبِ شُبْهَةُ الشُّبْهَةِ فَلَا تُعْتَبَرُ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقَرَّ عَبْدٌ بِسَرِقَةٍ قُطِعَ وَتُرَدُّ السَّرِقَةُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ ثُمَّ يَتَعَدَّى إلَى الْمَالِيَّةِ فَيَصِحُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ وَلِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَضْرَارِ وَمِثْلُهُ مَقْبُولٌ عَلَى الْغَيْرِ فَيُقْطَعُ الْعَبْدُ، وَإِذَا صَحَّ الْإِقْرَارُ بِالْقَطْعِ صَحَّ بِالْمَالِ بِنَاءً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُلَاقِي حَالَةَ الْبَقَاءِ، وَالْمَالُ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ تَابِعٌ فَقَطْ حَتَّى تَسْقُطَ عِصْمَةُ الْمَالِ بِاعْتِبَارِهِ وَيُسْتَوْفَى الْقَطْعُ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ أَطْلَقَ الْعَبْدَ فَشَمِلَ الْمَأْذُونَ، وَالْمَحْجُورَ عَلَيْهِ وَخَالَفَ مُحَمَّدٌ فِي الْمَحْجُورِ فَقَالَ لَا يُقْطَعُ وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُفَ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَالَ لِلْمَوْلَى وَأَطْلَقَ فِي الْقَطْعِ فَشَمِلَ مَا إذَا صَدَّقَهُ الْمَوْلَى وَكَذَّبَهُ، وَالْخِلَافُ فِيهِ فَقَطْ وَأَطْلَقَ فِي السَّرِقَةِ فَشَمِلَ الْقَائِمَةَ، وَالْمُسْتَهْلِكَةَ وَأَشَارَ بِالرَّدِّ الْمُقَيَّدِ لِبَقَائِهَا إلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً فَلَا ضَمَانَ وَيُقْطَعُ اتِّفَاقًا وَأَشَارَ بِالْقَطْعِ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ كَبِيرٌ إذْ لَا قَطْعَ إلَّا عَلَى مُكَلَّفٍ، فَإِذَا أَقَرَّ عَبْدٌ صَغِيرٌ بِسَرِقَةٍ فَلَا قَطْعَ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَأْذُونًا بِرَدِّ الْمَالِ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَإِنْ كَانَ هَالِكًا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى يُرَدُّ الْمَالُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ إنْ كَانَ قَائِمًا وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ هَالِكًا وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَ بِالْإِقْرَارِ لِيُفِيدَ أَنَّ السَّرِقَةَ لَوْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِالْأَوْلَى وَيُرَدُّ الْمَالُ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمَوْلَى عِنْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَأَمَّا حَضْرَتُهُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِالْحُدُودِ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ اتِّفَاقًا كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ (قَوْلُهُ لَا يَجْتَمِعُ قَطْعٌ وَضَمَانٌ وَتُرَدُّ الْعَيْنُ لَوْ قَائِمَةً) لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا غُرْمَ عَلَى السَّارِقِ بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَمِينُهُ» وَلِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يُنَافِي الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْنَدًا إلَى وَقْتِ الْأَخْذِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مِلْكِهِ فَيَنْتَفِي الْقَطْعُ وَمَا يُؤَدِّي إلَى انْتِفَائِهِ فَهُوَ الْمُنْتَفِي، أَوْ لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَبْقَى مَعْصُومًا حَقًّا لِلْعَبْدِ إذْ لَوْ بَقِيَ كَانَ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ فَيَنْتَفِي الْقَطْعُ لِلشُّبْهَةِ فَيَصِيرُ مُحَرَّمًا حَقًّا لِلشَّرْعِ كَالْمَيْتَةِ وَلَا ضَمَانَ فِيهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا هَلَكَتْ الْعَيْنُ أَوْ اسْتَهْلَكَهَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِهْلَاكُ قَبْلَ الْقَطْعِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَفَرَّقَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بَيْنَ الْهَلَاكِ، وَالِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ لَا يَظْهَرُ سُقُوطُهَا فِي حَقِّ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ آخَرُ غَيْرُ السَّرِقَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّهِ وَكَذَا الشُّبْهَةُ تُعْتَبَرُ فِيمَا هُوَ السَّبَبُ دُونَ ــ [منحة الخالق] وَإِلَّا فَهُوَ فِي يَدِهِ وَقَالَ فِي الشرنبلالية لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَهَبُ لِيُخَاصِمَ فَلْيُتَأَمَّلْ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَيْهَا وَالْكَلَامُ فِيمَا يَمْنَعُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُخَاصِمْ لَا يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَهَبْ لِاشْتِرَاطِ حُضُورِهِ عِنْدَ الْقَطْعِ كَمَا مَرَّ تَأَمَّلْ. [أَقَرَّا بِسَرِقَةٍ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا هُوَ مَالِي] (قَوْلُهُ: اقْتَصَرَ عَلَى الْمُقِرِّ، وَإِنْ أَنْكَرَ فُلَانٌ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِالْوَاوِ فِي وَإِنْ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ حَذْفُهَا وَعِبَارَةُ مِنَحِ الْغَفَّارِ إذَا أَنْكَرَ فُلَانٌ.

стр. 1643

غَيْرِهِ وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ أَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ إتْمَامُ الْمَقْصُودِ فَتُعْتَبَرُ الشُّبْهَةُ فِيهِ وَكَذَا يَظْهَرُ سُقُوطُ الْعِصْمَةِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ سُقُوطِهَا فِي حَقِّ الْهَلَاكِ لِانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ. وَفِي التَّبْيِينِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ السَّارِقَ يُفْتَى بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ لَمْ يُقْضَ بِهِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالْبَاغِي يُفْتَيَانِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَالْأَمْوَالِ، وَالدِّيَةِ فِي النُّفُوسِ وَفِي الْكَافِي هَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: أَنَا أَضْمَنُهُ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَنَا، وَإِنْ قَالَ أَنَا أَخْتَارُ الْقَطْعَ يُقْطَعُ وَلَا يَضْمَنُ. اهـ. لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى تَضَمَّنَ رُجُوعُهُ عَنْ دَعْوَى السَّرِقَةَ إلَى دَعْوَى الْمَالِ وَأَطْلَقَ فِي قِيَامِ الْعَيْنِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ السَّارِقُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهَا أَوْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا، فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَالْمَوْهُوبِ لَهُ بِلَا خِلَافٍ لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا وَفِي الْإِيضَاحِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ لِلسَّارِقِ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَكَذَا لَوْ خَاطَهُ قَمِيصًا لَا يَحِلُّ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ قُطِعَ السَّارِقُ ثُمَّ اسْتَهْلَكَ السَّرِقَةَ غَيْرُهُ لَمْ يَضْمَنْ لِأَحَدٍ، وَكَذَا لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ اهـ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قُطِعَ لِبَعْضِ السَّرِقَاتِ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا) يَعْنِي عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا يَضْمَنُ كُلَّهَا إلَّا الَّتِي قُطِعَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْ الْغَائِبِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْخُصُومَةِ لِتَظْهَرَ السَّرِقَةُ فَلَمَّا لَمْ تَظْهَرْ السَّرِقَةُ مِنْ الْغَائِبِينَ فَلَمْ يَقَعْ الْقَطْعُ لَهُمْ فَبَقِيَتْ أَمْوَالُهُمْ مَعْصُومَةً وَلَهُ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالْكُلِّ قَطْعٌ وَاحِدٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ عَلَى التَّدَاخُلِ، وَالْخُصُومَةُ شَرْطٌ لِلظُّهُورِ عِنْدَ الْقَاضِي أَمَّا الْوُجُوبُ بِالْجِنَايَةِ، وَإِذَا اسْتَوْفَى فَالْمُسْتَوْفَى كُلُّ الْوَاجِبِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَى الْكُلِّ فَيَقَعُ عَنْ الْكُلِّ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ كُلُّهَا لِوَاحِدٍ وَسَرَقَهَا مِنْهُ مِرَارًا فَخَاصَمَ فِي الْبَعْضِ وَلِذَا أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْكُلُّ لِوَاحِدٍ كَمَا شَمِلَ مَا إذَا كَانَ لِمُتَعَدِّدٍ وَحَضَرَ الْكُلُّ وَقَطَعَ بِالْبَعْضِ أَوْ حَضَرَ الْبَعْضُ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَلَوْ شَقَّ مَا سَرَقَهُ فِي الدَّارِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ قُطِعَ) كَمَا إذَا سَرَقَ ثَوْبًا فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَدَمُهُ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، فَإِنَّ الْخَرْقَ الْفَاحِشَ يُوجِبُ الْقِيمَةَ فَيَمْلِكُ الْمَضْمُونَ وَصَارَ كَالْمُشْتَرِي إذَا سَرَقَ مَبِيعًا فِيهِ خِيَارُ الْبَائِعِ وَلَهُمَا أَنَّ الْأَخْذَ وُضِعَ سَبَبًا لِلضَّمَانِ لَا لِلْمِلْكِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ ضَرُورَةً إذْ الضَّمَانُ كَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلَانِ فِي مِلْكٍ وَاحِدٍ وَنَفْسُهُ لَا يُورِثُ الشُّبْهَةَ كَنَفْسِ الْآخِذِ وَكَمَا إذَا سَرَقَ الْبَائِعُ مَبِيعًا بَاعَهُ بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وُضِعَ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ أَطْلَقَ الشَّقَّ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فَاحِشًا أَوْ يَسِيرًا لَكِنْ لَا خِلَافَ فِي الْقَطْعِ إذَا كَانَ يَسِيرًا لِعَدَمِ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَتَرْكِ الثَّوْب عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ النُّقْصَانَ مَعَ الْقَطْعِ وَكَذَا إذَا كَانَ الْخَرْقُ فَاحِشًا وَصَحَّحَ الْخَبَّازِيُّ عَدَمَ وُجُوبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْقَطْعِ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الضَّمَانَ تَبَعًا لِقَاضِي خَانْ وَقَالَ إنَّهُ الْحَقُّ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ بِالْخَرْقِ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَاحِشِ، وَالْيَسِيرِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَاحِشَ مَا يَفُوتُ بِهِ بَعْضُ الْعَيْنِ وَبَعْضُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْيَسِيرُ مَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بَلْ يَتَعَيَّبُ بِهِ فَقَطْ وَيُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفُ ﵀ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَطْعَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ وَأَخَذَ الثَّوْبَ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْقِيمَةِ وَتَرَكَ الثَّوْبَ عَلَيْهِ فَلَا قَطْعَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْأَخْذِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الِاخْتِيَارَ مُسْقِطٌ لِلْقَطْعِ بَعْدَ وُجُوبِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا وَهَبَهُ الْعَيْنَ بَلْ أَوْلَى لِاسْتِنَادِهِ وَاقْتِصَارِ الْهِبَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْوُجُوبِ. ثَانِيهِمَا: أَنَّ الشَّقَّ لَوْ كَانَ إتْلَافًا فَلَهُ تَضْمِينُ الْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ وَيَمْلِكُ السَّارِقُ ــ [منحة الخالق] [أَقَرَّ عَبْدٌ بِسَرِقَةٍ] (قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرَى مِنْهُ إلَخْ) قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَلَوْ أَوْدَعَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْأَصْلِ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ لَوْ ضَمِنَهُ صَاحِبُ الْمَالِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى السَّارِقِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَوْ ضَمِنَهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى السَّارِقِ فَلَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ وَاَلَّذِي يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْمُودِعُ وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُرْتَهِنُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ) أَيْ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَفِيهِ أَنَّ مُقْتَضَى مَا قَبْلَهُ عَدَمُ التَّضْمِينِ ثُمَّ رَأَيْت فِي النَّهْرِ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الْمُجْتَبَى فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْمُشْتَرِي وَفِي السِّرَاجِ لَوْ اسْتَهْلَكَهَا غَيْرُهُ بَعْدَ لَقْطِهِ كَانَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُسْتَهْلِكَ قِيمَتَهُ. اهـ. وَهَذَا بِالْقَوَاعِدِ أَلْيَقُ وَعَلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ اهـ. وَلَكِنْ عِبَارَةُ السِّرَاجِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي التَّسْوِيَةِ بَلْ ظَاهِرُهَا ذَلِكَ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُنْتَقَى قَطْعُ السَّارِقِ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ، وَقَدْ غَيَّبَهُ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ وَفِيهَا عَنْ الْمُحِيطِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى السَّارِقِ بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ وَفِيهَا عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَوْ قُطِعَ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ غَيْرُهُ كَانَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْعَيْنُ كُلُّهَا لِوَاحِدٍ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا النَّصْبُ بَدَلَ الْعَيْنِ وَهِيَ الصَّوَابُ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْقَوْلِ بِضَمَانِ الْعَيْنِ مِرَارًا عَلَى قَوْلِهِمَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعَيْنِ الْمُتَعَدِّدَةِ. [شَقَّ مَا سَرَقَهُ فِي الدَّارِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ] (قَوْلُهُ: وَنَفْسُهُ لَا يُورِثُ شُبْهَةً) الضَّمِيرُ فِي نَفْسِهِ يَعُودُ إلَى الشَّقِّ

стр. 1644

الثَّوْبَ وَلَا يُقْطَعُ وَحَدُّ الْإِتْلَافِ أَنْ يَنْقُصَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ قَطَعَ مَا لَمْ يَكُنْ إتْلَافًا لَكَانَ أَوْلَى وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الثَّوْبِ نِصَابًا بَعْدَ الشَّقِّ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَرَقَ شَاةً فَذَبَحَهَا فَأَخْرَجَهَا لَا) أَيْ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ تَمَّتْ عَلَى اللَّحْمِ وَلَا قَطْعَ فِيهِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا سَاوَتْ نِصَابًا بَعْدَ الذَّبْحِ وَقَيَّدَ بِعَدَمِ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَنَعَ الْمَسْرُوقُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ قُطِعَ وَرَدَّهَا) أَيْ لَوْ صَنَعَ السَّارِقُ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَا سَبِيلَ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَيْهَا وَأَصْلُهُ فِي الْغَصْبِ فَهَذِهِ صَنْعَةٌ مُتَقَوَّمَةٌ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ ثُمَّ وُجُوبُ الْقَطْعِ لَا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَقِيلَ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ وَقِيلَ يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالصَّنْعَةِ شَيْئًا آخَرَ فَلَمْ يَمْلِكْ عَيْنَهُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ صُنِعَ الْمَسْرُوقُ مِنْ النَّقْدِ آنِيَةً كَانَ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى وَقَيَّدَ بِالنَّقْدِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرَانِ جَعَلَهُ أَوَانِيَ، فَإِنْ كَانَ يُبَاعُ عَدَدًا فَهُوَ لِلسَّارِقِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ يُبَاعُ وَزْنًا فَهُوَ عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ فِي الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا تَكُونُ لِلسَّارِقِ بَعْدَ الْقَطْعِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ صَبَغَهُ أَحْمَرَ فَقُطِعَ لَا يُرَدُّ وَلَا يَضْمَنُ) بَيَانٌ لِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ الْأَوَّلُ وُجُوبُ الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ السَّارِقِ بِاعْتِبَارِ سَرِقَةِ الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْهُ أَبْيَضَ بِوَجْهٍ مَا، وَالْمَمْلُوكُ لِلسَّارِقِ إنَّمَا هُوَ الْمَصْبُوغُ فَصَارَ كَمَا إذَا سَرَقَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِالْحِنْطَةِ، وَإِنْ مَلَكَ الدَّقِيقَ الثَّانِي: عَدَمُ رَدِّهِ إلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ الثَّوْبُ وَيُعْطَى مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ اعْتِبَارًا لِلْغَصْبِ، وَالْجَامِعُ كَوْنُ الثَّوْبِ أَصْلًا قَائِمًا وَكَوْنُ الصَّبْغِ تَابِعًا وَلَهُمَا أَنَّ الصَّبْغَ قَائِمٌ صُورَةً وَمَعْنًى حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَخْذَهُ مَصْبُوغًا يَضْمَنُ مَا زَادَ الصَّبْغُ فِيهِ وَحَقُّ الْمَالِكِ فِي الثَّوْبِ قَائِمٌ صُورَةً لَا مَعْنًى أَلَا تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى السَّارِقِ بِالْهَلَاكِ وَهُوَ الْحُكْمُ الثَّالِثُ الَّذِي أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ وَلَا يَضْمَنُ أَيْ لَا يَرُدُّهُ حَالَ قِيَامِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ حَالَ اسْتِهْلَاكِهِ بِخِلَافِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ حَقَّ كُلِّ وَاحِدٍ قَائِمٌ صُورَةً وَمَعْنًى فَاسْتَوَيَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَرَجَّحْنَا جَانِبَ الْمَالِكِ لِمَا ذَكَرْنَا قَيَّدَ بِكَوْنِهِ صَبَغَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ بِدَلِيلِ فَاءِ التَّعْقِيبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَبَغَهُ بَعْدَ الْقَطْعِ يَرُدُّهُ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ بَعْدَ الْقَطْعِ لَا تُسْقِطُ الْقَطْعَ كَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَذَكَرَ فِي الْهِدَايَةِ الصَّبْغَ بَعْدَ الْقَطْعِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ سَرَقَ ثَوْبًا فَقُطِعَ فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الثَّوْبُ وَلَا يَضْمَنُ. اهـ. وَهُوَ مُفِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَبَغَهُ قَبْلُ لَا قَطْعَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ بِالْأَوْلَى وَكَلَامُ مُحَمَّدٍ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ سَرَقَ الثَّوْبَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، وَقَدْ صَبَغَ الثَّوْبَ أَحْمَرَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ الثَّوْبُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَسْوَدَ يُرَدُّ) أَيْ لَوْ صَبَغَهُ السَّارِقُ أَسْوَدَ يَرُدُّهُ عَلَى الْمَالِكِ يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ السَّوَادَ عِنْدَهُ زِيَادَةٌ كَالْحُمْرَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ زِيَادَةٌ أَيْضًا كَالْحُمْرَةِ لَكِنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَقُّ الْمَالِكِ لِمَا مَرَّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ السَّوَادُ نُقْصَانٌ فَلَا يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ قَالُوا: وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا حُجَّةٌ وَبُرْهَانٌ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا لَا يَلْبَسُونَ السَّوَادَ فِي زَمَنِهِ وَيَلْبَسُونَهُ فِي زَمَنِهِمَا وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ لَوْ سَرَقَ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ فَهُوَ مِثْلُ الِاخْتِلَافِ فِي الصَّبْغِ الْأَحْمَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (بَابُ قَطْعِ الطَّرِيقِ) . بَيَانٌ لِلسَّرِقَةِ الْكُبْرَى وَإِطْلَاقُ السَّرِقَةِ عَلَيْهِ مَجَازٌ وَلِذَا لَزِمَ التَّقْيِيدُ بِالْكُبْرَى قَالُوا: إنَّ الشَّرَائِطَ الْمُخْتَصَّةَ بِهَا ثَلَاثَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْمٍ لَهُمْ قُوَّةٌ وَشَوْكَةٌ أَوْ وَاحِدٌ كَذَلِكَ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي مِصْرٍ أَوْ مَا هُوَ بِمَنْزِلَتِهِ كَمَا بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ أَوْ الْقَرْيَتَيْنِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِ مَسِيرَةُ سَفَرٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ اعْتِبَارُ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ فَقَطْ فَيَتَحَقَّقُ فِي الْمِصْرِ لَيْلًا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِمَصْلَحَةِ ــ [منحة الخالق] عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْفَتْحِ. [سَرَقَ شَاةً فَذَبَحَهَا فَأَخْرَجَهَا] (قَوْلُهُ: وَكَلَامُ مُحَمَّدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَبَغَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ لَمْ يَرُدَّهُ تَأَمَّلْ لَكِنْ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ عِبَارَةَ الْهِدَايَةِ وَلَفْظُ مُحَمَّدٍ سَرَقَ الثَّوْبَ إلَخْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصْبُغَهُ قَبْلَ الْقَطْعِ أَوْ بَعْدَهُ. اهـ. وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ لَكِنْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ صَبَغَهُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فَمِنْ أَيْنَ يُفِيدُ كَوْنُ الصَّبْغِ بَعْدَ الْقَطْعِ تَأَمَّلْ عَلَى أَنَّ مَا عَزَاهُ إلَى الْهِدَايَةِ لَيْسَ عِبَارَتَهَا، فَإِنَّ عِبَارَةَ الْهِدَايَةِ هَكَذَا، فَإِنْ سَرَقَ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ ثُمَّ قُطِعَ إلَخْ. [بَابُ قَطْعِ الطَّرِيقِ]

стр. 1645

النَّاسِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَخَذَ قَاصِدُ قَطْعِ الطَّرِيقِ قَبْلَهُ حُبِسَ حَتَّى يَتُوبَ، وَإِنْ أَخَذَ مَالًا مَعْصُومًا وَمَا قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ، وَإِنْ قَتَلَ قُتِلَ حَدًّا، وَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ قُطِعَ وَقُتِلَ أَوْ صُلِبَ أَوْ قُتِلَ وَصُلِبَ) بَيَانٌ لِأَحْوَالِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فَبَيَّنَ أَنَّهَا أَرْبَعٌ الْأُولَى: لَوْ أُمْسِكَ بَعْدَمَا قَصَدَ قَطْعَ الطَّرِيقِ وَلَمْ يَقْطَعْهَا عَلَى أَحَدٍ وَحُكْمُهُ الْحَبْسُ حَتَّى يَتُوبَ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] فَالنَّفْيُ بِمَعْنَى الْحَبْسِ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ عُهِدَ عُقُوبَةً فِي الشَّرْعِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ التَّعْزِيرَ وَفِي الْهِدَايَةِ وَيُعَزَّرُونَ أَيْضًا لِمُبَاشَرَتِهِمْ مُنْكَرَ الْإِخَافَةِ اهـ. وَأَطْلَقَ فِي أَخْذِهِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ لَا وَلَمْ يُبَيِّنُوا بِمَاذَا يَتَحَقَّقُ قَصْدُهُ لِظُهُورِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِوُقُوفِهِ عَلَى الطَّرِيقِ لِإِخَافَةِ الْمَارِّينَ، وَأَمَّا قَطْعُ الطَّرِيقِ حَقِيقَةً فَبِالْقَتْلِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ وَأَنْ يَكُونَ بِالْإِضَافَةِ فَقَطْ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ عَائِدًا إلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ لَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ إنَّهَا تَرْجِعُ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ وَكَلَامُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِخَافَةِ قَطْعٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَالتَّوْبَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْقَلْبِ لَكِنْ لِحُصُولِهَا أَمَارَاتٌ ظَاهِرَةٌ فَصَحَّ أَنْ تَكُونَ غَايَةً لِلْحَبْسِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُؤْخَذَ بَعْدَمَا أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ النَّفْسَ وَحُكْمُهُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ مَعْصُومًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَخَرَجَ مَالُ الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نِصَابًا وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِلِاكْتِفَاءِ بِذِكْرِهِ فِي السَّرِقَةِ الصُّغْرَى فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَجْزِيَةَ مُتَوَزِّعَةٌ عَلَى الْأَحْوَالِ كَمَا عُلِمَ فِي الْأُصُولِ وَلَمَّا كَانَتْ جِنَايَتُهُ أَفْحَشَ مِنْ السَّرِقَةِ الصُّغْرَى كَانَتْ عُقُوبَتُهُ أَغْلَظَ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ خِلَافٍ لِئَلَّا تَفُوتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ وَلِذَا لَوْ كَانَتْ يَدُهُ مَقْطُوعَةً أَوْ شَلَّاءَ أَوْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى كَذَلِكَ لَا يُقْطَعُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُؤْخَذَ بَعْدَمَا قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَحُكْمُهُ أَنَّ الْإِمَامَ يَقْتُلُهُ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى لَا قِصَاصًا حَتَّى لَوْ عَفَا الْأَوْلِيَاءُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى عَفْوِهِمْ وَأَشَارَ بِكَوْنِهِ حَدًّا إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَتْلِ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْكُلِّ، وَالْآلَةِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِي مُقَابَلَةِ الْجِنَايَةِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِمُحَارَبَتِهِ وَلِذَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَيُقْتَلُ الْكُلُّ فِي الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ حَدًّا، الْقَاتِلُ وَالْمُعِينُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ الْقَتْلُ مِنْ أَحَدِهِمْ وَسَوَاءٌ قَتَلَهُمْ بِسَيْفٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِهَا وَيَصِيرُ كَالْجَمَاعَةِ قَتَلُوا وَاحِدًا بِهِ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِ أَبِي بُرْدَةَ. اهـ. الرَّابِعَةُ أَنْ يُؤْخَذَ، وَقَدْ قَتَلَ النَّفْسَ وَأَخَذَ الْمَالَ فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ: قَطْعُ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ، وَالْقَتْلُ، وَالصَّلْبُ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْقَتْلِ وَإِمَّا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الصَّلْبِ وَهَكَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَنَعَ مُحَمَّدٌ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُوجِبُ حَدَّيْنِ وَلِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ يَدْخُلُ فِي النَّفْسِ فِي بَابِ الْحَدِّ كَحَدِّ السَّرِقَةِ، وَالرَّجْمِ وَلَهُمَا أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَةٌ وَاحِدَةٌ تَغَلَّظَتْ لِتَغَلُّظِ سَبَبِهَا وَهُوَ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ عَلَى التَّنَاهِي بِالْقَتْلِ وَأَخْذُ الْمَالِ وَلِهَذَا كَانَ قَطْعُ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ مَعًا فِي الْكُبْرَى حَدًّا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ فِي الصُّغْرَى حَدَّيْنِ، وَالتَّدَاخُلُ فِي الْحُدُودِ لَا فِي حَدٍّ وَاحِدٍ ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الصَّلْبِ وَتَرْكِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ التَّشْهِيرُ لِيَعْتَبِرَ بِهِ غَيْرُهُ وَنَحْنُ نَقُولُ أَصْلُ التَّشْهِيرِ بِالْقَتْلِ، وَالْمُبَالَغَةِ بِالصَّلْبِ فَيُخَيَّرُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَيُصْلَبُ حَيًّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيُبْعَجُ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ حَتَّى ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ يَكُونُ بِالْإِضَافَةِ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَلَعَلَّ الصَّوَابَ وَيَكُونُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: لَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ إنَّهَا تَرْجِعُ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ) أَيْ لَهَا فِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الْمَذْكُورِ أَخْذُ الْمَالِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ تَبِعَ فِيهِ الْعَيْنِيَّ حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ مَا فِي الشَّرْحِ تَعَسُّفٌ بَلْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ وَدَفَعَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ الْإِخَافَةَ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَالْمَتْنِ وَعَلَى مَا ادَّعَاهُ الْعَيْنِيُّ لَا تَكُونُ الْإِخَافَةُ مِنْهُ أَصْلًا قَالَ وَلَمْ يَنْتَبِهْ فِي الْبَحْرِ إلَى هَذَا فَمَشَى مَعَ الْعَيْنِيِّ وَعَيَّنَ الشَّارِحُ الْبَحْرَ. اهـ. وَأَجَابَ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ عَنْ الْعَيْنِيِّ بِأَنَّ الْإِخَافَةَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ قَتْلُ النَّفْسِ وَأَخْذُ الْمَالِ صَحَّ جَعْلُ الضَّمِيرِ رَاجِعًا إلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ نَظَرًا إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَفِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ قَاصِدُ قَطْعِ الطَّرِيقِ إشَارَةً إلَيْهِ إذْ مُجَرَّدُ الْإِخَافَةِ لَيْسَ مِنْ مَقْصُودِهِ (قَوْلُهُ: فَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ) قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ فِيهِ إنَّ التَّخْيِيرَ يُنَافِي مَا قَدْ ذَكَرَهُ آنِفًا أَنَّ الْمُرَادَ التَّوْزِيعُ عَلَى الْأَحْوَالِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي التَّوْفِيقِ

стр. 1646

يَمُوتَ) تَشْهِيرًا لَهُ وَاسْتِعْجَالًا لِمَوْتِهِ وَمَعْنَى يُبْعَجُ يُشَقُّ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَالصَّلْبُ حَيًّا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ وَقَيَّدَ بِالثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصْلَبُ أَكْثَرَ مِنْهَا تَوَقِّيًا عَنْ تَأَذِّي النَّاسِ، فَإِذَا تَمَّ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ لِيَدْفِنُوهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُتْرَكُ عَلَى الْخَشَبَةِ حَتَّى يَتَقَطَّعَ فَيَسْقُطَ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَضْمَنْ مَا أَخَذَ) يَعْنِي بَعْدَمَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَمَا فِي السَّرِقَةِ الصُّغْرَى وَلَوْ قَالَ وَلَمْ يَضْمَنْ مَا فَعَلَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا قَتَلَ وَمَا جَرَحَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ الْمُبَاشِرِ كَالْمُبَاشِرِ) يَعْنِي فِي الْأَخْذِ، وَالْقَتْلِ حَتَّى تَجْرِيَ الْأَحْكَامُ عَلَى الْكُلِّ بِمُبَاشَرَةِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الْمُحَارَبَةِ وَهِيَ تَتَحَقَّقُ بِأَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ رَدًّا لِلْبَعْضِ حَتَّى إذَا زَالَتْ أَقْدَامُهُمْ انْحَازُوا إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ الْقَتْلُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ تَحَقَّقَ (قَوْلُهُ:، وَالْعَصَا، وَالْحَجَرُ كَالسَّيْفِ) ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ قَطْعًا لِلطَّرِيقِ بِقَطْعِ الْمَارَّةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَخَذَ مَالًا وَجَرَحَ قُطِعَ وَبَطَلَ الْجَرْحُ) بَيَانٌ لِلْحَالَةِ الْخَامِسَةِ لَهُمْ وَهِيَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَالَ وَيَجْرَحَ إنْسَانًا فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ لِأَجْلِ الْجَرْحِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْحَدُّ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى سَقَطَتْ عِصْمَةُ النَّفْسِ حَقًّا لِلْعَبْدِ كَمَا تَسْقُطُ عِصْمَةُ الْمَالِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ جَرَحَ فَقَطْ أَوْ قَتَلَ فَتَابَ أَوْ كَانَ بَعْضُ الْقُطَّاعِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ أَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْقَافِلَةِ عَلَى الْبَعْضِ أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِمِصْرٍ أَوْ بَيْنَ مِصْرَيْنِ لَمْ يُحَدُّ فَأَقَادَ الْوَلِيُّ أَوْ عَفَا) بَيَانُ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَهِيَ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى: لَوْ جَرَحَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا فَلِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ فَيَظْهَرُ حَقُّ الْعَبْدِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ وَأُخِذَ الْأَرْشُ مِنْهُ مِمَّا فِيهِ الْأَرْشُ وَذَلِكَ إلَى الْأَوْلِيَاءِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْمَجْرُوحِ لَا لِوَلِيِّهِ، فَإِنْ أَفْضَى الْجُرْحُ إلَى الْقَتْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ وَلَمَّا كَانَ أَخْذُ الْمَالِ الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ هُنَا هُوَ النِّصَابَ كَأَنْ أَخَذَ مَا دُونَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، فَإِذَا أَخَذَ مَا دُونَ النِّصَابِ وَجَرَحَ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: وَإِنْ جَرَحَ فَقَطْ وَكَذَا إذَا أَخَذَ مَالًا يُقْطَعُ فِيهِ كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي يَتَسَارَعُ إلَيْهَا الْفَسَادُ قَالَ الشَّارِحُ: وَلَوْ كَانَ مَعَ هَذَا الْأَخْذِ قَتْلٌ لَا يَجِبُ الْحَدُّ أَيْضًا وَهِيَ طَعْنُ عِيسَى، فَإِنَّهُ قَالَ: الْقَتْلُ وَحْدَهُ يُوجِبُ الْحَدَّ فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ مَعَ الزِّيَادَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ قَصْدَهُمْ الْمَالَ غَالِبًا فَيُنْظَرُ إلَيْهِ لَا غَيْرُ بِخِلَافِ مَا إذَا اقْتَصَرُوا عَلَى الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ مَقْصِدَهُمْ الْقَتْلُ دُونَ الْمَالِ فَيُحَدُّونَ فَعُدَّتْ هَذِهِ مِنْ الْغَرَائِبِ وَأُمِرَ بِحِفْظِهَا فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ وَعَدَّهَا مِنْ أَعْجَبِ الْمَسَائِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ ازْدِيَادَ الْجِنَايَةِ أَوْرَثَ الْخِفَّةَ الثَّانِيَةَ لَوْ قَتَلَ فَتَابَ قَبْلَ الْأَخْذِ لَا حَدَّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْجِنَايَةَ لَا تُقَامُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ أَوْ لِأَنَّ التَّوْبَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى رَدِّ الْمَالِ وَلَا قَطْعَ فِي مِثْلِهِ فَظَهَرَ حَقُّ الْعَبْدِ فِي النَّفْسِ، وَالْمَالِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ أَوْ يَعْفُوَ وَيَجِبُ الضَّمَانُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمُخْتَصِّ بِالْقَتْلِ لِيُعْلَمَ حُكْمُ أَخْذِ الْمَالِ بِالْأَوْلَى وَفِي الْمَبْسُوطِ، وَالْمُحِيطِ رَدُّ الْمَالِ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِمْ لِتَنْقَطِعَ خُصُومَةُ صَاحِبِهِ وَلَوْ تَابَ وَلَمْ يَرُدَّ الْمَالَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ كَسَائِرِ الْحُدُودِ وَلَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَقِيلَ يَسْقُطُ أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ. الثَّالِثَةُ، وَالرَّابِعَةُ: لَوْ كَانَ بَعْضُ الْقُطَّاعِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَطْعَ يَسْقُطُ عَنْ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَامَتْ بِالْكُلِّ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ فِعْلُ بَعْضِهِمْ مُوجِبًا كَانْ فِعْلُ الْبَاقِينَ بَعْضَ الْعِلَّةِ وَبِهِ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ وَلَمْ يَضْمَنْ مَا فَعَلَ لَكَانَ أَوْلَى) أَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ قَتْلَهُ بِمُقَابَلَةِ قَتْلِ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ وَجَرْحِهَا رُبَّمَا تُوُهِّمَ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ تَرِكَتِهِ إذْ لَمْ يُقَابَلْ بِشَيْءٍ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ قَالَ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ يُرَادُ بِالْأَوْلِيَاءِ مَا يَشْمَلُ الْمَجْرُوحَ فَهُوَ وَلِيُّ نَفْسِهِ إنْ كَانَ أَهْلًا وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ وَنَحْوُهُ. اهـ. (قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ) أَيْ وَيَصِيرُ كَمَا لَوْ قَتَلَ فَقَطْ وَهِيَ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ (قَوْلُهُ: فَجَوَابُهُ أَنَّ قَصْدَهُمْ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذَا أَقُولُ: وَيُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ إذَا كَانَ قَصْدُهُمْ الْقَتْلَ لَمْ يَكُونُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ أَنَّهُمْ يُحَدُّونَ بِالْقَتْلِ وَحْدَهُ وَإِذَا فُرِضَ أَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمَالِ قَلِيلٌ أَوْ تَافِهٌ صَارَ كَالْمَعْدُومِ فَكَأَنَّهُمْ قَتَلُوا فَقَطْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَدُّوا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَتْلَ إذَا انْفَرَدَ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِالْحَدِّ فَعَلِمْنَا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ قَتْلَهُمْ سَبَبًا لِلْمَالِ حُكْمًا وَإِذَا كَانَ مَعَهُ أَخْذُ مَالٍ نُظِرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا مُنِعَ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُمْنَعْ اهـ. (قَوْلُهُ: حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ) قَالَ فِي الْفَتْحِ وَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَتَلَ بِحَدِيدٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَجِبُ إلَّا بِهِ وَنَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ

стр. 1647

لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فَصَارَ كَالْخَاطِئِ مَعَ الْعَامِدِ أَطْلَقَ فِي ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فَشَمِلَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَاحِدَةٌ فَالِامْتِنَاعُ فِي حَقِّ الْبَعْضِ يُوجِبُ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهِمْ مُسْتَأْمَنٌ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي حَقِّهِ لِخَلَلٍ فِي الْعِصْمَةِ وَهُوَ يَخُصُّهُ أَمَّا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِخَلَلٍ فِي الْحِرْزِ، وَالْقَافِلَةُ حِرْزٌ وَاحِدٌ، وَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ صَارَ الْقَتْلُ إلَى الْأَوْلِيَاءِ لِظُهُورِ حَقِّ الْعَبْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا وَأَشَارَ بِذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ إلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ شَرِيكٌ مُفَاوِضٌ لِبَعْضِ الْقُطَّاعِ لَا يُحَدُّونَ كَذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَفِي الْمَبْسُوطِ تَابُوا وَفِيهِمْ عَبْدٌ قَطَعَ يَدَ حُرٍّ دَفَعَهُ مَوْلَاهُ أَوْ فَدَاهُ كَمَا فَعَلَهُ فِي غَيْرِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الْعَبِيدِ، وَالْأَحْرَارِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَيَبْقَى حُكْمُ الدَّفْعِ، وَالْفِدَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِمْ امْرَأَةٌ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا دِيَةُ الْيَدِ فِي مَالِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ فِي الْأَطْرَافِ، وَالْوَاقِعُ مِنْهَا عَمْدًا لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ الْخَامِسَةُ لَوْ قَطَعَ بَعْضُ الْقَافِلَةِ عَلَى الْبَعْضِ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الْحِرْزَ وَاحِدٌ فَصَارَتْ الْقَافِلَةُ كَدَارٍ وَاحِدَةٍ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إنْ قَتَلَ عَمْدًا بِحَدِيدَةٍ أَوْ بِمُثْقَلٍ عِنْدَهُمَا وَرَدَّ الْمَالَ إنْ أَخَذَهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي يَدِهِ وَضَمَانُهُ إنْ هَلَكَ أَوْ اُسْتُهْلِكَ. السَّادِسَةُ: لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ بِمِصْرٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ بَيْنَ مِصْرَيْنِ فَلَيْسَ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِوُجُودِهِ حَقِيقَةً وَقَدَّمْنَا الْمُفْتَى بِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ خَنَقَ فِي الْمِصْرِ غَيْرَ مَرَّةٍ قُتِلَ بِهِ) أَيْ مِرَارًا كَذَا فِي شَرْحِ مِسْكِينٍ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سَاعِيًا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فَيُدْفَعُ شَرُّهُ بِالْقَتْلِ، وَالْخَنْقُ عَصْرُ الْحَلْقِ قَيَّدَ بِتَعَدُّدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَنَقَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا قَتْلَ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهِيَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ وَصَرَّحَ الشَّارِحُ بِأَنَّ الْقَتْلَ عِنْدَ التَّكْرَارِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ السِّيَاسَةِ وَمِنْهَا مَا حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّرِقَةُ إذَا أَنْكَرَ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهِ بِأَكْبَرِ رَأْيِهِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَارِقٌ وَأَنَّ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ عِنْدَهُ عَاقَبَهُ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ رَآهُ الْإِمَامُ جَالِسًا مَعَ الْفُسَّاقِ فِي مَجْلِسِ الشَّرَابِ وَكَمَا لَوْ رَآهُ يَمْشِي مَعَ السُّرَّاقِ وَبِغَلَبَةِ الظَّنِّ أَجَازُوا قَتْلَ النَّفْسِ كَمَا إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ شَاهِرٌ سَيْفَهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ وَحُكِيَ عَنْ عِصَامِ بْنِ يُوسُفَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ بَلْخٍ فَأُتِيَ بِسَارِقٍ فَأَنْكَرَ السَّرِقَةَ فَقَالَ الْأَمِيرُ لِعِصَامٍ مَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَقَالَ عَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ فَقَالَ الْأَمِيرُ هَاتُوا بِالسَّوْطِ فَمَا ضُرِبَ عَشْرَةً حَتَّى أَقَرَّ وَأَحْضَرَ السَّرِقَةَ فَقَالَ عِصَامٌ مَا رَأَيْت جَوْرًا أَشْبَهَ بِالْعَدْلِ مِنْ هَذَا. اهـ. وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى آخَرَ بِسَرِقَةٍ كَانَ عَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ وَعَلَى السَّارِقِ الْيَمِينُ، وَالضَّرْبُ خِلَافُ الشَّرْعِ فَلَا يُفْتَى بِهِ؛ لِأَنَّ فَتْوَى الْمُفْتِي يَجِبُ أَنْ يُطَابِقَ الشَّرْعَ لِصٌّ هُوَ مَعْرُوفٌ بِالسَّرِقَةِ وَجَدَهُ رَجُلٌ يَذْهَبُ فِي حَاجَتِهِ غَيْرَ مَشْغُولٍ بِالسَّرِقَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَتُوبَ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ لِلزَّجْرِ لِتَوْبَتِهِ مَشْرُوعٌ رَجُلٌ اسْتَقْبَلَهُ اللُّصُوصُ وَمَعَهُ مَالٌ لَا يُسَاوِي عَشْرَةً حَلَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ لِقَوْلِهِ ﵇ «قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ» وَاسْمُ الْمَالِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ اللِّصُّ إذَا دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ وَأَخَذَ الْمَتَاعَ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ مَا دَامَ الْمَتَاعُ مَعَهُ لِقَوْلِهِ ﵇ «قَاتِلْ دُونَ مَالِك» ، فَإِنْ رَمَى بِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ اهـ. وَفِي الذَّخِيرَةِ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ سَرِقَةً وَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَطَلَبَ مِنْ السُّلْطَانِ أَنْ يَضْرِبَهُ فَضَرَبَهُ السُّلْطَانُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أُعِيدَ إلَى السِّجْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَذِّبَهُ فَخَافَ الْمَحْبُوسُ مِنْ التَّعْذِيبِ، وَالضَّرْبِ فَصَعِدَ السَّطْحَ لِيَفِرَّ فَسَقَطَ مِنْ السَّطْحِ وَمَاتَ، وَقَدْ لَحِقَهُ غَرَامَةٌ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَقَدْ ظَهَرَتْ السَّرِقَةُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ آخَرَ كَانَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوا صَاحِبَ السَّرِقَةِ بِدِيَةِ أَبِيهِمْ وَبِالْغَرَامَةِ الَّتِي أَدَّاهَا إلَى السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ حَصَلَ بِتَسْبِيبِهِ وَهُوَ مُتَعَدٍّ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: أَيْ مِرَارًا) قَالَ أَبُو السُّعُودِ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ أَرَادَ مَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا وَالْقَرِينَةُ عَلَى هَذِهِ الْإِرَادَةِ مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَنَقَ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى قَتَلَهُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً

стр. 1648

فِي هَذَا التَّسْبِيبِ هَكَذَا ذَكَرَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ قِيلَ هَذَا الْجَوَابُ مُسْتَقِيمٌ فِي حَقِّ الْغَرَامَةِ أَصْلُهُ مَسْأَلَةُ السِّعَايَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فِي حَقِّ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ صَعِدَ السَّطْحَ بِاخْتِيَارِهِ وَقِيلَ هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي حَقِّ الدِّيَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى الصُّعُودِ لِلْفِرَارِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الْفِرَارَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ التَّعْذِيبِ. اهـ. وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ مَشَايِخِنَا تَعْرِيفَ السِّيَاسَةِ قَالَ الْمَقْرِيزِيُّ فِي الْخُطَطِ يُقَالُ سَاسَ الْأَمْرَ سِيَاسَةً بِمَعْنَى قَامَ بِهِ وَهُوَ سَائِسٌ مِنْ قَوْلِهِمْ سَاسَهُ وَسَوَّسَهُ الْقَوْمُ جَعَلُوهُ يَسُوسُهُمْ، وَالسَّوْسُ الطَّبْعُ، وَالْخُلُقُ يُقَالُ الْفَصَاحَةُ مِنْ سَوْسِهِ، وَالْكَرَمُ مِنْ سَوْسِهِ أَيْ مِنْ طَبْعِهِ فَهَذَا أَصْلُ وَضْعِ السِّيَاسَةِ فِي اللُّغَةِ ثُمَّ رُسِمَتْ بِأَنَّهَا الْقَانُونُ الْمَوْضُوعُ لِرِعَايَةِ الْآدَابِ، وَالْمَصَالِحِ وَانْتِظَامِ الْأَمْوَالِ، وَالسِّيَاسَةُ نَوْعَانِ سِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ تُخْرِجُ الْحَقَّ مِنْ الظَّالِمِ الْفَاجِرِ فَهِيَ مِنْ الشَّرِيعَةِ عِلْمُهَا مِنْ عِلْمِهَا وَجَهْلُهَا مِنْ جَهْلِهَا، وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ كُتُبًا مُتَعَدِّدَةً، وَالنَّوْعُ الْآخَرُ سِيَاسَةٌ ظَالِمَةٌ فَالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُهَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي عِنْدَ ذِكْرِ جُيُوشِ الدَّوْلَةِ التُّرْكِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (كِتَابُ السِّيَرِ) مُنَاسَبَتُهُ لِلْحُدُودِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا إخْلَاءُ الْعَالَمِ عَنْ الْفَسَادِ فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنًا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَقَدَّمَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مُعَامَلَةٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْجِهَادُ مُعَامَلَةٌ مَعَ الْكُفَّارِ وَهَذَا الْكِتَابُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسِّيَرِ، وَالْجِهَادِ، وَالْمَغَازِي فَالسِّيَرُ جَمْعُ سِيرَةٍ وَهِيَ فُعَّلَةٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ مِنْ السَّيْرِ فَتَكُونُ لِبَيَانِ هَيْئَةِ السَّيْرِ وَحَالَتِهِ إلَّا أَنَّهَا غَلَبَتْ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ عَلَى أُمُورِ الْمَغَازِي وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَالْمَنَاسِكِ عَلَى أُمُورِ الْحَجِّ وَقَالُوا: السِّيَرُ الْكَبِيرُ فَوَصَفُوهَا بِصِفَةِ الْمُذَكَّرِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُضَافِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ كَقَوْلِهِمْ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَسِيَرُ الْكَبِيرِ خَطًّا كَجَامِعِ الصَّغِيرِ وَجَامِعُ الْكَبِيرِ وَالْجِهَادُ هُوَ الدُّعَاءُ إلَى الدِّينِ الْحَقِّ، وَالْقِتَالُ مَعَ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْقَبُولِ بِالنَّفْسِ، وَالْمَالِ، وَالْمَغَازِي جَمْعُ الْمَغْزَاةِ مِنْ غَزَوْت الْعَدُوَّ وَقَصَدْته لِلْقِتَالِ غَزْوًا وَهِيَ الْغَزْوَةُ، وَالْغُزَاةُ، وَالْمَغْزَاةُ وَسَبَبُ الْجِهَادِ عِنْدَنَا كَوْنُهُمْ حَرْبًا عَلَيْنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ كُفْرُهُمْ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ: الْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ابْتِدَاء) مُفِيدٌ لِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ الْأَوَّلُ كَوْنُهُ فَرْضًا وَدَلِيلُهُ الْأَوَامِرُ الْقَطْعِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا عُمُومَاتٌ مَخْصُوصَةٌ، وَالْمَخْصُوصُ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ وَبِهِ لَا يَثْبُتُ الْفَرْضُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ خُرُوجَ الصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ مِنْهَا بِالْعَقْلِ لَا يُصَيِّرُهُ ظَنًّا، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَنَفْسُ النَّصِّ ابْتِدَاءً لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ بِحَيْثُ يُحَارَبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] الْآيَةَ فَلَمْ تَدْخُلُ الْمَرْأَةُ وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهِ فَظَنِّيَّةٌ لَا تُفِيدُ الِافْتِرَاضَ وَقَوْلُ صَاحِبِ الْإِيضَاحِ إذَا تَأَيَّدَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِالْكِتَابِ، وَالْإِجْمَاعِ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمُفِيدُ حِينَئِذٍ الْكِتَابُ، وَالْإِجْمَاعُ وَجَاءَ الْخَبَرُ عَلَى وَفْقِهِمَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇ «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَدَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ وَأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ وَهُوَ مِنْ مَضَى فِي الْأَرْضِ مَضَاءً نَفَذَ. الثَّانِي: كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَا فُرِضَ لَعَيْنِهِ إذْ هُوَ إفْسَادٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا فُرِضَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ، وَالْأَدِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ، وَإِنْ كَانَتْ تُفِيدُ فَرْضَ الْعَيْنِ لَكِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] وَعَدَ الْقَاعِدِينَ الْحُسْنَى فَلَوْ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ لَاسْتَحَقُّوا الْإِثْمَ، وَقَدْ صَحَّ خُرُوجُهُ ﵇ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ وَقُعُودُهُ فِي الْبَعْضِ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ جَوَازِ الْقُعُودِ إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا أَنَّهُ تَطَوُّعٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ مَشَايِخِنَا تَعْرِيفَ السِّيَاسَةِ) ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ حَدِّ الزِّنَا قُبَيْلَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَالْمَرِيضُ يُرْجَمُ وَلَا يُجْلَدُ مَا نَصُّهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ السِّيَاسَةَ هِيَ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ الْحَاكِمِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ الْفِعْلِ دَلِيلٌ جُزْئِيٌّ. اهـ. . [كِتَابُ السِّيَرِ]

стр. 1649

كِفَايَةٍ فِيهَا وَلَيْسَ بِتَطَوُّعٍ أَصْلًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة هَذَا وَفَضْلُهُ عَظِيمٌ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْحِرَاسَةُ بِاللَّيْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمِنْ تَوَابِعِ الْجِهَادِ الرِّبَاطُ وَهُوَ الْإِقَامَةُ فِي مَكَان يُتَوَقَّعُ هُجُومُ الْعَدُوِّ فِيهِ لِقَصْدِ دَفْعِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَحَلِّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ مَكَان، وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إسْلَامٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّجْنِيسِ الثَّالِثُ افْتِرَاضُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْدَؤُنَا لِلْعُمُومَاتِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَمَنْسُوخٌ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ، وَتَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مَنْسُوخٌ بِالْعُمُومَاتِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ عَنْ الْكُلِّ وَإِلَّا أَثِمُوا بِتَرْكِهِ) بَيَانٌ لِحُكْمِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْلُوَ ثَغْرُ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُقَاوِمُ الْأَعْدَاءَ، فَإِنَّ ضَعُفَ أَهْلُ الثَّغْرِ مِنْ الْمُقَاوَمَةِ وَخِيفَ عَلَيْهِمْ فَعَلَى مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَالسِّلَاحِ، وَالْكُرَاعِ لِيَكُونَ الْجِهَادُ قَائِمًا، وَالدُّعَاءُ إلَى الْإِسْلَامِ دَائِمًا (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ وَأَقْطَعَ) ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَكَذَا الْمَجْنُونُ، وَالْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ مَشْغُولَانِ بِحَقِّ الزَّوْجِ، وَالْمَوْلَى وَحَقُّهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَالْأَعْمَى وَنَحْوُهُ عَاجِزُونَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧] أَطْلَقَ فِي الْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدِ وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِعَدَمِ الْإِذْنِ أَمَّا لَوْ أَمَرَ السَّيِّدُ، وَالزَّوْجُ الْعَبْدَ، وَالْمَرْأَةَ بِالْقِتَالِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَلَا نَقُولُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْمَوْلَى، وَالزَّوْجِ حَتَّى إذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي غَيْرِ النَّفِيرِ الْعَامِّ يَأْثَمُ؛ لِأَنَّ طَاعَتَهُمَا الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِمَا فِي غَيْرِ مَا فِيهِ الْمُخَاطَرَةُ بِالرُّوحِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ لِخِطَابِ الرَّبِّ ﷻ بِذَلِكَ، وَالْغَرَضُ انْتِفَاؤُهُ عَنْهُمْ قَبْلَ النَّفِيرِ الْعَامِّ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا طَاعَةُ الزَّوْجِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ خُصُوصًا إذَا كَانَ فِي أَمْرِهِ إضْرَارٌ بِهَا، فَإِنَّهَا تَأْثَمُ عَلَى تَقْدِيرِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَتَرَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ الْجِهَادَ نَعَمْ هُوَ فِي الْعَبْدِ ظَاهِرٌ لِعُمُومِ وُجُوبِ الطَّاعَةِ عَلَيْهِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَيَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَأْذَنَ لِلصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ إذَا طَاقَ الْقِتَالَ بِالْخُرُوجِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْقَتْلَ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ تَهْذِيبُهُ لَا إتْلَافُهُ فَهُوَ كَتَعْلِيمِهِ السِّبَاحَةَ وَكَخَتْنِهِ وَقَيَّدَهُ رُكْنُ الْإِسْلَامِ السُّغْدِيُّ بِأَنْ لَا يَخَافَ عَلَيْهِ نَحْوُ أَنْ يَرْمِيَ بِالْحَجَرِ فَوْقَ الْحِصْنِ أَوْ بِالنُّشَّابِ أَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ يَخْرُجُ لِلْبِرَازِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ. اهـ. وَأَشَارَ بِالْمَرْأَةِ، وَالْعَبْدِ إلَى أَنَّ الْمَدْيُونَ لَا يَخْرُجُ إلَى الْجِهَادِ مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَفَاءٌ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَرِيمِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَالِ كَفِيلٌ كَفَلَ بِإِذْنِهِ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَإِنْ كَفَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الطَّالِبِ خَاصَّةً كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْكَفِيلِ إذَا تَعَذَّرَ ــ [منحة الخالق] [وَلَا يَجِبُ الْجِهَاد عَلَى صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَأَعْمَى وَمُقْعَدٍ وَأَقْطَعَ] (قَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ كَلَامَ الْمُحَقِّقِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَيْهَا بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِأَمْرِ الزَّوْجِ وَأَمْرُ الزَّوْجِ لَهَا إذْنٌ وَفَكُّ الْحَجْرِ. اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْوُجُوبُ فِي الْمَرْأَةِ عَلَى مَا فِيهِ بِمَا إذَا كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ يَذْهَبُ مَعَهَا لِلْجِهَادِ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمَحْرَمِ لَهَا فِي الْحَجِّ وَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ. اهـ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ عَلَى مَا فِيهِ إلَى مَا فِي الْهِدَايَةِ فِي فَصْلِ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ حَيْثُ عَلَّلَ عَدَمَ الرَّضْخِ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ بِعَجْزِهِمَا عَنْ الْجِهَادِ ثُمَّ قَالَ وَلِهَذَا أَيْ لِعَجْزِهِمَا عَنْ الْجِهَادِ لَمْ يَلْحَقْهُمَا فَرْضُهُ أَيْ فَرْضُ الْجِهَادِ ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ الرَّضْخِ لِلْعَبْدِ بِأَنَّهُ لَا يُمَكِّنُهُ الْمَوْلَى مِنْ الْجِهَادِ وَأَنَّ لَهُ مَنْعَهُ قَالَ أَبُو السُّعُودِ فَمَا فِي النَّهْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا يَفْتَرِضُ عَلَيْهَا كِفَايَةً لَيْسَ بِظَاهِرٍ. اهـ. قُلْت وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْقُهُسْتَانِيِّ حَيْثُ قَالَ فِيمَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَامْرَأَةٌ حُرَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ قَرْنِهَا إلَى قَدَمِهَا عَوْرَةٌ وَفِي الْجِهَادِ قَدْ يَنْكَشِفُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ فَلَا يَخْتَصُّ بِالزَّوْجَةِ كَمَا ظُنَّ اهـ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ مُسَلَّمٌ فِي الْعَبْدِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا وُجُوبَ عَلَيْهَا قَبْلَ النَّفِيرِ الْعَامِّ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ صَرِيحُ النَّقْلِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: عَلَّلَ فِي الْخَانِيَّةِ مَا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْمَدْيُونِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ إلَّا بِإِذْنِ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ حَقًّا بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ إلَيْهِ إذَا طُلِبَ مِنْهُ، وَقَدْ يَذْهَبُ إلَى مَكَان بَعِيدٍ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ يَلْزَمُهُ السَّفَرُ إلَيْهِ فَيَحْصُلُ لَهُ الضَّرَرُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْكَفِيلَ بِالنَّفْسِ مَنَعَهُ مِنْ السَّفَرِ قَالَ فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ مَالًا بِأَمْرِهِ أَوْ بِنَفْسِهِ فَأَرَادَ الْخَصْمُ أَنْ يُسَافِرَ فَمَنَعَهُ الْكَفِيلُ قَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ ضَمَانُهُ إلَى أَجَلٍ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَى أَجَلٍ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يُخَلِّصَهُ مِنْهُ إمَّا بِأَدَاءِ الْمَالِ أَوْ بِبَرَاءَةٍ مِنْهُ وَفِي كَفَالَةِ النَّفْسِ بِرَدِّ النَّفْسِ اهـ. ١ -

стр. 1650

إحْضَارُهُ عَلَيْهِ وَفِي الذَّخِيرَةِ إنْ أَذِنَ لَهُ الدَّائِنُ وَلَمْ يُبَرِّئْهُ فَالْمُحْتَسِبُ لَهُ الْإِقَامَةُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِمَا هُوَ الْأَوْجَبُ، فَإِنْ غَزَا فَلَا بَأْسَ وَهَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَهُوَ يَعْلَمُ بِطَرِيقِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ فَالْأَفْضَلُ الْإِقَامَةُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنْ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنٍ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِقَضَائِهِ. اهـ. وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَى الْجِهَادِ إلَّا بِإِذْنِ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْآخَرُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَهُمَا فِي سَعَةٍ مِنْ أَنْ يَمْنَعَاهُ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةٌ؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ حَقِّهِمَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَكَانَ مُرَاعَاةُ فَرْضِ الْعَيْنِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ وَلَهُ جَدَّانِ أَوْ جَدَّتَانِ فَأَذِنَ لَهُ أَبٌ الْأَبِ وَأُمُّ الْأُمِّ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْآخَرَانِ فَلَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ أَبَ الْأَبِ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ وَأُمَّ الْأُمِّ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْأُمِّ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ الْأَبَوَيْنِ، وَأَمَّا سَفَرُ التِّجَارَةِ، وَالْحَجِّ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ، وَالِدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَوْفُ هَلَاكِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ لَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا ثُمَّ إنَّمَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِلتِّجَارَةِ إذَا كَانَا مُسْتَغْنِيَيْنِ عَنْ خِدْمَتِهِ أَمَّا إذَا كَانَ مُحْتَاجَيْنِ فَلَا كَذَا فِي التَّجْنِيسِ. وَتَعْبِيرُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِالْحُرْمَةِ تَسَامُحٌ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ الْكَرَاهَةُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ دَلَّتْ الْعِلَّةُ عَلَى الْتِحَاقِ الْخُرُوجِ إلَى الْعِلْمِ بِالْحَجِّ، وَالتِّجَارَةِ وَلِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَى التِّجَارَةِ لَمَّا جَازَ لَأَنْ يَجُوزَ لِلْعِلْمِ أَوْلَى. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ أَبَوَاهُ مُسْلِمَيْنِ، وَأَمَّا إذَا كَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَكَرِهَا خُرُوجَهُ إلَى الْجِهَادِ أَوْ كَرِهَ الْكَافِرُ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى، فَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَا يَلْحَقُهُمَا مِنْ التَّفْجِيعِ، وَالْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ مِنْ الْقَتْلِ لَا يَخْرُجُ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ كَرَاهَةِ قِتَالِ الْكُفَّارِ يَخْرُجُ، فَإِنْ شَكَّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْرُجَ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِيهَا أَنَّ مَنْ سِوَى الْأُصُولِ إذَا كَرِهُوا أَخْرَجُوهُ لِلْجِهَادِ، فَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِمْ الضَّيَاعَ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَأَلَّا يَخْرُجَ وَكَذَا امْرَأَتُهُ اهـ. وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ وَدَائِعُ وَأَرْبَابُهَا غُيَّبٌ، فَإِنْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ أَنْ يَدْفَعَ الْوَدَائِعَ إلَى أَرْبَابِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِهَادِ، وَالْعَالِمُ الَّذِي لَيْسَ فِي الْبَلْدَةِ أَحَدٌ أَفْقَهَ مِنْهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْزُوَ لِمَا يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّيَاعِ. (قَوْلُهُ: وَفَرْضُ عَيْنٍ إنْ هَجَمَ الْعَدُوُّ فَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ، وَالْعَبْدُ بِلَا إذْنِ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ عِنْدَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِقَامَةِ الْكُلُّ فَيَفْتَرِضُ عَلَى الْكُلِّ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا يَظْهَرُ مِلْكُ الْيَمِينِ وَرِقُّ النِّكَاحِ فِي حَقِّهِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِغَيْرِهِمَا مُقْنِعًا وَلَا ضَرُورَةَ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمَوْلَى، وَالزَّوْجِ وَأَفَادَ خُرُوجَ الْوَلَدِ بِغَيْرِ إذْنِ، وَالِدَيْهِ بِالْأَوْلَى وَكَذَا الْغَرِيمُ يَخْرُجُ إذَا صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ بِغَيْرِ إذْنِ دَائِنِهِ وَأَنَّ الزَّوْجَ، وَالْمَوْلَى إذَا مَنَعَا أَثِمَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدٍ آخَرَ وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ فِي كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ فَخَرَجَ الْمَرِيضُ الْمُدْنَفُ أَمَّا الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ دُونَ الدَّفْعِ يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إرْهَابًا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَالْهُجُومُ الْإِتْيَانُ بَغْتَةً، وَالدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَالْمُرَادُ هُجُومُهُ عَلَى بَلْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلِهَا كِفَايَةٌ وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِمَّنْ يَقْرُبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَقْرُبُ كِفَايَةً أَوْ تَكَاسَلُوا وَعَصَوْا وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ شَرْقًا وَغَرْبًا كَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَجِبُ أَوَّلًا عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا عَجْزًا وَجَبَ عَلَى مَنْ بِبَلْدَتِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هَكَذَا ذَكَرُوا وَكَانَ مَعْنَاهُ إذَا دَامَ الْحَرْبُ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ الْأَبْعَدُونَ وَبَلَغَهُمْ الْخَبَرُ وَإِلَّا فَهُوَ تَكْلِيفٌ مَا لَا يُطَاقُ بِخِلَافِ إنْقَاذِ الْأَسِيرِ وُجُوبُهُ عَلَى كُلِّ مُتَّجِهٍ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَالْمَغْرِبِ مِمَّنْ عَلِمَ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَأْثَمَ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ وَقُعُودِهِ لِعَدَمِ خُرُوجِ النَّاسِ وَتَكَاسُلِهِمْ أَوْ قُعُودِ السُّلْطَانِ أَوْ مَنْعِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا دَخَلَ الْمُشْرِكُونَ أَرْضًا فَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ وَسَبَوْا الذَّرَارِيَّ، وَالنِّسَاءَ فَعَلِمَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ وَكَانَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ حَتَّى يَسْتَنْقِذُوهُمْ ــ [منحة الخالق] (قَوْلُهُ: وَتَعْبِيرُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِالْحُرْمَةِ تَسَامُحٌ) حَيْثُ قَالَ وَعَنْ هَذَا حَرُمَ الْخُرُوجُ إلَى الْجِهَادِ وَأَحَدُ الْأَبَوَيْنِ كَارِهٌ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا فَرْضٌ عَلَيْهِ وَالْجِهَادُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ فِي خُصُوصِهِ أَحَادِيثَ إلَخْ قُلْت لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ يُفِيدُ حُرْمَةَ الْخُرُوجِ بِلَا إذْنِهِمَا وَقَوْلُ التَّجْنِيسِ الْمَارُّ فَكَانَ مُرَاعَاةُ فَرْضِ الْعَيْنِ أَوْلَى لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوْلَى هُنَا الْأَرْجَحُ فِي التَّقْدِيمِ فَحَيْثُ كَانَ فَرْضَ عَيْنٍ يَكُونُ خِلَافُهُ حَرَامًا
следующие страницы →