Полный текст (3 122 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ يَبِيعَ الْبَاقِيَ مِنْهُ وَمِنْ الْحِيَلِ أَنْ يُوَكِّلَ الْمُشْتَرِي وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ فَيَشْتَرِي الْوَكِيلُ وَيَغِيبُ وَلَا يَكُونُ الْمُوَكِّلُ خَصْمًا لِلشَّفِيعِ فَهَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَكُونُ خَصْمًا لَهُ اهـ.
[الْحِيلَةُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ وَالزَّكَاةِ]
قَالَ ﵀ (وَلَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ وَالزَّكَاةِ) هَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَإِلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ حَرَامٌ فَكَانَتْ مَكْرُوهَةً ضَرُورَةً وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَالْحِيلَةُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ مَشْرُوعٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِفُرُوعِهَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ قِيلَ هَذَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ قَبْلَ الْوُجُوبِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَمَكْرُوهٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ إجْمَاعُ الْمُجْتَهِدِينَ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ يُرَادَ إجْمَاعُ الْمَشَايِخِ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الرِّوَايَةِ أَيُّمَا كَانَ لَا يَخْلُو عَنْ اضْطِرَابٍ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مُقَرَّرٌ وَبَيْنَ الْمَشَايِخِ أَيْضًا مُقَرَّرٌ.
قَالَ ﵀ (وَأَخْذُ حَظِّ الْبَعْضِ بِتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي لَا بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ) يَعْنِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا تَعَدَّدَ بِأَنْ اشْتَرَى جَمَاعَةٌ عَقَارًا وَالْبَائِعُ وَاحِدٌ يَتَعَدَّدُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِتَعَدُّدِهِمْ حَتَّى كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ بَعْضِهِمْ وَيَتْرُكَ الْبَاقِيَ، وَإِنْ تَعَدَّدَ الْبَائِعُ بِأَنْ بَاعَ جَمَاعَةٌ عَقَارًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ وَالْمُشْتَرِي وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِتَعَدُّدِهِمْ حَتَّى لَا يَكُونَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّفِيعَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي لَوْ أَخَذَ نَصِيبَ بَعْضِهِمْ تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَتَضَرَّرُ بِعَيْبِ الشِّرْكَةِ وَهِيَ شُرِعَتْ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الشَّفِيعِ فَلَا تُشْرَعُ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي ضَرَرًا زَائِدًا عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَفِي الْأَوَّلِ لَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَى أَحَدٍ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ فِي الصَّحِيحِ إلَّا أَنَّ الشَّفِيعَ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ الْجَمِيعِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ إذَا نَقَدَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى يَنْقُدَ الْجَمِيعُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْرِيقِ الْيَدِ عَلَى الْبَائِعِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرِينَ أَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَكَمَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي وَاحِدًا فَنَقَدَ الْبَعْضُ مِنْ الثَّمَنِ وَسَوَاءٌ سَمَّى لِكُلٍّ ثَمَنًا أَوْ سَمَّى الْكُلَّ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ لَا لِاتِّحَادِ الثَّمَنِ وَاخْتِلَافِهِ وَالْعِبْرَةُ فِي التَّعَدُّدِ وَالِاتِّحَادِ لِلْعَاقِدِ دُونَ الْمَالِكِ حَتَّى لَوْ وَكَّلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً بِالشِّرَاءِ فَاشْتَرَوْا لَهُ عَقَارًا وَاحِدًا بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ يَتَعَدَّدُ وَأَخْذُهُ يَتَعَدَّدُ وَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ.
وَلَوْ وَكَّلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا لَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ وَهُوَ أَصْلٌ فِيهِ فَيَتَحَدَّدُ بِاتِّحَادِهِ وَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِ قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ فِي الصَّحِيحِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ فَصَّلَ فَقَالَ إنْ أَخَذَ قَبْلَ الْقَبْضِ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ يَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ بِأَخْذِ الْبَعْضِ مِنْهُ بِتَفْرِيقِ الْيَدِ عَلَيْهِ وَبَعْدَهُ لَا يَتَضَرَّرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ وَجَوَابُهُ لَهُ أَنْ يُحْبَسَ الْجَمِيعُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ الثَّمَنِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَفْرِيقِ الْيَدِ عَلَيْهِ وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَشَفِيعُهَا وَاحِدٌ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَفِي فَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَلَوْ كَانَا مُتَلَاصِقَيْنِ وَشَفِيعُ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً وَلَوْ كَانَا أَرْضَيْنِ أَوْ قَرْيَةً أَوْ أَرْضَهَا أَوْ قَرْيَتَيْنِ وَأَرْضَهُمَا وَهُوَ شَفِيعُ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ يَدَعَهُ سَوَاءٌ كَانَا مُتَلَاصِقَيْنِ أَوْ فِي مِصْرَيْنِ أَوْ قَرْيَتَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَفْقَةً.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ الَّذِي هُوَ شَفِيعُهَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ اشْتَرَى الدَّارَ بِمَتَاعٍ فِيهَا صَفْقَةً وَاحِدَةً فَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ الدَّارَ مَعَ الْمَتَاعِ أَوْ يَدَعُ الْكُلَّ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِهِ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ أَوَّلًا هَذَا ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يَأْخُذُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يَأْخُذُ الَّذِي هُوَ شَفِيعُهَا خَاصَّةً وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَلَوْ اشْتَرَى دَارَيْنِ وَرَفَعَ الْحَائِطَ مِنْ الدَّارِ الْأُخْرَى وَجَعَلَهَا دَارًا وَاحِدَةً أَخَذَ الشَّفِيعُ كُلَّهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَابُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ دَارٌ لَهَا بَابَانِ وَلَوْ فَتَحَ بَابَ الْبَيْتِ الَّتِي اشْتَرَاهَا إلَى دَارِهِ وَسَدّ الْبَابَ الْأَوَّلَ وَصَارَ مَعْرُوفًا بِهَذَا الْبَيْتِ مَعَهَا أَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ.
قَالَ ﵀ (وَإِنْ اشْتَرَى نِصْفَ دَارٍ غَيْرَ مَقْسُومٍ أَخَذَ الشَّفِيعُ حَظَّ الْمُشْتَرِي بِقِيمَتِهِ) يَعْنِي لَوْ اشْتَرَى نِصْفَ دَارٍ غَيْرَ مَقْسُومٍ فَقَاسَمَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ نَصِيبَ الْمُشْتَرِي الَّذِي حَصَلَ لَهُ بِقِيمَتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ بِقَضَاءٍ أَوْ تَرَاضٍ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْمِيلِ الِانْتِفَاعِ وَالشَّفِيعُ لَا يَنْقُضُ الْقَبْضَ لِيَجْعَلَ الْعُهْدَةَ عَلَى الْبَائِعِ وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ أَوْ أَجَّرَ يَطِيبُ لَهُ الثَّمَنُ وَالْأُجْرَةُ وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ
стр. 2697
فِيهِ مِلْكٌ، وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ تَصَرُّفَاتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَنْقُضُ تَصَرُّفًا يُبْطِلُ حَقَّهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا ضَرَرَ فِي الْقِسْمَةِ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ فِي حَقِّ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ وَفِي حَقِّ مَا لَهُ حُكْمُهُ وَهُوَ الْقَبْضُ بِجِهَتِهِ فَظَاهِرُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّهُ يَأْخُذُ سَوَاءٌ وَقَعَ فِي جَانِبِ الدَّارِ الْمَشْفُوعِ بِهَا أَوْ لَا وَفِي التَّجْرِيدِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ النَّصِيبَ الَّذِي أَصَابَ الْمُشْتَرِي إذَا وَقَعَ فِي جَانِبِ الدَّارِ الْمَشْفُوعِ بِهَا وَفِي وَاقِعَاتِ النَّاطِفِيِّ أَنَّ الْقِسْمَةَ إذَا كَانَتْ بِحُكْمٍ فَفِي نَقْضِ الْقِسْمَةِ رِوَايَتَانِ.
قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي وَاقِعَاتِهِ وَالْمُخْتَارُ لَا نَقْضَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَخَذَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ وَقَاسَمَ الْمُشْتَرِي الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ مِنْ الَّذِي قَاسَمَ فَلَمْ تَكُنْ الْقِسْمَةُ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَيَنْقُضُهُ الشَّفِيعُ كَمَا يَنْقُضُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ وَفِي التَّجْرِيدِ رَجُلَانِ اشْتَرَيَا دَارًا وَهُمَا شَفِيعَانِ وَلَهُمَا شَفِيعٌ ثَالِثٌ اقْتَسَمَاهَا ثُمَّ جَاءَ الثَّالِثُ فَلَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ سَوَاءٌ اقْتَسَمَاهَا بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ. اهـ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ نَقْضُ الْقِسْمَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ فَيَأْخُذُ نَصِيبَ الْمُشْتَرِي فِي أَيِّ جَانِبٍ كَانَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِالشِّرَاءِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَقْدِرُ عَلَى إبْطَالِهِ فَيَأْخُذُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَدَّمْنَا قَوْلَ الْإِمَامِ وَإِطْلَاقُ الْمَاتِنِ صَادِقٌ عَلَى مَا إذَا قَاسَمَ الْبَائِعَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ زَادَ أَوْ قَاسَمَ الْبَائِعَ لَسَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ اهـ.
قَالَ ﵀ (وَلِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ سَيِّدِهِ كَعَكْسِهِ) يَعْنِي إذَا بَاعَ رَجُلٌ دَارًا وَلِلْبَائِعِ عَبْدٌ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ وَمَالِهِ فَلِلْعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ وَكَذَا عَكْسُهُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ هُوَ الْبَائِعَ فَلِمَوْلَاهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ وَشِرَاءُ أَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ جَائِزٌ إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ مِلْكَ الْيَدِ لِلْعَبْدِ لِكَوْنِ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ مَا فِي يَدِ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ أَوْ لِكَوْنِ الْعَبْدِ أَحَقَّ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَالْعَبْدُ بَائِعٌ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لِمَوْلَاهُ وَلَا شُفْعَةَ لِمَنْ يَبِيعُ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّهُ اُبْتِيعَ لَهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ أَوْ اُبْتِيعَ لَهُ لَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ وَلَوْ قَيَّدَ بِالْمَدْيُونِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَالَ ﵀ (وَصَحَّ تَسْلِيمُهُمْ الشُّفْعَةَ مِنْ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ) يَعْنِي أَنَّ الْحَمْلَ وَالصَّغِيرَ فِي اسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ كَالْكَبِيرِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِهِ فَيَقُومُ بِالطَّلَبِ وَالْأَخْذِ وَالتَّسَلُّمِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمَا وَهُوَ الْأَبُ ثُمَّ وَصِيُّهُ ثُمَّ أَبٌ الْأَبِ ثُمَّ وَصِيُّهُ ثُمَّ الْوَصِيُّ الَّذِي نَصَّبَهُ الْقَاضِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ حَتَّى يُدْرِكَ وَهَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ هُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا بَلَغَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ بُطْلَانُ الشُّفْعَةِ بِسُكُوتِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالشِّرَاءِ لِلْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ أَنَّ هَذَا إبْطَالٌ لِحَقِّ الصَّبِيِّ فَلَا يَصِحُّ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقَوَدِ وَإِعْتَاقِ عَبْدِهِ وَإِبْرَاءٍ عَنْ يَمِينِهِ وَلِأَنَّ تَصْرِفَهُمَا نَظَرِيٌّ وَالنَّظَرُ فِي الْأَخْذِ يَتَعَيَّنُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَكَانَ فِي إبْطَالِهِ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ فَلَا يَمْلِكُ وَلَهُمَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ بَلْ هُوَ عَيْنُهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَتَرْكُ الْأَخْذِ بِهَا تَرْكُ التِّجَارَةِ فَيَمْلِكُهُ كَمَا يَمْلِكُ تَرْكَ التِّجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ جَازَ.
فَكَذَا إذَا سَلَّمَهُ إلَيْهِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ جَازَ كَانَتْ الْعُهْدَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَفِي الْأَوَّلِ عَلَى الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي وَ؛ لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّرْكُ أَنْفَعَ بِإِيفَاءِ الثَّمَنِ عَلَى مِلْكِ الصَّبِيِّ بِخِلَافِ الْعَفْوِ عَنْ الْقَوَدِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْضٌ غَيْرُ مُتَرَدِّدٍ وَلِأَنَّهُ إبْطَالٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ هَذَا إذَا بِيعَتْ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا، وَإِنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ قِيلَ جَازَ التَّسْلِيمُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ مُتَعَيِّنٌ فِيهِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ فَلَا يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا بِمُحَابَاةٍ كَثِيرَةٍ فَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَصِحُّ تَسْلِيمُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ التَّسْلِيمُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ بِالْأَوْلَى وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْأَبَ لِنَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ عَلَى الصَّغِيرِ وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى لِابْنِهِ الصَّغِيرِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ غَبْنٌ فَاحِشٌ فَكَذَا فِي الْأَخْذِ وَالْوَصِيُّ كَالْأَبِ فِي هَذَا إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَفْعٌ بِالصَّغِيرِ ظَاهِرٌ حَتَّى إذَا كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ لَا يَجُوزُ.
وَكَذَا إذَا بَاعَ مِنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ وَفِي الْأَبِ يَجُوزُ إذَا كَانَ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فِيهِمَا ثُمَّ كَيْفِيَّةُ طَلَبِهِ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْت وَأَخَذْت بِالشُّفْعَةِ
стр. 2698
مُتَّصِلًا وَلَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَ الصَّغِيرِ أَوْ مَالَ نَفْسِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِلصَّغِيرِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ بَاعَ أَوْ بِيعَ لَهُ إلَخْ، وَإِنْ كَانَ فِي الشِّرَاءِ غَبْنٌ فَاحِشٌ كَانَ لِلصَّغِيرِ أَنْ يَطْلُبَ الشُّفْعَةَ إذَا بَلَغَ وَفِي الْأَصْلِ الْحَمْلُ، فَإِنْ وَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ وَقَعَ الشِّرَاءُ، فَإِنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ مَاتَ قَبْلَ الْبَيْعِ وَرِثَ الْحَمْلَ عَنْهُ حِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَفِي السِّغْنَاقِيِّ وَإِذَا كَانَتْ الشُّفْعَةُ لِكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ وَحَمْلٍ وَقَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْمَيِّتِ شَرَكَهُمْ فِي الشُّفْعَةِ، وَإِنْ جَاءَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. اهـ.
وَفِي التَّتِمَّةِ وَإِذَا بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا فَتَسْلِيمُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ لَا يَصِحُّ وَالصَّغِيرُ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا بَلَغَ وَفِي الْأَصْلِ إذَا اشْتَرَى الْأَبُ لِنَفْسِهِ دَارًا وَابْنُهُ الصَّغِيرُ شَفِيعُهَا فَلَمْ يَطْلُبْ الشَّفِيعُ لِلصَّغِيرِ حَتَّى بَلَغَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا شُفْعَةَ لِلصَّغِيرِ أَمَّا الْوَصِيُّ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي شِرَاءِ الْأَبِ دَارًا وَابْنُهُ الصَّغِيرُ شَفِيعُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَوْ وَقَعَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا يَكُونُ لِلصَّغِيرِ شُفْعَةً إذَا بَلَغَ، وَإِنْ وَقَعَ شِرَاءُ الْأَبِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ كَانَ لِلصَّغِيرِ الشُّفْعَةُ إذَا بَلَغَ. اهـ.
قَالَ ﵀ (وَالْوَكِيلِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْأَبِ يَعْنِي الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ مِنْهُ صَحِيحٌ وَالْمُرَادُ بِالْوَكِيلِ هَاهُنَا الْوَكِيلُ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ أَمَّا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ فَتَسْلِيمُهُ الشُّفْعَةَ صَحِيحٌ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا سُكُوتُهُ إعْرَاضٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْوَكِيلُ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ إنَّمَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لَا يَصِحُّ تَسْلِيمُهُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِضِدِّ مَا أُمِرَ بِهِ فَصَارَ كَمَا وَكَّلَهُ بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ فَأَبْرَأهُ مِنْهُ وَلَهُمَا أَنَّ الْوَكِيلَ بِالشِّرَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهَا شِرَاءٌ وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ الشُّفْعَةَ غَيْرَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ هُوَ وَكِيلٌ مُطْلَقٌ فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ مُطْلَقًا وَالْإِمَامُ يَقُولُ الْوَكِيلُ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ وَكِيلٌ بِالْخُصُومَةِ وَلَا تُعْتَبَرُ الْخُصُومَةُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَا يَكُونُ وَكِيلًا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ وَلَوْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ عَلَى مُوَكِّلِهِ بِأَنْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ جَازَ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ إذَا كَانَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ الْخُصُومَةِ. اهـ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وَقَدْ قَدَّمْنَا بَعْضَ هَذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْقِسْمَةِ]
مُنَاسَبَةُ الْقِسْمَةِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ نَتَائِجِ النَّصِيبِ الشَّائِعِ لِمَا أَنَّ أَقْوَى أَسْبَابِ الشُّفْعَةِ الشَّرِكَةُ فَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إذَا أَرَادَ الِافْتِرَاقَ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِهِ طَلَبَ الْقِسْمَةَ وَمَعَ عَدَمِ الْبَقَاءِ بَاعَ فَوَجَبَ عِنْدَهُ الشُّفْعَةُ وَقَدَّمَ الشُّفْعَةَ لِأَنَّ بَقَاءَ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ أَصْلٌ وَهُنَا يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ شَرْعِيَّةِ الْقِسْمَةِ وَتَفْسِيرِهَا وَرُكْنِهَا وَشَرْطِهَا وَحُكْمِهَا وَسَبَبِهَا وَدَلِيلِهَا.
أَمَّا دَلِيلُ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: ٢٨] وقَوْله تَعَالَى ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «فَتَحَ خَيْبَرَ وَقَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا لُغَةً فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الِاقْتِسَامِ كَالْقُدْرَةِ لِلِاقْتِدَارِ وَالْأُسْوَةِ لِلِاتِّسَاءِ، وَأَمَّا شَرْعًا فَسَيَذْكُرُهَا الْمُؤَلِّفُ.
وَأَمَّا رُكْنُهَا فَالْفِعْلُ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْإِقْرَارُ، وَأَمَّا شَرْطُهَا فَمَتَاعٌ لَا تَتَبَدَّلُ مَنْفَعَتُهُ بِالْقِسْمَةِ وَلَا يَفُوتُ، وَأَمَّا حُكْمُهَا فَتَعَيُّنُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ مِلْكًا وَانْتِفَاعًا، وَسَبَبُهَا طَلَبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ الِانْتِفَاعَ بِنَصِيبِهِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَأَمَّا مَحَاسِنُهَا أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ صَاحِبِهِ سُوءُ الْخُلُقِ وَضِيقُ الْفِطَنِ وَقُوَّةُ الرَّأْسِ وَلَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ إلَّا الرُّكُونَ إلَى الِاقْتِسَامِ، وَأَمَّا صِفَتُهَا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحَاكِمِ عِنْدَ طَلَبِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ قَالَ ﵀: (هِيَ جَمْعُ نَصِيبٍ شَائِعٍ فِي مُعَيَّنٍ) هَذَا مَعْنَاهُ شَرْعًا لِأَنَّ مَا مِنْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ إلَّا وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّصِيبَيْنِ فَكَانَ مَا يَقْبِضُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ قَالَ ﵀: (وَتَشْتَمِلُ عَلَى الْإِفْرَازِ وَالْمُبَادَلَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي الْمِثْلِيِّ فَيَأْخُذُ حَظَّهُ حَالَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَهِيَ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَأْخُذُ) يَعْنِي: الْقِسْمَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى تَمْيِيزِ الْحُقُوقِ وَالْمُبَادَلَةِ، وَالتَّمْيِيزُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ حَتَّى كَانَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ حَالَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ، وَالْمُبَادَلَةُ هِيَ الظَّاهِرَةُ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ كَالثِّيَابِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ حَتَّى لَا يَأْخُذَ نَصِيبَهُ حَالَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْإِفْرَازِ ظَاهِرًا فِي الْمِثْلِيِّ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِثْلُ حَقِّهِ صُورَةً وَمَعْنًى فَأَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ عَيْنَ
стр. 2699
حَقِّهِ فِي الْقَرْضِ وَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُبَادَلَةً لَمَا صَحَّ فِي الْقَرْضِ قَبْضٌ لِلِافْتِرَاقِ قَبْلَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَلَا فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لِحُرْمَةِ الِاسْتِبْدَالِ فِيهِمَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ أَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ كِتَابَ الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ وَصِيُّ الذِّمِّيِّ مُسْلِمًا، وَفِي التَّرِكَةِ خُمُورٌ أَنَّهُ يُكْرَهُ قِسْمَتُهُمَا وَلَوْ كَانَ الرُّجْحَانُ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ لِلْإِفْرَازِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فَإِنَّ الذِّمِّيَّ إذَا وَكَّلَ مُسْلِمًا أَنْ يَقْبِضَ خَمْرًا لَهُ جَازَ قَبْضُهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.،
قُلْتُ: ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ إذَا كَانَ فِي التَّرِكَةِ خُمُورٌ لَا يُكْرَهُ لِلْوَصِيِّ الْمُسْلِمِ قِسْمَتُهَا لِأَنَّ هَذَا إفْرَازٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْمُبَادَلَةِ، وَإِنَّمَا تُكْرَهُ الْقِسْمَةُ إذَا كَانَ مَعَ الْخَمْرِ الْخَنَازِيرُ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ مُبَادَلَةً، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ قَالُوا: لَا بَلْ يُكْرَهُ قِسْمَةُ الْخُمُورِ وَحْدَهَا لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالشَّبَهَيْنِ فِي قِسْمَةِ الْخُمُورِ وَحْدَهَا يُمْكِنُ بِإِثْبَاتِ الْكَرَاهَةِ، وَمَعْنَى الْكَرَاهَةِ هُنَا هُوَ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ الْمُطْلَقِ وَالْحَرَامِ الْمَحْضِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ أَظْهَرَ لِلتَّفَاوُتِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ كَأَنَّهُ أَخَذَ عَيْنَ حَقِّهِ لِعَدَمِ الْمُعَادَلَةِ بَيْنَهُمَا بِيَقِينٍ وَلَوْ اشْتَرَى دَارًا فَاقْتَسَمَاهَا لَا يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مُرَابَحَةً بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَلَك أَنْ تَقُولَ: إنَّ الْقِسْمَةَ لَا تُعَرَّى عَنْ مَعْنَى الْإِفْرَازِ وَالْمُبَادَلَةِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ أَوْ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهَا بِالنَّظَرِ إلَى الْبَعْضِ إفْرَازٌ وَبِالنَّظَرِ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ مُبَادَلَةٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي يَأْخُذُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا عِوَضٌ مِمَّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَلَيْسَ بِمِثْلٍ لَهُ بِيَقِينٍ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْإِفْرَازُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ وَهُوَ كَوْنُهُ بَعْضَ حَقِّهِ فِي الْجُمْلَةِ فَثَبَتَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْمُبَادَلَةِ وَالْإِفْرَازِ غَيْرَ أَنَّ الظُّهُورَ لِلْمُبَادَلَةِ.
[طَلَبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ]
قَالَ ﵀: (وَيُجْبَرُ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ عِنْدَ طَلَبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ لَا فِي غَيْرِهِ) يَعْنِي إذَا طَلَبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ يُجْبَرُ الْآبِي عَلَى الْقِسْمَةِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، أَوْ لَا، وَلَا يُجْبَرُ فِي غَيْرِ مُتَّحِدِ الْجِنْسِ كَالْغَنَمِ مَعَ الْإِبِلِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْمَعْنَى، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى: الْقِسْمَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ قِسْمَةٌ لَا يُجْبَرُ الْآبِي عَلَيْهَا كَقِسْمَةِ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَقِسْمَةٌ يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْآبِي كَقِسْمَةِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَقِسْمَةٌ يُجْبَرُ الْآبِي فِي غَيْرِ الْمِثْلِيَّاتِ كَالثِّيَابِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. وَالْخِيَارَاتُ ثَلَاثَةٌ: خِيَارُ شَرْطٍ، وَخِيَارُ رُؤْيَةٍ، وَخِيَارُ عَيْبٍ فَفِي قِسْمَةِ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ تَثْبُتُ الْخِيَارَاتُ الثَّلَاثُ، وَفِي قِسْمَةِ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْمَكِيلِ يَثْبُتُ خِيَارُ الْعَيْبِ دُونَ خِيَارِ الشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ، فَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ يَثْبُتَانِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ، وَفِي قِسْمَةِ الثِّيَابِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ يَثْبُتُ خِيَارُ الْعَيْبِ وَهَلْ يَثْبُتُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ؟ يَثْبُتُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْعَيْبِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. اهـ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ: الْقَاضِي لَا يَقْسِمُ الْأَجْنَاسَ الْمُخْتَلِفَةَ قِسْمَةَ جَمْعٍ إذَا أَبَى بَعْضُ الشُّرَكَاءِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمْ إبِلٌ وَغَنَمٌ وَطَلَبَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَهُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَالْقَاضِي لَا يَقْسِمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي الْجِنْسِ الْمُتَّحِدِ يَقْسِمُ قِسْمَةَ جَمْعٍ عِنْدَ طَلَبِ الْبَعْضِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمْ غَنَمٌ كَثِيرَةٌ، أَوْ إبِلٌ كَثِيرَةٌ وَطَلَبَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَهُ فِي طَائِفَةٍ مِنْهَا فَعَلَ الْقَاضِي ذَلِكَ. اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِهِ " يُجْبَرُ " بِأَنَّ الْمُبَادَلَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِيهَا فَكَيْفَ يُجْبَرُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُجْبَرُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ غَيْرِهِ كَالْغَرِيمِ يُحْبَسُ حَتَّى يُبَاعَ مَالُهُ لِبَعْضِ الدَّيْنِ وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْغُرُورِ فِيهَا حَتَّى لَوْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا الدَّارَ وَبَنَى فِي نَصِيبِهِ فَاسْتَحَقَّ الدَّارَ الَّتِي بَنَى فِيهَا لَا يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِقِيمَةِ بِنَائِهِ إذَا نُقِضَ اهـ.
وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ صَادِقٌ بِطَلَبِ صَاحِبِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَسَيَأْتِي تَقْيِيدُهُ.
قَالَ ﵀: (وَنُدِبَ نَصْبُ قَاسِمٍ - رِزْقُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ - لِيَقْسِمَ بِلَا أَجْرٍ) .
يَعْنِي يُسْتَحَبُّ نَصْبُ قَاسِمٍ وَرِزْقُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ جِنْسِ الْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتِمُّ بِهِ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ فَأَشْبَهَ رِزْقَ الْقَاضِي وَلِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ تَعُودُ إلَى الْعَامَّةِ كَمَنْفَعَةِ الْقَضَاءِ وَالْمُقَاتِلِ وَالْمُفْتِي فَتَكُونُ كِفَايَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِمَصَالِحِهِمْ كَمَنْفَعَةِ هَؤُلَاءِ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَغَيْرِهَا: وَيَنْصِبُ الْقَاضِي قَاسِمًا، وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْسِمَ بِنَفْسِهِ وَيَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُتَقَاسِمِينَ أُجْرَةً وَهَذَا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ بِقَضَاءٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَا يُفْتَرَضَ عَلَى الْقَاضِي مُبَاشَرَتُهَا وَإِنَّمَا الَّذِي يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ جَبْرُ الْآبِي عَلَى الْقِسْمَةِ إلَّا أَنَّ لَهَا شَبَهًا بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهَا تُسْتَفَادُ مِنْهُ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَإِلَّا نَصَبَ قَاسِمًا يَقْسِمُ بِأُجْرَةٍ بِعَدَدِ الرُّءُوسِ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَنْصِبْ قَاسِمًا رِزْقُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ نَصَبَهُ وَجَعَلَ رِزْقَهُ عَلَى الْمُتَقَاسِمِينَ لِأَنَّ النَّفْعَ لَهُمْ عَلَى الْخُصُوصِ وَلَيْسَ بِقَضَاءٍ حَقِيقَةً حَتَّى جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ عَلَى الْقِسْمَةِ وَإِنْ كَانَ
стр. 2700
لَا يَجُوزُ لَهُ عَلَى الْقَضَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ عَلَيْهِمْ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَمُبَاشَرَةُ الْقَضَاءِ فَرْضٌ عَلَيْهِ وَيُقَدِّرُ لَهُ الْقَاضِي أُجْرَةَ مِثْلِهِ كَيْ لَا يَطْمَعَ فِي أَمْوَالِهِمْ وَيَتَحَكَّمَ بِالزِّيَادَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنَّ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ وَأَبْعَدُ مِنْ التُّهْمَةِ وَقَوْلُهُ: بِعَدَدِ الرُّءُوسِ يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْأُجْرَةُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ وَلَا يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَنْصِبَاءِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ عَنْ قَرِيبٍ.
قَالَ ﵀: (وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا أَمِينًا عَالِمًا بِالْقِسْمَةِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْقِسْمَةِ وَذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: ذَكَرَ الْأَمَانَةَ بَعْدَ الْعَدَالَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ لَوَازِمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ظَاهِرِ الْأَمَانَةِ وَرُدَّ بِهَذَا مَا بِهِ يَلْزَمُ مِنْ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ ظُهُورُ الْأَمَانَةِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ الْعَدَالَةُ لَا ظُهُورُهَا فَاسْتِلْزَامُ ظُهُورِهَا ظُهُورَ الْأَمَانَةِ لَا يَقْتَضِي اسْتِدْرَاكَ ذِكْرِ الْأَمَانَةِ فَإِنْ قُلْت: لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْعَدَالَةِ ظُهُورُهَا كَمَا أُرِيدَ الْأَمَانَةُ حَتَّى يُسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْعَدَالَةِ عَنْ ذِكْرِ الْأَمَانَةِ بِالْكُلِّيَّةِ قُلْت: ظُهُورُ الْعَدَالَةِ مِنْ لَفْظِ الْعَدَالَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لَا يُفْهَمُ مِنْ لَفْظِهَا وَحْدَهُ بِدُونِ الْقَرِينَةِ، وَإِرَادَةُ ظُهُورِ الْأَمَانَةِ مِنْ لَفْظِ الْأَمَانَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْكِتَابِ ابْتِدَاءً ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ لَا غِنَى عَنْ ذِكْرِ الْأَمَانَةِ.
قَالَ: ﵀ (وَلَا يَتَعَيَّنُ قَاسِمٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ لَتَحَكَّمَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُجْبِرُهُمْ الْحَاكِمُ عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرُوهُ وَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ وَهِيَ تُشْبِهُ الْقَضَاءَ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَا جَبْرَ فِيهِمَا وَلَوْ اصْطَلَحُوا فَاقْتَسَمُوا جَازَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ عَلَيْهِ لَا يَنْفُذُ وَلَا وِلَايَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ قَالَ ﵀: (وَلَا يَشْتَرِكُ الْقُسَّامُ) يَعْنِي يَمْنَعُهُمْ الْقَاضِي مِنْ الِاشْتِرَاكِ كَيْ لَا يَتَضَرَّرَ النَّاسُ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ تَصِيرُ بِذَلِكَ غَالِيَةً لِأَنَّهُمْ إذَا اشْتَرَكُوا يَتَوَاكَلُونَ وَعِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِرَاكِ يَتَبَادَرُونَ إلَيْهَا خَشْيَةَ الْفَوَاتِ فَيَرْخُصُ الْأَجْرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَالْأُجْرَةُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَقَالَا: عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ لِأَنَّهَا مُؤْنَةُ الْمِلْكِ فَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ وَحَافِرِ الْبِئْرِ وَحَمْلِ الطَّعَامِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ الْمُشْتَرَكِ وَكَبِنَاءِ الدَّارِ وَالْجِدَارِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِسْمَةِ أَنْ يَتَوَصَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الِانْتِفَاعِ بِنَصِيبِهِ، وَمَنْفَعَةُ صَاحِبِ الْكَثِيرِ أَكْثَرُ فَكَانَتْ مُؤْنَةُ الْقِسْمَةِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الْأُجْرَةَ بِمُقَابَلَةِ التَّمْيِيزِ، وَإِنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ وَرُبَّمَا يَصْعُبُ الْحِسَابُ بِالنَّظَرِ إلَى الْقَلِيلِ وَقَدْ يَنْعَكِسُ الْأَمْرُ بِاعْتِبَارِ الْمَكْسُورِ فَيَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَمْيِيزُ الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ إلَّا بِمَا يَفْعَلُهُ فِيهِمَا فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِأَصْلِ التَّمْيِيزِ لِأَنَّ عَمَلَ الْإِفْرَازِ وَاقِعٌ لَهُمْ جُمْلَةً بِخِلَافِ مَا ذَكَرَاهُ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ مُقَابَلَةٌ بِالْعَمَلِ وَهُوَ يَتَفَاوَتُ فَتَتَفَاوَتُ الْأُجْرَةُ بِتَفَاوُتِهِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَى الطَّالِبِ لِلْقِسْمَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِالْقِسْمَةِ دُونَ الْآخَرِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَلَا يُقْسَمُ الْعَقَارُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ بِإِقْرَارِهِمْ حَتَّى يُبَرْهِنُوا عَلَى الْمَوْتِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا: يُقْسَمُ بِاعْتِرَافِهِمْ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ، وَالْإِقْرَارَ دَلِيلُ الصِّدْقِ فَصَارَ كَالْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ الْمُشْتَرَى وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا مُنْكِرَ لَهُمْ وَلَا بَيِّنَةَ إلَّا عَلَى الْمُنْكِرِ فَلَا تُفِيدُ الْبَيِّنَةُ بِلَا إنْكَارٍ لَكِنَّهُ يَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ أَنَّهُ قَسَمَهُ بِاعْتِرَافِهِمْ لِيَقْتَصِرَ عَلَيْهِ وَلَا يَتَعَدَّاهُ حَتَّى لَا تَعْتِقَ أُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَمُدَبَّرُهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ مَوْتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ بِالْبَيِّنَةِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّهَا قَضَاءٌ عَلَى الْمَيِّتِ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مُبْقَاةٌ عَلَى مِلْكِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَنْفُذُ فِيهَا وَصَايَاهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَإِذَا كَانَ قَضَاءً عَلَى الْمَيِّتِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَقَدْ يُمْكِنُ بِأَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمْ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ، وَغَيْرُهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأُورِدَ بِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا وَالْآخَرِ أَنْ يَكُونَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَكِلَاهُمَا مَجْهُولٌ وَلَا قَضَاءَ مَعَ الْجَهَالَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ لِلْقَاضِي وِلَايَةَ التَّعَيُّنِ تَحْصِيلًا لِمَقْصُودِهِ فَتَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ بِتَعَيُّنِهِ وَلِأَنَّ الْوَارِثَ نَائِبٌ عَنْهُ، وَإِقْرَارُ الْخَصْمِ لَا يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الْبَيِّنَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا فَأَقَرَّ بِهِ الْوَارِثُ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ الدَّيْنَ عَلَى الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ وَيُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ وَلَا كَذَلِكَ إذَا كَانَ ثُبُوتُهُ بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا فِي حِصَّتِهِ خَاصَّةً وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَلَوْ قَالَ مَكَانَ الْوَارِثِ: وَصِيٌّ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ لِأَنَّ فِي قِسْمَتِهِ نَظَرًا لِأَنَّهُ يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ وَبِخِلَافِ الْعَقَارِ الْمُشْتَرَى لِأَنَّ الْبَيْعَ زَالَ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَمْ تَكُنْ الْقِسْمَةُ قَضَاءً عَنْ الْغَيْرِ.
قَالَ ﵀: (وَيُقْسَمُ فِي الْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ الْمُشْتَرَى وَدَعْوَى الْمِلْكِ) يَعْنِي يُقْسَمُ فِي الْمَوْرُوثِ الْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ الْمُشْتَرَى وَفِيمَا إذَا ادَّعَوْا الْمِلْكَ وَلَمْ يَذْكُرُوا كَيْفِيَّةَ انْتِقَالِهِ إلَيْهِمْ قُسِمَ بِقَوْلِهِمْ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ أَمَّا فِي الْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ الْمُشْتَرَى فَلِمَا بَيَّنَّا
стр. 2701
مِنْ الْمَعْنَى وَالْعُرْفِ، وَأَمَّا إذَا ادَّعَوْا الْمِلْكَ وَلَمْ يَذْكُرُوا كَيْفِيَّةَ الِانْتِقَالِ إلَيْهِمْ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقِسْمَةِ قَضَاءٌ عَلَى الْغَيْرِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا بِالْمِلْكِ لِغَيْرِهِمْ وَيَكُونُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِمْ فَيَجُوزُ، ثُمَّ قِيلَ هَذَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَقِيلَ قَوْلُ الْكُلِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَلَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ حَتَّى يُقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ فِي يَدِ غَيْرِهِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ بَرْهَنَا أَنَّ الْعَقَارَ فِي أَيْدِيهِمَا لَمْ يُقْسَمْ حَتَّى يُبَرْهِنَا أَنَّهُ لَهُمَا) يَعْنِي لَوْ أَقَامَ رَجُلَانِ بَيِّنَةً أَنَّ الْعَقَارَ فِي أَيْدِيهِمَا لَمْ يُقْسَمْ حَتَّى يُبَرْهِنَا، وَطَلَبَا مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا لَا يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّ الْعَقَارَ مِلْكُهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هُوَ لِغَيْرِهِمَا وَهَذِهِ عِبَارَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَمَا تَقَدَّمَ رِوَايَةُ الْقُدُورِيِّ وَكِلَاهُمَا فِي دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْمُخْتَصَرِ.
قَالَ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَلَوْ بَرْهَنَا عَلَى الْمَوْتِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ وَالدَّارُ فِي أَيْدِيهِمْ وَمَعَهُمْ وَارِثٌ غَائِبٌ، أَوْ وَصِيٌّ قُسِمَ وَنُصِبَ وَكِيلٌ، أَوْ وَصِيٌّ يَقْبِضُ نَصِيبَهُ) يَعْنِي يَقْبِضُ الْوَكِيلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ وَالْوَصِيُّ نَصِيبَ الصَّغِيرِ لِأَنَّ فِي نَصْبِهِ نَظَرًا لِلصَّغِيرِ وَالْغَائِبِ إنْ حَضَرَ وَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ لِمَا بَيَّنَّا لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ وَعِنْدَهُمَا يُقْسَمُ بِقَوْلِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَيُشْهِدُ أَنَّهُ قَسَمَهَا بِاعْتِرَافِ الْحَاضِرِينَ فَإِنَّ الصَّغِيرَ وَالْغَائِبَ عَلَى حُجَّتِهِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُمْ فِي أَيْدِيهِمْ وَقَعَ سَهْوًا مِنْ الْكَاتِبِ وَالصَّحِيحُ: فِي أَيْدِيهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ لَكَانَ فِي الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْجَمْعَ وَأَرَادَ بِهِ الْمُثَنَّى وَفِي الْخَانِيَّةِ هَذَا إذَا كَانَ الْعَقَارُ كُلُّهُ فِي يَدِ الْحَاضِرِينَ فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا، أَوْ شَيْءٌ مِنْهُمَا فِي يَدِ الْغَائِبِ أَوْ الصَّغِيرِ وَطَلَبَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْقَاضِي الْقِسْمَةَ فَإِنَّهُ لَا يَقْسِمُ حَتَّى يَحْضُرَا، أَوْ يُقِيمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَوْتِ، وَفِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا يَقْسِمُهُ وَلَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ مَا لَمْ يَحْضُرَا. اهـ.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ قُسِمَ أَنَّ الْقَاضِيَ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُحِيطِ فَلَوْ قَسَمَا بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَا فَيُجِيزَا، أَوْ يَبْلُغَ فَيُجِيزَ فَإِنْ مَاتَ الْغَائِبُ، أَوْ الصَّغِيرُ فَأَجَازَ وَرَثَتُهُ جَازَ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مَاتَ مَنْ لَهُ الْإِجَازَةُ فَبَطَلَتْ وَلِلْإِمَامِ أَنَّا لَوْ أَبْطَلْنَا الْقِسْمَةَ بِالْمَوْتِ احْتَجْنَا إلَى إعَادَةِ مِثْلِهَا فَإِجَازَتُهَا أَوْلَى اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا وَلَوْ قَسَمُوا بِأَمْرِ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَمْ تُفَوَّضْ إلَيْهِ لِأَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ أَمْرُ الْجِنَايَاتِ اهـ.
قَالَ: ﵀ (وَلَوْ كَانُوا مُشْتَرِينَ وَغَابَ أَحَدُهُمْ، أَوْ كَانَ الْعَقَارُ فِي يَدِ الْوَارِثِ الْغَائِبِ، أَوْ حَضَرَ وَارِثٌ وَاحِدٌ لَمْ يُقْسَمْ) يَعْنِي لَا يُقْسَمُ الْمَالُ الْمُشْتَرَكُ مَعَ غَيْبَةِ بَعْضِهِمْ أَمَّا فِي الشِّرَاءِ فَلِأَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ مِلْكٌ جَدِيدٌ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةٍ وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِهِ فَلَا يَصْلُحُ الْحَاضِرُ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا عَلَى الْغَائِبِ بِخِلَافِ الْإِرْثِ لِأَنَّ الْمِلْكَ الثَّابِتَ فِيهِ مِلْكٌ خِلَافُهُ حَتَّى يُرَدَّ بِالْعَيْبِ فِيمَا اشْتَرَاهُ الْمُوَرِّثُ وَيَصِيرَ مَغْرُورًا بِشِرَاءِ الْمُوَرِّثِ فَانْتَصَبَ أَحَدُهُمَا خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فِيمَا فِي يَدِهِ وَالْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ فَصَارَتْ الْقِسْمَةُ قَضَاءً بِحَضْرَةِ الْمُتَخَاصِمِينَ فَيَصِحُّ الْقَضَاءُ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى خَصْمِهِ، وَفِي الشِّرَاءِ قَامَتْ عَلَى خَصْمٍ غَائِبٍ فَلَا يُقْبَلُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَقَارُ فِي يَدِ الْوَارِثِ الْغَائِبِ فَلِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ بِإِخْرَاجِ الشَّيْءِ مِنْ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ وَكَذَا إذَا كَانَ بَعْضُهُ فِي يَدِهِ وَالْبَاقِي فِي يَدِ الْحَاضِرِ وَكَذَا إذَا كَانَ فِي يَدِ مُودَعِهِ، أَوْ مُسْتَعِيرِهِ، أَوْ فِي يَدِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ الْمُودَعَ وَالصَّغِيرَ لَيْسَا بِخَصْمٍ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهَا فِي الصَّحِيحِ اهـ.
فَإِنْ قُلْت: التَّعْلِيلُ فِي قَوْلِهِمْ إذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي يَدِ الصَّغِيرِ أَوْ الْغَائِبِ يَكُونُ قَضَاءً بِإِخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ لَك أَنْ تَقُولَ هَذَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَ كُلُّهُ، أَوْ كَانَ الْبَعْضُ الَّذِي فِي يَدِ الصَّغِيرِ، أَوْ الْغَائِبِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ مَا إذَا كَانَ قَدْرَ حِصَّتِهِ مِنْ الدَّارِ أَوْ أَقَلَّ فَلَا يَظْهَرُ أَنَّ فِيهِ قَضَاءً عَلَى الصَّغِيرِ وَالْغَائِبِ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ بَلْ يَلْزَمُ إبْقَاءُ مَا كَانَ فِي يَدِهِ فِي صُورَةِ التَّسَاوِي وَزِيَادَةُ شَيْءٍ عَلَيْهِ فِيمَا كَانَ فِي يَدِ الْحَاضِرِينَ فِي صُورَةِ النُّقْصَانِ. اهـ.
وَأَمَّا إذَا حَضَرَ وَارِثٌ وَاحِدٌ فَلِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُخَاصِمًا وَمُخَاصَمًا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَاسِمًا وَمُقَاسَمًا فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ شَخْصَيْنِ عَلَى مَا بَيَّنَّا هَذَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْقَاضِيَ يَنْصِبُ عَنْ الْغَائِبِ خَصْمًا وَتُقَامُ الْبَيِّنَةُ وَلَوْ حَضَرَ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ نَصَبَ وَصِيًّا عَنْ الصَّغِيرِ وَقَسَمَ إذَا أُقِيمَتْ الْبَيِّنَةُ وَكَذَا إذَا حَضَرَ وَارِثٌ وَمُوصًى لَهُ بِالثُّلُثِ فِي الدَّارِ وَطَلَبَ الْقِسْمَةَ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ يَقْسِمُ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ شَرِيكٌ فِي الدَّارِ فَصَارَ كَوَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ فَانْتَصَبَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْوَارِثُ عَنْ الْمَيِّتِ وَبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا حَضَرَ وَارِثَانِ وَلَوْ حَضَرَ الْمُوصَى لَهُ وَحْدَهُ لَا يَقْسِمُ ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ إنَّمَا يَنْصِبُ الْقَاضِي وَصِيًّا عَنْ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ حَاضِرًا بِخِلَافِ الْغَائِبِ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ كَانَتْ
стр. 2702
مُشْتَرَكَةً بِالشِّرَاءِ فَجَرَى فِيهَا الْمِيرَاثُ بِأَنْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لَا يَقْسِمُ إذَا حَضَرَ الْبَعْضُ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَمْ يَقُمْ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ فِي الشَّرِكَةِ الْأُولَى بِالشِّرَاءِ فَيُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى الشَّرِكَةِ الْأُولَى فَإِنْ كَانَتْ بِالْمِيرَاثِ يَقُومُ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَتْ بِالشِّرَاءِ لَا يَقُومُ.
ضَيْعَةٌ بَيْنَ خَمْسَةٍ؛ وَاحِدٌ صَغِيرٌ وَاثْنَانِ غَائِبَانِ وَاثْنَانِ حَاضِرَانِ فَاشْتَرَى رَجُلٌ نَصِيبَ أَحَدِ الْحَاضِرَيْنِ وَطَالَبَ شَرِيكَهُ الْحَاضِرَ بِالْقِسْمَةِ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَخْبَرَاهُ عَنْ الْقَضِيَّةِ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ شَرِيكَهُ بِالْقِسْمَةِ وَجَعَلَ وَكِيلًا عَنْ الْغَائِبَيْنِ وَالصَّغِيرِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَائِعِ وَكَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَ شَرِيكَهُ فَكَذَا مَنْ قَامَ مَقَامَهُ.
أَرْضٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَقَدَّمَهُ إلَى الْقَاضِي فَأَتَى شَرِيكُهُ وَقَالَ: بِعْت نَصِيبِي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْبَائِعِ لَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ لِدَفْعِ الْقِسْمَةِ عَنْهُ لِأَنَّهُ يُرِيدُ إبْطَالَ حَقِّ الْقِسْمَةِ بِإِثْبَاتِ فِعْلِ نَفْسِهِ بِالْبَيْعِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِثْبَاتِ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ لِغَائِبٍ غَيْرُ مُسْتَغْرِقٍ حَبَسَ الْقَاضِي قَدْرَ الدَّيْنِ وَقَسَمَ الْبَاقِيَ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْسِمُ قَدْرَ الدَّيْنِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى نَقْضِ قَضَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لَا يَقْسِمُ لِأَنَّهُمْ لَا مِلْكَ لَهُمْ فِي التَّرِكَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. اهـ.
وَفِي التَّجْرِيدِ وَلَوْ بَنَى رَجُلَانِ فِي أَرْضٍ لِرَجُلٍ بِإِذْنِهِ ثُمَّ أَرَادَا قِسْمَةَ الْبِنَاءِ وَمُؤَاجَرَةَ الْأَرْضِ لِغَائِبٍ فَلَهُمَا ذَلِكَ فَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَفِي النَّوَازِلِ سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ قَرْيَةٍ مَشَاعٍ بَيْنَ أَهْلِهَا، رُبُعُهَا وَقْفٌ وَرُبُعُهَا مَقْبَرَةٌ وَنِصْفُهَا مِلْكٌ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوهُ مَقْبَرَةً قَالَ: إنْ قُسِمَتْ الْقَرْيَةُ كُلُّهَا عَلَى مِقْدَارِ كُلِّ نَصِيبٍ جَازَتْ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا مَوْضِعًا مِنْهَا لَا يَجُوزُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ: رَجُلٌ اشْتَرَى مِنْ آخَرَ نِصْفَ دَارٍ، ثُمَّ قَاسَمَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا جَازَتْ الْقِسْمَةُ فَإِنْ اُسْتُحِقَّ النِّصْفُ الَّذِي فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ مَا فِي يَدِ الْبَائِعِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ نِصْفُ الْبَائِعِ بَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ النِّصْفَ مِنْ النِّصْفِ الَّذِي صَارَ لَهُ بِالْحِصَّةِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ وَلَوْ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى بَاعَ الْمُشْتَرِي النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِيهِ وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ مَا بَاعَ الْبَائِعُ، وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ وَكَذَا إنْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ أَحَدَ النَّصِيبَيْنِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا بَاعَ أَحَدُهُمَا وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ رَحِمُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَبِهِ أَخَذَ الْحَسَنُ قَالَ: وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَيُّ النِّصْفَيْنِ اُسْتُحِقَّ جَازَ الْبَيْعُ فِي الْآخَرِ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ بَعْضَ نَصِيبِهِ، ثُمَّ حَضَرَا - يَعْنِي الْوَارِثَ وَالْمُشْتَرِيَ - وَطَلَبَا الْقِسْمَةَ فَالْقَاضِي لَا يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَحْضُرَ وَارِثٌ آخَرُ غَيْرُ الْبَائِعِ وَلَوْ اشْتَرَى مِنْهُ نَصِيبَهُ، ثُمَّ وَرِثَ الْبَائِعُ شَيْئًا بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ اشْتَرَى لَمْ يَكُنْ خَصْمًا لِلْمُشْتَرِي فِي نَصِيبِهِ الْأَوَّلِ فِي الدَّارِ حَتَّى يَحْضُرَ وَارِثٌ آخَرُ غَيْرُهُ وَلَوْ حَضَرَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَارِثِ وَوَارِثٌ آخَرُ وَغَابَ الْوَارِثُ وَالْبَائِعُ وَأَقَامَ الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةَ عَلَى شِرَائِهِ وَقَبْضِهِ وَعَلَى الدَّارِ وَعَدَدِ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا إنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُشْتَرِي لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ مِنْ الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ وَسَكَنَ الدَّارَ مَعَهُمْ ثُمَّ طَلَبَ الْقِسْمَةَ هُوَ وَوَارِثٌ آخَرُ غَيْرُ الْبَائِعِ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَالْقَاضِي يَقْسِمُ الدَّارَ وَكَذَلِكَ إنْ طَلَبَتْ الْوَرَثَةُ الْقِسْمَةَ دُونَ الْمُشْتَرِي فَالْقَاضِي يَقْسِمُ الدَّارَ بَيْنَهُمْ بِطَلَبِهِمْ وَجَعَلَ نَصِيبَ الْغَائِبِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَقْضِي بِالشِّرَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الدَّارَ عُزِلَ نَصِيبُ الْوَارِثِ الْغَائِبِ وَلَا يُدْفَعُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الَّذِي طَلَبَ الْقِسْمَةَ وَأَبَى الْوَرَثَةُ لَمْ أَقْسِمْ لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ مَا لِكُلٍّ وَلَا أَقْبَلُ بَيِّنَةً عَلَى الشِّرَاءِ وَالْبَائِعُ غَائِبٌ.
وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ: دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ وَهُوَ مَشَاعٌ مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَمَرَ الْبَائِعَ أَنْ يُقَاسِمَ صَاحِبَ الدَّارِ وَيَقْبِضَ نَصِيبَهُ فَقَاسَمَهُ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ، وَإِذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَارٌ وَنِصْفُ دَارٍ اقْتَسَمَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الدَّارَ وَيَأْخُذَ الْآخَرُ نِصْفَ الدَّارِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الدَّارُ أَقَلَّ قِيمَةٍ مِنْ نِصْفِ الدَّارِ.
قَالَ ﵀: (وَقَسَمَ الْقَاضِي بِطَلَبِ أَحَدِهِمْ لَوْ انْتَفَعَ كُلٌّ بِنَصِيبِهِ) لِأَنَّ فِيهِ تَكْمِيلَ الْمَنْفَعَةِ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَكَانَتْ الْقِسْمَةُ حَقًّا لَهُمْ فَوَجَبَ عَلَى الْقَاضِي إجَابَتُهُمْ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: يَعْنِي يَقْسِمُ جَبْرًا وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْإِقْرَارِ لِتَفَاوُتِ الْمَقَاصِدِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ تَضَرَّرَ الْكُلُّ لَمْ يَقْسِمْ إلَّا بِرِضَاهُمْ) وَذَلِكَ
стр. 2703
كَمَا لَوْ طَلَبُوا قِسْمَةَ الْبِئْرِ وَالرَّحَى وَالْحَائِطِ وَالْحَمَّامِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ، وَفِي قِسْمَةِ هَذَا تَفْوِيتٌ فَيَعُودُ عَلَى مَوْضِعِهِ بِالنَّقْصِ وَلِأَنَّ الطَّالِبَ لِلْقِسْمَةِ مُتَعَنِّتٌ وَيُرِيدُ إدْخَالَ الضَّرَرِ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يُجِيبُهُ الْحَاكِمُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ بَلْ بِمَا يَضُرُّ وَيَجُوزُ بِالتَّرَاضِي لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَهُمْ أَعْرَفُ بِحَاجَتِهِمْ لَكِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُبَاشِرُ ذَلِكَ، وَإِنْ طَلَبُوهُ مِنْهُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ لِأَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ اهـ.
كَلَامُ الشَّارِحِ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْمَتْنِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْسِمُ عِنْدَ رِضَاهُمْ وَفِي الْيَنَابِيعِ وَالذَّخِيرَةِ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْسِمُ، وَبَعْضُ الْمَشَايِخِ قَالَ: يَقْسِمُ فَظَهَرَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ انْتَفَعَ الْبَعْضُ وَتَضَرَّرَ الْبَعْضُ لِقِلَّةِ حَظِّهِ قَسَمَ بِطَلَبِ ذِي الْكَثِيرِ فَقَطْ) يَعْنِي بِطَلَبِ صَاحِبِ الْكَثِيرِ كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْخَصَّافِ وَوَجْهُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْكَثِيرِ يَطْلُبُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَخُصَّهُ بِالِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَيَمْنَعَ غَيْرَهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَهَذَا مِنْهُ طَلَبُ الْحَقِّ وَالْإِنْصَافِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ غَيْرَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ فَوَجَبَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يَعْتَبِرَ ضَرَرَ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ طَلَبَ صَاحِبُ الْقَلِيلِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِحَقِّهِ مَعَ أَنَّهُ مُتَعَنِّتٌ فِي طَلَبِ الْقِسْمَةِ فَلَا يَشْتَغِلُ الْقَاضِي بِمَا لَا يُفِيدُ وَذَكَرَ الْجَصَّاصُ أَنَّهُ إنْ طَلَبَ صَاحِبُ الْقَلِيلِ قَسَمَ، وَإِنْ طَلَبَ صَاحِبُ الْكَثِيرِ لَا يَقْسِمُ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَيُّهُمْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ يَقْسِمُ الْقَاضِي وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ إيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجِيبَهُمْ إلَى إضْرَارِ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يَنْتَفِعُ؛ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: بَيْتٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ وَهُوَ صَغِيرٌ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا،
لَا يُجِيبُهُمَا الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَقْسِمُ إلَّا إذَا طَلَبَ صَاحِبُ الْكَثِيرِ خَاصَّةً وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. اهـ.
قَالَ ﵀: (وَيَقْسِمُ الْعُرُوضَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْمُبَادَلَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَالِيَّةِ مُمْكِنٌ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ لِاتِّحَادِ الْمَقْصُودِ فِيهِ فَيَقَعُ تَمْيِيزًا فَيَمْلِكُ الْقَاضِي الْإِجْبَارَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ ﵀: (وَلَا يَقْسِمُ الْجِنْسَيْنِ وَالْجَوَاهِرَ) أَمَّا الْجِنْسَانِ فَلِعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ بَيْنَهُمَا فَلَا تَقَعُ الْقِسْمَةُ تَمْيِيزًا بَلْ تَقَعُ مُعَاوَضَةً فَيُعْمَلُ التَّرَاضِي دُونَ جَبْرِ الْقَاضِي وَلِهَذَا قَيَّدَ بِالتَّرَاضِي، وَأَمَّا الْجَوَاهِرُ فَلِأَنَّ جَهَالَتَهَا مُتَفَاحِشَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مِنْهَا عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَقِيلَ: لَا يَقْسِمُ الْكِبَارَ مِنْهَا لِفُحْشِ التَّفَاوُتِ وَيَقْسِمُ الصِّغَارَ لِقِلَّةِ التَّفَاوُتِ وَقِيلَ: إنْ اخْتَلَفَ جِنْسُهُمَا لَا يَقْسِمُ، وَإِنْ اتَّحَدَ يَقْسِمُ كَسَائِرِ الْأَجْنَاسِ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ: وَالْقُمْقُمُ وَالطَّشْتُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ صُفْرٍ مُلْحَقَةً مُخْتَلِفَةُ الْجِنْسِ فَلَا يَقْسِمُهَا جَبْرًا وَكَذَلِكَ الْأَثْوَابُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ إذَا اخْتَلَفَ بِالصَّنْعَةِ كَالْقَبَاءِ وَالْجُبَّةِ وَالْقَمِيصِ كَذَلِكَ، وَفِي مُخْتَصَرِ خُوَاهَرْ زَادَهْ: وَلَا يُقْسَمُ السَّرْجُ وَلَا الْفَرَسُ وَلَا الْمُصْحَفُ، وَفِي التَّجْرِيدِ لَوْ أَوْصَى لَهُمَا بِصُوفٍ عَلَى ظَهْرِ غَنَمٍ، أَوْ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ، أَوْ بِمَا فِي بُطُونِ الْغَنَمِ لَا يُقْسَمُ قَبْلَ الْجَزِّ وَالْحَلْبِ وَالْوِلَادَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ثَوْبٌ مَخِيطٌ لَا يَقْسِمُ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ وَلَوْ غَيْرَ مَخِيطٍ فَاقْتَسَمَاهَا طُولًا، أَوْ عَرْضًا جَازَتْ الْقِسْمَةُ قَالَ ﵀: (وَالرَّقِيقَ وَالْحَمَّامَ وَالْبِئْرَ وَالرَّحَى إلَّا بِرِضَاهُمْ) أَمَّا الرَّقِيقُ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَالتَّفَاوُتُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَا يَمْنَعُ الْقِسْمَةَ كَمَا فِي الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَلِهَذَا يُقْسَمُ الرَّقِيقُ فِي الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَلِلْإِمَامِ: أَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا فَاحِشٌ لِتَفَاوُتِ الْمَعَانِي الْبَاطِلَةِ كَالدُّهْنِ وَالْكِيَاسَةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِمَا لَا يَخْتَلِفُ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا وَذَلِكَ مُغْتَفَرٌ فِي الْقِسْمَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ وَمِنْ الْحَيَوَانَاتِ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ وَقِسْمَةُ الْغَنَائِمِ تَجْرِي فِي الْأَجْنَاسِ فَلَا تَلْزَمُ وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّقِيقُ وَحْدَهُمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ الْعُرُوضِ، وَهُمْ ذُكُورٌ فَقَطْ، أَوْ إنَاثٌ فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا كَانُوا مُخْتَلَطِينَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لَا يُقْسَمُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الرَّقِيقِ شَيْءٌ آخَرُ مِمَّا يُقْسَمُ جَازَتْ الْقِسْمَةُ فِي الرَّقِيقِ تَبَعًا لِغَيْرِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ وَيُجْبِرُهُمْ الْقَاضِي بِطَلَبِ الْبَعْضِ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَدْخُلُ تَبَعًا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ دُخُولُهُ قَصْدًا، وَأَمَّا الْحَمَّامُ وَالْبِئْرُ وَالرَّحَى فَلِمَا ذُكِرَ مِنْ إلْحَاقِ الضَّرَرِ بِالْكُلِّ وَلَوْ اقْتَسَمَا الْحَمَّامَ، أَوْ الْبِئْرَ بِأَنْفُسِهِمْ جَازَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ نَوْعُ مَنْفَعَةٍ بِأَنْ يَتَّخِذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْحَمَّامِ بَيْتًا، وَإِنْ طَلَبَا جَمِيعًا الْقِسْمَةَ مِنْ الْقَاضِي هَلْ يَقْسِمُ؟ فِيهِ
رِوَايَتَانِ: فِي رِوَايَةٍ لَا يَقْسِمُ لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ
стр. 2704
تَفْوِيتَ مَنْفَعَةٍ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَفَهًا يُمَكِّنُهُ، وَفِي رِوَايَةٍ يَقْسِمُ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِذَلِكَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ لِأَنَّهُ فِيهِ نَوْعُ مَنْفَعَةٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة، وَإِذَا كَانَتْ قَنَاةٌ، أَوْ بِئْرٌ أَوْ نَهْرٌ وَلَيْسَ مَعَهُ أَرْضٌ فَأَرَادَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ فَإِنَّهَا لَا تُقْسَمُ، وَإِذَا كَانَتْ أَرْضٌ لَهَا شِرْبٌ قَسَمَ الْأَرْضَ وَتَرَكَ الشِّرْبَ، وَالْقَنَاةُ وَالْبِئْرُ كَالشَّرِكَةِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا شِرْبُهُ فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ شِرْبًا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ قَسَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَفِي الْأَصْلِ لَوْ كَانَتْ أَنْهَارًا وَآبَارًا لِأَرْضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَسَمَ الْآبَارَ وَالْعُيُونَ وَالْأَرَاضِيَ. اهـ.
وَفِي النَّوَادِرِ وَلَوْ قَسَمَ الْبِئْرَ بِالْجِبَالِ جَازَ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهَا قَلِيلٌ. اهـ. .
قَالَ ﵀: (دُورٌ مُشْتَرَكَةٌ، أَوْ دَارٌ وَضِيعَةٌ، أَوْ دَارٌ وَحَانُوتٌ قُسِمَ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ) أَمَّا الدُّورُ الْمُشْتَرَكَةُ فَالْمَذْكُورُ هَهُنَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَقَالَا: تُقْسَمُ الدُّورُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ إذَا كَانَتْ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ وَكَانَتْ الْقِسْمَةُ أَصْلَحَ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ جِنْسٌ وَاحِدٌ نَظَرًا إلَى اتِّحَادِ الِاسْمِ وَالصُّورَةِ وَأَصْلُ السُّكْنَى جِنْسَانِ نَظَرًا إلَى اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ وَتَفَاوُتِ السُّكْنَى، وَإِذَا قُسِمَ كُلُّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ رُبَّمَا يَتَضَرَّرُ لِقِلَّةِ نَصِيبِهِ وَلِلْإِمَامِ أَنَّ الدُّورَ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ لِاخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَالِّ وَالْجِيرَانِ وَالْقُرْبِ مِنْ الْمَسْجِدِ فَكَانَ اخْتِلَافًا فَاحِشًا فَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ فِي الْقِسْمَةِ فَلَا يَجُوزُ جَمْعُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي دَارٍ إلَّا بِالتَّرَاضِي، وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ يُقْسَمُ كُلُّ جِنْسٍ مِنْهُ بِانْفِرَادِهِ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ كَمَا ذَكَرْنَا بِخِلَافِ الدُّورِ، وَالْمَنَازِلُ الْمُتَلَازِمَةِ كَالْبُيُوتِ وَالسَّاحَةُ كَالدُّورِ لِأَنَّهُ بَيْنَ الْبَيْتِ وَالدَّارِ فَأَخَذَ حَظَّهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالدُّورُ فِي مِصْرَيْنِ لَا تُقْسَمُ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الدُّورُ وَالضَّيْعَةُ وَالدَّارُ وَالْحَانُوتُ فَلِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ مَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَيُصَوِّرُ الْقَاسِمُ مَا يَقْسِمُهُ) أَيْ يَكْتُبُ عَلَى قِرْطَاسٍ لِيُمْكِنَهُ حِفْظُهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: يَكْتُبُ: إنَّ نَصِيبَ فُلَانٍ كَذَا وَفُلَانٍ كَذَا إنْ أَرَادُوا رَفْعَ تِلْكَ الْكَاغِضَةِ إلَى الْقَاضِي لِيَتَوَلَّى الْإِقْرَاعَ بَيْنَهُمْ بِنَفْسِهِ. قَالَ ﵀: (وَيُعَدِّلُهُ) أَيْ يُسَوِّيهِ عَلَى سِهَامِ الْقِسْمَةِ وَيُرْوَى وَيَعْزِلُهُ حَتَّى يَقْطَعَهُ بِالْقِسْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ ﵀ (وَيَذْرَعُهُ وَيُقَوِّمُ الْبِنَاءَ) لِأَنَّ قَدْرَ السَّاحَةِ يُعْرَفُ بِالذَّرْعِ وَالْمَالِيَّةَ بِالتَّقْوِيمِ وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا لِيُمْكِنَهُ التَّسْوِيَةُ فِي الْمَالِيَّةِ وَلَا بُدَّ مِنْ ذَرْعِ الْأَرْضِ وَتَقْوِيمِ الْبِنَاءِ.
قَالَ ﵀: (وَيُفْرِزُ كُلَّ نَصِيبٍ بِطَرِيقِهِ وَشِرْبِهِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَكْمِيلُ الْمَنْفَعَةِ وَبِهِ يَكْمُلُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُفْرِزْ يَبْقَى نَصِيبُ بَعْضِهِمْ مُتَعَلِّقًا بِنَصِيبِ الْآخَرِ فَلَمْ يَحْصُلُ الِانْفِصَالُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهَذَا بَيَانُ الْأَفْضَلِ فَإِذَا لَمْ يُفْرِزْهُ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْ جَازَ.
قَالَ ﵀ (وَيُلَقِّبُ الْأَنْصِبَاءَ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ وَيَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ وَيُقْرِعُ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ أَوَّلًا فَلَهُ السَّهْمُ الْأَوَّلُ وَمَنْ خَرَجَ ثَانِيًا فَلَهُ السَّهْمُ الثَّانِي) وَالْقُرْعَةُ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ فَلَوْ قَسَمَ الْإِمَامُ بِلَا قُرْعَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَضَاءِ فَيَمْلِكُ الْإِلْزَامَ فِيهِ وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى أَقَلِّ الْأَنْصِبَاءِ فَيُقَدِّرَ بِهِ آخِرَ السِّهَامِ حَتَّى إذَا كَانَ الْعَقَارُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ النِّصْفُ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ جَعَلَهَا أَسْدَاسًا لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْأَنْصِبَاءِ فَيَكْتُبَ أَسْمَاءَ الشُّرَكَاءِ فِي بِطَاقَاتٍ وَيَجْعَلَهَا شِبْهَ الْبُنْدُقَةِ، ثُمَّ يُخْرِجَهَا حَتَّى إذَا انْشَقَّتْ وَهِيَ مِثْلُ الْبُنْدُقَةِ يَدْلُكُهَا، ثُمَّ يَجْعَلُهَا فِي كُمِّهِ، أَوْ وَعْيٍ فَيُخْرِجُهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ أَوَّلًا فَلَهُ السَّهْمُ الْأَوَّلُ وَمَنْ خَرَجَ ثَانِيًا فَلَهُ السَّهْمُ الثَّانِي وَمَنْ خَرَجَ ثَالِثًا فَلَهُ السَّهْمُ الثَّالِثُ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْأَخِيرِ فَإِنْ خَرَجَ أَوَّلًا فِي الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ اسْمُ صَاحِبِ النِّصْفِ فَإِنَّ لَهُ ثَلَاثَةَ أَسْدَاسٍ مِنْ الْجَانِبِ الْمُلَقَّبِ بِالْأَوَّلِ، وَإِنْ خَرَجَ ثَانِيًا كَانَ لَهُ كَذَلِكَ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الْأَوَّلَ، وَإِنْ خَرَجَ ثَالِثًا كَانَ لَهُ كَذَلِكَ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي يَلِي الثَّانِيَ وَعَلَى هَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا يُقَالُ تَعْلِيقُ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْقُرْعَةِ قِمَارٌ وَهُوَ حَرَامٌ وَلِهَذَا لَمْ يُجِزْ عُلَمَاؤُنَا اسْتِعْمَالَهَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ وَتَعَيُّنِ الْعِتْقِ وَالْمُطَلَّقَةِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَحْصُلُ الِاسْتِحْقَاقُ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَهُ وَكَانَ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ إلْزَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا الْقِمَارُ عَلَى زَعْمِهِمْ اسْمٌ لِمَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَبْلُ لَا مِثْلُ هَذِهِ بَلْ هَذِهِ مَشْرُوعَةٌ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ يُونُسَ وَزَكَرِيَّا - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ﴾ [آل عمران: ٤٤] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] الْآيَةَ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: بَيْنَ أَوَّلِ كَلَامِهِمْ وَآخِرِهِ تَدَافُعٌ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَوَّلًا بِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ اسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ هُنَا جَوَابُ اسْتِحْسَانٍ وَالْقِيَاسُ يَأْبَى ذَلِكَ وَقَالُوا آخِرًا: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِقِمَارٍ وَبَيَّنُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
стр. 2705
الْقِمَارِ وَذَكَرُوا لَهُ نَظَائِرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْبَاهُ الْقِيَاسُ أَصْلًا بَلْ هُوَ يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَيْضًا فَتَدَافَعَا. اهـ. .
قَالَ ﵀: (وَلَا تَدْخُلُ فِي الْقِسْمَةِ الدَّرَاهِمُ إلَّا بِرِضَاهُمْ) يَعْنِي: جَمَاعَةٌ فِي أَيْدِيهِمْ عَقَارٌ فَطَلَبُوا الْقِسْمَةَ، وَفِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَضْلٌ عَنْ الْآخَرِ فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَدْفَعَ عِوَضَهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالْآخَرُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ لِأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهَا وَيَفُوتُ بِهِ التَّعْدِيلُ فِي الْقِسْمَةِ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَصِلُ إلَى عَيْنِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْحَالِ وَدَرَاهِمُ الْآخَرِ فِي الذِّمَّةِ فَيُخْشَى عَلَيْهَا التَّوَى، وَإِذَا كَانَ أَرْضٌ وَبِنَاءٌ فَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ يُقْسَمُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّعْدِيلِ فِيهِ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ لِأَنَّ تَعْدِيلَ الْبِنَاءِ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْمِسَاحَةِ وَالْمِسَاحَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْمَمْسُوحَاتِ ثُمَّ يَرُدُّ مَنْ وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِهِ قِيمَةَ الْبِنَاءِ، أَوْ مَنْ كَانَ أَجْوَدَ دَرَاهِمَ عَلَى الْآخَرِ فَتَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ ضَرُورَةً كَالْأَخِ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي الْمَالِ، ثُمَّ يَمْلِكُ تَسْمِيَةَ الصَّدَاقِ
ضَرُورَةَ صِحَّةِ التَّزْوِيجِ
وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى شَرِيكِهِ بِمُقَابَلَةِ الْبِنَاءِ مَا يُسَاوِيهِ مِنْ الْعَرْصَةِ، وَإِذَا بَقِيَ فَضْلٌ وَلَمْ يُمْكِنْ تَحْقِيقُ التَّسْوِيَةِ فِيهِ بِأَنْ لَمْ تَفِ الْعَرْصَةُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ فَحِينَئِذٍ تُرَدُّ الدَّرَاهِمُ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي هَذَا الْقَدْرِ فَلَا يُتْرَكُ الْأَصْلُ وَهُوَ الْقِسْمَةُ بِالْمِسَاحَةِ إلَّا بِالضَّرُورَةِ وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ الْأَصْلِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ رَفَعَ الْقِسْمَةَ عَلَى أَنْ يَزِيدَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا مَعْلُومًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوطُ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، أَوْ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا فَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً جَازَ بِأَنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً لِتَعْدِيلِ الْأَنْصِبَاءِ فَيَجُوزُ بِالتَّرَاضِي، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مَشْرُوطَةً لِتَقَعَ الْقِسْمَةُ عَلَى الْمُفَاضَلَةِ فَيَكُونُ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ جَائِزٌ بِتَرَاضِيهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا وَلَمْ يُسَمِّ مَكَانَ الْإِيفَاءِ لَمْ تَجُزْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا تَجُوزُ وَيُسَلِّمُهَا عِنْدَ الدَّارِ كَمَا فِي السَّلَمِ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَرَضًا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا كَالثَّوْبِ جَازَ مُؤَجَّلًا وَلَا يَجُوزُ حَالًّا وَإِنْ كَانَ عُرُوضًا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا بِعَيْنِهِ جَازَ وَبِغَيْرِ عَيْنِهِ لَا يَجُوزُ.
ثَلَاثَةٌ بَيْنَهُمْ دُورٌ صُغْرَى وَكُبْرَى فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ الْكُبْرَى عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْآخَرَيْنِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً جَازَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ الْكُبْرَى بِنَصِيبَيْنِ وَالصُّغْرَى بِنَصِيبٍ جَازَ وَلَوْ اقْتَسَمُوا الْبَابَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ هَذَا رَدَّ دِرْهَمًا وَمَنْ أَصَابَهُ هَذَا رَدَّ دِرْهَمَيْنِ جَازَ وَلَوْ اقْتَسَمُوا الْأَرَاضِيَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَهُ شَجَرًا وَنَبَتَ فِي أَرْضِهِ فَعَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ دَرَاهِمُ جَازَ وَلَوْ اقْتَسَمَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا الصَّامِتَ وَلِلْآخَرِ الْعُرُوضَ وَالنُّحَاسَ وَالدَّيْنَ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ يَرُدُّ عَلَيْهِ نِصْفَهُ فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ قُسِمَ وَلِأَحَدِهِمْ مَسِيلٌ، أَوْ طَرِيقٌ فِي مِلْكِ الْآخَرِ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْقِسْمَةِ صَرْفٌ عَنْهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فُسِخَتْ الْقِسْمَةُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِسْمَةِ تَكْمِيلُ الْمَنْفَعَةِ بِاخْتِصَاصِ كُلٍّ بِنَصِيبِهِ وَقَطْعُ أَسْبَابِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ فَإِذَا أَمْكَنَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ فَتَعَيَّنَ الْفَسْخُ وَالِاسْتِئْنَافُ لِنَفْيِ الِاخْتِلَاطِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ حَيْثُ لَا يُفْسَخُ وَلَا يُفْسَدُ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الِاسْتِطْرَاقِ وَمِنْ مَسِيلِ الطَّرِيقِ الْمَاءُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِانْتِفَاعُ فِي الْحَالِ وَلَا كَذَلِكَ الْقِسْمَةُ وَلَوْ ذَكَرَ الْحُقُوقَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا إذَا أَمْكَنَ صَرْفُهُ عَنْ الْآخَرِ بِأَنْ قَالَ هَذَا لَك بِحُقُوقِهِ كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ مِثْلَ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهِ فَيُصْرَفُ عَنْهُ إنْ أَمْكَنَ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا إذَا قَالَ خُذْ هَذَا بِطَرِيقِهِ وَشِرْبِهِ وَمَسِيلِهِ فَحِينَئِذٍ لَا يُصْرَفُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ بِأَبْلَغِ وُجُوهِ الْإِثْبَاتِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ إذَا ذَكَرَ فِيهِ الْحُقُوقَ حَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَ مِنْ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ فَيَدْخُلُ عِنْدَ التَّنْصِيصِ وَاخْتَلَفُوا فِي إدْخَالِ الطَّرِيقِ فِي الْقِسْمَةِ بِأَنْ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقْسَمُ الطَّرِيقُ بَلْ يَبْقَى مُشْتَرَكًا مِثْلَ مَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَنْظُرُ فِيهِ الْحَاكِمُ فَإِنْ كَانَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَفْتَحَ كُلٌّ فِي نَصِيبِهِ قَسَمَ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ يُرْفَعُ لِجَمَاعَتِهِمْ تَكْمِيلًا لِلْمَنْفَعَةِ وَتَحْقِيقًا لِلْإِقْرَارِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ رَفَعَ طَرِيقًا بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ لِتَحَقُّقِ تَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا وَرَاءَ الطَّرِيقِ وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ عَرْضِهِ يُجْعَلُ عَلَى قَدْرِ عَرْضِ الْبَابِ بِطُولِهِ أَيْ ارْتِفَاعِهِ حَتَّى يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَنَاحًا فِي نَصِيبِهِ إنْ كَانَ فَوْقَ الْبَابِ لَا فِيمَا دُونَهُ لِأَنَّ بَابَ الدَّارِ طَرِيقٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ يُرَدُّ إلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ فِي الدُّخُولِ وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ فِي الدَّارِ عَلَى التَّفَاوُتِ جَازَ، وَإِنَّ سِهَامَهُمْ فِي الدَّارِ مُتَسَاوِيَةٌ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى التَّفَاوُتِ بِالتَّرَاضِي فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَرْضًا يَرْفَعُ قَدْرَ مَا يَمُرُّ بِهِ ثَوْرٌ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي الْمُرُورِ وَلَمْ يَذْكُرْ
стр. 2706
حُكْمَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ اقْتَسَمُوا دَارًا فَإِذَا لَا طَرِيقَ لِأَحَدِهِمْ وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يَفْتَحَ فِي نَصِيبِهِ طَرِيقًا يَمُرُّ فِيهِ الرَّجُلُ دُونَ الْحَمُولَةِ جَازَتْ الْقِسْمَةُ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَضَمَّنْ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يُنْظَرْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ جَازَتْ الْقِسْمَةُ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ.
دَارٌ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ اقْتَسَمُوهَا عَلَى أَنْ يَفْتَحَ كُلُّ وَاحِدٍ بَابًا إلَى السِّكَّةِ جَازَ وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ لِأَنَّهُمْ تَصَرَّفُوا فِي خَالِصِ حَقِّهِمْ وَهُوَ الْجِدَارُ وَلَا ضَرَرَ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ.
مَقْصُورَةٌ بَيْنَ قَوْمٍ طَرِيقُهَا فِي دَارِ الْآخَرِ فَاقْتَسَمُوهَا فَلَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا مِنْ الْمَقْصُورَةِ إلَى الدَّارِ، وَإِنَّمَا لَهُمْ طَرِيقٌ عَلَى مِقْدَارِ الْبَابِ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ حَقُّ الْمُرُورِ فِيمَا سِوَى الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ بِجَنْبِ الْمَقْصُورَةِ دَارٌ لَهُمْ وَقَعَتْ فِي قِسْمَةِ رَجُلٍ فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ الطَّرِيقَ إلَى دَارِهِ فِي هَذِهِ الْمَقْصُورَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
طَرِيقٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا لِدَارٍ أُخْرَى لَا حَقَّ لَهَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ وَلَوْ اقْتَسَمُوا قَرْيَةً فَأَصَابَ أَحَدَهُمْ قَرَاحٌ وَالْآخَرَ كَرْمٌ وَالْآخَرَ بُيُوتٌ جَازَ بِتَرَاضِيهِمْ، وَإِذَا اقْتَسَمَا كَرْمًا وَفِيهِ عِنَبٌ وَثَمَرٌ يُنْظَرُ إنْ قَالَا عَلَى أَنَّ النِّصْفَ لِفُلَانٍ بِكُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ وَمَا فِيهِ مِنْ الْأَعْشَابِ وَالثِّمَارِ فَهِيَ مَقْسُومَةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ عَلَى الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا.
دَارٌ وَفِيهَا طَرِيقٌ لِآخَرَ لَا يَمْنَعُهَا عَنْ قِسْمَتِهَا وَيَتْرُكُ طَرِيقَهُ عَلَى عَرْضِ الْبَابِ الْعُظْمَى فَإِنْ بَاعُوا الدَّارَ وَالطَّرِيقَ بِرِضَاهُمْ ضَرَبَ صَاحِبُ الدَّارِ عَلَى مِثْلَيْ ثَمَنِ الطَّرِيقِ وَصَاحِبُ الْمَمَرِّ بِثُلُثِ الثَّمَنِ لِأَنَّ الطَّرِيقَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا إذَا لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ الْأَنْصِبَاءِ فَيَكُونُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا وَكَذَا إذَا كَانَ رَقَبَةُ الطَّرِيقِ لِاثْنَيْنِ وَلِلْآخَرِ حَقُّ الْمُرُورِ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَتَعَدَّدَتْ وَرَثَتُهُ اعْتَبَرَ حَقَّهُ كَحَقِّ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الدَّارَ مِيرَاثٌ بَيْنَهُمْ فَالطَّرِيقُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ وَقِسْمَةُ الطَّرِيقِ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ وَلَوْ كَانَ فِيهَا طَرِيقٌ مِنْ نَاحِيَةٍ وَطَرِيقٌ لِآخَرِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى يُعْزَلُ لَهُمَا طَرِيقٌ وَاحِدَةٌ وَالطَّرِيقُ الْوَاحِدُ يَكْفِي لِلْمُرُورِ، وَلَوْ اقْتَسَمُوا دَارًا وَفِيهَا كَنِيفُ شَارِعٍ إلَى الطَّرِيقِ أَوْ ظُلَّةٌ لَمْ يُحْسَبْ فِي ذَرْعِ الدَّارِ لِأَنَّ الظُّلَّةَ وَالْكَنِيفَ لَيْسَ لَهُمَا حَقُّ الْقَرَارِ عَلَى طَرِيقِ الْعَامَّةِ بَلْ مُسْتَحَقُّ النَّقْضِ وَمُسْتَحَقُّ النَّقْضِ كَالْمَنْقُوضِ وَلَكِنَّهُمَا يُقَوَّمَانِ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي حَيِّزِهِ وَلَا يُحْسَبَانِ فِي ذُرْعَانِ الدَّارِ بَعْدَ قِسْمَةِ الْوَالِي وَتَرَكَ طَرِيقًا لِلْعَامَّةِ فَرَأَى الْوَالِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَعْطِيَ الطَّرِيقَ لِوَاحِدٍ فَيَنْتَفِعَ بِهَا وَلَا يَضُرَّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ جَازَ إنْ كَانَتْ الْمَدِينَةُ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ اهـ.
[كَيْفَ يُقَسَّم سُفْلٌ لَهُ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ مُجَرَّدٌ وَعُلُوٌّ مُجَرَّدٌ]
قَالَ ﵀: (سُفْلٌ لَهُ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ مُجَرَّدٌ وَعُلُوٌّ مُجَرَّدٌ قُوِّمَ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ وَقُسِمَ بِالْقِيمَةِ) وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَالَ الْإِمَامُ: وَالثَّانِي يُقْسَمُ بِالذَّرْعِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِالذَّرْعِ هِيَ الْأَصْلُ فِي الْمَذْرُوعِ وَالْكَلَامُ فِيهِ وَالْعِبْرَةُ لِلتَّسْوِيَةِ فِي أَصْلِ السُّكْنَى كَمَا فِي الْمَرَافِقِ، قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَصُورَتُهَا عُلُوٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَسُفْلُهُ لِآخَرَ وَسُفْلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَعُلُوٌّ لِآخَرَ وَبَيْتٌ كَامِلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَالْكُلُّ فِي دَارٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي دَارَيْنِ قَيَّدْنَا بِهَذَا لِئَلَّا يُقَالَ: قِسْمَةُ الْعُلُوِّ مَعَ السُّفْلِ قِسْمَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا كَانَتْ الْبُيُوتُ مُتَفَرِّقَةً لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ السُّفْلَ يَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْعُلُوُّ كَالْبِئْرِ وَالْإِصْطَبْلِ وَالسِّرْدَابِ وَغَيْرِهِ فَصَارَ كَالْجِنْسَيْنِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّعْدِيلُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَكَيْفِيَّةُ الْقِسْمَةِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ ذِرَاعُ سُفْلٍ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ الْعُلُوِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ قِيلَ: أَجَابَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى عَادَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ وَقِيلَ هُوَ اخْتِلَافُ حُجَّةٍ بَيْنَهُمْ؛ قَالَ الْإِمَامُ: لِصَاحِبِ السُّفْلِ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَلِصَاحِبِ الْعُلُوِّ مَنْفَعَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَنْفَعَةُ السُّكْنَى وَأَبُو يُوسُفَ قَالَ: هُمَا سَوَاءٌ فِي الِانْتِفَاعِ.
وَتَفْسِيرُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَنْ يُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثُ ذِرَاعٍ مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ، فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ مِنْ الْعُلُوِّ الْكَامِلِ فِي مُقَابَلَةِ مِثْلِهِ مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ، وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ مِنْ السُّفْلِ الْكَامِلِ فِي مُقَابَلَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثُلُثَيْنِ مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ فَذَلِكَ تَمَامُ مِائَةٍ وَيُجْعَلُ بِمُقَابَلَةِ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الْمُجَرَّدِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَا ذِرَاعٍ مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ لِأَنَّ عُلُوَّهُ مِثْلُ نِصْفِ سُفْلِهِ فَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ مِنْ سُفْلِ الْكَامِلِ بِمُقَابَلَةِ مِثْلِهِ مِنْ السُّفْلِ الْمُجَرَّدِ، وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ مِنْ الْعُلُوِّ الْكَامِلِ فِي مُقَابَلَةِ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ وَثُلُثِ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الْمُجَرَّدِ فَذَلِكَ تَمَامُ مِائَةٍ، وَتَفْسِيرُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنْ السُّفْلِ الْمُجَرَّدِ، أَوْ مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ قَدْرُ نِصْفِهِ مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ وَيُقَابَلَ نِصْفُ الْعُلُوِّ بِنِصْفِ السُّفْلِ لِاسْتِوَاءِ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ عِنْدَهُ وَيُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنْ السُّفْلِ الْمُجَرَّدِ قَدْرُهُ مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُقْسَمُ عَلَى قِيمَةِ السُّفْلِ وَالْعُلُوِّ فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا عَلَى السَّوَاءِ يُحْسَبُ
стр. 2707
ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ، وَإِنْ كَانَ قِسْمَةُ أَحَدِهِمَا أَعْلَى مِنْ الْآخَرِ يُحْسَبُ الَّذِي قِيمَتُهُ أَعْلَى عَلَى النِّصْفِ ذِرَاعًا بِذِرَاعَيْنِ مِنْ الْآخَرِ حَتَّى يَسْتَوِيَا فِي الْقِيمَةِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُقْسَمُ الْعُلُوُّ مِنْ السُّفْلِ قِسْمَةً وَاحِدَةً عِنْدَ الْإِمَامِ وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْبُيُوتَ الْمُتَفَرِّقَةَ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً إنْ لَمْ تَكُنْ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ قُلْنَا مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمَا كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ وَالْبُنْيَانِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنَّمَا يُقْسَمُ عِنْدَ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِنْ كَانَ فِي دَارَيْنِ - بِطَرِيقِ التَّرَاضِي فَلِهَذَا قَيَّدَ فِي النِّهَايَةِ بِمَا سَبَقَ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ قُوِّمَ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ أَنَّ الْبِنَاءَ لَا يُقْسَمُ بِالذِّرَاعِ قَالَ، وَإِنْ قَسَمَا دَارًا فَإِنَّهُ يَقْسِمُ الْعَرْصَةَ بِالذِّرَاعِ وَيَقْسِمُ الْبِنَاءَ بِالْقِيمَةِ ثُمَّ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَتَارَةً يَقْسِمَا الْأَرْضَ نِصْفَيْنِ وَيَشْتَرِطَا أَنَّ مَنْ وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِهِ يَعْطِي لِصَاحِبِهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَقِيمَةُ الْبِنَاءِ مَعْلُومَةٌ، أَوْ اقْتَسَمُوا ذَلِكَ وَقِيمَةُ الْبِنَاءِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ بِأَنْ اقْتَسَمُوا الْأَرْضَ وَلَمْ يَقْتَسِمُوا الْبِنَاءَ فَإِنْ اقْتَسَمُوا الْأَرْضَ وَشَرَطَا فِي الْبِنَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ بَيْعًا مَشْرُوطًا فِي الْقِسْمَةِ وَهَذَا الْبَيْعُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْقِسْمَةِ فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْقِسْمَةِ فَيَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ قِسْمَةُ الْبِنَاءِ وَاقْتَسَمُوا كَذَلِكَ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَيَفْسُدُ قِيَاسًا لِجَهَالَةِ ثَمَنِ الْبِنَاءِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَاقَتْ الْعَرْصَةَ وَلَا جَهَالَةَ فِيهَا وَمَنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِهِ يَتَمَلَّكُ عَلَى صَاحِبِ نِصْفِ الْبِنَاءِ الْقِيمَةَ فِيهَا ضَرُورَةً، وَإِنْ اقْتَسَمَا الْأَرْضَ وَلَمْ يَقْتَسِمَا الْبِنَاءَ جَازَتْ الْقِسْمَةُ، ثُمَّ يَتَمَلَّكُ مَنْ وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِهِ نِصْفَ الْبِنَاءِ فَالْقِيمَةُ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِبْقَاءِ الْبِنَاءِ مُشْتَرَكًا لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَتَضَرَّرُ بِهِ وَلَا وَجْهَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ إلَّا بِتَمَلُّكِ الْأَرْضِ وَتُمْلَكُ بِالْبِنَاءِ بِالْقِيمَةِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْ تَمَلُّكِ الْأَرْضِ بِالْقِيمَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا كَالْغَاصِبِ إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ يَتَمَلَّكُ صَاحِبُ الثَّوْبِ الصِّبْغَ دُونَ صَاحِبِ الصِّبْغِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ هَذَا إذَا اقْتَسَمَا الْأَرْضَ فَلَوْ وَقَعَ الْقَسْمُ فِي الْأَرْضِ لِوَاحِدٍ وَالْبِنَاءُ لِآخَرَ، قَالَ: دَارٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاقْتَسَمَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبِنَاءَ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ فَهَذَا عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ: إذَا شَرَطَا فِي الْقِسْمَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ الْبِنَاءُ يَكُونُ مُشْتَرِيًا نَصِيبَ صَاحِبِهِ مِنْ الْبِنَاءِ بِمَا تَرَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ الْأَرْضِ فَإِنْ سَكَتَا عَنْ الْقَلْعِ، أَوْ شَرَطَا ذَلِكَ جَازَتْ الْقِسْمَةُ وَإِنْ شَرَطَا التَّرْكَ فَالْقِسْمَةُ فَاسِدَةٌ كَذَا فِي الْكَافِي، وَفِي الذَّخِيرَةِ يَجِبُ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَقَعُ لِوَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ بِنَفْسِ الْقِسْمَةِ بَلْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ مَعَانٍ: إمَّا الْقَبْضُ أَوْ قَضَاءُ الْقَاضِي، أَوْ الْفُرْقَةُ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ: أَرْضٌ وَدَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَحَدُهُمَا أَخَذَ الدَّارَ وَالْآخَرُ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَرُدَّ صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَيْهِ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَقِيمَةُ الدَّارِ أَلْفٌ وَقِيمَةُ الْأَرْضِ أَلْفَانِ فَبَاعَ صَاحِبُ الدَّارِ دَارِهِ فَاسْتُحِقَّ عُلُوُّ بَيْتٍ وَالْبَيْتُ وَالْعُلُوُّ عُشْرُ الدَّارِ: يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ عُشْرِ الدَّارِ وَمَسَكَ الْبَاقِيَ فَإِنَّ صَاحِبَ الدَّارِ يَرْجِعُ بِسِتَّةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَثُلُثَيْ دِرْهَمٍ مِنْ قِيمَةِ الْأَرْضِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي رَقَبَتِهَا.
قَالَ ﵀:. (وَيَقْبَلُ شَهَادَةَ الْقَاسِمَيْنِ إنْ اخْتَلَفُوا) يَعْنِي إذَا أَنْكَرَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ اسْتِيفَاءَ نَصِيبِهِ فَشَهِدَ الْقَاسِمَانِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى نَصِيبَهُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، أَوْ غَيْرِهِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالثَّانِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُقْبَلُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّانِي أَوَّلًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِهِمَا لِمُحَمَّدٍ إنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمَا فَلَا تُقْبَلُ كَمَنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى فِعْلِ فُلَانٍ فَشَهِدَ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَهُمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ وَالْقَبْضُ هُوَ فِعْلُ غَيْرِهِمَا لِأَنَّ فِعْلَهُمَا التَّمْيِيزُ لَا غَيْرُ وَلَا حَاجَةَ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إنْ اقْتَسَمَا الْأُجْرَةَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لِأَنَّهُمَا يَدَّعِيَانِ إيفَاءَ عَمَلٍ اُسْتُؤْجِرَا عَلَيْهِ فَكَانَتْ شَهَادَةً صُورَةً وَدَعْوَى مَعْنًى فَلَا تُقْبَلُ قُلْنَا هُنَا لَمْ يَجُرَّا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا لِأَنَّ الْأَخْصَامَ يُوَافِقَاهُمَا عَلَى إيفَاءِ الْعَمَلِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَانْتَهَتْ التُّهْمَةُ وَلَوْ شَهِدَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَوْ أَمَرَ الْقَاضِي أَمِينَهُ بِدَفْعِ الْمَالِ فَيُقْبَلُ قَوْلُ الْأَمِينِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي إلْزَامِ الْآخَرِ إذَا كَانَ مُنْكِرًا.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّ مِنْ نَصِيبِهِ شَيْئًا فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَقَدْ أَقَرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَالْمُدَّعِي لِلْغَلَطِ يَدَّعِي حَقَّ الْفَسْخِ لِنَفْسِهِ بَعْدَ تَمَامِهَا فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِبَيِّنَةٍ اُسْتُحْلِفَ الشُّرَكَاءُ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَإِذَا أَنْكَرُوا حُلِّفُوا عَلَيْهِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَوْ صَحَّ هَذَا الدَّلِيلُ لَوَجَبَ
стр. 2708
تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ إذَا ادَّعَى الْمُقِرُّ أَنَّهُ كَذَبَ فِي إقْرَارِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُحَلَّفُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٍ، الْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا إذَا أَقَرَّ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّ الْمُقِرَّ كَذَبَ فِي إقْرَارِهِ فَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ كَذَبَ فِي إقْرَارِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ اُسْتُحْلِفَ كَمَا لَوْ قَالُوا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا أَنَّهُ إذَا أَنْكَرَ كَانَ مُصَدَّقًا فِي إقْرَارِهِ فَافْتَرَقَا وَمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ وَمَنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ جُمِعَ نَصِيبُهُ مَعَ نَصِيبِ الْآخَرِ الْمُدَّعِي فَيُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمَا فِيهِ قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقْبَلَ دَعْوَاهُ أَصْلًا لِأَنَّهُ مُتَنَاقِضٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ مِنْ بَعْدُ حَيْثُ شَرَطَ التَّحَالُفَ إنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاسْتِيفَاءِ، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ لَا يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّ دَعْوَاهُ لَمْ تَصِحَّ لِلتَّنَاقُضِ فَإِذَا مُنِعَ التَّحَالُفُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الدَّعْوَى لِلتَّنَاقُضِ فَكَذَا هُنَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ مَا نَقَلَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَيَنْبَغِي إلَى آخِرِهِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ وَقَاضِي خان مَا يُؤَيِّدُ هَذَا. اهـ.
قَالَ: وَأَمَّا مَا لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ مَا إذَا أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالِاسْتِيفَاءِ، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ غَصَبَ شَيْئًا مِنْ نَصِيبِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا قَالَ: وَهَكَذَا الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ وَالْمَذْرُوعَاتُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مَتَى ثَبَتَ الْغَلَطُ بِالْبَيِّنَةِ لَا تُعَادُ الْقِسْمَةُ بَلْ يُقْسَمُ الْبَاقِي عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمْ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي قِسْمَةِ الْبَاقِي فَأَمَّا فِي الْأَشْيَاءِ الْمُتَفَاوِتَةِ تُعَادُ لِلْقِسْمَةِ وَلَا يُقْسَمُ الْبَاقِي، وَفِي التَّجْرِيدِ وَالْأَصْلِ، وَأَمَّا دَعْوَى الْغَلَطِ فِي مِقْدَارِ الْوَاجِبِ بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ نَوْعَانِ نَوْعٌ يُوجِبُ التَّحَالُفَ وَنَوْعٌ لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ فَاَلَّذِي يُوجِبُ التَّحَالُفَ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا غَلَطًا فِي الْقِسْمَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ مُدَّعِيًا لِلْغَصْبِ بِدَعْوَى الْغَلَطِ كَمِائَةِ شَاةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَاهَا ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: صَابَكَ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ غَلَطًا وَأَنَا خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ، وَلَمْ تَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُمَا إقْرَارٌ بِالِاسْتِيفَاءِ أَمَّا إذَا سَبَقَ مِنْهُمَا إقْرَارٌ بِالِاسْتِيفَاءِ لَمْ تُسْمَعْ إلَّا مِنْ حَيْثُ دَعْوَى الْغَصْبِ وَهِيَ الَّتِي لَا تُوجِبُ التَّحَالُفَ. اهـ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ قَالَ: اسْتَوْفَيْت وَأَخَذْت بَعْضَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْخَصْمِ مَعَ الْيَمِينِ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْغَصْبَ وَهُوَ يُنْكِرُ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ وَلَوْ اقْتَسَمَا مِائَةَ شَاةٍ وَقَبَضَا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ إنَّك أَخَذْتَ خَمْسَةً مِنْ نَصِيبِي غَلَطًا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَقَالَ اقْتَسَمْنَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِي خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ وَلَك خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَمَّتْ، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ أَخَذَ خَمْسَةً غَلَطًا وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عُمِلَ بِهَا وَإِلَّا اُسْتُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ مُدَّعِي الْأَخْذِ - بِطَرِيقِ الْغَصْبِ -، وَفِي هَذِهِ الْأَخْذِ بِطَرِيقِ الْغَلَطِ فَافْتَرَقَا.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِالِاسْتِيفَاءِ وَادَّعَى أَنَّ ذَا حَظُّهُ وَلَمْ يُسَلَّمْ إلَيْهِ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ تَحَالَفَا وَفُسِخَتْ الْقِسْمَةُ) لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ بِالْقِسْمَةِ فَصَارَ نَظِيرَ الِاخْتِلَافِ فِي الْبَيْعِ وَالثَّمَنِ اهـ.
وَيَخْفَى أَنَّهُ يُبْدَأُ بِيَمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: التَّحَالُفُ فِي الْبَيْعِ فِيمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى وِفَاقِ الْقِيَاسِ كَمَا عُلِمَ فِي مَحَلِّهِ وَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَمُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَدَّعِي عَلَى الْآخَرِ شَيْئًا حَتَّى يُنْكِرَهُ الْآخَرُ فَيُحَلَّفَ عَلَيْهِ، وَالْآخَرَ يَدَّعِي، وَلَكِنَّا عَرَفْنَاهُ فِي الْبَيْعِ بِالنَّصِّ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِالتَّحَالُفِ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ مُدَّعِيًا وَهُوَ وَارِدٌ فِي الْبَيْعِ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لَا يُقَاسُ وَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ مِنْ وَجْهٍ، إذْ فِيهَا مَعْنَى الْإِقْرَارِ وَالْمُبَادَلَةِ مَعًا فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْجَوَابِ قَالَ فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ بَعْدَ التَّحَالُفِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بِالْقُرْعَةِ وَقَدْ يَقَعُ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا فِي جَانِبِ الْآخَرِ فَيَتَضَرَّرُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً عُمِلَ بِهَا، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عُمِلَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ إثْبَاتًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَيَّدَ أَيْضًا: قَسَمَ الْقَسَّامُ الدَّارَ فَأَعْطَى أَحَدَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ غَلَطًا وَبَنَى فِيهَا فَإِنَّهُمْ يَسْتَقْبِلُونَ الْقِسْمَةَ فَإِنْ وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي قَسْمِ غَيْرِهِ دَفَعَ نَقْصَهُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْقَاسِمِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِالْأَجْرِ الَّذِي أَخَذَهُ، وَإِذَا قَسَمَا دُورًا وَأَخَذَ أَحَدُهُمَا دَارًا وَالْآخَرُ أُخْرَى، ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا غَلَطًا وَجَاءَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْقِسْمَةَ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ ظَهَرَ غَبْنٌ فَاحِشٌ فِي الْقِسْمَةِ تُفْسَخُ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَظَاهِرٌ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ مُقَيَّدٌ بِالْعَدْلِ وَالنَّظَرِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِالتَّرَاضِي فَقَدْ قِيلَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ مُدَّعِيهِ لِأَنَّ دَعْوَى الْغَبْنِ لَا تُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ فَكَذَا فِي الْقِسْمَةِ لِوُجُودِ التَّرَاضِي وَفِيهِ يُفْسَخُ هُوَ
стр. 2709
الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَفِي الْعِنَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَإِذَا اقْتَسَمَا دَارًا وَأَصَابَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَانِبٌ، وَادَّعَى أَحَدُهُمَا بَيْتًا فِي يَدِ الْآخَرِ أَنَّهُ مِمَّا أَصَابَهُ بِالْقِسْمَةِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَبَيِّنَةُ الْمُدَّعِي مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّهُ الْخَارِجُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْإِشْهَادِ تَحَالَفَا وَتُفْسَخُ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْحُدُودِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْجُزْءِ الَّذِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ خَارِجٌ فِيهِ وَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً يُقْضَى بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا كَمَا فِي الْبَيْعِ قَالَ: دَعْوَى الْغَلَطِ فِي الْقِسْمَةِ نَوْعَانِ مَا يَصِحُّ وَمَا لَا يَصِحُّ، وَمَا يَصِحُّ نَوْعَانِ: مَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ وَمَا لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ أَمَّا مَا لَا يَصِحُّ وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمْ الْغَلَطَ فِي التَّقْوِيمِ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ وَهُوَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ وَلَا تُعَادُ الْقِسْمَةُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَاَلَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الدَّعْوَى هُوَ أَنْ يَدَّعِيَ الْغَلَطَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَهُوَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ كَذَا فِي الْمُحِيطِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ شَائِعٍ مِنْ حَظِّهِ رَجَعَ بِقِسْطِهِ فِي حَظِّ شَرِيكِهِ وَلَا تُفْسَخُ الْقِسْمَةُ) وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ هَذَا مُحَتَّمٌ لَكِنْ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ إنْ شَاءَ رَجَعَ بِذَلِكَ إلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ وَاقْتَسَمَا ثَانِيًا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَوْلُهُ: بِقِسْطِهِ يَعْنِي لَوْ كَانَ قِيمَةُ نَصِيبِهِ سِتَّمِائَةٍ وَقِيمَةُ الْآخَرِ مِثْلَهُ فَاسْتُحِقَّ نِصْفُ مَا فِي يَدِهِ رَجَعَ بِنِصْفِ النِّصْفِ وَهُوَ الرُّبُعُ وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَقَالَ الثَّانِي: تُفْسَخُ كَذَا ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ فِي الْإِسْرَارِ وَغَيْرِهِ قَيَّدَ بِالشَّائِعِ يَحْتَرِزُ عَنْ الْمُعَيَّنِ وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ إذَا اُسْتُحِقَّ بَعْضُ نَصِيبِ بَعْضِ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الشَّائِعِ، وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْبَعْضِ الْمُعَيَّنِ لَا تَنْفَسِخُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ شَائِعٍ فِي الْكُلِّ تُفْسَخُ بِالْإِجْمَاعِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ وَمُحَمَّدٌ مَعَ الْإِمَامِ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو حَفْصٍ وَمَعَ الثَّانِي فِيمَا حَكَاهُ أَبُو سُلَيْمَانَ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِلثَّانِي أَنْ يَأْخُذَ، بِالِاسْتِحْقَاقِ ظَهَرَ شَرِيكٌ آخَرُ وَالْقِسْمَةُ بِدُونِهِ لَا تَصِحُّ فَصَارَ كَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ الشَّائِعِ فِي الْكُلِّ بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَحَقِّ بَقِيَ مُقَرَّرًا عَلَى حَالِهِ لَيْسَ لِلْغَيْرِ فِيهِ حَقٌّ وَلَهُمَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِسْمَةِ التَّمَيُّزُ وَالْإِفْرَازُ وَلَا يَنْعَدِمُ بِاسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ مِنْ شَائِعٍ مِنْ نَصِيبِ الْوَاحِدِ وَلِهَذَا جَازَتْ الْقِسْمَةُ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِأَنْ كَانَ الْبَعْضُ الْمُتَقَدِّمُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَالْبَعْضُ الْمُؤَخَّرُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَاقْتَسَمَ الِاثْنَانِ عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا مَا لَهُمَا مِنْ الْمُقَدَّمِ وَلِلْآخَرِ الْمُؤَخَّرُ، أَوْ اقْتَسَمَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا مَا لَهُمَا مِنْ الْمُقَدَّمِ وَبَعْضِ الْمُؤَخَّرِ مُفْرَزًا يَجُوزُ فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ الشَّائِعِ فِي الْكُلِّ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِفْرَازِ وَالتَّمَيُّزِ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعَ بَقَاءِ نَصِيبِ الْبَعْضِ وَلَوْ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ كُلُّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الشُّرَكَاءِ وَلَوْ بَاعَ بَعْضُهُمْ بِفَضْلِ نَصِيبِهِ شَائِعًا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ مَا بَقِيَ شَائِعًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الشُّرَكَاءِ بِحِسَابِهِ وَسَقَطَ خِيَارُ الْفَسْخِ بِبَيْعِ الْبَعْضِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَرْجِعُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ بِحِسَابِهِ وَيَضْمَنُ حِصَّتَهُمْ مِمَّا بَاعَ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَنْقَلِبُ فَاسِدَةً عِنْدَهُ وَالْمَقْبُوضُ بِالْفَاسِدِ مَمْلُوكٌ وَيَنْفُذُ بَيْعُهُ وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ فَيَضْمَنُ لَهُمْ.
وَلَوْ قَسَمَ الْوَرَثَةُ التَّرِكَةَ، ثُمَّ ظَهَرَ فِيهَا دَيْنٌ مُحِيطٌ قِيلَ لِلْوَرَثَةِ: اقْضُوا دَيْنَ الْمَيِّتِ فَإِنْ قَضَوْهُ صَحَّتْ الْقِسْمَةُ، وَإِلَّا فُسِخَتْ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِرْثِ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ الْمِلْكِ لَهُمْ إلَّا إذَا قَضَوْا الدَّيْنَ، أَوْ أَبْرَأَهُمْ الْغُرَمَاءُ فَيَصِحُّ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا فَكَذَا الْجَوَابُ إلَّا إذَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ مَا يَفِي بِالدَّيْنِ فَحِينَئِذٍ لَا تَنْفَسِخُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ وَلَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمِينَ لِلتَّرِكَةِ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ صَحَّ دَعْوَاهُ وَلَا تَنَاقُضَ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَالْقِسْمَةُ تُصَادِفُ الصُّورَةَ وَلَوْ ادَّعَى عَيْبًا بِأَيِّ سَبَبٍ كَأَنْ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الشَّرِكَةِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ الْمَقْسُومَ مُشْتَرَكٌ قَالَ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مِائَةُ شَاةٍ أَخَذَ أَحَدُهُمَا أَرْبَعِينَ قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ وَالْآخَرُ سِتِّينَ قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ شَاةٌ مِنْ الْأَرْبَعِينَ قِيمَتُهَا عَشَرَةٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ فِي السِّتِّينَ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي نَقْضِ الْإِمَامِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ بِخِلَافِ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ قَفِيزًا: ثَلَاثُونَ رَدِيئَةٌ أَخَذَهَا، وَعَشَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَخَذَهَا الْآخَرُ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ أَخَذَ الْعَشَرَةَ الْجَيِّدَةَ وَثَوْبًا جَازَ لِأَنَّ الزَّائِدَ فِي مُقَابَلَةِ الثَّوْبِ فَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ الثَّلَاثِينَ عَشَرَةٌ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الثَّوْبِ، وَفِي الزِّيَادَاتِ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثُلُثِ الثَّوْبِ وَقَفِيزٍ وَثُلُثَيْ قَفِيزٍ قِيلَ هَذَا قِيَاسٌ وَالْأَوَّلُ اسْتِحْسَانٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْمُنْتَقَى وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ مَا إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ بِالْقَضَاءِ، أَوْ بِالرِّضَا اهـ.
وَفِي السِّرَاجِيَّةِ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ اقْتَسَمَاهَا نِصْفَيْنِ وَبَنَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَصِيبِهِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ، وَفِي الْمُحِيطِ دَارٌ وَأَرْضٌ فِيهَا الْقِسْمَةُ فَإِذَا بَنَى أَحَدُهُمَا، أَوْ غَرَسَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُ
стр. 2710
النَّصِيبَيْنِ لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ هَذَا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ لَوْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا يُجْبَرُ فَلَوْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ لَوْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُجْبَرْ كَقِسْمَةِ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ سَلَامَةَ نَصِيبِهِ، وَفِي التَّجْرِيدِ وَكُلُّ قِسْمَةٍ وَقَعَتْ بِاخْتِيَارِ الْقَاضِي، أَوْ بِاخْتِيَارِهِمَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ يُخَيِّرُهُمَا الْقَاضِي عَلَيْهِ إذَا بَنَى أَحَدُهُمَا بِنَاءً، أَوْ غَرَسَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ لَمْ يَرْجِعْ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ عَلَى الْآخَرِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ تَهَايَآ فِي سُكْنَى دَارٍ، أَوْ دَارَيْنِ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ، أَوْ عَبْدَيْنِ، أَوْ غَلَّةِ دَارٍ، أَوْ دَارَيْنِ صَحَّ) يُحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرِهَا - لُغَةً وَشَرْعًا - وَشَرْطِهَا وَصِفَتِهَا وَدَلِيلِهَا وَحُكْمِهَا أَمَّا دَلِيلُهَا فَقَوْلُهُ: تَعَالَى ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] وَمِنْ السُّنَّةِ فَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَسَمَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ كُلَّ بَعِيرٍ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ وَكَانُوا يَتَنَاوَبُونَ فِي الرُّكُوبِ» وَاجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِهَا وَلِأَنَّ التَّهَايُؤَ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ فَيُصَارُ إلَيْهَا لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ لَتَعَذُّرِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَ التَّهَايُؤُ هُنَا جَمْعًا لِلْمَنَافِعِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَتَفْسِيرُهَا لُغَةً فَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ التَّهَيُّؤِ وَهُوَ أَنْ يُهَيِّئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا شَرَطَ لَهُ، وَفِي الشَّارِحِ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْهَيْئَةِ وَهِيَ الْحَالَةِ الظَّاهِرَةِ لِلتَّهَيُّؤِ لِلشَّيْءِ، وَإِبْدَالُ الْهَمْزَةِ أَلِفًا فِيهَا وَالتَّهَايُؤُ تَفَاعُلٌ مِنْهَا وَهُوَ أَنْ يَتَوَافَقُوا عَلَى أَمْرٍ فَيَتَرَاضَوْا بِهِ وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَرْضَى بِهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَخْتَارُهَا.
وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا شَرْعًا فَهِيَ مُبَادَلَةٌ مَعْنًى وَلَيْسَتْ بِإِقْرَارٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهَا لَا تَجْرِي فِي الْمِثْلِيَّاتِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَأَمَّا شَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا، وَصِفَتُهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ إذَا طَلَبَهَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ وَلَمْ يَطْلُبْ الشَّرِيكُ الْآخَرُ قِسْمَةَ الْأَصْلِ وَقَدْ يَكُونُ بِالزَّمَانِ وَقَدْ يَكُونُ بِالْمَكَانِ، وَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فَقَالُوا: إنْ جَرَتْ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَالْمَنْفَعَةُ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ تَفَاوَتَا تَفَاوُتًا يَسِيرًا فَهِيَ إقْرَارٌ، وَإِنْ جَرَتْ فِي الْجِنْسِ الْمُخْتَلِفِ كَالدَّارِ وَالْعَبِيدِ يُعْتَبَرْ مُبَادَلَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُمْ، وَفِي الْكَافِي وَلَا يَبْطُلُ التَّهَايُؤُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَلَا بِمَوْتِهِمَا. اهـ.
وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْقِسْمَةَ وَالْآخَرُ الْمُهَايَأَةَ يَقْسِمُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَلَوْ وَقَعَ التَّهَايُؤُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، ثُمَّ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ يَقْسِمُ وَيَبْطُلُ التَّهَايُؤُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ أَمَّا إذَا تَهَايَآ فِي سُكْنَى دَارٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ أَحَدُهُمَا بَعْضَهَا وَالْآخَرُ الْبَعْضَ، أَوْ أَحَدُهُمَا الْعُلُوَّ وَالْآخَرُ السُّفْلَ جَازَتْ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَائِزَةٌ فَكَذَا التَّهَايُؤُ وَهُوَ إقْرَارٌ لَا مُبَادَلَةٌ لِأَنَّهَا لَا تُجَوِّزُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الرِّبَا.
وَقِيلَ هُوَ إقْرَارٌ مِنْ وَجْهٍ، عَارِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كِلَا الْقَوْلَيْنِ مُشْكِلٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتْرُكُ مَا لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ بِعِوَضٍ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا فِي الْكُلِّ، أَوْ عَارِيَّةً فِي الْبَعْضِ وَالْعَارِيَّةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَالْمُهَايَأَةُ لَازِمَةٌ فَإِنْ قِيلَ: جَمْعُ الْمَنَافِعِ الشَّائِعَةِ فِي السِّنِّ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُحَالٌ لِعَدَمِ جَوَازِ انْتِقَالِ الْعَرَضِ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْقَاضِي جَمْعُهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْمَعَهَا حَقِيقَةً حَتَّى يَتَوَجَّهَ مَا ذُكِرَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَعْتَبِرُهُمَا جَمِيعًا ضَرُورَةً اهـ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي التَّهَايُؤِ فِي الْمَكَانِ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ التَّأْقِيتِ، وَفِي الْمُهَايَأَةِ فِي الزَّمَانِ إقْرَارٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَوْ أَشْغَلَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ جَازَ شَرَطَ فِي الْمُهَايَأَةِ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ فِي الِاشْتِغَالِ حَالَ الِانْفِرَادِ فَيَجُوزُ تَبَعًا لِلْمُهَايَأَةِ فِي السُّكْنَى كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَهَايَآ فِي دَارَيْنِ جَازَ وَيُجْبَرُ الْآبِي عَنْهَا وَيُعْتَبَرُ إفْرَازًا كَالْأَعْيَانِ الْمُتَفَاوِتَةِ فَلَوْ وَضَعَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِهِ شَيْئًا، أَوْ رَبَطَ فِيهَا دَابَّةً فَعَثَرَ بِهِ إنْسَانٌ وَمَاتَ لَا يَضْمَنُ وَلَوْ بَنَى، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا ضَمِنَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ مَرَافِقِ السُّكْنَى حَتَّى يَمْلِكَهُ الْمُسْتَعِيرُ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَلَا يَضْمَنُ، وَفِي الْبِنَاءِ وَالْحَفْرِ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فِي مِقْدَارِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَيَضْمَنُ وَلَا يَضْمَنُ مِقْدَارَ نَصِيبِهِ وَلَوْ تَهَايَآ فِي دَارَيْنِ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارًا، أَوْ يُؤَجِّرَهَا، وَإِنْ زَادَتْ غَلَّةُ أَحَدِهِمَا لَا يُشَارِكُ الْآخَرُ فِي الْفَضْلِ وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الدَّارَيْنِ أَمْكَنَ تَصْحِيحُ قِسْمَةِ الْمَنْفَعَةِ حَقِيقَةً وَلَوْ تَهَايَآ فِي الزَّمَانِ فِي الْخِدْمَةِ عَبْدًا جَازَ لِأَنَّهَا مُتَعَيَّنَةٌ فِيهِ لِتَعَذُّرِ التَّهَايُؤِ فِي الْمَكَانِ، وَالْبَيْتُ الصَّغِيرُ كَالْعَبْدِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّهَايُؤِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فِي مَحَلٍّ يَحْتَمِلهُمَا يَأْمُرهُمْ الْقَاضِي بِالِاتِّفَاقِ فَإِنْ اخْتَارُوا مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ يُقْرَعُ فِي الْبِدَايَةِ تَطْيِيبًا لِمُعَمِّرِهِ وَنَفْيًا لِلتُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَوْ تَهَايَآ فِي عَبْدَيْنِ عَلَى الْخِدْمَةِ جَازَ.
أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ لِأَنَّ قِسْمَةَ الرَّقِيقِ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمَا
стр. 2711
فَكَذَا الْمَنْفَعَةُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي لِأَنَّ قِسْمَةَ الرَّقِيقِ لَا يَجْرِي فِيهَا الْجَبْرُ عِنْدَهُ فَكَذَا الْمُهَايَأَةُ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَاضِيَ يُهَايِئُ بَيْنَهُمَا جَبْرًا بِطَلَبِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مِنْ حَيْثُ الْخِدْمَةُ قَلَّمَا تَتَفَاوَتُ بِخِلَافِ أَعْيَانِ الرَّقِيقِ لِأَنَّهَا تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا فَاحِشًا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَوْ تَهَايَآ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ كُلِّ عَبْدٍ عَلَى مَنْ يَخْدِمُهُ جَازَ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِالتَّسَامُحِ فِيهَا بِخِلَافِ كِسْوَةِ الْمَمَالِيكِ لِأَنَّهَا لَا تَسَامُحَ فِيهَا عَادَةً وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ " خِدْمَةِ عَبْدٍ " لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّهَايُؤُ فِي غَلَّةِ عَبْدٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ " خِدْمَةِ عَبْدَيْنِ " لِأَنَّهُمَا لَوْ تَهَايَآ فِي غَلَّتِهِمَا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ إذَا اسْتَوَتْ الْغَلَّتَانِ، لَهُمَا أَنَّ تَفَاوُتَ الْعَبْدَيْنِ فِي الْغَلَّةِ يَسِيرٌ فَيَجُوزُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهَا فَاحِشَةٌ فَإِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْتَأْجَرَ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ يُسْتَأْجَرُ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي بِمِثْلِ مَا اُسْتُؤْجِرَ فِي الْأَوَّلِ بَلْ بِزِيَادَةٍ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ تَحِلُّ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ اقْتَسَمَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً وَيُثْمِرَهَا جَازَ. اهـ.
وَفِي الْمُنْتَقَى جَارِيَتَانِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَهَايَآ عَلَى أَنْ تُرْضِعَ هَذِهِ ابْنَ هَذِهِ سَنَتَيْنِ وَتُرْضِعَ هَذِهِ ابْنَ هَذِهِ سَنَتَيْنِ جَازَ قَالُوا وَلَا يُشْبِهُ هَذَا لَبَنَ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَعَلَّلَ فَقَالَ أَلْبَانُ الْإِنْسَانِ لَا قِيمَةَ لَهَا وَلَا تُقْسَمُ وَأَلْبَانُ الْبَهَائِمِ تُقْسَمُ وَلَهَا قِيمَةٌ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلَانِ تَوَاضَعَا فِي بَقَرَةٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا يَحْلِبُ لَبَنَهَا كَانَ بَاطِلًا وَلَا يَحِلُّ فَضْلُ اللَّبَنِ لِأَحَدِهِمَا وَإِنْ جَعَلَهُ صَاحِبُهُ فِي حِلٍّ لِأَنَّ هَذَا هِبَةُ الْمُشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْفَضْلِ اسْتَهْلَكَ الْفَضْلَ فَإِذَا جَعَلَهُ صَاحِبُهُ فِي حِلٍّ كَانَ إبْرَاءً عَنْ الضَّمَانِ فَيَجُوزُ أَمَّا حَالَ قِيَامِ الْفَضْلِ يَكُونُ هِبَةً، أَوْ إبْرَاءً عَنْ الْعَيْنِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَفِي الْكَافِي غَنَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةً يَرْعَاهَا وَيَنْتَفِعُ بِأَلْبَانِهَا لَمْ يَجُزْ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْآخَرِ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ كُلَّهَا بَعْدَ مُضِيِّ نَوْبَتِهِ أَوْ يَنْتَفِعَ بِاللَّبَنِ بِالْوَزْنِ الْمَعْلُومِ. اهـ.
وَفِي الْكَافِي وَلَوْ تَهَايَآ فِي مَمْلُوكَيْنِ اسْتِخْدَامًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ أَبَقَ انْتَقَضَتْ الْمُهَايَأَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَخْدَمَهُ شَهْرًا إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَوْ أَبَقَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وَلَوْ أَبَقَ أَحَدُ الْخَادِمَيْنِ فِي خِدْمَةِ مَنْ شُرِطَ لَهُ الْخَادِمُ، أَوْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. اهـ.
وَلَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ وَانْقَضَتْ الْمُهَايَأَةُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبْدٌ وَأَمَةٌ فَتَهَايَآ فِيهِمَا صَحَّ ذَلِكَ كَذَا فِي الْأَصْلِ وَالتَّهَايُؤُ فِي الرُّكُوبِ فِي دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّهَايُؤِ اتِّحَادُ الْمَنْفَعَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ مَا يُخَالِفُهُ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَهَايَآ فِي دَارٍ وَمَمْلُوكٍ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ هَذَا الدَّارَ سَنَةً وَالْآخَرُ يَخْدِمُهُ الْعَبْدُ سَنَةً جَازَ اسْتِحْسَانًا اهـ.
قَالَ ﵀: (وَفِي غَلَّةِ عَبْدٍ وَعَبْدَيْنِ، أَوْ بَغْلٍ وَبَغْلَيْنِ أَوْ رُكُوبِ بَغْلٍ، أَوْ بَغْلَيْنِ، أَوْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أَوْ لَبَنِ شَاةٍ لَا) يَعْنِي لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ التَّهَايُؤُ أَمَّا فِي عَبْدٍ وَاحِدٍ، أَوْ بَغْلٍ وَاحِدٍ فَيَجُوزُ فَلِأَنَّ النَّصِيبَيْنِ يَتَعَاقَبَانِ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَالظَّاهِرُ التَّغَيُّرُ فِي الْحَيَوَانِ فَتَفُوتُ الْمُعَادَلَةُ بِخِلَافِ التَّهَايُؤِ فِي اسْتِغْلَالِ دَارٍ وَاحِدَةٍ حَيْثُ يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ وَلَوْ زَادَتْ غَلَّةُ الدَّارِ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ بِخِلَافِ التَّهَايُؤِ فِي الْمَنَافِعِ فَتُعْتَبَرُ الْمُعَادَلَةُ فِيهَا إلَّا فِي الْغَلَّةِ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ تَهَايَآ فِي الِاسْتِغْلَالِ فِي الدَّارَيْنِ وَفَضَلَتْ غَلَّةُ أَحَدِهِمَا حَيْثُ لَا يَشْتَرِكَانِ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِقْرَارِ رَاجِحٌ فِي الدَّارَيْنِ فَلَا تُعْتَبَرُ الْغَلَّةُ، وَأَمَّا لَوْ تَهَايَآ فِي اسْتِغْلَالِ عَبْدَيْنِ، أَوْ بَغْلَيْنِ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ لِإِمْكَانِ الْمُعَادَلَةِ فِيهَا وَلِلْإِمَامِ أَنَّ التَّهَايُؤَ فِي الْخِدْمَةِ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ إمْكَانِ قِسْمَتِهَا وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْغَلَّةِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ وَلِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِالِاسْتِغْلَالِ بِخِلَافِ الدَّارَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّغَيُّرِ فِي الْعَقَارِ، وَجُمْلَةُ مَسَائِلِ التَّهَايُؤِ اثْنَا عَشَرَ مَسْأَلَةً: فَفِي اسْتِخْدَامِ عَبْدٍ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا فِي اسْتِخْدَامِ الْعَبْدَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي اسْتِغْلَالِ عَبْدٍ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَكَذَا فِي غَلَّتِهَا وَكَذَا فِي سُكْنَى دَارَيْنِ، وَفِي غَلَّتِهِمَا خِلَافٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَفِي رُكُوبِ بَغْلٍ، أَوْ بَغْلَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ وَلَا يَجُوزُ فِي اسْتِغْلَالِ عَبْدٍ وَاحِدٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي بَغْلَيْنِ عَلَى الْخِلَافِ، وَأَمَّا التَّهَايُؤُ فِي ثَمَرِ شَجَرَةٍ، أَوْ لَبَنِ غَنَمٍ فَإِنَّهَا أَعْيَانٌ بَاقِيَةٌ تُرَدُّ عَلَيْهِمَا الْقِسْمَةُ عِنْدَ حُصُولِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّهَايُؤِ لِأَنَّ التَّهَايُؤَ فِي الْمَنَافِعِ ضَرُورَةٌ بِخِلَافِ لَبَنِ بَنِي آدَمَ حَيْثُ يَجُوزُ التَّهَايُؤُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْحِيلَةِ فِي ذَلِكَ قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ الْمُهَايَأَةَ عَلَى لُبْسِ الثَّوْبَيْنِ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي اللُّبْسِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ كَانَ عَبْدَانِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ غَابَ أَحَدُهُمَا فَجَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَقَاسَمَ الشَّرِيكَ وَأَخَذَ عَبْدًا لِلْغَائِبِ فَقَدِمَ الْغَائِبِ
стр. 2712
وَأَجَازَ فَمَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ بَطَلَتْ الْقِسْمَةُ وَلِلْغَائِبِ نِصْفُ الْعَبْدِ الْبَاقِي، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ حِصَّتَهُ فِي الْمَيِّتِ لِشَرِيكِهِ، أَوْ لِلْأَجْنَبِيِّ الْقَبْضَ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
[فُرُوعٌ لِأَحَدِهِمَا شَجَرَةٌ أَغْصَانُهَا مُطِلَّةٌ عَلَى قِسْمَةِ الْآخَرِ]
(فُرُوعٌ)
قَالَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ: إذَا كَانَ لِأَحَدِهِمَا شَجَرَةٌ أَغْصَانُهَا مُطِلَّةٌ عَلَى قِسْمَةِ الْآخَرِ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِقَطْعِ أَغْصَانِهِ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَبِهِ يُفْتَى وَإِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرْفَعَ بِنَاءَهُ وَيَسُدَّ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ عَلَى الْآخَرِ قَالَ نَصْرُ بْنُ يَحْيَى وَأَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ: لِصَاحِبِهِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ طَاحُونًا، أَوْ مِدَقًّا لِلْقَصَّارِينَ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ تَنُّورًا صَغِيرًا جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ]
لَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ الْأَرْضِ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يَقَعُ فِيهِ الْقِسْمَةُ ذَكَرَ الْمُزَارَعَةَ عَقِبَ الْقِسْمَةِ فَهِيَ لُغَةً مُفَاعَلَةٌ مِنْ الزِّرَاعَةِ وَشَرِيعَةً مَا ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ وَسَبَبُهَا سَبَبُ الْمُعَامَلَاتِ وَرُكْنُهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَشَرَائِطُ جَوَازِهَا كَوْنُ الْأَرْضِ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ وَكَوْنُ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ، وَبَيَانُ الْمُدَّةِ فَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةً لَا يَخْرُجُ الزَّرْعُ فِيهَا لَمْ تَجُزْ الْمُزَارَعَةُ، وَصِفَتُهَا أَنَّهَا فَاسِدَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمَا وَدَلِيلُهَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «دَفَعَ الْأَرْضَ لِأَهْلِ خَيْبَرَ مُزَارَعَةً» .
قَالَ ﵀: (هِيَ عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ) فَقَوْلُهُ عَقْدٌ جِنْسٌ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الزَّرْعِ يَشْمَلُ الْمَزْرُوعَ حَقِيقَةً وَهُوَ الْمُلْقَى فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ قَالَهُ خواهر زاده، أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ بِأَنْ كَانَتْ فَارِغَةً وَقَوْلُهُ: بِبَعْضِ الْخَارِجِ فَصْلٌ أَخْرَجَ سَائِرَ الْعُقُودِ، وَالْمُسَاقَاةَ لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى بَعْضِ الثَّمَرَةِ وَأَطْلَقَ فِي الْعَقْدِ فَشَمِلَ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، أَوْ الشَّرِيكِ قَالَ فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ أَرْضٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَفَعَهَا أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مُزَارَعَةً عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ ثُلُثُهُ لِلدَّافِعِ وَثُلُثَانِ لِلْعَامِلِ جَازَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. اهـ.
قَالَ ﵀: (وَتَصِحُّ بِشَرْطِ صَلَاحِيَّةِ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ وَأَهْلِيَّةِ الْعَاقِدَيْنِ وَبَيَانِ الْمُدَّةِ وَرَبِّ الْبَذْرِ وَجِنْسِهِ وَحَظِّ الْآخَرِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ وَالشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ) وَهَذَا قَوْلُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ، لَهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «دَفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً لِأَهْلِ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ» وَلِأَنَّهَا عَقْدُ شَرِكَةٍ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَعَمَلٍ مِنْ الْآخَرِ فَتَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْمُضَارَبَةِ وَالْجَامِعُ دَفْعُ الْحَاجَةِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْمَالِ قَدْ لَا يَهْتَدِي إلَى الْعَمَلِ وَالْمُهْتَدِيَ إلَيْهِ قَدْ لَا يَجِدُ الْمَالَ فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ وَلِلْإِمَامِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ» وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَاَلَّذِي وَرَدَ فِي خَيْبَرَ هُوَ خَرَاجُ مُقَاسَمَةٍ لَا يُقَالُ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ مِنْ أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ كُلَّهَا عُشْرِيَّةٍ لِأَنَّا نَقُولُ أَرْضُ خَيْبَرَ لَيْسَتْ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ لِأَنَّهَا لَا يُقَرُّ فِيهَا عَلَى الْكُفْرِ فَإِنْ قُلْت: هُمْ يَهُودٌ قُلْنَا خَيْبَرُ لَيْسَتْ دَاخِلًا فِي حُدُودِ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَإِذَا فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ عِنْدَهُ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ، أَوْ الْعَمَلِ، وَالْغَلَّةُ لَهُ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِمَنْ غَصَبَ بَذْرَ آخَرَ وَزَرَعَهُ فِي أَرْضٍ فَإِنَّ الزَّرْعَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ نَمَاءَ مِلْكِ صَاحِبِ الْبُذُورِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْغَاصِبَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَتَحْصِيلِهِ فَكَانَ إضَافَةُ الْحَادِثِ إلَى عَمَلِهِ أَوْلَى وَالْمُزَارِعَ عَامِلٌ بِأَمْرِ غَيْرِهِ فَجُعِلَ الْأَمْرُ مُضَافًا إلَى الْآمِرِ. اهـ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ السُّؤَالُ غَيْرُ وَارِدٍ وَالْجَوَابُ غَيْرُ صَحِيحٍ أَمَّا أَوَّلًا فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْغَاصِبَ مَلَكَ الْبَذْرَ بِالْمُزَارَعَةِ فَالْبَذْرُ نَمَاءُ مِلْكِ الْغَاصِبِ فَلَا يَرِدُ.
وَالْجَوَابُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا وَقَالُوا الْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِهِمَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا وَلِلتَّعَامُلِ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِمِثْلِ هَذَا وَالنَّصُّ وَرَدَ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَيُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ عِنْدَهُمَا ثُمَّ شَرَطَ فِي الْمُخْتَصَرِ لِجَوَازِهَا عِنْدَهُمَا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ وَأَنْ يَكُونَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعُ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْأَهْلِ وَأَنْ يُبَيِّنَ الْمُدَّةَ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ الْأَرْضِ، أَوْ الْعَامِلِ وَهِيَ تُعْرَفُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ قَدْرَ مَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ الزِّرَاعَةِ، أَوْ أَكْثَرَ وَأَنْ لَا تَكُونَ قَدْرَ مَنْ لَا يَعِيشُ إلَيْهِ مِثْلُهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا غَالِبًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْمُدَّةِ وَيَقَعُ عَلَى سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ الْمَشَايِخُ: يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْوَقْتِ وَتَكُونُ الزِّرَاعَةُ عَلَى أَوَّلِ سَنَةٍ وَالْفَتْوَى عَلَى بَيَانِ الْمُدَّةِ وَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ تَمَامِ السَّنَةِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّرَاعَةُ لَا تَبْقَى الزِّرَاعَةُ
стр. 2713
وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ.
وَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةَ أَنْ يَخْرُجَ فَإِنْ خَرَجَ ظَهَرَ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَلَا وَأَنْ يُبَيِّنَ مَنْ عَلَيْهِ الْبَذْرُ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ - وَهُوَ مَنَافِعُ الْعَامِلِ، أَوْ مَنَافِعُ الْأَرْضِ - لَا يُعْرَفُ إلَّا بِبَيَانِ مَنْ عَلَيْهِ الْبَذْرُ وَأَنْ يُبَيِّنَ جِنْسَ الْبَذْرِ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ مِنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ جِنْسِ الْأُجْرَةِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ بَيَانُ مَا يُزْرَعُ فِي الْأَرْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَوَّضَ الرَّأْيَ إلَى الْمُزَارِعِ، أَوْ لَمْ يُفَوِّضْ بَعْدَ أَنْ يَنُصَّ عَلَى الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِإِعْلَامِ الْأَرْضِ وَمِثْلُهُ فِي الْخَانِيَّةِ، وَإِنْ بَيَّنَ نَصِيبَ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَجْرِ لِأَنَّهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَأَرْضِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْعَمَلِ وَعَمَلُ رَبِّ الْأَرْضِ مَعَ الْعَامِلِ لَا يَصِحُّ وَأَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَا فَتَنْعَقِدُ إجَارَةً فِي الِابْتِدَاءِ وَتَقَعُ شَرِكَةً فِي الِانْتِهَاءِ وَلِهَذَا لَوْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا قَفِيزًا مُسَمَّاةً فَسَدَتْ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْبَعْضِ الْمُسَمَّى، أَوْ فِي الْكُلِّ أَوْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَا إذَا شَرَطَ أَنْ يَدْفَعَ قَدْرَ بَذْرِهِ لِمَا ذَكَرْنَا بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ أَنْ يَرْفَعَ عُشْرَ الْخَارِجِ أَوْ ثُلُثَهُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ وَهُوَ يَحْصُلُ أَنْ يَكُونَ حِيلَةً لِلْوُصُولِ إلَى رَفْعِ الْبَذْرِ وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا بِبَعْضِ الْخَارِجِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَيْسَتْ بِمُزَارَعَةٍ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ لِلْمُزَارِعِ ازْرَعْ أَرْضِي بِبَذْرِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِي فَهَذَا الشَّرْطُ جَائِزٌ وَيَصِيرُ الْعَامِلُ مُقْتَرِضًا لِلْبَذْرِ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَيَكُونُ الْعَامِلُ مُعِينًا لَهُ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ ازْرَعْ لِي فِي أَرْضِك بِبَذْرِك جَازَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لِي وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَجُزْ وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالْأَوَّلِ وَلَوْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ: عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ نِصْفَيْنِ جَازَ.
قَالَ ﵀: (وَأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ لِوَاحِدٍ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ لِآخَرَ، أَوْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ وَالْبَاقِي لِآخَرَ أَوْ يَكُونَ الْعَمَلُ لِوَاحِدٍ وَالْبَاقِي لِآخَرَ) وَهَذِهِ الْجُمَلُ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ جَوَّزَهَا إنَّمَا جَوَّزَهَا عَلَى أَنَّهَا إجَارَةٌ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَكُونُ صَاحِبُ الْبُذُورِ وَالْأَرْضِ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِلِ وَالْبَقَرِ تَبَعًا لَهُ لِاتِّحَادِ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّ الْبَقَرَ آلَةٌ لَهُ فَصَارَ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ لَهُ قَمِيصًا بِإِبْرَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ صَبَّاغًا لِيَصْبُغَ لَهُ بِصِبْغٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَالْآخَرُ يُقَابَلُ عَمَلُهُ دُونَ الْآلَةِ فَيَجُوزُ وَالْأَصْلُ فِيهَا أَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ فَتُخَرَّجُ الْمَسَائِلُ عَلَى هَذَا كَمَا رَأَيْت، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يَكُونُ صَاحِبُ الْبَذْرِ مُسْتَأْجِرًا لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ بِلَا بَقَرٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ الْخَارِجِ فَيَجُوزُ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ لَهُ قَمِيصًا بِأُجْرَةٍ بِإِبْرَةٍ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الثَّوْبِ، أَوْ طُنًّا، أَوْ بِالنَّظِيرِ تَمْرٌ لَهُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ قَالَ فِي الْعَتَّابِيَّةِ الْأَصْلُ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَنْعَقِدُ إجَارَةً وَتَتِمُّ شَرِكَةً عَلَى مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ أَمَّا فِي الْأَرْضِ فَأَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَتَعَامُلُ النَّاسِ، وَأَمَّا فِي الْعَامِلِ «فَفِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ» وَتَعَامُلُ النَّاسِ. اهـ.
وَفِي الْفَتَاوَى دَفْعُ الزَّرْعِ الْمُدْرِكِ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ لِلْحِفْظِ لَا يَجُوزُ، وَفِي غَيْرِ الْمُدْرِكِ يَجُوزُ كَذَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ اهـ.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ لِوَاحِدٍ وَالْعَمَلُ وَالْبَذْرُ لِآخَرَ، إنْ كَانَ الْبَذْرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْبَاقِي لِآخَرَ، أَوْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ لِوَاحِدٍ وَالْبَاقِي لِآخَرَ) سَيَأْتِي الْخَبَرُ لَمَّا بَيَّنَ شُرُوطَ الْجَوَازِ فِي الْمُزَارَعَةِ شَرَعَ يُبَيِّنُ الشُّرُوطَ الْمُفْسِدَةَ لَهَا أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ لِوَاحِدٍ وَالْعَمَلُ وَالْبَذْرُ لِآخَرَ فَلِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ وَاشْتَرَطَ الْبَقَرَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَفَسَدَتْ لِأَنَّ الْبَقَرَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ تَبَعًا لِلْأَرْضِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَقَرِ الشَّقُّ، وَمَنْفَعَةَ الْأَرْضِ الْإِنْبَاتُ وَبَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ وَشَرْطُ التَّبَعِيَّةِ الِاتِّحَادُ، وَرَوَى فِي الْأَمَالِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَالْفَتْوَى عَلَى الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ لِوَاحِدٍ وَالْبَاقِي لِآخَرَ وَهُوَ الْعَمَلُ وَالْبَقَرُ وَالْأَرْضُ فَلِأَنَّ الْعَامِلَ أَجِيرٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ تَبَعًا لَهُ لِاخْتِلَافِ مَنْفَعَتِهِمَا، وَوُجِّهَ مَا تَقَدَّمَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً الْبَقَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَذْرُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْأَرْضُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ فَهِيَ فَاسِدَةٌ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَوْ دَفَعَ الْبَذْرَ لِمُزَارِعِهِ لِيَزْرَعَهُ الْمُزَارِعُ فِي أَرْضِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا لَا يَجُوزُ وَالْحِيلَةُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْضَهُ، ثُمَّ يَسْتَعِينَ صَاحِبُ الْبَذْرِ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ فِي الْعَمَلِ فَيَجُوزَ، وَفِي النَّوَازِلِ: رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بَذْرًا مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى يَزْرَعَهُ فِي أَرْضِهِ وَيَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ نِصْفَ الْبَذْرِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ يَقُولَ لَهُ ازْرَعْهَا بِالْبَذْرِ وَهَذِهِ الْحِيلَةُ تَجْرِي فِي كُلِّ صُورَةٍ وَقَعَتْ فَاسِدَةً. اهـ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ لِوَاحِدٍ وَالْبَاقِي لِآخَرَ وَهُوَ الْعَمَلُ وَالْأَرْضُ فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَرْضَ لَا يُمْكِنُ جَعْلُهَا
стр. 2714
تَبَعًا لِعَمَلِهِ لِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ فَفَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ قَالَ الشَّارِحُ: وَهُنَا وَجْهٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَاقِي مِنْ آخَرَ قَالُوا هَذَا فَاسِدٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْعَامِلِ وَحْدَهُ، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ وَحْدَهَا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لَا تَجُوزَ الْمُزَارَعَةُ وَإِنَّمَا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ، وَفِي هَذَا لَمْ يَرِدْ أَثَرٌ اهـ.
قَالَ: وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَ بِبَذْرِ الزَّارِعِ وَبَقَرِهِ وَيَعْمَلَ مَعَهُ ثَالِثٌ وَالْخَارِجُ أَثْلَاثٌ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَجْنَبِيٍّ جَائِزٌ بَيْنَهُمَا وَلِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الْعَامِل بِبَعْضِ الْخَارِجِ فَلَوْ كَانَ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ مَالِكًا لِمَنْفَعَةِ الْأَرْضِ بِالِاسْتِئْجَارِ فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً وَدَفَعَهَا إلَى الْعَامِلِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ لَا يَجُوزُ لِفَوَاتِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ، وَفَسَادُهَا فِي حَقِّ الثَّانِي لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْمُزَارَعَةِ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِي الْأَوَّلِ، وَالْعَطْفُ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاطَ فَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْأَوَّلِ بِأَنْ قَالَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ الثَّانِي مَعَهُ بِالثُّلُثِ هَلْ تَجُورُ الْمُزَارَعَةُ فِي حَقِّ الْأَوَّلِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: تَفْسُدُ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ صَارَتْ مَشْرُوطَةً لِرَبِّ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي عَمَلِ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ - وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا - صَحَّتْ فِي حَقِّ الْكُلِّ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَيْنِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَزْرَعَهَا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَسْكُتَا عَلَى شَرْطِ الْبَقَرِ، أَوْ شُرِطَ الْبَقَرُ عَلَى الْعَامِلِ، أَوْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ فَإِنْ سَكَتَا فَالْبَقَرُ عَلَى الْعَامِلِ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْبَقَرَ آلَةٌ لِلْعَمَلِ وَإِنْ شَرَطَا الْبَقَرَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْآخَرِ فَسَدَتْ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: ازْرَعْ لِي أَرْضِي بِبَذْرِك عَلَى أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لَك فَهَذَا فَاسِدٌ وَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلزَّارِعِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِثْلُ بَذْرِهِ وَأَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: ازْرَعْ أَرْضِي بِبَذْرِك عَلَى أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لَك فَهَذَا جَائِزٌ وَيَكُونُ الْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْبُذُورِ وَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُعِيرًا لَهُ أَرْضَهُ وَفِيهَا أَيْضًا لَوْ دَفَعَ الْبَذْرَ إلَى رَجُلٍ وَقَالَ ازْرَعْ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لَك، أَوْ لِي أَوْ نِصْفَيْنِ فَهُوَ فَاسِدٌ اهـ.
قَالَ ﵀: (أَوْ اشْتَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مُسَمَّاةً أَوْ مَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَالسَّوَاقِي، أَوْ أَنْ يَرْفَعَ رَبُّ الْبَذْرِ بَذْرَهُ، أَوْ يَرْفَعَ مِنْ الْخَارِجِ الْخَرَاجَ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا فَسَدَتْ) يَعْنِي لَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مَعْلُومَةً تَفْسُدُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْمُسَمَّى كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ مَا يَخْرُجُ إلَّا هُوَ وَالْمُرَادُ بِأَحَدِهِمَا هُوَ، أَوْ مَنْ يَعُودُ نَفْعُهُ إلَيْهِ بِالشَّرْطِ هَذَا إذَا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا فَلَوْ شَرَطَا لِغَيْرِهِمَا قَالُوا وَلَوْ شَرَطَا بَعْضَ الْخَارِجِ لِعَبْدِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا لِمَنْ يَمْلِكُ رَبُّ الْأَرْضِ، وَلِلْعَامِلِ كَسْبُهُ كَالْغَائِبِ وَالْقَرِيبِ، وَكُلُّ قِسْمٍ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: لَوْ دَفَعَ أَرْضًا، أَوْ بَذْرًا عَلَى أَنَّ ثُلُثَ الْخَارِجِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَثُلُثَهُ لِعَبْدِهِ وَثُلُثَهُ لِلْعَامِلِ جَازَ وَشَرَطَا عَمَلَ الْعَبْدِ، أَوْ لَمْ يَشْتَرِطَا لِأَنَّ مَا شَرَطَا لِلْعَبْدِ شُرِطَ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ شُرِطَ عَمَلُ الْعَبْدِ فَالْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهُ دُيُونَهُ وَالْمَوْلَى مَمْنُوعٌ مِنْ أَخْذِهِ فَكَانَ الْعَبْدُ كَالْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْمُزَارِعِ فَإِنْ شَرَطَا ثُلُثَ الْخَارِجِ لِعَبْدِ رَبِّ الْأَرْضِ فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَمَلُ الْعَبْدِ وَالْمَشْرُوطُ لِلْعَبْدِ مَشْرُوطٌ لِمَوْلَاهُ.
وَإِنْ شَرَطَا عَمَلَ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ، وَإِنْ شَرَطَا عَمَلَ الْعَبْدِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَمَلُ الْعَبْدِ فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ شَرَطَا عَمَلَ الْعَبْدِ مَعَ ذَلِكَ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا إذَا شَرَطَا الثُّلُثَ لِمُكَاتَبِ أَحَدِهِمَا، أَوْ قَرِيبِهِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ إنْ شُرِطَ عَمَلُهُ جَازَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ هَذَا إذَا شَرَطَا قُفْزَانًا فَإِذَا شَرَطَا كُلَّهُ قَالَ فَلَوْ شُرِطَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِأَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ جَازَ، وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْمَشْرُوطِ لَهُ فَيَكُونُ الْعَامِلُ مُتَبَرِّعًا بِعَمَلِهِ، وَإِنْ شَرَطَاهُ لِتَعَامُلٍ جَازَ وَيَكُونُ رَبُّ الْأَرْضِ أَعَارَهُ أَرْضَهُ وَاسْتَقْرَضَ بَذْرَهُ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْمُزَارِعِ وَشَرَطَا جَمِيعَ الْخَارِجِ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ ازْرَعْ أَرْضِي بِبَذْرِك فَيَكُونَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِي فَهُوَ فَاسِدٌ وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ كُلُّهُ لَك وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا جَازَ وَصَارَ مُعِيرًا أَرْضَهُ مِنْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ ازْرَعْ أَرْضِي بِبَذْرِك
стр. 2715
عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ وَالْبَذْرَ قَرْضٌ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ، وَالرَّابِعُ أَنْ يَقُولَ ازْرَعْ أَرْضِي بِبَذْرِك عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ لَك فَهِيَ فَاسِدَةٌ وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَصَارَ مُسْتَقْرِضًا لِلْبَذْرِ.
وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَمَّا إذَا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا مَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَهِيَ مَجْرَى الْمَاءِ وَالسَّوَاقِي، أَوْ يَدْفَعُ رَبُّ الْبَذْرِ بَذْرَهُ، أَوْ يَدْفَعُ الْخَرَاجَ فَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي الْبَعْضِ، أَوْ الْكُلِّ، وَشَرْطُ صِحَّتِهَا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَالْمُرَادُ بِالْخَرَاجِ الْخَرَاجُ الْمُوَظَّفُ نِصْفًا، أَوْ ثُلُثًا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَمَّا الْجُزْءُ الشَّائِعُ فَلَا يَفْسُدُ اشْتِرَاطُهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ وَهِيَ حِيلَةٌ لِدَفْعِ قَدْرِ بَذْرِهِ لَوْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا التِّبْنَ وَلِلْآخَرِ الْحَبَّ فَسَدَتْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُصِيبَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَلَا يَخْرُجَ إلَّا التِّبْنُ فَلَوْ شَرَطَا الْحَبَّ نِصْفَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلتِّبْنِ صَحَّتْ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَالتِّبْنَ نِصْفَانِ وَلَوْ شَرَطَا الْحَبَّ نِصْفَيْنِ وَالتِّبْنَ لِرَبِّ الْأَرْضِ صَحَّتْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُخَالِفُهُ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَلَوْ شَرَطَا التِّبْنَ لِلْعَامِلِ فَسَدَ فَلِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَرُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بِأَنْ يُصِيبَ الزَّرْعَ آفَةٌ فَلَا يَنْعَقِدَ الْحَبُّ وَلَا يَخْرُجَ إلَّا التِّبْنُ قَالَ: وَالْعُشْرُ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ الْإِمَامُ الْعُشْرَ فَهُوَ صَاحِبُ الْأَرْضِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا لَهُمَا وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ: لَا أَدْرِي مَا يَأْخُذُ الْإِمَامُ الْعُشْرَ، أَوْ النِّصْفَ لِأَنَّ النِّصْفَ لِي بَعْدَمَا يَأْخُذُ جَازَتْ عِنْدَهُمَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ صَحَّتْ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ) لِصِحَّةِ الِالْتِزَامِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَأَمَّا الزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فَالْأَصْلُ إنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِحَالٍ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ جَازَتْ الزِّيَادَةُ فِيهِمَا، وَإِذَا أَدَّى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فِي الْخَارِجِ فَإِنْ كَانَ حَالُ الزِّيَادَةِ قَبْلَ الِاسْتِحْصَادِ وَعِظَمِ التَّنَاهِي تَجُوزُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ مَا دَامَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ، وَإِلَّا فَلَا وَالْحَطُّ جَائِزٌ فِي الْحَالَيْنِ حَالِ قَبُولِ الزِّيَادَةِ وَبَعْدَهَا لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ وَلَوْ بَاعَ الْأَرْضَ الْمَدْفُوعَةَ مُزَارَعَةً، أَوْ مُعَامَلَةً فَالْبَيْعُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُزَارِعِ وَالْعَامِلِ فَإِنْ يُجِزْ تَبْقَ إلَى انْتِهَاءِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ، وَيُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ انْتَظَرَ، أَوْ فَسَخَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُؤَلِّفُ لِمَا إذَا وَقَعَ فِي الْعَقْدِ، أَوْ عَلَّقَ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ ذَلِكَ قَالَ: وَفِيهِ أَيْضًا: دَفَعَ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ سَنَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِغَيْرِ كِرَابٍ فَلِلْعَامِلِ رُبُعُ الْخَارِجِ، وَإِنْ كَرَبَهَا فَثُلُثُهُ، وَإِنْ كَرَبَ وَبَنَى فَنِصْفُهُ جَازَ مَا شَرَطَاهُ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمُزَارِعِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: دَفَعَ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَالْخَارِجُ كَذَا، وَإِنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَكَذَا، وَإِنْ زَرَعَهَا سِمْسِمًا فَكَذَا فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَمَّا إنْ قَالَ ازْرَعْهَا، أَوْ زَرَعَتْ فِيهَا، أَوْ زَرَعْت مِنْهَا، أَوْ زَرَعْت بَعْضًا مِنْهَا فَالْمُزَارَعَةُ فِي الْأَوَّلَيْنِ جَائِزَةٌ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْعُقُودِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ زَرَعَ شَيْئًا مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ فَالْخَارِجُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ وَلَوْ قَالَ مَا زَرَعْت مِنْهَا، أَوْ بَعْضًا مِنْهَا فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ إنْ زَرَعَ الْبَعْضَ حِنْطَةً وَالْبَعْضَ شَعِيرًا، أَوْ سِمْسِمًا فَذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولٌ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ وَشَرَطَا إنْ زَرَعَهَا حِنْطَةً فَبَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَإِنْ زَرَعَهَا شَعِيرًا فَذَلِكَ لِلْعَامِلِ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ مُزَارَعَةٌ، وَفِي الثَّانِي إعَارَةُ الْأَرْضِ، ثُمَّ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ التَّخْيِيرَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ هَلْ يَجُوزُ التَّخْيِيرُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ رَوَى هِشَامٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: دَفَعَ الْأَرْضَ عَلَى إنْ زَرَعَهَا بِبَذْرِهِ فِي أَوَّلِ جُمَادَى الْأُولَى فَالْخَارِجُ نِصْفَانِ، وَإِنْ أَخَّرَ فَالثُّلُثُ لِلْمُزَارِعِ فَالشَّرْطَانِ جَائِزَانِ عِنْدَهُمَا، وَبَيَانُ الدَّلِيلِ يُطْلَبُ فِيهِ اهـ.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ) لِأَنَّهَا إمَّا إجَارَةٌ، أَوْ شَرِكَةٌ فَإِنْ كَانَتْ إجَارَةً فَالْوَاجِبُ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ مِنْهَا الْمُسَمَّى وَهُوَ مَعْدُومٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ شَرِكَةً فَالشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ وَلَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ حَيْثُ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْلِ فِي الْمُدَّةِ، وَعَدَمُ الْخُرُوجِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَاسْتُشْكِلَ بِمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا بِعَيْنٍ فَفَعَلَ الْأَجِيرُ وَهَلَكَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَلْيَكُنْ هَذَا مِثْلَهُ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ قَدْ صَحَّتْ وَالْأَجْرَ مُسَمًّى وَهَلَكَ الْأَجْرُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَجْرَ هَهُنَا هَلَكَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ قَبَضَ الْبَذْرَ الَّذِي يَتَفَرَّعُ مِنْهُ الْخَارِجُ وَقَبْضُ الْأَصْلِ قَبْضٌ لِفُرُوعِهِ وَالْآخَرُ الْمُعَيَّنُ إلَى الْأَجْرِ لَا يَجِبُ لِلْآخَرِ شَيْءٌ فَكَذَا هُنَا وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْجَوَابُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فِي صُورَةِ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَا يَقْبِضُ الْبَذْرَ الَّذِي يَتَفَرَّعُ مِنْهُ الْخَارِجُ حَتَّى يَكُونَ قَبْضُهُ قَبْضًا لِفَرْعِهِ.
قَالَ ﵀: (وَمَنْ أَبَى عَنْ الْمُضِيِّ أُجْبِرَ إلَّا رَبَّ الْبَذْرِ) لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ إجَارَةً وَالْإِجَارَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ، غَيْرَ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ بِالْعُذْرِ فَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَنْ الْمُضِيِّ فِيهَا كَانَ مَعْذُورًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ إلَّا بِإِتْلَافِ مَالِهِ وَهُوَ إلْقَاءُ الْبَذْرِ عَلَى
стр. 2716
الْأَرْضِ وَلَا يَدْرِي هَلْ يَخْرُجُ، أَوْ لَا فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِهَدْمِ دَارِهِ، ثُمَّ امْتَنَعَ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْعَامِلُ أُجْبِرَ عَلَى الْعَمَلِ، وَإِنْ امْتَنَعَ رَبُّ الْبَذْرِ - وَالْأَرْضُ مِنْ قِبَلِهِ - بَعْدَمَا كَرَبَ الْأَرْضَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي عَمَلِ الْكِرَابِ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّ عَمَلَهُ إنَّمَا يُتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَقَدْ فَوَّتَهُ بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ فَلَا خَارِجَ وَيَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَجْرُ مِثْلِهِ لَهُ كَيْ لَا يَكُونَ مَغْرُورًا مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ وَهُوَ مَدْفُوعٌ فَيُكْتَفَى بِإِرْضَائِهِ بِأَنْ يُوَفِّيَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ.
[تَبْطُلُ الْمُزَارَعَةِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا]
قَالَ ﵀: (وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) لِأَنَّهَا إجَارَةٌ وَهِيَ تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذَا عَقَدَهَا لِنَفْسِهِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْإِجَارَةِ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ جَوَابُ الْقِيَاسِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ إذَا مَاتَ وَقَدْ نَبَتَ الزَّرْعُ يَبْقَى عَقْدُ الْإِجَارَةِ حَتَّى يَحْصُدَ الزَّرْعَ، ثُمَّ يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي لِأَنَّ فِي إبْقَائِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ مُرَاعَاةَ الْحَقَّيْنِ فَيَعْمَلُ الْعَامِلُ، أَوْ وَارِثُهُ عَلَى حَالِهِ فَإِذَا حَصَدَ يَقْسِمُ عَلَى مَا شَرَطَاهُ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبَاقِي وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ الزَّرْعِ بَعْدَمَا كَرَبَ الْأَرْضَ وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ انْتَقَضَتْ الْمُزَارَعَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إتْلَافُ مَالٍ عَلَى الزَّارِعِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ يُقَوَّمُ بِالْخَارِجِ وَلَا خَارِجَ، وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَيْثُ يُقْضَى بِإِرْضَائِهِ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِذَا كَانَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ دَيْنٌ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَائِهِ إلَّا بِبَيْعِ الْأَرْضِ فُسِخَتْ الْمُزَارَعَةُ قَبْلَ الزَّرْعِ وَبِيعَتْ بِالدَّيْنِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ عَلَيْهِ فِي الْكَرْبِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ وَلَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ وَلَمْ يَحْصُدْ لَمْ يَبِعْ الْأَرْضَ بِالدَّيْنِ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعُ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُزَارِعِ وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الْإِبْطَالِ وَيُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ الْحَبْسِ إنْ كَانَ حَبَسَهُ بِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ بَيْعَ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ مُمَاطِلًا وَالْحَبْسُ جَزَاءُ الْمُمَاطَلَةِ وَفِي الذَّخِيرَةِ لَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدَ الزَّرْعِ قَبْلَ النَّبَاتِ هَلْ تَبْقَى الْمُزَارَعَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ: تَبْقَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَبْقَى فَتُفْسَخُ وَفِيهَا أَيْضًا وَهَلْ يَحْتَاجُ فِي فَسْخِ الْمُزَارَعَةِ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي قِيلَ، وَفِي رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا، وَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا. اهـ.
وَلَوْ مَاتَ الْمُزَارِعُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَلِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ عَلَيْهِ حَتَّى يُدْرِكَ صِيَانَةً لِحَقِّهِمْ فَإِنْ أَبَوْا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُجْبَرُوا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا بِالْعَقْدِ ذَلِكَ وَرَبُّ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَعْطَى قِيمَةَ نَصِيبِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ قَلَعَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْفَقَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ، وَيَرْجِعُ بِحِصَّةِ الزَّارِعِ فِي النَّفَقَةِ فِيهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ لَمْ يُدْرِكْ فَعَلَى الزَّارِعِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ حَتَّى يُدْرِكَ) يَعْنِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِ الْآخَرِ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ وَظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأُجْرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَوْ قَالَ فِي نَصِيبِهِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَسْلَمَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْتَهَى بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَفِي الْقَلْعِ ضَرَرٌ فَبَقَّيْنَاهُ بِأَجْرِ الْمِثْلِ إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ فَيَجِبَ عَلَى غَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِقَدْرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ الزَّرْعِ حَيْثُ يُتْرَكُ إلَى الْحَصَادِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُزَارِعِ شَيْءٌ لِأَنَّا أَبْقَيْنَا عَقْدَ الْإِجَارَةِ هُنَا اسْتِحْسَانًا فَأَمْكَنَ اسْتِمْرَارُ الْعَامِلِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ الْعَمَلِ أَمَّا هُنَا لَا يُمْكِنُ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَيَتَعَيَّنُ إيجَابُ أَجْرِ الْمِثْلِ بِالْإِيفَاءِ وَكَأَنَّ الْعَمَلَ وَنَفَقَةَ الزَّرْعِ وَمَوْتَهُ بِالْحِفْظِ وَكَرْيَ الْأَنْهَارِ عَلَيْهِمَا، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ حَيْثُ لَا يَكُونُ الْكُلُّ عَلَى الْعَامِلِ وَلَوْ أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا عَلَى الزَّرْعِ بِغَيْرِ أَمْر الْقَاضِي وَبِغَيْرِ أَمْر صَاحِبِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنْفِقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي فَصَارَ نَظِيرَ تَرْمِيمِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَوْ أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الزَّرْعَ بَقْلًا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْآخَرِ وَلَوْ أَرَادَ الزَّارِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ بَقْلًا قِيلَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ اقْلَعْ الزَّرْعَ إنْ شِئْت فَيَكُونَ بَيْنَكُمَا، أَوْ أَعْطِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، أَوْ أَنْفِقْ أَنْتَ عَلَى الزَّرْعِ وَارْجِعْ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقْت عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ قَالَ وَلَا يَضْمَنُ الْمُزَارِعُ أَجْرَ مِثْلِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِإِبْطَالِ حَقِّهِ لَمْ تَبْقَ الْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا وَلَوْ غَابَ الْمَزَارِعُ بَعْدَمَا زَرَعَ فَأَنْفَقَ رَبُّ الْأَرْضِ إلَى الْإِدْرَاكِ بِأَمْرِ الْقَاضِي رَجَعَ وَلَا سَبِيلَ لِلزَّارِعِ عَلَى الزَّرْعِ حَتَّى يُعْطِيَهُ النَّفَقَةَ كُلَّهَا لِأَنَّ الزَّارِعَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا كَانَ الْكُلُّ عَلَيْهِ فَكَذَا لَوْ غَابَ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي النَّفَقَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّارِعِ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ، وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ فَمَنْ أَنْفَقَ مِنْهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ، وَإِنْ أَنْفَقَ بِأَمْرِ الْقَاضِي رَجَعَ بِنِصْفِ مَا أَنْفَقَ.
زَرَعَ الْمُزَارِعُ وَنَبَتَ فَاسْتُحِقَّتْ الْأَرْضُ لِلْمُسْتَحِقِّ الْقَلْعُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُمَا غَاصِبَانِ ثُمَّ الزَّارِعُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الدَّافِعَ نِصْفَ قِيمَةِ الزَّرْعِ نَابِتًا وَإِنْ شَاءَ قَلَعَ مَعَهُ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ مَكْرُوبَةً قَبْلَ الزَّرْعِ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ هَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْأَرْضِ لَمْ يَذْكُرْهُ مُحَمَّدٌ وَقَالُوا: يُنْظَرُ إنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَلَا شَيْءَ
стр. 2717
لِلْعَامِلِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ إنْ شَاءَ قَلَعَ مَعَهُ وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الدَّافِعِ قِيلَ: بِأُجْرَةٍ مِثْلِ عَمَلِهِ كَمَا لَوْ دَفَعَ نَحْلًا مُعَامَلَةً، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِأَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ مِنْ الزَّرْعِ فَلَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ الْمُزَارَعَةَ هَلْ يَصِحُّ قَالُوا: إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْأَرْضِ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَرِدْ عَلَى مِلْكِ الْمُسْتَحِقِّ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْعَامِلِ تَصِحُّ إجَارَتُهُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ، وَبَعْدَهَا فَلَا تَصِحُّ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
قَالَ ﵀: (وَنَفَقَةُ الزَّرْعِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ حُقُوقِهِمَا كَأُجْرَةِ الْحَصَادِ وَالرِّفَاعِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ) تَجِبُ عَلَيْهِمَا نَفَقَةُ الزَّرْعِ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا أُجْرَةُ الْحَصَادِ وَالرِّفَاعِ وَالدِّيَاسَةِ وَالتَّذْرِيَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ أَمَّا نَفَقَةُ الزَّرْعِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَلِمَا بَيَّنَّا وَأَمَّا وُجُوبُ الْحَصَادِ وَمَا ذُكِرَ فَلِأَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ يُوجِبُ عَلَى الْعَامِلِ عَمَلًا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إلَى انْتِهَاءِ الزَّرْعِ لِيَزْدَادَ الزَّرْعُ بِذَلِكَ فَيَبْقَى ذَلِكَ بِاشْتِرَاكٍ بَيْنَهُمَا فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ شَرَطَاهُ عَلَى الْعَامِلِ فَسَدَتْ) يَعْنِي شَرَطَا الْعَمَلَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الزَّرْعِ كَالْحَصَادِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى الْعَامِلِ، أَوْ النَّفَقَةِ فَسَدَتْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي عَمَلَ الْمُزَارِعِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَيْسَتْ مِنْ أَفْعَالِ الْمُزَارَعَةِ فَكَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَيَكُونُ شَرْطُهَا مُفْسِدًا كَشَرْطِ الْحَمْلِ وَالطَّحْنِ عَلَى الْعَامِلِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهَا تَصِحُّ مَعَ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ، وَمَشَايِخُ بَلْخٍ كَانُوا يُفْتُونَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَيَزِيدُونَ عَلَى هَذَا وَيَقُولُونَ: وَيَجُوزُ شَرْطُ التَّنْقِيَةِ وَالْحَمْلِ إلَى مَنْزِلِهِ عَلَى الْعَامِلِ لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ مُتَعَامَلَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَيَجُوزُ تَرْكُ الْقِيَاسِ بِالتَّعَامُلِ، أَوْ اخْتَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ رِوَايَةَ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ: هُوَ الْأَصَحُّ فِي دِيَارِنَا وَلَوْ شُرِطَ الْجَذَاذُ عَلَى الْعَامِلِ وَالْحَصَادُ عَلَى غَيْرِ الْعَامِلِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ التَّعَامُلِ لَوْ أَرَادَ فَصْلَ الْفَصِيلِ أَوْ جَدَّ التَّمْرِ بُسْرًا، أَوْ الْتِقَاطَهُ الرُّطَبَ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَيْهِمَا وَفِي الْأَصْلِ، وَإِذَا أَدْرَكَ الْبَاذِنْجَانُ، أَوْ الْبِطِّيخُ فَالْتِقَاطُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا وَالْحَمْلُ وَالْبَيْعُ عَلَيْهِمَا وَكَذَا الْحَصَادُ عَلَيْهِمَا. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَكُلُّ عَمَلٍ يَزِيدُ فِي الزَّرْعِ وَلَا بُدَّ لِلْمُزَارِعِ مِنْهُ يَجِبُ عَلَى الْمُزَارِعِ شُرِطَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَالسَّفَرِ وَغَيْرِهِ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ]
(كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ) قَالَ: فِي غَايَةِ الْبَيَانِ كَانَ مِنْ حَقِّ الْوَضْعِ أَنْ يُقَدَّمَ كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ عَلَى كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَلِهَذَا قَدَّمَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ كِتَابَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ إلَّا أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لَمَّا كَانَتْ كَثِيرَةَ الْوُقُوعِ فِي عَامَّةِ الْبِلَادِ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَاقَاةِ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُسَاقَاةِ اهـ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دَفْعًا إلَّا أَنَّ فِي الْمُزَارَعَةِ دَفْعَ الْأَرْضِ وَهِيَ الْأَصْلُ وَفِي الْمُسَاقَاةِ الْمَقْصُودُ دَفْعُ الْأَشْجَارِ وَهِيَ فَرْعٌ فَقُدِّمَ الْأَصْلُ وَهُوَ دَفْعُ الْأَرْضِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مُفَاعَلَةٌ مِنْ السَّقْيِ وَسَبَبُ جَوَازِهَا حَاجَةُ النَّاسِ إلَيْهَا، وَرُكْنُهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالِارْتِبَاطُ، وَدَلِيلُهَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَشَرْطُهَا كَوْنُ الْعَاقِدِ وَالسَّاقِي مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ، وَشَرْطُ صِحَّتِهَا كَوْنُ الثَّمَرَةِ تَزِيدُ بِالْعَمَلِ، وَصِفَتُهَا أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا سَنَذْكُرُهُ قَالَ ﵀: (هِيَ مُعَاقَدَةُ دَفْعِ الْأَشْجَارِ إلَى مَنْ يَعْمَلُ فِيهَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَهُمَا) فَقَوْلُهُ " مُعَاقَدَةُ " جِنْسٌ وَقَوْلُهُ " دَفْعِ الْأَشْجَارِ " أَخْرَجَ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكِ الْعَيْنِ لَا دَفْعِهَا، وَقَوْلُهُ " إلَى مَنْ يَعْمَلُ فِيهَا " أَخْرَجَ الْإِجَارَةَ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا دَفْعٌ لِلِانْتِفَاعِ لَا لِيَعْمَلَ فِيهَا، وَقَوْلُهُ " عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَهُمَا " أَخْرَجَ الْمُزَارَعَةَ وَأَطْلَقَ مَنْ يَعْمَلُ فَشَمِلَ الشَّرِيكَ وَغَيْرَهُ وَلَوْ زَادَ الْأَجْنَبِيَّ لِيَعْمَلَ فِيهَا إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ وَهُمَا مَالِكَانِ لَا يَصِحُّ قَالَ فِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ إذَا كَانَ النَّخْلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَفَعَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ثُلُثُهُ لِلدَّافِعِ وَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ فَهَذِهِ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ وَلَوْ كَانَ مَكَانَهَا مُزَارَعَةٌ بِأَنْ كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَدَفَعَهَا أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مُزَارَعَةً عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ ثُلُثُهُ لِلدَّافِعِ وَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ جَازَ عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَهِيَ كَالْمُزَارَعَةِ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَيَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَشَرْطُهَا عِنْدَهُمَا شُرُوطُ الْمُزَارَعَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءِ أَحَدُهَا إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا يُجْبَرُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُضِيِّ بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ الثَّانِي إذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ تُتْرَكُ بِلَا أُجْرَةٍ عَلَى مَا تَبَيَّنَ بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ الثَّالِثُ إذَا اُسْتُحِقَّ النَّخْلُ
стр. 2718
يَرْجِعُ الْعَامِلُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ وَالزَّارِعُ بِقِيمَةِ الزَّرْعِ وَالرَّابِعُ فِي بَيَانِ الْمُدَّةِ فَإِذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ فِيهَا فَيَجُوزُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ التَّيَقُّنَ وَقْتَ إدْرَاكِ الثَّمَرَةِ مَعْلُومٌ وَقَلَّ مَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ فَيَدْخُلُ مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ، وَإِدْرَاكُ الْبَذْرِ فِي أُصُولِ الرُّطَبَةِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ إدْرَاكِ الثِّمَارِ لِأَنَّ لَهَا نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا بَيَانُ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ الزَّرْعِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ يَخْتَلِفُ، وَالِانْتِهَاءَ يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَتَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ الْفَاحِشَةُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ غَرْسًا قَدْ نَبَتَ وَلَمْ يُثْمِرْ بَعْدُ مُعَامَلَةً حَيْثُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِبَيَانِ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِقُوَّةِ الْأَرْضِ وَضَعْفِهَا تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَلَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ إلَى أَوَّلِ ثَمَرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ نَخْلًا، أَوْ أُصُولَ رُطَبَةٍ عَلَى أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا حَتَّى يَذْهَبَ أُصُولُهَا وَنَبْتُهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَتَى يَنْقَطِعُ النَّخْلُ.
أَوْ الرُّطَبُ لِأَنَّ الرُّطَبَ ثَمَرٌ مَا دَامَتْ أُصُولُهَا فَتَكُونُ مَجْهُولَةً فَتَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ وَكَذَا إذَا أَطْلَقَ فِي الرُّطَبَةِ وَلَمْ يُرِدْ فِي قَوْلِهِ حَتَّى يَذْهَبَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقَ فِي النَّخْلِ حَيْثُ يَجُوزُ وَيَنْصَرِفُ إلَى أَوَّلِ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ مِنْهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ ثَمَرَ النَّخْلِ لِإِدْرَاكِهِ وَقْتٌ مَعْلُومٌ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهِ وَلَا يُعْرَفُ فِي الرُّطَبَةِ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْهُ حَتَّى لَوْ عُرِفَ جَازَ لِعَدَمِ الْجَهَالَةِ وَلَوْ أَطْلَقَ فِي النَّخْلِ وَلَمْ يُثْمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ انْقَطَعَتْ الْمُعَامَلَةُ فِيهَا لِانْتِهَاءِ مُدَّتِهَا فَإِنْ سَمَّى فِيهَا مُدَّةً يَعْلَمُ أَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَخْرُجُ فِي الْمُدَّةِ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الشَّرِكَةُ فِي الثِّمَارِ، وَإِنْ ذَكَرَا مُدَّةً يُحْتَمَلُ الطُّلُوعُ فِيهَا جَازَتْ لِعَدَمِ التَّيَقُّنِ بِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ إنْ خَرَجَ فِي الْوَقْتِ الْمُسَمَّى فَهُوَ عَلَى الشَّرِكَةِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الْمُدَّةِ فَصَارَ كَمَا لَوْ عَلِمَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ أَصْلًا لِأَنَّ الذَّهَابَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعَقْدَ كَانَ فَاسِدًا فَبَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا وَلَا شَيْءَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَإِنْ ذَكَرَا مُدَّةً قَدْ يَخْرُجُ وَقَدْ لَا يَخْرُجُ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ إنْ أَخْرَجَتْ فِي الْمُدَّةِ صَحَّتْ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ فَسَدَتْ وَهَذَا إذَا خَرَجَتْ فِي الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ مَا يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ فَإِنْ أَخْرَجَتْ فِي شَيْءٍ لَا يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ رُطَبَةً ثَابِتَةً فِي الْأَرْضِ وَقَدْ انْتَهَى جَوَازُهَا لَكِنْ بَذْرُهَا لَمْ يَخْرُجْ لِيُقَوَّمَ لِيَخْرُجَ الْبَذْرُ عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَمْ يُسَمِّيَا وَقْتًا جَازَ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأُجْرَةَ بَعْضَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ وَلَوْ شَرَطَا أَنَّ الرُّطَبَةَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَمْ تَجُزْ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِبَعْضِ مَا أُوجِدَ قَبْلَ عَمَلِهِ مَقْصُودًا، وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا مُعَامَلَةً خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ سَنَةٍ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَجُزْ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَتَصِحُّ فِي الْكَرْمِ وَالشَّجَرِ وَالرُّطَبِ وَأُصُولِ الْبَاذِنْجَانِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فِي الْجَدِيدِ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ» وَهَذَا مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ الْأَشْجَارِ دُونَ بَعْضٍ لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ فَلَا يَجُوزُ بِالرَّأْيِ وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ دَفَعَ كَرْمًا مُعَامَلَةً وَفِيهِ أَشْجَارٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ سِوَى الْحِفْظِ فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ لَمْ تُحْفَظْ يَذْهَبُ ثَمَرُهَا قَبْلَ الْإِدْرَاكِ لَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ فِي تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَلَا نَصِيبَ لِلْعَامِلِ فِيهَا، وَفِي التَّجْرِيدِ: رَجُلٌ دَفَعَ نَخْلًا إلَى رَجُلَيْنِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمْ السُّدُسَ وَلِلْآخَرِ النِّصْفَ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ فَهِيَ جَائِزَةٌ وَلَوْ شَرَطُوا لِصَاحِبِ النَّخْلِ الثُّلُثَ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَيْنِ وَلِلثَّالِثِ أَجْرَ مِائَةٍ عَلَى الْعَامِلِ فَهَذَا فَاسِدٌ وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ النَّخْلِ وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الثُّلُثَانِ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ وَلِرَبِّ النَّخْلِ الثُّلُثَانِ وَلِلثَّالِثِ الثُّلُثُ فَهِيَ جَائِزَةٌ، وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى لَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلَيْنِ جَازَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ أَرْضَهُ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَغْرِسَ الْعَامِلُ فِيهَا أَغْرَاسًا وَالْغِرَاسُ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فَهَذَا يَجُوزُ فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِقَلْعِ الْأَشْجَارِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْتَأْجِرِ إذَا لَمْ يَضُرَّ الْقَلْعُ بِالْأَرْضِ فَإِنْ كَانَ يَضُرُّهَا ضَرَرًا فَاحِشًا فَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ: إذَا دَفَعَ أَرْضَهُ لِلْغِرَاسِ عَلَى أَنَّ الْغِرَاسَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ الْغِرَاسُ مِنْ جَانِبِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَغَرْسُ الْغِرَاسِ كُلِّهِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ وَقَالَ لَهُ اغْرِسْهَا فَالْغِرَاسُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلِلْعَامِلِ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا. اهـ.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ لَوْ غَرَسَ حَافَّتَيْ نَهْرٍ فَقَالَ رَجُلٌ: غَرَسْت لِي لِأَنَّك كُنْت خَادِمِي، وَفِي عِيَالِي وَقَالَ الْغَارِسُ لِنَفْسِي فَإِنْ عُرِفَ أَنَّ الْغَارِسَ كَانَ وَقْتَ الْغِرَاسِ فِي عِيَالِهِ يَعْمَلُ لَهُ مِثْلَ هَذَا الْعَمَلِ فَالشَّجَرُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ فَلِلْغَارِسِ ذَلِكَ اهـ.
قَالَ ﵀: (فَإِنْ دَفَعَ نَخْلًا فِيهِ ثَمَرٌ مُسَاقَاةً وَالثَّمَرُ يَزِيدُ بِالْعَمَلِ صَحَّتْ
стр. 2719
وَإِنْ انْتَهَتْ لَا كَالْمُزَارَعَةِ) لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِالْعَمَلِ وَلَا أَثَرَ لِلْعَمَلِ بَعْدَ التَّنَاهِي فَلَوْ جَازَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِلَا عَمَلٍ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ وَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِمَا قَبْلَ التَّنَاهِي لِأَنَّ جَوَازَهُ قَبْلَ التَّنَاهِي لِلْحَاجَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَا حَاجَةَ إلَى مِثْلِهِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ.
قَالَ ﵀: (فَإِذَا فَسَدَتْ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ كَالْمُزَارَعَةِ إذَا فَسَدَتْ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
[تَبْطُلُ الْمُسَاقَاةُ بِالْمَوْتِ]
قَالَ ﵀: (وَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ كَالْمُزَارَعَةِ فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ، وَالْخَارِجُ بُسْرٌ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ إلَى أَنْ تُدْرِكَ الثَّمَرَةُ وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّ فِي مَنْعِهِ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِهِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْوَرَثَةِ وَلَوْ الْتَزَمَ الْعَامِلُ الضَّرَرَ يُخَيَّرُ وَرَثَةُ الْآخَرِ بَيْنَ أَنْ يَقْسِمُوا الْبُسْرَ عَلَى الشَّرْطِ وَبَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ الْبُسْرِ وَبَيْنَ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَى الْبُسْرِ حَتَّى يُدْرِكَ فَيَرْجِعُونَ عَلَى الْعَامِلِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِ كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ هَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ، وَفِي رُجُوعِهِ فِي حِصَّتِهِ إشْكَالٌ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ بِجَمِيعِهِ لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ وَكَانَ الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا إذَا اخْتَارَ الْمُضِيَّ، أَوْ لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ كَانَ الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَيْهِ فَلَوْ رَجَعُوا عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ فَقَطْ يُؤَدِّي إلَى أَنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْمُؤْنَةَ بِحِصَّتِهِ فَقَطْ وَهَذَا خُلْفٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ بِلَا عَمَلٍ فِي عَمَلِ بَعْضِ الْمُدَّةِ وَهَذَا الْإِشْكَالُ وَارِدٌ فِي الْمُزَارَعَةِ أَيْضًا كَذَا فِي الشَّارِحِ وَأَجَابَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ بِأَنَّ الْمَعْنَى يَرْجِعُونَ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ بِجَمِيعِ مَا أَنْفَقُوا إلَّا بِحِصَّتِهِ كَمَا فَهِمَهُ فَيُرَدُّ عَلَى هَذَا الْمُجِيبِ بِأَنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْكَافِي لِلْعَلَّامَةِ النَّسَفِيِّ.
وَفِي الْحَاكِمِ الشَّهِيدِ مَا نَصُّ عِبَارَتِهِ: وَيَرْجِعُونَ بِنِصْفِ نَفَقَتِهِمْ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ كَمَا فِي الْمُزَارَعَةِ اهـ.
فَحَمْلُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ نَقَلَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي فَصْلِ الْمَوْتِ فِي الْمُزَارَعَةِ: إذَا أَنْفَقَ وَرَثَةُ رَبِّ الْأَرْضِ بِأَمْرِ الْقَاضِي يَرْجِعُونَ عَلَى الْمُزَارِعِ بِجَمِيعِ النَّفَقَةِ مُقَدَّرًا بِالْحِصَّةِ، وَإِذَا أَنْفَقَ رَبُّ الْأَرْضِ بِإِذْنِ الْقَاضِي يَرْجِعُ بِنِصْفِ النَّفَقَةِ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعَامَلَةَ وَالْمُزَارَعَةَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ ظَهَرَ مَنْقُولًا وَلَوْ مَاتَ الْعَامِلُ فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ النَّظَرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ بُسْرًا كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بَيْنَ الْخِيَارَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَإِنْ مَاتَا جَمِيعًا فَالْخِيَارُ لِوَرَثَةِ الْعَامِلِ لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ وَهَذَا خِيَارٌ فِي حَقٍّ مَالِيٍّ وَهُوَ تَرْكُ الثِّمَارِ عَلَى الْأَشْجَارِ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ فَيُورَثُ بِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ فَإِنْ أَبَوْا وَرَثَةُ الْعَامِلِ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ كَانَ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْعَامِلِ وَكَانَ الْخَارِجُ بُسْرًا أَخْضَرَ فَهُوَ كَالْمُزَارَعَةِ إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهَا لِلْعَامِلِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الثِّمَارُ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ لِلْمُزَارِعِ لَكِنْ هُنَا لَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ أُجْرَةُ حِصَّتِهِ إلَّا أَنْ يُدْرِكَ لِأَنَّ الشَّجَرَ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَى الْمُزَارِعِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يُدْرِكَ الزَّرْعُ لِأَنَّ الْأَرْضَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا وَكَذَا الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ هُنَا وَفِي الْمُزَارَعَةِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ فِي الْمُزَارَعَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يَسْتَحِقُّ قَبْلَ انْتِهَائِهَا.
قَالَ ﵀: (وَتُفْسَخُ بِالْعُذْرِ كَالْمُزَارَعَةِ) بِأَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ سَارِقًا، أَوْ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا تُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ، وَكَوْنُهُ سَارِقًا عُذْرٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَسْرِقُ الثَّمَرَ وَالسَّعَفَ وَيَلْحَقُ الْآخَرَ الضَّرَرُ وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ الْعَمَلِ فِي الصَّحِيحِ وَقِيلَ: يُمَكَّنُ، وَقِيلَ لَا يُمَكَّنُ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ: أَصْلُهُ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْهُ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْبَذْرِ، ثُمَّ مَسَائِلُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ فِي الْمَوْتِ، وَقِسْمٌ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ مِنْ قِبَلِهِ بِالدَّيْنِ، وَقِسْمٌ فِي انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَإِذَا أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ الْبَذْرُ قَبْلَ الْعَمَلِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ إلَّا مِنْهُ فَإِنْ بَاعَهَا بِالدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ الْعَامِلِ شَيْءٌ فِي حَفْرِ الْأَنْهَارِ، وَإِصْلَاحِهَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تُتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ، أَوْ شِبْهِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَمَتَى كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرًا لِلْأَرْضِ فَإِنْ نَبَتَ الزَّرْعُ لَا يُبَاعُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ لَكِنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَبْسِ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ إبْطَالَ حَقِّ الْعَامِلِ.
وَفِي تَرْكِ الْبَيْعِ تَأْخِيرَ حَقِّ رَبِّ الدَّيْنِ، وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الْإِبْطَالِ فَلَوْ زَرَعَ وَلَمْ يَنْبُتْ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ: لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بَيْعُهَا بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ حَقٌّ قَائِمٌ لِأَنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ اسْتِهْلَاكٌ وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ لِأَنَّ إلْقَاءَ الْبَذْرِ مِنْ الِاسْتِنْمَاءِ وَلَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ
стр. 2720
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ فِي الْأُولَى قَبْلَ الْحَصَادِ يَبْقَى الزَّرْعُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ اسْتِحْسَانًا فَإِذَا حُصِدَ يَنْفَسِخُ فِي السَّنَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الزَّرْعِ بَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ قَبْلَ النَّبَاتِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّيْنِ وَلَوْ مَاتَ الْمُزَارِعُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَهَذِهِ فُرُوعٌ ذَكَرْنَاهَا تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا بَيْضَاءَ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا نَخْلًا وَشَجَرًا عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ شَجَرٍ، أَوْ نَخْلٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَعَلَى أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنْ فَعَلَ فَمَا خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ فَجَمِيعُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْغَارِسِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ دَفَعَ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ لِنَفْسِهِ مَا بَدَا لَهُ وَيَزْرَعَهَا مِنْ عِنْدِهِ مَا بَدَا لَهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ نِصْفَانِ بَيْنَهُمَا وَلِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَالْخَارِجُ لِلْغَارِسِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ أَرْضِهِ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْغِرَاسُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ وَيَبْذُرَهَا بِهِمَا وَالْخَارِجُ نِصْفَانِ بَيْنَهُمَا وَلِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَتَوْجِيهُهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُحِيطِ.
وَاشْتِرَاطُ الْعَمَلِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَشْتَرِطَا الْبَعْضَ عَلَى الْعَامِلِ وَسَكَتَا عَنْ الْبَاقِي أَوْ شَرَطَا بَعْضَهُ عَلَى الدَّافِعِ وَسَكَتَا عَنْ الْبَاقِي، أَوْ شَرَطَا بَعْضَهُ عَلَى الدَّافِعِ وَبَعْضَهُ عَلَى الْعَامِلِ، وَكُلُّ قِسْمٍ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ لَوْ شَرَطَا الْبَعْضَ عَلَى الْعَامِلِ وَسَكَتَا عَنْ الْبَاقِي فَإِنْ كَانَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا بِهِ، أَوْ يَخْرُجُ شَيْءٌ لَا يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ وَالثَّانِي لَوْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ السَّقْيَ وَالْحِفْظَ لَا غَيْرُ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ السَّقْيَ لَا يَزِيدُ فِيهِ، الثَّالِثُ: لَوْ شَرَطَ السَّقْيَ عَلَى رَبِّ النَّخْلِ وَالْحِفْظَ وَالتَّلْقِيحَ عَلَى الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ وَالْمُزَارَعَةُ كَالْمُعَامَلَةِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَتَوْجِيهُهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُحِيطِ، وَأَمَّا الْمُزَارَعَةُ إذَا شَرَطَ فِيهَا الْمُعَامَلَةَ فَالْمُعَامَلَةُ مَتَى شُرِطَتْ فِي الْمُزَارَعَةِ بِأَنْ دَفَعَ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا مِنْ بَذْرِهِ بِالنِّصْفِ وَعَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِي النَّخْلِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلْحِقَهُ بِالنِّصْفِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَسَدَتْ لِأَنَّهُمَا عَقْدَانِ اُشْتُرِطَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ جَازَ عَقْدٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِيَعْمَلَ فِي أَرْضِهِ وَنَخْلِهِ وَتَوْجِيهُهُ يُطْلَبُ مِنْ الْمُحِيطِ.
وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ الْمُزَارِعُ، أَوْ الْعَامِلُ الْأَرْضَ، أَوْ النَّخْلَ لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً فَهِيَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَفِي هَذَا لَا يَمْلِكُ أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْبَذْرِ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَجِيرًا مِنْ مَالِهِ لِإِقَامَةِ عَمَلِ الْمُزَارَعَةِ، وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْبَذْرِ: اعْمَلْ لِلَّهِ تَعَالَى بِرَأْيِك جَازَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً، وَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ اعْمَلْ بِرَأْيِك فَدَفَعَهَا لِغَيْرِهِ مُزَارَعَةً فَصَارَ مُخَالِفًا غَاصِبًا وَبَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ أُجْرَةَ الْأَرْضِ فَإِذَا ضَمَّنَ الْأَوَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى، وَأَمَّا لَوْ أَذِنَ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ، أَوْ قَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك فَدَفَعَهَا جَازَ، وَإِنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ شَرَطَ لِلْمُزَارِعِ النِّصْفَ فَدَفَعَهَا لِلثَّانِي بِالنِّصْفِ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا فَنِصْفُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَنِصْفُهُ لِلْمُزَارِعِ الثَّانِي وَإِنْ شَرَطَ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي الرُّبُعَ وَلِلْأَوَّلِ الرُّبُعَ، وَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمُضَارَبَةِ، وَفِي فَتَاوَى الْخُلَاصَةِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى آخَرَ مُزَارَعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ أَصْلًا وَلَوْ دَفَعَ صَارَ الزَّارِعُ الْأَوَّلُ مُؤَجِّرًا مَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ إجَارَةً فَاسِدَةً صَارَ الْأَوَّلُ مُسْتَأْجِرًا لِلْمُزَارِعِ الثَّانِي بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَيَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ إذَا عَمِلَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مَعَ الْعَامِلِ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَلَوْ كَانَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ بِأَنْ دَفَعَ أَرْضَهُ وَبَذْرَهُ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ فَزَرَعَ الْعَامِلُ وَسَقَى فَلَمَّا نَبَتَ قَامَ عَلَيْهِ رَبُّ الْأَرْضِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْعَامِلِ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ وَرَبُّ الْأَرْضِ مُتَطَوِّعٌ بِعَمَلِهِ كَمَا لَوْ قَامَ عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ وَلَوْ بَذَرَ الْمُزَارِعُ وَلَمْ يَنْبُتْ وَلَمْ يَسْقِهِ فَسَقَاهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ قِيَاسًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَى الشُّرُوطِ وَرَبُّ الْأَرْضِ مُتَطَوِّعٌ كَمَا لَوْ قَامَ عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ وَلَوْ لَمْ يَزْرَعْ الْعَامِلُ حَتَّى زَرَعَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَسَقَاهُ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْمُزَارِعُ حَتَّى اسْتَحْصَدَ فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ، وَإِنْ بَذَرَهُ رَبُّ الْأَرْضِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّارِعِ وَلَمْ يَسْقِهِ وَلَمْ يَنْبُتْ فَسَقَاهُ الْمُزَارِعُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فَبَذَرَ وَلَمْ يَسْقِهِ
стр. 2721
وَلَمْ يَنْبُتْ فَقَامَ عَلَيْهِ رَبُّ الْأَرْضِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا وَكَذَا لَوْ بَذَرَهُ رَبُّ الْأَرْضِ وَلَمْ يَنْبُتْ وَلَمْ يَسْقِهِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ الْمُزَارِعُ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ سَقَاهُ حَتَّى نَبَتَ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْمَزَارِعُ وَسَقَّاهُ فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَيَضْمَنُ الْبَذْرَ لِرَبِّهِ وَالْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعٌ فِي سَقْيِهِ وَمَا عَلِمْته مِنْ الْجَوَابِ فِي الْمُزَارَعَةِ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي الْمُعَامَلَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمُزَارَعَةِ أَوْ الْمُعَامَلَةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الْعَقْدِ، أَوْ الشَّرْطِ أَوْ فِي جَوَازِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ فَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى جَوَازٍ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَشْرُوطِ - وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ - إنْ كَانَ قَبْلَ الْمُزَارَعَةِ وَأَقَامَا بَيِّنَةً فَبَيِّنَةُ الزَّارِعِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَكْثَرُ إثْبَاتًا وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا وَتَرَادَّا، وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ وَالنَّبَاتِ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْأَرْضِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَالْقَوْلُ لَهُ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ بَعْدَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ وَقَبْلَهَا يَتَحَالَفَانِ، وَبُدِئَ بِيَمِينِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَمَّا إنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْفَسَادِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ هَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ فَاخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ وَالْبَيِّنَةُ لِرَبِّ الْأَرْضِ سَوَاءٌ اخْتَلَفَا قَبْلَ الزَّرْعِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي مِقْدَارِ الْأَنْصِبَاءِ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَالْقَوْلُ لِوَرَثَةِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ فَالْقَوْلُ لِوَرَثَةِ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَا مَعًا بَيِّنَةً فَبَيِّنَةُ صَاحِبِ الْبَذْرِ أَوْلَى، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صَاحِبِ الْبَذْرِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَةِ الْمُزَارِعِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَذْرِ، وَفِي شَرْطٍ وَأَقَامَا بَيِّنَةً فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُزَارِعُ بَعْدَ الِاسْتِحْصَادِ وَلَمْ يُدْرَ مَا فُعِلَ بِحِصَّةِ الْمُزَارِعِ فَضَمَانُ حِصَّةِ الْمُزَارِعِ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ مَاتَ مُجْهِلًا لِلْوَدِيعَةِ وَلَوْ مَاتَ الْعَامِلُ بَعْدَمَا انْتَهَتْ الثَّمَرَةُ فَلَمْ يُوجَدْ فِي النَّخْلِ شَيْءٌ إنْ عُلِمَ خُرُوجُ الثَّمَرَةِ ضَمِنَ حِصَّةَ الْآخَرِ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَتَفَاصِيلُهُ تُطْلَبُ مِنْهُ اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[كِتَابُ الذَّبَائِحِ]
قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْمُزَارَعَةِ وَالذَّبَائِحِ كَوْنُهَا إتْلَافًا فِي الْحَالِ لِلِانْتِفَاعِ فِي الْمَآلِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ إتْلَافُ الْحَبِّ فِي الْأَرْضِ لِلِانْتِفَاعِ بِمَا يَنْبُتُ مِنْهَا، وَالذَّبْحُ إتْلَافُ الْحَيَوَانِ بِإِزْهَاقِ رُوحِهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ هَذَا إنَّمَا يَقْتَضِي تَعْقِيبَ الْمُزَارَعَةِ بِالذَّبَائِحِ دُونَ تَعْقِيبِ الْمُسَاقَاةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ كَالْمُزَارَعَةِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ فَكَانَتْ الْمُنَاسَبَةُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَ الْمُزَارَعَةِ وَالذَّبَائِحِ لِدُخُولِ الْمُسَاقَاةِ فِي الْمُزَارَعَةِ ضِمْنًا فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، وَيُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ تَفْسِيرِ الذَّكَاةِ لُغَةً وَشَرْعًا وَرُكْنِهَا وَشَرْطِ جَوَازِهَا وَحُكْمِهَا. أَمَّا تَفْسِيرُهَا لُغَةً فَهِيَ إمَّا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْحِدَّةِ يُقَالُ سِرَاجٌ ذَكِيٌّ إذَا كَانَ يَرَاهُ فِي غَايَةِ الْحِدَّةِ وَيُقَالُ فُلَانٌ ذَكِيٌّ إذَا كَانَ سَرِيعَ الْفَهْمِ وَالْإِدْرَاكِ لِحِدَّةِ خَاطِرِهِ وَفَهْمِهِ وَيُقَالُ مِسْكٌ ذَكِيٌّ إذَا كَانَ طَيِّبَ الرَّائِحَةِ يَقُومُ مِنْهُ الرِّيحُ، وَإِمَّا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الطَّهَارَةِ قَالَ ﵊ «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاةٌ» أَيْ طَهَارَتُهُ وَقَالَ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» أَيْ طَهَارَتُهَا، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الذَّكَاةِ فَإِنَّ فِيهَا حِدَّةً مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُسْرِعَةٌ إلَى الْمَوْتِ وَتُطَهِّرُ الْحَيَوَانَ عَنْ الدِّمَاءِ الْمَسْفُوحَةِ وَالرُّطُوبَاتِ السَّائِلَةِ النَّجِسَةِ
، وَأَمَّا رُكْنُهَا فَهُوَ الْقَطْعُ، وَالْجَرْحُ، وَأَمَّا شَرْطُهَا فَأَرْبَعَةٌ: آلَةٌ قَاطِعَةٌ جَارِحَةٌ، وَالثَّانِي كَوْنُ الذَّبْحِ مِمَّنْ لَهُ مِلَّةٌ حَقِيقَةً كَالْمُسْلِمِ، أَوْ ادِّعَاءً كَالْكَافِرِ، وَالثَّالِثُ كَوْنُ الْمَحَلِّ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ إمَّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَأْكُولِ اللَّحْمِ أَوْ مِنْ وَجْهٍ كَغَيْرِهِ وَهُوَ مَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ، وَالرَّابِعُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَنَا لِمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا حُكْمُهَا فَطَهَارَةُ الْمَذْبُوحِ وَحِلُّ أَكْلِهِ إنْ كَانَ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ وَطَهَارَةُ عَيْنِهِ لِلِانْتِفَاعِ إذَا كَانَ لَا يُؤْكَلُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَمَّا شَرْعًا فَهُوَ قَوْلُهُ: وَالذَّبْحُ إلَى آخِرِهِ، وَتَرْجَمَ بِالذَّبَائِحِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالذَّبَائِحِ الذَّبْحَ الَّذِي هُوَ الذَّكَاةُ وَالْمُؤَلِّفُ أَبْقَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَلِذَا قَالَ: (هِيَ جَمْعُ ذَبِيحَةٍ وَهِيَ اسْمٌ لِمَا يُذْبَحُ) يَعْنِي: الذَّبَائِحُ جَمْعُ ذَبِيحَةٍ وَالذَّبِيحَةُ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الْمَذْبُوحِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يُتَرْجِمَ بِالذَّبْحِ لِأَنَّهُ فِعْلٌ وَالْمُكَلَّفُ إنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ الْأَفْعَالِ أَوَّلًا بِالذَّاتِ لَا عَنْ الْأَعْيَانِ إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَقَوْلُهُ: جَمْعُ ذَبِيحَةٍ الْأَوْلَى تَرْكُهُ لِأَنَّ الْفَقِيهَ لَا يَبْحَثُ عَنْ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ وَإِنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ الْأَحْكَامِ.
قَالَ ﵀: (وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أَفْرِ الْأَوْدَاجَ بِمَا شِئْتَ» وَالْمُرَادُ الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ وَالْوَدَجَانِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْأَوْدَاجِ تَغْلِيبًا وَبِهِ يَحِلُّ
стр. 2722
الْمَذْبُوحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَبِالذَّبْحِ يَقَعُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّحْمِ فَيَطْهُرُ بِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ وَيُقَالُ: ذَكَاءُ السِّنِّ بِالْمَدِّ لِنِهَايَةِ الشَّبَابِ، وَذَكَاةُ النَّارِ بِالْقَصْرِ لِتَمَامِ اشْتِعَالِهَا، وَهِيَ اخْتِيَارِيَّةٌ وَاضْطِرَارِيَّةٌ فَالْأَوَّلُ الْجَرْحُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ وَالثَّانِي الْجَرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ الْبَدَنِ وَهَذَا كَالْبَدَلِ عَنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي إخْرَاجِ الدَّمِ مِنْ الثَّانِي فَلَا يُتْرَكُ إلَّا بِالْعَجْزِ عَنْهُ وَيُكْتَفَى بِالثَّانِي لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ مَشَايِخِنَا إلَى أَنَّ الذَّبْحَ مَحْظُورٌ عَقْلًا لِمَا فِيهِ مِنْ إيلَامِ الْحَيَوَانِ وَلَكِنَّ الشَّرْعَ أَحَلَّهُ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ: وَهَذَا عِنْدِي بَاطِلٌ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَنَاوَلُ اللَّحْمَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ وَلَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ ذَبَائِحَ الْمُشْرِكِينَ لِذَبْحِهِمْ بِأَسْمَاءِ آلِهَتِهِمْ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ يَصْطَادُ وَيَذْبَحُ بِنَفْسِهِ وَمَا كَانَ يَفْعَلُ مَا هُوَ الْمَحْظُورُ عَقْلًا كَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالسَّفَهِ.
[ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ وَكِتَابِيٍّ]
قَالَ ﵀: (وَحَلَّ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ وَكِتَابِيٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وَالْمُرَادُ بِهِ ذَبَائِحُهُمْ لِأَنَّ مُطْلَقَ الطَّعَامِ غَيْرِ الْمُذَكَّى يَحِلُّ مِنْ أَيِّ كَافِرٍ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا فَرْقَ فِي الْكِتَابِيِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا، أَوْ حَرْبِيًّا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُذْكَرَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى لَوْ ذَكَرَ الْكِتَابِيُّ الْمَسِيحَ، أَوْ عُزَيْرًا لَا يَحِلُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَهُوَ كَالْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ أَهَلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا يَحِلُّ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ الْكِتَابِيُّ إذَا أَتَى بِالذَّبِيحَةِ مَذْبُوحَةً أَكَلْنَا فَلَوْ ذَبَحَ بِالْحُضُورِ فَلَا بُدَّ مِنْ الشَّرْطِ وَهُوَ أَنْ لَا يَذْكُرَ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ وَلَا فَرْقَ فِي الذَّابِحِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُرَادُ بِالْمَجْنُونِ الْمَعْتُوهُ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا قَصْدَ لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ وَهِيَ الْقَصْدُ وَهُوَ أَنْ يَعْقِلَهَا.
قَالَ ﵀: (وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَأَخْرَسَ وَأَقْلَفَ) يَعْنِي تَحِلُّ ذَبِيحَةُ هَؤُلَاءِ وَالْمُرَادُ بِالصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ التَّسْمِيَةَ وَيَضْبِطُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ شَرْطٌ بِالنَّصِّ وَذَلِكَ بِالْعَقْدِ وَصِحَّةُ الْعَقْدِ بِالْمَعْرِفَةِ وَالضَّبْطُ هُوَ أَنْ يَعْلَمَ شَرَائِطَ الذَّبْحِ مِنْ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَالتَّسْمِيَةِ وَالْمَعْتُوهُ كَالصَّبِيِّ إذَا كَانَ ضَابِطًا وَالْقُلْفَةُ وَلَا الْفِرَاسَةُ لَا تَحِلُّ بِذَلِكَ فَيَحِلُّ وَالْأَخْرَسُ عَاجِزٌ عَنْ الذِّكْرِ فَيَكُونُ مَعْذُورًا وَتَقُومُ الْمِلَّةُ مَقَامَهُ كَالنَّاسِي بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَلْزَمُ.
[ذَبِيحَة الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَالْمُحْرِمِ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا]
قَالَ ﵀: (لَا مَجُوسِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَمُرْتَدٍّ وَمُحْرِمٍ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا) يَعْنِي لَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ هَؤُلَاءِ أَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَلِقَوْلِهِ ﵊ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دِينٌ سَمَاوِيٌّ فَانْعَدَمَ التَّوْحِيدُ اعْتِقَادًا وَدَعْوَى، وَالْوَثَنِيُّ كَالْمَجُوسِيِّ فِيمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ مِثْلُهُ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ بِخِلَافِ الْيَهُودِيِّ إذَا تَنَصَّرَ وَبِالْعَكْسِ أَوْ تَنَصَّرَ الْمَجُوسِيُّ، أَوْ تَهَوَّدَ لِأَنَّهُ يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ عِنْدَنَا فَتُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَلَوْ تَمَجَّسَ الْيَهُودِيُّ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَلَا فَرْقَ فِي الْمُرْتَدِّ بَيْنَ أَنْ يَرْتَدَّ إلَى دِينِ الْيَهُودِيَّةِ أَوْ النَّصْرَانِيَّةِ، أَوْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ يُعْتَبَرُ كِتَابِيًّا، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ فَالْمُرَادُ بِهِ فِي حَقِّ الصَّيْدِ لِأَنَّ ذَبِيحَتَهُ فِي حَقِّ الصَّيْدِ لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِيهِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَكَذَا الْحَلَالُ فِي حَقِّ صَيْدِ الْحَرَمِ وَكَذَا الْكِتَابِيُّ لَوْ ذَبَحَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَأَمَّا تَارِكُ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ» الْحَدِيثَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُؤْكَلُ قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا عَمْدًا لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا يَحِلُّ أَكْلُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْمَشَايِخُ: إنَّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ حَتَّى لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ، وَلَوْ ذَبَحَ شَاتَيْنِ فَسَمَّى عَلَى الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ تَحِلُّ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَلَوْ رَمَى سَهْمًا إلَى صُيُودٍ فَأَثْخَنَ الْكُلَّ يَكْفِيهِ تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ حَصَلَ بِهَا ذَكَاةُ صُيُودٍ كَثِيرَةٍ، فَأَمَّا ذَبْحُ الشَّاةِ الثَّانِيَةِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَسْمِيَةٍ ثَانِيَةٍ حَتَّى لَوْ أَضْجَعَ شَاتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَذَبَحَهُمَا بِحَدِيدَةٍ يَحِلَّانِ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا، ثُمَّ أَلْقَى تِلْكَ السِّكِّينَ وَأَخَذَ سِكِّينًا أُخْرَى فَذَبَحَ بِهَا لَا بَأْسَ بِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذَ سَهْمًا فَوَضَعَ ذَلِكَ وَرَفَعَ آخَرَ وَلَمْ يُسَمِّ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ مَشْرُوعَةٌ عَلَى الذَّبْحِ لَا عَلَى آلَتِهِ وَالذَّبِيحَةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَفِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ التَّسْمِيَةُ عَلَى الْآلَةِ لَا عَلَى الذَّبِيحَةِ وَالْآلَةُ قَدْ تَغَيَّرَتْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً وَسَمَّى فَأَرْسَلَهَا وَأَخَذَ غَيْرَهَا وَذَبَحَهَا بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ لَمْ تَجُزْ وَلَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آخَرَ يَحِلُّ لِمَا بَيَّنَّا. سَمَّى وَاشْتَغَلَ بِآخَرَ
إنْ كَانَ قَلِيلًا كَمَا لَوْ كَلَّمَ
стр. 2723
إنْسَانًا، أَوْ شَرِبَ مَاءً يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ طَوِيلًا فَلَا لِأَنَّ إيقَاعَ الذَّبْحِ مُتَّصِلٌ بِالتَّسْمِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِجَرْحٍ فَأُقِيمَ الْمَجْلِسُ مَقَامَ الِاتِّصَالِ وَالْعَمَلُ الْقَلِيلُ لَا يَقْطَعُ الْمَجْلِسَ فَيَكُونُ مَذْبُوحًا عَلَى التَّسْمِيَةِ وَالْكَثِيرُ يَقْطَعُ فَيَفْصِلُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ مَذْبُوحًا بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ جَازَ، نَوَى، أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّسْمِيَةِ وَظَاهِرُ حَالِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَيَقَعُ عَنْهَا مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الصَّرْفُ عَنْهَا حَتَّى لَوْ أَرَادَ بِهِ التَّسْمِيَةَ عَلَى غَيْرِهِ كَمَنْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَرَادَ بِهِ إجَابَةَ الْأَذَانِ لَا افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَصِرْ شَارِعًا فِيهَا وَلَوْ سَبَّحَ، أَوْ حَمِدَ اللَّهَ، أَوْ كَبَّرَ يُرِيدُ بِهِ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ تَحِلُّ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كِنَايَةٌ عَنْ التَّسْمِيَةِ وَالْكِنَايَةُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الصَّرِيحِ بِالنِّيَّةِ وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ بِغَيْرِ هَاءِ اللَّهِ إنْ أَرَادَ بِهِ التَّسْمِيَةَ يَحِلُّ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَحْذِفُ حَرْفًا تَرْخِيمًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي التَّتِمَّةِ رَجُلٌ ذَبَحَ لِلضَّيْفِ شَاةً فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا فَقَالَ: يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَوْ ذَبَحَ لِأَجْلِ قُدُومِ الْأَمِيرِ أَوْ قُدُومِ وَاحِدٍ مِنْ الْعُظَمَاءِ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ يَحْرُمُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ ذَبَحَهَا لِأَجْلِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى ذَبَحَ شَاةً مَجُوسِيٌّ لِأَجْلٍ بَيْتِ نَارِهِمْ، أَوْ ذَبَحَ كَافِرٌ لِآلِهَتِهِمْ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُمْ وَلَا فَرْقَ فِي الذَّابِحِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى حُرًّا، أَوْ عَبْدًا صَبِيًّا، أَوْ بَالِغًا نَاطِقًا أَمْ أَخْرَسَ أَوْ أَقْلَفَ. اهـ. .
قَالَ ﵀: (وَحَلَّ لَوْ نَاسِيًا) يَعْنِي حَلَّ الْمُذَكَّى لَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَحِلُّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ لِأَنَّهُ لَا فَصْلَ فِيهِ قُلْنَا: إنَّ النِّسْيَانَ مَرْفُوعُ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ ﵊ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ، وَفِي اعْتِبَارِهِ حَرَجٌ وَالْحَرَجُ مَرْفُوعٌ بِالنَّصِّ وَالنَّصُّ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى إطْلَاقِهِ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقًا لَمَا جَرَتْ الْمُحَاجَجَةُ بَيْنَ السَّلَفِ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ، وَإِقَامَةُ الْمِلَّةِ مَقَامَ التَّسْمِيَةِ فِي حَقِّ النَّاسِي لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ لَا يَدُلُّ عَلَى إقَامَتِهَا فِي حَقِّ الْعَامِدِ لِعَدَمِ عُذْرِهِ وَلَا يُقَالُ: الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى هَلْ أُرِيدَ بِهِ حَالَةُ الذَّبْحِ، أَوْ حَالَةُ الطَّبْخِ، أَوْ حَالَةُ الْأَكْلِ لِأَنَّا نَقُولُ أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا حَالَةُ الذَّبْحِ فَتَكُونُ مُفَسَّرَةً فَتَمَّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا، ثُمَّ التَّسْمِيَةُ فِي ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ الذَّبْحِ قَاصِدًا التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَفِي الْيَنَابِيعِ وَلَوْ سَمَّى بِالْفَارِسِيَّةِ جَازَ.
وَفِي الْأَصْلِ وَلَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ وَسَمَّى فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، أَوْ أَرَادَ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَفِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يَجُوزُ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْحَاوِي سُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَمَّنْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْهَاءَ قَالَ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ الْفَقِيهُ: إنْ لَمْ يَقْصِدْ تَرْكَ الْهَاءِ يَجُوزُ اهـ.
[مَا يَقُولهُ عِنْد الذَّبْح]
قَالَ ﵀: (وَكُرِهَ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَهُ وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ، وَإِنْ قَالَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ وَالْإِضْجَاعِ جَازَ) وَهَذَا النَّوْعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَذْكُرَهُ مَوْصُولًا مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ فَيُكْرَهَ وَلَا تَحْرُمَ الذَّبِيحَةُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِالرَّفْعِ لِأَنَّ اسْمَ الرَّسُولِ غَيْرُ مَذْكُورٍ عَلَى سَبِيلِ الْعَطْفِ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لَكِنْ يُكْرَهُ لِوُجُودِ الْوَصْلِ صُورَةً، وَإِنْ قَالَ بِالْخَفْضِ لَا يَحِلُّ ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا إذَا كَانَ يَعْرِفُ النَّحْوَ وَالْأَوْجَهُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ الْإِعْرَابُ بَلْ يَحْرُمُ مُطْلَقًا وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَمْ تُوجَدْ وَلَمْ يَكُنْ الذَّبْحُ وَاقِعًا عَلَيْهِ وَلَكِنْ يُكْرَهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا عَلَى سَبِيلِ الْعَطْفِ وَالشَّرِكَةِ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ فُلَانٍ أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ بِالْجَرِّ تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ؛ لِأَنَّهُ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَلِقَوْلِهِ ﵊ «مَوْطِنَانِ لَا أُذْكَرُ فِيهِمَا عِنْدَ الْعُطَاسِ وَالذَّبْحِ» ، وَلَوْ رَفَعَ الْمَعْطُوفَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ يَحِلُّ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَاخْتَلَفُوا فِي النَّصْبِ قِيلَ يُكْرَهُ فِيهَا بِالِاتِّفَاقِ لِوُجُودِ الْوَصْلِ صُورَةً.
الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ مَفْصُولًا عَنْهُ صُورَةً وَمَعْنًى بِأَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يُضْجِعَ الشَّاةَ، أَوْ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ، أَوْ بَعْدَ الذَّبْحِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ هَذَا مِنِّي، أَوْ مِنْ فُلَانٍ وَهَذَا لَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ الذَّبْحِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ هَذَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ لَكَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِي بِالْبَلَاغِ» وَكَانَ ﵊ يَقُولُ إذَا أَرَادَ الذَّبْحَ «اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَلَك إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي» إلَخْ وَالشَّرْطُ هُوَ الذِّكْرُ الْخَالِصُ حَتَّى لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاكْتَفَى لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَسُؤَالٌ وَلَوْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَأَرَادَ بِهِ التَّسْمِيَةَ حَلَّ وَلَوْ عَطَسَ عِنْدَ الذَّبْحِ وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لَا يَحِلُّ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْحَمْدَ عَلَى النِّعْمَةِ دُونَ التَّسْمِيَةِ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَقُولَ بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا، وَفِي النَّوَازِلِ إذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ بِالْخَفْضِ قَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى قِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الصَّلَاةِ تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ وَكَذَا لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمُحَمَّدٍ بِالْوَاوِ
стр. 2724
لَوْ قَالَ بِغَيْرِ وَاوٍ حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ وَلَكِنْ يُكْرَهُ، وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ رَجُلَانِ ذَبَحَا صَيْدًا وَسَمَّى أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ الْآخَرُ التَّسْمِيَةَ لَمْ يَحْرُمْ أَكْلُهُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالْيَنَابِيعِ وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً فَسَمَّى، ثُمَّ ذَبَحَ أُخْرَى فَظَنَّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى تَجْزِيهِ عَنْهَا لَمْ تُؤْكَلْ، وَفِي الْحَاوِي جَمَعَ الْعَصَافِيرَ فَذَبَحَ وَاحِدَةً وَسَمَّى وَذَبَحَ أُخْرَى عَلَى إثْرِهِ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ لَا تُؤْكَلُ وَلَوْ أَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَيْهِمْ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: وَذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ إنَّمَا تُؤْكَلُ إذَا أَتَى بِهَا مَذْبُوحَةً وَإِنْ ذَبَحَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَإِنْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا وَكَذَا إذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ سَمَّى بِسْمِ الْمَسِيحِ وَسَمِعَهُ مِنْهُ فَلَا يُؤْكَلْ، وَفِي جَامِعِ الْجَوَامِعِ: مَنْ اشْتَرَى لَحْمًا وَعَلِمَ أَنَّهُ ذَبِيحَةُ مَجُوسِيٍّ وَأَرَادَ الرَّدَّ فَقَالَ الْبَائِعُ: الذَّابِحُ مُسْلِمٌ لَا يُرَدُّ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَ الْكَرَاهِيَةِ وَفِيهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: ذِئْبٌ أَخَذَ حُلْقُومَ شَاةٍ وَأَوْدَاجَهَا فَذَبَحَهَا فَأَكَلَهَا إذَا كَانَتْ تَضْطَرِبُ إذَا سَمَّى تَحِلُّ وَلَوْ انْفَلَتَتْ الشَّاةُ، أَوْ الْبَقَرُ مِنْ يَدِهِ وَقَامَتْ مِنْ مَضْجَعِهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى مَضْجَعِهَا اكْتَفَى بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ، وَإِنْ ذَبَحَ الذَّابِحُ وَسَمَّى صَاحِبُ الْأُضْحِيَّةِ، أَوْ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ اهـ.
[كَيْفِيَّة الذَّبْح]
قَالَ ﵀: (وَالذَّبْحُ بَيْنَ الْحَلْقَةِ وَاللَّبَّةِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ كُلِّهِ وَأَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ» وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ مَجْرَى النَّفَسِ وَمَجْرَى الطَّعَامِ وَمَجْرَى الْعُرُوقِ فَيَحْصُلُ بِقَطْعِهِ الْمَقْصُودُ عَلَى أَبْلَغِ الْوُجُوهِ وَهُوَ إنْهَارُ الدَّمِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ، أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ يَحْرُمُ لِأَنَّهُ أَهَلَّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الذَّكَاةِ ذَكَرَهُ فِي الْوَاقِعَاتِ، وَفِي فَتَاوَى السَّمَرْقَنْدِيِّ وَنَقَلَ فِي النِّهَايَةِ عَنْ الْإِمَامِ الرُّسْتُغْفَنِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ عَمَّنْ ذَبَحَ شَاةً فَبَقِيَتْ عُقْدَةُ الْحُلْقُومِ مِمَّا يَلِي الصَّدْرَ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى غَيْرُ مَا يَلِي الرَّأْسَ أَيُؤْكَلُ أَمْ لَا؟ قَالَ: هَذَا قَوْلُ الْعَوَامّ مِنْ النَّاسِ وَلَيْسَ هَذَا بِمُعْتَبَرٍ وَيَجُوزُ أَكْلُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ الْعُقْدَةُ مِمَّا يَلِي الصَّدْرَ، أَوْ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ قَالَ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَنَا قَطْعُ الْأَوْدَاجِ وَقَدْ وُجِدَ وَذَكَرَ أَنَّ شَيْخَهُ كَانَ يُفْتِي بِهِ وَهَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَلَا الْمَرِيءِ وَأَصْحَابُنَا ﵃، وَإِنْ شَرَطُوا قَطْعَ الْأَكْثَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ عُقْدَةٍ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ لَمْ يَحْصُلْ قَطْعُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يُؤْكَلُ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ لَوْ قَطَعَ الْأَعْلَى، أَوْ الْأَسْفَلَ ثُمَّ عَلِمَ بِهَا فَقَطَعَ مَرَّةً أُخْرَى الْحُلْقُومَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتَ يُنْظَرُ فَإِنْ قُطِعَ بِتَمَامِهِ لَا يَحِلُّ لِأَنَّ مَوْتَهُ بِالْأَوَّلِ أَسْرَعُ مِنْهُ بِالْقَطْعِ الثَّانِي، وَإِلَّا حَلَّ وَذَكَرَ فِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ: قَصَّابٌ ذَبَحَ شَاةً فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَقَطَعَ أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ، أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ يَحْرُمُ أَكْلُهَا اهـ.
قَالَ ﵀: (وَالْمَذْبَحُ الْمَرِيءُ وَالْحُلْقُومُ وَالْوَدَجَانِ) لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «أَفْرِ الْأَوْدَاجَ بِمَا شِئْت» وَهِيَ عُرُوقُ الْحَلْقِ فِي الْمَذْبَحِ وَالْمَرِيءُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ وَالْمُرَادُ بِالْأَوْدَاجِ كُلُّهَا وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِقَطْعِهِنَّ وَهُوَ إزْهَاقُ الرُّوحِ، وَإِخْرَاجُ الدَّمِ لِأَنَّهُ بِقَطْعِ الْمَرِيءِ وَالْحُلْقُومِ يَحْصُلُ الْإِزْهَاقُ وَبِقَطْعِ الْوَدَجَيْنِ يَحْصُلُ إنْهَارُ الدَّمِ وَلَوْ قَطَعَ الْأَوْدَاجَ وَهِيَ الْعُرُوقُ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ الْمَرِيءِ وَالْحُلْقُومِ لَا يَمُوتُ فَضْلًا عَنْ التَّوَجُّهِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهِمَا لِيَحْصُلَ التَّوَجُّهُ وَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْوَدَجَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا لِيَحْصُلَ إنْهَارُ الدَّمِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَالْمَرِيءُ وَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ وَالْوَدَجَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَلَوْ خَرَّ عُنُقُ شَاةٍ بِسَيْفٍ مِنْ قِبَلِ الْأَوْدَاجِ وَسَمَّى يَحِلُّ لِأَنَّهُ أَتَى بِالذَّكَاةِ وَزِيَادَةٍ وَقَدْ أَسَاءَ لِأَنَّهُ جَاوَزَ النَّخَاعَ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَقَطْعُ الثَّلَاثِ كَافٍ) وَالِاكْتِفَاءُ بِالثَّلَاثِ مُطْلَقًا هُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْأَكْثَرِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ يُكْتَفَى بِقَطْعِ الْأَكْثَرِ مِنْ هَذِهِ الْعُرُوقِ الْأَرْبَعَةِ فَأَمَّا الْحُلْقُومُ وَالْمَرِيءُ فَمُخَالِفَانِ لِلْأَوْدَاجِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِلْآخَرِ فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهِمْ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَفِي التَّتِمَّةِ سُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ عَنْ انْتِزَاعِ السَّبُعِ رَأْسَ الشَّاةِ وَفِيهَا حَيَاةٌ هَلْ تَحِلُّ بِالذَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ.
قَالَ ﵀: (وَلَوْ بِظُفُرٍ وَقَرْنٍ وَعَظْمٍ وَسِنٍّ مَنْزُوعٍ وَلِيطَةٍ وَمَرْوَةِ وَمَا أَنْهَرَ الدَّمَ إلَّا سِنًّا وَظُفُرًا قَائِمَيْنِ) يَعْنِي يَكْفِي فِي الْحِلِّ بِمَا ذُكِرَ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَأَفْرَى الْأَوْدَاجَ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «أَفْرِ الْأَوْدَاجَ بِمَا شِئْتَ» وَمَا رُوِيَ مِنْ الْمَنْعِ فِي الظُّفُرِ وَالسِّنِّ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ فَإِنَّ الْحَبَشَةَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إظْهَارًا لِلْجَلَدِ وَالْمَشْرُوعُ آلَةٌ جَارِحَةٌ فَيَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَهُوَ إنْهَارُ الدَّمِ، وَاللِّيطَةُ الْقَصَبُ الْفَارِسِيُّ، وَالْمَرْوَةُ الْحَجَرُ الَّذِي لَهُ حَدٌّ وَالدَّلِيلُ
стр. 2725
عَلَى جَوَازِ الذَّبْحِ بِهِمَا مَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ نَجِدُ الصَّيْدَ وَلَيْسَ مَعَنَا سِكِّينٌ إلَّا الْمَرْوَةَ وَشِقَّةَ الْعَصَا فَقَالَ ﵊: أَفْرِ الْأَوْدَاجَ بِمَا شِئْتَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالظُّفُرُ وَالسِّنُّ الْمَنْزُوعُ آلَةٌ جَارِحَةٌ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَنْزُوعِ لِأَنَّ الذَّبْحَ بِهِ يَكُونُ بِالثِّقْلِ لَا بِالْآلَةِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَنُدِبَ حَدُّ شَفْرَتِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُضْجِعَهَا، ثُمَّ يُحِدَّ الشَّفْرَةَ لِقَوْلِهِ ﵊ «لِمَنْ أَضْجَعَ الشَّاةَ وَهُوَ يُحِدُّ شَفْرَتَهُ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَيْنِ هَلَّا حَدَدْتَهَا قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا» الْحَدِيثَ، وَالْآلَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ قَاطِعَةٍ وَغَيْرِ قَاطِعَةٍ، وَالْقَاطِعَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ حَادَّةٍ وَكَلِيلَةٍ، فَالْحَادَّةُ اخْتِيَارِيَّةٌ وَضَرُورِيَّةٌ فَالْحَادَّةُ يَجُوزُ الذَّبْحُ بِهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَالْكَلِيلَةُ يَجُوزُ الذَّبْحُ بِهَا وَيُكْرَهُ لِمَا مَرَّ مِنْ الْإِبْطَاءِ فِي الْإِرَاقَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
[مَا يَكْرَه فِي الذَّبْح]
قَالَ ﵀: (وَكُرِهَ النَّخْعُ وَقَطْعُ الرَّأْسِ وَالذَّبْحُ مِنْ الْقَفَاءِ) النَّخْعُ هُوَ أَنْ يَصِلَ النَّخَاعَ وَهُوَ خَيْطٌ أَبْيَضُ فِي جَوْفِ عَظْمِ الرَّقَبَةِ وَهُوَ بِالْفَتْحِ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ فِيهِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَمَنْ قَالَ هُوَ عِرْقٌ أَبْيَضُ فَقَدْ سَهَا وَاعْتَرَضَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَنَّ مَنْ سَمَّى بِمَا ذُكِرَ لَمْ يَغْلَطْ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ ذَكَرُوهُ بِلَفْظِ الْخَيْطِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ «لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ أَنْ نَنْخَعَ الشَّاةَ إذَا ذُبِحَتْ» وَتَفْسِيرُهُ مَا ذَكَرْنَا وَقِيلَ أَنْ يَمُدَّ رَأْسَهَا حَتَّى يَظْهَرَ مَذْبَحُهَا وَقِيلَ أَنْ يَكْسِرَ رَقَبَتَهَا قَبْلَ أَنْ تَسْكُنَ مِنْ الِاضْطِرَابِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَفِي قَطْعِ الرَّأْسِ زِيَادَةُ تَعْذِيبٍ فَيُكْرَهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَجُرَّ مَا يُرِيدُ ذَبْحَهُ وَأَنْ يَسْلُخَ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ، وَيُؤْكَلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَعْنًى زَائِدٍ وَهُوَ زِيَادَةُ الْأَلَمِ فَلَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْبَحَهَا مُوَجَّهَةً لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ فِي تَوْجِيهِهَا لِلْقِبْلَةِ وَتُؤْكَلُ، وَفِي الذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا زِيَادَةُ أَلَمٍ فَيُكْرَهُ وَيَحِلُّ لِمَا ذَكَرْنَا إذَا بَقِيَتْ حَيَّةً حَتَّى يَقْطَعَ الْعُرُوقَ لِتَحَقُّقِ الْمَوْتِ بِالذَّكَاةِ، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ قَطْعِ الْعُرُوقِ لَا تُؤْكَلُ لِوُجُودِ الْمَوْتِ بِمَا لَيْسَ بِذَكَاةٍ.
قَالَ ﵀: (وَذَبْحُ صَيْدٍ اسْتَأْنَسَ وَجَرْحِ نَعَمٍ تَوَحَّشَ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ) الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى قَوْلِهِ " وَحَلَّ ذَبِيحَةُ مُسْلِمٍ "، وَذَبْحِ صَيْدٍ يَعْنِي وَحَلَّ أَكْلُ صَيْدٍ اسْتَأْنَسَ بِالذَّبْحِ وَهُوَ الذَّكَاةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا وَحَلَّ أَكْلُ نَعَمٍ تَوَحَّشَ، أَوْ تَرَدَّى بِالْجَرْحِ لِعَجْزِهِ عَنْ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ هَذَا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الْجَرْحِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ الْجَرْحِ لَمْ يُؤْكَلْ فَإِنْ أَشْكَلَ ذَلِكَ أُكِلَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْمَوْتُ بِهِ وَكَذَا الدَّجَاجَةُ إذَا تَعَلَّقَتْ عَلَى شَجَرَةٍ وَخَافَ مَوْتَهَا صَارَتْ ذَكَاتُهَا بِالْجَرْحِ، وَفِي الْكِتَابِ أَطْلَقَ فِيمَا تَوَحَّشَ مِنْ النَّعَمِ وَكَذَا فِيمَا تَرَدَّى فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ فِي الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الشَّاةَ إذَا نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَا تَحِلُّ بِالْعَقْرِ، وَإِنْ نَدَّتْ فِي الصَّحْرَاءِ تَحِلُّ بِالْعَقْرِ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ سَوَاءٌ نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ، أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ فَتَحِلُّ بِالْعَقْرِ، وَالصَّائِلُ كَالنَّادِّ إذَا كَانَ لَا يُقْدَرُ عَلَى أَخْذِهِ حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُرِيدُ ذَكَاتَهُ وَسَمَّى حَلَّ أَكْلُهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي سَفَرٍ فَنَدَّ بَعِيرٌ مِنْ الْإِبِلِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حَبْلٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا فَعَلَ مِنْهَا فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَصَارَ إلَى الْبَدَلِ، وَفِي النَّوَازِلِ لَوْ أَنَّ بَقَرَةً تَعَسَّرَ عَلَيْهَا الْوِلَادَةُ فَأَدْخَلَ صَاحِبُهَا يَدَهُ وَذَبَحَ الْوَلَدَ حَلَّ أَكْلُهُ وَإِنْ جَرَحَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الذَّبْحِ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ لَا يَحِلُّ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ فَإِنْ أَصَابَ قَرْنَهُ، أَوْ ظُفُرَهُ، أَوْ حَافِرَهُ فَإِنْ أَدْمَاهُ وَوَصَلَ لِلَّحْمِ حَلَّ أَكْلُهُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ الذَّكَاةَ تُصْرَفُ فِي مَحَلِّ الْحَيَاةِ، وَإِنْ أَبَانَ عَنْهُ غَيْرَ الرَّأْسِ فَمَاتَ يُؤْكَلُ كُلُّهُ إلَّا مَا أَبَانَ مِنْ الْحَيِّ فَهُوَ مَيِّتٌ وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ حُكْمُ الذَّكَاةِ وَلَا كَذَلِكَ إذَا بَانَ الرَّأْسُ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ حَيَاةُ الْجَسَدِ مَعَ إبَانَةِ الرَّأْسِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ مِنْهُ جِلْدَةٌ فَإِنْ كَانَ يَلْتَئِمُ وَيَتَبَدَّلُ لَوْ تَرَكَهُ حَلَّ أَكْلُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُبَانٌ وَلَوْ قَطَعَ الصَّيْدَ نِصْفَيْنِ طُولًا وَعَرْضًا حَلَّ وَلَوْ أَبَانَ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ الْبَدَنَ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ لَا يَحِلُّ الْمُبَانُ، وَإِنْ كَانَ النِّصْفَ يَحِلُّ كِلَاهُمَا اهـ.
قَالَ ﵀: (وَسُنَّ نَحْرُ الْإِبِلِ وَذَبْحُ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَكُرِهَ عَكْسُهُ وَحَلَّ) وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مَسْنُونًا لِأَنَّهُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] قَالُوا: الْمُرَادُ نَحْرُ الْجَزُورِ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحُ أَيْسَرُ، وَفِي الْإِبِلِ النَّحْرُ أَيْسَرُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الْعَكْسُ لِتَرْكِ السُّنَّةِ، وَالنَّحْرُ قَطْعُ الْعُرُوقِ فِي أَسْفَلِ الْعُنُقِ عِنْدَ الصَّدْرِ وَالذَّبْحُ قَطْعُ الْعُرُوقِ مِنْ أَعْلَى
стр. 2726
الْعُنُقِ تَحْتَ اللَّحْيَيْنِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالسُّنَّةُ فِي النَّحْرِ أَنْ يَنْحَرَ قَائِمًا، وَفِي الشَّاةِ وَالْبَقَرِ أَنْ تُذْبَحَ مُضْطَجِعَةً اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا وَلَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ كُلِّهِ أَسْفَلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَأَعْلَاهُ لِأَنَّ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ هُوَ الْحَلْقُ وَلِأَنَّ كُلَّهُ مُجْتَمَعُ الْعُرُوقِ فَصَارَ حُكْمُ الْكُلِّ وَاحِدًا فَإِنْ قُلْت هَذَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْيِيدِ قُلْنَا: لَا لِأَنَّ النَّحْرَ فِي أَسْفَلِهِ.
قَالَ ﵀: (وَلَمْ يُذَكَّ جَنِينٌ بِذَكَاةِ أُمِّهِ) يَعْنِي لَا يَصِيرُ الْجَنِينُ مُذَكًّى بِذَكَاةِ أُمِّهِ حَتَّى لَا يَحِلَّ أَكْلُهُ بِذَكَاتِهَا وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَجَمَاعَةٌ أُخْرَى إذَا تَمَّ خَلْقُهُ حَلَّ أَكْلُهُ بِذَكَاتِهَا لِقَوْلِهِ ﵊ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» وَلِقَوْلِهِ ﵊ «لَمَّا قِيلَ لَهُ: إنَّا نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الشَّاةَ، وَفِي بَطْنِهَا الْجَنِينُ أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ قَالَ: كُلْهُ إنْ شِئْتَ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أُمِّهِ حَقِيقَةً لِكَوْنِهِ مُتَّصِلًا بِهَا حُكْمًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْأَحْكَامِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْأُمِّ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَلِلْإِمَامِ قَوْله تَعَالَى إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَهُوَ اسْمٌ لِحَيَوَانٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَالْجَنِينُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ فَيَحْرُمُ بِالْكِتَابِ وَيُكْرَهُ ذَبْحُ الشَّاةِ إذَا تَقَارَبَ وِلَادَتُهَا لِأَنَّهُ يُضَيِّعُ مَا فِي بَطْنِهَا. الدَّجَاجَةُ إذَا تَعَلَّقَتْ فَرَمَاهَا وَأَصَابَهَا
يُنْظَرُ إنْ كَانَ لَا يَهْتَدِي إلَى مَنْزِلِهِ حَلَّ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَهْتَدِي ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ إنْ أَصَابَ الْمَذْبَحَ حَلَّ، وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَحِلُّ وَعَنْ غَيْرِهِ يَحِلُّ. اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَحِلُّ وَلَا يَحِلُّ مِنْ الذَّبَائِحِ]
(فَصْلٌ فِيمَا يَحِلُّ وَلَا يَحِلُّ) لَمَّا ذَكَرَ أَحْكَامَ الذَّبَائِحِ شَرَعَ فِي تَفْصِيلِ الْمَأْكُولِ مِنْهَا وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ، إذْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْ شَرْعِ الذَّبَائِحِ التَّوَصُّلُ إلَى الْأَكْلِ وَقَدَّمَ الذَّبْحَ لِأَنَّهُ وَسِيلَةُ الشَّيْءِ فَتُقَدَّمُ عَلَيْهِ فِي الذِّكْرِ.
قَالَ ﵀: (وَلَا يُؤْكَلُ ذُو نَابٍ وَلَا مِخْلَبٍ مِنْ سَبُعٍ وَطَيْرٍ) يَعْنِي لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذِي نَابٍ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ مِنْ سَبُعٍ وَطَيْرٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْجَمَاعَةُ وَالسِّبَاعُ جَمْعُ سَبُعٍ وَهُوَ كُلُّ مُخْتَطِفٍ مُنْتَهِبٍ جَارِحٍ قَاتِلٍ عَادَةً وَالْمُرَادُ بِذِي الْمِخْلَبِ مَا لَهُ مِخْلَبٌ هُوَ سِلَاحٌ وَهُوَ مَفْعَلُ مِنْ الْخَلْبِ وَهُوَ مَزْقُ الْجِلْدِ وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذِي مِخْلَبٍ هُوَ سِبَاعُ الطَّيْرِ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَهُ مِخْلَبٌ وَهُوَ الظُّفُرُ كَمَا أُرِيدَ بِهِ فِي ذِي نَابٍ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ لَا كُلُّ مَا لَهُ نَابٌ وَلِأَنَّ طَبِيعَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا فَيُخْشَى أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنْ لَحْمِهَا شَيْءٌ مِنْ طِبَاعِهَا فَيَحْرُمُ إكْرَامًا لِبَنِي آدَمَ وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ «لَا تُرْضِعُ لَكُمْ الْحَمْقَاءُ فَإِنَّ اللَّبَنَ يُغَذِّي وَيَدْخُلُ» فِي الْحَدِيثِ الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ لِأَنَّ لَهُمَا نَابًا وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ أَبَاحَ أَكْلَهَا مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفِيلُ أَيْضًا لِأَنَّهُ ذُو نَابٍ وَالْيَرْبُوعُ وَابْن عِرْسٍ مِنْ سِبَاعِ الْهَوَامِّ وَالرَّخَمَةُ وَالْبُغَاثُ لِأَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ الْجِيَفَ وَالرَّخَمُ جَمْعُ رَخَمَةٍ وَهُوَ طَائِرٌ أَبْقَعُ يُشْبِهُ النَّسْرَ فِي الْخِلْقَةِ يُقَالُ لَهُ الْأَنُوفُ وَالْبُغَاثُ مَائِلٌ إلَى الْغُبْرَةِ دُونَ الرَّخَمِ بَطِيءُ الطَّيَرَانِ كَذَا فِي الصِّحَاحِ قَالَ: وَالسِّبَاعُ الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ وَالنَّمِرُ وَالْفَهْدُ وَالثَّعْلَبُ وَالضَّبُعُ وَالْكَلْبُ وَالْفِيلُ وَالْقِرْدُ وَالْيَرْبُوعُ وَابْنُ عِرْسٍ وَالنُّسُورُ الْأَهْلِيُّ وَالْبَرِّيُّ وَمِنْ الطَّيْرِ الصَّقْرُ وَالْبَازُ وَالْعُقَابُ وَالنَّسْرُ وَالشَّاهِينُ اهـ.
[أَكْلُ غُرَابُ الزَّرْعِ]
قَالَ ﵀: (وَحَلَّ غُرَابُ الزَّرْعِ) لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَبَّ وَلَيْسَ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَلَا مِنْ الْخَبَائِثِ قَالَ ﵀: (لَا الْأَبْقَعُ - الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ - وَالضَّبُعُ وَالضَّبُّ وَالزُّنْبُورُ وَالسُّلَحْفَاةُ وَالْحَشَرَاتُ وَالْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ وَالْبَغْلُ) يَعْنِي: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تُؤْكَلُ أَمَّا الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ فَلِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَصَارَ كَسِبَاعِ الطَّيْرِ وَالْغُرَابُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَحَسْبُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، وَنَوْعٌ يَأْكُلُ الْحَبَّ فَحَسْبُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ، وَنَوْعٌ يَخْلِطُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ أَيْضًا يُؤْكَلُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الْعَقْعَقُ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ غَالِبُ أَكْلِهِ الْجِيَفُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّ الْخُفَّاشَ يُؤْكَلُ وَذُكِرَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّ لَهُ نَابًا، وَأَمَّا الضَّبُعُ فَلِمَا رَوَيْنَا وَبَيَّنَّا وَلِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَيَكُونُ لَحْمُهُ خَبِيثًا، وَأَمَّا الضَّبُّ وَالزُّنْبُورُ وَالسُّلَحْفَاةُ وَالْحَشَرَاتُ فَلِأَنَّهَا مِنْ الْخَبَائِثِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَمَا رُوِيَ مِنْ الْإِبَاحَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ثُمَّ حَرَّمَ الْخَبَائِثَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا فِي الِابْتِدَاءِ إلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ عَلَى مَا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلَى آخِرِ الْآيَةِ ثُمَّ حَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءَ، وَأَمَّا الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ فَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ ﵀: «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» ، وَأَمَّا الْبَغْلُ فَلِأَنَّهُ مِنْ نَسْلِ الْحِمَارِ فَكَانَ كَأَصْلِهِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ أُمُّهُ فَرَسًا فَعَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي الْخَيْلِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ
стр. 2727
هُوَ الْأُمُّ.
[أَكُلّ الْأَرْنَب]
قَالَ ﵀: (وَحَلَّ الْأَرْنَبُ) «لِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوهُ حِينَ أُهْدِيَ إلَيْهِ مَشْوِيًّا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ السِّبَاعِ وَلَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَأَشْبَهَ الظَّبْيَ.
قَالَ ﵀: (وَذَبْحُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يُطَهِّرُ لَحْمَهُ وَجِلْدَهُ إلَّا الْآدَمِيَّ وَالْخِنْزِيرَ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الذَّكَاةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّ أَثَرَ الذَّكَاةِ فِي إبَاحَةِ اللَّحْمِ أَصْلٌ، وَفِي طَهَارَتِهِ وَطَهَارَةِ الْجِلْدِ تَبَعٌ وَلَا تَبَعَ دُونَ الْأَصْلِ فَصَارَ نَظِيرَ ذَبْحِ الْمَجُوسِ وَلَنَا أَنَّ الذَّكَاةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ فَإِذَا زَالَتْ طَهُرَتْ كَمَا فِي الدِّبَاغِ وَهَذَا الْحُكْمُ مَقْصُودٌ فِي الْجِلْدِ كَالتَّنَاوُلِ فِي اللَّحْمِ، وَفِعْلُ الْمَجُوسِيِّ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الدِّبَاغِ وَكَمَا يَطْهُرُ لَحْمُهُ يَطْهُرُ شَحْمُهُ أَيْضًا حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُفْسِدُهُ وَهَلْ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِغَيْرِ الْأَكْلِ قِيلَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْأَكْلِ وَقِيلَ يَجُوزُ كَالزَّيْتِ إذَا خَالَطَهُ شَحْمُ الْمَيْتَةِ وَالزَّيْتُ غَالِبٌ فَإِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ، وَالْخِنْزِيرُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الدِّبَاغُ لِنَجَاسَتِهِ، وَالْآدَمِيُّ لِكَرَامَتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ لَحْمُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَالْجِلْدُ يَطْهُرُ هُوَ الصَّحِيحُ وَقَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَلَا يُؤْكَلُ مَائِيُّ السَّمَكِ غَيْرَ طَافٍ) وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُؤْكَلُ جَمِيعُ حَيَوَانِ الْمَاءِ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الْخِنْزِيرَ وَالسِّبَاعَ وَالْكَلْبَ وَالْآدَمِيَّ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَبَاحَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَالْخِلَافُ فِي الْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَاحِدٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَيْعُهُ بِالْإِجْمَاعِ لِطَهَارَتِهِ، لَهُمْ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ الدَّمَوِيَّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الدَّمُ فَأَشْبَهَ السَّمَكَ وَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي الْغَزْوِ فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيِّتًا يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ أَطْعِمُونَا إنْ كَانَ مَعَكُمْ» الْحَدِيثَ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَهَذَا مِنْهَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّ كَرَاهَةَ الْخَبَائِثِ تَحْرِيمِيَّةٌ وَمَا سِوَى السَّمَكِ خَبِيثٌ وَنَهَى ﵊ عَنْ دَوَاءٍ اُتُّخِذَ فِيهِ الضُّفْدَعُ وَنَهَى عَنْ بَيْعِ السَّرَطَانِ، وَالْمَيْتَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيمَا تُلِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَالَةِ الِاضْطِرَارِ وَهُوَ مُبَاحٌ فِيمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَالْمَيْتَةُ وَالْمُذَكَّاةُ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَقَوْلُهُ: ﵊ «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ؛ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَدَمَانِ؛ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» لَا دَلِيلَ لَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَيْتَةِ مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ حَتَّى يَكُونَ مَوْتُهُ مُضَافًا إلَى الْبَحْرِ وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا مَاتَ فِيهِ بِمَرَضٍ، أَوْ نَحْوِهِ، وَأَمَّا الطَّافِي فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ لِقَوْلِ جَابِرٍ إنَّهُ ﵊ قَالَ «مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَكُلُوا وَمَا طَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي إبَاحَةِ الطَّافِي فَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا عُرِفَ سَبَبُ مَوْتِهِ كَلَفْظِ الْبَحْرِ، أَوْ يَحْبِسُهُ فِي مَكَان كَالْحَظِيرَةِ الصَّغِيرَةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ حِيلَةٍ، أَوْ ابْتِلَاعِ سَمَكَةٍ، أَوْ بِقَتْلِ طَيْرِ الْمَاءِ إيَّاهَا، أَوْ إجْمَادِ الْمَاءِ عَلَيْهَا حَلَّ أَكْلُهَا لِأَنَّ سَبَبَ مَوْتِهَا مَعْلُومٌ وَلَوْ مَاتَتْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْمَاءِ، أَوْ بَرْدِهِ أَوْ انْحَسَرَ الْمَاءُ عَنْ بَعْضِهِ وَمَاتَ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ رَأْسُهُ عَلَى الْمَاءِ لَا يُؤْكَلْ، وَإِنْ كَانَ ذَنْبُهُ فِي الْمَاءِ وَرَأْسُهُ انْحَسَرَ عَنْهُ الْمَاءُ أُكِلَ لِأَنَّ خُرُوجَ رَأْسِهِ مِنْ الْمَاءِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ فَكَانَ مَعْلُومًا بِخِلَافِ خُرُوجِ ذَنْبِهِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ أَنْ يُعْلَمَ سَبَبُ مَوْتِهِ حَتَّى لَوْ أَبَانَ عُضْوًا يَضُرُّهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَيُؤْكَلُ الْعُضْوُ أَيْضًا.
قَالَ ﵀: (وَحَلَّ بِلَا ذَكَاةٍ كَالْجَرَادِ) يَعْنِي يَحِلُّ السَّمَكُ بِلَا ذَكَاةٍ كَالْجَرَادِ لِمَا رَوَيْنَا.
[ذَبَحَ شَاةً فَتَحَرَّكَتْ أَوْ خَرَجَ الدَّمُ]
قَالَ ﵀: (وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً فَتَحَرَّكَتْ، أَوْ خَرَجَ الدَّمُ حَلَّتْ، وَإِلَّا لَمْ يُدْرَ حَيَاتُهُ) لِأَنَّ الْحَيَاةَ، أَوْ خُرُوجَ الدَّمِ لَا يَكُونَانِ إلَّا مِنْ الْحَيِّ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّمُ فَيَكُونُ وُجُودُهُمَا أَوْ وُجُودُ أَحَدِهِمَا دَلِيلَ الْحَيَاةِ فَيَحِلُّ، وَعَدَمُهُمَا عَلَامَةَ الْمَوْتِ فَلَا يَحِلُّ وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ إنْ خَرَجَ الدَّمُ وَلَمْ تَتَحَرَّكْ لَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَا يَجْمُدُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَجُوزُ بِخُرُوجِ الدَّمِ وَهَذَا سَيَأْتِي فِي الْمُنْخَنِقَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَاَلَّتِي بَقَرَ الذِّئْبُ بَطْنَهَا لِأَنَّ ذَكَاةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُحَلِّلُ وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ خَفِيَّةً فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا تَحِلُّ إذَا كَانَتْ بِحَالٍ تَعِيشُ يَوْمًا لَوْلَا الذَّكَاةُ، وَعَنْ الثَّانِي إنْ كَانَ لَا يَعِيشُ مِثْلُهَا لَا تَحِلُّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَتْ بِحَالٍ يَعِيشُ فَوْقَ مَا يَعِيشُ الْمَذْبُوحُ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ ذَبَحَ شَاةً مَرِيضَةً وَلَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْهَا إلَّا فُرَّهُهَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: إنْ فَتَحْتَ فَاهَا لَا تُؤْكَلْ، وَإِنْ ضَمَّتْهُ تُؤْكَلُ، وَإِنْ فَتَحَتْ عَيْنَهَا لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ ضَمَّتْ عَيْنَهَا أُكِلَتْ، وَإِنْ مَدَّتْ رِجْلَهَا لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ ضَمَّتْهَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ قَامَ شَعْرُهَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ نَامَ لَا تُؤْكَلُ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَسْتَرْخِي بِالْمَوْتِ فَفَتْحُ الْفَمِ وَالْعَيْنِ وَمَدُّ الرِّجْلِ وَنَوْمُ الشَّعْرِ عَلَامَةُ الْمَوْتِ لِأَنَّهَا اسْتِرْخَاءٌ، وَضَمُّ الْفَمِ وَتَغْمِيضُ الْعَيْنِ
стр. 2728
وَقَبْضُ الرِّجْلِ وَقِيَامُ الشَّعْرِ لَيْسَ بِاسْتِرْخَاءٍ بَلْ حَرَكَاتٌ تَخْتَصُّ بِالْحَيِّ فَتَدُلُّ عَلَى الْحَيَاةِ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا شَقَّ الذِّئْبُ بَطْنَ الشَّاةِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مِنْ الْحَيَاةِ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَبْقَى فِي الْمَذْبُوحِ بَعْدَ الذَّبْحِ فَذُبِحَتْ حَلَّتْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
وَلَوْ ذُبِحَتْ شَاةٌ عَلَى سَطْحٍ فَوَقَعَتْ فَمَاتَتْ تَحِلُّ لِأَنَّهَا صَارَتْ مُذَكَّاةً بِقَطْعِ مَحَلِّ الذَّكَاةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِيهِ أَيْضًا إذَا شَقَّ الذِّئْبُ بَطْنَ الشَّاةِ إنْ كَانَ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَلَّتْ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا لَا سَوَاءٌ عَاشَ، أَوْ لَمْ يَعِشْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ عُلِمَ حَيَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ وَلَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ) يَعْنِي إذَا عُلِمَ حَيَاةُ الشَّاةِ وَقْتَ الذَّبْحِ حَلَّتْ بِالذَّكَاةِ تَحَرَّكَتْ أَوْ لَا خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ، أَوْ لَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[كِتَابُ الْأُضْحِيَّةِ]
أَوْرَدَهُ عَقِبَ الذَّبَائِحِ لِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ خَاصَّةٌ وَالذَّبَائِحَ عَامٌّ، وَالْخَاصُّ بَعْدَ الْعَامِّ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا أَنَّ الْخَاصَّ بَعْدَ الْعَامِّ فِي الْوُجُودِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ أَنْ لَا وُجُودَ لِلْعَامِّ إلَّا فِي ضِمْنِ الْخَاصِّ، وَإِنْ أَرَادُوا فِي التَّعَقُّلِ فَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا كَانَ الْعَامُّ ذَاتِيًّا لِلْخَاصِّ وَكَانَ الْخَاصُّ مَعْقُولًا كَمَا عُرِفَ وَكَوْنُ الْأَمْرِ كَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَمْنُوعٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: تَمَيُّزُ الذَّاتِيِّ مِنْ الْعَرَضِيِّ إنَّمَا يَتَعَسَّرُ فِي الْحَقَائِقِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الْوَضْعِيَّةِ وَالِاعْتِبَارِيَّة كَمَا نَحْنُ فِيهِ فَكُلُّ مَنْ اُعْتُبِرَ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ شَيْءٍ يَكُونُ ذَاتِيًّا لَهُ وَيَكُونُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ تَصَوُّرًا لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى الذَّبْحِ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى الْأُضْحِيَّةِ فَتَوَقَّفَ تَعَقُّلُهَا عَلَى تَعَقُّلِ مَعْنَى الذَّبْحِ فَيَتِمُّ التَّعْرِيفُ عَلَى اخْتِيَارِ الشِّقِّ الثَّانِي وَهُوَ فِي اللُّغَةِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ شَاةٌ نَحَرَهَا تُذْبَحُ فِي يَوْمِ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا يُخَالِفُهُ مَا فِي الْقَامُوسِ وَالصِّحَاحِ مِنْ أَنَّهَا شَاةٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ نَحَرَهَا لِأَنَّ لَفْظَ النَّحْرِ مُرَادٌ بِدَلِيلِ الْأُضْحِيَّةِ وَتُجْمَعُ عَلَى أَضَاحِيَّ بِالتَّشْدِيدِ، وَيُقَالُ ضَحِيَّةٌ وَضَحَايَا كَهَدِيَّةٍ وَهَدَايَا وَيُقَالُ أَضْحَاةٌ وَتُجْمَعُ عَلَى أَضْحًى وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ اسْمٌ لِحَيَوَانٍ مَخْصُوصٍ وَهِيَ الشَّاةُ فَصَاعِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ تُذْبَحُ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ فِي يَوْمٍ مَخْصُوصٍ. اهـ.
وَلَهَا شَرَائِطُ وُجُوبٍ وَشَرَائِطُ أَدَاءٍ وَصِفَةٍ فَالْأَوَّلُ كَوْنُهُ مُقِيمًا مُوسِرًا مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْبَوَادِي وَالْإِسْلَامُ شَرْطٌ، وَأَمَّا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ فَلَيْسَا بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ كَانَ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ مَالٌ فَإِنَّهُ يُضَحِّي عَنْهُ أَبُوهُ وَأَمَّا شَرَائِطُ أَدَائِهَا فَمِنْهَا الْوَقْتُ فِي حَقِّ الْمِصْرِيِّ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْمُعْتَبَرُ مَكَانُ الْأُضْحِيَّةِ لَا مَكَانُ الْمُضَحِّي وَسَبَبُهَا طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَرُكْنُهَا ذَبْحُ مَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي صِفَتِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْبَةَ الْمَالِيَّةَ نَوْعَانِ نَوْعٌ بِطَرِيقِ التَّمْلِيكِ كَالصَّدَقَاتِ وَنَوْعٌ بِطَرِيقِ الْإِتْلَافِ كَالْإِعْتَاقِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَفِي الْأُضْحِيَّةِ اجْتَمَعَ الْمَعْنَيَانِ فَإِنَّهُ يَتَقَرَّبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ وَهُوَ إتْلَافٌ، ثُمَّ بِالتَّصَدُّقِ بِاللَّحْمِ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا اهـ.
قَالَ ﵀: (تَجِبُ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ مُوسِرٍ مُقِيمٍ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْ طِفْلِهِ شَاةٌ، أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ فَجْرَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى آخِرِ أَيَّامِهِ) يَعْنِي صِفَتُهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهَا سُنَّةٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَهُمْ قَوْلُهُ: ﷺ «إذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَجَمَاعَةٌ أُخْرَى وَالتَّعْلِيقُ بِالْإِرَادَةِ يُنَافِي الْوُجُوبَ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى الْمُقِيمِ لَوَجَبَتْ عَلَى الْمُسَافِرِ كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ بِالْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ وَجَدَ سَعَةً وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَمِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ لَا يَلْحَقُ بِتَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ وَلِأَنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِإِعَادَتِهَا مِنْ قَوْلِهِ «مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ الْأُضْحِيَّةَ» ، وَإِنَّمَا لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ لِأَنَّ أَدَاءَهَا مُخْتَصٌّ بِأَسْبَابٍ تَشُقُّ عَلَى الْمُسَافِرِ وَتَفُوتُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِدَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُ كَالْجُمُعَةِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ لِأَنَّهُمَا لَا يَفُوتَانِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ فَلَا يَخْرُجُ، وَأَمَّا الْعَتِيرَةُ فَذَبِيحَةٌ تُذْبَحُ فِي رَجَبٍ يَتَقَرَّبُ بِهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ نُسِخَ فِي الْإِسْلَامِ.
كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ اشْتَرَى الْفَقِيرُ شَاةً فَضَحَّى بِهَا، ثُمَّ أَيْسَرَ فِي آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ قِيلَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا وَقِيلَ لَا وَلَوْ افْتَقَرَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ سَقَطَتْ عَنْهُ وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَلَوْ بَعْدَهَا لَمْ تَسْقُطْ كَذَا فِي الْمُحِيطِ قَيَّدَ بِالْحُرِّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّكُ وَلَوْ مَلَكَ. وَبِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا، وَبِالْيَسَارِ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى الْقَادِرِ وَهُوَ الْغَنِيُّ دُونَ الْفَقِيرِ وَمِقْدَارُهُ
стр. 2729
مِقْدَارُ مَا تَجِبُ فِيهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْقُدْرَةِ الْمُمْكِنَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُوسِرَ إذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فِي أَوَّلِ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَمْ يُضَحِّ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ ثُمَّ افْتَقَرَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِعَيْنِهَا، أَوْ بِقِيمَتِهَا وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْأُضْحِيَّةُ فَلَوْ كَانَتْ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ لَكَانَ دَوَامُهَا شَرْطًا كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ حَيْثُ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ وَالْخَارِجِ، وَاصْطِلَامُ الزَّرْعِ آفَةٌ لَا يُقَالُ أَدْنَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ الْمَرْءُ مِنْ إقَامَتِهَا تَمَلُّكُ قِيمَةِ مَا يَصْلُحُ لِلْأُضْحِيَّةِ وَلَمْ تَجِبُ إلَّا بِمِلْكِ النِّصَابِ فَدَلَّ أَنَّ وُجُوبَهَا بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ النِّصَابِ لَا يُنَافِي وُجُوبَهَا بِالْمُمْكِنَةِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَهَذَا لِأَنَّهَا وَظِيفَةٌ مَالِيَّةٌ نَظَرًا إلَى شَرْطِهَا وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْغِنَى كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ لَا يُقَالُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ التَّمْلِيكُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ الْمَالِيَّةَ قَدْ تَحْصُلُ بِالْإِتْلَافِ كَالْإِعْتَاقِ وَالْمُضَحِّي إذَا تَصَدَّقَ بِاللَّحْمِ فَقَدْ حَصَلَ النَّوْعَانِ أَعْنِي التَّمْلِيكَ وَالْإِتْلَافَ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ حَصَلَ الْأَخِيرُ.
إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ، وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ زَكَّى نِصَابَهُ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ أَيَّامُ النَّحْرِ وَنِصَابُهُ نَاقِصٌ عَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ وَلَا يُعَدُّ فَقِيرًا بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِأَنَّ قَدْرَ الْمُؤَدَّى يُعَدُّ قَائِمًا شَرْعًا وَلَوْ انْتَقَصَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ بِغَيْرِ الزَّكَاةِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْأُضْحِيَّةُ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى لَا يُعَدُّ قَائِمًا حُكْمًا فَيُعَدُّ فَقِيرًا وَقَوْلُهُ: عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: لَا عَنْ طِفْلِهِ يَعْنِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَنْ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَإِنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ يُضَحِّي عَنْهُ أَبُوهُ مِنْ مَالِهِ، أَوْ وَصِيُّهُ مِنْ مَالِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَالِ الْأَبِ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ إتْلَافٌ، وَالْأَبَ لَا يَمْلِكُهُ فِي مَالِ الصَّغِيرِ كَالْإِعْتَاقِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُضَحِّي مِنْ مَالِهِ وَيَأْكُلُ مِنْهُ مَا أَمْكَنَ وَيَبْتَاعُ بِمَا بَقِيَ مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَفِي الْكَافِي الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ.
وَقَوْلُهُ " شَاةٌ، أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ " بَيَانٌ لِلْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا الْبَدَنَةُ كُلُّهَا إلَّا عَنْ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ قُرْبَةٌ لَا تَتَجَزَّأُ إلَّا أَنَّا تَرَكْنَاهُ بِالْأَثَرِ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» وَلَا نَصَّ فِي الشَّاةِ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَتَجُوزُ عَنْ سِتَّةٍ، أَوْ خَمْسَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةٍ ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ عَنْ سَبْعَةٍ فَمَا دُونَهَا أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ عَنْ ثَمَانِيَةٍ لِعَدَمِ النَّقْلِ فِيهِ وَكَذَا إذَا كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ أَقَلَّ مِنْ سُبُعِ بَدَنَةٍ لَا يَجُوزُ عَنْ الْكُلِّ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ إذَا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً خَرَجَ كُلُّهُ وَيَجُوزُ عَنْ اثْنَيْنِ نِصْفًا فِي الْأَصَحِّ، وَإِذَا جَازَ عَنْ الشَّرِكَةِ يُقْسَمُ اللَّحْمُ بِالْوَزْنِ لِأَنَّهُ مَوْزُونٌ، وَإِذَا قَسَمُوا جُزَافًا لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ الْأَكَارِعِ وَالْجِلْدِ كَالْبَيْعِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيهَا مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ وَلَوْ اشْتَرَى بَقَرَةً يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ، ثُمَّ اشْتَرَكَ فِيهَا مَعَهُ سِتَّةٌ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ لَا يُجْزِئُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّهُ أَعَدَّهَا قُرْبَةً فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ قَدْ يَجِدُ بَقَرَةً سَمِينَةً وَقَدْ لَا يَظْفَرُ بِالشُّرَكَاءِ وَقْتَ الشِّرَاءِ فَيَشْتَرِيهَا، ثُمَّ يَطْلُبُ الشُّرَكَاءَ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَحَرَّجُوا وَهُوَ مَدْفُوعٌ شَرْعًا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ وَعَنْ الْإِمَامِ مِثْلُ قَوْلِ زُفَرَ قَالَ الْقُدُورِيُّ الْوَاجِبُ عَلَى مَرَاتِبَ بَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ، وَوُجُوبُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وُجُوبُهَا آكَدُ مِنْ وُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ،.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: الْمُوسِرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَنْ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، أَوْ عِشْرُونَ دِينَارًا أَوْ مَا بَلَغَ ذَلِكَ سِوَى سَكَنِهِ وَمَتَاعِهِ وَمَرْكَبِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي حَاجَتِهِ، وَفِي الْأَصْلِ وَلَوْ جَاءَ يَوْمُ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا مَالَ ثُمَّ اسْتَفَادَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ وَلَوْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ مِلْكٌ قِيمَةُ الْعَقَارِ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَالزَّعْفَرَانِيُّ وَالْفَقِيهُ عَلَى الرَّازِيّ اعْتَبَرَا الْقِيمَةَ وَأَوْجَبَا الْأُضْحِيَّةَ وَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْهَا قُوتُ السَّنَةِ فَعَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ حَيْثُ كَانَ الْقُوتُ يَكْفِيهِ وَيَكْفِي عِيَالَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِيهِ فَهُوَ مُعْسِرٌ، وَإِنْ كَانَ الْعَقَارُ وَقْفًا يُنْظَرُ إنْ وَجَبَ لَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ قَدْرُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ، وَإِلَّا فَلَا رَوَاهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ الْإِمَامِ وَعَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا زَادَ عَلَى مِائَتَيْنِ وَالْمَرْأَةُ تُعْتَبَرُ مُوسِرَةً بِالْمَهْرِ إذْ الزَّوْجُ مَلِيًّا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا تُعْتَبَرُ مَلِيَّةً بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ خَبَّازٌ عِنْدَهُ حِنْطَةٌ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مُصْحَفٌ قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَهُوَ مِمَّنْ يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ فِيهِ فَلَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِ، أَوْ لَا يَقْرَأُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ أَنْ لَا يَقْرَأَ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْأُضْحِيَّةُ، وَفِي الْكَافِي عَنْ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ
стр. 2730
الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي شَرْحِ الْأَضَاحِيِّ عَنْ الزَّعْفَرَانِيِّ فِيمَا إذَا ضَحَّى الْأَبُ عَنْ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَضْمَنُ وَمِثْلُهُ الْوَصِيُّ، وَفِي الْيَنَابِيعِ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ وَاَلَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ كَالصَّحِيحِ وَلَوْ كَانَ الْمَجْنُونُ مُوسِرًا يُضَحِّي عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ وَرُوِيَ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يُضَحَّى بِهَا لَا تَجِبُ فِي مَالِ الْمَجْنُونِ، وَفِي الْمُنْتَقَى اشْتَرَى شَاةً لِيُضَحِّيَ بِهَا فَمَاتَ فِي أَيَّامِ الْأُضْحِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَمَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مَالِهِ فِي أَيَّامِ الْأُضْحِيَّةِ فَهُوَ فَقِيرٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ تَصِيرُ وَاجِبَةً بِالنَّذْرِ فَلَوْ قَالَ كَلَامًا نَفْسِيًّا: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَذِهِ الشَّاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ بِلِسَانِهِ شَيْئًا فَاشْتَرَى شَاةً بِنِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَنِيًّا لَا تَصِيرُ وَاجِبَةً بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ غَيْرَهَا، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَصِيرُ وَاجِبَةً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَرَوَى الزَّعْفَرَانِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا لَا تَصِيرُ وَاجِبَةً وَأَشَارَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلَوْ صَرَّحَ بِلِسَانِهِ - وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا - تَصِيرُ وَاجِبَةً بِشِرَاءِ نِيَّةِ الْأُضْحِيَّةِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي فَقِيرًا، وَفِي الْخَانِيَّةِ اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ، ثُمَّ بَاعَهَا وَاشْتَرَى أُخْرَى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: اشْتَرَى شَاةً يَنْوِي بِهَا الْأُضْحِيَّةَ لَا تَصِيرُ مَا لَمْ يُوجِبْهَا بِلِسَانِهِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَفِي الْكُبْرَى قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ لَا يَكُونُ يَمِينًا. رَجُلٌ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً وَأَوْجَبَهَا فَضَلَّتْ، ثُمَّ اشْتَرَى أُخْرَى فَأَوْجَبَهَا، ثُمَّ وَجَدَ الْأُولَى إنْ كَانَ أَوْجَبَ الثَّانِيَةَ بِلِسَانِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِمَا، وَإِنْ أَوْجَبَهَا بَدَلًا عَنْ الْأُولَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ أَيَّهُمَا شَاءَ وَلَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ: الْفَقِيرُ إذَا أَوْجَبَ شَاةً عَلَى نَفْسِهِ هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا قَالَ بَدِيعُ الدِّينِ: نَعَمْ وَقَالَ الْقَاضِي بُرْهَانُ الدِّينِ: لَا يَحِلُّ، وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ: الْفَقِيرُ إذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ فَسُرِقَتْ فَاشْتَرَى مَكَانَهَا، ثُمَّ وَجَدَ الْأُولَى فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِمَا، وَلَوْ ضَلَّتْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَفِي الْوَاقِعَاتِ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَاشْتَرَى بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا أُضْحِيَّةً يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَهَلَكَتْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَجَاءَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الْأَضْحَى لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ لِفَقْرِهِ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ إذَا انْتَقَصَ نِصَابُهُ يَوْمَ الْأَضْحَى سَقَطَ عَنْهُ الزَّكَاةُ وَعَنْ ابْنِ سَلَّامٍ: وَكَّلَ رَجُلَيْنِ أَنْ يَشْتَرِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَيَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهِمَا وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ اشْتَرَى شَاتَيْنِ لِلْأُضْحِيَّةِ فَضَاعَتْ إحْدَاهُمَا فَضَحَّى بِالثَّانِيَةِ، ثُمَّ وَجَدَهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَحَدُهُمَا وَأَيَّهُمَا ضَحَّى بِهَا فَهِيَ الْمُعَيَّنَةُ.
وَلَوْ ضَحَّى الْفَقِيرُ، ثُمَّ أَيْسَرَ أَعَادَ، وَفِي رِوَايَةٍ، وَإِذَا اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ، ثُمَّ بَاعَهَا جَازَ الْبَيْعُ، وَفِي الْأَصْلِ رَجُلٌ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ عَشْرَ أَضَاحٍ قَالُوا: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا شَاتَانِ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ فِي وَاقِعَاتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ الْكُلُّ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ الْكُلُّ، وَفِي الْحَاوِي: وَلَوْ اشْتَرَى شَاةً وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا بَلْ لِلتِّجَارَةِ، ثُمَّ نَوَى أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا وَمَضَى أَيَّامُ النَّحْرِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ لَوْ ضَحَّى بِشَاتَيْنِ لَا تَكُونُ الْأُضْحِيَّةُ إلَّا وَاحِدَةً وَفِي الْمُحِيطِ: الْأَصَحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُضْحِيَّةُ بِهِمَا وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِالْأُضْحِيَّةِ بِالشَّاةِ أَوْ بِالشَّاتَيْنِ قَالَ الْفَقِيهُ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَفِي الْأَصْلِ النَّاذِرُ لَا يَأْكُلُ مِمَّا نَذَرَهُ وَلَوْ أَكَلَ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ، وَفِي أَضَاحِيِّ الزَّعْفَرَانِيِّ إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِشَاةٍ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِشَاتَيْنِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ بِالْإِيجَابِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِشَاةٍ فَضَحَّى بِبَدَنَةٍ، أَوْ بِبَقَرَةٍ جَازَ. اهـ.
وَفِي الشَّارِحِ إذَا نَذَرَ وَأَرَادَ بِهَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا، وَإِنْ أَرَادَ الْوَاجِبَ بِسَبَبِ الْغِنَى يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا اهـ.
قَالَ ﵀:. (وَلَا يَذْبَحُ مِصْرِيٌّ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَذَبَحَ غَيْرُهُ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْمِصْرِ أَنْ يَذْبَحُوا الْأُضْحِيَّةَ قَبْلَ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ الْعِيدِ وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الْقُرَى وَالْبَادِيَةِ أَنْ يَذْبَحُوا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ صَلَاةَ الْعِيدِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﷺ «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَلْيُعِدْ ذَبِيحَتَهُ وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ» قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هَذَا يُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ حَيْثُ قَالَ: لَا يَجْزِيهِ لِعَدَمِ الشَّرْطِ لَا لِعَدَمِ الْوَقْتِ وَقَالَ ﵊: «أَوَّلُ نُسُكِنَا فِي هَذَا الْيَوْمِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ الْأُضْحِيَّةُ» وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فَبَقِيَ غَيْرُهُ عَلَى الْأَصْلِ فَيَذْبَحُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ
стр. 2731
حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي نَفْيِهِمَا الْجَوَازَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ قَبْلَ نَحْرِ الْإِمَامِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ مَكَانُ الْأُضْحِيَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ فِي السَّوَادِ، وَالْمُضَحِّي فِي الْمِصْرِ يَجُوزُ كَمَا انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَفِي الْعَكْسِ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَحِيلَةُ الْمِصْرِيِّ إذَا أَرَادَ التَّعْجِيلَ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إلَى خَارِجِ الْمِصْرِ فِي مَوْضِعٍ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَقْصُرَ فَيُضَحِّيَ فِيهِ كَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ لِأَنَّ وَقْتَهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ فِي حَقِّ الْمِصْرِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّهَا تُشْبِهُ الزَّكَاةَ فَيُعْتَبَرُ فِي الْأَدَاءِ مَكَانُ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمَالُ لَا مَكَانُ الْفَاعِلِ بِخِلَافِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَكَانُ الْفَاعِلِ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَالْمَالُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهَا وَلَوْ ضَحَّى بَعْدَمَا صَلَّى أَهْلُ الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ أَهْلُ الْجَبَّانَةِ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ وَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِلْحَسَنِ، وَفِي الْمُرَادِ: لَوْ ضَحَّى بَعْدَ أَنْ تَشَهَّدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ جَازَتْ الْأُضْحِيَّةُ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ غَيْرِ إسَاءَةٍ، وَفِي غَيْرِهِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَلَوْ ضَحَّى قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ الْإِمَامُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا وَفِي رِوَايَةٍ جَازَ، وَقَدْ أَسَاءَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَفِي الْأَجْنَاسِ لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ صَلَاةَ الْعِيدِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ لَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى عَادَ وَذَبَحَ النَّاسُ جَازَ عَنْ أُضْحِيَّتِهِمْ وَلَوْ عَلِمُوا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا تُعَادُ الْأُضْحِيَّةُ وَقِيلَ: لَا تُعَادُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُخْتَارُ وَالْمَأْخُوذُ بِهِ.
وَمَتَى عَلِمَ الْإِمَامُ ذَلِكَ وَنَادَى بِالصَّلَاةِ لِيُعِيدَهَا فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَجْزَأَهُ وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الْعِلْمِ قَبْلَ الزَّوَالِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَ الزَّوَالِ جَازَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ الْإِمَامُ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَخَّرُوا الْأُضْحِيَّةَ إلَى الزَّوَالِ، ثُمَّ ذَبَحُوا وَلَا تَجْزِيهِمْ التَّضْحِيَةُ إذَا لَمْ يُصَلِّ الْإِمَامُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَذَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي: الْحُكْمُ كَالْأَوَّلِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ التَّضْحِيَةَ فِي الْغَدِ تَجُوزُ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ فَاتَ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَالصَّلَاةُ فِي الْغَدِ تَقَعُ قَضَاءً لَا أَدَاءً فَلَا يَظْهَرُ هَذَا فِي حَقِّ الْأُضْحِيَّةِ وَقَالَ: هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ وَلَوْ صَلَّى، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ تُعَادُ الصَّلَاةُ دُونَ الْأُضْحِيَّةِ وَلَوْ وَقَعَ أَنَّهُ فِي بَلَدِ فِتْنَةٍ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا وَالِي لِيُصَلِّيَ بِهِمْ الْعِيدَ فَضَحَّوْا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُمْ وَلَوْ شَهِدُوا عِنْدَ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ فَضَحَّى بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ انْكَشَفَ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُمْ الصَّلَاةُ وَالتَّضْحِيَةُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَوَقْتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا أَفْضَلُهَا، وَيَجُوزُ الذَّبْحُ فِي لَيَالِيهَا إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ فِي الظُّلْمَةِ وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ وَالْكُلُّ تَمْضِي بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا نَحْرٌ لَا غَيْرُ وَآخِرُهَا تَشْرِيقٌ لَا غَيْرُ وَالْمُتَوَسِّطَانِ نَحْرٌ وَتَشْرِيقٌ وَالتَّضْحِيَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِثَمَنِهَا لِأَنَّهَا تَقَعُ وَاجِبَةً إنْ كَانَ غَنِيًّا وَسُنَّةً إنْ كَانَ فَقِيرًا وَالتَّصَدُّقُ بِالثَّمَنِ تَطَوُّعٌ مَحْضٌ فَكَانَتْ هِيَ أَفْضَلَ لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِفَوَاتِ أَيَّامِهَا وَلَوْ لَمْ يُضَحِّ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُهَا وَكَانَ غَنِيًّا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْقِيمَةِ سَوَاءٌ اشْتَرَاهَا، أَوْ لَمْ يَشْتَرِهَا، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهَا وَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ يَجْزِيهِ، وَفِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ جُعِلَ اللَّيْلُ السَّابِقَ عَلَى النَّهَارِ إلَّا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا، وَلَيْلَةُ النَّحْرِ الْأَوَّلِ هِيَ لَيْلَةُ النَّحْرِ الثَّانِي وَلَيْلَةُ النَّحْرِ الثَّانِي هِيَ لَيْلَةُ النَّحْرِ الثَّالِثِ وَلَيْلَةُ النَّحْرِ الثَّالِثِ هِيَ لَيْلَةُ الْفَجْرِ الثَّالِثَ عَشَرَ حَتَّى يَجُوزَ الذَّبْحُ فِيهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي النَّوَازِلِ: الْإِمَامُ إذَا صَلَّى الْعِيدَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَضَحَّى النَّاسُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ، أَوْ لَا بِأَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ فَفِي الْأَوَّلِ تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَالْأُضْحِيَّةُ، وَفِي الثَّانِي لَا تَجُوزُ وَلَوْ شَكُّوا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَصَلَّى بِهِمْ الْإِمَامُ وَضَحَّوْا ثُمَّ عَلِمُوا فِي الْغَدِ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّ عَلَيْهِ إعَادَةَ الصَّلَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ جَمِيعًا، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ: شَهِدُوا بَعْدَ الزَّوَالِ أَنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ ضَحَّوْا، وَإِنْ شَهِدُوا قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يَجُزْ إلَّا إذَا زَالَتْ، وَفِي التَّجْرِيدِ لَوْ صَلَّى وَلَمْ يَخْطُبْ جَازَ الذَّبْحُ، وَفِي الْكُبْرَى: مِصْرِيٌّ وَكَّلَ وَكِيلًا بِأَنَّهُ يَذْبَحُ شَاةً لَهُ وَخَرَجَ إلَى السَّوَادِ فَأَخْرَجَ الْوَكِيلُ الْأُضْحِيَّةَ إلَى مَوْضِعٍ لَا يُعَدُّ مِنْ الْمِصْرِ وَذَبَحَهَا هُنَاكَ فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ فِي السَّوَادِ جَازَتْ الْأُضْحِيَّةُ، وَإِنْ كَانَ عَادَ إلَى الْمِصْرِ وَعَلِمَ الْوَكِيلُ بِقُدُومِهِ لَمْ تَجُزْ الْأُضْحِيَّةُ عَنْ الْمُوَكِّلِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِعَوْدِ الْمُوَكِّلِ إلَى الْمِصْرِ فَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ: وَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَمَا صَلَّى أَهْلُ الْجَبَّانَةِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ يَجُوزُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. اهـ. .
[الْأُضْحِيَّة بِالْجَمَّاءِ]
قَالَ ﵀: (وَيُضَحِّي بِالْجَمَّاءِ) الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا يَعْنِي خِلْقَةً لِأَنَّ الْقَرْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَقْصُودٌ وَكَذَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ بَلْ أَوْلَى قَالَ ﵀: (وَالْخَصِيِّ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ أَوْلَى لِأَنَّ لَحْمَهُ أَطْيَبُ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ» الْأَمْلَحُ الَّذِي فِيهِ مُلْحَةٌ
стр. 2732
وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي فِيهِ شُعَيْرَاتٌ سُودٌ وَهُوَ مِنْ لَوْنِ الْمِلْحِ، وَالْمَوْجُوءُ الْمَخْصِيُّ مِنْ الْوَجْءِ وَهُوَ أَنْ يَضْرِبَ عُرُوقَ الْخُصْيَةِ بِشَيْءٍ، وَفِي الْمُحِيطِ: تَجُوزُ الْجَرْبَاءُ، وَفِي الْحَاوِي: تَجُوزُ الْجَرْبَاءُ إذَا كَانَتْ سَمِينَةً اهـ.
قَالَ ﵀: (وَالتَّوْلَاءِ) وَهِيَ الْمَجْنُونَةُ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ إذَا كَانَتْ تَعْتَلِفُ فَإِنْ كَانَتْ سَمِينَةً وَلَمْ يَتْلَفْ جِلْدُهَا جَازَ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ قَالَ: وَلَا يَجُوزُ بِالْهَتْمَاءِ الَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْتَلِفُ، وَإِنْ كَانَتْ تَعْتَلِفُ جَازَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَا الْجَلَّالَةِ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ وَلَا تَأْكُلُ غَيْرَهَا وَلَا مَقْطُوعَةِ الضَّرْعِ وَلَا الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا الَّتِي يَبِسَ ضَرْعُهَا وَلَا مَقْطُوعَةِ الْأَنْفِ وَالذَّنَبِ وَالطَّرَفِ.
كَذَا فِي الْمُحِيطِ قَالَ ﵀: (لَا بِالْعَمْيَاءِ وَالْعَوْرَاءِ وَالْعَجْفَاءِ وَالْعَرْجَاءِ) أَيْ الَّتِي لَا تَمْشِي إلَى الْمَنْسَكِ أَيْ إلَى الْمَذْبَحِ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ؛ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَالْعَجْفَاءُ الْبَيِّنُ ضِلْعُهَا وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَجَمَاعَةٌ أُخَرُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي الْحَاوِي قَالَ مَشَايِخُنَا: الْعَرْجَاءُ الَّتِي تَمْشِي بِثَلَاثَةِ قَوَائِمَ وَتُجَافِي الرَّابِعَ عَنْ الْأَرْضِ لَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَضَعُ الرَّابِعَ عَلَى الْأَرْضِ وَتَسْتَعِينُ بِهِ إلَّا أَنَّهَا تَتَمَايَلُ مَعَ ذَلِكَ وَتَضَعُهُ وَضْعًا خَفِيفًا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتْ تَرْفَعُهُ رَفْعًا، أَوْ تَحْمِلُ الْمُنْكَسِرَ لَا تَجُوزُ، وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَكَذَا الْحَوْلَاءُ الَّتِي فِي عَيْنِهَا حَوَلٌ لَا تَجُوزُ الْمُنْفَسِخَةُ الْعَيْنِ وَهِيَ الَّتِي غَارَتْ عَيْنُهَا اهـ.
قَالَ ﵀: (وَمَقْطُوعَةِ أَكْثَرِ الْآذَانِ، أَوْ الذَّنَبِ، أَوْ الْعَيْنِ، أَوْ الْأَلْيَةِ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ الْمُقَابَلَةُ قُطِعَ مِنْ مُقَدَّمِ ذَنَبِهَا وَالْمُدَابَرَةُ قُطِعَ مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا، وَالشَّرْقَاءُ أَنْ يَكُونَ الْخَرْقُ فِي أُذُنِهَا طَوِيلًا وَالْخَرْقَاءُ أَنْ يَكُونَ عَرْضًا، وَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ الْأُذُنِ جَازَ وَكَذَا أَكْثَرُ الذَّنَبِ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ بَقَاءً وَذَهَابًا وَهَذَا لِأَنَّ الْعَيْبَ الْيَسِيرَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَجُعِلَ عَفْوًا.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الثُّلُثَ إذَا ذَهَبَ وَبَقِيَ الثُّلُثَانِ يَجُوزُ، وَإِنْ ذَهَبَ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الثُّلُثَ تَنْفُذُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ مِنْ غَيْرِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَاعْتُبِرَ قَلِيلًا وَفِيمَا زَادَ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِرِضَاهُمْ فَاعْتُبِرَ كَثِيرًا وَيُرْوَى عَنْهُ الرُّبُعُ؛ لِأَنَّهُ يَحْكِي حِكَايَةَ الْكُلِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إذَا بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ النِّصْفِ أَجْزَأَهُ اعْتِبَارًا لِلْحَقِيقَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي اللَّيْثِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أَخْبَرْتُ بِقَوْلِي أَبَا حَنِيفَةَ فَقَالَ: قَوْلِي هُوَ قَوْلُك قِيلَ: هُوَ رُجُوعٌ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ: قَوْلِي قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِك، وَفِي كَوْنِ النِّصْفِ مَانِعًا رِوَايَتَانِ عَنْهُمَا وَتَأْوِيلُ مَا رَوَيْنَا إذَا كَانَ بَعْضُ الْآذَانِ مَقْطُوعًا عَلَى اخْتِلَافٍ الرِّوَايَتَانِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الرَّدِّ الشَّقُّ مِنْ غَيْرِ ذَهَابِ شَيْءٍ مِنْ الْأُذُنِ لَا يَمْنَعُ، ثُمَّ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الذَّاهِبِ وَالْبَاقِي يَتَيَسَّرُ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ وَفِي الْعَيْنِ قَالَ: تُسَدُّ عَيْنُهَا الْمَعِيبَةُ بَعْدَ إنْ جَاءَتْ، ثُمَّ يُقَرَّبُ إلَيْهَا الْعَلَفُ قَلِيلًا قَلِيلًا فَإِذَا رَأَتْهُ فِي مَوْضِعٍ عُلِّمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ، ثُمَّ تُسَدُّ عَيْنُهَا الصَّحِيحَةُ وَيُقَرَّبُ الْعَلَفُ إلَيْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى إذَا رَأَتْهُ مِنْ مَكَان عُلِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ فَإِنْ كَانَ نِصْفًا، أَوْ ثُلُثًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَالذَّاهِبُ هُوَ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَفِي الشَّرْحِ.
وَلَوْ أَوْجَبَ الْفَقِيرُ عَلَى نَفْسِهِ أُضْحِيَّةً بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً صَحِيحَةً ثُمَّ تَعَيَّبَتْ عِنْدَهُ فَضَحَّى بِهَا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أُضْحِيَّةٌ كَامِلَةٌ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ كَالْمُوسِرِ وَلَوْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً وَقْتَ الشِّرَاءِ جَازَ ذَبْحُهَا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ أَضْجَعَهَا لِيَذْبَحَهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ فَاضْطَرَبَتْ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهَا فَذَبَحَهَا أَجْزَأَتْهُ اسْتِحْسَانًا وَلَوْ بَقِيَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَانْقَلَبَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فَوَرِهَا وَكَذَا بَعْدَ فَوَرِهَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَفِي الْخَانِيَّةِ عَشَرَةٌ مِنْ الرِّجَالِ اشْتَرَوْا مِنْ رَجُلٍ عَشَرَةَ شِيَاهٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَصَارَتْ الْعَشَرَةُ شَرِكَةً بَيْنَهُمْ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةً وَضَحَّى بِهَا عَنْ نَفْسِهِ جَازَ فَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا شَاةٌ عَوْرَاءُ وَأَنْكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَنْ تَكُونَ الْعَوْرَاءُ لَهُ لَا تَجُوزُ أُضْحِيَّتُهُمْ اهـ.
[الْأُضْحِيَّةُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ]
قَالَ ﵀: (وَالْأُضْحِيَّةُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) لِأَنَّ جَوَازَ التَّضْحِيَةِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ عُرِفَتْ شَرْعًا بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ وَتَجُوزُ بِالْجَامُوسِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْبَقَرِ بِخِلَافِ بَقَرِ الْوَحْشِ حَيْثُ لَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ بِهِ لِأَنَّ جَوَازَهَا عُرِفَ بِالشَّرْعِ، وَفِي الْبَقَرِ الْأَهْلِيِّ دُونَ الْوَحْشِيِّ وَالْقِيَاسُ مُمْتَنِعٌ، وَفِي الْمُتَوَلَّدِ مِنْهَا تُعْتَبَرُ الْأُمُّ وَكَذَا فِي حَقِّ الْمَحَلِّ تُعْتَبَرُ الْأُمُّ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَجَازَ الثَّنِيُّ مِنْ الْكُلِّ وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً إلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ أُخَرُ
стр. 2733
وَقَالَ ﵊ «نِعْمَتْ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ ﵊ «يَجُوزُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالُوا: هَذَا إذَا كَانَ الْجَذَعُ عَظِيمًا بِحَيْثُ لَوْ خُلِطَ بِالثَّنِيَّاتِ لَيَشْتَبِهُ عَلَى النَّاظِرِينَ، وَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ مَا تَمَّتْ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَذَكَرَ الزَّعْفَرَانِيُّ أَنَّهُ ابْنُ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَالثَّنِيُّ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ ابْنُ سَنَةٍ وَمِنْ الْبَقَرِ ابْنُ سَنَتَيْنِ وَمِنْ الْإِبِلِ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ، وَفِي الْمُغْرِبِ الْجَذَعُ مِنْ الْبَهَائِمِ قِيلَ الثَّنِيُّ إلَّا أَنَّهُ مِنْ الْإِبِلِ قَبْلَ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالشَّاةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَمِنْ الْخَيْلِ فِي الرَّابِعَةِ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ الْجَذَعُ مِنْ الْمَعْزِ لِسَنَةٍ وَمِنْ الضَّأْنِ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ ضَحَّيَا بِعَشْرٍ مِنْ الْغَنَمِ بَيْنَهُمَا لَمْ تَجُزْ وَلَوْ اشْتَرَكَ سَبْعَةُ نَفَرٍ فِي خَمْسِ بَقَرَاتٍ جَازَ، وَإِنْ اشْتَرَكَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ لَمْ يَجُزْ وَكَذَا عَشَرَةٌ وَأَكْثَرُ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ السَّبْعَةِ، وَقَالَ الْوَرَثَةُ: اذْبَحُوا عَنْهُ وَعَنْكُمْ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ شَرِيكُ السِّتَّةِ نَصْرَانِيًّا) وَمُرِيدُ اللَّحْمِ لَمْ تَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْبَقَرَ تَجُوزُ عَنْ سَبْعَةٍ بِشَرْطِ قَصْدِ الْكُلِّ الْقُرْبَةَ، وَاخْتِلَافِ الْجِهَاتِ فِيمَا لَا يَضُرُّ كَالْقِرَانِ وَالْمُتْعَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ لِإِيجَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْقُرْبَةُ وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الشَّرْطُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مِنْ الْغَيْرِ عُرِفَتْ قُرْبَةً لِأَنَّهُ ﷺ ضَحَّى عَنْ أُمَّتِهِ وَلَمْ تُوجَدْ الْقُرْبَةُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي بَقَرَةٍ، أَوْ بَعِيرٍ لَا يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، وَالنِّصْفُ لَا يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ النِّصْفَ يَصِيرُ قُرْبَةً بِطَرِيقِ التَّبَعِ لِغَيْرِهِ.
شَاتَانِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ذَبَحَاهُمَا عَنْ نُسُكِهِمَا أَجْزَأَهُمَا بِخِلَافِ الْعَبْدَيْنِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَاهُمَا عَنْ كَفَارَتَيْهِمَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِي الشَّاتَيْنِ أَمْكَنَ جَمْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي شَاةٍ وَلَا كَذَلِكَ الرَّقِيقُ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فِي بَقَرَةٍ: لِوَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا، وَمَاتَ وَتَرَكَ ابْنًا وَبِنْتًا صِغَارًا، أَوْ تَرَكَ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ مَعَ حِصَّةِ الْبَقَرَةِ فَضَحَّى الْوَصِيُّ عَنْهُمْ بِحِصَّةِ الْمَيِّتِ مِنْ الْبَقَرَةِ لَا يَجُوزُ عَنْهُ لِأَنَّ نَصِيبَ الْبِنْتِ لَحْمٌ لِأَنَّهَا فَقِيرَةٌ أَصَابَهَا مِنْ مِيرَاثِ الْأَبِ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَلَوْ اشْتَرَكَ خَمْسَةٌ فِي بَقَرَةٍ فَأَشْرَكَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ رَجُلًا فِي الْبَقَرَةِ تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ عَنْهُمْ لِأَنَّ الشُّرَكَاءَ أَرْبَعَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ فَتَصِيرُ الْأَرْبَعَةُ عِشْرِينَ وَقَدْ جَعَلُوا مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ أَرْبَعَةً، وَالْأَرْبَعَةُ مِنْ عِشْرِينَ أَكْثَرُ مِنْ السُّبُعِ وَلَوْ كَانُوا سِتَّةً فَأَشْرَكَ خَمْسَةٌ وَاحِدًا وَأَبَى الْوَاحِدُ لَمْ تَجُزْ أُضْحِيَّتُهُمْ لِأَنَّ نَصِيبَهُ أَقَلُّ مِنْ السُّبُعِ لِأَنَّ أَصْلَ حِسَابِهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ كُلُّ وَاحِدٍ سِتَّةٌ فَيَكُونُ لِلْخَمْسَةِ ثَلَاثُونَ وَقَدْ جَعَلُوهَا سِتَّةً لِكُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ، وَخَمْسَةٌ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَقَلُّ مِنْ السُّبُعِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَكَذَا قَصْدُ اللَّحْمِ مِنْ الْمُسْلِمِ يُنَافِيهَا، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْبَعْضُ قُرْبَةً خَرَجَ الْكُلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَا تَتَجَزَّأُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِالْإِتْلَافِ فَلَا تَجُوزُ عَنْ غَيْرِهِ كَالْإِعْتَاقِ عَنْ الْمَيِّتِ قُلْنَا الْقُرْبَةُ تَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ كَالتَّصَدُّقِ لِمَا رَوَيْنَا بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ لِأَنَّ فِيهِ إلْزَامَ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ صَغِيرًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ بِأَنْ ضَحَّى عَنْ الصَّغِيرِ أَبُوهُ، أَوْ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ مَوْلَاهَا وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا جَازَ لِأَنَّ كُلَّهَا وَقَعَتْ قُرْبَةً وَلَوْ ذَبَحُوهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْوَرَثَةِ فِيمَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ لَا تَجْزِيهِمْ لِأَنَّ بَعْضَهَا لَمْ يَقَعْ قُرْبَةً بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ لِوُجُودِ الْإِذْنِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ إذَا ضَحَّى بِشَاةٍ عَنْ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ ضَحَّى بِبَدَنَةٍ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَوْلَادِهِ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا أَجْزَأَهُ وَأَجْزَأَهُمْ وَإِنْ كَانُوا كِبَارًا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِهِمْ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَمْ يَجُزْ عَلَى قَوْلِهِمْ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْكُبْرَى لَوْ ضَحَّى عَنْ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْأُضْحِيَّةُ عَنْ الْمَيِّتِ أَفْضَلُ، أَوْ التَّصَدُّقُ أَفْضَلُ؟
ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ التَّصَدُّقَ أَفْضَلُ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ أَفْضَلُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ رَجُلٌ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً شِرَاءً فَاسِدًا فَذَبَحَهَا عَنْ أُضْحِيَّتِهِ جَازَ وَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا حَيَّةً، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَدَّهَا وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُضَحِّي وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهَا مَذْبُوحَةً، وَفِي الْخَانِيَّةِ اشْتَرَى سَبْعٌ بَقَرَةً فَنَوَى بَعْضُهُمْ الْأُضْحِيَّةَ عَنْ نَفْسِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَنَوَى بَقِيَّتُهُمْ عَنْ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ،
قَالُوا: تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ عَنْ هَذَا الْوَاحِدِ وَنِيَّةُ أَصْحَابِهِ عَنْ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ بَاطِلَةٌ وَصَارُوا مُتَطَوِّعِينَ قَيَّدْنَا بِالسَّبْعَةِ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا ثَمَانِيَةً لَمْ تَجُزْ عَنْ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي أَضَاحِيِّ الزَّعْفَرَانِيِّ اشْتَرَى ثَلَاثَةٌ بَقَرَةً عَلَى أَنْ يَدْفَعَ أَحَدُهُمْ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً وَالْآخَرُ دِينَارًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْبَقَرَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ رَأْسِ مَالِهِمْ فَضَحَّوْا بِهَا لَمْ تَجُزْ وَلَوْ كَانَتْ الْبَقَرَةُ، أَوْ الْبَدَنَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ
стр. 2734
فَضَحَّيَا بِهَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ اهـ.
[الْأَكْلُ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ]
قَالَ ﵀: (وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ وَيُؤْكِلُ وَيَدَّخِرُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ قَالَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَالنُّصُوصُ فِيهِ كَثِيرَةٌ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَهُوَ غَنِيٌّ فَأَوْلَى أَنْ يَجُوزَ لَهُ إطْعَامُ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا.
قَالَ ﵀: (وَنُدِبَ أَنْ لَا يَنْقُصَ الصَّدَقَةَ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّ الْجِهَاتِ ثَلَاثَةٌ: الْإِطْعَامُ وَالْأَكْلُ وَالِادِّخَارُ لِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] أَيْ السَّائِلَ وَالْمُتَعَرِّضَ لِلسُّؤَالِ، فَانْقَسَمَ عَلَيْهِ أَثْلَاثًا وَهَذَا فِي الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ وَالسُّنَّةِ سَوَاءٌ، وَلَك أَنْ تَقُولَ الْأَمْرُ لِمُطْلَقِ الْوُجُوبِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ " وَأَطْعِمُوا " وُجُوبُ الْإِطْعَامِ وَالْمُدَّعَى اسْتِحْبَابُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْجَوَابِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ بِالنَّذْرِ فَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا شَيْئًا وَلَا أَنْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ النَّاذِرُ غَنِيًّا، أَوْ فَقِيرًا لِأَنَّ سَبِيلَهَا التَّصَدُّقُ وَلَيْسَ لِلْمُتَصَدِّقِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ صَدَقَتِهِ وَلَا أَنْ يُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ اشْتَرَى شَاةً لِلْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ فَقِيرٌ فَضَحَّى بِهَا، ثُمَّ أَيْسَرَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ،
قَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ غَيْرُهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا وَبِهِ تَأْخُذُ، وَفِي الْعَتَّابِيَّةِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُضَحَّى عَنْهُ وَلَمْ يُسَمِّ يَنْصَرِفُ إلَى الشَّاةِ. أَوْصَى بِأَنْ يُشْتَرَى بِمَالِهِ أُضْحِيَّةٌ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ فِي الثُّلُثِ وَيُشْتَرَى بِهِ شَاةٌ يُضَحَّى بِهَا وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُشْتَرَى بَقَرَةٌ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَيُضَحَّى وَلَمْ يَبْلُغْ ثُلُثُ مَالِهِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَى بِقَدْرِ مَا بَلَغَ وَكَذَا لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ قَدْرًا يُشْتَرَى بِقَدْرِ الثُّلُثِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا، أَوْ يَعْمَلُ مِنْهُ نَحْوَ غِرْبَالٍ، أَوْ جِرَابٍ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا وَكَانَ لَهُ التَّصَدُّقُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَهَا وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَنْتَفِعُ بِعَيْنِهِ مَعَ بَقَائِهِ اسْتِحْسَانًا وَذَلِكَ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ لِلْبَدَلِ حُكْمَ الْمُبْدَلِ وَلَا يَشْتَرِي بِهِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ، نَحْوُ اللَّحْمِ وَالطَّعَامِ وَلَا يَبِيعُهُ بِالدَّرَاهِمِ لِيُنْفِقَ الدَّرَاهِمَ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَى قَصْدِ التَّمَوُّلِ، وَاللَّحْمُ بِمَنْزِلَةِ الْجِلْدِ فِي الصَّحِيحِ فَلَا يَبِيعُهُ بِمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ وَلَوْ بَاعَهَا بِالدَّرَاهِمِ لِيَتَصَدَّقَ بِهَا جَازَ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ كَالتَّصَدُّقِ بِالْجِلْدِ وَاللَّحْمِ وَقَوْلُهُ: ﵊ «مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلَا أُضْحِيَّةَ لَهُ» يُفِيدُ كَرَاهِيَةَ الْبَيْعِ، وَأَمَّا الْبَيْعُ فَجَائِزٌ لِوُجُودِ الْمِلْكِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ.
[أُجْرَةَ الْجَزَّارِ هَلْ تَأْخَذ مِنْ الْأُضْحِيَّة]
قَالَ ﵀: (وَلَا يُعْطِي أُجْرَةَ الْجَزَّارِ مِنْهَا شَيْئًا) وَالنَّهْيُ عَنْهُ نَهْيٌ عَنْ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فَصَارَ مُعَاوَضَةً كَالْبَيْعِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَجُزَّ صُوفَهَا قَبْلَ الذَّبْحِ فَيَنْتَفِعَ بِهِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ إقَامَةَ الْقُرْبَةِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الذَّبْحِ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ قَدْ أُقِيمَتْ بِهَا وَالِانْتِفَاعُ بَعْدَهَا مُطْلَقٌ لَهُ وَيُكْرَهُ بَيْعُ لَبَنِهَا كَمَا فِي الصُّوفِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجَازَ الِانْتِفَاعَ بِهِ يَعْنِي بِلَبَنِهَا وَصُوفِهَا لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّهِ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ وَيُكْرَهُ رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَاسْتِعْمَالُهَا وَلَوْ اكْتَسَبَ مَالًا مِنْ لَبَنِهَا يَتَصَدَّقُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي النَّوَادِرِ وَلَا يَشْتَرِي بِالْجِلْدِ الْخَلَّ وَالزَّيْتَ فَلَوْ مَاتَتْ أُضْحِيَّتُهُ فَحَلَبَ لَبَنَهَا وَجَزَّ صُوفَهَا وَسَلَخَ جِلْدَهَا فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي التَّتِمَّةِ سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ لَحْمَ الْأُضْحِيَّةِ عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْأُضْحِيَّةُ قَالَ نَعَمْ وَسُئِلَ الْوَبَرِيُّ عَنْ هَذَا فَقَالَ يَقَعُ الْمَوْقِعَ وَلَكِنَّهُ يَأْثَمُ وَسُئِلَ عَلِيٌّ أَيْضًا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ دَيْنٌ عَلَى مُقِرٍّ هَلْ تَحِلُّ لَهُ الزَّكَاةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: هَلْ عَلَيْهِ أُضْحِيَّةٌ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَقْرَضٌ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ لَهُ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ، أَوْ غَيْرُ مُؤَجَّلَةٍ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ مُقِرٌّ حَتَّى جَاءَ يَوْمُ النَّحْرِ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ وَعَلَيْهِ شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَشْتَرِيَ أُضْحِيَّةً؟
فَقَالَ: لَا قِيلَ لَهُ: هَلْ يَجِبُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ أَنْ يَسْأَلَ الْمَدْيُونَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ ثَمَنَ الْأُضْحِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا؟
قَالَ: نَعَمْ، وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةً وَلَبَنُهَا وَسَمْنُهَا وَاحِدٌ فَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَجَدُوا وَاحِدَةً مِنْهَا مَيِّتَةً وَلَا يُدْرَى لِمَنْ هِيَ، فَإِنَّهَا تُبَاعُ هَذِهِ الْأَغْنَامُ جُمْلَةً وَيُشْتَرَى بِقِيمَتِهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَاةٌ، ثُمَّ يُؤْكِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ بِذَبْحِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَيُحَلِّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ لِتَجُوزَ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ اهـ.
قَالَ ﵀: (وَنُدِبَ أَنْ يَذْبَحَ بِيَدِهِ إنْ عَلِمَ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْأَوْلَى فِي الْقُرَبِ أَنْ يَتَوَلَّاهَا الْإِنْسَانُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَمَرَ بِهِ غَيْرَهُ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ ﵊ «سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فَنَحَرَ بِيَدِهِ نَيِّفًا وَسِتِّينَ، ثُمَّ أَعْطَى الْحَرْبَةَ عَلِيًّا فَنَحَرَ الْبَاقِيَ» ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ ذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ كَيْ لَا يَجْعَلَهَا مَيْتَةً وَلَكِنْ
стр. 2735
يَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَهَا بِنَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ لِفَاطِمَةَ ﵂ «قَوْمِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَّتَكِ فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَك بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ» ، وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ: شَاةٌ نَدَّتْ وَتَوَحَّشَتْ فَرَمَاهَا صَاحِبُهَا وَنَوَى الْأُضْحِيَّةَ فَأَصَابَهَا أَجْزَأَهُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ، وَفِي الذَّخِيرَةِ وَكَّلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشًا أَقْرَنَ أَعَيْنَ لِلْأُضْحِيَّةِ فَاشْتَرَى كَبْشًا لَيْسَ بِأَقْرَنَ وَلَا أَعَيْنَ لَمْ يَلْزَمْ الْآمِرَ اهـ.
[ذَبْحُ الْكِتَابِيِّ فِي الْأُضْحِيَّةِ]
قَالَ ﵀: (وَكُرِهَ ذَبْحُ الْكِتَابِيِّ) لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَوْ أَمَرَهُ فَذَبَحَ جَازَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، وَالْقُرْبَةُ أُقِيمَتْ بِإِنَابَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَ الْمَجُوسِيَّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ فَكَانَ فَسَادًا لَا تَقَرُّبًا.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (وَلَوْ غَلِطَا وَذَبَحَ كُلٌّ أُضْحِيَّةَ صَاحِبِهِ صَحَّ وَلَا يَضْمَنَانِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ وَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالذَّبْحِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَيَضْمَنُ كَمَا إذَا ذَبَحَ شَاةً اشْتَرَاهَا الْقَصَّابُ، وَالتَّضْحِيَةُ قُرْبَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ غَيْرِهِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا تَعَيَّنَتْ لِلذَّبْحِ لِتَعَيُّنِهَا بِالْأُضْحِيَّةِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا بِعَيْنِهَا فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَيُكْرَهُ أَنْ يُبَدِّلَ بِهَا غَيْرَهَا فَصَارَ الْمَالِكُ مُسْتَعِينًا بِمَنْ يَكُونُ أَهْلًا لِلذَّبْحِ فَصَارَ مَأْذُونًا لَهُ دَلَالَةً لِأَنَّهَا تَفُوتُ بِمُضِيِّ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَيُخَافُ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ إقَامَتِهَا لِعَارِضٍ يَعْتَرِيهِ فَصَارَ كَمَا إذَا ذَبَحَ شَاةً وَشَدَّ الْقَصَّابُ رِجْلَيْهَا وَكَيْفَ لَا يَأْذَنُ لَهُ وَفِيهِ مُسَارَعَةٌ إلَى الْخَيْرِ وَتَحْقِيقِ مَا عَيَّنَهُ وَلَا يُبَالَى بِفَوَاتِ مُبَاشَرَتِهِ وَشُهُودِهِ لِحُصُولِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَا بَيَّنَّاهُ فَيَصِيرُ إذْنًا دَلَالَةً وَهُوَ كَالصَّوْمِ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَسَائِلُ اسْتِحْسَانِيَّةٌ لِأَصْحَابِنَا ذَكَرْنَاهَا فِي الْإِحْرَامِ عَنْ الْغَيْرِ، ثُمَّ إذَا جَازَ ذَلِكَ عَنْهُمَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُضْحِيَّتَهُ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَلَا يُضَمِّنُهُ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكَلَ مَا ذَبَحَهُ تَحَلَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَيُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَهُ الْكُلَّ فِي الِابْتِدَاءِ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَكَذَا لَهُ أَنْ يُحَلِّلَ فِي الِانْتِهَاءِ، وَإِنْ تَشَاحَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُضَمِّنَ صَاحِبَهُ قِيمَةَ لَحْمِهِ، ثُمَّ يَتَصَدَّقَ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ اللَّحْمِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ كَانَ الْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ فَقَالَ: ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ بِلَا أَمْرِهِ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ لَا يَتَوَلَّى صَاحِبُ الْأُضْحِيَّةِ ذَبْحَهَا بِنَفْسِهِ بَلْ يُفَوِّضُ إلَى غَيْرِهِ فَصَارَ مَأْذُونًا دَلَالَةً كَالْقَصَّابِ إذَا شَدَّ رِجْلَ شَاةٍ لِلذَّبْحِ فَذَبَحَهَا إنْسَانٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَضْمَنُ وَلَوْ بَاعَ أُضْحِيَّةً وَاشْتَرَى بِثَمَنِهَا غَيْرَهَا فَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَنْقَصَ مِنْ الْأَوَّلِ تَصَدَّقْ بِالْفَضْلِ وَلَوْ غَصَبَ شَاةً وَضَحَّى بِهَا جَازَ عَنْ أُضْحِيَّتِهِ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالْغَصْبِ السَّابِقِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ وَدِيعَةً لِأَنَّهُ يَضْمَنُهَا بِالذَّبْحِ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ إلَّا بَعْدَهُ وَلَوْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ ضَمَّنَهُ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا تَجُوزُ عَنْ الذَّابِحِ دُونَ الْمَالِكِ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ الْإِرَاقَةَ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْمَغْصُوبَةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا مَذْبُوحَةً أَجْزَأَتْ الْمَالِكَ عَنْ التَّضْحِيَةِ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَاهَا فَلَا يَضُرُّهُ ذَبْحُهَا غَيْرَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَفِي فَتَاوَى أَهْوَارَ: رَجُلَانِ رَبَطَا أُضْحِيَّتَهُمَا فِي مَرْبِطٍ، ثُمَّ غَلِطَا فَتَنَازَعَا فِي وَاحِدَةٍ كُلٌّ مِنْهُمَا مُدَّعِيهَا وَلَا يَدَّعِي الْأُخْرَى يُقْضَى بِاَلَّذِي تَنَازَعَا فِيهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَا تَجُوزُ الْأُضْحِيَّةُ عَنْهُمَا بِهِمَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَجُوزُ عَنْهُمَا جَمِيعًا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَاَلَّذِي لَمْ يَتَنَازَعَا فِيهَا لِبَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهَا مَالٌ ضَائِعٌ وَلَوْ كَانَتْ إبِلًا وَبَقَرًا جَازَتْ الْأُضْحِيَّةُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَإِذَا رَبَطُوا ثَلَاثَةَ أَضَاحِيَّ فِي رِبَاطٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ وَجَدُوا بِوَاحِدٍ عَيْبًا يَمْنَعُ جَوَازَ الْأُضْحِيَّةِ وَأَنْكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ الْمَعِيبَةُ وَتَنَازَعُوا فِي الْأُخْرَيَيْنِ فَالْمَعِيبَةُ لِبَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهَا مَالٌ ضَائِعٌ وَيُقْضَى بَيْنَهُمْ بِالْأُخْرَيَيْنِ أَثْلَاثًا. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الْكَرَاهِيَةِ]
أَوْرَدَ كِتَابَ الْكَرَاهِيَةِ بَعْدَ الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّ عَامَّةَ مَسَائِلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَخْلُ مِنْ أَصْلٍ، أَوْ فَرْعٍ يَرِدُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ فِي لَيَالِي أَيَّامِ النَّحْرِ مَكْرُوهَةٌ وَكَذَا فِي التَّصَرُّفِ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِجَزِّ صُوفِهَا وَحَلْبِ لَبَنِهَا وَكَذَا ذَبْحُ الْكِتَابِيِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ فِي كِتَابِ الْكَرَاهِيَةِ لِذَلِكَ وَتَرْجَمَ الْمُؤَلِّفُ بِالْكَرَاهِيَةِ لِأَنَّ بَيَانَ الْمَكْرُوهِ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ لِوُجُوبِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَتَرْجَمَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ لِمَا فِيهِ مِمَّا اسْتَحْسَنَهُ الشَّارِعُ وَقَبَّحَهُ وَتَرْجَمَ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِالْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لِمَا فِيهِ مِمَّا مَنَعَ عَنْهُ الشَّارِعُ وَأَبَاحَهُ، وَالْكَرَاهِيَةُ مَصْدَرُ كَرِهَ الشَّيْءَ كُرْهًا وَكَرَاهَةً وَكَرَاهِيَةً قَالَ فِي الْمِيزَانِ هِيَ ضِدُّ الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] إلَخْ فَالْمَكْرُوهُ خِلَافُ الْمَنْدُوبِ وَالْمَحْبُوبِ لُغَةً وَلَيْسَ
следующие страницы →