Полный текст (3 122 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وَاجِبَةٌ فَالْمُرَادُ الِافْتِرَاضُ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْقُنْيَةِ وَالْفَوَائِدِ التَّاجِيَّةِ بِكُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ فَرْضِيَّتَهَا؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ اهـ. وَهَلْ يَصِحُّ النَّذْرُ بِهَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِالتَّكْفِينِ، وَلَا بِتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ لِعَدَمِ الْقُرْبَةِ الْمَقْصُودَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ قُرْبَةٌ مَقْصُودَةٌ.
(قَوْلُهُ وَشَرْطُهَا إسْلَامُ الْمَيِّتِ وَطَهَارَتُهُ) فَلَا تَصِحُّ عَلَى الْكَافِرِ لِلْآيَةِ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ، وَلَا تَصِحُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُغَسَّلْ؛ لِأَنَّهُ لَهُ حُكْمُ الْإِمَامِ مِنْ وَجْهٍ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهَذَا الشَّرْطُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَلَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِالنَّبْشِ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ بِلَا غُسْلٍ لِلضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ بَعْدُ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ وَيُغَسَّلُ، وَلَوْ صُلِّيَ عَلَيْهِ بِلَا غُسْلٍ جَهْلًا مَثَلًا، وَلَا يُخْرَجُ إلَّا بِالنَّبْشِ تُعَادُ لِفَسَادِ الْأُولَى، وَقِيلَ: تَنْقَلِبُ الْأُولَى صَحِيحَةً عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَلَا تُعَادُ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ لُفَّ فِي كَفَنِهِ، وَقَدْ بَقِيَ عُضْوٌ مِنْهُ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ يُنْقَضُ الْكَفَنُ وَيُغَسَّلُ ثُمَّ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَوْ بَقِيَ أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ وَنَحْوُهَا يُنْقَضُ الْكَفَنُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَيُغَسَّلُ وَعِنْدَهُمَا لَا يُنْقَضُ الْكَفَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ فَلَعَلَّهُ أَسْرَعَ إلَيْهِ الْجَفَافُ لِقِلَّتِهِ فَلَا يَحِلُّ نَقْضُ الْكَفَنِ بِالشَّكِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ نَقْضُهُ إلَّا بِعُذْرٍ بِخِلَافِ الْعُضْوِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْجَفَافُ، وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِلَا طَهَارَةٍ أَعَادُوا؛ لِأَنَّهُ لَا صِحَّةَ لَهَا بِدُونِ الطَّهَارَةِ فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْإِمَامِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْقَوْمِ، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى طَهَارَةٍ وَالْقَوْمُ عَلَى غَيْرِهَا لَا تُعَادُ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ صَحَّتْ فَلَوْ أَعَادُوا تَتَكَرَّرُ الصَّلَاةُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَجِبُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا اهـ.
وَزَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ شَرْطًا ثَالِثًا فِي الْمَيِّتِ، وَهُوَ وَضْعُهُ أَمَامَ الْمُصَلَّى فَلَا تَجُوزُ عَلَى غَائِبٍ وَلَا عَلَى حَاضِرٍ مَحْمُولٍ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَا مَوْضُوعٍ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ كَالْإِمَامِ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ وَأَمَّا صَلَاتُهُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ رُفِعَ لَهُ ﵊ سَرِيرُهُ حَتَّى رَآهُ بِحَضْرَتِهِ فَتَكُونُ صَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ عَلَى مَيِّتٍ يَرَاهُ الْإِمَامُ وَبِحَضْرَتِهِ دُونَ الْمَأْمُومِينَ وَهَذَا غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الِاقْتِدَاءِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالنَّجَاشِيِّ، وَقَدْ أَثْبَتَ كُلًّا مِنْهُمَا بِالدَّلِيلِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَجَابَ فِي الْبَدَائِعِ بِثَالِثٍ، وَهُوَ أَنَّهَا الدُّعَاءُ لَا الصَّلَاةُ الْمَخْصُوصَةُ وَهَذِهِ الشَّرَائِطُ فِي الْمَيِّتِ، وَأَمَّا شَرَائِطُهَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمُصَلِّي فَشَرَائِطُ الصَّلَاةِ الْكَامِلَةِ مِنْ الطَّهَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْحُكْمِيَّةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالنِّيَّةِ وَقَدَّمْنَا حُكْمَ مَا لَوْ ظَهَرَ الْمُصَلِّي مُحْدِثًا وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِطَهَارَةِ الْمَيِّتِ احْتِرَازًا عَنْ طَهَارَةِ مَكَانِهِ قَالَ فِي الْفَوَائِدِ التَّاجِيَّةِ إنْ كَانَ عَلَى جِنَازَةٍ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جِنَازَةٍ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ مَكَانِ الْمَيِّتِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤَدٍّ وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ بِأَنَّ كَفَنَهُ يَصِيرُ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَابِسٍ بَلْ هُوَ مَلْبُوسٌ فَيَكُونُ حَائِلًا اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ الطَّهَارَةُ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمَيِّتِ جَمِيعًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ قَامَ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ افْتَرَشَ نَعْلَيْهِ وَقَامَ عَلَيْهِمَا جَازَتْ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الْقِيَامِ عَلَى النَّعْلَيْنِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةِ النَّعْلَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَمَّا أَرْكَانُهَا فَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إنَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا الدُّعَاءُ وَالْقِيَامُ وَالتَّكْبِيرُ لِقَوْلِهِمْ إنَّ حَقِيقَتَهَا هُوَ الدُّعَاءُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَا يَجُوزُ وَقَالُوا كُلُّ تَكْبِيرَةٍ بِمَنْزِلَةِ رَكْعَةٍ وَقَالُوا يُقَدَّمُ الثَّنَاءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الدُّعَاءِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى شَرْطٌ؛ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ بِخِلَافِهِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَأَمَّا رُكْنُهَا فَالتَّكْبِيرَاتُ وَالْقِيَامُ، وَأَمَّا سُنَنُهَا فَالتَّحْمِيدُ وَالثَّنَاءُ وَالدُّعَاءُ فِيهَا اهـ.
فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الدُّعَاءَ سُنَّةٌ وَقَوْلُهُمْ فِي الْمَسْبُوقِ يَقْضِي التَّكْبِيرَ نَسَقًا بِغَيْرِ دُعَاءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى شَرْطٌ بَلْ الْأَرْبَعُ أَرْكَانٌ قَالَ فِي الْمُحِيطِ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ فَجِيءَ
ــ
[منحة الخالق]
وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّحْرِيرِ السُّقُوطُ حَيْثُ ذَكَرَ الْحُكْمَ، وَلَمْ يَعْزُهُ لِلشَّافِعِيَّةِ تَأَمَّلْ.
[شُرُوط صَلَاة الْجِنَازَة]
(قَوْلُهُ فَلَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، فَإِنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ إلَخْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِهِ لَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ لَكِنْ صُحِّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ التُّحْفَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْغُسْلِ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ لِتَضَمُّنِهِ أَمْرًا حَرَامًا، وَهُوَ نَبْشُ الْقَبْرِ فَسَقَطَتْ الصَّلَاةُ. اهـ.
(قَوْلُهُ، وَأَمَّا سُنَنُهَا فَالتَّحْمِيدُ وَالثَّنَاءُ إلَخْ) أَقُولُ: مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي عِدَّةِ كُتُبٍ أَنَّهُمَا رِوَايَتَانِ فَفِي شَرْحِ الْبَاقَانِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُكَبِّرُ تَكْبِيرَةً ثُمَّ يُثْنِي عَقِيبَهَا قَالَ بِأَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ يَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك إلَخْ وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إلَّا بِنِيَّةِ الثَّنَاءِ كَذَا فِي الشُّمُنِّيِّ. اهـ.
وَفِي النَّهْرِ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الثَّنَاءِ
стр. 597
بِأُخْرَى أَتَمَّهَا وَاسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ عَلَى الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَوَاهَا لِلْأُخْرَى أَيْضًا يَصِيرُ مُكَبِّرًا ثَلَاثًا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْأَرْبَعِ لَا تَتَأَدَّى بِتَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي الْغَايَةِ لِلسُّرُوجِيِّ، فَإِنْ قُلْت: التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى لِلْإِحْرَامِ، وَهِيَ شَرْطٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ بِنَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى التَّحْرِيمَةِ الْأُولَى لِكَوْنِهَا غَيْرَ رُكْنٍ قِيلَ لَهُ التَّكْبِيرَاتُ الْأَرْبَعُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بِخِلَافِ الْمَكْتُوبَةِ وَصَلَاةِ النَّافِلَةِ اهـ.
وَأَمَّا مَا يُفْسِدُهَا فَمَا أَفْسَدَ الصَّلَاةَ أَفْسَدَهَا إلَّا الْمُحَاذَاةَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَتُكْرَهُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَلَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ فِيهَا تَأَدَّتْ الصَّلَاةُ، وَلَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ فِيهَا جَازَ هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ) أَيْ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَقْدِيمَهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى مَا تَقْدِيمُهُ وَاجِبٌ وَهُوَ السُّلْطَانُ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ تَقْدِيمَهُ مُسْتَحَبٌّ بِخِلَافِ السُّلْطَانِ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَإِنَّمَا قَالُوا تَقْدِيمُهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُ إفْسَادُ أَمْرِ الْعَامَّةِ بِخِلَافِ التَّقَدُّمِ عَلَى السُّلْطَانِ حَيْثُ يَلْزَمُ ذَلِكَ فَلِذَا وَجَبَ تَقْدِيمُهُ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ إمَامِ مَسْجِدِ حَيِّهِ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْوَلِيِّ ذَكَرَهُ فِي الْفَتَاوَى اهـ.
وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ، وَكَذَا فِي الْمُجْتَبَى، وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ إمَامُ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ أَوْلَى مِنْ إمَامِ الْحَيِّ اهـ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِمَامِ الْحَيِّ إمَامُ الْمَسْجِدِ الْخَاصِّ لِلْمَحَلَّةِ، وَقَدْ وَقَعَ الِاشْتِبَاهُ فِي إمَامِ الْمُصَلَّى الْمَبْنِيَّةِ لِصَلَاةِ الْأَمْوَاتِ فِي الْأَمْصَارِ فَإِنَّ الْبَانِيَ يَشْرِطُ لَهَا إمَامًا خَاصًّا وَيَجْعَلُ لَهُ مَعْلُومًا مِنْ وَقْفِهِ فَهَلْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلِيِّ إلْحَاقًا لَهُ بِإِمَامِ الْحَيِّ أَوْ لَا؟ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِمَامِ الْحَيِّ لِتَعْلِيلِهِمْ إيَّاهُ بِأَنَّ الْمَيِّتَ رَضِيَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ حَالَ حَيَاتِهِ وَهَذَا خَاصٌّ بِإِمَامِ مَسْجِدِ مَحَلَّتِهِ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مُقَرَّرًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي فَهُوَ كَنَائِبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَرِّرُ لَهُ النَّاظِرَ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْوَلِيُّ) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ وَالْوِلَايَةُ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا فِي غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ إذَا حَضَرَ كَيْ لَا يَكُونَ ازْدِرَاءً بِهِ، ثُمَّ التَّرْتِيبُ فِي الْأَوْلِيَاءِ كَتَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ فِي الْإِنْكَاحِ لَكِنْ إذَا اجْتَمَعَ أَبُو الْمَيِّتِ وَابْنُهُ كَانَ الْأَبُ أَوْلَى بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ لِلْأَبِ فَضِيلَةً عَلَى الِابْنِ وَزِيَادَةَ سِنٍّ، وَالْفَضِيلَةُ وَالزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ تَرْجِيحًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْإِمَامَةِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فَلَوْ كَانَ الْأَبُ جَاهِلًا وَالِابْنُ عَالِمًا يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الِابْنِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ صِفَةَ الْعِلْمِ لَا تُوجِبُ التَّقْدِيمَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا لِلْعِلْمِ وَيُعْتَبَرُ الْأَسَنُّ فِيهَا فَالْأَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَسَنُّهُمَا أَوْلَى، فَإِنْ أَرَادَ الْأَسَنُّ أَنْ يُقَدِّمَ أَحَدًا كَانَ لِلْأَصْغَرِ أَنْ يَمْنَعَ، فَإِنْ قَدَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَجُلًا آخَرَ فَاَلَّذِي قَدَّمَهُ الْأَسَنُّ أَوْلَى وَكَذَلِكَ الِابْنَانِ عَلَى هَذَا، وَكَذَلِكَ أَبْنَاءُ الْعَمِّ، فَإِنْ كَانَ الْأَخُ الْأَصْغَرُ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَالْأَكْبَرُ لِأَبٍ فَالْأَصْغَرُ أَوْلَى كَمَا فِي الْمِيرَاثِ، فَإِنْ قُدِّمَ الْأَصْغَرُ جِدًّا فَلَيْسَ لِلْأَكْبَرِ أَنْ يَمْنَعَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَخُ لِأَبٍ وَأُمٍّ غَائِبًا وَكَتَبَ لِإِنْسَانٍ لِيَتَقَدَّمَ فَلِلْأَخِ لِأَبٍ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَحَدُّ الْغَيْبَةِ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى أَنْ يَقْدُمَ وَيُدْرِكَ الصَّلَاةَ وَلَا يَنْتَظِرُ النَّاسُ قُدُومَهُ، وَالْمَرِيضُ فِي الْمِصْرِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ يُقَدِّمُ مَنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ مَنْعُهُ، وَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ، وَلَهَا أَبٌ وَابْنٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ وَزَوْجٌ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا ثُمَّ الِابْنُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، فَإِنْ كَانَ مِنْهُ فَالزَّوْجُ أَحَقُّ مِنْ الْوَلَدِ، وَلَوْ مَاتَ ابْنٌ، وَلَهُ أَبٌ وَأَبُو أَبٍ فَالْوِلَايَةُ لِأَبِيهِ وَلَكِنَّهُ يُقَدِّمُ أَبَاهُ جَدَّ الْمَيِّتِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ
ــ
[منحة الخالق]
قَالَ بَعْضُهُمْ يَحْمَدُ اللَّهَ كَمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ كَذَا فِي الدِّرَايَةِ، وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إلَّا عَلَى وَجْهِ الثَّنَاءِ اهـ وَمِثْلُهُ فِي الْعِنَايَةِ.
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى مَا سَبَقَ فِي الْإِمَامَةِ تَقْدِيمُهُ حَتَّى عَلَى إمَامِ الْحَيِّ وَذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيمَ إمَامِ الْحَيِّ كَالْأَعْلَمِ مَنْدُوبٌ فَقَطْ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الرَّاتِبَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ هُنَاكَ فَكَذَا هُنَا إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ وَتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ بِأَنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ هُنَا وِلَايَةَ تَقْدِيمٍ خَاصَّةً؛ وَلِذَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إذَا صَلَّى غَيْرَ الْأُولَى وَلَيْسَ ثَمَّ كَذَلِكَ فَإِذَا كَانَ مُقَرَّرًا مِنْ الْقَاضِي كَانَ كَنَائِبِهِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ دُونَهُ. اهـ وَأَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَجْعَلُونَ الْإِمَامَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ لِلْغُرَبَاءِ وَاَلَّذِينَ لَا وَلِيَّ لَهُمْ فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا اهـ.
أَقُولُ: وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ تَقْرِيرَ الْقَاضِي لَهُ لِتَعْيِينِ مَنْ يُبَاشِرُ هَذِهِ الْوَظِيفَة لَا لِيَكُونَ نَائِبًا عَنْ الْقَاضِي وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَرَّرَهُ الْقَاضِي فِي وَظِيفَةِ إمَامَةٍ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَى إمَامِ الْحَيِّ وَالْوَلِيِّ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ صِفَةَ الْعِلْمِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: بَلْ صِفَةُ الْعِلْمِ تُوجِبُ التَّقْدِيمَ فِيهَا أَيْضًا، أَلَا تَرَى إلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ إنَّمَا يُقَدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ نَعَمْ عَلَّلَ الْقُدُورِيُّ كَرَاهَةَ تَقْدِيمِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ بِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ تَقْدِيمِهِ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْفَتْحِ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَقْدِيمَهُ وَاجِبٌ بِالسُّنَّةِ، وَفِي الْبَدَائِعِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَلَهُ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ أَنْ يُقَدِّمَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا مُنِعَ عَنْ التَّقَدُّمِ حَتَّى لَا يَسْتَخِفَّ بِأَبِيهِ فَلَمْ تَسْقُطْ وِلَايَتُهُ فِي التَّقْدِيمِ
стр. 598
عَبْدُهُ وَمَوْلَاهُ حَاضِرٌ فَالْوِلَايَةُ لِلْمُكَاتَبِ لَكِنَّهُ يُقَدِّمُ مَوْلَاهُ احْتِرَامًا وَمَوْلَى الْعَبْدِ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مِنْ ابْنِهِ الْحُرِّ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ لِبَقَاءِ مِلْكِهِ حُكْمًا، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ، فَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً، فَإِنْ أُدِّيَتْ كِتَابَتُهُ أَوْ كَانَ الْمَالُ حَاضِرًا لَا يَخَافُ عَلَيْهِ التَّوَى وَالتَّلَفَ، فَالِابْنُ أَحَقُّ وَإِلَّا فَالْمَوْلَى وَسَائِرُ الْقَرَابَات أَوْلَى مِنْ الزَّوْجِ، وَكَذَا مَوْلَى الْعَتَاقَةِ وَابْنُهُ وَمَوْلَى الْمُوَالَاةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمَا بِالْمَوْتِ، وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْجَارُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يَأْذَنَ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِلْوَلِيِّ الْإِذْنُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْإِذْنُ فِي التَّقَدُّمِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ فَيَمْلِكُ إبْطَالَهُ وَقَدَّمْنَا أَنَّ مَحَلَّهُ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَلِيٌّ غَيْرُهُ أَوْ كَانَ وَهُوَ بَعِيدٌ أَمَّا إذَا كَانَا وَلِيَّيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ فَأَذِنَ أَحَدُهُمَا أَجْنَبِيًّا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَمْنَعَهُ ثَانِيهِمَا أَنْ يَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الِانْصِرَافِ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الدَّفْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَّا بِإِذْنِهِ، وَذَكَرَ الشَّارِحُ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِمَوْتِهِ لِيُصَلُّوا عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ يُتَبَرَّكُ بِهِ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الْأَزِقَّةِ وَالْأَسْوَاقِ؛ لِأَنَّهُ نَعْيُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ لَهُ وَتَحْرِيضَ النَّاسِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالِاعْتِبَارَ بِهِ وَالِاسْتِعْدَادَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَعْيُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَبْعَثُونَ إلَى الْقَبَائِلِ يَنْعَوْنَ مَعَ ضَجِيجٍ وَبُكَاءٍ وَعَوِيلٍ وَتَعْدِيدٍ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالْإِجْمَاعِ اهـ.
وَهِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ لِلْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» «وَقَالَ ﵇ لَعَنَ اللَّهُ الْحَالِقَةَ وَالصَّالِقَةَ وَالشَّاقَّةَ» وَالصَّالِقَةَ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِالْمُصِيبَةِ، وَلَا بَأْسَ بِإِرْسَالِ الدَّمْعِ وَالْبُكَاءِ مِنْ غَيْرِ نِيَاحَةٍ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُ الْوَلِيِّ وَالسُّلْطَانُ أَعَادَ الْوَلِيُّ) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ وَالْمُرَادُ مِنْ السُّلْطَانِ مَنْ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ عَلَى الْوَلِيِّ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْوَلِيِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّقَدُّمِ فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ أَوْ إمَامُ الْحَيِّ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ والولوالجية وَالظَّهِيرِيَّةِ وَالتَّجْنِيسِ وَالْوَاقِعَاتِ، وَلَوْ صَلَّى رَجُلٌ وَالْوَلِيُّ خَلْفَهُ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ إنْ صَلَّى مَعَهُ لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَرَّةً، وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي السُّلْطَانَ أَوْ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ فِي الْبَلْدَةِ أَوْ الْقَاضِي أَوْ الْوَالِي عَلَى الْبَلْدَةِ أَوْ إمَامَ حَيٍّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيدَ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالصَّلَاةِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمْ فَلَهُ الْإِعَادَةُ اهـ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالتَّقَدُّمِ لَيْسَ بِمُقَدَّمٍ عَلَى الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى قَالُوا، وَلَوْ أَعَادَهَا الْوَلِيُّ لَيْسَ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْوَلِيِّ مَرَّةً أُخْرَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا لَمْ يُعِدْ فَلَا إثْمَ عَلَى أَحَدٍ لِمَا أَنَّ الْفَرْضَ، وَهُوَ قَضَاءُ حَقِّ الْمَيِّتِ قَدْ تَأَدَّى بِصَلَاةِ الْأَجْنَبِيِّ وَالْإِعَادَةُ إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ حَقِّهِ لَا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّيْت بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ مَوْقُوفٌ إنْ أَعَادَ الْوَلِيُّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْفَرْضَ مَا صَلَّى الْوَلِيُّ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ سَقَطَ الْفَرْضُ بِالْأُولَى اهـ.
فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ لِمَنْ صَلَّى أَوَّلًا أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْوَلِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْفَتَاوَى الْمَذْكُورَةِ ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ إذَا صَلَّى بِلَا إذْنِ الْوَلِيِّ، فَإِنْ لِلْوَلِيِّ الْإِعَادَةَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعِدْ إذَا صَلَّى السُّلْطَانُ لِخَوْفِ الِازْدِرَاءِ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَجْمَعِ وَشَرْحِهِ بِأَنَّ إمَامَ الْحَيِّ كَالسُّلْطَانِ فِي عَدَمِ إعَادَةِ الْوَلِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُصَلِّ غَيْرُهُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ مَا صَلَّى الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدْ تَأَدَّى بِالْأُولَى وَالتَّنَفُّلُ بِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ إلَّا لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ الْوَلِيُّ عِنْدَ تَقَدُّمِ الْأَجْنَبِيِّ إنْ قُلْنَا إنَّ إعَادَةَ الْوَلِيِّ نَفْلٌ وَإِلَّا فَلَا اسْتِثْنَاءَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي إعَادَةِ مَنْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا صَلَّى الْوَلِيُّ كَالسُّلْطَانِ وَالْقَاضِي فَذَهَبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرِ مَنْ لَيْسَ لَهُ تَقَدُّمٌ عَلَى الْوَلِيِّ أَمَّا مَنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَلِيِّ فَلَهُ الْإِعَادَةُ بَعْدَ صَلَاةِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ إذَا كَانَ لَهُ الْإِعَادَةُ إذَا صَلَّى غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ أَدْنَى فَالسُّلْطَانُ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 599
وَالْقَاضِي لَهُمَا الْإِعَادَةُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ النَّوَادِرِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الْفَتَاوَى، وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ قَوْلُهُ: فَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدٌ بَعْدَهُ يَعْنِي سُلْطَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ حَقِّ الْوَلِيِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُوِّزَ لَهُ الْإِعَادَةُ، وَلَمْ يُجَوَّزْ لِلسُّلْطَانِ إذَا صَلَّى الْوَلِيُّ فَافْهَمْ ذَلِكَ اهـ.
وَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى، وَقَدْ ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَقَدَّمَ الْوَلِيُّ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ حَضَرَ فَالْحَقُّ لَهُ فَكَانَتْ صَلَاةُ الْوَلِيِّ تَعَدِّيًا، وَالثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْضُرْ غَيْرُ الْوَلِيِّ فَصَلَّى الْوَلِيُّ ثُمَّ جَاءَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ بِصَلَاةِ مَنْ لَهُ وِلَايَتُهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمُجْتَبَى مَا يُفِيدُهُ قَالَ: فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَحَدٌ بَعْدَهُ وَهَذَا إذَا كَانَ حَقُّ الصَّلَاةِ لَهُ بِأَنْ لَمْ يَحْضُرْ السُّلْطَانُ، وَأَمَّا إذَا حَضَرَ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ يُعِيدُ السُّلْطَانُ اهـ. .
(قَوْلُهُ: فَإِنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ صُلِّيَ عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَتَفَسَّخْ) ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ» أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مَدْفُونًا بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ قَبْلَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ لَكِنْ صُحِّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقُدُورِيِّ وَصَاحِبِ التُّحْفَةِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ الْغُسْلِ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ، وَلَا يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ لِتَضَمُّنِهِ أَمْرًا حَرَامًا، وَهُوَ نَبْشُ الْقَبْرِ فَسَقَطَتْ الصَّلَاةُ اهـ.
وَقَيَّدَ بِالدَّفْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَإِنَّهُ يُخْرَجُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَقُيِّدَ بِعَدَمِ التَّفَسُّخِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ التَّفَسُّخِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ عَلَى بَدَنِ الْمَيِّتِ فَإِذَا تَفَسَّخَ لَمْ يَبْقَ بَدَنُهُ قَائِمًا، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ بِمُدَّةٍ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ تَفَسُّخُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي تَفَسُّخِهِ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَالْمَذْكُورُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ اهـ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَيِّتِ فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ وَبِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ فَيُحَكَّمُ فِيهِ غَالِبُ الرَّأْيِ، فَإِنْ قِيلَ رُوِيَ عَنْهُ ﵇ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةٍ» فَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ دَعَا لَهُمْ قَالَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الْفَتَاوَى) أَيْ مَا مَرَّ فِي الْقَوْلَةِ السَّابِقَةِ وَفِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتَاوَى هُوَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى السُّلْطَانُ وَنَحْوُهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ حَقُّ الْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلَى مِنْهُ، وَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ الْإِعَادَةَ إذَا صَلَّى الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّ أَوْلَوِيَّةَ السُّلْطَانِ وَنَحْوِهِ لِوُجُوبِ تَعْظِيمِهِ وَلِأَنَّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ ازْدِرَاءً بِهِ لَا لِكَوْنِ الْحَقِّ لَهُمْ بَلْ الْحَقُّ إنَّمَا هُوَ لِلْوَلِيِّ وَتَقَدُّمُهُمْ عَلَيْهِ لِعَارِضٍ فَإِذَا صَلَّى صَاحِبُ الْحَقِّ، وَلَمْ يُرَاعِ حُرْمَتَهُمْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ حَقُّ الْإِعَادَةِ وَمِثْلُ ذَلِكَ الِابْنُ مَعَ الْأَبِ فَإِنَّ الْحَقَّ لِلِابْنِ وَلَكِنَّهُ يُقَدِّمُ أَبَاهُ احْتِرَامًا لَهُ، وَلَا يَرِدُ إمَامُ الْحَيِّ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْوَلِيِّ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ كَتَقْدِيمِ السُّلْطَانِ (قَوْلُهُ وَقَدْ ظَهَرَ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَلِمَتَهُمْ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلسُّلْطَانِ عِنْدَ عَدَمِ حُضُورِهِ وَقَدْ عَلِمْت ثُبُوتَ الْخِلَافِ مَعَ حُضُورِهِ اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ حَمَلَ الْخِلَافَ بَيْنَ كَلَامَيْ النِّهَايَةِ وَالسِّرَاجِ عَلَى حَالَةِ حُضُورِهِ أَمَّا عِنْدَ عَدَمِهِ فَلَيْسَ مِمَّا الْخِلَافُ فِيهِ لِمَا مَرَّ أَنَّ أَوْلَوِيَّةَ السُّلْطَانِ إنْ حَضَرَ، وَعَلَيْهِ فَمَا فِي الْمُجْتَبَى مِثْلُ مَا فِي النِّهَايَةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ كَلَامَ النِّهَايَةِ لَيْسَ خَاصًّا بِحَالَةِ حُضُورِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ فِي الْجَوَابِ عَنْ دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ عَلَى جَوَازِ الْإِعَادَةِ حَيْثُ قَالَ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ هُوَ الَّذِي حَضَرَ فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ وِلَايَةُ إسْقَاطِ حَقِّهِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ الْحَقَّ كَانَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، وَهَكَذَا تَأْوِيلُ فِعْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ مَشْغُولًا بِتَسْوِيَةِ الْأُمُورِ وَتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ فَكَانُوا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُضُورِهِ وَكَانَ الْحَقُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَلِيفَةُ فَلَمَّا فَرَغَ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ بَعْدَهُ عَلَيْهِ. اهـ.
وَهَذَا يَشْكُلُ أَيْضًا عَلَى تَوْفِيقِ الْمُؤَلِّفِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ قَبْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ الصَّلَاةِ بَلْ جَمِيعُ مَنْ صَلَّى كَانَ أَجْنَبِيًّا وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا مَرَّ لَكِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبِهِ قَبْلَ الصِّدِّيقِ، وَهُوَ بَعِيدٌ تَأَمَّلْ ثُمَّ ظَاهِرُ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ الْمَبْسُوطِ يُؤْذِنُ أَنَّ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ قَبْلَ الْوَلِيِّ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ لِمَا فِي الْفَتْحِ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ فَصَفَّهُمْ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا» دَلِيلٌ عَلَى أَنْ إنْ لَمْ يُصَلِّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَلِيُّ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِنَا فَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِادِّعَاءٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَيْهَا أَصْلًا، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْ الصَّحَابَةِ. اهـ.
قُلْت: بَلْ لَا يَصِحُّ هَذَا الِادِّعَاءُ أَصْلًا فِي صَلَاتِهِمْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[دُفِنَ الْمَيِّت بِلَا صَلَاةٍ]
(قَوْلُهُ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً) لَعَلَّهُ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ ثُمَّ رَاجَعْت الْبَدَائِعَ فَرَأَيْته كَذَلِكَ فَمَا هُنَا تَحْرِيفٌ
стр. 600
اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَالصَّلَاةُ فِي الْآيَةِ بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ وَقِيلَ إنَّهُمْ لَمْ تَتَفَرَّقْ أَعْضَاؤُهُمْ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهُمْ وَجَدَهُمْ كَمَا دُفِنُوا فَتَرَكَهُمْ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَحُكْمُ صَلَاةِ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ كَعَدَمِ الصَّلَاةِ أَصْلًا فَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ مَا لَمْ يَتَمَزَّقْ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ بِثَنَاءٍ بَعْدَ الْأُولَى وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَدُعَاءٍ بَعْدَ الثَّالِثَةِ وَتَسْلِيمَتَيْنِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ وَثَبَتَ عَلَيْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ» فَنُسِخَتْ مَا قَبْلَهَا وَالْبُدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ ثُمَّ الصَّلَاةِ سُنَّةُ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَرْجَى لِلْقَبُولِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الثَّنَاءَ وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ، وَهُوَ الْأَوْلَى كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْمُحِيطِ وَالتَّجْنِيسِ وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِيهَا بِنِيَّةِ الدُّعَاءِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ قَرَأَهَا بِنِيَّةِ الْقِرَاءَةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الدُّعَاءِ دُونَ الْقِرَاءَةِ اهـ.
وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الدُّعَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ سِوَى أَنَّهُ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَإِنْ دَعَا بِالْمَأْثُورِ فَمَا أَحْسَنُهُ وَأَبْلَغُهُ وَمِنْ الْمَأْثُورِ حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ «صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْت مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ قَالَ عَوْفٌ حَتَّى تَمَنَّيْت أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُو بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَعَنْ الْفَضْلِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الدُّعَاءَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَدْعُوَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ دُعَاءَ الْمَغْفُورِ لَهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ ثُمَّ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصِدُ مِنْهَا، وَهُوَ لَا يَقْتَضِي رُكْنِيَّةَ الدُّعَاءِ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ التَّكْبِيرَات رَحْمَةٌ لِلْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَدْعُ لَهُ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَتَسْلِيمَتَيْنِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ إلَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ بَعْدَهَا غَيْرُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ يَقُولُ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً إلَى آخِرِهِ وَقِيلَ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] إلَى آخِرِهِ وَقِيلَ يُخَيَّرُ بَيْنَ السُّكُوتِ وَالدُّعَاءِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَنْوِيَّ بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ لِلِاخْتِلَافِ فَفِي التَّبْيِينِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ يَنْوِي بِهِمَا الْمَيِّتَ مَعَ الْقَوْمِ
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَا يَنْوِي الْإِمَامُ الْمَيِّتَ فِي تَسْلِيمَتَيْ الْجِنَازَةِ بَلْ يَنْوِي مَنْ عَنْ يَمِينِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِ فِي التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ. اهـ.
وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُخَاطَبُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْوِيَ بِهِ إذْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ سِوَى تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَحُكْمُ صَلَاةِ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ كَعَدَمِ الصَّلَاةِ أَصْلًا) قِيلَ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ قَدْ تَأَدَّى بِصَلَاةِ الْأَجْنَبِيِّ قُلْت لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي الْمُجْتَبَى، وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ إذَا دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ صَلَّى عَلَيْهِ مَنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَمَزَّقْ. اهـ
وَهَذَا لَا يُخَالِفُهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ الْمُرَادُ بِصَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيُّ قَضَاءً لِحَقِّهِ وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا بِأَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ كَعَدَمِ الصَّلَاةِ أَيْ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ يَعْنِي أَنَّهَا مُعْتَدٌّ بِهَا لَكِنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُصَلِّيَهَا كَمَا لَوْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
(قَوْلُهُ وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ دُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ) قَدَّمْنَا قُبَيْلَ قَوْلِهِ ثُمَّ إمَامُ الْحَيِّ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَحْمَدُ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ وَالتَّجْنِيسِ إلَخْ) قُلْت وَمِثْلُهُ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّةِ عَنْ فَتَاوَى سَمَرْقَنْدَ فَمَا ذَكَرَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ، وَكَذَا مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي مِنْ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ لِثُبُوتِ قِرَاءَتِهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَأَنَّهُ قَالَ عَمْدًا فُعِلَتْ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَلِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِفَرْضِيَّتِهَا مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشُّرُنْبُلَالِيُّ مِنْ قَوْلِ الْقُنْيَةِ، وَلَوْ قَرَأَ فِيهَا ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] إلَى آخِرِ السُّورَةِ جَازَ، وَلَوْ كَانَ سَاكِتًا تَجُوزُ صَلَاته لَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ قِرَاءَتُهَا عَلَى قَصْدِ الثَّنَاءِ أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْجَوَازِ الصِّحَّةُ بِدَلِيلِ مُقَابِلِهِ فَتَنَبَّهْ (قَوْلُهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَنْوِيَّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ، وَفِي إكْمَالِ الدِّرَايَةِ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْوِقَايَةِ لِلشُّمُنِّيِّ يَنْوِي فِيهِمَا مَا يَنْوِي فِي تَسْلِيمَتَيْ صَلَاتِهِ وَيَنْوِي الْمَيِّتَ بَدَلَ الْإِمَامِ. اهـ.
وَفِي التَّبْيِينِ وَيَنْوِي بِالتَّسْلِيمَتَيْنِ كَمَا وَصَفْنَاهُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَيَنْوِي الْمَيِّتَ كَمَا يَنْوِي الْإِمَامَ. اهـ.
فَظَاهِرُ كَلَامِ الشُّمُنِّيِّ عَدَمُ نِيَّةِ الْإِمَامِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي التَّبْيِينِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ مَا فِي التَّبْيِينِ إذْ لَا وَجْهَ لِإِخْرَاجِ الْإِمَامِ مِنْ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ هُنَا إذْ الْمَيِّت لَيْسَ أَهْلًا غَيْرَ مُسْلِمٍ وَسَيَأْتِي مَا وَرَدَ فِي أَهْلِ الْمَقْبَرَةِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَتَعْلِيمُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّلَامَ عَلَى الْمَوْتَى (قَوْلُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ بَلْخٍ اخْتَارُوا رَفْعَ الْيَدِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: رُبَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا اقْتَدَى بِالشَّافِعِيِّ فَالْأَوْلَى مُتَابَعَتُهُ فِي الرَّفْعِ، وَلَمْ أَرَهُ تَأَمَّلْ. اهـ.
أَقُولُ: وَجْهُ الِاسْتِفَادَةِ أَنَّ اخْتِيَارَ أَئِمَّةِ بَلْخٍ الرَّفْعَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَنْسُوخًا
стр. 601
اخْتَارُوا رَفْعَ الْيَدِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِيهَا، وَكَانَ نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى يَرْفَعُ تَارَةً، وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى وَلَا يَجْهَرُ بِمَا يَقْرَأُ عَقِبَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَالسُّنَّةُ فِيهِ الْمُخَافَتَةُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَفِيهِ هَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّسْلِيمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَة وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ مَشْرُوعٌ عَقِبَ التَّكْبِيرِ بِلَا فَصْلٍ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ فِي زَمَانِنَا عَلَى خِلَافِهِ اهـ.
وَفِي الْفَوَائِدِ التَّاجِيَّةِ إذَا سَلَّمَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ فَإِنَّهُ يَبْنِي؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ فِي مَحَلِّهِ، وَهُوَ الْقِيَامُ فَيَكُونُ مَعْذُورًا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا رَجُلٌ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ فَجِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى فَكَبَّرَ يَنْوِيهِ وَنَوَى أَنْ لَا يُكَبِّرَ عَلَى الْأُولَى فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْأُولَى إلَى صَلَاةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ يَنْوِي بِهَا عَلَيْهِمَا لَمْ يَكُنْ خَارِجًا وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَبَّرَ يَنْوِي بِهِ التَّطَوُّعَ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ جَازَ عَنْ التَّطَوُّعِ اهـ. .
(قَوْلُهُ فَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا لَمْ يُتْبَعْ) ؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَلَا مُتَابَعَةَ فِيهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَاذَا يَصْنَعُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ يُسَلِّمُ لِلْحَالِ، وَلَا يَنْتَظِرُ تَحْقِيقًا لِلْمُخَالَفَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَمْكُثُ حَتَّى يُسَلِّمَ مَعَهُ إذَا سَلَّمَ لِيَكُونَ مُتَابِعًا فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الْمُتَابَعَةُ وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْوَاقِعَاتِ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْبَقَاءَ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا لَيْسَ بِخَطَأٍ مُطْلَقًا إنَّمَا الْخَطَأُ فِي الْمُتَابَعَةِ فِي الْخَامِسَةِ، وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ إنَّمَا لَا يُتَابِعُهُ فِي الزَّوَائِدِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ إذَا سَمِعَ مِنْ الْإِمَامِ أَمَّا إذَا لَمْ يَسْمَعْ إلَّا مِنْ الْمُبَلِّغِ فَيُتَابِعُهُ وَهَذَا حَسَنٌ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ اهـ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ قَالُوا وَيَنْوِي الِافْتِتَاحَ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ لِجَوَازِ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ لِلِافْتِتَاحِ الْآنَ وَأَخْطَأَ الْمُنَادِي وَقُيِّدَ بِتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ فِي الْعِيدِ لَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ فَإِنَّهُ يُتْبَعُ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهَا حَتَّى لَوْ تَجَاوَزَ الْإِمَامُ فِي التَّكْبِيرِ حَدَّ الِاجْتِهَادِ لَا يُتَابَعُ أَيْضًا كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
(قَوْلُهُ، وَلَا يَسْتَغْفِرُ لِصَبِيٍّ، وَلَا لِمَجْنُونٍ وَيَقُولُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَذُخْرًا وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا وَمُشَفَّعًا» ) كَذَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُمَا
ــ
[منحة الخالق]
وَلَا مَقْطُوعًا بِعَدَمِ سُنِّيَّتِهِ بَلْ هُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَقَدْ نَصَّ عُلَمَاؤُنَا الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدِيَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ يَتْبَعُ الْإِمَامَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الْمَأْثُورَ كَمَا مَرَّ أَيْ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَكَذَا يَتْبَعُ الشَّافِعِيَّ إذَا قَنَتَ لِلْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَعَلَّلُوهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَلَا يُتَابِعُهُ فِي قُنُوتِ الْفَجْرِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَنْسُوخٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ كَانَ سُنَّةً ثُمَّ تُرِكَ أَوْ مَقْطُوعٌ بِعَدَمِ سُنِّيَّتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ دُعَاءً عَلَى قَوْمٍ شَهْرًا وَعَدَّ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِي الْمُجْتَهَدِ فِيهِ لَا فِي الْمَقْطُوعِ بِنَسْخِهِ أَوْ بِعَدَمِ سُنِّيَّتِهِ كَقُنُوتِ فَجْرٍ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْمُتَابَعَةِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ لَيْسَ مَقْطُوعًا بِنَسْخِهِ، وَلَا بِعَدَمِ سُنِّيَّتِهِ بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ عُلَمَائِنَا فِيهِ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْبَدَائِعِ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فِي تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ فِي الْعِيدِ مَا لَمْ يُكَبِّرْ تَكْبِيرًا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ وَتَرْكُ رَأْيِهِ بِرَأْيِ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَقَوْلُهُ ﵇ «تَابِعْ إمَامَك عَلَى أَيِّ حَالٍ وَجَدْته» فَمَا لَمْ يَظْهَرْ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ كَانَ اتِّبَاعُهُ وَاجِبًا إلَخْ لَكِنْ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُقَدِّمَةِ الْكَيْدَانِيَّةِ لِلْقُهُسْتَانِيِّ نَقْلًا عَنْ الْجَلَّابِيِّ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُ إمَامَهُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْجِنَازَةِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ قَالُوا وَيَنْوِي الِافْتِتَاحَ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ إلَخْ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ مَا زَادَ عَلَى الرَّابِعَةِ فَهَلْ يُكَبِّرُ بَعْدَ سُكُوتِ الْمُنَادِي شَيْئًا أَمْ لَا وَمُقْتَضَى كَوْنِهِ يَنْوِي بِذَلِكَ الِافْتِتَاحِ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِثَلَاثٍ لِتَتِمَّ صَلَاتُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ لِلِاحْتِيَاطِ فَلَا يُنَافِي أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ تَامَّةً بِدُونِ زِيَادَةٍ لَكِنْ لَوْ كَبَّرَ الْمُنَادِي خَمْسًا وَقُلْنَا إنَّهُ يَنْوِي بِالْخَامِسَةِ الِافْتِتَاحَ يَكُونُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ نِيَّتَهُ لِلِافْتِتَاحِ فِي الْخَامِسَةِ لَا تُفِيدُهُ مَا لَمْ يَأْتِ بَعْدَهَا بِثَلَاثٍ أُخَرَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَنْوِي الِافْتِتَاحَ بِجَمِيعِ التَّكْبِيرَاتِ الَّتِي أَتَى بِهَا فَفِيهِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَكُونُ بَعْدَ الْمَنْوِيِّ بَلْ مَعَهُ وَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ الْمُقْتَدِي أَنَّ الْمُنَادِيَ يَزِيدُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ حَتَّى يَنْوِيَ الِافْتِتَاحَ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ كَبَّرَهَا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ بَعِيدًا عَنْ الْإِمَامِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ تَكْبِيرَهُ بَلْ يَأْخُذُ مِنْ الْمُنَادِي يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ بِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ الِافْتِتَاحَ لِاحْتِمَالِ خَطَئِهِ فِي الْأُولَى وَأَنَّ الثَّانِيَةَ هِيَ الصَّوَابُ أَوْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الثَّانِيَةِ أَيْضًا، وَأَنَّ الثَّالِثَةَ هِيَ الصَّوَابُ، وَهَكَذَا فَيَنْوِي بِالْكُلِّ الِافْتِتَاحَ لِيَكُنْ هَذَا مَعَ بُعْدِهِ لَا يَتَقَيَّدُ بِحَالِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَحِينَئِذٍ فَمَا فَائِدَةُ هَذِهِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ خَطَأً مِنْ الْمُنَادِي سَبَقَ بِهَا الْإِمَامُ كَانَتْ الثَّالِثَةُ هِيَ الصَّوَابُ، وَكَذَا الرَّابِعَةُ فَيَلْزَمُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِتَكْبِيرَتَيْنِ، وَلَا تَصِحُّ بِدُونِ الْأَرْبَعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا وَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ.
(قَوْلُهُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا إلَخْ) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِإِبْرَاهِيمَ الْحَلَبِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ
стр. 602
وَالْفَرَطُ بِفَتْحَتَيْنِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الْإِنْسَانَ مِنْ وَلَدِهِ يُقَالُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا أَيْ أَجْرًا مُتَقَدِّمًا وَالْفَرَطُ الْفَارِطُ، وَهُوَ الَّذِي يَسْبِقُ الْوُرَّادَ إلَى الْمَاءِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ» أَيْ أَتَقَدَّمُكُمْ إلَيْهِ كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ وَالْأَنْسَبُ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي هُنَا كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَالذُّخْرُ بِضَمِّ الذَّالِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الذَّخِيرَةُ وَالْمُشَفَّعُ بِفَتْحِ الْفَاءِ مَقْبُولُ الشَّفَاعَةِ وَذَكَرَ الْيَمَنِيُّ فِي شَرْحِ الشِّهَابِ فِي بَحْثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَنَّ الثَّوَابَ هُوَ الْحَاصِلُ بِأُصُولِ الشَّرْعِ.
وَالْحَاصِلُ بِالْمُكَمِّلَاتِ يُسَمَّى أَجْرًا؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ لُغَةً بَدَلُ الْعَيْنِ وَالْأَجْرُ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ فَالْمَنْفَعَةُ تَابِعَةٌ لِلْعَيْنِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الْأَجْرُ وَيُرَادُ بِهِ الثَّوَابُ وَبِالْعَكْسِ اهـ.
وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَدْعُو لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَيِّتِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فِيهَا كَمَا يَدْعُو لِلْمَيِّتِ.
(قَوْلُهُ وَيَنْتَظِرُ الْمَسْبُوقُ لِيُكَبِّرَ مَعَهُ لَا مَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي حَالَةِ التَّحْرِيمَةِ) أَيْ وَيَنْتَظِرُ الْمَسْبُوقُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ لِيُكَبِّرَ مَعَ الْإِمَامِ لِلِافْتِتَاحِ فَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ تَكْبِيرَةً أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ لَا يُكَبِّرُ الْآتِي حَتَّى يُكَبِّرَ الْأُخْرَى بَعْدَ حُضُورِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُكَبِّرُ حِينَ يَحْضُرُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لِلِافْتِتَاحِ وَالْمَسْبُوقُ يَأْتِي بِهِ، وَلَهُمَا أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ وَالْمَسْبُوقُ لَا يَبْتَدِئُ بِمَا فَاتَهُ إذْ هُوَ مَنْسُوخٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَهُوَ مُفِيدٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ أَرْكَانٌ وَلَيْسَتْ الْأُولَى شَرْطًا كَمَا تَوَهَّمَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَوْ كَبَّرَ كَمَا حَضَرَ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ لَا تَفْسُدُ عِنْدَهُمَا لَكِنْ مَا أَدَّاهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَمَا كَبَّرَ الرَّابِعَةَ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى قَوْلِهِمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَأَفَادَ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ثُمَّ عِنْدَهُمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ بِغَيْرِ دُعَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَضَى الدُّعَاءَ رُفِعَ الْمَيِّتُ فَيَفُوتُ لَهُ التَّكْبِيرُ وَإِذَا رُفِعَ الْمَيِّتُ قُطِعَ التَّكْبِيرُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَا مَيِّتَ يُتَصَوَّرُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ رُفِعَتْ بِالْأَيْدِي، وَلَمْ تُوضَعْ عَلَى الْأَكْتَافِ ذَكَرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا لَا يَنْتَظِرُ مَنْ كَانَ حَاضِرًا حَالَةَ التَّحْرِيمَةِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُدْرِكِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ
ــ
[منحة الخالق]
وَلَا يُسْتَغْفَرُ لِصَبِيٍّ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ كَمَا فِي الْفَتْحِ فَفِيهِ الِاسْتِغْفَارُ لِلصَّغِيرِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَغْفَرُ لِلصَّبِيِّ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ كَمَا عَلَّلُوا بِهِ قَوْلَهُ، وَلَا يُسْتَغْفَرُ لِصَغِيرٍ، وَأَمَّا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاسْتِغْفَارَ لِلصَّغِيرِ بَلْ الْمُرَادُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لِعُمُومِ الدَّاعِينَ فَالْمُرَادُ تَأْكِيدُ التَّعْمِيمِ تَأَمَّلْ. ثُمَّ رَأَيْت الْقُهُسْتَانِيَّ أَجَابَ بِذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فِيهَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَفِي الْمُفِيدِ وَيَدْعُو لِوَالِدَيْ الطِّفْلِ وَقِيلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا وَأَعْظِمْ بِهِ أَجْرَهُمَا وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِي الْمُؤْمِنِينَ. اهـ.
ثُمَّ قَالَ الرَّمْلِيُّ وَالْمُرَادُ بِالْعَبْدِ فِي كَلَامِهِ هُنَا الصَّبِيُّ وَقَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فِيهَا كَمَا يَدْعُو لِلْمَيِّتِ لَعَلَّهُ كَمَا يَدْعُو لِأَبَوَيْ الْمَيِّتِ يَعْنِي الصَّغِيرَ وَوَجْهُ كَلَامِهِ أَنَّ السَّيِّدَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ فَإِذَا دَعَا لِأَبَوَيْهِ الْمُسْلِمَيْنِ فَبِالْأَوْلَى الدُّعَاءُ لِسَيِّدِهِ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ مُطْلَقًا فَلَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِالدُّعَاءِ لِوَالِدَيْهِ فَكَذَلِكَ لِسَيِّدِهِ بَلْ يَدْعُو لَهُ كَمَا يَدْعُو لِلْحُرِّ الْكَبِيرِ فَتَأَمَّلْ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَبْدِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الْعَبْدُ الصَّغِيرُ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ الصَّغِيرَ يَدْعُو لِأَبَوَيْهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ الصَّغِيرُ فَالْغَالِبُ كَوْنُ أَبَوَيْهِ كَافِرَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ لِسَيِّدِهِ بَدَلَ أَبَوَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَمْلَ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ عَلَى هَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الدُّعَاءَ لِأَبَوَيْ الْحُرِّ الصَّغِيرِ حَتَّى يَقِيسَ عَلَيْهِ الْعَبْدَ الصَّغِيرَ وَيُجْعَلُ سَيِّدُهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبَوَيْنِ بَلْ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِ الْعَبْدُ الْكَبِيرُ لَكِنَّ الدَّاعِيَ لِلشَّيْخِ خَيْرِ الدِّينِ حَمْلُهُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ مُطْلَقًا إلَخْ.
(قَوْلُهُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَتَبِعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَضِيَّةُ عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا أَدَّاهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَارِعًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ وَحِينَئِذٍ فَتَفْسُدُ التَّكْبِيرَةُ مَعَ أَنَّ الْمَسْطُورَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّهُ يَكُونُ شَارِعًا، وَعَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ مَا أَدَّاهُ وَهَذَا لَمْ أَرَ مَنْ أَفْصَحَ عَنْهُ فَتَدَبَّرْهُ. اهـ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ عَدَمُ شُرُوعِهِ، وَلَا مِنْ اعْتِبَارِ شُرُوعِهِ اعْتِبَارُ مَا أَدَّاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السُّجُودِ صَحَّ شُرُوعُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَا أَدَّاهُ مِنْ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ بَلْ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ إذَا قَامَ إلَى قَضَاءِ مَا سَبَقَ بِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْقُنْيَةِ. اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ.
(قَوْلُهُ مَنْ كَانَ حَاضِرًا حَالَةَ التَّحْرِيمَةِ) قَيَّدَ الْحُضُورَ فِي الدُّرَرِ بِكَوْنِهِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ صَدْرَ عِبَارَةِ الْمُجْتَبَى الْآتِيَةِ رَجُلٌ وَاقِفٌ حَيْثُ يُجْزِئُهُ الدُّخُولُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ ذَكَرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يَأْتِي) أَيْ بِالتَّكْبِيرِ وَيُخَالِفُهُ مَا قَالَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ، فَإِنْ رُفِعَتْ عَلَى الْأَيْدِي، وَلَمْ تُوضَعْ عَلَى الْأَكْتَافِ كَبَّرَ فِي الظَّاهِرِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا إذَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَكْتَافِ، وَإِنْ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ كَبَّرَ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ لَوْ رُفِعَتْ قَطَعَ التَّكْبِيرَ إذَا رُفِعَتْ عَلَى الْأَكْتَافِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ إلَى الْأَرْضِ أَقْرَبَ يَأْتِي بِالتَّكْبِيرِ لَا إذَا كَانَ إلَى الْأَكْتَافِ أَقْرَبَ
стр. 603
الِافْتِتَاحِ بَعْدَ الْإِمَامِ يَقَعُ أَدَاءً لَا قَضَاءً أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ أَوْ لَمْ يُكَبِّرْ، فَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ كَبَّرَ الْحَاضِرُ لِلْأُولَى لِلْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ الْحَاضِرُ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ كَبَّرَ مَعَهُ الثَّانِيَةَ وَقَضَى الْأُولَى لِلْحَالِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى، وَكَذَا إنْ لَمْ يُكَبِّرْ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ يُكَبِّرُ وَيَقْضِي مَا فَاتَهُ لِلْحَالِ قَالَ فِي الْمُحِيطِ
وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ أَرْبَعًا وَالرَّجُلُ حَاضِرٌ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ مَا لَمْ يُسَلِّمْ الْإِمَامُ وَيَقْضِي الثَّلَاثَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ، وَقَدْ فَاتَتْهُ اهـ.
فَمَا فِي الْحَقَائِقِ مِنْ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَاضِرِ لَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ حَاضِرًا وَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَقَدْ صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ مَسْبُوقٌ وَحُضُورُهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ لَا يَجْعَلُهُ مُدْرِكًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَأَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْوَاقِعَاتِ، وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ الْحَاضِرُ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ ثِنْتَيْنِ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُكَبِّرْ الْأُولَى حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى ذَهَبَ مَحَلُّهَا فَكَانَ قَضَاءً وَالْمَسْبُوقُ لَا يَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ اهـ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّهُ يُكَبِّرُ الْأُولَى لِلْحَالِ قَضَاءً، وَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ أَوْلَى قُيِّدَ بِالْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّ اللَّاحِقَ فِيهَا كَاللَّاحِقِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَذَكَرَ فِي الْوَاقِعَاتِ لَوْ كَبَّرَ مَعَ الْإِمَامِ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى، وَلَمْ يُكَبِّرْ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ يُكَبِّرُهُمَا أَوَّلًا ثُمَّ يُكَبِّرُ مَعَ الْإِمَامِ مَا بَقِيَ اهـ. وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُجْتَبَى فِي اللَّاحِقِ.
(قَوْلُهُ وَيَقُومُ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْقَلْبِ وَفِيهِ نُورُ الْإِيمَانِ فَيَكُونُ الْقِيَامُ عِنْدَهُ إشَارَةٌ إلَى الشَّفَاعَةِ لِإِيمَانِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ بَيَانُ الِاسْتِحْبَابِ حَتَّى لَوْ وَقَفَ فِي غَيْرِهِ أَجْزَأَهُ كَذَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﵊ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا
ــ
[منحة الخالق]
وَقِيلَ لَا يَقْطَعُ حَتَّى تَبَاعَدَ. اهـ.
وَلَا يُخَالِفُهُ مَا سَنَذْكُرُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ كَذَا فِي الشرنبلالية (قَوْلُهُ كَبَّرَ الْحَاضِرُ لِلْأُولَى لِلْحَالِ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَقَضَى الْأُولَى لِلْحَالِ) أَيْ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَسَيُنَبِّهُ الْمُؤَلِّفُ عَلَى خِلَافِهِ عَنْ الْوَاقِعَاتِ، وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْمُنْتَقَى بِالْقَافِ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي النَّهْرِ يُكَبِّرُ مَا زَادَ عَلَى التَّحْرِيمَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ نَسَقًا إنْ خَشِيَ رَفْعَ الْمَيِّتِ عَلَى الْأَعْنَاقِ حَتَّى لَوْ رُفِعَ عَلَى الْأَيْدِي كَبَّرَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُدْرِكِ وَاللَّاحِقِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ فَمَا فِي الْمُجْتَبَى مِنْ أَنَّهُ يُكَبِّرُ الْكُلُّ لِلْحَالِ شَاذٌّ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ أَرْبَعًا وَالرَّجُلُ حَاضِرٌ) أَيْ حَاضِرٌ مِنْ أَوَّلِ التَّكْبِيرَاتِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ بَقِيَ مَا لَوْ حَضَرَ بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ وَكَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ بَعْدَ حُضُورِهِ هَلْ يُنْتَظَرُ أَوْ لَا ظَاهِرُ تَقْيِيدِ الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ لَا مَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي حَالَةِ التَّحْرِيمَةِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَاضِرًا وَقْتَهَا فَهُوَ مَسْبُوقٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إنَّمَا هُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَاضِرِ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْحَاضِرِ لَا خِلَافَ فِيهَا فَأَنَّى يُنْسَبُ إلَى أَبِي يُوسُفَ وَحْدَهُ لِذَا ذُكِرَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ غَيْرُ مَعْزُوَّةٍ إلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَعَنْ الْحَسَنِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَدْخُلُ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا مَرَّ مَحَلُّ وِفَاقٍ لَا عَلَى قَوْلِ الثَّانِي فَقَطْ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمُحِيطِ وَمَحَلُّ الْإِيهَامِ فِيمَا لَوْ حَضَرَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَحِينَئِذٍ فَمَا فِي الْحَقَائِقِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ لَا الْحَاضِرِ، وَقَدْ نُقِلَ فِي الشرنبلالية عَنْ التَّجْنِيسِ والولوالجية أَنَّ الْفَتْوَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَالدُّرَرِ وَشَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّ الصَّحِيحَ قَوْلُهُمَا فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ غَيْرُ ظَاهِرٍ (قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) أَيْ أَنَّهُ تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الرَّابِعَةَ، وَهُوَ حَاضِرٌ كَمَا إذَا حَضَرَ بَعْدَمَا كَبَّرَهَا الْإِمَامُ فَإِنَّهَا تَفُوتُهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا مَرَّ وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَبَيْنَ الْغَائِبِ الَّذِي حَضَرَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الْمُحِيطِ وَالرَّجُلُ حَاضِرٌ لَيْسَ احْتِرَازًا عَنْ الْغَائِبِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَإِنَّ مَنْ كَانَ حَاضِرًا وَقْتَهَا لَا يَكُونُ مَسْبُوقًا إذَا كَبَّرَ الثَّانِيَةَ مَعَ الْإِمَامِ أَمَّا إذَا لَمْ يُكَبِّرْهَا مَعَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَسْبُوقًا بِالْأُولَى وَحَاضِرًا فِي الثَّانِيَةِ فَيُتَابِعُهُ فِيهَا وَيَقْضِي الْأُولَى كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْوَاقِعَاتِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ حَضَرَ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ بِلَا انْتِظَارٍ إلَى تَكْبِيرِ الْإِمَامِ بَعْدَهُ سَوَاءً كَانَ فِي ذَلِكَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا فَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ الْأُولَى ثُمَّ حَضَرَ رَجُلٌ وَكَبَّرَ الْإِمَامُ الثَّانِيَةَ وَالرَّجُلُ حَاضِرٌ كَانَ مُدْرِكًا لِهَذِهِ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ أَنْ يُكَبِّرَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ الثَّالِثَةَ وَيَكُونُ مَسْبُوقًا بِوَاحِدَةٍ وَيَقْضِيهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَكَذَا إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَهُوَ حَاضِرٌ يَكُونُ مُدْرِكًا لِأُخْرَاهَا فَيُكَبِّرُهَا وَمَسْبُوقًا بِمَا قَبْلَهَا فَيَقْضِيهَا، وَكَذَا إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ الْأَرْبَعَ، وَهُوَ حَاضِرٌ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّابِعَةِ فَيُكَبِّرُهَا وَيَقْضِي الثَّلَاثَ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ مَحَلُّهَا فَيَكُونُ مَسْبُوقًا بِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُ مَسْبُوقًا بِالرَّابِعَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا بَاقٍ مَا لَمْ يُسَلِّمْ
стр. 604
فَقَامَ وَسَطَهَا» لَا يُنَافِي كَوْنُهُ الصَّدْرَ بَلْ الصَّدْرُ وَسَطٌ بِاعْتِبَارِ تَوَسُّطِ الْأَعْضَاءِ إذْ فَوْقَهُ يَدَاهُ وَرَأْسُهُ وَتَحْتَهُ بَطْنُهُ وَفَخِذَاهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَفَ كَمَا قُلْنَا إلَّا أَنَّهُ مَالَ إلَى الْعَوْرَةِ فِي حَقِّهَا فَظَنَّ الرَّاوِي ذَلِكَ لِتَقَارُبِ الْمَحَلَّيْنِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ، وَلَمْ يُصَلُّوا رُكْبَانًا) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ وَجْهٍ لِوُجُودِ التَّحْرِيمَةِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ الْقِيَامَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ احْتِيَاطًا وَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيَامِ فَإِذَا تَرَكَ الْقِيَامَ انْعَدَمَتْ أَصْلًا فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ رُكْنَهَا الْقِيَامُ فَقَطْ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَعَذَّرَ النُّزُولُ لِطِينٍ وَمَطَرٍ جَازَ الرُّكُوبُ فِيهَا وَأَشَارَ إلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَلَوْ كَانَ وَلِيُّ الْمَيِّتِ مَرِيضًا فَصَلَّى قَاعِدًا وَصَلَّى النَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا مَا أَجْزَأَهُمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُجْزِئُ الْإِمَامَ، وَلَا يُجْزِئُ الْمَأْمُومَ بِنَاءً عَلَى اقْتِدَاءِ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ.
(قَوْلُهُ وَلَا فِي مَسْجِدٍ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا أَجْرَ لَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ» أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ وَالْقَوْمُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْقَوْمُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ الْإِمَامُ مَعَ بَعْضِ الْقَوْمِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْقَوْمُ الْبَاقُونَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَيِّتُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ وَالْقَوْمُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ خِلَافًا لِمَا أَوْرَدَهُ النَّسَفِيُّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ فِي الْكَرَاهَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا بُنِيَ لِلصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَتَوَابِعِهَا مِنْ النَّوَافِلِ وَالذِّكْرِ وَتَدْرِيسِ الْعِلْمِ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِاحْتِمَالِ تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَوْفَقُ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ وَبَعْضَ الْقَوْمِ إذَا كَانَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْبَاقُونَ فِيهِ لَا كَرَاهَةَ اتِّفَاقًا مَمْنُوعٌ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْحَدِيثَ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي مَسْجِدٍ ظَرْفًا لِلصَّلَاةِ وَالْمَيِّتِ وَحِينَئِذٍ فَلِلْكَرَاهَةِ شَرْطَانِ كَوْنُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَوْنُ الْمَيِّتِ فِيهِ فَإِذَا فُقِدَ أَحَدُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ، الثَّانِي أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلصَّلَاةِ فَقَطْ فَلَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْقَوْمُ كُلُّهُمْ خَارِجَهُ، الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْمَيِّتِ فَقَطْ وَحِينَئِذٍ حَيْثُ كَانَ خَارِجَهُ فَلَا كَرَاهَةَ، وَمَا اخْتَارُوهُ كَمَا نَقَلْنَاهُ لَمْ يُوَافِقْ وَاحِدًا مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِالْكَرَاهَةِ إذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ: الْمُصَلِّي أَوْ الْمَيِّتُ، كَمَا قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وَتُكْرَهُ سَوَاءً كَانَ الْمَيِّتُ وَالْقَوْمُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ أَحَدُهُمَا وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ بِعَيْنِهِ قَالُوا بِالْكَرَاهَةِ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا أَيًّا كَانَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الصَّلَاةِ رَاكِبًا، وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مَعَ أَنَّ فِيهِ إيهَامًا؛ لِأَنَّ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ أَصْلًا، وَفِي الْمَعْطُوفِ هِيَ صَحِيحَةٌ وَالْأُخْرَى أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ نَهْيًا غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وَلَا قَرَنَ الْفِعْلَ بِوَعِيدٍ بِظَنِّيٍّ بَلْ سَلَبَ الْأَجْرَ، وَسَلْبُ الْأَجْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ ثُمَّ قَرَّرَ تَقْرِيرًا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِالْجَوَازِ فِي الْمَسْجِدِ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ خَارِجُهُ، وَهُوَ مَعْنَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ اهـ.
لَكِنْ تَتَرَجَّحُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي
ــ
[منحة الخالق]
الْإِمَامُ وَكَلَامُ الْوَاقِعَاتِ مُشِيرٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا وَحِينَئِذٍ فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْمَسْبُوقِ بِالْأَرْبَعِ بِأَنْ حَضَرَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ لَا يُمْكِنُهُ التَّكْبِيرُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْإِمَامِ تَكْبِيرٌ لِيُتَابِعَهُ فِيهِ فَتَفُوتُهُ الصَّلَاةُ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فِيهِ نَظَرٌ) أَجَابَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا لِذَاتِهِ إلَّا الْقِيَامُ، وَأَمَّا التَّكْبِيرَاتُ فَإِنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَرْكَانًا إلَّا أَنَّ مَعْنَى الِانْتِقَالِ لَا يُفَارِقُهَا فَهِيَ مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا.
[الصَّلَاة عَلَيَّ الْمَيِّت فِي الْمَسْجِدِ]
(قَوْلُهُ مَمْنُوعٌ) قَالَ فِي النَّهْرِ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ كَلَامِهِمْ بِأَنَّ نَفْيَ الْكَرَاهَةِ اتِّفَاقًا فِي حَقِّ مَنْ كَانَ خَارِجًا وَإِثْبَاتَهَا فِيمَنْ كَانَ دَاخِلًا وَهَذَا لَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِهَا فِي حَقِّ الْخَارِجِ بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ فَتَدَبَّرْهُ. اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّ الْمُؤَلِّفَ بَنَى الْمَنْعَ عَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَهُ بِمَا لَمْ يُبْنَ لَهُ نَعَمْ يَظْهَرُ التَّوْفِيقُ عَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ لَكِنْ تُرَجَّحُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ فِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ كَوْنِهِ، مِثْلُ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ» ثُمَّ نُقِلَ عَنْ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ قُطْبِ الدِّينِ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ أَنَّهُ أَفْتَى بِالْجَوَازِ وَعَدَمِ الْكَرَاهَةِ كَمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ذَكَرَهَا فِي الْمُحِيطِ لِتَظَافُرِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا يُؤَدِّي إلَى تَأْثِيمِ السَّلَفِ، وَقَدْ رَأَيْت رِسَالَةً لِلْمُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي مُؤَدَّاهَا ذَلِكَ أَيْضًا لَكِنْ رَدَّ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ عَلَى قُطْبِ الدِّينِ بِأَنَّهُ لَا يُفْتَى بِخِلَافِ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ جَدِيرٌ بِالتَّرْجِيحِ لِمَا شَاهَدْنَا فِي عَصْرِنَا مِنْ نُفَسَاءَ مَاتَتْ فَوُضِعَتْ فِي بَابِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ ضَمَّخَ الْعَتَبَةَ فَالِاحْتِيَاطُ عَدَمُ الْإِدْخَالِ، وَلَعَلَّ أَهْلَ الْحَرَمَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِنَا. اهـ.
وَلِلْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ رِسَالَةٌ خَاصَّةٌ نَقَلَ فِيهَا الْكَرَاهَةَ عَنْ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ وَحَقَّقَ أَنَّهَا تَحْرِيمِيَّةٌ
стр. 605
رَوَاهَا الطَّيَالِسِيُّ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الْقَاسِمِيَّةِ مَنْ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ كَصَاحِبِ الْمَجْمَعِ الْمَسْجِدَ بِالْجَمَاعَةِ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَرِزُونَ بِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ الْمَبْنِيِّ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا لَا تُكْرَهُ فِيهِ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ؛ لِأَنَّهُ مَا أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً وَحَاجَةُ النَّاسِ مَاسَّةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَيْهِمْ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي مُصَلَّى الْعِيدَيْنِ أَنَّهُ هَلْ هُوَ مَسْجِدٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَسْجِدٌ فِي حَقِّ جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ؛ لِأَنَّهُ أُعِدَّ لِلصَّلَاةِ حَقِيقَةً لَا فِي حُرْمَةِ دُخُولِ الْجُنُبِ وَالْحَائِض كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وَكَلَامَهُمْ أَنَّهُ لَا أَجْرَ أَصْلًا لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ سُقُوطِ الْفَرْضِ لِعَدَمِ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ ﵀ مَا إذَا اجْتَمَعَتْ الْجَنَائِزُ لِلصَّلَاةِ قَالُوا الْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ صَلَّى عَلَيْهِمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ شَاءَ صَلَّى عَلَى كُلِّ جِنَازَةِ صَلَاةً عَلَى حِدَةٍ، فَإِنْ أَرَادَ الثَّانِي فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَفْضَلَ فَالْأَفْضَلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وَضْعِهَا، فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ مُتَّحِدًا، فَإِنْ شَاءُوا جَعَلُوهَا صَفًّا وَاحِدًا كَمَا يَصْطَفُّونَ فِي حَالِ حَيَاتِهِمْ عِنْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ شَاءُوا وَضَعُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ لِيَقُومَ الْإِمَامُ بِحِذَاءِ الْكُلِّ هَذَا جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ الثَّانِي أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ وَإِذَا وَضَعُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ثُمَّ إنْ وَضَعَ رَأْسَ كُلِّ وَاحِدٍ بِحِذَاءِ رَأْسِ صَاحِبِهِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ وَضَعَ رَأْسَ كُلِّ وَاحِدٍ عِنْدَ مَنْكِبِ الْأَوَّلِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وُضِعَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ ثُمَّ الصَّبِيُّ وَرَاءَهُ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْمَرْأَةُ ثُمَّ الصَّبِيَّةُ
وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُجْعَلَ الْحُرُّ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَيُقَدَّمُ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَوْ كَانَ الْحُرُّ صَبِيًّا كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَامْرَأَةً حُرَّةً فَالْعَبْدُ يُوضَعُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَوَضَعَهُمْ عَلَى عَكْسِ هَذَا فَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ إلَى الْقِبْلَةِ وَفِي الرَّجُلَيْنِ يُقَدَّمُ أَكْبَرُهُمَا سِنًّا وَقُرْآنًا وَعِلْمًا كَمَا فَعَلَهُ ﵇ فِي قَتْلَى أُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ. اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ قُدِّمَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ اعْتِبَارًا بِحَالِ الْحَيَاةِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَصَبِيٌّ وَخُنْثَى وَصَبِيَّةٌ دُفِنَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ثُمَّ الصَّبِيُّ خَلْفَهُ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْأُنْثَى ثُمَّ الصَّبِيَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ هَكَذَا يَصْطَفُّونَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَالَةَ الْحَيَاةِ وَهَكَذَا تُوضَعُ جَنَائِزُهُمْ عِنْدَ الصَّلَاةِ فَكَذَا فِي الْقَبْرِ اهـ. وَهُوَ سَهْوٌ فِي قَوْلِهِ وَهَكَذَا تُوضَعُ جَنَائِزُهُمْ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عَلَى عَكْسِهِ.
(قَوْلُهُ، وَمَنْ اسْتَهَلَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَا) اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ أَنْ يَقَعَ حَيًّا تَدْرِيسٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَضَبَطَهُ فِي الْعِنَايَةِ بِأَنَّهُ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَفِي الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاتِهِ مِنْ رَفْعِ صَوْتٍ أَوْ حَرَكَةِ عُضْوٍ، وَلَوْ أَنْ يَطْرِفَ بِعَيْنِهِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ حُكْمَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُغَسَّلَ وَأَنْ يَرِثَ وَيُورَثَ وَأَنْ يُسَمَّى، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ حَيًّا لِإِكْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ يَحْتَاج أَبُوهُ إلَى أَنْ يَذْكُرَ اسْمَهُ عِنْدَ الدَّعْوَى بِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ بِوُجُودِ الْحَيَاةِ فِيهِ إلَى أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِمَا فِي الْمُحِيطِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا خَرَجَ بَعْضُ الْوَلَدِ وَتَحَرَّكَ ثُمَّ مَاتَ، فَإِنْ كَانَ خَرَجَ أَكْثَرُهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلُّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ اهـ.
وَفِي آخِرِ الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ الْوَلَدُ إذَا خَرَجَ رَأْسُهُ، وَهُوَ يَصِيحُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ لَمْ يَرِثْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ أَكْثَرُ بَدَنِهِ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ ذَبَحَهُ رَجُلٌ حَالَ مَا يَخْرُجُ رَأْسُهُ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ، وَإِنْ
ــ
[منحة الخالق]
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ - (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ مُتَّحِدًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا يُوهِمُ انْحِصَارَ جَوَازِ الصَّفِّ الْوَاحِدِ فِي مُتَّحِدِ الْجِنْسِ، وَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة يُخَالِفُهُ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِلْحَلَبِيِّ، وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْجَنَائِزُ جَازَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِمْ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَجْعَلُونَ وَاحِدًا خَلْفَ وَاحِدٍ وَيُجْعَلُ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ الْخَنَاثَى ثُمَّ النِّسَاءُ، وَإِنْ شَاءُوا جَعَلُوهُمْ صَفًّا وَاحِدًا. اهـ.
فَفِيهِ كَمَا تَرَى جَوَازُ الشَّيْئَيْنِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ سَهْوٌ إلَخْ) أَقُولُ: هُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَقَدْ ذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ هُنَا فِي فَصْلِ الدَّفْنِ وَذَكَرَ قَبْلَهُ فِي فَصْلِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُوضَعُ الرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالنِّسَاءُ خَلْفَ الرِّجَالِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّهُمْ هَكَذَا يَصْطَفُّونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ ثُمَّ إنَّ الرِّجَالَ يَكُونُونَ أَقْرَبَ إلَى الْإِمَامِ مِنْ النِّسَاءِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ يُوضَعُ النِّسَاءُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالرِّجَالَ خَلْفَهُنَّ؛ لِأَنَّ فِي الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ صَفُّ النِّسَاءِ خَلْفَ صَفِّ الرِّجَالِ إلَى الْقِبْلَةِ فَكَذَا فِي وَضْعِ الْجَنَائِزِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةُ رَجُلٍ وَصَبِيٍّ وَخُنْثَى وَامْرَأَةٍ وَصَبِيَّةٍ وُضِعَ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالصَّبِيُّ وَرَاءَهُ ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْمَرْأَةُ ثُمَّ الصَّبِيَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ هَكَذَا يَقُومُونَ فِي الصَّفِّ خَلْفَ الْإِمَامِ حَالَ الْحَيَاةِ فَيُوضَعُونَ كَذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ تَدْرِيسٌ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ هُوَ تَعْلِيمٌ مِنْ حَيْثُ التَّفَرُّسُ فِي أَنَّ لَهُ حَيَاةً لَا أَنْ يَشْهَدَ لَهُ اللُّغَةُ
стр. 606
قَطَعَ أُذُنَهُ وَخَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَالْبَدَائِعِ اُخْتُلِفَ فِي الِاسْتِهْلَالِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الصِّيَاحَ وَالْحَرَكَةَ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ وَقَالَا يُقْبَلُ قَوْلُ النِّسَاءِ فِيهِ إلَّا الْأُمُّ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الْمِيرَاثِ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهَا مُتَّهَمَةٌ بِجَرِّهَا الْمَغْنَمَ إلَى نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ النِّسَاءِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَشْهَدَ لَا يَشْهَدُهُ الرِّجَالُ وَقَوْلُ الْقَابِلَةِ مَقْبُولٌ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِمْ وَأُمُّهُ كَالْقَابِلَةِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ لَكِنْ قُيِّدَ بِالْعَدَالَةِ فَقَالَ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي الدِّيَانَاتِ مَقْبُولٌ إذَا كَانَ عَدْلًا اهـ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْحَرَكَةُ دَلِيلَ الْحَيَاةِ قَالُوا الْحُبْلَى إذَا مَاتَتْ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ يَضْطَرِبُ يُشَقُّ بَطْنُهَا وَيُخْرَجُ الْوَلَدُ لَا يَسَعُ إلَّا ذَلِكَ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا لَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يُغَسَّلَ، وَلَا يَرِثَ وَلَا يُورَثَ، وَلَا يُسَمَّى وَاتَّفَقُوا عَلَى مَا عَدَا الْغُسْلَ وَالتَّسْمِيَةَ وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَدَمُهُمَا وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِعْلَهُمَا، وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ مِنْ وَجْهٍ، وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ إذَا وُضِعَ الْمَوْلُودُ سِقْطًا تَامَّ الْخِلْقَةِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ يُغَسَّلُ إكْرَامًا لِبَنِي آدَمَ وَقَالَا يُدْرِجُ فِي خِرْقَةٍ وَلَا يُغَسَّلُ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَامَّ الْخَلْقِ لَا يُغَسَّلُ إجْمَاعًا اهـ.
وَبِهَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْخُلَاصَةِ مِنْ أَنَّ السِّقْطَ الَّذِي لَمْ تَتِمَّ خِلْقَةُ أَعْضَائِهِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ اهـ.
لِمَا سَمِعْت مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ غُسْلِهِ وَلَعَلَّهُ سَبَقَ نَظَرُهُمَا إلَى الَّذِي تَمَّ خَلْقُهُ أَوْ سَهْوٌ مِنْ الْكَاتِبِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ هُنَا بِأَنَّ مَنْ وُلِدَ مَيِّتًا لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا فِي آخِرِ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ الْمُقَطَّعَاتِ وَمَتَى انْفَصَلَ الْحَمْلُ مَيِّتًا إنَّمَا لَا يَرِثُ إذَا انْفَصَلَ بِنَفْسِهِ فَأَمَّا إذَا فُصِلَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ بَيَانُهُ إذَا ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَهَذَا الْجَنِينُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ عَلَى الضَّارِبِ الْغُرَّةَ وَوُجُوبُ الضَّمَانِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ وَإِذَا حَكَمْنَا بِحَيَاتِهِ كَانَ لَهُ الْمِيرَاثُ وَيُورَثُ عَنْهُ نَصِيبُهُ كَمَا يُورَثُ عَنْهُ بَدَلُ نَفْسِهِ، وَهُوَ الْغُرَّةُ اهـ.
وَهَكَذَا فِي آخِرِ الْمَبْسُوطِ مِنْ مِيرَاثِ الْحَمْلِ، وَفِي الْمُبْتَغَى السِّقْطُ الَّذِي لَمْ تَتِمَّ أَعْضَاؤُهُ هَلْ يُحْشَرُ قِيلَ إذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ يُحْشَرُ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ إذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ يُحْشَرُ اهـ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ إذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ فَإِنَّهُ يُحْشَرُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ اهـ.
(قَوْلُهُ كَصَبِيٍّ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) أَيْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُمَا لِلْحَدِيثِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ» إلَى آخِرِهِ وَتَقَدَّمَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مَعْنَى الْفِطْرَةِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ لِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ خَيْرَهُمَا دِينًا وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ (أَوْ هُوَ) أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَ وَأَبَوَاهُ كَافِرَانِ لِصِحَّةِ إسْلَامِهِ عِنْدَنَا وَأَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنْ يَعْقِلَ الْإِسْلَامَ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ فَقِيلَ أَنْ يَعْقِلَ الْمَنَافِعَ وَالْمَضَارَّ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ هُدًى وَاتِّبَاعَهُ خَيْرٌ لَهُ ذَكَرَهُ فِي الْعِنَايَةِ وَفَسَّرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنْ يَعْقِلَ صِفَةَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَا فِي الْحَدِيثِ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ أَيْ بِوُجُودِهِ وَبِرُبُوبِيَّتِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ وَمَلَائِكَتِهِ أَيْ بِوُجُودِ مَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ أَيْ إنْزَالِهَا وَرُسُلِهِ أَيْ إرْسَالِهِمْ إلَيْهِمْ ﵈ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَيْ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى» وَهَذَا دَلِيلُ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْإِسْلَامِ مَا لَمْ يُؤْمِنْ بِمَا ذَكَرْنَا، وَعَلَى
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ) فِيهِ غَفْلَةٌ عَنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلتَّسْمِيَةِ وَعَدَمُهَا نَعَمْ فِي التَّبْيِينِ وَاخْتَلَفُوا فِي غَسْلِهِ وَتَسْمِيَتُهُ فَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُسَمَّ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُسَمَّى. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْفَيْضِ وَالْمَجْمُوعِ، وَفِي تَسْمِيَتِهِ كَلَامٌ قَالَهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ (قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ سَبَقَ نَظَرُهُمَا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ عَزَاهُ فِي الدِّرَايَةِ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالْمُحِيطِ أَفَسَبَقَ نَظَرُ السَّرَخْسِيِّ وَصَاحِبِ الْمُحِيطِ أَيْضًا كَلًّا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ السِّقْطُ الَّذِي لَمْ تَتِمَّ أَعْضَاؤُهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَاخْتَلَفُوا فِي غَسْلِهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُدْفَنُ مَلْفُوفًا بِخِرْقَةٍ وَعَزَاهُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ إلَى النِّهَايَةِ قَالَ وَجَزَمَ بِهِ فِي عُمْدَةَ الْمُفْتِي وَالْفَيْضِ وَالْمَجْمُوعِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْمُبْتَغَى ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي الْمَنْبَعِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ إجْمَاعًا، وَفِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ وَغُرَرِ الْأَذْكَارِ اتِّفَاقًا، وَمَا فِي الْبَحْرِ غَيْرُ وَاضِحٍ بَلْ الظَّاهِرُ تَضْعِيفُ الْإِجْمَاعِ وَالِاتِّفَاقِ. اهـ.
لَكِنْ فِي الشرنبلالية يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ مَنْ نَفَى غُسْلَهُ أَرَادَ الْغُسْلَ الْمُرَاعَى فِيهِ وَجْهُ السُّنَّةِ، وَمِنْ أَثْبَتَهُ أَرَادَ الْغُسْلَ فِي الْجُمْلَةِ كَصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَتَرْتِيبٍ لِفِعْلِهِ كَغُسْلِهِ ابْتِدَاءً بِحُرْضٍ وَسِدْرٍ.
(قَوْلُهُ وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ الْمُرَادُ بِالْعَاقِلِ الْمُمَيِّزُ، وَهُوَ مَنْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ فَمَا فَوْقَهَا فَلَوْ ادَّعَى أَبُوهُ أَنَّهُ ابْنُ خَمْسٍ وَأُمُّهُ أَنَّهُ ابْنُ سَبْعٍ عُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَرُجِعَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَا قِيلَ فِي الْحَضَانَةِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَبَوَيْنِ فِي سِنِّهِ إذَا كَانَ يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَشْرَبُ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِي وَحْدَهُ فَابْنُ سَبْعٍ وَإِلَّا فَلَا (قَوْلُهُ وَهَذَا دَلِيلُ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْإِسْلَامِ فِي نَفْسِ
стр. 607
هَذَا قَالُوا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَاسْتَوْصَفَهَا صِفَةَ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَعْرِفْهُ لَا تَكُونُ مُسْلِمَةً وَالْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ مَا يَظْهَرُ مِنْ التَّوَقُّفِ فِي جَوَابِ مَا الْإِيمَانُ؟ مَا الْإِسْلَامُ؟ كَمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِ الْعَوَامّ لِقُصُورِهِمْ فِي التَّعْبِيرِ بَلْ قِيَامُ الْجَهْلِ بِذَلِكَ بِالْبَاطِنِ مَثَلًا بِأَنَّ الْبَعْثَ هَلْ يُوجَدُ أَوْ لَا؟ وَأَنَّ الرُّسُلَ وَإِنْزَالَ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَانَ أَوْ لَا؟ لَا يَكُونُ فِي اعْتِقَادِهِ اعْتِقَادُ طَرَفِ الْإِثْبَاتِ لِلْجَهْلِ الْبَسِيطِ فَعَنْ ذَلِكَ قَالَتْ لَا أَعْرِفُهُ وَقَلَّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ لِمَنْ نَشَأَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّا نَسْمَعُ مِمَّنْ قَدْ يَقُولُ فِي جَوَابِ مَا قُلْنَا لَا أَعْرِفُ، وَهُوَ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالْإِقْرَارِ وَالْخَوْفِ مِنْ النَّارِ وَطَلَبِ الْجَنَّةِ بِمَكَانٍ بَلْ وَذَكَرَ مَا يَصْلُحُ اسْتِدْلَالًا فِي أَثْنَاءِ أَحْوَالِهِمْ وَتَكَلُّمِهِمْ عَلَى التَّصْرِيحِ مَا يُصَرِّحُ بِاعْتِقَادِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ خَاصٍّ مَنْظُومٍ وَعِبَارَةٍ عَالِيَةٍ خَاصَّةٍ فَيُحْجِمُونَ عَنْ الْجَوَابِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْأَلَ الْعَامِّيُّ وَالْمَرْأَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِأَنْ يُقَالَ مَا الْإِيمَانُ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَمَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ بِحَضْرَتِهِمَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ هَلْ أَنْتَ مُصَدِّقٌ بِهَذَا فَإِذَا قَالَ نَعَمْ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا.
وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ (أَوْ لَمْ يُسْبَ أَحَدُهُمَا مَعَهُ) أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ تَبَعًا لِدَارِ الْإِسْلَامِ، وَفِي التَّبْيِينِ أَيْ إذَا لَمْ يُسْبَ مَعَ الصَّبِيِّ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَحِينَئِذٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ تَبَعًا لِلسَّابِي أَوْ الدَّارِ اهـ.
فَجَعَلَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ شَامِلًا لِتَبَعِيَّةِ السَّابِي وَلِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَبَعِيَّةِ السَّابِي فَإِنَّ السَّبْيَ فِي اللُّغَةِ الْأَسْرُ وَالسَّبْيُ الْأَسْرَى الْمَحْمُولُونَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ كَمَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ وَفَائِدَةُ تَبَعِيَّةِ السَّابِي إنَّمَا تَظْهَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِأَنْ وَقَعَ صَبِيٌّ فِي سَهْمِ رَجُلٍ وَمَاتَ الصَّبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ تَبَعًا لِلسَّابِي وَظَاهِرُ مَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى يُسَمَّى سَبْيًا، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاخْتُلِفَ بَعْدَ تَبَعِيَّةِ الْوِلَادِ فَاَلَّذِي فِي الْهِدَايَةِ تَبَعِيَّةُ الدَّارِ، وَفِي الْمُحِيطِ عِنْدَ عَدَمِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ يَكُونُ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْيَدِ وَعِنْدَ عَدَمِ صَاحِبِ الْيَدِ يَكُونُ تَبَعًا لِلدَّارِ وَلَعَلَّهُ أَوْلَى فَإِنَّ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ صَبِيٌّ مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَمَاتَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُجْعَلُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِصَاحِبِ الْيَدِ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْيَدِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَوْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا لِمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ تَقَدُّمِ تَبَعِيَّةِ الْيَدِ عَلَى الدَّارِ
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى التَّبَعِيَّةِ بِالْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ الِاخْتِلَافِ فِي تَقْدِيمِ الدَّارِ عَلَى الْيَدِ فَصَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَقَاضِي خَانْ وَجَمْعٌ عَلَى تَقْدِيمِ الدَّارِ عَلَى الْيَدِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ لِمَا نَقَلَهُ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَوْ سَرَقَ ذِمِّيٌّ صَبِيًّا وَأَخْرَجَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَاتَ الصَّبِيُّ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِتَبَعِيَّةِ الدَّارِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْأَخْذُ حَتَّى وَجَبَ تَخْلِيصُهُ مِنْ يَدِهِ اهـ.
وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ تَقْدِيمًا لِتَبَعِيَّةِ الْيَدِ عَلَى الدَّارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الصَّبِيِّ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ
ــ
[منحة الخالق]
الْأَمْرِ، وَإِلَّا فَفِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ يُكْتَفَى بِالْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا فِي الْبَاطِنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بَاطِنًا كَالْمُنَافِقِ فَهُوَ مُسْلِمٌ حُكْمًا وَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْرُهُ مُفَوَّضٌ إلَى رَبِّهِ تَعَالَى وَكَمْ كَانَ مِنْ مُنَافِقٍ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ ﵊ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مُخْتَصَرِ أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ لِلزُّهَيْرِيِّ عَنْ الْبَدَائِعِ الْكُفَّارُ أَصْنَافٌ أَرْبَعَةٌ صِنْفٌ يُنْكِرُونَ الصَّانِعَ وَهُمْ الدَّهْرِيَّةُ وَصِنْفٌ يُنْكِرُونَ الْوَحْدَانِيَّةَ وَهُمْ الثَّنَوِيَّةُ وَالْمَجُوسُ وَصِنْفٌ يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَيُنْكِرُونَ الرِّسَالَةَ رَأْسًا وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَصِنْفٌ يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وَتَوْحِيدِهِ وَالرِّسَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنَّهُمْ يُنْكِرُونَ رِسَالَةَ رَسُولِنَا ﵊ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّالِثِ فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يُحْكَمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ هَذِهِ فَكَانَ الْإِقْرَارُ بِهَا دَلِيلَ الْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الرَّابِعِ فَأَتَى بِهِمَا لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يَتَبَرَّأَ عَنْ الدِّينِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُقِرُّ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﵊ لَكِنَّهُ يَقُولُ بُعِثَ إلَى الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ. اهـ. مُلَخَّصًا.
ثُمَّ نُقِلَ عَنْ قَاضِي خَانْ أَنَّ فِي الذِّمِّيِّ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا وَدَخَلْت فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ أَنَّهُ كَمَا يَصِحُّ الْإِسْلَامُ بِالْقَوْلِ يَصِحُّ بِالْفِعْلِ وَسُمِّيَ إيمَانًا بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ كَانَ كَمَا إذَا صَلَّى بِجَمَاعَةٍ أَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ أَحْرَمَ وَطَافَ أَوْ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ أَدَّى زَكَاةَ الْإِبِلِ أَوْ أَذَّنَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ مَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ أَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي السَّبْيِ، وَهُوَ مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُسَمَّى سَبْيًا فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِ السَّابِي قُلْت الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ ظَاهِرَهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِمَا فِي الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ؛ لِأَنَّهُمَا ذَكَرَا أَنَّهُ يُقَالُ سَبَى الْعَدُوَّ سَبْيًا وَسَبَاهُ أَسَرَهُ كَاسْتَبَاهُ فَهُوَ سَبْيٌ وَهِيَ سَبْيٌ أَيْضًا، وَالْجَمْعُ سَبَايَا فَأَفَادَ أَنَّ السَّبْيَ يُطْلَقُ عَلَى الْأَسْرِ، وَعَلَى الْمَأْسُورِ
стр. 608
بِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَقَيَّدَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ بِغَيْرِ الْعَاقِلِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا اسْتَقَلَّ بِإِسْلَامِهِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرِدَّةٍ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمَا. اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ فَإِنَّهُ عَلَّلَ تَبَعِيَّةَ الْيَدِ بِأَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ وَعَزَاهُ إلَى شَرْحِ الزِّيَادَاتِ فَظَاهِرُهُمَا أَنَّهُ لَوْ سُبِيَ صَبِيٌّ عَاقِلٌ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَافِرًا تَبَعًا لِأَبِيهِ الْكَافِرِ وَيَكُونُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِلدَّارِ وَيَحْتَاجُ إلَى صَرِيحِ النَّقْلِ وَكَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْوَلَدَ تَابِعًا لِأَبَوَيْهِ إلَى الْبُلُوغِ وَلَا تَزُولُ التَّبَعِيَّةُ إلَى الْبُلُوغِ نَعَمْ تَزُولُ التَّبَعِيَّةُ إذَا اعْتَقَدَ دِينًا غَيْرَ دِينِ أَبَوَيْهِ إذَا عَقَلَ الْأَدْيَانَ فَحِينَئِذٍ صَارَ مُسْتَقِلًّا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَالْمَرْأَةُ حَامِلٌ فَوَضَعَتْ الْمَرْأَةُ الْوَلَدَ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَحُكْمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ يُخَالِفُ حُكْمَ الْمِيرَاثِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبَعِيَّةِ التَّبَعِيَّةُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لَا فِي الْعُقْبَى فَلَا يُحْكَمُ بِأَنَّ أَطْفَالَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَلْبَتَّةَ بَلْ فِيهِ خِلَافٌ قِيلَ يَكُونُونَ خَدَمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَقِيلَ إنْ كَانُوا قَالُوا: بَلَى يَوْمَ أُخِذَ الْعَهْدُ عَنْ اعْتِقَادٍ فَفِي الْجَنَّةِ وَإِلَّا فَفِي النَّارِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِمْ إنِّي أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَهَذَا يَنْفِي التَّفْصِيلَ وَتَوَقَّفَ فِيهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْقُنْيَةِ صَبِيٌّ سُبِيَ مَعَ أَبِيهِ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ مَاتَ الصَّبِيُّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِتَقَرُّرِ التَّبَعِيَّةِ بِالْمَوْتِ اهـ.
وَحُكْمُ الْمَجْنُونِ الْبَالِغِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَحُكْمِ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ فَيَكُونُ فِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ فِي التَّبَعِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ.
(قَوْلُهُ وَيُغَسِّلُ وَلِيُّ مُسْلِمٍ الْكَافِرَ وَيُكَفِّنُهُ وَيَدْفِنُهُ) بِذَلِكَ أَمَرَ عَلِيٌّ ﵁ أَنْ يُفْعَلَ بِأَبِيهِ حِينَ مَاتَ وَهَذِهِ عِبَارَةٌ مَعِيبَةٌ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِوَلِيِّ الْكَافِرِ، وَمَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقَرِيبَ فَغَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى نَفْسِ التَّعْبِيرِ بِهِ بَعْدَ إرَادَةِ الْقَرِيبِ بِهِ وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَالْأُخْتِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ تَجْهِيزِ الْمُسْلِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُغَسَّلُ غُسْلَ الثَّوْبِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، وَلَا بُدَاءَةٍ بِالْمَيَامِنِ، وَلَا يَكُونُ الْغُسْلُ طَهَارَةً لَهُ حَتَّى لَوْ حَمَلَهُ إنْسَانٌ وَصَلَّى لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ وَيُلَفُّ فِي خِرْقَةٍ بِلَا اعْتِبَارِ عَدَدٍ، وَلَا حَنُوطٍ، وَلَا كَافُورٍ وَيُحْفَرُ لَهُ حَفِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ سُنَّةِ اللَّحْدِ وَلِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْكَافِرِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الْمُرْتَدِّ أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُكَفَّنُ، وَإِنَّمَا يُلْقَى فِي حَفِيرَةٍ كَالْكَلْبِ، وَلَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ انْتَقَلَ إلَى دِينِهِمْ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلِأَنَّهُ أَطْلَقَ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ كَافِرٌ، فَإِنْ كَانَ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ مِنْ بَعِيدٍ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالْوَلِيِّ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا مَاتَ، وَلَهُ قَرِيبٌ كَافِرٌ فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا يَتَوَلَّى تَجْهِيزَهُ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَافِرُ فِي قَبْرِ قَرَابَتِهِ الْمُسْلِمِ لِيَدْفِنَهُ، وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُمَكَّنُ مِنْ تَجْهِيزِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ إذَا مَاتَ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يُوجَدْ رَجُلٌ يُغَسِّلُهُ يُعَلِّمُ النِّسَاءُ الْكَافِرَ فَاسْتِدْلَالٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا وُجِدَ الْمُسْلِمُونَ وَدَلِيلُهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ الرِّجَالِ أَحَدٌ فَلَوْ قَالَ وَيُغَسِّلُ وَيُكَفِّنُ وَيَدْفِنُ الْمُسْلِمُ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ لَكَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ
ــ
[منحة الخالق]
أَيْ عَلَى الْمَصْدَرِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ قَيْدِ الْحَمْلِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ نَعَمْ ذُكِرَ ذَلِكَ الْقَيْدُ فِي سَبْيِ الْخَمْرَةِ فَيُقَالُ سَبَيْت الْخَمْرَةَ سَبْيًا وَسِبَاءً إذَا حَمَلْتهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَهِيَ سَبِيَّةٌ (قَوْلُهُ وَكَلَامُهُمْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ) قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ فِي فَصْلِ الْحَاكِمِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِلدَّارِ ثُمَّ لِلسَّابِي مَا نَصُّهُ الَّذِي فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَيَسْتَوِي فِيمَا قُلْنَا أَنْ يَعْقِلَ أَوْ لَا يَعْقِلَ إلَى هَذَا أَشَارَ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ فِي شَرْحِهِ أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ يُجْعَلُ مُسْلِمًا تَبَعًا سَوَاءً كَانَ الصَّغِيرُ عَاقِلًا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الِابْنَ يَتْبَعُ خَيْرَ الْأَبَوَيْنِ دِينًا. اهـ.
أَقُولُ: وَرَأَيْته أَيْضًا فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ لِلْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ فِي بَابِ الْوَقْتِ الَّذِي يُمَكَّنُ فِيهِ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ خَطَأُ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ فَقَدْ نَصَّ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ مُسْلِمًا يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ. اهـ وَنَصَّ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ التَّبَعِيَّةَ تَنْتَهِي بِبُلُوغِهِ عَاقِلًا.
(قَوْلُهُ وَهَذِهِ عِبَارَةٌ مَعِيبَةٌ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ إنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَفْظُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مَعِيبَةٌ إذْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ إطْلَاقَ الْوَلِيِّ عَلَى الْقَرِيبِ مَجَازٌ لَكِنْ بِقَرِينَةٍ وَهِيَ مَا اُشْتُهِرَ أَنَّهُ لَا تَوَالِي بَيْنَ كَافِرٍ وَمُسْلِمٍ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا عَيْبَ فِي الْمَجَازِ الَّذِي مَعَهُ قَرِينَةٌ فِي الْحُدُودِ فَمَا بَالُك فِي غَيْرِهَا، وَلَا نُسَلِّمُ أَيْضًا أَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ جَوَازُ الْغُسْلِ قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ الْكَافِرِ مَنْ يَقُومُ بِهِ مِنْ أَقَارِبِهِ فَالْأَوْلَى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُمْ كَذَا فِي السِّرَاجِ وَبِهَذَا الْقَدْرِ لَا يَنْتَفِي الْجَوَازُ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَقَدْ تُعُورِفَ إخْرَاجُهُ مِنْ لَفْظِ الْكَافِرِ فَتَدَبَّرْ. وَحَيْثُ كَانَتْ الْعِبَارَةُ وَاقِعَةً مِنْ إمَامِ الْمَذْهَبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَنِسْبَةُ الْعَيْبِ وَعَدَمِ التَّحْرِيرِ إلَيْهَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي كَيْفَ وَقَدْ تَبِعَهُ فِي ذَلِكَ كِبَارُ
стр. 609
سَرِيرُهُ بِقَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ) بِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّةُ وَفِيهِ تَكْثِيرُ الْجَمَاعَةِ وَزِيَادَةُ الْإِكْرَامِ وَالصِّيَانَةِ وَيَرْفَعُونَهُ أَخْذًا بِالْيَدِ لَا وَضْعًا عَلَى الْعُنُقِ كَمَا تُحْمَلُ الْأَمْتِعَةُ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْكَرْخِيِّ وَيُكْرَهُ أَنْ يُحْمَلَ بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ مِنْ مُقَدَّمِهِ أَوْ مُؤَخَّرِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ التَّرْبِيعُ وَيُكْرَهُ حَمْلُهُ عَلَى الظَّهْرِ وَالدَّابَّةِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الصَّبِيَّ الرَّضِيعَ أَوْ الْفَطِيمَ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلًا إذَا مَاتَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى يَدَيْهِ وَيَتَدَاوَلُهُ النَّاسُ بِالْحَمْلِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَهُوَ رَاكِبٌ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا يُحْمَلُ عَلَى الْجِنَازَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُعَجَّلُ بِهِ بِلَا خَبَبٍ) وَهُوَ بِمُعْجَمَةِ مَفْتُوحَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ ضَرْبٌ مِنْ الْعَدْوِ وَقِيلَ هُوَ كَالرَّمَلِ وَحَدُّ التَّعْجِيلِ الْمَسْنُونِ أَنْ يُسْرَعَ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَضْطَرِبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْجِنَازَةِ لِلْحَدِيثِ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَرَّبْتُمُوهُ إلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُعَجَّلَ بِتَجْهِيزِهِ كُلُّهُ مِنْ حِينِ يَمُوتُ، وَلَوْ مَشَوْا بِهِ بِالْجَنْبِ كُرِهَ؛ لِأَنَّهُ ازْدِرَاءٌ بِالْمَيِّتِ وَإِضْرَارٌ بِالْمُتَّبِعِينَ، وَفِي الْقُنْيَةِ، وَلَوْ جُهِّزَ الْمَيِّتُ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يُكْرَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ وَدَفْنُهُ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ الْجَمْعُ الْعَظِيمُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلَوْ خَافُوا فَوْتَ الْجُمُعَةِ بِسَبَبِ دَفْنِهِ يُؤَخَّرُ الدَّفْنُ وَتُقَدَّمُ صَلَاةُ الْعِيدِ عَلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَتُقَدَّمُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَالْقِيَاسُ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ لَكِنَّهُ قَدَّمَ صَلَاةَ الْعِيدِ مَخَافَةَ التَّشْوِيشِ وَكَيْ لَا يَظُنَّهَا مَنْ فِي أُخْرَيَاتِ الصُّفُوفِ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعِيدِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَجُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا) أَيْ بِلَا جُلُوسٍ لِمُتَّبِعِهَا قَبْلَ وَضْعِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى التَّعَاوُنِ، وَالْقِيَامُ أَمْكَنُ مِنْهُ فَكَانَ الْجُلُوسُ قَبْلَهُ مَكْرُوهًا وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ مَتْبُوعَةٌ وَهُمْ أَتْبَاعٌ وَالتَّبَعُ لَا يَقْعُدُ قَبْلَ قُعُودِ الْأَصْلِ، قُيِّدَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ وَضْعِهَا؛ لِأَنَّهُمْ يَجْلِسُونَ إذَا وُضِعَتْ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ وَيُكْرَهُ الْقِيَامُ بَعْدَ وَضْعِهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَالْعِنَايَةِ وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ قَالَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَجْلِسُوا مَا لَمْ يُسَوُّوا عَلَيْهِ التُّرَابَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَقُومُ حَتَّى يُسَوِّيَ عَلَيْهِ التُّرَابَ» ، وَلِأَنَّ فِي الْقِيَامِ إظْهَارَ الْعِنَايَةِ بِأَمْرِ الْمَيِّتِ وَأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ اهـ.
وَالْأَوْلَى الْأَوَّلُ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ فَأَمَّا بَعْدَ الْوَضْعِ فَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَجْلِسُ حَتَّى يُوضَعَ الْمَيِّتُ فِي اللَّحْدِ فَكَانَ قَائِمًا مَعَ أَصْحَابِهِ عَلَى رَأْسِ قَبْرٍ فَقَالَ يَهُودِيٌّ هَكَذَا نَصْنَعُ بِمَوْتَانَا فَجَلَسَ ﷺ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ خَالِفُوهُمْ» اهـ.
أَيْ فِي الْقِيَامِ فَلِذَا كُرِهَ وَقَيَّدْنَا بِمُتَّبِعِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُرِدْ اتِّبَاعَهَا وَمَرَّتْ عَلَيْهِ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ لَهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» بِهَذَا اللَّفْظِ لِأَحْمَدَ ﵀ وَصُحِّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ مَنْ فِي الْمُصَلَّى لَا يَقُومُ لَهَا إذَا رَآهَا قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ.
(قَوْلُهُ وَمَشَى قُدَّامَهَا) أَيْ بِلَا مَشْيٍ لِمُتَّبِعِهَا أَمَامَهَا؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ عِنْدَنَا لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَقَدْ نُقِلَ فِعْلُ السَّلَفِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَالتَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى فَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ هُمْ شُفَعَاءُ وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ لِيُمَهِّدَ الْمَقْصُودَ وَنَحْنُ نَقُولُ هُمْ مُشَيِّعُونَ فَيَتَأَخَّرُونَ وَالشَّفِيعُ الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الَّذِي لَا يَسْتَصْحِبُ الْمَشْفُوعَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِخِلَافِهِ بَلْ قَدْ ثَبَتَ شَرْعًا إلْزَامُ تَقْدِيمِهِ حَالَةَ الشَّفَاعَةِ لَهُ أَعْنِي حَالَةَ الصَّلَاةِ فَثَبَتَ شَرْعًا عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا اعْتَبَرَهُ قَالُوا وَيَجُوزُ الْمَشْيُ أَمَامَهَا إلَّا أَنْ يَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَوْ يَتَقَدَّمَ الْكُلُّ فَيُكْرَهُ وَلَا يَمْشِي عَنْ يَمِينِهَا، وَلَا عَنْ شِمَالِهَا وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَذْهَبَ إلَى صَلَاةِ الْجِنَازَةِ رَاكِبًا غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ التَّقَدُّمُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ بِخِلَافِ الْمَاشِي اهـ.
وَبِهَذَا يَضْعُفُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مَعْزِيًّا إلَى أَبِي يُوسُفَ فَقَالَ رَأَيْت أَبَا حَنِيفَةَ يَتَقَدَّمُ الْجِنَازَةَ، وَهُوَ رَاكِبٌ ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى تَأْتِيَهُ كَذَا فِي النَّوَادِرِ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْمَشْيُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الرُّكُوبِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الْغَايَةِ اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ أَفْضَلُ مِنْ النَّوَافِلِ إذَا كَانَ لِجِوَارٍ
ــ
[منحة الخالق]
الْأَئِمَّةِ كَالْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ وَجُلُوسٌ قَبْلَ وَضْعِهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَمَا فِي السِّرَاجِ قَالَ الرَّمْلِيُّ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ الْقِيَامُ بَعْدَ وَضْعِهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ ذَكَرَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْآتِي أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ فَلِذَا كُرِهَ) يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَ الْبَدَائِعِ فَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ لَيْسَ جَارِيًا عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا تَرْكُهُ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ قَالُوا وَيَجُوزُ الْمَشْيُ أَمَامَهَا إلَّا أَنْ يَتَبَاعَدَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ
стр. 610
أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ صَلَاحٍ مَشْهُورٍ وَإِلَّا فَالنَّوَافِلُ أَفْضَلُ وَيَنْبَغِي لِمَنْ تَبِعَ جِنَازَةً أَنْ يُطِيلَ الصَّمْتَ وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِمَا فِي الْجِنَازَةِ وَالْكَرَاهَةُ فِيهَا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فِي فَتَاوَى الْعَصْرِ وَعِنْدَ مَجْدِ الْأَئِمَّةِ التُّرْكُمَانِيِّ وَقَالَ عَلَاءُ الدِّينِ النَّاصِرِيُّ تَرْكُ الْأَوْلَى اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ يَذْكُرُهُ فِي نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] أَيْ الْجَاهِرِينَ بِالدُّعَاءِ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَمْشِي مَعَهَا اسْتَغْفِرُوا لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ مَنْ يَتَّبِعُ جِنَازَةً حَتَّى يُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ كَانَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَلَا يَرْجِعُ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلنِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَاهُنَّ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ انْصَرِفْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» وَيُكْرَهُ النَّوْحُ وَالصِّيَاحُ فِي الْجِنَازَةِ وَمَنْزِلِ الْمَيِّتِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فَأَمَّا الْبُكَاءُ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْجِنَازَةِ نَائِحَةٌ أَوْ صَائِحَةٌ زُجِرَتْ، فَإِنْ لَمْ تَنْزَجِرْ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تُتَّبَعَ الْجِنَازَةُ، وَلَا يَمْتَنِعَ لِأَجْلِهَا؛ لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ سُنَّةٌ فَلَا تُتْرَكُ بِبِدْعَةٍ مِنْ غَيْرِهِ اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى قَالَ الْبَقَّالِيُّ إذَا اسْتَمَعَ إلَى بَاكِيَةٍ لِيَلِينَ فَلَا بَأْسَ إذَا أَمِنَ الْوُقُوعَ فِي الْفِتْنَةِ لِاسْتِمَاعِهِ ﵊ لَبِوَاكِي حَمْزَةَ وَلَا تُتَّبَعُ بِنَارٍ فِي مِجْمَرَةٍ، وَلَا شَمْعٍ، وَلَا بَأْسَ بِمَرْثِيَّةِ الْمَيِّتِ شِعْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَالتَّعْزِيَةُ لِلْمُصَابِ سُنَّةٌ لِلْحَدِيثِ «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» قَالَ الْبَقَّالِيُّ، وَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ لِلْعَزَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي بَيْتٍ أَوْ مَسْجِدٍ، وَقَدْ «جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَالنَّاسُ يَأْتُونَ وَيُعَزُّونَهُ» وَالتَّعْزِيَةُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَفْضَلُ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلتَّعْزِيَةِ مَكْرُوهٌ، وَفِي غَيْرِهِ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلرِّجَالِ وَتَرْكُهُ أَحْسَنُ وَيُكْرَهُ لِلْمُعَزِّي أَنْ يُعَزِّيَ ثَانِيًا اهـ.
وَهِيَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ أَنْ يَقُولَ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عَزَاك وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ إلَيْهَا ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ وَالْأَطْعِمَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ عِنْدَ السُّرُورِ، وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُتَّخَذَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَإِنْ اتَّخَذَ وَلِيُّ الْمَيِّتِ طَعَامًا لِلْفُقَرَاءِ كَانَ حَسَنًا إذَا كَانُوا بَالِغِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ لَمْ يُتَّخَذْ ذَلِكَ مِنْ التَّرِكَةِ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى بَابِ الدَّارِ لِلتَّعْزِيَةِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَمَا يُصْنَعُ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ وَالْقِيَامِ عَلَى قَوَارِعِ الطُّرُقِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ اهـ.
وَفِي التَّجْنِيسِ وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي مَدْحِ الْمَيِّتِ عِنْدَ جِنَازَتِهِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ شِبْهُ الْمُحَالِ وَفِيهِ قَالَ ﵊ «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ، وَلَا تَكْنُوا» اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ شَدَّادٍ أَكْرَهُ التَّعْزِيَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ ذَكَرَهُ فِي الْمُجَرَّدِ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَهَلْ يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعَذَّبُ لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ» وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ لَا يُعَذَّبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَتَأْوِيلُ الْحَدِيث أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا يُوصُونَ بِالنَّوْحِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ ﵊ ذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَضْعُ مُقَدَّمِهَا عَلَى يَمِينِك ثُمَّ مُؤَخَّرُهَا ثُمَّ مُقَدَّمُهَا عَلَى يَسَارِكَ ثُمَّ مُؤَخَّرِهَا) بَيَانٌ لِإِكْمَالِ السُّنَّةِ فِي حَمْلِهَا عِنْدَ كَثْرَةِ الْحَامِلِينَ إذَا تَنَاوَبُوا فِي حَمْلِهَا وَقَوْلُهُ ثُمَّ مُؤَخَّرُهَا أَيْ عَلَى يَمِينِك وَقَوْلُهُ ثَانِيًا ثُمَّ مُؤَخَّرُهَا أَيْ عَلَى يَسَارِك وَهَذَا؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ» وَإِذَا حَمَلَ هَكَذَا حَصَلَتْ الْبُدَاءَةُ بِيَمِينِ الْحَامِلِ وَيَمِينِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالْأَيْمَنِ الْمُقَدَّمِ دُونَ الْمُؤَخَّرِ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّمَ أَوَّلُ الْجِنَازَةِ وَالْبُدَاءَةُ بِالشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ أَوَّلِهِ ثُمَّ يَضَعُ مُؤَخَّرَهَا الْأَيْمَنَ عَلَى يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَضَعَ مُقَدَّمَهَا الْأَيْسَرَ عَلَى يَسَارِهِ لَاحْتَاجَ إلَى الْمَشْيِ أَمَامَهَا، وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ وَلِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ وَضَعَ مُؤَخَّرَهَا الْأَيْسَرَ عَلَى يَسَارِهِ تَقَدَّمَ الْأَيْسَرُ عَلَى الْأَيْمَنِ، وَإِنَّمَا يَضَعُ مُقَدَّمَهَا الْأَيْسَرَ عَلَى يَسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ هَكَذَا يَقَعُ الْفَرَاغُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ فَيَمْشِي خَلْفَهَا، وَهُوَ أَفْضَلُ لِذَلِكَ كَانَ كَمَالَ السُّنَّةِ كَمَا وَصَفْنَا اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَالتَّعْزِيَةُ لِلْمُصَابِ سُنَّةٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَتُكْرَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ يُجَدِّدُ الْحُزْنَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا وَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَفْضَلُ مِنْهَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ «فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا» ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ قُلْت قَالَ الْأَزْهَرِيُّ مَعْنَاهُ قُولُوا لَهُ اعْضُضْ بِأَيْرِ أَبِيك، وَلَا تَكْنُوا عَنْ الْأَيْرِ بِالْهَنِ تَأْدِيبًا لَهُ وَتَنْكِيلًا اهـ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ وَضَعَ مُقَدَّمَهَا الْأَيْسَرَ عَلَى يَسَارِهِ بَعْدَ مُقَدَّمِهَا الْأَيْمَنِ عَلَى يَمِينِهِ وَقَوْلُهُ أَوْ وَضَعَ مُؤَخَّرَهَا الْأَيْسَرَ عَلَى يَسَارِهِ أَيْ بَعْدَ وَضْعِ مُقَدَّمِهَا الْأَيْمَنِ عَلَى يَمِينِهِ أَوْ بِدُونِهِ ابْتِدَاءً
стр. 611
يُحْمَلَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَشْرُ خُطُوَاتٍ لِلْحَدِيثِ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً أَرْبَعِينَ خُطْوَةً كَفَّرَتْ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً» كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَفِي حَالَةِ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ يُقَدَّمُ الرَّأْسُ وَإِذَا نَزَلُوا بِهِ الْمُصَلَّى فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَرْضًا لِلْقِبْلَةِ وَالْمُقَدَّمُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ كَذَا فِي الْغَايَةِ، وَكَذَا الْمُؤَخَّرُ، وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ الْمُقَدَّمُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً نَقِيضُ الْمُؤَخَّرِ يُقَالُ ضَرَبَ مُقَدَّمَ وَجْهِهِ، وَهُوَ النَّاصِيَةُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُحْفَرُ الْقَبْرُ وَيُلْحَدُ) لِحَدِيثِ صَاحِبِ السُّنَنِ مَرْفُوعًا «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» يُقَالُ لَحَدْت الْمَيِّتَ وَأَلْحَدْت لَهُ لُغَتَانِ وَاللَّحْدُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا كَذَا فِي الْغَايَةِ، وَهُوَ أَنْ يُحْفَرَ الْقَبْرُ بِتَمَامِهِ ثُمَّ يُحْفَرَ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْهُ حَفِيرَةٌ يُوضَعُ فِيهَا الْمَيِّتُ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَالْبَيْتِ الْمُسَقَّفِ وَالشَّقُّ أَنْ يَحْفِرَ حَفِيرَةً فِي وَسَطِ الْقَبْرِ يُوضَعُ فِيهَا الْمَيِّتُ وَاسْتَحْسَنُوا الشَّقَّ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ رَخْوَةً لِتَعَذُّرِ اللَّحْدِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ اللَّحْدُ فَلَا بَأْسَ بِتَابُوتٍ يُتَّخَذُ لِلْمَيِّتِ لَكِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُفْرَشَ فِيهِ التُّرَابُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّابُوتُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ حَدِيدٍ كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَذُكِرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَعْزِيًّا إلَى السَّرَخْسِيِّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُطْرَحَ الْمِضْرَبَةُ فِي الْقَبْرِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فَغَيْرُ مَشْهُورٍ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ اهـ.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُمْقِ الْقَبْرِ فَقِيلَ قَدْرُ نِصْفِ الْقَامَةِ وَقِيلَ إلَى الصَّدْرِ، وَإِنْ زَادُوا فَحَسَنٌ، وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ مَاتَ فِي السَّفِينَةِ يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُرْمَى فِي الْبَحْرِ اهـ.
وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَرُّ إلَيْهِ قَرِيبًا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَنَ الْمَيِّتُ فِي الدَّارِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ كَانَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ.
(قَوْلُهُ وَيُدْخَلُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ) وَهُوَ أَنْ تُوضَعَ الْجِنَازَةُ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنْ الْقَبْرِ وَيُحْمَلَ الْمَيِّتُ مِنْهُ فَيُوضَعَ فِي اللَّحْدِ فَيَكُونَ الْآخِذُ لَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَالَ الْأَخْذِ وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ السَّلَّ وَهُوَ أَنْ تُوضَعَ الْجِنَازَةُ عَلَى يَمِينِ الْقِبْلَةِ وَيُجْعَلَ رِجْلَا الْمَيِّتِ إلَى الْقَبْرِ طُولًا ثُمَّ يُؤْخَذَ بِرِجْلَيْهِ وَتُدْخَلَ رِجْلَاهُ فِي الْقَبْرِ وَيُذْهَبَ بِهِ إلَى أَنْ تَصِيرَ رِجْلَاهُ إلَى مَوْضِعِهِمَا وَيُدْخَلَ رَأْسُهُ الْقَبْرَ وَاضْطَرَبَتْ الرِّوَايَاتُ فِي إدْخَالِهِ ﵊ وَرَجَّحْنَا الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ جَانِبَ الْقِبْلَةِ مُعَظَّمٌ فَيُسْتَحَبُّ الْإِدْخَالُ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَيَقُولُ وَاضِعُهُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) كَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ أَيْ بِاسْمِ اللَّهِ وَضَعْنَاك، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ سَلَّمْنَاك وَزَادَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِاَللَّهِ، وَفِي اللَّهِ وَزَادَ فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ، وَلَيْسَ هَذَا بِدُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَدَّلَ عَلَيْهِ الْحَالَةُ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُبَدَّلْ إلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنِينَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يَشْهَدُونَ بِوَفَاتِهِ عَلَى الْمِلَّةِ وَعَلَى هَذَا جَرَتْ السُّنَّةُ، وَلَا يَضُرُّ وِتْرٌ دَخَلَ الْقَبْرَ أَمْ شَفْعٌ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الْوِتْرَ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ الْكَفَنِ وَالْغُسْلِ وَالْإِجْمَارِ وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دُفِنَ أَدْخَلَهُ الْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَعَلِيٌّ وَصُهَيْبٌ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ أَوْلَى بِإِدْخَالِ الْمَرْأَةِ الْقَبْرَ وَكَذَا الرَّحِمِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بَأْسَ لِلْأَجَانِبِ وَضْعُهَا، وَلَا يُحْتَاجُ إلَى النِّسَاءِ لِلْوَضْعِ (قَوْلُهُ وَوُجِّهَ إلَى الْقِبْلَةِ الْمَيِّتُ) بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَكُونُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَإِذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ وَأَهَالُوا التُّرَابَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُنْبَشُ لِيُجْعَلَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَوْ بَقِيَ فِيهِ مَتَاعٌ لِإِنْسَانٍ فَلَا بَأْسَ بِالنَّبْشِ لِإِخْرَاجِ الْمَتَاعِ وَرُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ سَقَطَ خَاتَمُهُ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا زَالَ بِالصَّحَابَةِ حَتَّى رَفَعَ اللَّبِنَ وَأَخَذَ خَاتَمَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ كَانَ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ وَيَقُولُ أَنَا أَحْدَثُكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (قَوْلُهُ وَتُحَلُّ الْعُقْدَةُ) لِوُقُوعِ الْأَمْنِ مِنْ الِانْتِشَارِ.
(قَوْلُهُ وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَيْهِ وَالْقَصَبُ) ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ عَلَى قَبْرِهِ ﵊ اللَّبِنُ وَطُنٌّ مِنْ قَصَبٍ وَاللَّبِنُ وَاحِدُهُ لَبِنَةٌ عَلَى وَزْنِ كَلِمَةٍ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الطِّينِ وَالطُّنُّ بِضَمِّ الطَّاءِ الْحُزْمَةُ
ــ
[منحة الخالق]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 612
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَنْسُوجِ مِنْ الْقَصَبِ، وَمَا يُنْسَجُ مِنْ الْبَرْدِيِّ يُكْرَهُ فِي قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّزْيِينِ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى (قَوْلُهُ لَا الْآجُرُّ وَالْخَشَبُ) ؛ لِأَنَّهُمَا لِإِحْكَامِ الْبِنَاءِ وَالْقَبْرُ مَوْضِعُ الْبَلَاء وَلِأَنَّ بِالْآجُرِّ أَثَرَ النَّارِ فَيُكْرَهُ تَفَاؤُلًا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يُسَوَّى بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْآجُرِّ، وَعَلَى الثَّانِي يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا كَذَا فِي الْغَايَةِ وَأَوْرَدَ الْإِمَامُ حَمِيدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ عَلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَاءَ يُسَخَّنُ بِالنَّارِ وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ اسْتِعْمَاله فَعُلِمَ أَنَّ أَثَرَ النَّارِ لَا يَضُرُّ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِالْفَرْقِ؛ لِأَنَّ أَثَرَ النَّار فِي الْآجُرِّ مَحْسُوسٌ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَفِي الْمَاءِ لَيْسَ بِمُشَاهَدٍ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِهِمَا وَقَيَّدَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَى الْأَرَاضِي النَّزَّ وَالرَّخَاوَةَ، فَإِنْ كَانَ فَلَا بَأْسَ بِهِمَا كَاتِّخَاذِ تَابُوتٍ مِنْ حَدِيدٍ لِهَذَا وَقَيَّدَهُ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ بِأَنْ يَكُونَ حَوْلَهُ أَمَّا لَوْ كَانَ فَوْقَهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عِصْمَةً مِنْ السَّبُعِ اهـ. وَفِي الْمُغْرِبِ الْآجُرُّ الطِّينُ الْمَطْبُوخُ.
(قَوْلُهُ وَيُسَجَّى قَبْرُهَا لَا قَبْرُهُ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السَّتْرِ، وَالرِّجَالِ عَلَى الْكَشْفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِمَطَرٍ أَوْ ثَلْجٍ فِي الْمُغْرِبِ سَجَّى الْمَيِّتَ بِثَوْبٍ سَتَرَهُ
(قَوْلُهُ وَيُهَالُ التُّرَابُ) سَتْرًا لَهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ عَلَى التُّرَابِ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْ الْقَبْرِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ، وَلَا بَأْسَ بِرَشِّ الْمَاءِ عَلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّهُ تَسْوِيَةٌ لَهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ كَرَاهَتُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّطْيِينَ
(قَوْلُهُ وَيُسَنَّمُ الْقَبْرُ، وَلَا يُرَبَّعُ) ؛ لِأَنَّهُ «﵊ نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ الْقُبُورِ» وَمَنْ شَاهَدَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﵊ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُسَنَّمٌ فِي الْمُغْرِبِ قَبْرٌ مُسَنَّمٌ مُرْتَفِعٌ غَيْرُ مُسَطَّحٍ وَيُسَنَّمُ قَدْرَ شِبْرٍ وَقِيلَ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، وَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْته» فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا زَادَ عَلَى التَّسْنِيمِ وَصَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِوُجُوبِ التَّسْنِيمِ، وَفِي الْمُجْتَبَى بِاسْتِحْبَابِهِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُجَصَّصُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ» وَأَنْ يُوطَأَ وَالتَّجْصِيصُ طَلْيُ الْبِنَاءِ بِالْجِصِّ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَا يُجَصَّصُ الْقَبْرُ وَلَا يُطَيَّنُ، وَلَا يُرْفَعُ عَلَيْهِ بِنَاءٌ قَالُوا أَرَادَ بِهِ السَّفَطَ الَّذِي يُجْعَلُ فِي دِيَارِنَا عَلَى الْقَبْرِ وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْيَوْمَ اعْتَادُوا السَّفَطَ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّطْيِينِ. اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ وُضِعَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْجَارِ أَوْ كُتِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْبَعْضِ اهـ.
وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ يَمْنَعُ الْكِتَابَة فَلْيَكُنْ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ لَكِنْ فَصَّلَ فِي الْمُحِيطِ فَقَالَ: وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى الْكِتَابَةِ حَتَّى لَا يَذْهَبَ الْأَثَرُ وَلَا يُمْتَهَنُ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَأَمَّا الْكِتَابَةُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا اهـ.
وَفِي الْمُجْتَبَى وَيُكْرَهُ أَنْ يَطَأَ الْقَبْرَ أَوْ يَجْلِسَ أَوْ يَنَامَ عَلَيْهِ أَوْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ حَاجَةً مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهِ أَوْ إلَيْهِ ثُمَّ الْمَشْيُ عَلَيْهِ يُكْرَهُ، وَعَلَى التَّابُوتِ يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَالْمَشْيِ عَلَى السَّقْفِ. اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ وَجَدَ طَرِيقًا فِي الْمَقْبَرَةِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ طَرِيقٌ أَحْدَثُوهُ لَا يَمْشِي فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي ضَمِيرِهِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْشِيَ فِيهِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ وَوَطْؤُهُ حِينَئِذٍ فَمَا تَصْنَعُهُ النَّاسُ مِمَّنْ دُفِنَتْ أَقَارِبُهُ ثُمَّ دُفِنَتْ حَوَالَيْهِمْ خَلْقٌ مِنْ وَطْءِ تِلْكَ الْقُبُورِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى قَبْرِ قَرِيبِهِ مَكْرُوهٌ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ يُوضَعُ الرَّجُلُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ثُمَّ خَلْفَهُ الْغُلَامُ ثُمَّ خَلْفَهُ الْخُنْثَى ثُمَّ خَلْفَهُ الْمَرْأَةُ وَيَجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ مَيِّتَيْنِ حَاجِزًا مِنْ التُّرَابِ لِيَصِيرَ فِي حُكْمِ قَبْرَيْنِ هَكَذَا «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَقَالَ قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي تُسَمَّى فَسَاقِي اهـ.
وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ عَدَمُ اللَّحْدِ الثَّانِي دَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ الثَّالِثُ اخْتِلَاطُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ حَاجِزٍ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا الرَّابِعُ تَجْصِيصُهَا وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَفِي الْبَدَائِعِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى عَلَى مَيِّتٍ بَيْنَ الْقُبُورِ وَكَانَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَكْرَهَانِ ذَلِكَ، فَإِنْ صَلَّوْا أَجْزَأَهُمْ اهـ. .
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَخْ) أَحْسَنَ مِنْ هَذَا مَا فِي النَّهْرِ، وَهُوَ أَنَّ الْآجُرَّ إنَّمَا كُرِهَ فِي الْقَبْرِ تَفَاؤُلًا؛ لِأَنَّ بِهِ أَثَرَ النَّارِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْإِجْمَارُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ بِالنَّارِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي الْبَيْتِ، وَلَا يُكْرَهُ الْإِجْمَارُ فِيهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِحُ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَيُسَجَّى قَبْرُهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى
(قَوْلُهُ بِاسْتِحْبَابِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَهُوَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ الَّتِي تُسَمَّى فَسَاقِي) هِيَ كَبَيْتٍ مَعْقُودٍ بِالْبِنَاءِ يَسَعُ جَمَاعَةً قِيَامًا وَنَحْوَهُ كَذَا فِي الْإِمْدَادِ (قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ الْكَرَاهَةُ
стр. 613
(قَوْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ مِنْ الْقَبْرِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً) أَيْ بَعْدَ مَا أُهِيلَ التُّرَابُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ نَبْشِهِ وَصَرَّحُوا بِحُرْمَتِهِ وَأَشَارَ بِكَوْنِ الْأَرْضِ مَغْصُوبَةً إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَبْشُهُ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ كَمَا إذَا سَقَطَ فِيهَا مَتَاعُهُ أَوْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ دُفِنَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالُ أَحْيَاءٍ لِحَقِّ الْمُحْتَاجِ قَدْ «أَبَاحَ النَّبِيُّ ﷺ نَبْشَ قَبْرِ أَبِي رَعَالٍ لِعَصًا مِنْ ذَهَبٍ مَعَهُ» كَذَا فِي الْمُجْتَبَى قَالُوا، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ دِرْهَمًا وَدَخَلَ فِيهِ مَا إذَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ فَإِنَّهُ يُنْبَشُ أَيْضًا لِحَقِّهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَذُكِرَ فِي التَّبْيِينِ أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَخْرَجَهُ مِنْهَا وَإِنْ شَاءَ سَاوَاهُ مَعَ الْأَرْضِ وَانْتَفَعَ بِهَا زِرَاعَةً أَوْ غَيْرَهَا وَأَفَادَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ وُضِعَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ أَوْ جُعِلَ رَأْسُهُ فِي مَوْضِعِ رِجْلَيْهِ أَوْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَأُهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَإِنَّهُ لَا يُنْبَشُ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ النَّبْشَ حَرَامٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَشَايِخِ فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا، وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ وَأَرَادَتْ نَقْلَهُ أَنَّهُ لَا يَسَعُهَا ذَلِكَ فَتَجْوِيزُ شَوَاذِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ اهـ.
وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فَشَمَلَ مَا إذَا بَعُدَتْ الْمُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ كَمَا فِي الْفَتَاوَى، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ قَبْلَ دَفْنِهِ قَالَ فِي الْوَاقِعَاتِ وَالتَّجْنِيسِ: الْقَتِيلُ أَوْ الْمَيِّتُ يُسْتَحَبُّ لَهُمَا أَنْ يُدْفَنَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُتِلَ أَوْ مَاتَ فِيهِ فِي مَقَابِرِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ وَكَانَ مَاتَ بِالشَّامِ وَحُمِلَ مِنْ هُنَاكَ فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ فِيك بِيَدِي مَا نَقَلْتُك وَلَدَفَنْتُك حَيْثُ مِتَّ لَكِنْ مَعَ هَذَا إذَا نُقِلَ مِيلًا أَوْ مِيلَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ نُقِلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَلَا إثْمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه مَاتَ بِمِصْرَ فَحُمِلَ إلَى أَرْضِ الشَّامِ وَمُوسَى ﵇ حَمَلَ تَابُوتَ يُوسُفَ ﵇ بَعْدَ مَا أَتَى عَلَيْهِ زَمَانٌ إلَى أَرْضِ الشَّامِ مِنْ مِصْرَ لِيَكُونَ عِظَامُهُ مَعَ عِظَامِ آبَائِهِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مَاتَ فِي ضَيْعَةٍ عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ إلَى الْمَدِينَةِ اهـ.
وَفِي التَّبْيِينِ، وَلَوْ بَلِيَ الْمَيِّتُ وَصَارَ تُرَابًا جَازَ دَفْنُ غَيْرِهِ فِي قَبْرِهِ وَزَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ. اهـ.
وَفِي الْوَاقِعَاتِ عِظَامُ الْيَهُودِ لَهَا حُرْمَةٌ إذَا وُجِدَتْ فِي قُبُورِهِمْ كَحُرْمَةِ عِظَامِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا تُكْسَرَ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَمَّا حَرُمَ إيذَاؤُهُ فِي حَيَاتِهِ لِذِمَّتِهِ فَتَجِبُ صِيَانَةُ نَفْسِهِ عَنْ الْكَسْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ اهـ.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ ﵀ عَلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَلَا بَأْسَ بِبَيَانِهِ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَا بَأْسَ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَالدُّعَاءِ لِلْأَمْوَاتِ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ وَطْءِ الْقُبُورِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنِّي كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، أَلَا فَزُورُوهَا» وَلِعَمَلِ الْأُمَّةِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا اهـ.
وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ وَقِيلَ تَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ ثَابِتَةٌ لَهُمَا «وَكَانَ ﷺ يُعَلِّمُ السَّلَامَ عَلَى الْمَوْتَى السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الدَّارُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - بِكُمْ لَاحِقُونَ أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ» ، وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقُبُورِ وَرُبَّمَا تَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْقُبُورِ شَيْئًا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَوْ يَقْطَعَهُ عِنْدَ دُعَاءِ الْقَارِئِ وَتِلَاوَتِهِ وَفِيهِ وَرَدَ آثَارُ «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَوْمئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» . اهـ
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ كُلَّمَا لَمْ يُعْهَدْ مِنْ السُّنَّةِ وَالْمَعْهُودُ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا زِيَارَتُهَا وَالدُّعَاءُ عِنْدَهَا قَائِمًا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ ﷺ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْبَقِيعِ اهـ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ جَوَابُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى امْرَأَةٌ دَفَنَتْ مَعَ بِنْتِهَا مِنْ الْمَصَاغِ وَالْأَسْبَابِ وَالْأَمْتِعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إرْثًا عَنْهَا بِغَيْبَةِ الزَّوْجِ أَنَّهُ يُنْبَشُ لِحَقِّهِ وَإِذَا تَلِفَتْ بِهِ تَضْمَنُ حِصَّتَهُ (قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا كَذَا فِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْفَتْحِ وَأَوْضَحَهُ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ كَوْنِهِ شَرِيعَةً لَنَا أَنْ يَقُصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ مَا نُقِلَ مِنْ نَقْلِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ مَنْ أَنْكَرَهُ لَكِنْ وَرَدَ مَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - حِينَ نُقِلَ أَخُوهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَنُقِلَ سَعْدٌ دُونَهُ لَكِنْ مَا اسْتَدَلَّ لَهُ بِهِ هُوَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَلْيُتَأَمَّلْ. قَالَ: وَقَدْ جَزَمَ فِي التَّاجِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ، وَفِي التَّجْنِيسِ وَذَكَرَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ فِي بَلْدَةٍ يُكْرَهُ نَقْلُهُ إلَى أُخْرَى؛ لِأَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ، وَفِيهِ تَأْخِيرُ دَفْنِهِ وَكَفَى بِذَلِكَ كَرَاهَةً (قَوْلُهُ وَقِيلَ تَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَمَّا النِّسَاءُ إذَا أَرَدْنَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَجْدِيدِ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُنَّ فَلَا تَجُوزُ لَهُنَّ الزِّيَارَةُ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْحَدِيثُ «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» ، وَإِنْ كَانَ لِلِاعْتِبَارِ وَالتَّرَحُّمِ وَالتَّبَرُّكِ بِزِيَارَةِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ فَلَا بَأْسَ إذَا كُنَّ عَجَائِزَ وَيُكْرَهُ إذَا كُنَّ شَوَابَّ كَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ
стр. 614
وَيُكْرَهُ قَطْعُ الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ مِنْ الْمَقْبَرَةِ إلَّا إذَا كَانَ يَابِسًا، وَلَا يُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْحَشِيشِ الرَّطْبِ اهـ.
وَذَكَرَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ مَسْأَلَةَ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ وَلَيْسَتْ فِقْهِيَّةً وَإنَّمَا هِيَ كَلَامِيَّةٌ فَلِذَا تَرَكْنَاهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
(بَابُ الشَّهِيدِ)
إنَّمَا بَوَّبَ لَهُ مَعَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْفَضِيلَةِ فَكَانَ إفْرَادُهُ كَإِفْرَادِ جِبْرِيلَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَ مَوْتَهُ إكْرَامًا لَهُ فَكَانَ مَشْهُودًا أَوْ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ حَاضِرٌ (قَوْلُهُ هُوَ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ أَوْ الْبَغْيِ أَوْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ أَوْ وُجِدَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَبِهِ أَثَرٌ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ) بَيَانٌ لِشَرَائِطِهِ، قُيِّدَ بِكَوْنِهِ مَقْتُولًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ تَرَدَّى مِنْ مَوْضِعٍ أَوْ احْتَرَقَ بِالنَّارِ أَوْ مَاتَ تَحْتَ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ لَا يَكُونُ شَهِيدًا أَيْ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا وَإِلَّا فَقَدْ «شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْغَرِيقِ وَلِلْحَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ وَالْغَرِيبِ بِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ» فَيَنَالُونَ ثَوَابَ الشُّهَدَاءِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ قَصَدَ الْعَدُوَّ لِيَضْرِبَهُ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ نَفْسَهُ فَمَاتَ يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ مَا صَارَ مَقْتُولًا بِفِعْلٍ مُضَافٍ إلَى الْعَدُوِّ وَلَكِنَّهُ شَهِيدٌ فِيمَا يَنَالُ مِنْ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْعَدُوَّ لَا نَفْسَهُ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي قَتْلِهِ فَشَمَلَ الْقَتْلَ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا؛ لِأَنَّ مَوْتَهُ مُضَافٌ إلَيْهِمْ حَتَّى لَوْ أَوْطَئُوا دَابَّتَهُمْ مُسْلِمًا أَوْ نَفَّرُوا دَابَّةَ مُسْلِمٍ فَرَمَتْهُ أَوْ رَمَوْهُ مِنْ السُّورِ أَوْ أَلْقَوْا عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ رَمَوْا بِنَارٍ فَأَحْرَقُوا سُفُنَهُمْ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ كَانَ شَهِيدًا، وَلَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّةُ مُشْرِكٍ لَيْسَ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَوَطِئَتْ مُسْلِمًا أَوْ رَمَى مُسْلِمٌ إلَى الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا أَوْ نَفَرَتْ دَابَّةُ مُسْلِمٍ مِنْ سَوَادِ الْكُفَّارِ أَوْ نَفَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فَأَلْجَئُوهُمْ إلَى خَنْدَقٍ أَوْ نَارٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ جَعَلُوا حَوْلَهُمْ الشَّوْكَ فَمَشَى عَلَيْهَا مُسْلِمٌ فَمَاتَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَهِيدًا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَقْطَعُ النِّسْبَةَ إلَيْهِمْ، وَكَذَا فِعْلُ الدَّابَّةِ دُونَ حَامِلٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ جَعْلُ الشَّوْكِ حَوْلَهُمْ تَسْبِيبًا؛ لِأَنَّ مَا قُصِدَ بِهِ الْقَتْلُ فَهُوَ تَسْبِيبٌ، وَمَا لَا فَلَا، وَهُمْ إنَّمَا قَصَدُوا بِهِ الدَّفْعَ لَا الْقَتْلَ، وَأَرَادَ بِمِنْ الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِشَهِيدٍ وَأَرَادَ بِالْأَثَرِ هُنَا مَا يَكُونُ عَلَامَةً عَلَى الْقَتْلِ كَالْجُرْحِ وَسَيَلَانِ الدَّمِ مِنْ عَيْنَيْهِ أَوْ أُذُنِهِ لَا مَاءٌ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ ذَكَرِهِ أَوْ دُبُرِهِ، فَإِنْ كَانَ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ، فَإِنْ ارْتَقَى مِنْ الْجَوْفِ وَكَانَ صَافِيًا كَانَ عَلَامَةً عَلَى الْقَتْلِ، وَإِنْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ كَانَ جَامِدًا فَلَا، وَفِي الْبَدَائِعِ إنَّ أَثَرَ الضَّرْبِ وَالْخَنْقِ كَأَثَرِ الْجُرْحِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَهِيَ مَوْضِعُ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ قَتِيلٌ قَبْلَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَتِيلَ الْعَدُوِّ؛ وَلِهَذَا تَجِبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بَعْدَ لِقَائِهِمْ فَإِنَّهُ قَتِيلُهُمْ ظَاهِرًا كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا عَنْ ذِكْرِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ قَتَلُوا ظُلْمًا؛ لِأَنَّ قَتِيلَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ بِحَدِيدَةٍ بَلْ بِكُلِّ آلَةٍ سِلَاحًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسْبِيبًا كَقَتِيلِ أَهْلِ الْحَرْبِ قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقِتَالُ مَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ مَأْمُورًا بِهِ أُلْحِقَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَعَمَّتْ الْآلَةُ كَمَا عَمَّتْ هُنَاكَ اهـ. .
بِخِلَافِ قَتْلِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِحَدِيدَةٍ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ ظُلْمًا؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ حَقًّا كَالْمَقْتُولِ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ عَدَا عَلَى قَوْمٍ فَقَتَلُوهُ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ، وَلَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا خَطَأً أَوْ عَمْدًا بِالْمُثْقِلِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَتْلِهِ وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مَذْبُوحًا، وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ كَمَا سَيَأْتِي،
وَكَذَا لَوْ وُجِدَ فِي مَحَلَّةٍ
ــ
[منحة الخالق]
[بَابُ الشَّهِيد]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا إنْ ظَهَرَ مِنْ الْفَمِ فَقَالُوا إنْ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الرَّأْسِ بِأَنْ يَكُونَ صَافِيًا غُسِّلَ، وَإِنْ كَانَ خِلَافَهُ عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ الْجَوْفِ فَيَكُونُ مِنْ جِرَاحَةٍ فِيهِ فَلَا يُغَسَّلُ وَأَنْتَ عَلِمْت أَنَّ الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ قَدْ يَكُونُ عَلَقًا فَهُوَ سَوْدَاءُ بِصُورَةِ الدَّمِ، وَقَدْ يَكُونُ رَقِيقًا مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ كَوْنُهُ مِنْ جِرَاحَةٍ حَادِثَةٍ بَلْ هُوَ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَاتِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ مَنْ قُتِلَ ظُلْمًا، وَلَمْ تَجِبْ بِقَتْلِهِ دِيَةٌ لَاسْتُفِيدَ مَا ذَكَرَهُ مَعَ كَمَالِ الِاخْتِصَار. اهـ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ
стр. 615
مَقْتُولٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى أَقُتِلَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَفِي الْمُجْتَبَى وَإِذَا الْتَقَتْ سَرِيَّتَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَرَى أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ فَأَجْلَوْا عَنْ قَتْلَى مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا دِيَةَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُمْ دَافِعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْغُسْلِ وَيَجِبُ أَنْ يُغَسَّلُوا؛ لِأَنَّ قَاتِلَهُمْ لَمْ يَظْلِمْهُمْ اهـ.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ بِقَتْلِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ عَمَّا إذَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ بِالصُّلْحِ أَوْ بِقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ أَوْ شَخْصًا آخَرَ وَوَارِثُهُ ابْنُهُ فَإِنَّ الْمَقْتُولَ شَهِيدٌ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَتْلِ لَمْ يُوجِبْ الدِّيَةَ بَلْ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا سَقَطَ لِلصُّلْحِ أَوْ لِلشُّبْهَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمَالُ عِوَضًا مَانِعًا، وَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عِوَضًا مَانِعًا؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لِلْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ وَلِلْوَارِثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهِيَ تُشْفِي الصُّدُورَ وَلِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَهُوَ مَا فِي شَرْعِيَّتِهِ مِنْ حَيَاةِ الْأَنْفُسِ فَلَمْ يَكُنْ عِوَضًا مُطْلَقًا فَلَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ بِالشَّكِّ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ وَذُكِرَ فِي الْمُجْتَبَى وَالْبَدَائِعِ أَنَّ الشَّرَائِطَ سِتٌّ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْقَتْلُ ظُلْمًا وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ عِوَضٌ مَالِيٌّ وَالطَّهَارَةُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَعَدَمُ الِارْتِثَاثِ اهـ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بَقِيَّتَهَا لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ مِنْ مَفْهُومَاتِهَا لَكِنْ بَقِيَ مَنْ قُتِلَ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَالِهِ أَوْ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّ الْمَقْتُولَ شَهِيدٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ وَعَطَفَهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَجَعَلَهُ سَبَبًا رَابِعًا، وَلَا يُمْكِنُ دُخُولُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ أَوْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ ظُلْمًا؛ لِأَنَّ الْمُدَافِعَ الْمَذْكُورَ شَهِيدٌ بِأَيِّ آلَةٍ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَمَقْتُولُ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا لَا يَكُونُ شَهِيدًا إلَّا إذَا قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّ عِبَارَةَ الْمَجْمَعِ هُنَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّرَةً فَإِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ فِي مَقْتُولِ الْمُسْلِمِ ظُلْمًا بَلْ أَدْخَلَ الْبَاغِيَ وَقَاطِعَ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْمُسْلِمِ وَجَعَلَ حُكْمَ مَقْتُولِهِمْ وَاحِدًا، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِالْمُسْلِمِ مَا عَدَاهُمَا فَلَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ اسْتِيفَاءٌ لِلشَّهِيدِ وَيُرَدُّ عَلَى الْكُلِّ مَا قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ ظُلْمًا فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِ هُنَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ قَالَ: وَالْمُكَابِرُونَ فِي الْمِصْرِ لَيْلًا بِمَنْزِلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ اهـ. وَالْبَغْيُ فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ مَجْرُورٌ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ مَرْفُوعٌ.
(قَوْلُهُ فَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا غُسْلٍ) بَيَانٌ لِحُكْمِهِ أَمَّا عَدَمُ الْغُسْلِ فَلِحَدِيثِ السُّنَنِ أَنَّهُ «﵊ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ» ، وَمَا عَلَّلَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِعَدَمِ الْغُسْلِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا جَرْحَى فَقَدْ قَالَ السَّرَخْسِيُّ إنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَمَّ الْغُسْلَ بِاعْتِبَارِ الْجِرَاحَةِ لَكَانَ التَّيَمُّمُ مَشْرُوعًا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ «فَلِصَلَاتِهِ ﵇ عَلَى حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ يَوْمَ أُحُدٍ» وَلِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ» ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ وَالْحَيُّ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ حُكْمٌ أُخْرَوِيٌّ لَا دُنْيَوِيٌّ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ أَحْكَامِ الْمَوْتَى لَهُمْ مِنْ قِسْمَةِ تَرِكَاتِهِمْ وَبَيْنُونَةِ نِسَائِهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهَا لِلِاسْتِغْفَارِ وَهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ فَمُنْتَقَضٌ بِالنَّبِيِّ وَالصَّبِيِّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى النَّبِيِّ لَكَانَ أَوْلَى فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَبَوَيْهِ فَمَدْفُوعٌ مِنْ أَنَّ كَلَامَهُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ لَا فِي الْمَدْعُوِّ لَهُ وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ بِمُسْتَغْنٍ عَنْ الرَّحْمَةِ فَنَفْسُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ رَحْمَةٌ لَهُ وَنَفْسُ الدُّعَاءِ الْوَارِدِ لِأَبَوَيْهِ دُعَاءٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ فَقَدْ تَقَدَّمَهُمَا فِي الْخَيْرِ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ قَالُوا إنَّ حَسَنَاتِ الصَّبِيِّ لَهُ لَا لِأَبَوَيْهِ، وَلَهُمَا ثَوَابُ التَّعْلِيمِ.
(قَوْلُهُ وَيُدْفَنُ بِدَمِهِ وَثِيَابِهِ إلَّا مَا لَيْسَ مِنْ الْكَفَنِ وَيُزَادُ وَيُنْقَصُ) بَيَانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ لَهُ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُ جَمِيعُ ثِيَابِهِ وَيُجَدَّدُ الْكَفَنُ ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَقَالُوا مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ الْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالسِّلَاحُ وَالْخُفُّ وَقَدَّمْنَا فِيهِ كَلَامًا وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ يُزَادُ وَيُنْقَصُ فَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا يُزَادُ إنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ نَاقِصًا عَنْ كَفَنِ السُّنَّةِ وَيُنْقَصُ إنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ زَائِدًا عَلَى كَفَنِ السُّنَّةِ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْمَشَايِخُ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي الْكَفَنِ عَلَى الثَّلَاثِ وَفِيهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَافِعَ الْمَذْكُورَ شَهِيدٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَنْ قُتِلَ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ فَكَوْنُهُ شَهِيدًا مَعَ قَتْلِهِ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ مُشْكِلٌ جِدًّا لِوُجُوبِ الدِّيَةِ بِقَتْلِهِ فَتَدَبَّرْهُ مُمْعِنًا النَّظَرَ فِيهِ. اهـ.
وَمِثْلُ الْمُدَافِعِ عَنْ نَفْسِهِ الْمُدَافِعُ عَنْ غَيْرِهِ إذْ لَا فَرْقَ يَظْهَرُ وَالْجَوَابُ عَنْ إشْكَالِهِ أَنَّ هَذَا الْقَاتِلَ إنْ كَانَ مُكَابِرًا فِي الْمِصْرِ لَيْلًا فَسَيَأْتِي أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ لِصًّا نَزَلَ عَلَيْهِ لَيْلًا لِيَقْتُلَهُ أَوْ يَأْخُذَ مَالَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ أَيْضًا كَمَا فِي النَّهْرِ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَا دِيَةَ كَمَا لَا دِيَةَ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ فَقَوْلُهُ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ مَمْنُوعٌ، وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ شَهِيدٌ وَلَا إشْكَالَ تَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ فَمَدْفُوعٌ مِنْ أَنَّ كَلَامَهُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ لَا فِي الْمَدْعُوِّ لَهُ) ذُكِرَ فِي النَّهْرِ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ مَمْنُوعٌ وَاقْتَصَرَ عَلَى الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْمَشَايِخُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ يُزَادُ عَلَى الثَّلَاثِ، وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْغَايَةِ
стр. 616
وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ لِلشَّهِيدِ كَالْمَيِّتِ.
(قَوْلُهُ وَيُغَسَّلُ إنْ قُتِلَ جُنُبًا أَوْ صَبِيًّا) بَيَانٌ لِشَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ لِلشَّهَادَةِ الْأَوَّلُ الطَّهَارَةُ مِنْ الْجَنَابَةِ الثَّانِي التَّكْلِيفُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُهُ وَقَالَا الْجُنُبُ شَهِيدٌ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِالْجَنَابَةِ سَقَطَ بِالْمَوْتِ، وَلَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةً غَيْرَ رَافِعَةٍ فَلَا تَرْفَعُ الْجَنَابَةَ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ حَنْظَلَةَ لَمَّا اُسْتُشْهِدَ جُنُبًا غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا طَهُرَتَا، وَكَذَا قِيلَ الِانْقِطَاعُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الرِّوَايَةِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعِدْ النَّبِيُّ ﷺ غُسْلَ حَنْظَلَةَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَأَدَّى بِدَلِيلِ قِصَّةِ آدَمَ ﵇، وَلَمْ تُعِدْ أَوْلَادُهُ غُسْلَهُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمَا لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَوَجَبَ عَلَى بَنِي آدَمَ وَلَمَا اكْتَفَى بِهِ إذْ الْوَاجِبُ نَفْسُ الْغُسْلِ فَأَمَّا الْغَاسِلُ يَجُوزُ مَنْ كَانَ كَمَا فِي قِصَّةِ آدَمَ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ عِنْدَهُ لِلْجَنَابَةِ لَا لِلْمَوْتِ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ جُنُبًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَدَثَيْنِ عِنْدَهُ هُوَ أَنَّ سُقُوطَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِمَعْنًى ضَرُورِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَخْلُو عَنْ حَدَثٍ قَبْلَهُ لِعَدَمِ خُلُوِّهِ مِنْ زَوَالِ الْعَقْلِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ رَافِعَةً لَهُ ضَرُورَةً، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَخْلُو عَنْهَا فَلَا تَكُونُ رَافِعَةً فِي حَقِّهَا، وَفِي الْخَبَّازِيَّةِ هَذَا الْجَوَابُ فِي النُّفَسَاءِ مُجْرًى عَلَى إطْلَاقِهِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ أَمَّا فِي الْحَائِضِ فَمُصَوَّرَةٌ فِيمَا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ قُتِلَتْ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ أَوْ بَعْدَهُ أَمَّا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَقُتِلَتْ لَا تُغَسَّلُ بِالْإِجْمَاعِ ذَكَرَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ لِعَدَمِ كَوْنِهَا حَائِضًا اهـ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا لَهُمَا أَنَّ الصَّبِيَّ أَحَقُّ بِهَذِهِ الْكَرَامَاتِ، وَلَهُ أَنَّ السَّيْفَ كَفَى عَنْ الْغُسْلِ فِي حَقِّ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَطْهَرَةً، وَلَا ذَنْبَ لِلصَّبِيِّ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَاهُمْ فَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَجْنُونُ، وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِمَجْنُونٍ بَلَغَ مَجْنُونًا أَمَّا مَنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَا يُطَهِّرُهُ إذْ ذُنُوبُهُ الْمَاضِيَةُ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ بِجُنُونِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَجْنُونَ إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى جُنُونِهِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا مَضَى؛ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّوْبَةِ، وَلَمْ أَرَ نَقْلًا فِي هَذَا الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ أَوْ ارْتَثَّ بِأَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ تَدَاوَى أَوْ مَضَى وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَعْقِلُ أَوْ نُقِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ أَوْ أَوْصَى) بَيَانٌ لِلشَّرْطِ السَّادِسِ، وَهُوَ عَدَمُ الِارْتِثَاثِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مِنْ الرَّثِّ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْبَالِي وَسُمِّيَ بِهِ مُرْتَثًّا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ خَلَقًا فِي حُكْمِ الشَّهَادَةِ وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّرْثِيثِ، وَهُوَ الْجَرِيحُ وَفِي مُجْمَلِ اللُّغَةِ اُرْتُثَّ فُلَانٌ أَيْ حُمِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ رَثِيثًا أَيْ جَرِيحًا وَحَاصِلُهُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يُنَالَ بَعْدَ مَرَافِقِ الْحَيَاةِ فَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا فَيُغَسَّلُ، وَهُوَ شَهِيدٌ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ فَيَنَالُ الثَّوَابَ الْمَوْعُودَ لِلشُّهَدَاءِ وَذُكِرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْمُرْتَثَّ فِي الشَّرْعِ مَنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ الْقَتْلَى وَصَارَ إلَى حَالِ الدُّنْيَا بِأَنْ جَرَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِهَا أَوْ وَصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ مَنَافِعِهَا اهـ.
وَهُوَ أَضْبَطُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَطْلَقَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَالتَّدَاوِي فَشَمَلَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَأَطْلَقَ فِي مُضِيِّ الْوَقْتِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْأَدَاءِ أَوْ لَا لِضَعْفِ بَدَنِهِ لَا لِزَوَالِ عَقْلِهِ، وَقَيَّدَهُ فِي التَّبْيِينِ بِأَنْ يَقْدِرَ عَلَى أَدَائِهَا حَتَّى يَجِبَ الْقَضَاءُ بِتَرْكِهَا وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِقَوْلِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ وَفِيهِ إفَادَةٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأَدَاءِ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، فَإِنْ أَرَادَ إذَا لَمْ يَقْدِرْ لِلضَّعْفِ مَعَ حُضُورِ الْعَقْلِ فَكَوْنُهُ يَسْقُطُ بِهِ الْقَضَاءُ قَوْلَ طَائِفَةٍ وَالْمُخْتَارُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمَرِيضِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ، وَإِنْ أَرَادَ لِغَيْبَةِ الْعَقْلِ فَالْمُغْمَى عَلَيْهِ يَقْضِي مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَمَتَى يَسْقُطُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ إلَخْ) تَنْظِيرٌ فِيمَا قَالَهُ فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ آدَمَ ﵇؛ لِأَنَّ هَذَا الْغُسْلَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْجَنَابَةِ لَا لِلْمَوْتِ وَمَا فِي الْقِصَّةِ غَيْرُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْجَنَابَةِ أَوْ لِلْمَوْتِ، فَإِنْ كَانَ لِلْجَنَابَةِ فَهُوَ يَتَأَدَّى مِنْ أَيِّ غَاسِلٍ كَانَ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمَا حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَوْتِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمِعْرَاجِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ تَنْظِيرِهِ بِقِصَّةِ آدَمَ ﵇ فَالْجَوَابُ مُشْكِلٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ حَتَّى لَوْ وُجِدَ فِي الْبَحْرِ لَا بُدَّ مِنْ تَغْسِيلِهِ فَقَوْلُهُ إذْ الْوَاجِبُ نَفْسُ الْغُسْلِ إلَخْ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَيُجَابُ عَنْ قِصَّةِ آدَمَ بِأَنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ تَعْلِيمِهِ لِلْوُجُوبِ فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ وَاَلَّذِي يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْبَدَائِعِ أَنَّ الْجَنَابَةَ عِلَّةُ الْغُسْلِ وَقَوْلُهُ كَالْفَتْحِ أَيْضًا أَنَّ الشَّهَادَةَ عُرِفَتْ مَانِعَةً مِنْ حُلُولِ نَجَاسَةِ الْمَوْتِ لَا رَافِعَةً لِنَجَاسَةٍ كَانَتْ قَبْلَهَا. اهـ.
أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجَنَابَةِ كَمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ لَا لِلْمَوْتِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ فِي بَحْرٍ لَمْ يَجِبْ إعَادَةُ غُسْلِهِ وَهَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ لَمْ أَرَهُ فَلْيُرَاجَعْ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ التَّكْلِيفُ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَجْنُونَ إذَا اسْتَمَرَّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا جُنَّ عَقِبَ الْمَعْصِيَةِ أَمَّا لَوْ مَضَى بَعْدَهَا زَمَنٌ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى التَّوْبَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ كَانَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. اهـ.
وَهَذَا نَظِيرُ مَا قَالُوا فِيمَنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ وَمَاتَ، وَلَمْ يُدْرِكْ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يَقْضِي فِيهَا لَا يَلْزَمُهُ الْوَصِيَّةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَدْرَكَهَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِيهِ إفَادَةٌ) أَيْ فِي كَلَامِ التَّبْيِينِ
стр. 617
الْقَضَاءُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ قُدْرَةِ الْأَدَاءِ مِنْ الْجَرِيحِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مُرَادَهُ الْأَوَّلُ وَكَوْنُ عَدَمِ الْقُدْرَةِ لِلضَّعْفِ لَا يُسْقِطُ الْقَضَاءَ عَلَى الصَّحِيحِ هُوَ فِيمَا إذَا قَدَرَ بَعْدَهُ أَمَّا إذَا مَاتَ عَلَى حَالِهِ فَلَا إثْمَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِالْإِيمَاءِ وَقُيِّدَ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَضَى الْوَقْتُ، وَهُوَ لَا يَعْقِلُ لَا يُغَسَّلُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ نَفْلٍ مِنْ الْمَعْرَكَةِ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِحَيَاتِهِ فَلَوْ أَخَّرَ، وَهُوَ يَعْقِلُ وَجَعَلَهُ قَيْدًا فِي الْكُلِّ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِثْنَاءِ مَنْ نُقِلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَطَأَهُ الْخَيْلُ فَإِنَّهُ لَا يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ مَا نَالَ شَيْئًا مِنْ الرَّاحَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ الْمَصْرَعِ لَيْسَ بِنَيْلِ رَاحَةٍ اهـ.
وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ النَّقْلَ مِنْ الْمَعْرَكَةِ يَزِيدُهُ ضَعْفًا وَيُوجِبُ حُدُوثَ آلَامٍ لَمْ تَحْدُثْ لَوْلَا النَّقْلُ وَالْمَوْتُ يَحْصُلُ عَقِبَ تَرَادُفِ الْآلَامِ فَيَكُونُ النَّقْلُ مُشَارِكًا لِلْجِرَاحَةِ فِي إثَارَةِ الْمَوْتِ فَلَمْ يَمُتْ بِسَبَبِ الْجِرَاحَةِ يَقِينًا فَلِذَا لَمْ يَسْقُطْ الْغُسْلُ بِالشَّكِّ اهـ.
فَالِارْتِثَاثُ فِيهِ لَيْسَ لِلرَّاحَةِ بَلْ لِمَا ذَكَرَهُ، وَأَطْلَقَ فِي النَّقْلِ فَشَمَلَ مَا إذَا وَصَلَ إلَى بَيْتِهِ حَيًّا أَوْ مَاتَ عَلَى الْأَيْدِي كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ قَامَ مِنْ مَكَانِهِ إلَى مَكَان آخَرَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُرْتَثًّا بِالْأَوْلَى كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ أَوْ ابْتَاعَ فَهُوَ مُرْتَثٌّ وَأَطْلَقَ فِي الْوَصِيَّةِ فَشَمَلَتْ مَا كَانَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَبِأُمُورِ الْآخِرَةِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ مَعْرُوفٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ بِأَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَثًّا فِيمَا إذَا كَانَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَجَوَابُ مُحَمَّدٍ بِعَدَمِهِ فِيمَا إذَا كَانَ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ أَمْرِ الْأَحْيَاءِ فَقَدْ أَصَابَهُ مَرَافِقُ الْحَيَاةِ فَنَقَصَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ مِنْ أُمُورِ الْمَوْتَى وَصَنِيعُ مَنْ أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ فَيُوصِي بِمَا يُكَفَّنُ بِهِ وَيُخَلِّصُ رَقَبَتَهُ وَيُبَرِّدُ جِلْدَتَهُ مِنْ النَّارِ وَيَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ ذَخِيرَةَ الْآخِرَةِ كَمَا فِي وَصِيَّةِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ لَمَّا بَلَغَهُ سَلَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِهِ الْآنَ طَابَتْ نَفْسِي لِلْمَوْتِ أَقْرِئْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنِّي السَّلَامَ وَأَقْرِئْ الْأَنْصَارَ مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ: لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ إنْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَشَمَلَ الْوَصِيَّةَ بِكَلَامٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَاسْتَثْنَى فِي الْخَانِيَّةِ الْوَصِيَّةَ بِكَلِمَتَيْنِ
وَقَالُوا إذَا تَكَلَّمَ، فَإِنْ كَانَ طَوِيلًا كَانَ مُرْتَثًّا وَإِلَّا فَلَا وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى كَلَامٍ لَيْسَ بِوَصِيَّةٍ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا لَكِنْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّهُ لَوْ أَكْثَرَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْوَصِيَّةِ فَطَالَ غُسِّلَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْمَيِّتِ فَإِذَا طَالَتْ أَشْبَهَتْ أُمُورَ الدُّنْيَا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَمِنْ الِارْتِثَاثِ مَا إذَا أَوَاهُ فُسْطَاطٌ أَوْ خَيْمَةٌ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ يَعْنِي، وَهُوَ فِي مَكَانِهِ وَإِلَّا فَهِيَ مَسْأَلَةُ النَّقْلِ مِنْ الْمَعْرَكَةِ، وَفِي التَّبْيِينِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا وُجِدَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَأَمَّا قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا يَكُونُ مُرْتَثًّا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا اهـ. .
(قَوْلُهُ أَوْ قُتِلَ فِي الْمِصْرِ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ظُلْمًا) أَيْ مَظْلُومًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ فَخَفَّ أَثَرُ الظُّلْمِ قُيِّدَ بِالْمِصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ فِي مَفَازَةٍ لَيْسَ بِقُرْبِهَا عُمْرَانٌ لَا تَجِبُ فِيهِ قَسَامَةٌ، وَلَا دِيَةٌ فَلَا يُغَسَّلُ لَوْ وُجِدَ بِهِ أَثَرُ الْقَتْلِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فَالْمُرَادُ بِالْمِصْرِ الْعُمْرَانُ وَمَا بِقُرْبِهِ مِصْرًا كَانَ أَوْ قَرْيَةً وَقُيِّدَ بِكَوْنِهِ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عُلِمَ ذَلِكَ بِأَنْ وُجِدَ مَذْبُوحًا، فَإِنْ عُلِمَ قَاتِلُهُ فَهُوَ شَهِيدٌ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ فَلَا لِعَدَمِ وُجُوبِهِ فَقَوْلُهُ ظُلْمًا دَاخِلٌ تَحْتَ النَّفْيِ يَعْنِي لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا بِحَدِيدَةٍ فَكَانَ فِيهِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا عَدَمُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ ثَانِيهمَا عَدَمُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ مَظْلُومًا بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ كَوْنُهُ مَظْلُومًا، وَأَمَّا إذَا عُلِمَ فَقَدْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ مَظْلُومًا فَلَا يَكُونُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مُخِلًّا بِشَيْءٍ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ قُتِلَ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ وَعُلِمَ قَاتِلُهُ أَوْ لَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَصْلًا سَوَاءً كَانَ بِالْمُثْقِلِ أَوْ بِغَيْرِهِ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ، وَمِنْ قُتِلَ بِالْمُحَدَّدِ، وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي التَّعْلِيلِ أَوْلَى مِمَّا قَدَّمْنَاهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَصَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ النَّقْلَ إلَخْ) أَجَابَ عَنْهُ الْعَلَامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ بِأَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ تَزَايُدُ الْآلَامِ وَإِنْ حَدَثَ فَهُوَ نَاشِئٌ مِنْ الْجِرَاحَةِ فَلَا تَنْقُصُ بِهِ الشَّهَادَةُ إنَّمَا تَنْقُصُ بِحُصُولِ الرِّفْقِ وَالرَّاحَةِ.
стр. 618
مِنْ ضَمِّ الْقَسَامَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمَقْتُولُ فِي الْجَامِعِ أَوْ الشَّارِعِ الْأَعْظَمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدٍ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ، وَلَيْسَ فِيهِ قَسَامَةٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَقَطْ فَلَوْ قُتِلَ فِي الْعُمْرَانِ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ مُطْلَقًا أَوْ بِالْمُحَدَّدِ، وَلَمْ يُعْلَمْ قَاتِلُهُ لَشَمَلَ الْكُلَّ لَكِنْ قَدْ عُلِمَ حُكْمُ مَا إذَا قُتِلَ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ مُطْلَقًا مِنْ أَوَّلِ الْبَابِ، وَفِي الْبَدَائِعِ لَوْ قُتِلَ فِي الْمِصْرِ بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ لَا يَكُونُ شَهِيدًا أَوْ إنْ كَانَ فِي الْمَفَازَةِ كَانَ شَهِيدًا؛ لِأَنَّهُ يُوجَبُ الْقَتْلُ بِحُكْمِ قَطْعِ الطَّرِيقِ لَا الْمَالِ، وَلَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ اللُّصُوصُ لَيْلًا فِي الْمِصْرِ فَقُتِلَ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ قَتَلَهُ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ خَارِجَ الْمِصْرِ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ؛ لِأَنَّ الْقَتِيلَ لَمْ يُخَلِّفْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ بَدَلًا هُوَ مَالٌ اهـ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُ اللُّصُوصُ فِي بَيْتِهِ، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ قَاتِلٌ مُعَيَّنٌ مِنْهُمْ لِعَدَمِ وُجُودِهِمْ فَإِنَّهُ لَا قَسَامَةَ، وَلَا دِيَةَ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ إلَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْقَاتِلُ وَهُنَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ قَاتِلَهُ اللُّصُوصُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِمْ لِفِرَارِهِمْ فَلْيُحْفَظْ هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ عَنْهُ غَافِلُونَ.
(قَوْلُهُ أَوْ قُتِلَ بِحَدٍّ أَوْ قَوَدٍ) أَيْ يُغَسَّلُ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ «﵊ غَسَّلَ مَاعِزًا» وَلِأَنَّهُ بَذَلَ نَفْسَهُ لِحَقٍّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ.
(قَوْلُهُ لَا لِبَغْيٍ وَقَطْعِ طَرِيقٍ) أَيْ لَا يُغَسَّلُ مَنْ قُتِلَ لِلْبَغْيِ أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِذَا لَمْ يُغَسَّلَا لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْبُغَاةِ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ فَكَانَ إجْمَاعًا وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ بِمَنْزِلَتِهِمْ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا قُتِلُوا فِي حَالِ الْحَرْبِ أَوْ أُخِذُوا وَقُتِلُوا بَعْدَهُ كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَفَرَّقَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ فِي الْأَوَّلِ وَقَالَ بِالصَّلَاةِ فِي الثَّانِي قَالَ فِي التَّبْيِينِ وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ أَخَذَ بِهِ الْكِبَارُ مِنْ الْمَشَايِخِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقَتْلَ فِي الثَّانِي حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْبُغَاةِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَنُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ لِعَوْدِ مَنْفَعَتِهِ إلَى الْعَامَّةِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ رُبَّمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ لِبَغْيٍ فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ بَعْدَ الْحَرْبِ لَمْ يُقْتَلْ لِبَغْيٍ، وَإِنَّمَا قُتِلَ قِصَاصًا وَأُلْحِقَ بِقَاطِعِ الطَّرِيقِ الْمُكَابِرُونَ فِي الْمِصْرِ بِالسِّلَاحِ لَيْلًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالْخَنَّاقُ الَّذِي خَنَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ كَذَا فِي الْإِسْبِيجَابِيِّ وَحُكْمُ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ كَحُكْمِ الْبُغَاةِ وَمَنْ قَتَلَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ إهَانَةً لَهُ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ قَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا لِلِاخْتِلَافِ فَعِنْدَهُمَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ غَيْرُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى نَفْسِهِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَعْزِيًّا إلَى الْقَاضِي عَلِيٍّ السَّعْدِيِّ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ كَمَا تَرَى لَكِنْ تَأَيَّدَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» اهـ.
وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ قَرِيبًا مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا قَتَلَ نَفْسَهُ وَالْآخَرُ قَتَلَ غَيْرَهُ كَانَ قَاتِلُ نَفْسِهِ أَعْظَمَ وِزْرًا وَإِثْمًا. اهـ.
قَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ قَتَلَ نَفْسَهُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهَا خَطَأً فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ اتِّفَاقًا
(بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ) خَتَمَ كِتَابَ الصَّلَاةِ بِمَا يُتَبَرَّكُ بِهِ حَالًا وَمَكَانًا وَأَوْلَاهُ لِلشَّهِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لِجَوَازِ جَعْلِ الظَّهْرِ فِيهَا إلَى ظَهْرِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ صَحَّ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فِيهَا وَفَوْقَهَا) ؛ لِأَنَّهُ « ﷺ صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ اسْتَجْمَعَتْ شَرَائِطَهَا لِوُجُودِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ
؛ لِأَنَّ اسْتِيعَابَهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا جَازَتْ فَوْقَهَا؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ هِيَ الْعَرْصَةُ وَالْهَوَاءُ إلَى عَنَانِ السَّمَاءِ عِنْدَنَا دُونَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُنْقَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ جَازَ، وَلَا بِنَاءَ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ،
وَفِي الْغَايَةِ الْكَعْبَةُ هِيَ الْبِنَاءُ الْمُرْتَفِعُ مَأْخُوذٌ مِنْ الِارْتِفَاعِ وَالنُّتُوِّ وَمِنْهُ الْكَاعِبُ فَكَيْفَ يُقَالُ الْكَعْبَةُ هِيَ الْعَرْصَةُ وَالصَّوَابُ الْقِبْلَةُ هِيَ الْعَرْصَةُ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَالْوَبَرِيُّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَوَافَقَ فِي الْأَوَّلِ) ، وَهُوَ مَا إذَا قُتِلُوا فِي حَالِ الْحَرْبِ وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي مَا إذَا قُتِلُوا بَعْدَهَا
[بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ]
стр. 619
وَفِي الْمُجْتَبَى: وَقَدْ رُفِعَ الْبِنَاءُ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لِيَبْنِيَ عَلَى قَوَاعِدِ الْخَلِيلِ، وَفِي عَهْدِ الْحَجَّاجِ كَذَلِكَ لِيُعِيدَهَا إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ، وَالْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
(قَوْلُهُ: وَمَنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ الْإِمَامِ فِيهَا صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ، وَلَا يَعْتَقِدُ إمَامَهُ عَلَى الْخَطَأِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّحَرِّي (قَوْلُهُ وَإِلَى وَجْهِهِ لَا) أَيْ لَوْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى وَجْهِ إمَامِهِ لَا يَصِحُّ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى إمَامِهِ وَسَكَتَ عَمَّا إذَا جَعَلَ وَجْهَهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ صَحِيحٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ بِلَا حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الصُّورَةِ وَعَمَّا إذَا جَعَلَ وَجْهَهُ إلَى جَوَانِبِ الْإِمَامِ، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ تَصِحُّ بِلَا كَرَاهَةٍ فِي صُورَتَيْنِ وَمَعَهَا فِي صُورَةٍ، وَلَا تَصِحُّ فِي أُخْرَى.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ حَلَّقُوا حَوْلَهَا صَحَّ لِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ حُكْمًا؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ لَا يَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ فَمَنْ كَانَ وَجْهُهُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَوَجَّهَ الْإِمَامُ إلَيْهَا، وَهُوَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَائِطِ مِنْ الْإِمَامِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِتَقَدُّمِهِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَنْ جَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى وَجْهِ الْإِمَامِ، وَلَوْ قَامَ الْإِمَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَتَحَلَّقَ الْمُقْتَدُونَ حَوْلَهَا جَازَ إذَا كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا؛ لِأَنَّهُ كَقِيَامِهِ فِي الْمِحْرَابِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
(كِتَابُ الزَّكَاةِ)
ذَكَرَ الزَّكَاةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا مُقْتَرِنَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَاقُبَ بَيْنَهُمَا فِي غَايَةِ الْوَكَادَةِ وَالنِّهَايَةِ كَمَا فِي الْمَنَاقِبِ الْبَزَّازِيَّةِ، وَهِيَ لُغَةً الطَّهَارَةُ قَالَ فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ: سُمِّيَتْ زَكَاةُ الْمَالِ زَكَاةً؛ لِأَنَّهَا تُزَكِّي الْمَالَ أَيْ تُطَهِّرُهُ وَقَالَ تَعَالَى -: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: ٨١] وَقِيلَ سُمِّيَتْ زَكَاةً؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَزْكُو بِهَا أَيْ يَنْمُو وَيَكْثُرُ ثُمَّ ذَكَرَ فَعَلَ بِالْفَتْحِ يُقَالُ زَكَاءُ الْمَالِ زِيَادَتُهُ وَنَمَاؤُهُ، وَزَكَا أَيْضًا إذَا طَهُرَ ثُمَّ ذَكَرَ فِي بَابِ التَّفْعِيلِ زَكَّى الْمَالَ أَدَّى زَكَاتَهُ وَزَكَّاهُ أَخَذَ زَكَاتَهُ اهـ.
وَفِي الْغَايَةِ أَنَّهَا فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى النَّمَاءِ، وَبِمَعْنَى الطَّهَارَةِ وَبِمَعْنَى الْبَرَكَةِ يُقَالُ زُكَّتْ الْبُقْعَةُ أَيْ بُورِكَ فِيهَا وَبِمَعْنَى الْمَدْحِ يُقَالُ زَكَّى نَفْسَهُ وَبِمَعْنَى الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ يُقَالُ زَكَّى الشَّاهِدَ، وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (قَوْلُهُ هِيَ تَمْلِيكُ الْمَالِ مِنْ فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ، وَلَا مَوْلَاهُ بِشَرْطِ قَطْعِ الْمَنْفَعَةِ عَنْ الْمُمَلِّكِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِلَّهِ - تَعَالَى -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَالْإِيتَاءُ هُوَ التَّمْلِيكُ وَمُرَادُهُ تَمْلِيكُ جُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ رُبْعُ الْعُشْرِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنَّمَا كَانَتْ اسْمًا لِلْفِعْلِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا تُوصَفُ بِالْوُجُوبِ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ دُونَ الْأَعْيَانِ وَالْمُرَادُ مِنْ إيتَاءِ الزَّكَاةِ إخْرَاجُهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مَوْضُوعَ الْفِقْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ، وَفِي الشَّرْعِ هِيَ الْمَالُ الْمُؤَدَّى؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، وَلَا يَصِحُّ الْإِيتَاءُ إلَّا لِلْعَيْنِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَأَوْرَدَ الشَّارِحُ عَلَى هَذَا الْحَدِّ الْكَفَّارَةَ إذَا مُلِّكَتْ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ مَوْجُودٌ فِيهَا وَلَوْ قَالَ تَمْلِيكُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لَانْفَصَلَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ يَجِبُ فِيهَا تَمْلِيكُ الْمَالِ. اهـ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ فَقِيرٍ مُسْلِمٍ خَرَجَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ) زَادَ فِي النَّهْرِ غَيْرَ مُتَقَدِّمٍ عَلَى إمَامِهِ قَالَ وَحَذَفَهُ فِي الْبَحْرِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِقَوْلِهِ وَإِلَى وَجْهِهِ لَا أَيْ لَا يَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ غَيْرَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَالْمُؤَثِّرُ إنَّمَا هُوَ التَّقَدُّمُ وَعَدَمُهُ
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَانِبِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ رَأَيْت فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ لَوْ تَوَجَّهَ الْإِمَامُ أَوْ الْمَأْمُومُ إلَى الرُّكْنِ فَكُلٌّ مِنْ جَانِبَيْهِ جِهَتُهُ، وَأَقُولُ: وَلَا شَيْءَ مِنْ قَوَاعِدِنَا يَأْبَاهُ فَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ إلَى الرُّكْنِ فَكُلٌّ مِنْ جَانِبَيْهِ جَانِبَهُ فَيُنْظَرُ إلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ الْمُقْتَدِينَ فَمَنْ كَانَ الْإِمَامُ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْحَائِطِ أَوْ بِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فَيُحْكَمُ بِصِحَّةِ صَلَاتِهِ، وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْحَائِطِ فَصَلَاتُهُ فَاسِدَةٌ وَبِهِ يَتَّضِحُ الْحَالُ فِي التَّحَلُّقِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ مَعَ الْإِمَامِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ اهـ.
وَنَحْوُهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ وَقَفَ مُسَامِتًا لِرُكْنٍ فِي جَانِبِ الْإِمَامِ وَكَانَ أَقْرَبَ لَمْ أَرَهُ وَيَنْبَغِي الْفَسَادُ احْتِيَاطًا لِتَرْجِيحِ جِهَةِ الْإِمَامِ وَهَذِهِ صُورَتُهُ مُؤْتَمٌّ إمَامٌ
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
(قَوْلُهُ فِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً) صَوَابُهُ فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ كَمَا عَدَّهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ (قَوْلُهُ: وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الْمَقْدِسِيَّ وَأَقَرَّهُ فِي الشرنبلالية بِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ التَّعْرِيفِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ الْإِسْلَامِ شَرْطًا فِي الزَّكَاةِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْكَفَّارَةِ حَتَّى يُخْرِجَ هَذَا اهـ.
وَاعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ أَيْضًا بِأَنَّ شَأْنَ الشُّرُوطِ أَنْ تَكُونَ خَارِجَةً عَنْ الْمَاهِيَّةِ لَا أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ أَلْ فِي الْمَالِ لِلْعَهْدِ أَيْ الْمَعْهُودِ إخْرَاجَهُ شَرْعًا، وَلَمْ يُعْهَدْ فِيهَا إلَّا التَّمْلِيكُ وَكَوْنُ الْمُخْرَجِ رُبْعَ الْعُشْرِ وَبِهِ عُرِفَ أَنَّ حَقِيقَتَهَا تَمْلِيكُ رُبْعِ الْعُشْرِ لَا غَيْرُ اهـ.
وَلَا يَخْفَى
стр. 620
مَخْرَجَ الشُّرُوطِ، وَالْإِسْلَامُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي أَخْذِ الْكَفَّارَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَأَيْضًا لَيْسَ الْجَوَازُ فِي الْكَفَّارَةِ بِاعْتِبَارِ التَّمْلِيكِ بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّرْطَ فِيهَا التَّمْكِينُ الشَّامِلُ لِلتَّمْلِيكِ وَالْإِبَاحَةِ، وَالْمَالُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ الْأُصُولِ مَا يُتَمَوَّلُ وَيُدَّخَرُ لِلْحَاجَةِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْأَعْيَانِ فَخَرَجَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ قَالَ فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ فِي بَحْثِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ: الزَّكَاةُ لَا تَتَأَدَّى إلَّا بِتَمْلِيكِ عَيْنٍ مُتَقَوِّمَةٍ حَتَّى لَوْ أَسْكَنَ الْفَقِيرَ دَارِهِ سَنَةً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ مُتَقَوِّمَةٍ. اهـ.
وَهَذَا عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ، وَأَمَّا عَلَى الْأُخْرَى مِنْ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ مَالٌ فَهُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُنْصَرِفٌ إلَى الْعَيْنِ، وَقُيِّدَ بِالتَّمْلِيكِ احْتِرَازًا عَنْ الْإِبَاحَةِ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ عَالَ يَتِيمًا فَجَعَلَ يَكْسُوهُ وَيُطْعِمُهُ وَجَعَلَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فَالْكِسْوَةُ تَجُوزُ لِوُجُودِ رُكْنِهِ، وَهُوَ التَّمْلِيكُ، وَأَمَّا الْإِطْعَامُ إنْ دَفَعَ الطَّعَامَ إلَيْهِ بِيَدِهِ يَجُوزُ أَيْضًا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ، وَيَأْكُلْ الْيَتِيمُ لَمْ يَجُزْ لِانْعِدَامِ الرُّكْنِ، وَهُوَ التَّمْلِيكُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَبْضَ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فِي التَّبَرُّعَاتِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ، وَاحْتَرَزَ بِالْفَقِيرِ الْمَوْصُوفِ بِمَا ذَكَرَ عَنْ الْغَنِيِّ وَالْكَافِرِ وَالْهَاشِمِيِّ وَمَوْلَاهُ، وَالْمُرَادُ عِنْدَ الْعِلْمِ بِحَالِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَصْرِفِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ لَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، فَإِنَّهُ يَقْبِضُ عَنْهُ وَصِيُّهُ أَوْ أَبُوهُ أَوْ مَنْ يَعُولُهُ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا أَوْ الْمُلْتَقِطُ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا فَقَبَضَ مَنْ ذَكَرَ، وَكَذَا قَبَضَهُ بِنَفْسِهِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَعْقِلَ الْقَبْضَ بِأَنْ لَا يَرْمِيَ بِهِ، وَلَا يُخْدَعَ عَنْهُ وَالدَّفْعُ إلَى الْمَعْتُوهِ يُجْزِئُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَحُكْمُ الْمَجْنُونِ الْمُطْبَقِ مَعْلُومٌ مِنْ حُكْمِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْحُرِّيَّةَ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَى غَيْرِ الْحُرِّ جَائِزٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَيَانِ الْمَصْرِفِ وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ بِشَرْطِ أَنَّ الدَّفْعَ إلَى أُصُولِهِ وَإِنْ عَلَوْا وَإِلَى فُرُوعِهِ، وَإِنْ سَفَلُوا وَإِلَى زَوْجَتِهِ وَزَوْجِهَا وَإِلَى مُكَاتَبِهِ لَيْسَ بِزَكَاةٍ كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الدَّفْعَ إلَى كُلِّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِأَصْلٍ وَلَا فَرْعٍ جَائِزٌ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ يَعُولُ أُخْتَهُ أَوْ أَخَاهُ أَوْ عَمَّهُ فَأَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الزَّكَاةَ فَإِنْ لَمْ يَفْرِضْ الْقَاضِي عَلَيْهِ النَّفَقَةَ جَازَ؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ بِصِفَةِ الْقُرْبَةِ يَتَحَقَّقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِنْ فَرَضَ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ لِزَمَانَتِهِ إنْ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ نَفَقَتِهِمْ جَازَ، وَإِنْ كَانَ يُحْتَسَبُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ هَذَا أَدَاءُ الْوَاجِبِ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ اهـ.
وَقَوْلُهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بَيَانٌ لِشَرْطٍ آخَرَ، وَهُوَ النِّيَّةُ، وَهِيَ شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا لِلْمَقَاصِدِ
(قَوْلُهُ شَرْطُ وُجُوبِهَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ) أَيْ شَرْطُ افْتِرَاضِهَا؛ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ قَطْعِيَّةٌ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ جَاحِدِهَا وَدَلِيلُهُ الْقُرْآنُ وَمَا فِي الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ رَدَّهُ فِي الْغَايَةِ بِأَنَّ السُّنَّةَ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْفَرْضُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُتَوَاتِرَةً أَوْ مَشْهُورَةً، وَالسُّنَّةُ الْوَارِدَةُ أَخْبَارُ آحَادٍ صِحَاحٌ، وَبِهَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ دُونَ الْفَرْضِ وَالْعَقْلُ لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِالْمَعْقُولِ الْمَقَايِيسَ الْمُسْتَنْبَطَةَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا الْفَرْضِيَّةُ اهـ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُمْ فِي مِثْلِهِ يَجْعَلُونَهُ مُؤَكِّدًا لِلْقُرْآنِ الْقَطْعِيِّ لَا مُثْبِتًا، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ كَإِطْلَاقِ الْوَاجِبِ عَلَى الْفَرْضِ، وَهُوَ إمَّا مَجَازٌ فِي الْعُرْفِ بِعَلَاقَةِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ لُزُومِ اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ بِتَرْكِهِ عَدَلَ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ الْفَرْضُ إلَيْهِ بِسَبَبِ أَنَّ بَعْضَ مَقَادِيرِهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا تَثْبُتُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، أَوْ حَقِيقَةٌ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْوَاجِبَ نَوْعَانِ قَطْعِيٌّ وَظَنِّيٌّ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اسْمُ الْوَاجِبِ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكَّكِ اسْمًا أَعَمَّ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ نَوْعٍ، وَقَدْ أَسَلَفْنَا شَيْئًا مِنْهُ فِي أَوَّلِ الطَّهَارَةِ وَخَرَجَ الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ، فَلَا زَكَاةَ فِي مَالِهِمَا كَمَا لَا صَلَاةَ عَلَيْهِمَا لِلْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» وَأَمَّا إيجَابُ النَّفَقَاتِ وَالْغَرَامَاتِ فِي مَالِهِمَا فَلِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لِعَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى النِّيَّةِ، وَأَمَّا إيجَابُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِبَادَةً مَحْضَةً لِمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ
ــ
[منحة الخالق]
عَلَيْك مَا فِي كُلٍّ مِنْ الِاعْتِرَاضَيْنِ نَعَمْ يَرِدُ عَلَى الْمُؤَلِّفِ أَنْ جَعْلَ بَعْضِ الْقُيُودِ شُرُوطًا فِي الْحُدُودِ غَيْرُ مَعْهُودٍ فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى الْجَوَابِ الثَّانِي لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْكَفَّارَةَ صَدَقَ عَلَيْهَا تَعْرِيفُ الْمُصَنِّفِ لِلزَّكَاةِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ فَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِجَعْلِ أَلْ فِي الْمَالِ لِلْعَهْدِ تَأَمَّلْ
стр. 621
حُكْمَ الْمَعْتُوهِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالِاخْتِلَافَ فِيهِ وَخَرَجَ الْكَافِرُ لِعَدَمِ خِطَابِهِ بِالْفُرُوعِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَلَوْ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ لَا يُخَاطَبُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَيَّامَ رِدَّتِهِ ثُمَّ كَمَا هُوَ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الزَّكَاةِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ ارْتَدَّ بَعْدَ وُجُوبِهَا سَقَطَتْ كَمَا فِي الْمَوْتِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
وَقَيَّدَ بِالْحُرِّيَّةِ احْتِرَازًا عَنْ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُسْتَسْعَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِعَدَمِ الْمِلْكِ أَصْلًا فِيمَا عَدَا الْمُكَاتَبَ وَالْمُسْتَسْعَى، وَلِعَدَمِ تَمَامِهِ فِيهِمَا، وَلَوْ حَذَفَ الْحُرِّيَّةَ وَاسْتَغْنَى عَنْهَا بِالْمِلْكِ؛ إذْ الْعَبْدُ لَا مِلْكَ لَهُ وَزَادَ فِي الْمِلْكِ قَيْدَ التَّمَامِ، وَهُوَ الْمَمْلُوكُ رَقَبَةً وَيَدًا لِيُخْرِجَ الْمُكَاتَبَ وَالْمُشْتَرِيَ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا سَيَأْتِي لَكَانَ أَوْجَزَ وَأَتَمَّ وَعِنْدَهُمَا الْمُسْتَسْعَى حُرٌّ مَدْيُونٌ فَإِنْ مَلَكَ بَعْدَ قَضَاءِ سِعَايَتِهِ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا كَامِلًا تَجِبُ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الْبَدَائِعِ وَالْجُنُونِ نَوْعَانِ أَصْلِيٌّ وَعَارِضٌ أَمَّا الْأَصْلِيُّ، وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ مَجْنُونًا فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْحَوْلِ عَلَى النِّصَابِ حَتَّى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَا مَضَى مِنْ الْأَحْوَالِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءَ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ الْإِفَاقَةِ كَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ يُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ الْبُلُوغِ، وَأَمَّا الطَّارِئُ، فَإِنْ دَامَ سَنَةً كَامِلَةً فَهُوَ فِي حُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ ثُمَّ أَفَاقَ فَعَنْ مُحَمَّدٍ وُجُوبُهَا وَإِنْ أَفَاقَ سَاعَةً، وَعَنْهُ إنْ أَفَاقَ أَكْثَرَ السَّنَةِ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا. اهـ.
وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمُجْتَبَى
(قَوْلُهُ وَمِلْكُ نِصَابٍ حَوْلِيٍّ فَارِغٍ عَنْ الدَّيْنِ وَحَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ نَامٍ، وَلَوْ تَقْدِيرًا) لِأَنَّهُ ﵊ قَدَّرَ السَّبَبَ بِهِ، وَقَدْ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ سَبَبَهَا مِلْكُ مَالٍ مُعَدٍّ مُرْصَدٍ لِلنَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ فَاضِلٍ عَنْ الْحَاجَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ لِمَا أَنَّ السَّبَبَ وَالشَّرْطَ قَدْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُضَافُ إلَيْهِ الْوُجُودُ لَا عَلَى وَجْهِ التَّأْثِيرِ فَخَرَجَ الْعِلَّةُ وَيَتَمَيَّزُ السَّبَبُ عَنْ الشَّرْطِ بِإِضَافَةِ الْوُجُوبِ إلَيْهِ أَيْضًا دُونَ الشَّرْطِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَأَطْلَقَ الْمِلْكَ فَانْصَرَفَ إلَى الْكَامِلِ، وَهُوَ الْمَمْلُوكُ رَقَبَةً وَيَدًا فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَا عَلَى الْمَوْلَى فِي عَبْدِهِ الْمُعَدِّ لِلتِّجَارَةِ إذَا أَبَقَ لِعَدَمِ الْيَدِ، وَلَا الْمَغْصُوبِ، وَلَا الْمَجْحُودِ إذَا عَادَ إلَى صَاحِبِهِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ ابْنُ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ يَدَ نَائِبِهِ كَيَدِهِ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَمِنْ مَوَانِعِ الْوُجُوبِ الرَّهْنُ إذَا كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لِعَدَمِ مِلْكِ الْيَدِ بِخِلَافِ الْعُشْرِ حَيْثُ يَجِبُ فِيهِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَأَمَّا كَسْبُ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِلَّا فَكَسْبُهُ لِمَوْلَاهُ، وَعَلَى الْمَوْلَى زَكَاتُهُ إذَا تَمَّ الْحَوْلُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمِعْرَاجِ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ مَا إذَا تَمَّ الْحَوْلُ، وَهُوَ فِي يَدِ الْعَبْدِ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَيُزَكِّي الْمَوْلَى مَتَى أَخَذَهُ مِنْ الْعَبْدِ ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ الزَّكَاةِ
وَقِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى كَالْوَدِيعَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ تَجَرَّدَ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ يَدُ أَصَالَةٍ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَدُ نِيَابَةٍ عَنْ الْمَوْلَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ إثْبَاتًا وَإِزَالَةً فَلَمْ تَكُنْ يَدُ الْمَوْلَى ثَابِتَةً عَلَيْهِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ كَالدُّيُونِ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ
ــ
[منحة الخالق]
[شُرُوط وُجُوب الزَّكَاة]
(قَوْلُهُ: فَإِنْ مَلَكَ بَعْدَ قَضَاءِ سِعَايَتِهِ) الْأَظْهَرُ عِبَارَةُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: إنْ فَضَلَ عَنْ سِعَايَتِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ فَعَنْ مُحَمَّدٍ وُجُوبُهَا إلَخْ) الَّذِي فِي الْبَدَائِعِ هَكَذَا، وَإِنْ كَانَ سَاعَةً مِنْ الْحَوْلِ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ يَجِبُ زَكَاةُ ذَلِكَ الْحَوْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَرِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْهُ إنْ أَفَاقَ أَكْثَرَ السَّنَةِ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَوْ أَفَاقَ فِي بَعْضِ السَّنَةِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ إفَاقَتِهِ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ فِي الصَّوْمِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ اهـ.
وَبِهِ يَظْهَرُ مَا فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ مِنْ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ حَيْثُ أَرْجَعَ ضَمِيرَ، وَعَنْهُ إلَى مُحَمَّدٍ مَعَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى أَبِي يُوسُفَ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ جَعَلَهُ الْمُصَنِّفُ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ إلَخْ) أَقُولُ: حَاصِلُ جَوَابِهِ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ أَطْلَقَ الشَّرْطَ عَلَى السَّبَبِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي إضَافَةِ الْوُجُودِ إلَيْهِمَا، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَقَوْلُهُ مِلْكُ نِصَابٍ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى مَفْعُولِهِ فَالشَّرْطُ كَوْنُهُ مَالِكًا لِلنِّصَابِ الْحَوْلِيِّ، وَأَمَّا النِّصَابُ نَفْسُهُ فَهُوَ السَّبَبُ، وَقَوْلُ الْمُحِيطِ: إنَّ سَبَبَهَا مِلْكُ مَالٍ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ أَيْ مَالٍ مَمْلُوكٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا سَبَبُ فَرَضِيَتْهَا فَهُوَ الْمَالُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَالِ وَلِذَا تُضَافُ إلَيْهِ يُقَالُ: زَكَاةُ الْمَالِ، وَالْإِضَافَةُ فِي مِثْلِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَوْمِ الشَّهْرِ وَحَجِّ الْبَيْتِ اهـ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ الْحَوْلِيُّ سَبَبٌ وَمِلْكُهُ شَرْطٌ؛ وَلِذَا عَدَّ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ الشُّرُوطِ الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ، وَهُوَ الْمَمْلُوكُ رَقَبَةً وَيَدًا، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ النَّهْرِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ فَانْصَرَفَ إلَى الْكَامِلِ) قَالَ فِي النَّهْرِ أَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِمَا مَرَّ قَرِيبًا مِنْ احْتِيَاجِهِ إلَى قَيْدِ التَّمَامِ (قَوْلُهُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَخْ) أَيْ قَبْلَ قَبْضِهِ أَمَّا بَعْدَهُ فَيَجِبُ لِمَا مَضَى كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ
стр. 622
مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا اسْتَأْجَرَ بِهَا دَارًا عَشْرَ سِنِينَ لِكُلِّ سَنَةٍ مِائَةٌ فَدَفَعَ الْأَلْفَ، وَلَمْ يَسْكُنْهَا حَتَّى مَضَتْ السُّنُونَ وَالدَّارُ فِي يَدِ الْآجِرِ زَكَّى الْآجِرُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى عَنْ تِسْعِمِائَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَنْ ثَمَانِمِائَةٍ إلَّا زَكَاةَ السَّنَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُسْقِطُ لِكُلِّ سَنَةٍ زَكَاةَ مِائَةٍ أُخْرَى، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَلْفَ بِالتَّعْجِيلِ كُلَّهَا فَإِذَا لَمْ يُسَلِّمْ الدَّارَ إلَيْهِ سَنَةً انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ فِي الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَزَالَ عَنْ مِلْكِهِ مِائَةٌ، وَصَارَ مَصْرُوفًا إلَى الدَّيْنِ وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ حَوْلٍ انْتَقَصَ مِائَة وَيَصِيرُ مِائَةً دَيْنًا عَلَيْهِ وَيَرْفَعُ ذَلِكَ مِنْ النِّصَابِ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُزَكِّي لِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ سَبْعَمِائَةٍ وَسِتِّينَ، وَعِنْدَهُمَا سَبْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْكُسُورِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا فِيهِ زَكَاةٌ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ لِنُقْصَانِ نِصَابِهِ فِي الْأُولَى وَلِعَدَمِ تَمَامِ الْحَوْلِ فِي الثَّانِيَةِ وَيُزَكِّي فِي الثَّالِثَةِ ثَلَاثَمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَفَادَ مِائَةً أُخْرَى ثُمَّ يُزَكِّي لِكُلِّ سَنَةٍ مِائَةً أُخْرَى وَمَا اسْتَفَادَ قَبْلَهَا إلَّا أَنَّهُ يَرْفَعُ عَنْهُ زَكَاةَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ اهـ.
وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ حَوْلِيًّا أَنْ يَتِمَّ الْحَوْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» قَالَ فِي الْغَايَةِ: سُمِّيَ حَوْلًا؛ لِأَنَّ الْأَحْوَالَ تَحُولُ فِيهِ، وَفِي الْقُنْيَةِ الْعِبْرَةُ فِي الزَّكَاةِ لِلْحَوْلِ الْقَمَرِيِّ، وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَلْفٍ وَدَفَعَ إلَيْهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا أَمَةٌ فَحَالَ الْحَوْلُ عِنْدَهَا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَرُدَّ الْأَلْفُ عَلَى الزَّوْجِ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ إذَا حَلَقَ لِحْيَةَ إنْسَانٍ فَقُضِيَ عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ، وَدَفَعَ الدِّيَةَ إلَيْهِ، وَحَالَ الْحَوْلُ ثُمَّ نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ وَرُدَّتْ الدِّيَةُ لَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ رَجُلٌ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَدَفَعَ الْأَلْفَ إلَيْهِ ثُمَّ تَصَادَقَا بَعْدَ الْحَوْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ أَلْفًا وَدَفَعَ الْأَلْفَ إلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ بِقَضَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ وَاسْتَرَدَّ الْأَلْفَ لَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا اهـ.
وَظَاهِرُهُ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فِي حَقٍّ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ وَمِلْكِهِ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِ الْمَالِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَهُوَ مُسْقِطٌ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَإِلَّا فَتَحْتَاجُ الْمُتُونُ إلَى إصْلَاحٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَنَقَدَ الثَّمَنَ، وَلَمْ يَقْبِضْ الْعَبْدَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ فَمَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْبَائِعِ كَانَ عَلَى بَائِعِ الْعَبْدِ زَكَاةُ الْمِائَتَيْنِ
وَكَذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَمَّا عَلَى الْبَائِعِ فَلِأَنَّهُ مَلَكَ الثَّمَنَ وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْمُشْتَرِي فَلِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ لِلتِّجَارَةِ وَبِمَوْتِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَالْمُشْتَرِي أَخَذَ عِوَضَ الْعَبْدِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَةً كَانَ عَلَى الْبَائِعِ زَكَاةُ الْمِائَتَيْنِ لِأَنَّهُ مَلَكَ الثَّمَنَ وَمَضَى عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ وَبِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ لَحِقَهُ دَيْنٌ بَعْدَ الْحَوْلِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْمِائَتَيْنِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ زَالَ عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْبَائِعِ فَلَمْ يَمْلِكْ الْمِائَتَيْنِ حَوْلًا كَامِلًا وَبِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ اسْتَفَادَ الْمِائَتَيْنِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ اهـ.
وَشَرَطَ فَرَاغَهُ عَنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَعَهُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَاعْتُبِرَ مَعْدُومًا كَالْمَاءِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَطَشِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَحِلُّ مَعَ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى مَالِهِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ كَالْمُكَاتَبِ وَلِأَنَّ الدَّيْنَ يُوجِبُ نُقْصَانَ الْمِلْكِ؛ وَلِذَا يَأْخُذُهُ الْغَرِيمُ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَلَا رِضًا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْحَالَّ وَالْمُؤَجَّلَ، وَلَوْ صَدَاقَ زَوْجَتِهِ الْمُؤَجَّلَ إلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ وَقِيلَ الْمَهْرُ الْمُؤَجَّلُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الْمُعَجَّلِ وَقِيلَ إنْ كَانَ الزَّوْجُ عَلَى عَزْمِ الْأَدَاءِ مَنَعَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ دَيْنًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ إذَا صَارَتْ دَيْنًا عَلَى الزَّوْجِ إمَّا بِالصُّلْحِ أَوْ بِالْقَضَاءِ وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ إذَا صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ إمَّا بِالصُّلْحِ أَوْ بِالْقَضَاءِ عَلَيْهِ يَمْنَعُ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَقَيَّدَ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ فِي الْبَدَائِعِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ إلَّا زَكَاةَ السَّنَةِ الْأُولَى) ، وَهِيَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَنِصْفُ فَتْحٌ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا، وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلِهِ يُزَكِّي فِي الْأُولَى عَنْ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ، وَلَا زَكَاةَ فِي الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهَا دُونَ الْخُمُسِ فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَلَيْهِ فِي الْأُولَى اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَيَكُونُ الْبَاقِي مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ سَبْعَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةً وَسَبْعِينَ فَيُزَكِّي عَنْ سَبْعِمِائَةٍ وَسِتِّينَ عِنْدَهُ كَمَا سَيَأْتِي
стр. 623
بِقَيْدٍ آخَرَ، وَهُوَ قَلِيلُ الْمُدَّةِ فَإِنَّ الْمُدَّةَ إذَا كَانَتْ طَوِيلَةً فَإِنَّهَا تَسْقُطُ، وَلَا تَصِيرُ دَيْنًا وَشَمِلَ كَلَامُهُ كُلَّ دَيْنٍ
وَفِي الْهِدَايَةِ: وَالْمُرَادُ دَيْنٌ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ حَتَّى لَا يَمْنَعُ دَيْنُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ مَانِعٌ حَالَ بَقَاءِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِصُ بِهِ النِّصَابُ، وَكَذَا بَعْدَ الِاسْتِهْلَاكِ خِلَافًا لِزُفَرَ فِيهِمَا وَلِأَبِي يُوسُفَ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ لَهُ مُطَالِبًا، وَهُوَ الْإِمَامُ فِي السَّوَائِمِ، وَنُوَّابُهُ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ كَانَ الْمُلَّاكُ نُوَّابَهُ اهـ.
وَكَذَا لَا يَمْنَعُ دَيْنُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَوُجُوبُ الْحَجِّ وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَدَيْنُ النَّذْرِ لَا يَمْنَعُ وَمَتَى اُسْتُحِقَّ بِجِهَةِ الزَّكَاةِ بَطَلَ النَّذْرُ فِيهِ بَيَانُهُ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ نَذَرَ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ مِنْهَا، وَحَالَ الْحَوْلُ سَقَطَ النَّذْرُ بِقَدْرِ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ وَيَتَصَدَّقُ لِلنَّذْرِ بِسَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ وَنِصْفٍ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِمِائَةٍ مِنْهَا لِلنَّذْرِ يَقَعُ دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ عَنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِتَعْيِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا يَبْطُلُ بِتَعْيِينِهِ لِغَيْرِهِ وَلَوْ نَذَرَ بِمِائَةٍ مُطْلَقَةٍ لَزِمَتْهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْمَنْذُورِ بِهِ الذِّمَّةُ فَلَوْ تَصَدَّقَ بِمِائَةٍ مِنْهَا لِلنَّذْرِ يَقَعُ دِرْهَمَانِ وَنِصْفٌ لِلزَّكَاةِ، وَيَتَصَدَّقُ بِمِثْلِهَا عَنْ النَّذْرِ اهـ.
فَلَوْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ حَالَ عَلَيْهِ حَوْلَانِ، وَلَمْ يُزَكِّهِ فِيهِمَا لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي، وَلَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ لَمْ يُزَكِّهَا حَوْلَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلِلْحَوْلِ الثَّانِي أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَلَمْ يُزَكِّهِ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ ثُمَّ اسْتَفَادَ غَيْرَهُ، وَحَالَ عَلَى النِّصَابِ الْمُسْتَفَادِ الْحَوْلُ لَا زَكَاةَ فِيهِ لِاشْتِغَالِ خَمْسَةٍ مِنْهُ بِدَيْنِ الْمُسْتَهْلِكِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يُسْتَهْلَكْ بَلْ هَلَكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي الْمُسْتَفَادِ لِسُقُوطِ زَكَاةِ الْأَوَّلِ بِالْهَلَاكِ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ اُسْتُهْلِكَ قَبْلَ الْحَوْلِ حَيْثُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا إذَا بَاعَ نِصَابَ السَّائِمَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ بِسَائِمَةٍ مِثْلِهَا أَوْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ يُرِيدُ بِهِ الْفِرَارَ مِنْ الصَّدَقَةِ، أَوْ لَا يُرِيدُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي الْبَدَلِ إلَّا بِحَوْلٍ جَدِيدٍ أَوْ يَكُونُ لَهُ مَا يَضُمُّهُ إلَيْهِ فِي صُورَةِ الدَّرَاهِمِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْتِبْدَالَهُ السَّائِمَةَ بِغَيْرِهَا مُطْلَقًا اسْتِهْلَاكٌ بِخِلَافِ غَيْرِ السَّائِمَةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْبَدَائِعِ وَقَالُوا دَيْنُ الْخَرَاجِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُطَالَبُ بِهِ، وَكَذَا إذَا صَارَ الْعُشْرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِأَنْ أَتْلَفَ الطَّعَامَ الْعُشْرِيَّ صَاحِبُهُ فَأَمَّا وُجُوبُ الْعُشْرِ فَلَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالطَّعَامِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ إنْ كَانَ لِلْمَدْيُونِ نُصُبٌ يَصْرِفُ الدَّيْنَ إلَى الْأَيْسَرِ قَضَاءً فَيَصْرِفُ إلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ثُمَّ إلَى عُرُوضِ التِّجَارَةِ ثُمَّ إلَى السَّوَائِمِ، فَإِنْ كَانَتْ أَجْنَاسًا صَرَفَ إلَى أَقَلِّهَا حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْبَقَرِ وَخَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ صَرَفَ إلَى الْغَنَمِ أَوْ إلَى الْإِبِلِ دُونَ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّ التَّبِيعَ فَوْقَ الشَّاةِ، فَإِنْ اسْتَوَيَا خُيِّرَ كَأَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ وَخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَقِيلَ: يَصْرِفُ إلَى الْغَنَمِ لِتَجِبَ الزَّكَاةُ فِي الْإِبِلِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ هَكَذَا أَطْلَقُوا
وَقَيَّدَهُ فِي الْمَبْسُوطِ بِأَنْ يُحْضِرَ الْمُصَدِّقَ أَيْ السَّاعِيَ فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ فَالْخِيَارُ إلَى صَاحِبِ الْمَالِ إنْ شَاءَ صَرَفَ الدَّيْنَ إلَى السَّائِمَةِ وَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَإِنْ شَاءَ صَرَفَ الدَّيْنَ إلَى الدَّرَاهِمِ وَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْمَالِ هُمَا سَوَاءٌ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ: وَأَمَّا الدَّيْنُ الْمُعْتَرِضُ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ بِمَنْزِلَةِ هَلَاكِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَمْنَعُ بِمَنْزِلَةِ نُقْصَانِهِ اهـ.
وَتَقْدِيمُهُمْ قَوْلَ مُحَمَّدٍ يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَبْرَأَهُ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَسْتَأْنِفُ حَوْلًا جَدِيدًا إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ أَيْضًا
وَأَمَّا الْحَادِثُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَلَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَعَلَى هَذَا مَنْ ضَمِنَ دَرَكًا فِي بَيْعٍ فَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ الدَّيْنَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَبِطَرِيقِ الْكَفَالَةِ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ: لَوْ اسْتَقْرَضَ أَلْفًا فَكَفَلَ عَنْهُ عَشَرَةٌ وَلِكُلٍّ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَتَقْدِيمُهُمْ قَوْلَ مُحَمَّدٍ يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِهِ) سَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ آخِرَ بَابِ زَكَاةِ الْمَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا قَوْلُ زُفَرَ حَيْثُ قَالَ: وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى الدَّيْنَ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا وَقَالَ زُفَرُ يَقْطَعُ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ عَدَمَ الْقَطْعِ أَيْ عَدَمَ مَنْعِهِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافَ مَا هُنَا فَتَأَمَّلْ وَانْظُرْ مَا فِي الْجَوْهَرَةِ فَلَعَلَّهُ يُفِيدُ التَّوْفِيقَ
стр. 624
أَلْفٍ فِي بَيْتِهِ، وَحَالَ الْحَوْلُ فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِشَغْلِهِ بِدَيْنِ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَيِّهِمْ شَاءَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ أَلْفٌ وَغَصَبَ أَلْفًا، وَغَصَبَهَا مِنْهُ آخَرُ لَهُ أَلْفٌ، وَحَالَ الْحَوْلُ عَلَى مَالِ الْغَاصِبَيْنِ ثُمَّ أَبْرَأَهُمَا فَإِنَّهُ يُزَكِّي الْغَاصِبُ الْأَوَّلُ أَلْفَهُ، وَالْغَاصِبُ الثَّانِي لَا؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ الْأَوَّلَ لَوْ ضَمِنَ يَرْجِعُ عَلَى الثَّانِي، وَالثَّانِي لَوْ ضَمِنَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ فَكَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فَصَارَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ مَانِعًا اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُبْرِئْهُمَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ النِّصَابِ الْمَذْكُورِ مَا مُلِكَ بِسَبَبٍ خَبِيثٍ؛ وَلِذَا قَالُوا: لَوْ أَنَّ سُلْطَانًا غَصَبَ مَالًا وَخَلَطَهُ صَارَ مِلْكًا لَهُ حَتَّى وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَوُرِثَ عَنْهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ خَلْطَ دَرَاهِمِهِ بِدَرَاهِمِ غَيْرِهِ عِنْدَهُ اسْتِهْلَاكٌ أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا فَلَا يَضْمَنُ فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الضَّمَانِ فَلَا يُورَثُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ فَإِنَّمَا يُورَثُ حِصَّةُ الْمَيِّتِ مِنْهُ
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَقَوْلُهُ: أَرْفَقُ بِالنَّاسِ؛ إذْ قَلَّمَا يَخْلُو مَالٌ عَنْ غَصْبٍ اهـ.
هَكَذَا ذَكَرُوا، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْخَلْطِ فَهُوَ مَشْغُولٌ بِالدَّيْنِ وَالشَّرْطُ الْفَرَاغُ عَنْهُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ أَيْضًا وَلِذَا شَرَطَ فِي الْمُبْتَغَى بِالْمُعْجَمَةِ أَنْ يُبْرِئَهُ أَصْحَابُ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ مَشْغُولٌ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ لِشَغْلِهِ بِدَيْنِ الْكَفَالَةِ) أَقُولُ: إنَّمَا يَتَحَقَّقُ الشَّغْلُ فِي مَالِ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ الزَّكَاةُ فِي مَالٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْأَخْذِ مِمَّنْ شَاءَ مِنْهُمْ فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ مَشْغُولًا لَكِنْ بَعْدَ تَعْيِينِ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمْ لِلْأَخْذِ ظَهَرَ شَغْلُ مَالِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ وَظَهَرَ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَدَمُ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لُزُومُ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِمْ حِينَئِذٍ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ الشَّغْلِ تَأَمَّلْ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ قَبْلَ الْأَخْذِ مِنْ أَحَدِهِمْ كَانَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ مُسْتَحَقًّا لِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِذَا مَضَى الْحَوْلُ كَذَلِكَ لَمْ يَتَحَقَّقْ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (قَوْلُهُ وَالْغَاصِبُ الثَّانِي لَا) أَيْ لَا يُزَكِّي أَلْفَهُ لِمَا يَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّ إقْرَارَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا اسْتَهْلَكَ الْغَاصِبُ الثَّانِي الْأَلْفَ؛ إذْ لَوْ بَقِيَتْ مَعَهُ يُزَكِّي أَلْفَهُ؛ لِأَنَّهَا سَالِمَةٌ مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ مَا غَصَبَهُ
(قَوْلُهُ وَلِذَا قَالُوا: لَوْ أَنَّ سُلْطَانًا غَصَبَ مَالًا وَخَلَطَهُ إلَخْ) أَيْ خَلَطَهُ بِمَالِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَغَصَبَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَخَلَطَهَا بِبَعْضِهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ لَوْ كَانَ الْخَبِيثُ نِصَابًا لَا يَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ وَاجِبُ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ فَلَا يُفِيدُ إيجَابَ التَّصَدُّقِ بِبَعْضِهِ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ قَالَ فِي الشرنبلالية وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَفْرِيغُ ذِمَّتِهِ بِرَدِّهِ إلَى أَرْبَابِهِ إنْ عُلِمُوا وَإِلَّا إلَى الْفُقَرَاءِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ يُوَفِّي مِنْهُ الْكُلَّ أَوْ الْبَعْضَ فَإِنْ كَانَ زَكَّى مَا قَدَرَ عَلَى وَفَائِهِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ قَالَ: مَحْمِلُ مَا ذَكَرُوهُ مَا إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ مَا اسْتَهْلَكَهُ بِالْخَلْطِ يَفْضُلُ عَنْهُ فَلَا يُحِيطُ الدَّيْنُ بِمَالِهِ، وَهَذَا طَبَّقَ مَا فَهِمْته، وَلِلَّهِ - تَعَالَى - الْمِنَّةُ. اهـ.
قُلْت: وَقَدْ رَأَيْت مَا يُفِيدُهُ فِي الْفَصْلِ الْعَاشِرِ مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ قَالَ عَنْ فَتَاوَى الْحُجَّةِ: وَمَنْ مَلَكَ أَمْوَالًا غَيْرَ طَيِّبَةٍ أَوْ غَصَبَ أَمْوَالًا وَخَلَطَهَا مَلَكَهَا بِالْخَلْطِ وَيَصِيرُ ضَامِنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا نِصَابٌ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ بَلَغَتْ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ مَدْيُونٌ، وَمَالُ الْمَدْيُونِ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَنَا اهـ.
وَذَكَرَ فِي الشرنبلالية مِثْلَ مَا فِي السَّعْدِيَّةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَوُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَبْرَأَهُ الْغُرَمَاءُ أَوْ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يُوَفِّي دَيْنَهُ، وَإِلَّا فَلَا وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ نِصَابٌ زَائِدٌ عَلَى مَا يُوَفِّي دَيْنَهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مَشْغُولًا بِالدَّيْنِ لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُزَكِّي مَا زَادَ عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ نِصَابًا كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ السَّعْدِيَّةِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ النَّهْرِ وَعَلَى هَذَا فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَا غَصَبَهُ بَلْ زَكَاةُ مَالِهِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ فَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ فَتَدَبَّرْ لَا يُقَالُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِ الزَّكَاةِ كَدُورِ السُّكْنَى وَثِيَابِ الْبَدَنِ وَنَحْوِهَا فَإِذَا كَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُسَاوِي مَا عَلَيْهِ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِمَّا غَصَبَهُ وَخَلَطَهُ صَارَ مِلْكَهُ وَلَهُ جِهَةُ وَفَاءٍ مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَا كَانَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا فَلَوْ كَانَ مَدْيُونًا بِمَا يُسَاوِي حَوَائِجَهُ الْأَصْلِيَّةَ، وَقُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ الدَّيْنِ لَزِمَ إيجَابُ الزَّكَاةِ عَلَى الْفَقِيرِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَلِأَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ أَنَّ الدَّيْنَ يُصْرَفُ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَهُ مَالُ الزَّكَاةِ وَغَيْرُهُ يَصْرِفُ الدَّيْنَ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ خِلَافًا لِزُفَرَ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى خَادِمٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَلَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَخَادِمٍ يَصْرِفُ الدَّيْنَ إلَى الْمِائَتَيْنِ دُونَ الْخَادِمِ خِلَافًا لِزُفَرَ
صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْبَدَائِعِ فَلَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ الْمَذْكُورُ تَأَمَّلْ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ أَصْلِ الْإِشْكَالِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا حَفِظَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِأَنَّ مَا غَصَبَهُ السُّلْطَانُ وَخَلَطَهُ بِمَالِهِ إنْ كَانَ أَصْحَابُهُ مَعْلُومِينَ فَلَا كَلَامَ فِي وُجُوبِ ضَمَانِهِ لَهُمْ، وَعَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ قَبْلَ أَدَاءِ ضَمَانِهِ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَعْلُومِينَ أَيْ لَا هُمْ، وَلَا وَرَثَتُهُمْ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِلْكَهُ بِالْخَلْطِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَتْ ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِقَدْرِهِ
стр. 625
وُجُوبَ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَيَمْنَعُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ فَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَذَا فِي الْكَشْفِ الْكَبِيرِ مِنْ بَحْثِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ رَجُلٌ الْتَقَطَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَعَرَّفَهَا سَنَةً ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا وَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ عَلَى أَلْفِهِ زَكَّاهَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ الْمُتَصَدَّقِ بِهَا لَمْ تَصِرْ دَيْنًا عَلَيْهِ فِي الْحَالِ لِجَوَازِ أَنْ يُجِيزَ صَاحِبُهَا التَّصَدُّقَ اهـ.
وَشَرَطَ فَرَاغَهُ عَنْ الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْمَشْغُولَ بِهَا كَالْمَعْدُومِ وَفَسَّرَهَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلِكِ بِمَا يَدْفَعُ الْهَلَاكَ عَنْ الْإِنْسَانِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا فَالثَّانِي كَالدَّيْنِ وَالْأَوَّلُ كَالنَّفَقَةِ وَدُورِ السُّكْنَى وَآلَاتِ الْحَرْبِ وَالثِّيَابِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا لِدَفْعِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ وَكَآلَاتِ الْحِرْفَةِ وَأَثَاثِ الْمَنْزِلِ وَدَوَابِّ الرُّكُوبِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ لِأَهْلِهَا فَإِذَا كَانَ لَهُ دَرَاهِمُ مُسْتَحَقَّةٌ لِيَصْرِفَهَا إلَى تِلْكَ الْحَوَائِجِ صَارَتْ كَالْمَعْدُومَةِ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَحَقَّ لِصَرْفِهِ إلَى الْعَطَشِ كَانَ كَالْمَعْدُومِ وَجَازَ عِنْدَهُ التَّيَمُّمُ اهـ.
فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ مَنْ مَعَهُ دَرَاهِمُ وَأَمْسَكَهَا بِنِيَّةِ صَرْفِهَا إلَى حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ وَهِيَ عِنْدَهُ وَيُخَالِفُهُ مَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي فَصْلِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي النَّقْدِ كَيْفَمَا أَمْسَكَهُ لِلنَّمَاءِ أَوْ لِلنَّفَقَةِ اهـ.
وَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ فِي بَحْثِ النَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ، وَمِنْ آلَات الْحِرْفَةِ الصَّابُونُ وَالْحُرْضُ لِلْغَسَّالِ لَا لِلْبَقَّالِ بِخِلَافِ الْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ لِلصَّبَّاغِ وَالدُّهْنِ وَالْعَفْصِ لِلدَّبَّاغِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ فِيهِ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ وَقَوَارِيرُ الْعَطَّارِينَ وَلُجُمُ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ الْمُشْتَرَاةِ لِلتِّجَارَةِ وَمَقَاوِدُهَا وَجِلَالُهَا إنْ كَانَ مِنْ غَرَضِ الْمُشْتَرِي بَيْعُهَا بِهَا فَفِيهَا الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْأَهْلِ فِي الْكُتُبِ لَيْسَ بِمُفِيدٍ لِمَا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا وَلَيْسَتْ هِيَ لِلتِّجَارَةِ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَإِنْ كَثُرَتْ لِعَدَمِ النَّمَاءِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ ذِكْرُ الْأَهْلِ فِي حَقِّ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ فَإِذَا كَانَتْ لَهُ كُتُبٌ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا لِلتَّدْرِيسِ وَغَيْرِهِ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا، وَهِيَ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ اهـ.
فَغَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي بَيَانِ مَا هُوَ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكُتُبَ لِغَيْرِ الْأَهْلِ لَيْسَتْ مِنْهَا، وَهُوَ تَقْيِيدٌ مُفِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى، وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ نَامِيًا وَالنَّمَاءُ فِي اللُّغَةِ بِالْمَدِّ الزِّيَادَةُ، وَالْقَصْرُ بِالْهَمْزِ خَطَأٌ يُقَالُ نَمَا الْمَالُ يَنْمِي نَمَاءً وَيَنْمُو نُمُوًّا وَأَنْمَاهُ اللَّهُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ
وَفِي الشَّرْعِ هُوَ نَوْعَانِ حَقِيقِيٌّ وَتَقْدِيرِيٌّ فَالْحَقِيقِيُّ الزِّيَادَةُ بِالتَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُلِ وَالتِّجَارَاتِ، وَالتَّقْدِيرِيُّ تَمَكُّنُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ بِكَوْنِ الْمَالِ فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِ نَائِبِهِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا فِي مَالِهِ كَمَالِ الضِّمَارِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْغَائِبُ الَّذِي لَا يُرْجَى فَإِذَا رُجِيَ فَلَيْسَ بِضِمَارٍ، وَأَصْلُهُ الْإِضْمَارُ، وَهُوَ التَّغْيِيبُ وَالْإِخْفَاءُ، وَمِنْهُ أَضْمَرَ فِي قَلْبِهِ شَيْئًا، وَفِي الشَّرْعِ كُلُّ مَالٍ غَيْرِ مَقْدُورِ الِانْتِفَاعِ بِهِ مَعَ قِيَامِ أَصْلِ الْمِلْكِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ فَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ مَهْرَ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَبَيَّنَ أَنَّهَا أَمَةٌ، وَدِيَةَ اللِّحْيَةِ الَّتِي تَنْبُتُ بَعْدَ حَلْقِهَا، وَالْمَالَ الْمُتَصَادَقَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، وَالْهِبَةَ الَّتِي رَجَعَ فِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ
ــ
[منحة الخالق]
لَكِنْ هَذَا دَيْنٌ لَيْسَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، قُلْت: لَكِنْ سَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَوَاخِرِ فَصْلِ زَكَاةِ الْغَنَمِ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّ الظَّلَمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْغَارِمِينَ وَالْفُقَرَاءِ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: يَجُوزُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ لِوَالِي خُرَاسَانَ، وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَدَفَعَ إلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ سَقَطَ اهـ.
فَكَوْنُهُ فَقِيرًا يَجُوزُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلَيْهِ يُنَافِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ نَعَمْ سَيَأْتِي فِي بَابِ الْمَصْرِفِ تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ مَنْ لَهُ نِصَابُ سَائِمَةٍ لَا تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ ابْنُ السَّبِيلِ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ فِي مَالِهِ الَّذِي بِبَلَدِهِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ تَقْيِيدٌ مُفِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ إذْ الْكَلَامُ فِي شَرَائِطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ الَّتِي مِنْهَا الْفَرَاغُ عَنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ وَمُقْتَضَى الْقَيْدِ وُجُوبُهَا عَلَى غَيْرِ الْأَهْلِ لِمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فِي حَقِّهِمْ، وَلَيْسَ بِالْوَاقِعِ لِفَقْدِ شَرْطٍ آخَرَ، وَهُوَ نِيَّةُ التِّجَارَةِ فَالْأَهْلُ وَغَيْرُ الْأَهْلِ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ سَوَاءٌ. اهـ.
قُلْت: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ: إنَّهُ تَقْيِيدٌ مُفِيدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِغَيْرِ الْأَهْلِ لَيْسَتْ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لَا أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: وَحَوَائِجُهُ الْأَصْلِيَّةُ لَا يَشْمَلُ الْكُتُبَ إلَّا لِمَنْ هُوَ أَهْلُهَا فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَأَمَّا لِمَنْ هُوَ غَيْرُ أَهْلِهَا فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ هُنَا ثُمَّ يُسْتَفَادُ حُكْمُهُ مِنْ قَوْلِهِ: نَامٍ، وَلَوْ تَقْدِيرًا فَيُعْلَمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا التِّجَارَةَ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عَلَيْهِ أَيْضًا ثُمَّ إنَّ عِبَارَةَ الْهِدَايَةِ هَكَذَا، وَعَلَى هَذَا كُتُبُ الْعِلْمِ لِأَهْلِهَا، وَآلَاتُ الْمُحْتَرَفِينَ لِمَا قُلْنَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ يَعْنِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَامِيَةٍ وَأُورِدَ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ الْمَارُّ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ عَلَى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ لِمَا قُلْنَا بِمَا ذَكَرَهُ الِاعْتِرَاضُ وَارِدٌ لَكِنْ رَدَّهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا مَشْغُولَةٌ إلَخْ فَلَا يَرِدُ قَوْلُهُ: إنَّ قَوْلَهُ لِأَهْلِهَا غَيْرُ مُفِيدٍ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ فِي الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ فَلَا وَجْهَ لِقَصْرِ الْإِشَارَةِ إلَى التَّعْلِيلِ الثَّانِي مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ الظَّاهِرِ ثُمَّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ اهـ وَهَذَا مَا أَجَابَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَمُشْعِرٌ بِمَا قُلْنَا
стр. 626
مِنْ جُمْلَةِ مَالِ الضِّمَارِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْمَالُ فِي الْحَوْلِ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ ضِمَارًا فِي حَقِّهِ، وَكَذَا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ؛ إذْ لَا مِلْكَ لَهُ ظَاهِرًا فِي الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا الْحَقُّ فِي التَّعْلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ مِنْ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْهَالِكِ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَمَالُ الضِّمَارِ هُوَ الدَّيْنُ الْمَجْحُودُ وَالْمَغْصُوبُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا بَيِّنَةٌ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا بَيِّنَةٌ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ إلَّا فِي غَصْبِ السَّائِمَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِهَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ مُقِرًّا كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفِيهَا أَيْضًا مِنْ بَابِ الْمَصْرِفِ الدَّيْنُ الْمَجْحُودُ إنَّمَا لَا يَكُونُ نِصَابًا إذَا حَلَّفَهُ الْقَاضِي وَحَلَفَ، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ يَكُونُ نِصَابًا حَتَّى لَوْ قَبَضَ مِنْهُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ اهـ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ لَا تُقْبَلُ، وَالْقَاضِي قَدْ لَا يَعْدِلُ، وَقَدْ لَا يَظْهَرُ بِالْخُصُومَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَانِعٍ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْهَالِكِ، وَصَحَّحَهُ فِي التُّحْفَةِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَصَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا وَعَزَاهُ إلَى السَّرَخْسِيِّ، وَمِنْهُ الْمَفْقُودُ وَالْآبِقُ وَالْمَأْخُوذُ مُصَادَرَةً، وَالْمَالُ السَّاقِطُ فِي الْبَحْرِ، وَالْمَدْفُونُ فِي الصَّحْرَاءِ الْمَنْسِيُّ مَكَانُهُ، فَلَوْ صَارَ فِي يَدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَوْلٍ جَدِيدٍ لِعَدَمِ الشَّرْطِ، وَهُوَ النُّمُوُّ، وَأَمَّا الْمَدْفُونُ فِي حِرْزٍ، وَلَوْ دَارَ غَيْرِهِ إذَا نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنْهُ فَيَكُونُ نِصَابًا، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْمَدْفُونِ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ كَرْمٍ فَقِيلَ بِالْوُجُوبِ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ حِرْزٍ، وَأَمَّا إذَا أَوْدَعَهُ وَنَسِيَ الْمُودَعَ، قَالُوا: إنْ كَانَ الْمُودَعُ مِنْ الْأَجَانِبِ فَهُوَ ضِمَارٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَعَارِفِهِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ لِتَفْرِيطِهِ بِالنِّسْيَانِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ
وَقَيَّدْنَا الدَّيْنَ بِالْمَجْحُودِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى مُقِرٍّ مَلِيٍّ أَوْ مُعْسِرٍ تَجِبُ الزَّكَاةُ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ ابْتِدَاءً أَوْ بِوَاسِطَةِ التَّحْصِيلِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى مُقِرٍّ مُفْلِسٍ فَهُوَ نِصَابٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ تَفْلِيسَ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجِبُ لِتَحَقُّقِ الْإِفْلَاسِ عِنْدَهُ بِالتَّفْلِيسِ وَأَبُو يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي تَحَقُّقِ الْإِفْلَاسِ، وَمَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْفُقَرَاءِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ فَأَفَادَ أَنَّهُ إذَا قَبَضَ الدَّيْنَ زَكَّاهُ لِمَا مَضَى قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهُوَ غَيْرُ جَارٍ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الدَّيْنِ وَلْنُوَضِّحْ ذَلِكَ فَنَقُولُ: قَسَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ الدَّيْنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قَوِيٌّ، وَهُوَ بَدَلُ الْقَرْضِ، وَمَالُ التِّجَارَةِ، وَمُتَوَسِّطٌ، وَهُوَ بَدَلُ مَا لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ كَثَمَنِ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَعَبْدِ الْخِدْمَةِ وَدَارِ السُّكْنَى، وَضَعِيفٌ، وَهُوَ بَدَلُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْمَهْرِ وَالْوَصِيَّةِ، وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالدِّيَةِ، وَبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَالسِّعَايَةِ فَفِي الْقَوِيِّ تَجِبُ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ، وَيَتَرَاخَى الْقَضَاءُ إلَى أَنْ يَقْبِضَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَفِيهَا دِرْهَمٌ، وَكَذَا فِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ، وَفِي الْمُتَوَسِّطِ لَا تَجِبُ مَا لَمْ يَقْبِضْ نِصَابًا، وَيُعْتَبَرُ لِمَا مَضَى مِنْ الْحَوْلِ فِي صَحِيحِ الرِّوَايَةِ، وَفِي الضَّعِيفِ لَا تَجِبُ مَا لَمْ يَقْبِضْ نِصَابًا وَيَحُولُ الْحَوْلُ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَيْهِ، وَثَمَنُ السَّائِمَةِ كَثَمَنِ عَبْدِ الْخِدْمَةِ، وَلَوْ وَرِثَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ فَهُوَ كَالدَّيْنِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا) قَالَ فِي النَّهْرِ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ تَعْلِيلَ الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ غَائِبًا غَيْرَ مَرْجُوٍّ الْقُدْرَةُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ كَوْنَهُ ضِمَارًا يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِكِ الْأَصْلِيِّ نَعَمْ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ كَالْهَالِكِ بَعْدَ الْوُجُوبِ فَتَدَبَّرْهُ اهـ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا مِلْكَ فِيهِ لِلْمَالِكِ الْأَصْلِيِّ، وَالْمَأْخُوذُ فِي مَفْهُومِ الضِّمَارِ غَيْبَتُهُ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ لَا مُطْلَقُ الْغَيْبَةِ فَأَنَّى يَكُونُ ضِمَارًا بِدُونِ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت الشَّيْخَ إسْمَاعِيلَ اعْتَرَضَ عَلَى النَّهْرِ فَقَالَ فِيهِ: إنَّ تَعْلِيلَ الْفَتْحِ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهِ ضِمَارًا لَوْ كَانَ مِلْكًا لِمَنْ غَابَ عَنْهُ إذْ ذَاكَ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ إذْ لَا مِلْكَ لَهُ ظَاهِرًا فِي الْحَوْلِ كَمَا مَرَّ اهـ.
وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَا (قَوْلُهُ: إلَى أَنْ يَقْبِضَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) أَيْ الْأَدَاءُ بِالتَّرَاخِي إلَى قَبْضِ النِّصَابِ (قَوْلُهُ: فَفِيهَا دِرْهَمٌ) لِأَنَّ مَا دُونَ الْخُمُسِ مِنْ النِّصَابِ عَفْوٌ لَا زَكَاةَ فِيهِ شُرُنْبُلَالِيٌّ (قَوْلُهُ وَكَذَا فِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ) أَيْ وَكُلَّمَا قَبَضَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ الْكُسُورَ الَّتِي دُونَ الْخُمُسِ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (قَوْلُهُ: وَيُعْتَبَرُ لِمَا مَضَى إلَخْ) أَيْ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ بَعْدَ الْقَبْضِ بَلْ يُعْتَدُّ بِمَا مَضَى مِنْ الْحَوْلِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ، وَهِيَ خِلَافُ الْأَصَحِّ
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَكِنْ لَا يُخَاطَبُ بِالْأَدَاءِ مَا لَمْ يَقْبِضْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا قَبَضَهَا زَكَّى لِمَا مَضَى، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَقْبِضَ الْمِائَتَيْنِ وَيَحُولُ الْحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الْقَبْضِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ اهـ.
وَكَذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ (قَوْلُهُ: وَثَمَنُ السَّائِمَةِ كَثَمَنِ عَبْدِ الْخِدْمَةِ) أَيْ هُوَ مِنْ الدَّيْنِ الْمُتَوَسِّطِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَدَلُ مَا لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ وَجَعَلَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مِنْ الْقَوِيِّ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَالٍ لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الدَّيْنَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ عَنْ مَالٍ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَذَا، وَهُوَ الدَّيْنُ الْقَوِيُّ وَالْآخَرُ مَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَهَذَا هُوَ الدَّيْنُ الْمُتَوَسِّطُ، وَلَكِنْ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ تَعْرِيفِ الدُّيُونِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْبَدَائِعِ تَأَمَّلْ يَقُولُ الْفَقِيرُ مَحْمُودٌ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْغَنِيِّ: مُجَرِّدُ هَذِهِ الْحَوَاشِي، وَرَأَيْت هُنَا عَلَى هَامِشِ الْبَحْرِ بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مَا صُورَتُهُ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ: ثُمَّ الدَّيْنُ إذَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ
стр. 627
الْوَسَطِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَالضَّعِيفِ وَعِنْدَهُمَا الدُّيُونُ كُلُّهَا سَوَاءٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَكُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا زَكَّاهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا دَيْنَ الْكِتَابَةِ وَالسِّعَايَةِ
وَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَا الدِّيَةَ أَيْضًا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا وَأَرْشَ الْجِرَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَيْنٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ فَلِذَا لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ مَنْ مَاتَ مِنْ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِطَرِيقِ الصِّلَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: الْأَصْلُ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ، وَلَوْ آجَرَ عَبْدَهُ أَوْ دَارِهِ بِنِصَابٍ إنْ لَمْ يَكُونَا لِلتِّجَارَةِ لَا تَجِبُ مَا لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ كَانَ حُكْمُهُ كَالْقَوِيِّ؛ لِأَنَّ أُجْرَةَ مَالِ التِّجَارَةِ كَثَمَنِ مَالِ التِّجَارَةِ فِي صَحِيحِ الرِّوَايَةِ اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ: وَأَمَّا إذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَبْدًا مُشْتَرَكًا، وَاخْتَارَ الْمَوْلَى تَضْمِينَ الْمُعْتِقِ إنْ كَانَ الْعَبْدُ لِلتِّجَارَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ دَيْنِ الْوَسَطِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِلْخِدْمَةِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ اخْتَارَ اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الدَّيْنِ الضَّعِيفِ اهـ.
وَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ فَحُكْمُ هَذَا الدَّيْنِ حُكْمُ الدَّيْنِ الْقَوِيِّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ كَمَا عَلِمْت وَلَعَلَّهُ لَيْسَ بَدَلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَوْلَى مُخَيَّرٌ ثُمَّ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ آخَرُ لِلتِّجَارَةِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ آخَرُ لِلتِّجَارَةِ يَصِيرُ الْمَقْبُوضُ مِنْ الدَّيْنِ الضَّعِيفِ مَضْمُومًا إلَى مَا عِنْدَهُ فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا، وَكَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِيهِ لَوْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ دَيْنٌ فَاسْتَفَادَ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يَضُمُّ الْمُسْتَفَادَ إلَى الدَّيْنِ فِي حَوْلِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ عَلَى الدَّيْنِ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ مِنْ الْمُسْتَفَادِ مَا لَمْ يَقْبِضْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ مُفْلِسًا سَقَطَ عَنْهُ زَكَاةُ الْمُسْتَفَادِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ جُعِلَ مَضْمُومًا إلَى الدَّيْنِ تَبَعًا لَهُ فَسَقَطَ
ــ
[منحة الخالق]
فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ وَبَقِيَ ذَلِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَبَدَلِ عَبِيدِ الْخِدْمَةِ وَثِيَابِ الْبَدَنِ فَفِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لِمَا مَضَى
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: تَجِبُ الزَّكَاةُ إذَا قَبَضَ الْمِائَتَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ كَبَدَلِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي نِصَابِ الْأَدَاءِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يُقَدَّرُ ذَلِكَ بِأَرْبَعِينَ، وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ فِي قَلِيلِ الْمَقْبُوضِ وَكَثِيرِهِ إلَّا الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَبَدَلَ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُمَا اشْتَرَطَا فِيهِمَا حَوَلَانَ الْحَوْلِ بَعْدَ قَبْضِ الْمَالَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ الدُّيُونِ صَحِيحَةٌ سِوَى هَذَيْنِ ثُمَّ الدُّيُونُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجِبُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: إذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا عَلَى مَلِيءٍ مُعْتَرَفٍ بِهِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَجَبَ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ لَنَا، أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ التَّعْجِيلُ لَلَزِمَ إخْرَاجُ الْكَامِلِ عَنْ النَّاقِصِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَإِخْرَاجِ الْبِيضِ عَنْ السُّودِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ أَنْقَصُ مِنْ الْعَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ عَنْ الْعَيْنِ لَا يَجُوزُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَكُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا زَكَّاهُ) أَيْ وَكُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا يَلْزَمُهُ أَدَاءُ زَكَاةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ قَلَّ الْمَقْبُوضُ أَوْ كَثُرَ اهـ مَا رَأَيْته (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ كَانَ حُكْمُهُ كَالْقَوِيِّ إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي أُجْرَةِ مَالِ التِّجَارَةِ، أَوْ عَبْدِ التِّجَارَةِ رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَةٍ لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَقْبِضَ وَيَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ حَقِيقَةً فَصَارَ كَالْمَهْرِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا، وَيَجِبُ الْأَدَاءُ إذَا قَبَضَ مِنْهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ مَالٍ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَالٌ حَقِيقَةً لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَبْقَى سَنَةً اهـ.
قُلْت: وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ الدَّيْنِ الضَّعِيفِ وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِنْ الْمُتَوَسِّطِ لَا مِنْ الْقَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَيْسَتْ مَالَ زَكَاةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَالًا حَقِيقَةً تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ فِيهِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ (قَوْلُهُ: وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ إلَخْ) يَقُولُ: مُجَرِّدُ هَذِهِ الْحَوَاشِي رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ عَلَى هَامِشِ الْبَحْرِ هُنَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ مَا نَصُّهُ: وَقَالَ قَاضِي خَانْ: رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَحَالَ الْحَوْلُ إلَّا شَهْرًا ثُمَّ اسْتَفَادَ أَلْفًا فَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَى الْمِائَتَيْنِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَلْفِ مَا لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الدَّيْنِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَصَاعِدًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْمِائَتَيْنِ مَا لَمْ يَقْبِضْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ عَنْ الْأَصْلِ لَا يَجِبُ عَنْ الْفَائِدَةِ اهـ.
وَرَأَيْت أَيْضًا بِخَطِّهِ هُنَا عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْبَحْرِ، وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ بِالضَّمِّ صَارَ كَالْمَوْجُودِ إلَخْ ظَاهِرُ تَعْلِيلِهِمَا بِقَوْلِهِ صَارَ كَالْمَوْجُودِ فِي ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ يُعْطِي أَنَّ النَّقْدَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ غَيْرَ مُسْتَفَادٍ فِي أَثْنَائِهِ يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ بِالِاتِّفَاقِ وَيَكُونُ النَّقْدُ نِصَابًا بِضَمِّهِ إلَى الدَّيْنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَهُ مِائَةٌ نَقْدٌ وَمِائَةٌ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ يَجِبُ الزَّكَاةُ وَكَمُلَ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ اهـ.
وَقَالَ قَاضِي خَانْ رَجُلٌ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فِي يَدِهِ، وَمِائَةٌ أُخْرَى دَيْنًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَحَالَ الْحَوْلُ ذَكَرَ عِصَامٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ عَلَيْهِ الزَّكَاةَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ بَدَلَ مَالِ التِّجَارَةِ، وَيَكُونُ الْمَدْيُونُ مَلِيًّا مُقِرًّا بِالدَّيْنِ اهـ. مَا رَأَيْته
стр. 628
بِسُقُوطِهِ، وَعِنْدَهُمَا تَجِبُ لِأَنَّهُ بِالضَّمِّ صَارَ كَالْمَوْجُودِ فِي ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ دُونَ الدَّيْنِ اهـ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجِبُ زَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ فِي بَيَانِ أَقْسَامِ الدَّيْنِ أَنَّ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، قِيلَ: لَا يَكُونُ نِصَابًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ نَاقِصٌ بِافْتِقَادِ الْيَدِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكُونُ نِصَابًا؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مَالٍ كَانَتْ يَدُهُ ثَابِتَةً عَلَيْهِ، وَقَدْ أَمْكَنَهُ احْتِوَاءُ الْيَدِ عَلَى الْعِوَضِ فَتُعْتَبَرُ يَدُهُ بَاقِيَةً عَلَى النِّصَابِ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ شَرْعًا اهـ فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ مَعْنَاهُ قَبْلَ قَبْضِهِ
وَأَمَّا بَعْدَ قَبْضِهِ فَتَجِبُ زَكَاتُهُ فِيمَا مَضَى كَالدَّيْنِ الْقَوِيِّ، وَفِي الْمُحِيطِ: رَجُلٌ وَهَبَ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلِ وَوَكَّلَ بِقَبْضِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَالزَّكَاةُ عَلَى الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَقَبْضِ صَاحِبِ الْمَالِ اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يُبْرِئْ صَاحِبُ الدَّيْنِ مِنْهُ أَمَّا إذَا أَبْرَأَ الْمَدْيُونَ مِنْهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَنَ مَبِيعِ أَوْ قَرْضًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ لَكِنْ قَيَّدَهُ فِي الْمُحِيطِ بِكَوْنِ الْمَدْيُونِ مُعْسِرًا أَمَّا لَوْ كَانَ مُوسِرًا فَهُوَ اسْتِهْلَاكٌ، وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ، وَذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ ﵀ مَا يَكُونُ مَحَلًّا لِلنَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ مِنْ الْأَمْوَالِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا قِسْمَانِ خِلْقِيٌّ وَفِعْلِيٌّ فَالْخِلْقِيُّ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ لِلِانْتِفَاعِ بِأَعْيَانِهَا فِي دَفْعِ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِعْدَادِ مِنْ الْعَبْدِ لِلتِّجَارَةِ بِالنِّيَّةِ؛ إذْ النِّيَّةُ لِلتَّعْيِينِ، وَهِيَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلتِّجَارَةِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا نَوَى التِّجَارَةَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا، أَوْ نَوَى النَّفَقَةَ، وَالْفِعْلِيُّ مَا سِوَاهُمَا فَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِعْدَادُ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ بِالنِّيَّةِ إذَا كَانَتْ عُرُوضًا، وَكَذَا فِي الْمَوَاشِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ نِيَّةِ الْإِسَامَةِ؛ لِأَنَّهَا كَمَا تَصْلُحُ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ وَلِلرُّكُوبِ ثُمَّ نِيَّةُ التِّجَارَةِ وَالْإِسَامَةِ لَا تُعْتَبَرُ مَا لَمْ تَتَّصِلْ بِفِعْلِ التِّجَارَةِ وَالْإِسَامَةِ ثُمَّ نِيَّةُ التِّجَارَةِ قَدْ تَكُونُ صَرِيحًا، وَقَدْ تَكُونُ دَلَالَةً فَالصَّرِيحُ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ عَقْدِ التِّجَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ بِهِ لِلتِّجَارَةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعَقْدُ شِرَاءً أَوْ إجَارَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الثَّمَنُ مِنْ النُّقُودِ أَوْ مِنْ الْعُرُوضِ فَلَوْ نَوَى أَنْ يَكُونَ لِلْبِذْلَةِ لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ النُّقُودِ، فَخَرَجَ مَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ كَالْمِيرَاثِ فَلَا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ التِّجَارَةِ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ النُّقُودِ إلَّا إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الزَّكَاةُ كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِلْمُصَنِّفِ
وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ وَرِثَ سَائِمَةً كَانَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ نَوَى، أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَخَرَجَ أَيْضًا مَا إذَا دَخَلَ مِنْ أَرْضِهِ حِنْطَةٌ تَبْلُغُ قِيمَتُهَا قِيمَةَ نِصَابٍ، وَنَوَى أَنْ يُمْسِكَهَا وَيَبِيعَهَا وَأَمْسَكَهَا حَوْلًا لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ كَمَا فِي الْمِيرَاثِ، وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى بَذْرًا لِلتِّجَارَةِ، وَزَرَعَهَا فِي أَرْضِ عُشْرٍ اسْتَأْجَرَهَا كَانَ فِيهَا الْعُشْرُ لَا غَيْرُ كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَرْضَ خَرَاجٍ أَوْ عُشْرٍ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ إنَّمَا عَلَيْهِ حَقُّ الْأَرْضِ مِنْ الْعُشْرِ أَوْ الْخَرَاجِ، وَخَرَجَ مَا مَلَكَهُ بِعَقْدٍ لَيْسَ فِيهِ مُبَادَلَةٌ أَصْلًا كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ أَوْ مَلَكَهُ بِعَقْدٍ هُوَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِغَيْرِ مَالٍ كَالْمَهْرِ، وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَبَدَلِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ نِيَّةُ التِّجَارَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ كَسْبُ الْمَالِ بِبَدَلٍ هُوَ مَالٌ، وَالْقَبُولُ هُنَا اكْتِسَابُ الْمَالِ بِغَيْرِ بَدَلٍ أَصْلًا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ التِّجَارَةِ فَلَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِعَمَلِ التِّجَارَةِ كَذَا صَحَّحَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَقَيَّدْنَا بِبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لِلتِّجَارَةِ إذَا قَتَلَهُ عَبْدٌ خَطَأً، وَدُفَعَ بِهِ فَإِنَّ الْمَدْفُوعَ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ اسْتَقْرَضَ عُرُوضًا، وَنَوَى أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَكُونُ لِلتِّجَارَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْجَامِعِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ اشْتَرَى عُرُوضًا لِلْبِذْلَةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ تَقْيِيدٌ لِلْإِطْلَاقِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الضَّعِيفِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
أَيْ لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْقَبْضِ مَا لَمْ يَمْضِ حَوْلٌ فَيَكُونُ إبْرَاءُ الْمُوسِرِ اسْتِهْلَاكًا قَبْلَ الْوُجُوبِ (قَوْلُهُ: وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْجَامِعِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ) نَصُّ عِبَارَةِ الْبَدَائِعِ: وَلَوْ اسْتَقْرَضَ عُرُوضًا، وَنَوَى أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ يَنْقَلِبُ مُعَاوَضَةَ الْمَالِ بِالْمَالِ فِي الْعَاقِبَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْجَامِعِ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَاسْتَقْرَضَ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ خَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَلَمْ يَسْتَهْلِكْ الْأَقْفِزَةَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَيَصْرِفُ الدَّيْنَ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ دُونَ الْجِنْسِ الَّذِي لَيْسَ بِمَالِ الزَّكَاةِ فَقَوْلُهُ: اسْتَقْرَضَ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَوْ اسْتَقْرَضَ لِلتِّجَارَةِ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ إعَارَةٌ، وَهُوَ تَبَرُّعٌ لَا تِجَارَةٌ فَلَمْ تُوجَدْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ مُقَارِنَةً لِلتِّجَارَةِ فَلَا تُعْتَبَرُ اهـ. كَلَامُ الْبَدَائِعِ
فَعَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْجَامِعِ إذَا نَوَى التِّجَارَةَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا اسْتَقْرَضَهُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مَشْغُولٌ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَنْصَرِفُ إلَى الدَّرَاهِمِ الَّتِي فِي يَدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ الشَّارِحِ الزَّيْلَعِيِّ حَتَّى لَوْ زَادَتْ قِيمَةُ الْأَقْفِزَةِ الَّتِي اسْتَقْرَضَهَا يَضُمُّ مَا زَادَ فِي قِيمَتِهَا إلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ الَّتِي فِي يَدِهِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا أَيْضًا، وَكَذَا لَوْ لَمْ تَزِدْ صُرِفَ الْقَرْضُ إلَيْهَا، وَإِنْ لَزِمَ نَقْصُهَا عَنْ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهَا تُضَمُّ إلَى مَالِ التِّجَارَةِ فَيُزَكِّي عَنْهُمَا جَمِيعًا إذَا حَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ تَأَمَّلْ ثُمَّ إنَّ مَا اسْتَظْهَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ خِلَافُ الْأَصَحِّ لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ
стр. 629
وَالْمِهْنَةِ ثُمَّ نَوَى أَنْ تَكُونَ لِلتِّجَارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ مَا لَمْ يَبِعْهَا فَيَكُونُ بَدَلُهَا لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ التِّجَارَةَ عَمَلٌ فَلَا تَتِمُّ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَى أَنْ تَكُونَ لِلْبِذْلَةِ خَرَجَ عَنْ التِّجَارَةِ بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ؛ لِأَنَّهَا تَرْكُ الْعَمَلِ فَتَتِمُّ بِهَا قَالَ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ وَنَظِيرُهُ الْمُقِيمُ وَالصَّائِمُ وَالْكَافِرُ وَالْعَلُوفَةُ وَالسَّائِمَةُ حَيْثُ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا، وَلَا مُفْطِرًا، وَلَا مُسْلِمًا، وَلَا سَائِمَةً، وَلَا عَلُوفَةً بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَيَكُونُ مُقِيمًا وَصَائِمًا وَكَافِرًا بِالنِّيَّةِ اهـ.
فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْعَلُوفَةِ وَالسَّائِمَةِ، وَالْمَنْقُولُ فِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْعَلُوفَةَ لَا تَصِيرُ سَائِمَةً بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَالسَّائِمَةُ تَصِيرُ عَلُوفَةً بِمُجَرَّدِهَا، وَقَدْ ظَهَرَ لِي التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَوَى أَنْ تَكُونَ السَّائِمَةُ عَلُوفَةً، وَهِيَ فِي الْمَرْعَى، وَلَمْ يُخْرِجْهَا بَعْدُ فَإِنَّهَا بِهَذِهِ النِّيَّةِ لَا تَكُونُ عَلُوفَةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَمَلِ، وَهُوَ إخْرَاجُهَا مِنْ الْمَرْعَى، وَلَمْ يُرِدْ بِالْعَمَلِ أَنْ يَعْلِفَهَا، وَكَلَامُ غَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَوَى أَنْ تَكُونَ عَلُوفَةً بَعْدَ إخْرَاجِهَا مِنْ الْمَرْعَى، وَهَذَا التَّوْفِيقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي النِّهَايَةِ فِي تَعْرِيفِ السَّائِمَةِ فَلْيُرَاجَعْ
وَأَمَّا الدَّلَالَةُ فَهِيَ أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا مِنْ الْأَعْيَانِ بِعَرَضِ التِّجَارَةِ أَوْ يُؤَاجِرَ دَارِهِ الَّتِي لِلتِّجَارَةِ بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَيَصِيرَ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ صَرِيحًا لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ الِاخْتِلَافَ فِي بَدَلِ مَنَافِعِ عَيْنٍ مُعَدَّةٍ لِلتِّجَارَةِ فَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الْأَصْلِ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ بِلَا نِيَّةٍ، وَفِي الْجَامِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ عَلَى النِّيَّةِ فَكَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَمَشَايِخُ بَلْخٍ كَانُوا يُصَحِّحُونَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ، وَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ لَكِنْ قَدْ يَقْصِدُ بِبَدَلِ مَنَافِعِهَا الْمَنْفَعَةَ فَيُؤَاجِرُ الدَّابَّةَ لِيُنْفِقَ عَلَيْهَا وَالدَّارَ لِلْعِمَارَةِ فَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ مَعَ التَّرَدُّدِ إلَّا بِالنِّيَّةِ اهـ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ لِلْوُجُوبِ مَا يَشْتَرِيهِ الْمُضَارِبُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا أَوْ نَوَى الشِّرَاءَ لِلنَّفَقَةِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى عَبِيدًا بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ ثُمَّ اشْتَرَى لَهُمْ كِسْوَةً وَطَعَامًا لِلنَّفَقَةِ كَانَ الْكُلُّ لِلتِّجَارَةِ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا الشِّرَاءَ لِلتِّجَارَةِ بِمَالِهَا، وَإِنْ نَصَّ عَلَى النَّفَقَةِ بِخِلَافِ الْمَالِكِ إذَا اشْتَرَى عَبِيدًا لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ اشْتَرَى لَهُمْ طَعَامًا وَثِيَابًا لِلنَّفَقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الشِّرَاءَ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَيَدْخُلُ فِي نِيَّةِ التِّجَارَةِ مَا يَشْتَرِيهِ الصَّبَّاغُ بِنِيَّةِ أَنْ يَصْبُغَ بِهِ لِلنَّاسِ بِالْأُجْرَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ مَا يَبْقَى أَثَرُهُ فِي الْعَيْنِ فَهُوَ مَالُ التِّجَارَةِ، وَمَا لَا يَبْقَى أَثَرُهُ فِيهَا فَلَيْسَ مِنْهُ كَصَابُونِ الْغَسَّالِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ الْعِلْمَ بِهِ حَقِيقَةً، أَوْ حُكْمًا بِالْكَوْنِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِكُلِّ عِبَادَةٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ ذَكَرَ الشُّرُوطَ الْعَامَّةَ هُنَا كَالْإِسْلَامِ وَالتَّكْلِيفِ فَيَنْبَغِي ذِكْرُهُ أَيْضًا اهـ.
(قَوْلُهُ وَشَرْطُ أَدَائِهَا نِيَّةٌ مُقَارِنَةٌ لِلْأَدَاءِ أَوْ لِعَزْلِ مَا وَجَبَ أَوْ تَصَدَّقَ بِكُلِّهِ) بَيَانٌ لِشَرْطِ الصِّحَّةِ فَإِنَّ شَرَائِطَهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: شَرَائِطُ وُجُوبٍ، وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ إلَّا الْحَوْلَ، فَإِنَّهُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْأَدَاء بِدَلِيلِ جَوَازِ التَّعْجِيلِ قَبْلَهُ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ وَأَمَّا النِّيَّةُ فَهِيَ شَرْطُ الصِّحَّةِ لِكُلِّ عِبَادَةٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ عَلِمْت مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا لِلَّهِ تَعَالَى لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا بَيَانُ تَفَاصِيلِهَا، وَالْأَصْلُ اقْتِرَانُهَا بِالْأَدَاءِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ إلَّا أَنَّ الدَّفْعَ يَتَفَرَّقُ فَيَخْرُجُ بِاسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ عِنْدَ كُلِّ دَفْعٍ فَاكْتَفَى بِوُجُودِهَا حَالَةَ الْعَزْلِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ عَنْهُ بِلَا نِيَّةٍ فِيمَا إذَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنْهُ، وَقَدْ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِدَفْعِ الْمُزَاحِمِ فَلَمَّا أَدَّى الْكُلَّ زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ، أَطْلَقَ الْمُقَارَنَةَ فَشَمِلَ الْمُقَارَنَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْحُكْمِيَّةَ كَمَا إذَا دَفَعَ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ حَضَرَتْهُ النِّيَّةُ وَالْمَالُ قَائِمٌ فِي يَدِ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَهُوَ بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَى بَعْدَ هَلَاكِهِ وَكَمَا إذَا وَكَّلَ رَجُلًا بِدَفْعِ زَكَاةِ مَالِهِ وَنَوَى الْمَالِكُ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ فَدَفَعَ الْوَكِيلُ بِلَا نِيَّةٍ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ نِيَّةُ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ الْمُؤَدِّي حَقِيقَةً، وَلَوْ دَفَعَهَا إلَى ذِمِّيٍّ لِيَدْفَعَهَا إلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ لِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْ الْآمِرِ وَلَوْ أَدَّى زَكَاةَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَبَلَغَهُ فَأَجَازَ لَمْ
ــ
[منحة الخالق]
نَحْوَ عِبَارَةِ الْبَدَائِعِ الْمَارَّةِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا أَيْ نِيَّةَ التِّجَارَةِ فِي الْقَرْضِ لَا تَعْمَلُ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ بِمَعْنَى الْعَارِيَّةُ، وَنِيَّةُ الْعَوَارِيِّ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ وَمَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ اسْتَقْرَضَ حِنْطَةً لِغَيْرِ التِّجَارَةِ اسْتَقْرَضَ حِنْطَةً كَانَتْ عِنْدَ الْمُقْرِضِ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهَا إذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَادَتْ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ، وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ الْمُقْرِضِ لِلتِّجَارَةِ، فَإِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَادَتْ لِلتِّجَارَةِ (قَوْلُهُ: وَالْمَنْقُولُ فِي النِّهَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: أَقُولُ: فِي الدِّرَايَةِ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ السَّائِمَةَ أَوْ يَسْتَعْمِلَهَا أَوْ يَعْلِفَهَا فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْعَمَلَ، وَلَمْ يَعْمَلْ فَلَمْ يَنْعَدِمْ بِهِ وَصْفُ الْإِسَامَةِ، وَلَوْ نَوَى فِي الْعَلُوفَةِ صَارَتْ سَائِمَةً؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِسَامَةِ يَثْبُتُ بِتَرْكِ الْعَمَلِ، وَقَدْ تَرَكَ الْعَمَلَ حَقِيقَةً كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَالْخُلَاصَةِ، وَهَذَا يُخَالِفُ النَّقْلَيْنِ فَتَدَبَّرْهُ
стр. 630
يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا وَجَدَتْ نَفَاذًا عَلَى الْمُتَصَدِّقِ؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَلَمْ يَصِرْ نَائِبًا عَنْ غَيْرِهِ فَنَفَذَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ تَصَدَّقَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ جَازَ وَيَرْجِعُ بِمَا دَفَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الرُّجُوعَ كَالْأَمْرِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا رُجُوعَ لَهُ إلَّا بِالشَّرْطِ، وَتَمَامُهُ فِي الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ لِيَتَصَدَّقَ بِهَا تَطَوُّعًا فَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهَا حَتَّى نَوَى الْآمِرُ أَنْ تَكُونَ زَكَاتَهُ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهَا أَجْزَأَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي ثُمَّ نَوَى عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَفِي الْفَتَاوَى رَجُلَانِ دَفَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَكَاةَ مَالِهِ إلَى رَجُلٍ لِيُؤَدِّيَ عَنْهُ فَخَلَطَ مَالَهُمَا ثُمَّ تَصَدَّقَ ضَمِنَ الْوَكِيلُ وَكَذَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ أَوْقَافٌ مُخْتَلِفَةٌ فَخَلَطَ إنْزَالَ الْأَوْقَافِ وَكَذَلِكَ الْبَيَّاعُ وَالسِّمْسَارُ وَالطَّحَّانُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ الطَّحَّانُ مَأْذُونًا بِالْخَلْطِ عُرْفًا انْتَهَى وَبِهِ يُعْلَمُ حُكْمُ مَنْ يَجْمَعُ لِلْفُقَرَاءِ، وَمَحَلُّهُ مَا إذَا لَمْ يُوَكِّلُوهُ فَإِنْ كَانَ وَكِيلًا مِنْ جَانِبِ الْفُقَرَاءِ أَيْضًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فَإِذَا ضَمِنَ فِي صُورَةِ الْخَلْطِ لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْ أَرْبَابِهَا فَإِذَا أَدَّى صَارَ مُؤَدِّيًا مَالَ نَفْسِهِ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَلَوْ لَمْ يَخْلِطْ الْجَابِي فَإِنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ مَنْ أَعْطَى قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الدَّرَاهِمُ مِائَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَعْطَى بَعْدَ مَا بَلَغَتْ نِصَابًا إنْ كَانَ الْفَقِيرُ وَكَّلَ الْجَابِيَ وَعَلِمَ الْمُعْطِي بِبُلُوغِهِ نِصَابًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْجَابِي وَكِيلَ الْفَقِيرِ جَازَ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُعْطِي بِبُلُوغِهِ نِصَابًا جَازَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلِلْوَكِيلِ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى وَلَدِ نَفْسِهِ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، وَإِلَى امْرَأَتِهِ إذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْسِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا اهـ.
إلَّا إذَا قَالَ ضَعْهَا حَيْثُ شِئْتَ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا لِنَفْسِهِ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِعَزْلِ مَا وَجَبَ عَنْ الْعُهْدَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْأَدَاءِ إلَى الْفَقِيرِ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ لَوْ أَفْرَزَ مِنْ النِّصَابِ خَمْسَةً ثُمَّ ضَاعَتْ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ إفْرَازِهَا كَانَتْ الْخَمْسَةُ مِيرَاثًا عَنْهُ اهـ.
بِخِلَافِ مَا إذَا ضَاعَتْ فِي يَدِ السَّاعِي لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ الْفُقَرَاءِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي التَّجْنِيسِ لَوْ عَزَلَ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ وَوَضَعَهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ بَيْتِهِ فَسَرَقَهَا مِنْهُ سَارِقٌ لَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ لِلشُّبْهَةِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّهُ يُقْطَعُ السَّارِقُ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا اهـ.
بِلَفْظِهِ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الزَّكَاةَ لَيْسَ لِلْفَقِيرِ أَنْ يُطَالِبَهُ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مَالَهُ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَإِنْ أَخَذَ كَانَ لِصَاحِبِ الْمَالِ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَيُضَمِّنَهُ إنْ كَانَ هَالِكًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَرَابَةِ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَوْ فِي قَبِيلَتِهِ أَحْوَجُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا لَهُ، وَإِنْ أَخَذَ كَانَ ضَامِنًا فِي الْحُكْمِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - يُرْجَى أَنْ يَحِلَّ لَهُ الْأَخْذُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لَا تُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِفَقْدِ شَرْطِ صِحَّتِهَا، وَهُوَ النِّيَّةُ إلَّا إذَا أَوْصَى بِهَا فَتُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ كَسَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا فَالسَّاعِي لَا يَأْخُذُ مِنْهُ كُرْهًا، وَلَوْ أَخَذَ لَا يَقَعُ عَنْ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهَا بِلَا اخْتِيَارٍ وَلَكِنْ يُجْبِرُهُ بِالْحَبْسِ لِيُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَسْلُبُ الِاخْتِيَارَ بَلْ الطَّوَاعِيَةَ فَيَتَحَقَّقُ الْأَدَاءُ عَنْ اخْتِيَارٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ
وَفِي مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: وَمَنْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَاءِ زَكَاةِ مَالِهِ وَأَخَذَهَا الْإِمَامُ كُرْهًا مِنْهُ فَوَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ وِلَايَةَ أَخْذِ الصَّدَقَاتِ فَقَامَ أَخْذُهُ مَقَامَ دَفْعِ الْمَالِكِ اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ فِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِيهَا شَرْطٌ، وَلَمْ تُوجَدْ مِنْهُ اهـ.
وَفِي الْمَجْمَعِ: وَلَا نَأْخُذُهَا مِنْ سَائِمَةٍ امْتَنَعَ رَبُّهَا مِنْ أَدَائِهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ بَلْ نَأْمُرُهُ لِيُؤَدِّيَهَا اخْتِيَارًا. اهـ.
وَالْمُفْتَى بِهِ التَّفْصِيلُ إنْ كَانَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ أَرْبَابِهَا بِأَخْذِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَخْذِ لَهُ فَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَضَعْ السُّلْطَانُ مَوْضِعَهَا لَا يَبْطُلُ أَخْذُهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّهُ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةُ أَخْذِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ فَلَمْ يَصِحَّ أَخْذُهُ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَالْوَاقِعَاتِ والولوالجية وَقُيِّدَ بِالتَّصَدُّقِ بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِ النِّصَابِ بِلَا نِيَّةٍ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ زَكَاةَ كُلِّهِ وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ زَكَاةِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ بِسُقُوطِهِ وَقَالَ
ــ
[منحة الخالق]
[شُرُوط أَدَاء الزَّكَاة]
(قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ زَكَاةِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ إلَخْ) أَخَّرَ فِي الْهِدَايَةِ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَدَلِيلَهُ، وَعَادَتُهُ تَأْخِيرُ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ؛ وَلِذَا قَالَ فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى: لَا تَسْقُطُ حِصَّتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ
стр. 631
أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ زَكَاةُ كُلِّهِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ مِائَةً وَسِتَّةً وَتِسْعِينَ فَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ كَذَا فِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَأَطْلَقَ فِي التَّصَدُّقِ بِالْكُلِّ فَشَمِلَ الْعَيْنَ وَالدَّيْنِ فَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى فَقِيرٍ دَيْنٌ فَأَبْرَأَهُ عَنْهُ سَقَطَ زَكَاتُهُ عَنْهُ نَوَى الزَّكَاةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ الْبَعْضِ سَقَطَ زَكَاةُ ذَلِكَ الْبَعْضِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْبَاقِي وَلَوْ نَوَى بِهِ الْأَدَاءَ عَنْ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ يَصِيرُ عَيْنًا بِالْقَبْضِ فَيَصِيرُ مُؤَدِّيًا الدَّيْنَ عَنْ الْعَيْنِ
وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ أَدَاءَ الْعَيْنِ عَنْ الْعَيْنِ وَعَنْ الدَّيْنِ يَجُوزُ، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ عَنْ الْعَيْنِ، وَعَنْ دَيْنٍ سَيُقْبَضُ لَا يَجُوزُ، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ عَنْ دَيْنٍ لَا يُقْبَضُ يَجُوزُ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَحِيلَةُ الْجَوَازِ أَنْ يُعْطِيَ الْمَدْيُونَ الْفَقِيرَ خَمْسَةً زَكَاةً ثُمَّ يَأْخُذَهَا مِنْهُ قَضَاءً عَنْ دَيْنِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَمَرَ فَقِيرًا بِقَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى آخَرَ نَوَاهُ عَنْ زَكَاةِ عَيْنٍ عِنْدَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ يَقْبِضُ عَيْنًا فَكَانَ عَيْنًا عَنْ عَيْنٍ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَنِيًّا فَوَهَبَهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا الضَّمَانُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ وَشَمِلَ أَيْضًا مَا إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَصْلًا أَوْ نَوَى غَيْرَ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِيمَا إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ أَمَّا إذَا تَصَدَّقَ بِكُلِّهِ نَاوِيًا النَّذْرَ أَوْ وَاجِبًا آخَرَ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَى وَيَضْمَنُ قَدْرَ الْوَاجِبِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَأَدَّى خَمْسَةً وَنَوَى ذَلِكَ تَطَوُّعًا سَقَطَتْ عَنْهُ زَكَاةُ الْخَمْسَةِ، وَهِيَ ثُمُنُ دِرْهَمٍ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الْبَاقِي اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ كَمَا لَا يَخْفَى
وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمُصَنِّفُ ﵀ عِلْمَ الْآخِذِ بِمَا يَأْخُذُهُ أَنَّهُ زَكَاةٌ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمُبْتَغَى وَالْقُنْيَةِ أَنَّ مَنْ أَعْطَى مِسْكَيْنَا دَرَاهِمَ وَسَمَّاهَا هِبَةً أَوْ قَرْضًا وَنَوَى الزَّكَاةَ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَيْضًا الدَّفْعَ مِنْ عَيْنِ مَالِ الزَّكَاةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ إنْسَانًا بِالدَّفْعِ عَنْهُ أَجْزَأَهُ لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيمَا إذَا دَفَعَ مِنْ مَالٍ آخَرَ خَبِيثٍ، وَظَاهِرُ الْقُنْيَةِ تَرْجِيحُ الْإِجْزَاءِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِمْ: مُسْلِمٌ لَهُ خَمْرٌ فَوَكَّلَ ذِمِّيًّا فَبَاعَهَا مِنْ ذِمِّيٍّ فَلِلْمُسْلِمِ أَنْ يَصْرِفَ هَذَا الثَّمَنَ إلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: إذَا هَلَكَتْ الْوَدِيعَةُ عِنْدَ الْمُودِعِ فَدَفَعَ الْقِيمَةَ إلَى صَاحِبِهَا، وَهُوَ فَقِيرٌ لِدَفْعِ الْخُصُومَةِ يُرِيدُ بِهِ الزَّكَاةَ لَا يُجْزِئُهُ اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَدَيْنٌ أَيْضًا وَالْمَالُ يَفِي بِأَحَدِهِمَا يَقْضِي دَيْنَ الْغَرِيمِ ثُمَّ يُؤَدِّي حَقَّ الْكَرِيمِ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَأَرْبَعُونَ شَاةً فَأَدَّى شَاةً لَا يَنْوِي عَنْ أَحَدِهِمَا صَرْفَهَا إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ ظِهَارِ امْرَأَتَيْنِ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَنْ أَيَّتِهِمَا شَاءَ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْأَفْضَلُ فِي الزَّكَاةِ الْإِعْلَانُ بِخِلَافِ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا أَدَّى خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَنَوَى الزَّكَاةَ وَالتَّطَوُّعَ جَمِيعًا يَقَعُ عَنْ الزَّكَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَنْ النَّفْلِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ عَارَضَ نِيَّةَ الْفَرْضِ فَبَقِيَ مُطْلَقُ النِّيَّةِ لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ أَقْوَى فَلَا يُعَارِضُهَا نِيَّةُ النَّفْلِ اهـ.
وَأَطْلَقَ فِي عَزْلِ مَا وَجَبَ فَشَمِلَ مَا إذَا عَزَلَ كُلَّ مَا وَجَبَ أَوْ بَعْضَهُ
وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ بَابِ الْأُضْحِيَّةِ: لِلْوَكِيلِ بِدَفْعِ الزَّكَاةِ أَنْ يُوَكِّلَ بِلَا إذْنٍ، وَلَا يَتَوَقَّفُ، وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ عَلَى فَقِيرٍ مُعَيَّنٍ فَدَفَعَهَا إلَى فَقِيرٍ آخَرَ لَا يَضْمَنُ ثُمَّ رَقَّمَ بِرَقَمٍ آخَرَ أَنَّهُ فِي الزَّكَاةِ يَضْمَنُ، وَلَهُ التَّعْيِينُ. اهـ.
وَالْقَوَاعِدُ تَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا الدِّينَارِ عَلَى فُلَانٍ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِ، وَفِي الْوَاقِعَاتِ وَلَوْ شَكَّ رَجُلٌ فِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَدْرِ أَزَكَّى أَمْ لَا فَإِنَّهُ يُعِيدُ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا شَكَّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ أَصَلَّاهَا أَمْ لَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعُمْرَ كُلَّهُ وَقْتٌ لِأَدَاءِ الزَّكَاةِ فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ شَكٍّ وَقَعَ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ أَدَّى أَمْ لَا، وَهُوَ فِي وَقْتِهَا وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ يُعِيدُ اهـ.
وَوَقَعَتْ حَادِثَةٌ هِيَ أَنَّ مَنْ شَكَّ هَلْ أَدَّى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ أَمْ لَا بِأَنْ كَانَ يُؤَدِّي مُتَفَرِّقًا، وَلَا يَضْبِطُهُ هَلْ يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَا لُزُومُ الْإِعَادَةِ حَيْثُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّصَدُّقِ إيمَاءٌ إلَى إخْرَاجِ النَّذْرِ، وَالْوَاجِبِ الْآخَرِ (قَوْلُهُ وَالْقَوَاعِدُ تَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ إلَخْ) أَقُولُ:: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ تَعْيِينَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالدِّرْهَمِ وَالْفَقِيرُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي النَّذْرِ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ النَّذْرِ مَا هُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ أَصْلُ التَّصَدُّقِ دُونَ التَّعْيِينِ فَيَبْطُلُ التَّعْيِينُ وَتَلْزَمُ الْقُرْبَةُ، وَهُنَا الْوَكِيلُ إنَّمَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مِنْ الْمُوَكِّلِ وَقَدْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إلَى فُلَانٍ فَلَيْسَ لَهُ مُخَالَفَتُهُ كَمَا فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الْوَكَالَةِ وَنَظِيرُهُ لَوْ أَوْصَى بِدَرَاهِمَ لِفُلَانٍ، وَأَمَرَ الْوَصِيَّ بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى آخَرَ (قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى مَا ذُكِرَ لُزُومُ الْإِعَادَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فَمَا تَقَدَّمَ شَكٌّ فِي الْأَدَاءِ وَعَدَمِهِ وَهَا هُنَا فِي مِقْدَارِ الْمُؤَدَّى فَيَنْبَغِي التَّحَرِّي كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي مِثْلِهِ اهـ.
أَيْ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَغْلِبْ كَمَا هُوَ فَرْضُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فَمَا مَعْنَى التَّحَرِّي تَأَمَّلْ.
стр. 632
؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ بِيَقِينٍ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالشَّكِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
(بَابُ صَدَقَةِ السَّوَائِمِ)
أَيْ زَكَاتُهَا قَالُوا حَيْثُ أُطْلِقَتْ الصَّدَقَةُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فَالْمُرَادُ بِهَا الزَّكَاةُ وَبَدَأَ أَكْثَرُهُمْ بِبَيَانِ السَّوَائِمِ اقْتِدَاءً بِكُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهَا كَانَتْ مُفْتَتَحَةً بِهَا وَلِكَوْنِهَا أَعَزَّ أَمْوَالِ الْعَرَبِ وَالسَّوَائِمُ جَمْعُ سَائِمَةٍ وَلَهَا مَعْنَيَانِ لُغَوِيٌّ وَفِقْهِيٌّ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ سَامَتْ الْمَاشِيَةُ رَعَتْ سَوْمًا وَأَسَامَهَا صَاحِبُهَا إسَامَةً وَالسَّائِمَةُ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ كُلُّ إبِلٍ تُرْسَلُ تَرْعَى، وَلَا تُعْلَفُ فِي الْأَهْلِ اهـ وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ: السَّائِمَةُ الْمَالُ الرَّاعِي (قَوْلُهُ: هِيَ الَّتِي تَكْتَفِي بِالرَّعْيِ فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ) بَيَانٌ لِلسَّائِمَةِ بِالْمَعْنَى الْفِقْهِيِّ؛ لِأَنَّ اسْمَ السَّائِمَةِ لَا يَزُولُ بِالْعَلَفِ الْيَسِيرِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ قَيَّدَ بِالْأَكْثَرِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَوْ عَلَفَهَا نِصْفَ الْحَوْلِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ سَائِمَةً فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِي السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا صَارَ سَبَبًا بِوَصْفِ الْإِسَامَةِ فَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ مَعَ الشَّكِّ اعْتَرَضَ فِي النِّهَايَةِ بِأَنَّ مُرَادَهُمْ تَفْسِيرُ السَّائِمَةِ الَّتِي فِيهَا الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فَهِيَ تَعْرِيفٌ بِالْأَعَمِّ إذْ بَقِيَ قُيِّدَ كَوْنِ ذَلِكَ لِغَرَضِ النَّسْلِ وَالدَّرِّ وَالتَّسْمِينِ وَإِلَّا فَيَشْمَلُ الْإِسَامَةَ لِغَرَضِ الْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ وَلَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوا هَذَا الْقَيْدَ لِتَصْرِيحِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَا كَانَ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ الْعُرُوضَ إذَا كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ يَجِبُ فِيهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَقَالُوا: إنَّ الْعَرَضَ خِلَافُ النَّقْدِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْحَيَوَانَاتُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ أَسَامَهَا لِلْحَمْلِ أَوْ لِلرُّكُوبِ فَلَا زَكَاةَ أَصْلًا أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَفِيهَا زَكَاةُ التِّجَارَةِ أَوْ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي الْمُحِيطِ: وَلَوْ اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ جَعَلَهَا سَائِمَةً يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ مِنْ وَقْتِ الْجَعْلِ لِأَنَّ حَوْلَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ يَبْطُلُ بِجَعْلِهَا لِلسَّوْمِ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ السَّوَائِمِ وَزَكَاةَ التِّجَارَةِ مُخْتَلِفَانِ قَدْرًا وَسَبَبًا فَلَا يُبْنَى حَوْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَإِنْ قُلْت قَدْ اقْتَصَرَ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الَّتِي تُسَامُ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ فَيُفِيدُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا ذُكُورًا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا كُلِّهَا إنَاثًا أَوْ كَوْنِهَا كُلِّهَا ذُكُورًا أَوْ بَعْضِهَا ذُكُورًا وَبَعْضِهَا إنَاثًا قُلْت الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ نَفْيُ كَوْنِ الْإِسَامَةِ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ لَا اشْتِرَاطُ أَنْ تَكُونَ لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَلِذَا زَادَ فِي الْمُحِيطِ أَنْ تُسَامَ لِقَصْدِ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالزِّيَادَةِ وَالسِّمَنِ فَالذُّكُورُ فَقَطْ تُسَامُ لِلزِّيَادَةِ وَالسِّمَنِ لَكِنْ فِي الْبَدَائِعِ لَوْ أَسَامَهَا لِلَّحْمِ لَا زَكَاةَ فِيهَا كَالْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ
وَفِي الْقُنْيَةِ: لَهُ إبِلٌ عَوَامِلُ يَعْمَلُ بِهَا فِي السَّنَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَيُسَمِّنُهَا فِي الْبَاقِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ فِيهَا الزَّكَاةُ اهـ.
وَالرَّعْيُ مَصْدَرُ رَعَتْ الْمَاشِيَةُ الْكَلَأَ، وَالرِّعْيُ بِالْكَسْرِ الْكَلَأُ نَفْسُهُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَالْمُنَاسِبُ هُنَا ضَبْطُهُ بِالْفَتْحِ؛ لِأَنَّ السَّائِمَةَ فِي الْفِقْهِ هِيَ الَّتِي تَرْعَى، وَلَا تُعْلَفُ فِي الْأَهْلِ لِقَصْدِ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَلَوْ حُمِلَ الْكَلَأُ إلَيْهَا فِي الْبَيْتِ لَا تَكُونُ سَائِمَةً فَلَوْ ضُبِطَ الرَّعْيُ فِي كَلَامِهِمْ هُنَا بِالْكَسْرِ
ــ
[منحة الخالق]
[بَابُ صَدَقَةِ السَّوَائِمِ]
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُمْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا غَيْرُ دَافِعٍ؛ إذْ التَّعْرِيفُ بِالْأَعَمِّ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمَيْنِ بَعْدَهُ اهـ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ مُلَاحَظٌ فِي التَّعْرِيفِ وَاكْتَفَوْا عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ هُنَا لِعِلْمِهِ مِمَّا يَأْتِي فَلَا يَكُونُ تَعْرِيفًا بِالْأَعَمِّ تَأَمَّلْ عَلَى أَنَّ عَدَمَ التَّعْرِيفِ بِالْأَعَمِّ اصْطِلَاحٌ لِلْمُتَأَخِّرَيْنِ، وَإِلَّا فَالْمُتَقَدِّمُونَ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى جَوَازِهِ (قَوْلُهُ قُلْت الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ إلَخْ) يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ مَا فِي تُحْفَةِ الْمُلُوكِ مِنْ أَنَّ السَّائِمَةَ الرَّاعِيَةُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ لَا لِلرُّكُوبِ وَالْعَمَلِ اهـ.
لَكِنْ نَظَرَ فِي هَذَا الْجَوَابِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ نَفْيَ الْإِسَامَةِ لِلْحَمْلِ وَالرُّكُوبِ قَدْ يَحْصُلُ بِدُونِ قَصْدِ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ بِأَنْ لَا يَقْصِدَ شَيْئًا أَصْلًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ أَيْضًا. اهـ.
قُلْت: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ مُحَصَّلَ جَوَابِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ مَجَازٌ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ كَمَا فِي قَوْلِك نَطَقَتْ الْحَالُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ الْمَذْكُورِ بَلْ مَا أُطْلِقَ هُوَ عَلَيْهِ فَالْمُرَادُ اللَّازِمُ أَعْنِي نَفْيَ كَوْنِهَا لِلْحَمْلِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ النُّطْقِ الدَّلَالَةُ فَقَدْ آلَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ التُّحْفَةِ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ تَوَجُّهِ النَّظَرِ عَلَيْهِ فَكَذَا مَا آلَ إلَيْهِ فَتَدَبَّرْ نَعَمْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ عَنْ الْخَانِيَّةِ لَوْ وَرِثَ سَائِمَةً كَانَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إذَا حَالَ الْحَوْلُ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَيُسَمِّنُهَا فِي الْبَاقِي) الَّذِي رَأَيْته فِي الْقُنْيَةِ وَيُسِيمُهَا مِنْ الْإِسَامَةِ لَا مِنْ التَّسْمِينِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ ضُبِطَ الرِّعْيُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ: الْكَسْرُ هُوَ الْمُتَدَاوَلُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ سَائِمَةً إلَّا لَوْ أَطْلَقَ الْكَلَأَ عَلَى الْمُنْفَصِلِ وَلِقَائِلٍ مَنْعُهُ بَلْ ظَاهِرُ مَا مَرَّ عَنْ الْمُغْرِبِ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: هُوَ كُلُّ مَا رَعَتْهُ الدَّوَابُّ مِنْ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ يُفِيدُ اخْتِصَاصَهُ بِالْقَائِمِ فِي مَعْدِنِهِ، وَلَمْ تَكُنْ مِنْهُ سَائِمَةً؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ بِالْحَوْزِ فَتَدَبَّرْهُ
стр. 633
لَكَانَتْ سَائِمَةً، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْكَلَأُ الَّذِي تَرْعَاهُ مُبَاحًا كَمَا قَيَّدَهُ الشُّمُنِّيُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَأَ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مَا رَعَتْ الدَّوَابُّ مِنْ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فَيَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُ الْمُبَاحِ.
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إبِلًا بِنْتُ مَخَاضٍ، وَفِيمَا دُونَهُ فِي كُلٍّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ، وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ، وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ) بِهَذَا اشْتَهَرَتْ كُتُبُ الصَّدَقَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْإِبِلُ لَيْسَ لَهَا وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهَا وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا إبَلِيٌّ بِفَتْحِ الْبَاءِ كَقَوْلِهِمْ فِي النِّسْبَةِ إلَى سَلَمَةَ سُلَمِيٌّ بِالْفَتْحِ لِتَوَالِي الْكَسَرَاتِ مَعَ الْيَاءِ وَالْمَخَاضُ النُّوقُ الْحَوَامِلُ وَابْنُ الْمَخَاضِ هُوَ الْفَصِيلُ الَّذِي حَمَلَتْ أُمُّهُ قَبْلَ ابْنِ اللَّبُونِ بِسَنَةٍ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ الْمَخَاضِ، وَالْمَخَاضُ أَيْضًا: وَجَعُ الْوِلَادَةِ قَالَ - تَعَالَى - ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣] وَشَاةٌ لَبُونً ذَاتُ لَبَنٍ وَابْنُ اللَّبُونِ الَّذِي اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ، وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ وَالْحَقُّ مِنْ الْإِبِلِ مَا اسْتَكْمَلَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي الرَّابِعَةِ، وَالْحِقَّةُ الْأُنْثَى، وَالْجَمْعُ حِقَاقٌ وَالْجَذَعُ مِنْ الْبَهَائِمِ قَبْلَ الثَّنِيِّ إلَّا أَنَّهُ مِنْ الْإِبِلِ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، وَالْأُنْثَى جَذَعَةٌ هَذَا فِي اللُّغَةِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: وَالْمُرَادُ بِبِنْتِ الْمَخَاضِ مَا تَمَّ لَهَا سَنَةٌ، وَبِنْتُ اللَّبُونِ مَا تَمَّ لَهَا سَنَتَانِ، وَبِالْحِقَّةِ مَا تَمَّ لَهَا ثَلَاثٌ وَبِالْجَذَعَةِ مَا تَمَّ لَهَا أَرْبَعٌ ذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النِّكَاحِ أَنَّ قَيْدَ كَوْنِهَا بِنْتَ مَخَاضٍ أَوْ بِنْتَ لَبُونٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ لَا مَخْرَجَ الشَّرْطِ، فَالْمُرَادُ السِّنُّ لَا أَنْ تَكُونَ أُمُّهَا مَخَاضًا أَوْ لَبُونًا اهـ.
وَاقْتَصَرَ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْنَانِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ مَا عَدَاهَا لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الزَّكَاةِ كَالثَّنِيِّ وَالسَّدِيسِ وَالْبَازِلِ تَيْسِيرًا عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ بِهَذِهِ الْأَسْنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا الثَّنِيُّ، وَلَا يَجُوزُ الْجَذَعُ إلَّا مِنْ الضَّأْنِ
وَقَالُوا: هَذِهِ الْأَسْنَانُ الْأَرْبَعَةُ نِهَايَةُ الْإِبِلِ فِي الْحُسْنِ وَالدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَالْقُوَّةِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ رُجُوعٌ كَالْكِبَرِ وَالْهَرَمِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ تَوْقِيفِيٌّ، وَمَا فِي الْمَبْسُوطِ مِمَّا يُفِيدُ أَنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّ إيجَابَ الشَّاةِ فِي خَمْسَةٍ مِنْ الْإِبِلِ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ رُبْعُ الْعُشْرِ بِقَوْلِهِ ﵊ «هَاتُوا رُبْعَ عُشْرِ أَمْوَالِكُمْ» ، وَالشَّاةُ تَقْرُبُ مِنْ رُبْعِ عُشْرٍ فَإِنَّ الشَّاةَ كَانَتْ تُقَوَّمُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ هُنَاكَ، وَابْنَةُ مَخَاضٍ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَإِيجَابُ الشَّاةِ فِي الْخَمْسِ كَإِيجَابِهَا فِي الْمِائَتَيْنِ مِنْ الدَّرَاهِمِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَضَعُ الْعَشَرَةَ مَوْضِعَ الشَّاةِ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِخِلَافِهِ، وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ السِّنَّ الْوَاجِبَ فِي الْإِبِلِ بِالْإِنَاثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا دَفْعُ الذُّكُورِ كَابْنِ الْمَخَاضِ إلَّا بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ لِلْإِنَاثِ إلَّا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِاسْمِ الشَّاةِ فَإِنَّهَا تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِخِلَافِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي السِّنِّ الْوَاجِبِ فِيهِمَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ مِنْ التَّبِيعِ وَالْمُسِنِّ، وَفِي الْبَدَائِعِ
وَلَا يَجُوزُ فِي الصَّدَقَةِ إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَأَطْلَقَ فِي الْإِبِلِ فَشَمِلَ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِنِصَابِهَا بِاسْمِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَاسْمُ الْجِنْسِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَنْوَاعِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ كَاسْمِ الْحَيَوَانِ وَسَوَاءٌ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْ الْأَهْلِيَّيْنِ أَوْ مِنْ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْأُمُّ أَهْلِيَّةً كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ الشَّاةِ وَالظَّبْيِ إذَا كَانَ أُمُّهُ شَاةً وَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ الْبَقَرِ الْأَهْلِيِّ وَالْوَحْشِيِّ إذَا كَانَ أُمُّهُ أَهْلِيَّةً فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَشَمِلَ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْكُلُّ صِغَارًا لِمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَالصِّغَارُ تَبَعٌ لِلْكِبَارِ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ وَشَمِلَ الْأَعْمَى وَالْمَرِيضَ وَالْأَعْرَجَ فِي الْعَدَدِ، وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَشَمِلَ السِّمَانَ وَالْعِجَافَ لَكِنْ قَالُوا: إذَا كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ مَهَازِيلُ وَجَبَ فِيهَا شَاةٌ بِقَدْرِهِنَّ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الشَّاةِ الْوَسَطِ كَمْ هِيَ مِنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ الْوَسَطِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَسَطٍ خَمْسِينَ، وَقِيمَةُ الشَّاةِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: لَوْ قَالَ إلَّا فِي الشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَصْوَبَ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَقَدْ وَجَبَتْ فِيمَا زَادَ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ الَّذِي هُوَ دُونِ الْخَمْسَةِ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ تَأَمَّلْ
стр. 634
الْوَسَطِ عَشَرَةٌ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّاةَ الْوَسَطَ خُمُسُ بِنْتِ مَخَاضٍ فَوَجَبَ فِي الْمَهَازِيلِ شَاةٌ قِيمَتُهَا قِيمَةُ خُمُسِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ سُدُسَهَا فَسُدُسٌ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُهُ
وَإِنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ قِيمَةُ كُلِّهَا قِيمَةَ بِنْتِ مَخَاضٍ وَسَطٍ يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ أَعْلَاهُنَّ فَيَجِبُ فِيهَا مِنْ الزَّكَاةِ قَدْرُ خُمُسِ أَعْلَاهُنَّ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ أَعْلَاهُنَّ عِشْرِينَ فَخُمُسُهُ أَرْبَعَةٌ فَيَجِبُ فِيهَا شَاةٌ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ أَعْلَاهُنَّ ثَلَاثِينَ فَخُمُسُهُ سِتَّةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِإِيجَابِ الشَّاةِ الْوَسَطِ؛ لِأَنَّهُ لَعَلَّ قِيمَتَهَا تَبْلُغُ قِيمَةَ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِجَافِ أَوْ تَرْبُو عَلَيْهَا فَيُؤَدِّي إلَى الْإِجْحَافِ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فَأَوْجَبْنَا شَاةً بِقَدْرِهِنَّ لِيَعْتَدِلَ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَكَذَا فِي الْعَشَرَةِ مِنْهَا يَجِبُ شَاتَانِ بِقَدْرِهِنَّ إلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَيَجِبُ وَاحِدَةٌ مِنْ أَفْضَلِهِنَّ، وَتَمَامُ تَفْرِيعَاتِ زَكَاةِ الْعِجَافِ فِي الزِّيَادَاتِ وَالْمُحِيطِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ ثُمَّ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ إلَى مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ ثُمَّ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ مَخَاضٍ وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَثَمَانِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ أَرْبَعُ حِقَاقٍ إلَى مِائَتَيْنِ ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ أَبَدًا كَمَا بَعْدَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ) كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَفِي الْمَبْسُوطِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ إذَا صَارَتْ مِائَتَيْنِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَدَّى فِيهَا أَرْبَعَ حِقَاقٍ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَإِنْ شَاءَ أَدَّى خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ
وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِيمَا إذَا كَانَتْ مِائَةً وَسِتًّا وَتِسْعِينَ إنْ شَاءَ أَدَّى أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ لِتُكْمِلَ مِائَتَيْنِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ فِي الِاسْتِئْنَافِ بِقَوْلِهِ كَمَا بَعْدَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ كَالِاسْتِئْنَافِ الَّذِي بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الِاسْتِئْنَافِ الثَّانِي إيجَابَ بِنْتِ لَبُونٍ، وَفِي الِاسْتِئْنَافِ الْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ لِانْعِدَامِ نِصَابِهِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ فِي الِاسْتِئْنَافِ الْأَوَّلُ تَغَيُّرٌ مِنْ الْخَمْسِ إلَى الْخُمُسِ إلَى أَنْ تُسْتَأْنَفَ الْفَرِيضَةُ، وَفِي الِاسْتِئْنَافِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِذَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ خَمْسٌ فَفِيهَا شَاةٌ مَعَ الْأَرْبَعِ حِقَاقٍ أَوْ الْخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ مَعَهَا، وَفِي خَمْسَةَ عَشْرَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ مَعَهَا، وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعٌ مَعَهَا فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ مَعَهَا إلَى سِتٍّ وَثَلَاثِينَ فَبِنْتُ لَبُونٍ مَعَهَا إلَى سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسُ حِقَاقٍ إلَى مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ كَذَلِكَ فَفِي مِائَتَيْنِ وَسِتٍّ وَتِسْعِينَ سِتُّ حِقَاقٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، وَهَكَذَا (قَوْلُهُ وَالْبُخْتُ كَالْعِرَابِ) لِأَنَّ اسْمَ الْإِبِلِ يَتَنَاوَلُهُمَا وَاخْتِلَافُهُمَا فِي النَّوْعِ لَا يُخْرِجُهُمَا مِنْ الْجِنْسِ وَالْبُخْتُ جَمْعُ بُخْتِيٍّ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنْ الْعَرَبِيِّ وَالْعَجَمِيِّ مَنْسُوبٌ إلَى بُخْتَ نَصَّرَ وَالْعِرَابُ جَمْعُ عَرَبِيٍّ لِلْبَهَائِمِ، وَلِلْأَنَاسِيِّ عَرَبٌ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي الْجَمْعِ وَالْعَرَبُ هُمْ الَّذِينَ اسْتَوْطِنُوا الْمُدُنَ وَالْقُرَى الْعَرَبِيَّةَ وَالْأَعْرَابُ أَهْلُ الْبَدْوِ وَاخْتُلِفَ فِي نِسْبَتِهِمْ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ نُسِبُوا إلَى عَرَبَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهِيَ مِنْ تِهَامَةَ؛ لِأَنَّ أَبَاهُمْ إسْمَاعِيلَ ﵇ نَشَأَ بِهَا كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
(بَابُ صَدَقَةِ الْبَقَرِ)
قُدِّمَتْ عَلَى الْغَنَمِ لِقُرْبِهَا مِنْ الْإِبِلِ فِي الضَّخَامَةِ حَتَّى شَمِلَهَا اسْمُ الْبَدَنَةِ، وَفِي الْمُغْرِبِ بَقَرَ بَطْنَهُ شَقَّهُ مِنْ بَابِ طَلَبَ، وَالْبَاقُورُ وَالْبَيْقُورُ وَالْأَبْقُورُ وَالْبَقَرُ سَوَاءٌ، وَفِي التَّكْمِلَةِ عَنْ قُطْرُبٍ: الْبَاقُورَةُ الْبَقَرُ اهـ.
وَالْبَقَرُ جِنْسٌ وَاحِدُهُ بَقَرَةٌ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَالتَّمْرِ وَالتَّمْرَةِ فَالتَّاءُ لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ، وَفِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ: الْبَاقِرُ جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رِعَائِهَا (قَوْلُهُ فِي ثَلَاثِينَ بَقَرًا تَبِيعٌ ذُو سَنَةٍ أَوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ مُسِنٌّ ذُو سَنَتَيْنِ أَوْ مُسِنَّةٌ، وَفِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا تَبِيعَانِ، وَفِي سَبْعِينَ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ ثُمَّ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ) ذَكَرَ الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ وَرَدَ سُؤَالٌ لِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ هَلْ تُشْتَرَطُ حَيَاةُ الشَّاةِ أَمْ لَا وَذَكَرَ الْجَوَابَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّوَقُّفِ وَأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهِ نَصًّا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ الْجَزْمُ بِالِاشْتِرَاطِ وَأَنَّ الْمَذْبُوحَةَ لَا تُجْزِئُ إلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّقْوِيمِ وَأَطَالَ فِيهِ فَرَاجِعْهُ
[بَابُ صَدَقَةِ الْبَقَرِ]
стр. 635
فَالْفَرْضُ يَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ عَشْرٍ مِنْ تَبِيعٍ إلَى مُسِنَّةٍ) بِهَذَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعَاذًا حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ، وَلَا خِلَافَ فِيمَا فِي الْمُخْتَصَرِ إلَّا فِي قَوْلِهِ، وَفِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَبِحِسَابِهِ فَفِيهِ رِوَايَاتٌ عَنْ الْإِمَامِ فَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ رِوَايَةً عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ فَيَجِبُ فِي الزَّائِدِ إذَا كَانَ وَاحِدَةً جُزْءًا مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيمَا زَادَ إلَى خَمْسِينَ فَفِي الْخَمْسِينَ مُسِنَّةٌ وَرُبْعُ مُسِنَّةٍ أَوْ ثُلُثُ تَبِيعٍ، وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ إلَى سِتِّينَ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَكِنْ فِي الْمُحِيطِ رِوَايَةُ أَسَدٍ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ
وَفِي جَامِعِ الْفِقْهِ قَوْلُهُمَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي تَصْحِيحِهِ عَلَى الْقُدُورِيِّ، وَسُمِّيَ الْحَوْلِيُّ مِنْ أَوْلَادِ الْبَقَرِ بِالتَّبِيعِ؛ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ بَعْدُ، وَالْمُسِنُّ مِنْ الْبَقَرِ وَالشَّاءِ مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ، وَمِنْ الْإِبِلِ مَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ ثُمَّ لَا يَتَعَيَّنُ الْأُنُوثَةُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا فِي الْغَنَمِ بِخِلَافِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ فَضْلًا فِيهِمَا بِخِلَافِ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الزِّيَادَاتِ: لَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ الْبَقَرِ عِجَافًا فَعَلَيْهِ مُسِنَّةٌ بِقَدْرِهِنَّ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى قِيمَةِ التَّبِيعِ الْوَسَطِ وَقِيمَةِ الْمُسِنَّةِ الْوَسَطِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ التَّبِيعِ أَرْبَعِينَ، وَقِيمَةُ الْمُسِنَّةِ خَمْسِينَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسِنَّةَ مِثْلُ تَبِيعٍ وَرُبْعِ تَبِيعٍ فَعَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْ أَفْضَلِهِنَّ وَرُبْعُ الَّتِي تَلِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ أَفْضَلِهِنَّ ثَلَاثِينَ، وَقِيمَةُ الَّتِي تَلِيهَا عِشْرِينَ فَعَلَيْهِ مُسِنَّةٌ قِيمَتُهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ، وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْمَسَائِلُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْجَامُوسُ كَالْبَقَرِ) ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ يَتَنَاوَلُهُمَا؛ إذْ هُوَ نَوْعٌ مِنْهُ فَيَكْمُلُ نِصَابُ الْبَقَرِ بِهِ وَتَجِبُ فِيهِ زَكَاتُهَا وَعِنْدَ الِاخْتِلَاطِ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ أَغْلِبْهَا إنْ كَانَ بَعْضُهَا أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيَأْخُذُ أَعْلَى الْأَدْنَى وَأَدْنَى الْأَعْلَى، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ الْبَقَرِ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ أَوْهَامَ النَّاسِ لَا تَسْبِقُ إلَيْهِ فِي دِيَارِنَا لِقِلَّتِهِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ فَصْلِ الْأَكْلِ مِنْ الْأَيْمَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمَ الْبَقَرِ فَأَكَلَ لَحْمَ الْجَامُوسِ حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمَ الْجَامُوسِ فَأَكَلَ لَحْمَ الْبَقَرِ لَا يَحْنَثُ، وَهَذَا أَصَحُّ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي الْفَصْلَيْنِ لِلْعُرْفِ اهـ.
فَعَلَى هَذَا التَّصْحِيحِ كَانَ التَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ كَالْجَامُوسِ عَامًّا فِي الْأَيْمَانِ أَيْضًا وَيُوَافِقُهُ مَا فِي الْمُحِيطِ وَالْجَوَامِيسُ بِمَنْزِلَةِ الْبَقَرِ؛ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي بَقَرًا فَاشْتَرَى جَامُوسًا يَحْنَثُ بِخِلَافِ الْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ؛ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِخِلَافِ الْجِنْسِ كَالْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ
وَإِنْ أَلِفَتْ فِيمَا بَيْنَنَا لَا يَلْتَحِقُ بِالْأَهْلِيِّ حُكْمًا حَتَّى يَبْقَى حَلَالَ الْأَكْلِ فَكَذَا الْبَقَرُ الْوَحْشِيُّ. اهـ.
وَالْحَقُّ مَا فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي التَّبْيِينِ وَقَوْلُهُ وَالْجَامُوسُ كَالْبَقَرِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَقَرٍ اهـ.
وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْعُرْفِ لَيْسَ بِبَقَرٍ كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا فِي التَّغَايُرِ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ التَّشْبِيهِ، وَعِبَارَةُ الْوَلْوَالِجِيِّ أَحْسَنُ، وَهِيَ وَالْجَوَامِيسُ مِنْ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
(فَصْلٌ فِي الْغَنَمِ) سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا آلَةُ الدِّفَاعِ فَكَانَتْ غَنِيمَةً لِكُلِّ طَالِبٍ (قَوْلُهُ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ، وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ، وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) بِالْإِجْمَاعِ وَقَدَّمْنَا أَنَّ الشَّاةَ تَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَفِي الْمُحِيطِ وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْأُمُّ فَإِنْ كَانَتْ غَنَمًا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَيَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ وَإِلَّا فَلَا، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً حَتَّى وَجَبَتْ فِيهَا شَاةٌ لَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يُفَرِّقَهَا فَيَجْعَلَهَا أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ فَيَأْخُذَ ثَلَاثَ شِيَاهٍ؛ لِأَنَّ بِاتِّحَادِ الْمِلْكِ صَارَ الْكُلُّ نِصَابًا وَلَوْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةً حَتَّى لَمْ يَجِبْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْعُرْفِ لَيْسَ بِبَقَرٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ فِي كَلَامِهِ مُضَافًا مَحْذُوفًا أَيْ وَحُكْمُ الْجَامُوسِ كَالْبَقَرِ فَلَا إشْكَالَ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَوْنَ حُكْمِهِمَا وَاحِدًا لَا يَدْفَعُ إيهَامَ أَنَّهُمَا نَوْعَانِ فَالْأَوْلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ تَأَمَّلْ.
[فَصْلٌ فِي زَكَاة الْغَنَمِ]
(فَصْلٌ فِي الْغَنَمِ)
следующие страницы →