← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1222

المستشرقون والسنة

سعد المرصفي

Полный текст (77 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

البخاري " على الأقل جدير بهذا الوصف عند أَشَدِّ المُحَدِّثِينَ غُلُواً في النقد)، مع أنها - أي الروايات الصحيحة - تشتمل على أمور كثيرة، يَوَدُّ المؤمن الصادق لو لم تَرِدْ فيها» (١)، فلم يكن غرض هذا المُسْتَشْرِق خالصاً للعالم والبحث المُجَرَّدِ، حين مال إلى الاعتراف بِصِحَّةِ ذلك النصيب الكبير من السُنَّة، وإنما كان يُفَكِّرُ أولاً وآخراً فيما اشتملت عليه هذه السُنَّة الصحيحة من نظرات مستقلَّة في الكون والحياة والإنسان، وهي نظرات لا يَدْرَأُ عنها استقلالها النقد والتجريح، لأنها لم تنبثق من العقل الغربي المُعْجِز، ولم تصوَّر حياة الغرب الطليقة من كل قيد!) (٢). وعثر المُسْتَشْرِقُ شْبْرَنَجْر على كتاب " تقييد العلم " للخطيب البغدادي، فوجد فيه شواهد وأخباراً تدل على تدوين المسلمين للحديث في عَصْرٍ مُبَكِّرٍ، فكتب مقالاً حول ما وجده. واطلع جُولْدْتسِيهِرْ على ما كتبه سَلَفِهِ شْبْرَنَجْر، وأيَّدَ فكرة كتابة المسلمين للحديث في عصر مُبَكِّرٍ، إلاَّ أنه تأمَّل في الأخبار التي عرضها سلفه شْبْرَنَجْر نقلاً عن الخطيب البغدادي وغيره ... فظنَّ بهذه الأخبار سُوءاً، وأراد أنْ يرى خلالها يَدَ الوضع والتزوير ... فقال: إنَّ أهل الرأي - الذين اعتمدوا في وضع فروع الشريعة على عقلهم، وأهملوا شأن حديث رسول الله ﷺ كان من حُجَجِهِمْ أنَّ الحديث لم يكتب دَهْراً طويلاً فغابت معالمه، وتَشَتَّتَ أَمْرُهُ، وأيَّدُوا رأيهم بأخبار اختلقوها، تُثْبِتُ أنه لم يكتب، ولم يقف خصومهم - أهل الحديث - واجمين، بل فعلوا فِعلتهم، واختلقوا الأخبار تأيِيداً لقولهم، فنسبوا إلى الرسول أحاديث في إباحة الكتابة (٣). هكذا رأى جُولْدْتسِيهِرْ أهل الرأي يَدَّعُونَ عدم كتابة الحديث، فيضعون من الآخبار ما يثبت دعواهم، وأهل الحديث يرون جواز تقييد العلم، فيضعون ما يثبت

стр. 37

دعواهم، لِيِحْتَجُّوا بصِحَّة ما لديهم من أحاديث في خلافاتهم الفقهية، أراد جُولْدْتسِيهِرْ أنْ يُصَوِّرَ علماءَ الأمَّة ومُفَكِّريها حزبين مُتَعَصِّبين لآرائهم، يستجيزون الكذب في سبيل ذلك! فساء ما تصوَّره! وبِئْسَ ما انتهى إليه! وقد قيَّضَ اللهُ لكتاب " تقييد العلم " أنْ ينشر في دمشق، ويُحَقَّقَ تحقيقاً علمياً دقيقاً، على يد الدكتور يوسف العش، الذي درس أخباره دراسة عميقة، ثم قَدَّمَ الكتاب المذكور بتصدير عِلْمِيٍّ قيِّم، كشف فيه عن أخطاء جُولْدْتسِيهِرْ في رأيه - حين قال: إنَّ من ادَّعَى عدم جواز الكتابة هُمْ أهل الرأي، وأنَّ مخالفيهم هُمْ من أهل الحديث - قال الدكتور العش: «فالخلاف لم يكن بين هاتين الفئتين، لأَنَّ من أهل الرأي من امتنع عن الكتابة وبينهم من أقرَّها، ومن المُحَدِّثِينَ من كره الكتابة ومنهم من أجازها» (١). وقال الدكتور محمد عجاج الخطيب: «بهذه البراهين القوية نقض الدكتور العش رأي جُولْدْتسِيهِرْ، وقوَّض كل ما بناهُ على رأيه من صور وهمية، وبَيَّنَ بعد البحث والتأمل (أنْ ليس من أوصاف مشتركة تُوَحِّدُ بين أصحاب إحدى الطائفتين، فليس الفريقان حزبين اتفق أفرادهما في الرأي، واستعدُّوا لخوض المعركة متضامنين، يناصر بعضهم بعضاً، وإنما تمسَّكُوا برأيهم عن عقيدة نفسية، أو عن ميول شخصية، أو عن ذوق خاص، أو عن عادة مُسْتَحْكمة، وعندنا أنَّ الطائفتين المُتخاصمتين مُتَّفقتان بالغاية، ولو أنهما تشاحنتا في القول، فكلتاهما تبغي الدفاع عن العلم والتقدُّم)» (٢). بعد تلك الأخبار عن التدوين، وحرص الأمَّة على سلامة الحديث النبوي، لا يمكننا أنْ نُسَلِّمَ بما ذهب إليه المُسْتَشْرِقُونَ، وخاصة بعد أنْ ظهر أمرهم على ضوء ما بَيَنّاهُ، فالسُنَّة حفظت منذ عهد الرسول ﷺ في الصدور، وقيَّدَهَا بعضُهُم في الصُحٌف، وكانت محلَّ اعتناء المسلمين في مختلف عصورهم، فتناقلوها جيلاً عن جيل حفظاً ودراسة بالمشافهة والكتابة، واجتهدوا وسعهم لحفظ الحديث بأسانيده

стр. 38

في مصنَّفات ومسانيد تَكْفُلُ لأهل العلم معرفة القوي من الضعيف، خشية تَسَرُّبِ الكذب إلى حديثه ﷺ ، ثم اجتهد كبار العلماء في جمع الحديث الصحيح على أسلم قواعد التثبُّت العلمي، فرحلوا في طلب ذلك، وسمعوا بأنفسهم، وتثبَّتُوا وسعهم، وكتبوا بأيديهم، فظهرت الكتب المجرَّدة من الضعيف، وأجمعت الأمَّة الإسلامية - التي فهمت الإسلام واتَّخذته سبيلها في مختلف وجوه حياتها - على صِحَّةِ " صحيح البخاري " و " صحيح مسلم "، فإذا اعترف المُسْتَشْرِقُونَ ببعض الحقائق العلميَّة، وأقرُّوا جانباً مِمَّا أثبتته المصادر الإسلامية، فلا يجوز لنا على أي حال أنْ نقبل ما ذهبوا إليه من طعن في صحاح السُنَّة، باسم طبيعة تطوُّر الرواية أو غير ذلك، كما لا يجوز لنا أيضاً أنْ نقبل منهم إضعاف ثقتنا باستظهار السُنَّة وحفظها ما دام قد ثبت تقييد بعض الحديث منذ عهده ﷺ ، فلا تعارض بين حفظ الحديث وكتابته، ولا يقتضي وجود أحدهما انعدام الآخر أو ضعفه. جَهْلٌ مُرَكَّبٌ: وهكذا كانت هذه الأحاديث التي حفظت في الصدور وكتبت في السطور، وهكذا تميَّزت هذه الأُمَّة عن غيرها من الأمم بمثل هذا السجل الخالد لِنَبِيِّهَا، فالأمم كلها فقيرة لا تملك مثل هذه المجموعة الناطقة المُسَجَّلَةِ عن الأنبياء والرسل، وهي (١) - من عمى وظلام تاريخي - قد انقطعت الصِلَةُ بينها وبين أنبيائها علمياً وعملياً وروحياً، وفقدت الحلقة التاريخية التي تصلها بعصر هؤلاء الرسل - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ -، وتوفقها على شؤون حياتهم، وما يكتنفها من ظروف وملابسات. هذه أسفار اليهود التي تضمنت (٢) سير هؤلاء الأنبياء قد خالج المُحَقِّقِينَ من العلماء ضروبٌ من الشك في كل سفر من أسفارها، على أننا إذا ضربنا صَفْحاً عن هذه الشكوك نرى سير هؤلاء الأنبياء ناقصة، مثال ذلك أحوال موسى المذكورة في أسفار " التوراة "، وقد توصل مؤلفو " دائرة المعارف البريطانية " أنفسهم إلى تحقيق أنَّ هذه الأسفار دُوِّنَتْ وجُمِعَتْ بعد موسى ﵇ بقرون كثيرة، زِدْ على ذلك أنَّ

стр. 39

" التوراة " الموجودة فيها لكل حادثة روايتان مختلفتان وحكايتان متباينتان كما حقَّق ذلك بعض علماء الألمان، وربما دفع بعض هذه الروايات بعضاً فتعارضت أُولاها بأُخراها. ونحن نواجه الوصف المتعارض في سِيَرِ الرجال والحوادث جميعاً ومن أراد أنْ يزداد علماً بهذا الموضوع فليراجع مادة «بَايْبِلْ» في الطبعة الأخيرة من " دائرة المعارف البريطانية "، وإذا كان الأمر كذلك فبأي منزلة من التاريخ ننزل حوادث العالم من آدم إلى موسى ﵉؟! وكيف نقدر قدر التاريخ الثابت في هذه الأمور؟! وحسبنا أنْ نذكر أنَّ الأسفار الخمسة من " التوراة " لا تعطي تفاصيل حياة موسى ﵇ بصورة تماثل ما نعرف عن حياة خاتم النبيين ﷺ ، فضلاً عن التحريف الذي لا يُحْصَى ولا يُعَدُّ، ولنذكر ما جاء في " سفر التثنية " (٣٤: ٥ - ١٠): «إنَّ عبد الله موسى مات بإذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره الى هذا اليوم، وكان موسى ابن عشرين ومائة سَنَة حين جاءهُ الموت ... ولم يقم بعد نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى». هذه الفقرات ذكرها " سفر التثنية "، وهو السفر الخامس من " التوراة " المُوحَى الى موسى ﵇، ولا يخفى أنَّ هذه الكلمات لم ينطق بها موسى ﵇، وهذا يدل على أنَّ هذا السفر كله أو هذه الفقرات لا صلة لها بالوحي بحال، فضلاً عن أنَّ الدنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى ﵇! وواضح أنَّ قوله: «ولم يعرف إنسان قبره». وقوله: «ولم يقم بعد نبيٌّ في إسرائيل مثل موسى» لم ينزل به الوحي!. وأحوال عيسى ﵇ وسيرته مكتوبة في الأناجيل، والأناجيل - كما تعلمون - كثيرة، غير أنَّ أكثرية المسيحيين اقتصرت على أربعة أناجيل. أما " إنجيل الطفولة ". و " إنجيل برنابا " وغيرها فلا يعتبرونهما، ومع ذلك فإنَّ الأناجيل الأربعة التي اقتصروا عليها لم يَلْقَ أَحَدٌ من الذين جمعوها سيدنا عيسى ﵇، وإذا تساءلنا: عَمَّنْ رَوَوْا هذه الأناجيل؟ نجد التاريخ يجهل ذلك كُلَّ الجهل، ويزداد المرء شكّاً إذا توصَّل إلى حقيقة أخرى، وهي أنَّ الرجال الأربعة المنسوبة إليهم هذه الأناجيل الأربعة لا يمكن القطع يقيناً بأنهم هم الذين جمعوها في الواقع، فإذا

стр. 40

كان الأشخاص المنسوبة إليهم هذه الأناجيل لا يَطْمَئِنُّ التاريخ إلى صدروها عنهم فكيف يَطْمَئِنُّ الى صِحَّتِهَا؟! وزاد الطين بَلَّةً أننا لا نعلم يقيناً اللغة التي كتبت بها هذه الأناجيل في الأصل، وفي أَيِّ زمان كُتِبَتْ، فقد اختلف مفسرو الآناجيل اختلافاً شديداً في تعيين زمان جمعها وتدوينها، فَمِنْ قائل إنها كتبت سنة ٦٠ للميلاد، ومن قائل إنها جمعت بعد ذلك التاريخ بكثير! وقد كتب المُسْتَشْرِقُونَ التاريخ القديم لبابل وأشور والعرب والشام ومصر وأفريقيا والهند وتركستان، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزمن ويعرضونها على الناس واضحة نقيَّة مُنَسَّقَةً مرتبطاً بعضها ببعض، وطَفِقُوا يعثرون على الصفحات المفقودة من كتب التاريخ القديم للبشر، إلاَّ أنهم قد أعياهم البحث والفحص فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نَبِيِّهِمْ، وقد استغرق «ريتان» جُهْدَهُ، ولقي من العناء والنصب مبلغاً عظيماً ليقف على حياة عيسى ﵇ كاملة تامة، ومع ذلك فإنَّ شؤونه ﵇ وأحواله لا تزال سراً مكنوناً في ضمير الزمن لم يبح به لسانه بعد، فضلاً عن التحريف الذي وقعوا فيه تجاه رسالته وما يعتقدونه تجاه الصلب وغيره! وأما شأن أصحاب المِلَلِ والنِحَلِ فالأمر أعجب، حتى صار كثير من المُسْتَشْرِقِينَ (١) والمؤرِّخين يَشُكُّونَ في وجودهم، ويميلون إلى أنها شخصيات خُرافية ليس لها وجود تاريخي، ونحن - على معارضتنا لهذا التطرُّف - نوافق على أنها شخصيات مطمورة في ركام الماضي، وعلى أنَّ هنالك حلقات مفقودة لا يمكن البحث عنها والاهتداء إليها! وهذا جهل مركب وقع فيه المُسْتَشْرِقُونَ، سواء اليهود تجاه أسفارهم، والنصارى تجاه أناجيلهم، وغير هؤلاء وأولئك تجاء مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ!

стр. 41

صفحة فارغة

стр. 42

الفصل الثالث: جهالات حول السند والمتن: تمهيد: ولم يقف المُسْتَشْرِقُونَ عند حَدِّ تهافت شُبُهاتهم حول المفهوم والتدوين - كما أسلفنا - وإنما ساروا قُدُماً في الطعون في السُنَّة، وتنوَّعت أساليبهم في ذلك حول السند والمتن .. مِمَّا دعانا إلى بيان جهالاتهم فيما يلي: مفهوم السند: يطول بنا الحديث لو حاولنا ذكر الأقوال بالتفصيل في التعريف، وحسبنا أنْ نذكر أنَّ الإسناد لغة: مطلق الإخبار، واصطلاحاً: هو رفع الحديث إلى قائله، وقيل: هو الإخبار عن طريق المَتْنِ، وقيل: هو حكاية طريق المَتْنِ، وهذه التعريفات بمعنى واحد، وقيل: هو الطريق الموصلة إلى المَتْنِ، والطريق: هم الرجال والرُواة، وذكر ابن جماعة: أنَّ رفع الحديث إسناد، وأنَّ الإخبار عن طريق المَتْنِ سند، وذكر السخاوي أنَّ الطريق الموصلة إلى المَتْنِ أشبه بالإسناد، وقال الشيخ زكريا: والمُحَدِّثُونَ يستعملونها لشيء واحد. ووجه ذلك أنَّ الرفع والإخبار والحكاية بمعنى الحديث، وأنَّ الطريق هم الرُواة، وكلاهما يعتمد عليه الحفاظ في صِحَّةِ الحديث وضعفه (١). مكانة السند: وفضل السند عظيم، لأنه يحفظ الشريعة من الخلط والدَسِّ فيها .. فالحديث سند ومتن، والسند بمثابة الدعامة التي يعتمد عليها، ويتوقَّف غالباً قبول

стр. 43

الحديث ورَدِّهِ، ولذا جعله ابن المبارك بمثابة القوائم فقال: بيننا وبين القوم القوائم - يعني الإسناد - ومعناه كما يقول النووي: إنْ جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه، وإلاَّ تركناه، فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم (١)، وقال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٢). وقال الحاكم: فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدرس منار الإسلام، وَلَتَمَكَّنَ أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإنَّ الأخبار إذا تعرَّتْ عن وجود الأسانيد كانت بتراء (٣). وقال الشافعي: مثل من يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل، ربما احتطب في حطبه أفعى (٤). والأُمَّةُ الإسلامية أُمَّةُ الإسناد، وتلك حقيقة لا تحتاج إلى بيان (٥)، ومن أراد معرفة ذلك فليرجع إلى ما كتبه ابن حزم في وجوه النقل عند المسلمين وغيرهم (٦)، وما ذكره أبو بكر محمد بن أحمد، ومحمد بن حاتم بن المظفر (٧)، وما ذكره أحد فلاسفة الهنود الذي أسلم عندما أدرك أنَّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي له تاريخ محفوظ (٨). بداية استعمال الإسناد: كان الصحابة ﵃ إذا رَوَوْا الحديث عن رسول الله ﷺ صَدَّوُرهُ بعبارة تشعر بتَحَمُّلِهِ (٩)، وقد تكون صريحة في أخذه عن الرسول ﷺ مباشرة،

стр. 44

وأحياناً تحتمل قيام الواسطة، وحيث إنَّ الغالب في الواسطة صحابي شهد تلك الواقعة أو كان طرفاً فيها، ساغ لهؤلاء الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - رفع ذلك إلى النبي ﷺ ، دون ذكر الواسطة ثقة به، وهناك مجموعة من الأحاديث دُوِّنَتْ كما سبق، في حياة النبي ﷺ وعصر الصحابة. إلزام الرُواة بذكر الإسناد: وأول من بدأ بإلزام الرواة بذكر أسانيدهم، وحمل لواء ذلك أبو بكر الصديق ﵁، حيث سَنَّ أمر التثبُّت من الراوي، فلم يقبل من أحد الصحابة ﵃ حديثاً يرفعه إلى النبي ﷺ ، حتى يشهد معه غيره بأنه سمعه من النبي ﷺ (١). وسار عمر ﵁ على سُنَّةِ أبي بكر ﵁ (٢)، وكذلك عثمان ﵁ (٣)، وكان عليٌّ ﵁ يستحلف الراوي، أسَمِعَ حديثه من النبي ﷺ أم لا (٤). وهذا يُبَيِّنُ أنَّ الإسناد قد تَخَطََّّى مرحلة استخدامه (٥) واستعماله إلى مرحلة إلزام الراوي بذكر إسناده .. وهؤلاء الصحابة هُمْ عِلْيَةِ القوم، والناس تَبَعٌ لهم .. وهكذا دأب الناس على نهج الخلفاء الراشدين يتثبَّتُون في سماع الرواية، ويطلبون ذكر الطريق الذي يحمل منه الراوي الحديث، لا سيما عقب قيام الفتنة .. وظهور الفرق، حيث أصبح التفتيش عن الإسناد ضرورة مُلِحَّةً، والبحث

стр. 45

عن الرُواة وتعريضهم للنقد، وقد صوَّرَ ابن سيرين موقف المُحَدِّثِينَ في تلك الحقبة أحسن تصوير بقوله: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» (١). ولا مُنافاة بين قول ابن سيرين وبين ما تقرَّرَ من أنَّ إلزام الرُواة بذكر الإسناد بدأ منذ عهد الصدِّيق ﵁ - كما سبق - وقد حفظت لنا كتب الحديث ونقد الرجال كثيراً من الوقائع التي ألزم فيها الرُواة بذكر أسانيدهم والإفصاح عمَّن تلقُّوا عنهم (٢). المُسْتَشْرِقُونَ والإسناد: ومع أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ ليس لهم إسناد فيما يعتقدون أو يتَّبعون، فإنهم يضيفون إلى جهالاتهم السابقة مُفتريات حول الإسناد، يطول الحديث بذكرها، ومن أراد معرفة ذلك فليرجع إلى ما نقله الدكتور الأعظمي عن «كَيْتَانِي» و «شْبْرَنَجْر» (٣)، و «هوروفتس» و «روبسون» و «شَاخْتْ»، وموقف «روبسون» من تفسير «شَاخْتْ» للفتنة وكيف قرَّرَ «هوروفتس» ما رآهُ «روبسون»، واتَّفَقَ مع «كَيْتَانِي»، وتابعهم «سزكين» (٥). موقف عجيب: ولا يفوتني أنْ أذكر هذا الموقف العجيب من الدكتور فؤاد سزكين حيث ذهب كما يقول الدكتور العمري إلى القول بأنَّ الإسناد بدأ يفقد مكانته منذ ألَّفَ البخاري " صحيحه "، فأكثر فيه التعاليق والفقرات اللغوية والتاريخية دون إسناد (٦). وقد كتب الدكتور العمري تحت عنوان: «ملاحظات واستدراكات على كتاب

стр. 46

" تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين» كما ذكر هو في آخر كتابه " بحوث في تاريخ السُنَّة المشرَّفة " غير أني لم أطَّلع عليه. ويقول الدكتور سزكين (١): وشُهرة البخاري تقوم على كتابه " الجامع الصحيح " وهو ما يمْكِنُ أنْ نصفه - بعد دراسة عميقة ناقدة - بأنه مصادفة حسنة، وهناك بَوْنٌ شاسع بين المكانة الرفيعة التي زادت وتدعَّمتْ مع القرون التالية، والنقد اللاذع الحاد من بعض الشُرَّاح المَوْضُوعِيِّينَ!، الذين وجب عليهم أنْ يفعلوا ذلك أثناء شرحهم له في مواضع عديدة من النص، ومِمَّا يدعو إلى العجب أنَّ الأبحاث العلميَّة الحديثة التي يبدو أنها لم تعرف هذا على الإطلاق قد أخذت - دون نقد أو تمحيص - الصفات المنسوبة إلى الكتاب، رغم أنها غير صحيحة! والخطأ الأكبر الذي جَرَّ إلى أخطاء هو اعتبار كتاب البخاري أول كتاب «مُصَنَّفٍ» أُلِّفَ بهدف أنْ يهتدي المرء بمعونته في كل باب من أبواب الفقه، وفي كل مسألة فقهية (٢). وقد أوضحت دراسة تطور علم الحديث أنَّ مجموعات البخاري ومعاصريه لا تمثِّلُ بأية حال من الأحوال بدايات كتب «المصنّف» وذلك لأنها ليست إلاَّ جمعاً مُلَخِّصًا للمؤلفات التي ظهرت ثماراً لتطوُّر استمرَّ قروناً من الزمن، ويبدو أنَّ البخاري قد استخدم كتب الحديث - وكثيراً من الكتب اللغوية والتاريخية والفقهية كذلك - دون انتقاء! ودون توفيق! الأمر الذي جعل الشُرَّاح المتأخِّرين يعجبون منه!، ويطلقون عليه «عاف من التقليد»! وبالنسبة للأسانيد فإنَّ مصنّف البخاري " الجامع " لا يرقى إلى الكمال! فالأسانيد ناقصة في حوالي ربع المادة، وقد أطلق على هذا الأمر ابتداءً من القرن الرابع اسم «التعليق» وبهذا يفقد كتاب البخاري كثيراً من سِمَتِهِ مُصنَّفاً جامعاً شاملاً!، أما البخاري نفسه فقد برهن على أنه ليس عالم الحديث الذي طوَّرَ الإسناد إلى الكمال، كما زعم «كَيْتَانِي»، بل هو أول من بدأ معه انهيار الإسناد! وهذا موقف عجيب، فهو - كما أسلفنا - قد دحض شُبَهَ المُسْتَشْرِقِينَ حول الإسناد (٣).

стр. 47

وحسبنا أنْ نذكر قول ابن حجر في بيان موضوع كتاب البخاري والكشف عن مغزاه فيه (١): «تقرَّر أَنه الْتزم فِيهِ الصِّحَّة وَأَنه لا يُورد فِيهِ إِلاَّ حَدِيثاً صَحِيحاً هَذَا أصل مَوْضُوعه وَهُوَ مُسْتَفَادٌ من تَسْمِيَته إِيَّاه الْجَامِع الصَّحِيح الْمسند من حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسننه وايامه وَمِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنهُ من رِوَايَة الأَئِمَّة عَنهُ صَرِيحًا ثمَّ رأى أَنْ لا يخليه من الْفَوَائِد الْفِقْهِيَّة، والنكت الْحكمِيَّة، فاستخرج بفهمه من الْمُتُون مَعَاني كَثِيرَة فرقها فِي أَبْوَاب الْكتاب بِحَسب تناسبها، واعتنى فِيهِ بآيَات الْأَحْكَام فَانْتزع مِنْهَا الدلالات البديعة، وسلك فِي الإِشَارَة إِلَى تَفْسِيرهَا السبل الوسيعة، قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين نفع الله بِهِ: لَيْسَ مَقْصُود البُخَارِيّ الاقْتِصَار على الأَحَادِيث فَقَط بل مُرَاده الاستنباط مِنْهَا وَالاسْتِدْلال لأبواب أرادها وَلِهَذَا الْمَعْنى اخلى كثيراً من الأَبْوَاب عَن إِسْنَاد الحَدِيث وَاقْتصر فِيهِ على قَوْله " فِيهِ فلان عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقد يذكر المَتْنِ بِغَيْر إِسْنَاد، وَقد يُورِدهُ مُعَلّقا، وَإِنَّمَا يفعل هَذَا لأنَّهُ أَرَادَ الاحْتِجَاج للمسألة الَّتِي ترْجم لَهَا، وَأَشَارَ إِلَى الحَدِيث لكَونه مَعْلُوماً وَقد يكون مِمَّا تَقَدَّمَ وَرُبمَا تَقَدَّمَ قََِرِيباَ». وبهذا يَتَبَيَّنُ بطلان ما ذهب إليه سيزكين، وأنَّ قوله: أنَّ الإسناد لم يعرف شكله الأكمل عند البخاري، وأنَّ الواقع أنه بدأ من البخاري يفقد مكانته، وأنه أول من بدأ معه انهيار الإسناد مردود عليه! وهذا يدعو إلى الحذر والحيطة مِمَّا يكتبه في " تاريخ التراث العربي "، وقد ذكر لي بعض الإخوة الأتراك أنَّ رسالته التي تقدَّم بها لدرجة الدكتوراة قد تطرَّقَ فيها إلى هذا الموضوع، فطلبت نسخة منها باللغة التركية، وهي عندي الآن، وأرجو أنْ أتعرَّف على ما جاء فيها في هذا الشأن بعد ترجمتها بعون الله وتوفيقه. مفهوم المَتْنِ: أما المَتْنِ فسبق أنْ أشرنا إليه في بيان مفهوم السند، وأنه يطلق على ما انتهى إليه السند، وهو المروي من ألفاظ الحديث التي تتقوَّم بها المعاني (٢).

стр. 48

وقد تعرَّض المُحَدِّثُونَ لدراسة المَتْنِ من جوانبه العديدة، استكمالاً لبحثهم في القبول والردِّ، واستيفاء لما يحتاج إليه الباحث (١). ولم تكن هذه الدراسة لمجرَّد إشباع رغبة جامحة، بل كانت الدوافع إليها أعمق وأدق، لأَنَّ المؤمنين يعلمون تماماً أنَّ الحق ﵎ أنزل كتابه، وَوَكَّلَ تبيينَهُ لنبيِّهِ، فقال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢). ولبث رسول الله ﷺ ثلاثاً وعشرين سَنَةً يُبَيِّنُ ويُوَضِّحُ، ويفرض ويَسُنُّ، ويُحِلُّ ويُحَرِّمُ، وأصبحت معرفة هذه الأمور موقوفة على معرفة السُنَّة .. ومعلوم أنَّ هذا كله يتوقَّفُ على تمييز الصحيح من الضعيف، والغَثِّ من السمين، والراجح من المرجوح، وقد تحرَّى علماء السُنَّة في هذا الأمر الحَقَّ، وتمسَّكُوا فيه بِالمَحَجَّةِ البيضاء، وكل ما يؤدِّي إلى الصدق، فكان علمهم هذا من مفاخر الإسلام. المُسْتَشْرِقُونَ والمتن: ولا يقف المُسْتَشْرِقُونَ عند حَدِّ شُبُهاتهم حول المفهوم والتدوين، وجهالاتهم حول السند - كما أسلفنا - وإنما ساروا قُدُماً في جهالاتهم نحو المَتْنِ! وحتى لا يتشعَّبَ بنا الحديث، نَخُصُّ بالذكر «فَنْسَنْكْ» ذائع الصيت، حيث رَأَسَ مجموعة من المُسْتَشْرِقِينَ في عَمَلَيْنِ كَبِيرَيْنِ: أحدهما: " دائرة المعارف الإسلامية " وقد دعا إليها المُسْتَشْرِقِينَ سنة ١٨٩٥ م وأشرف عليها «هُوتْسْمَا» في أول الأمر، فصدر الجزء الأول منها في عهده سنة ١٩١٣ م ثم تولَّى أمرها من بعدها «فَنْسَنْكْ» سنة ١٩٢٤ م فنشطت، وصدر منها في عهده ثلاثة أجزاء أخرى بالإنجليزية والفرنسية والألمانية. وثانيهما: في مجال فهرسة السُنَّة، فقد أصدر كتابين:

стр. 49

أحدهما بالإنجليزية، ثمَّ تُرجِمَ إلى العربية بعنوان: " مفتاح كنوز السُنَّة ". والآخر " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي " (١) الذي فهرس " الكتب الستة "، و " الموطأ "، و " مسند أحمد "، و " الدارمي "، وقد اكتشفتُ أخطاء جسمية جَمَّةً ومتنوِّعة في هذا الكتاب، فيما يخصُّ " صحيح مسلم " وحده، وأَوْرَدْتُ نماذج دون استقصاء في سبعة أنواع، بلغت مجموعها «٤٧٩» يطول الكلام في ذكرها (٢). هذا المُسْتَشْرِق يقول (٣): لقد تطورت الأفكار، وكذلك العمل، بعد وفاة محمد ﷺ بعدَّة عقود، وهذا التطور منح القادة الرُوحيِّين فرصة لبيان روح الإسلام في الأحاديث، ومن أهمِّها على الإطلاق، حديث «العقيدة والشهادة» و «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ» (٤). ويُعلِّقُ الدكتور الأعظمي على ذلك قائلاً: والدليل على وضع الحديثين - في نظر فَنْسَنْكْ - بعد وفاة النبي ﷺ بعدَّة قرون هو الآتي: لم يكن لدى النبي ﷺ أيه صيغة يجب الإتيان بها لمن يدخل في كنف الإسلام، وعندما التقى المسلمون بالمسيحيِّين في الشام، ووجدوا عند النصارى كلمة شعروا بحاجة إلى شيء يماثلها، فاستخرجوا روح الإسلام في شكل هذين الحديثين، وبما أنَّ هذا الحديث يشتمل على الشهادتين، لذلك لا يمكنه أنْ يقبل أنَّ هذا الحديث صادر عن النبي ﷺ !. ويعرف «فَنْسَنْكْ» جيِّداً أنَّ الشهادتين جزء من التشهُّد الذي يقرأ في نهاية كل ركعتين في الصلاة، وكان من المفروض أنْ يُعَدِّلَ نظريته، لكنه ادَّعَى أنَّ الصلاة نفسها وصلت إلى شكلها النهائي بعد وفاة النبي ﷺ (٥)، ومن الغريب جِدًّا أنَّ

стр. 50

القرآن يأمر بالصلاة عشرات المَرَّاتِ (١)، والأحاديث الخاصة بالصلاة تصل إلى الآلاف، وبالرغم من كل هذا يزعم هذا المُسْتَشْرِق أنَّ النبي ﷺ لم يُعَلِّمْهُمْ الصلاة، وتركها ناقصة، وأنها قد أخذت شكلها النهائي على أيدي الصحابة! والأمر لم يقف عند هذا الحد، فهناك صلاة الجماعة، وهناك الأذان، والقرآن الكريم يشير إليه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). والشهادتان جزء من الأذان، وهذا يُبيِّنُ بجلاء ووضوح، لا لُبْسَ فيهما ولا غموض، أنَّ ما قاله «فَنْسَنْكْ» واضح البطلان، وافتراء مزعوم، وتهافت ساقط، لا يقول به عاقل، وهُرَاءُ في هُرَاءٍ، اللهم إلاَّ إذا كان هذا المُسْتَشْرِق يزعم أنَّ الأذان جاء في وقت متأخِّرٍ، بعد الاقتباس من نصارى بيزنطة، وهل نصارى بيزنطة وغيرهم يعرفون شهادة التوحيد؟! هذا مثال من نقد مُسْتَشْرِقٍ أفنى عمره في إعداد " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي "، وفيه مادة «بني» لفظ الحديث، وأنه رواه البخاري ومسلم وغيرهما .. وفي مادة «شهد» لفظ الحديث من رواية الشيخين وغيرهما .. وحسبنا أنْ نذكر متن الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (٣).

стр. 51

منهج نقد الأناجيل: وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ أنْ يقترح «رُوبْسُنْ» لنقد الأحاديث النبوية استعمال المنهج المستعمل لنقد نصوص الأناجيل، مع أنه قد صرَّحَ بنفسه أنَّ هذا المنهج ليس مُتَّفَقاً عليه بين الباحثين في كتب العهد القديم والجديد! ويُعقِّبُ الدكتور الأعظمي على ذلك بقوله (١): وإذا راجعنا الكتب المقدَّسة وخاصة العهد الجديد، فإننا نعود إلى ظلام دامس، حيث نجهل كل شيء، فلا ندري مؤلفي الكتب، فضلاً عن معرفتنا بسيرتهم، ولا نعلم علم اليقين اللغة التي استعملوها في تأليف كتبهم، ولا مقدرتهم العلمية لترجمة كلام عيسى ﵇ من الآرامية إلى اليونانية! وقد اختلف المؤرِّخُون شخصيات مؤلِّفِي العهد الجديد، يقول «سيرايدون هوسكنز» و «نُوِيلْ دِيوِي»: إنَّ مؤلفي العهد الجديد كانوا غير مُهتمِّين بالمسائل، مثل اسم المؤلف، وتاريخ الكتابة وما شاكل ذلك، وليس هناك كتاب واحد مؤرخ، والكتب التاريخية - خلافاً للرسائل - للمؤلفين المجهولين! يقول «بلتمان»: لا ريب أنَّ مرقس أول من ألَّف، وظهر إنجيله بين الأناجيل الأربعة، لكنه لا يمكننا أنْ نقبل كلامه كتاريخ حقيقي للمسيح ﵇ لأنه في الواقع قد سيطرت عليه عقائد الكنيسة والتصوُّر العقائدي عن المسيح نفسه، ورتَّب المواد التي كانت بين يديه، وهذَّبها وعدَّلها حسب نظرياته. ويقول «ولهاوزن»: إنَّ الروايات الشفهية أيضاً تأثَّرت بعقائد الكنيسة البدائية، ونمت في مجتمع بدائي، لذلك فهي مَشُوبَةٌ بنظرات المجتمع وتصوُّراته، ولا تعطينا صوراً صحيحة خالية من الخطأ، وتعليم المسيح نفسه. ويقول «كارل كندسين»: هناك عدَّة أجيال اشتغلت في البحث والتنقيب في العهد الجديد، بغية استخلاص أعمال المسيح وشخصيته، بمساعدة علم التاريخ الحديث. والناس مقتنعون حالياً أنَّ المواد الموجودة في هذه الكتب غير كافية لإعطائنا

стр. 52

صورة بسيطة وشبه كاملة لحياة المسيح , كما أصبح واضحا أنَّ الأناجيل ومصادرها في أول الأمر عبارة عن انعاكاسات العقائد لكنائس المسيحية الأولية (١). إذن هذه الكتب مصادرها مجهولة , ولا يمكن الإعتماد عليها كلياً , لأنها لا تمثل آراء وأفكار وتعاليم عيسى ﵇ , بقدر ما تمثل النظريات العقائدية المسيحية للكنائس البدائية! والأمر لا ينتهي إلى هذا الحد , فهناك أمر آخر أكثر أهمية من هذا , وهو أنه حصل تَحَوُّلٌ خطير عند النصارى في نظراتهم وأفكارهم ومُعتقداتهم بين الكنيسة الفلسطينية البدائية وبين الكنائس الرومية التي تأثَّرت بالروح الهلينية (٢). ومن الواضح أنَّ الأناجيل الأربعة تمثل التَحَوُّلَ الغربي , ولا تعطينا فكرة واضحة عن الأفكار التي كانت سائدة في فلسطين في تلك الأيام! والمُتَّفق بين الجميع أنَّ الأناجيل كلها ما عدا " مَتَّى " كتبت باللغة اليونانية , أما " مَتَّى " فقد كتب بالآرامية , ثم ترجم إلى اليونانية , والأصل ضائع ولكن البحث العلمي لا يؤيِّد هذا الإدعاء , وأصبح هناك شبه إجماع على أنها كلها كتبت باللغة اليونانية! (٣). كما أننا نجهل المؤلفين , ونجهل كذلك مقدرتهم العلمية لترجمة كلام عيسى ﵇ من الآرامية إلى اليونانية , ولا يبدو أنَّ هؤلاء الكُتَّاب كانوا قد وصلوا إلى منزلة كبار الأدباء باليونانية , ولذلك لم نجد للأناجيل محلاً في المضمار الأدبي! تلك إشارات إلى المجاهيل والمتاهات التي تواجه الباحث عن الأناجيل , وهي لا شك ظلمات بعضها فوق بعض! ولإستخلاص بعض كلمات عيسى ﵇ , والروايات المسيحية الخالية

стр. 53

من تلوين القديسين من هذا الركام نشأ منهج (١) , ولكنه ليس علميا بحتاً , يمكن الاعتماد عليه اعتماداً كلياً , ولإثبات هذا أذكر مثالاً واحداً: يقول «بلتمان»: مثال آخر للطريق التي لعب بها التصور في تطوير المادة القديمة وإتقان القصة. فيذكر لنا لُوقَا في الإصحاح ٢٣: ٣٩ - ٤٣ استهزاء وكلام المُذنبين المصلوبين مع عيسى. «وكان واحد من المذنبين المُعَلَّقين يجدف عليه قائلا: " إنْ كنت أنت المسيح فَخَلِّصْ نفسك وإيانا " , فأجاب الآخر وانتهره قائلا: " أولاً أنت تخاف اللَّه إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه ... » بينما يذكر مرقس: ١٥ - ٣٢: «وصلبوا معه لِصَّيْنِ , واحد عن يمينه , وآخر عن يساره ... » واللذان صُلِبَا معه كانا يُعَيِّرَانِهِ. «فإنجيل مرقس أقدم من لُوقَا , بالرغم من المصدر القديم , يعطينا معلومات أقل من المصدر المتأخر , ويرى بلتمان التفاصيل الموجودة في لوقا عبارة عن زيادة في تصوير القصة وإتقانها!» وخلاصة القول أنَّ هذا المنهج وجد للبحث في منطقة مجهولة مظلمة ذات أشواك , لإنقاذ ما يمكن إنقاذه , ولكن هيات هيات! حيث لا يمكن الاعتماد على نتائجه بحال , فكيف يمكن تطبيقه على نقد الأحاديث النبوية , وشَتَّانَ شَتَّانَ ما بين الثَّرَى وَالثُرَيَا! الطعن في الأفعال النبوية: ولم يقف الأمر عند حَدِّ الشُبُهَات المتهافتة التي أثاروها حول المفهوم والتدوين , وجهالاتهم حول السند والمَتْنِ - كما أسلفنا - فقد كتبوا في " دائرة المعارف " جهالات تحمل التهافت , يضيق المقام عن ذكرها (٢) , ونقل الأستاذ أحمد أمين بصورة غير رسمية كثيراً من آراء اليهودي المجري جُولْدْتْسِيهرْ (٣) , كما نقل

стр. 54

الدكتور علي حسن عبد القادر ملخص شُبَهِ هذا المُسْتَشْرِق (١). ومع أننا قد ذكرنا في تعريف السُنَّة أنها أقوال النبي ﷺ وأفعاله ... الخ، وأنَّ الحديث مُرادِفٌ لها عند غالب المُحَدِّثِينَ والأصوليِّين، باعتبار أنَّ في كل منها إضافة قول أو فعل ... الخ، فإننا نجد «شَاخْتْ» يقول عن أفعال النبي ﷺ : «كانت أفعاله تعتبر بَشَرِيَّةً، بَحْتَةً، حتى ما مَسَّ منها أمور الدين، فكانت بهذا لا تعتبر معصومة عن الخطأ، وقد نقدت هذه الأفعال أكثر من مَرَّةٍ»! (٢). وهذا قول متهافت، لأَنَّ سُنَّة النبي ﷺ حُجَّةٌ في التشريع، وقد تضافرت الأدلة على ذلك من الكتاب والسُنَّة والإجماع. أما الكتاب فحسبنا أنْ نقرأ قول الحق ﵎: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣). والكتاب والسُنَّة صنوان أو توأمان، عليهما تتوقَّفُ حقيقة الإيمان، ومنهما تُسْتَمَدُّ أحكام الأفعال التي يباشرها الإنسان، ومنزلة السُنَّة من الكتاب منزلة البَيَانِ من المُبَيّن، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤). هذا إلى ما تضيفه السُنَّة إلى القرآن من شؤون الدين وأحكامه، قال - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥).

стр. 55

فإنها تُضيف بما تقتضيه «ما» من معنى العموم أنَّ كل ما يقدِّمُهُ النبي ﷺ إلى الأمَّة من أمور دينها فإنها مُكَلَّفَةٌ باعتباره والسير على سُنَنِهِ، ويؤكِّدُ ذلك المعنى قوله - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). وأما السُنَّة فقد كثرت الروايات في ذلك، وحسبنا أنْ نذكر ما رواه أبو داود وغيره بسند صحيح عن المقدام بن معد كرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ... » الحديث. وفي رواية: «أَلاَ هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ» (٢). يقول الشوكاني: «إنَّ ثبوت حُجِّيتها - أي السُنَّة - واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلاَّ من لا حَظَّ له في الإسلام» (٣). وأما الإجماع فقد أجمع الصحابة ﵃ على العمل بالسُنَّة النبوية، واقتفاء هُدَى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً أو تقريراً، وقد سبق بيان منهج أبي بكر وغيره في التثبت، وكانت حياتهم صورة حَيَّة للعمل بالسُنَّة والتمسك بها والحث عليها والترغيب فيها. أما خصوص فعل النبي ﷺ فإنَّ كلام شَاخْتْ: «كانت أفعاله تعتبر بشرية، بَحْتَةً، حتى ما مَسَّ منها أمور الدين، فكانت بهذا لا تعتبر معصومة عن الخطأ، وقد نقدت هذه الأفعال أكثر من مَرَّةٍ»! كلام مردود، لأَنَّ أفعال النبي ﷺ تنحصر في

стр. 56

أقسام، هي: - الفعل الجِبِلِّيُّ. - الفعل العادي. - الفعل الدنيوي. - الفعل المعجز. - الفعل الخاص. - الفعل الامتثالي. - الفعل المؤقَّت لانتظار الوحي. - الفعل المُتَعَدِّي. - الفعل المبتدأ المُجَرَّد (١). يقول الدكتور عجيل النشمي (٢): ومحل النزاع بين العلماء في القسم الأخير، وهو الفعل المبتدأ المُجرَّد، أما بقية الأفعال فلا خلاف في أنها تدلُّ على الحكم في حقنا، باعتبار حكمها بالنسبة إلى النبي ﷺ ، فما فعله على وجه الإباحة فهو لنا مباح، وما لم نعلم حُكْمَهُ بالنسبة إليه ﷺ حملناهُ على أدنى الاحتمالات، وهذه لمحة عن أهم هذه الأنواع: الفعل الجِبِلِّيُّ: وهو الذي يفعله النبي ﷺ باعتباره بَشَراً لا يختلف في ذلك عن غيره من البشر، وهو على ضربين: الأول: فعل يقع منه ﷺ اضطراراً دون قصد منه لإيقاعه مطلقاً، كَتَألُّمِهِ من جُرْحٍ يصيبهُ، إلى غير ذلك من أمور، فهذا النوع لا حُكْمَ له شرعاً، لوقوعه دون قصد منه ﷺ .

стр. 57

الثاني: ما يفعله عن قصد وإرادة، ولكنها أفعال تدعو إليها ضرورته، من حيث هو بشر، كتناول الطعام والشراب ... وهذا النوع كسابقه في الحكم، فهو خارج عن التكليف. الفعل العادي: وهو ما فعله ﷺ جَرْياً على عادة قومه ومألوفهم، مِمَّا لم يَدُلَّ على ارتباطه بالشرع، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن، أو العوائد الجارية بين الأقوام في المناسبات ... وحكم هذا النوع كسابقه من الأفعال الجِبِليَّةِ، والأصل فيها جميعاً أنها تدلُّ على الإباحة لا غير، إلاَّ إذا ورد قول يأمر بها أو يُرَغِّبُ فيها، أو يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قولية، كتوجُّه الميت في قبره إلى القِبْلَةِ، فإنَّ ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء فيه. الفعل الدُنْيَويّ: وهو ما فعله ﷺ بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال أو نفع المسلمين في حياتهم عامَّة، كالأفعال الطبيَّة، وما يتعلَّقُ بالزراعة أو الصناعة أو التجارة أو تدبير أمور الحرب وغيرها، وهذا النوع لا يلزم فيه أنْ يكون الاعتقاد مُطابقاً للواقع، وليس في هذا حَطٌّ من قَدْرِهِ، لأَنَّ منصبه مُنْصَبٌّ على العلم بالأمور الشرعية. الفعل الخاص: وهو ما فعله باعتباره خاصاً به، فهذا لا يشاركه فيه أحد كاختصاصه بالوصال في الصوم، والزيادة في النكاح على أربع، وغير ذلك، فهذا حُكْمُهُ خَاصٌّ به ﷺ . الفعل البياني: وهو الفعل الذي قصد به النبي ﷺ بيان مُشكل في الأحكام الشرعية، وحكم هذا الفعل عند الأصوليِّين بحسب ما هو بيان له، فيرجع إلى المبين في معرفة حكمه، فإنْ كان الفعل بياناً لآية دالة على الوجوب دَلَّ على الوجوب ... وهكذا إذا كان المبين ندباً أو إباحة. الفعل المبتدأ: الذي عرفت صفته الشرعية، من وجوب وندب وإباحة، فإنه تشريع للأُمَّة، فيثبت حكم ما فعله في حق المُكَلَّفِينَ. أما ما فعله ابتداءً ولم تُعْرَفْ صِفته الشرعية، ولكن عُرِفَ أنَّ الفعلَ قصد القُرْبَة فيه، كقيامه ببعض العبادات دون مواظبة عليها، فإنَّ الفعل يكون مُسْتَحَبًّا في

стр. 58

حق الأُمَّة، أما إذا لم يعلم في الفعل قصد القُرْبَة، فإنَّ الفعل يكون دَالاًّ على إباحته في حق الأُمَّة، كالمُزارعة، والبيع ونحو ذلك. وأخيراً وليس آخراً: تلك إشارات إلى شُبُهَات وجهالات ومُفتريات المُسْتَشْرِقِينَ، حول المفهوم والتدوين، والسند والمتن، والأفعال النبوية، أرجو أنْ تكون حافزاً للاستقصاء والتتبُّع، وأنْ يأتي اليوم الذي نقدم فيه إلى نقد ما عند هؤلاء وأولئك، وأنْ نُبَيِّنَ لهم ما في ذلك من تهافت، وننتقل من الدفاع إلى الهجوم، قاصدين وجه الحق، ولعله قد آن الأوان للتفكير في الدعوة الجادَّة إلى ذلك، كما سيأتي في التوصيات. ***

стр. 59

خاتمة: وبعد هذا التطواف تَبَيَّنَ لنا الآتي: ١ - تهافت شُبُهَات المُسْتَشْرِقِينَ حول مفهوم السُنَّة وتدوينها. ٢ - جهالاتهم حول السند والمتن، تنطق بأنهم قد أمعنوا في غَيِّهِمْ، وحاولوا جاهدين الطعن في السند والمتن، مع أنهم لا سند لهم فيما يعتقدون، ولم يسلم لهم منهج النقد - كما أسلفنا - ومن ثم خرجوا عن وقار العقل، ومنطق الفكر، وكان مثلهم مثل من يزعم أنَّ الحق يُؤخَذُ من الباطل، وأنَّ العلم يُسْتَقَى من الجهل، وأنَّ الإنسان يتعلَّمُ من الببَّغاء! ٣ - مُفترياتهم حول الأفعال النبوية شاهد عليهم بأنهم قد أفرغوا كُلَّ ما في حوزتهم من طُعُون، وأنهم قد انتقلوا من طور الشُبُهَات، إلى طور الجهالات، إلى طور المُفْتريات، وهذا ينطق بأنهم قد تفرَّقت بهم السُبُل، مُغْمِضِينَ على ما في ذلك من محال وناب ونافر، وأنهم كانوا ينسجون ما ينسجون ليثيروا غُباراً من الأوهام في عيون المُتَطَلِّعين إلى نور الوحي، ولكن هيهات هيهات! وصدق الله العظيم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (١). ومن ثم أُوصِي بما يلي: أولا ً: ضرورة إنشاء أقسام للدراسات الاستشراقية في كُبْرَى الجامعات

стр. 60

الإسلامية، حتى يمكن تكوين جيل قادر على المواجهة الفكرية الجَادَّةِ لشُبُهات المُسْتَشْرِقِينَ - وما أكثرها - وفي المقدمة ما يتعلَّق بالعقيدة، والقرآن، والسُنَّة، والفقه، والسيرة النبوية ... وأحمد الله أنْ سبقت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في هذا الميدان، فأنشأت قسم الاسْتِشْرَاق في المعهد العالي للدعوة الإسلامية، وبدأت الدراسة فيه عام ١٤٠٣ هـ ويشتمل على عدة شُعَبٍ. الأولى: شُعْبةُ الدراسات الإسلامية عند المُسْتَشْرِقِينَ، وتَهْتَمُّ بالدراسات القرآنية، والحديثيَّة، والفقهيَّة الأصولية، والسيرة، والتاريخ، إضافة إلى ما يتعَلَّقُ بالمجتمع الإسلامي. الثانية: شُعْبَةُ الدراسات اللغوية عند المُسْتَشْرِقِينَ، ويهتم فيها بدراسات المُسْتَشْرِقِينَ للُّغات الإسلامية بصفة عامة، واللغة العربية بصورة خاصة ... الخ. الثالثة: شُعبة المراكز الاستشراقية ... (١). مع مراعاة الحوار بأدب الإسلام مع المعتدلين من المُسْتَشْرِقِينَ. ثانياً: ضرورة إنشاء دائرة معارف إسلامية جديدة، فلا يجوز أنْ يظلَّ كثيرون يقتاتون فكرياً من " دائرة المعارف الإسلامية " التي قام بإعدادها المُسْتَشْرِقُونَ قبل الحرب العالمية الثانية، فقد تجاوزها المُسْتَشْرِقُونَ - كما يقول الدكتور محمود حمدي زقزوق (٢) - وانتهوا منذ بضع سنوات من إصدار دائرة معارف إسلامية باللغة العربية واللغات الأوروبية الرئيسة، تقف على الأقل في مستوى " دائرة المعارف الإسلامية " لِلْمُسْتَشْرِقِينَ تخطيطاً وتنظيماً، وتتفوَّقُ عليها عِلْمِيًّا، وتنقل وجهة النظر الإسلامية في شَتَّى فروع الدراسات الإسلامية والعربية إلى المسلمين، وغير المسلمين، على السواء، فكل فراغ فكري لدينا لا نشغله بأفكار من عندنا يكون عُرضةً للاستجابة لأفكار منافية، وَرُبَّمَا مُعادية لأفكارنا.

стр. 61

وقد أفصح الذين قاموا بترجمة تلك الدائرة عن أثر ذلك، حيث قالوا: وليست فائدة هذه الدائرة قاصرة على الناحية الثقافية وحدها، ولكنها مفيدة في بعث الحضارة الإسلامية، مفيدة في تكوين الرأي العام الإسلامي!، وتدعيم تقاليده!، والكشف عن مُثُلِهِ العُليا، وذلك لأَنَّ مُهِمَّةَ دائرة المعارف أكبر من مُهِمَّةِ الجامعة في تكوين الرأي العام، لِمَا فيها من الشُمُول، مع العمق، والتحقُّق، والترتيب، على سهولة في الآسلوب واللغة لا تجعلها وقفاً على الخواص وأشباه الخواص!، ولسنا نَشُكُّ في أنَّ دائرة المعارف الإسلامية هذه ستكون من أقوى الدعائم التي يعتمد عليها في كتابة دائرة المعارف الكبرى التي يتحرَّق الناطقون بالضاد شوقاً إلى ظهورها»!!. وفي هذا بيان أثر هذه الدائرة في تكوين الرأي العام الإسلامي، ومن ثَمَّ تكون أباطيل المُسْتَشْرِقِينَ وانحرافاتهم تحت أعين الناس مألوفة مُقرَّرة، وليس يدفع من شرها ما يوضع في ذيول الصفحات من تعليق أو تصحيح، فالقوم - كما أسلفنا - يُقَدِّمُونَ شُبُهُاتِهِمْ في أساليب يعجز عنها الشيطان (١)! ثالثاً: ضرورة إنشاء موسوعة للرد على المُسْتَشْرِقِينَ، لأَنَّ المواجهة الفكرية الجادَّة هي الطريق الصحيح، ولا يكفي أنْ نقول: إنَّ ما يكتبونه كلام فارغ، فهذا الكلام الفارغ مكتوب بشتَّى اللُّغات الحَيَّةِ، ومنتشر انتشاراً واسعاً على مستوى عالمي، ومواجهته لاَ بُدَّ أنْ تكون على المستوى العالمي نفسه، وبالكلام «المليان» على حد تعبير الدكتور حسين مؤنس (٢). وقد دعت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في القاهرة في نهاية عام ١٩٧٩ إلى ندوة لمناقشة موضوع إعداد «موسوعة للرَدِّ على المُسْتَشْرِقِينَ» وقد حضر هذه الندوة عدد يزيد على العشرين من العلماء والمُفَكِّرِينَ المُهْتَمِّينَ بهذا الموضوع، وكان الدكتور محمود حمدي زقزوق مُقَرِّراً لهذه الندوة التي عقدت جلساتها على مدى ثلاثة أيام، وقام بإعداد تقرير ختامي.

стр. 62

وذلك على ضوء المناقشات التي دارت، وتم تسليم التقرير في حينه إلى المسؤولين عن الندوة المذكورة، وقُضي الأمر، ونامت الفكرةُ (١)! وهو تقرير قيِّمٌ، حول المنهج العلمي الواجب اتباعه في إعداد موسوعة الرَدِّ على المُسْتَشْرِقِينَ، ننقل نصَّهُ هنا، عسى أنْ يرى النور: [أ] أسلوب التناول: ١ - إنَّ التطورات الفكرية في عالم اليوم والتقدم العلمي العظيم الذي حقَّقه الإنسان في العصر الحاضر في مختلف المجالات يقتضي أنْ نكون في معالجتنا للقضايا التي أثارها الفكر الاستشراقي على وعي تام بمقتضيات العصر وإدراك كامل للمستويات الثقافية السائدة. ومن أجل ذلك، ونظراً لأَنَّ هذه الموسوعة تخاطب جمهرة المًثَقَّفِينَ الذين أتيح لهم الاطلاع على شُبُهَاتِ المُسْتَشْرِقِينَ - ينبغي أنْ يكون تناولنا للموضوعات التي تشتمل عليها الموسوعة الإسلامية المقترحة تناولاً موضوعياً مُدَعَّماً بالحقائق العلميَّة والشواهد التاريخيَّة والبراهين العقلية، وكذلك بالأسانيد الدينية فيما يتعلق بالعلوم النقلية التي يعترف المُسْتَشْرِقُونَ بالمناهج التي استخدمت فيها. ٢ - يتطلَّب الرَدُّ على الشُبُهَات والطعون التي أثارها المُسْتَشْرِقُونَ عرض هذه الشُبُهَات والرَدِّ عليها تفصيلياً بعيداً عن النزعات الهجومية، حتى يكون لهذا العمل العلمي أثره الإيجابي لدى المًثَقَّفِينَ من كل الطبقات من المسلمين وغير المسلمين، وحتى يكون دافعاً لِلْمُسْتَشْرِقِينَ إلى إعادة النظر في أقوالهم وعوناً لهم على تصحيح اتجاهاتهم حول الإسلام وتاريخه وحضارته. وفي النهاية يكون هذا العمل العلمي بمثابة تعريف بالإسلام لكل راغبٍ في التَعَرُّفِ عليه. ٣ - ينبغي أنْ تقتصر هذه الموسوعة على الموضوعات التي كانت مثار أخذ وَرَدٍّ وَجَدَلٍ لدى المُسْتَشْرِقِينَ، وبصفة أساسية في القرنين: التاسع عشر، والعشرين.

стр. 63

ومن أجل ذلك فليس هناك ما يدعو للحديث عن موضوعات لم يتطرَّق المُسْتَشْرِقُونَ للخوض فيها بالرفض أو بالقبول، إذ ليس الهدف هنا هو التاريخ الكامل للحضارة الإسلامية. ٤ - من المعروف أنَّ المُسْتَشْرِقِينَ لا يشكلون اتجاهاً واحداً في كل المسائل الإسلامية التي تعرَّضُوا لها .. فهناك مسائل يختلفون فيها ما بين مُؤَيِّدٍ ومُعَارِضٍ، ولذلك ينبغي إبراز ردود بعض المُسْتَشْرِقِينَ على بعضهم الآخر بصدد بعض الشُبُهَات التي أثاروها حول الإسلام والحضارة الإسلامية. ٥ - ينبغي أنْ تُصَدَّرَ الموسوعةُ بدراسة عن الاسْتِشْرَاق بوجه عام، على أنْ تُبَيِّنَ هذه الدراسة أهداف الاسْتِشْرَاق ومناهجه، والأسباب التي دعت إلى الدراسات الاستشراقية وأدَّت إلى إثارة الطعون والشُبُهات حول الإسلام وتاريخه وحضارته. [ب] فروع العلوم الإسلامية والفكر الإسلامي: لقد طرق المُسْتَشْرِقُونَ في دراستهم كل فروع العلوم الإسلامية والفكر الإسلامي بصفة عامة، وركَّزُوا على بعض القضايا الهامَّة التي تتَّصل بأصالة الدين الإسلامي وأصالة الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية، ويمكن تقسيم المجالات العلمية التي ستكون محوراً للتناول في هذه الموسوعة إلى مجالين رئيسيَيْن يندرج تحتهما فروع مختلفة على النحو التالي: أولاً: علوم دينية وتشمل دراسات المُسْتَشْرِقِينَ حول الدين الإسلامي بصفة عامَّة، وحول القرآن الكريم بصفة خاصَّة، مع العناية بدراسة الترجمات المختلفة التي قاموا بها للقرآن الكريم، وتقويم هذه الترجمات. وتشمل كذلك الدراسات المتعلِّقة بالتفسير وعلوم القرآن، والحديث وعلومه، والفقه الإسلامي، وعلم الكلام، والتصوُّف، وأصول الفقه. مع الاهتمام بتقويم مناهج المُسْتَشْرِقِينَ في هذه الدراسات، ووضعها في ميزان النقد العلمي، وبيان ملاءمتها أوعدم ملاءمتها لهذه الدراسات. ثانياً: علوم إنسانية، وتشمل علوم الفلسفة واللغة وعلومها والأدب وتاريخه، والنقد الأدبي، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، والجغرافيا، والعِمَارة، والفنون

стр. 64

الإسلامية، كما تشمل أيضأ الحساب والجبر والهندسة، والفلك، وعلوم الكيمياء، والفنون والطب والصيدلة، والنبات والحيوان. مع الاهتمام بإبراز مدى أصالة المسلمين وإبداعهم في كل هذه المجالات، ومدى ما أسهموا به وقدَّموه للحضارة الإنسانية. [ج] خطوات تحضير المادة ومراحلها: ١ - يجب في البداية القيام بحصر شامل لكتابات المُسْتَشْرِقِينَ عن المجالات سالفة الذكر، في القرنين: التاسع عشر، والعشرين، بصفة أساسية، باللغات: الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية والروسية، ويشمل هذا الحصر الكُتُبَ والمجلاَّت والدوريات ... الخ. والقيام بعملية حصر هذه الأعمال الاستشراقية يحتاج على الأقل إلى خبير، وعدد من المساعدين في مجال كل لغة من هذه اللغات الست. على أنْ يُسْتَعَانُ في هذا الحصر أيضاً بالمُتَخَصِّصِينَ في المجال الاستشراقي مِمَّنْ اعتنقوا الإسلام في أوروبا وغيرها. ٢ - لاَ بُدَّ من توفير الأعمال الاستشراقية المُشَارِ إليها عن طريق الشراء إذا كانت متوفِّرة، أو عن طريق التصوير إذا لم يمكن شراؤها. وتُشَكِّلُ هذه الأعمال مكتبة استشراقية تكون تحت أيدي الخبراء والعلماء الذين يشتركون في إعداد الموسوعة. ٣ - يقوم جهاز متعاون من الخبراء في اللُّغات الست المُشَارِ إليها بتحضير المادة، وتصنيف الموضوعات، وضَمِّ المادة التي يتكرَّرُ الحديث عنها في لغات مختلفة تحت موضوع واحد، حتى يتم الرَدُّ عليها جملة واحدة. ٤ - تقدم المادة للعلماء الذين سيقومون بإعداد الردود العلمية. ويراعى عند تقديم هذه المادة لهم أنْ تترجم لهم الأفكار الأساسية للقضايا المطلوب الكتابة فيها من اللغات التي لا يجيدون القراءة بها، حتى يكون لديهم تَصَوُّرٌ شامل لكل ما قيل حول القضية المطروحة، وحتى يُغَطِّي التناول للموضوع وجهات النظر التي قيلت فيه.

стр. 65

[د] الإعداد والتحرير: ٧ - يحتاج هذا العمل الموسوعي الضخم إلى عدد كبير من العلماء المسلمين في التَخَصُّصَاتِ المختلفة يطلب منهم الكتابة في موضوعات مُحَدَّدَةٍ حسب المادة التي تُقَدَّمُ إليهم، كُلٌّ في مجال تَخَصُّصِهِ، على أنْ يكون الرَدُّ فيها وافياً بعيداً عن التطويل المُمِلِّ أو الإيجاز المُخِلِّ، وطبيعة الموضوعات هي التي تُحَدِّدُ حَجْمَ الردود المطلوبة، وتُوضَعُ خِطَّةٌ زمنيَّةٌ أقصاها ستة أشهر لوصول الرَدِّ. ٢ - يتم تحرير الموضوعات باللغة العربية، وفي الحالات التي لا يجيد فيها أحد العلماء المسلمين اللغة العربية يمكن الكتابة بإحدى اللغات الأجنبية على أنْ يَتِمَّ ترجمة الموضوع إلى اللغة العربية فور وصوله. [هـ] المراجعة والتدقيق: عند وصول رَدٍّ من الردود يحال إلى لجنة مُخْتَصَّةٍ بالمراجعة والتدقيق تنحصر مُهِمَّتُهَا في فحص الرَدِّ من جميع جوانبه الدينية والعلمية والتاريخية ... الخ، ومدى وفائه بالغرض المطلوب، وهو استيعابه التام للرَدِّ على الشُبْهَةِ المُرَادُ الرَدِّ عليها، وتفنيد حُجَجِهَا بالأدلة الدامغة. [و] التوزيع المحمود: عندما تعتمد لجنة المراجعة رَدًّا من الردود يتم تصويره، ويُوَزَّعُ توزيعاً محدوداً على مجموعة من العلماء المُتَخَصِّصِينَ على مستوى الوطن الإسلامي لإقراره واعتماده اعتماداً نهائياً، أو بيان ما قد يكون هناك عليه من ملاحظات لمُراعاتها وأخذها بعين الاعتبار. [ز] الطباعة والنشر والترجمة: بعد مرحلة التوزع المحدود واعتماد الرَدِّ اعتماداً نهائياً يتم إعداده للطباعة في إطار مجال من مجالات فروع العلوم الإسلامية والفكر الإسلامي السابق الإشارة إليها، وفي الوقت نفسه تبدأ مجموعة من الخبراء في ترجمته إلى اللغات الأجنبية الست التي سبقت الإشارة إليها، ويمكن أنْ يَتِمَّ النشرُ في وقت واحد باللغة العربية وهذه اللغات الأجنبية.

стр. 66

ولعل في ذلك فائدة أكثر ونفعاً أَعَمَّ. وبذلك تُنْشَرُ الموسوعة على مراحل حسب العمل الذي يتم انجازه، مع مراعاة ضَمِّ قضايا المجال الواحد معاً لِتُشِكِّلَ وحدة متكاملة يمكن أنْ تأخذ صورة كتاب في موضوع مُعَيَّنٍ، وعندما يتم الانتهاء من الموسوعة يمكن إعادة طبعها مَرَّةً أخرى في صورة مكتملة. ولتمام الفائدة وسرعة العثور على الموضوع المطلوب في الموسوعة لاَ بُدَّ من القيام بعمل كَشَّافٍ في نهاية الموسوعة يضم فهرساً موضوعياً وفهرساً للأعلام. الهيئة العلمية للمشروع: ١ - يتطلَّب هذا المشروع الكبير - الذي يُقَدِّمُ للجيل المعاصر والأجيال القادمة أَهَمَّ خدمة علمية إسلامية في بداية القرن الخامس عشر الهجري - عدداً لا يقل عن مائة من العلماء المُتَخَصِّصِينَ في شتى مجالات الفكر الإسلامي، على مستوى العالم الإسلامي، من أصحاب الكفايات العلمية المُمتازة يقومون بمُهِمَّةِ الإعداد والتحرير لموضوعات الموسوعة. ٢ - تقوم لجنة علمية دائمة بِمُهِمَّةِ الإشراف والمراجعة. وتكون - بالتعاون مع الأمانة الفنية - مُخْتَصَّة بالاتصال بالعلماء الذين سيشاركون في كتابة الموسوعة في شَتَّى أنحاء الوطن الإسلامي، وتقديم المادة العلميَّة لهم، وتلقِّي رُدُودَهُمْ عليها، وتقوم هذه اللجنة بمراجعة الردود التي تصل اليها مراجعة دقيقة يَتِمُّ بعدها توزيعها توزيعاً محدوداً على مجموعة من العلماء لمُراجعتها مراجعةً نهائيَّةً، واعتمادها حتى تكون مُعَدَّةً للطبع. وتقوم اللجنة العلميَّة الدائمة أيضاً بِمُهِمَّةِ تبويب موضوعات الموسوعة وتحديد فصولها لتكون مُعَدَّةً للطبع بصورة نهائية متكاملة. ويتطلب العمل في هذه اللجنة تفرُّغاً كاملاً لعدد لا يَقِلُّ عن اثني عشر من العلماء المُتَخَصِّصِينَ في مختلف مجالات الفكر الإسلامي. ومن المفيد أنْ يكون هناك تكامل بين أعضاء هذه اللجنة من حيث الخبرة بمعرفة اللغات الأجنبية الست المُشار إليها.

стр. 67

ولهذه اللجنة أنْ تستعين بمن ترى الاستعانة بهم من العلماء المُتَخَصِّصِينَ. ٣ - يكون هناك مجلس للأمناء يضمُّ اللجنة العلميَّة الدائمة، والأمانة الفنيَّة، والأمانة الماليَّة، ويقوم هذا المجلس بالتنسيق بين الأجهزة المختلفة المُشْرِفَةِ على المشروع. ويجتمع هذا المجلس مرة واحدة كل ستة أشهر لدراسة تقرير شامل يُقَدِّمُ إليه سَيْرَ العمل في المشروع، ومدى التقدُّم فيه، ووضْعِ الحلول لما قد يكون هناك من مُشكلاتٍ تعُوقٌ سيرَ التنفيذ ... واللهُ وليُّ التوفيق. وَآخِرُ دَعْوَانَا أنْ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. ***

стр. 68

أهم المراجع: ١ - أبو هريرة راوية الإسلام، للدكتور محمد عجاج الخطيب، ط. سلسلة أعلام العرب، القاهرة ١٩٦٢ م. ٢ - أبو هريرة في الميزان، للدكتور محمد السماحي، ط. مصر. ٣ - إرشاد الفحول، للشوكاني، ط. الحلبي، القاهرة. ٤ - الاسْتِشْرَاق: المعرفة، لإدوارد سعيد، مؤسسة الأبحاث العربية، ط أولى ١٩٨١ م. ٥ - الاسْتِشْرَاق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، للدكتور محمود حمدي زقزوق، مؤسسة الرسالة، كتاب الأمَّة، قطر، ط. ثانية: ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م. ٦ - الاستشراق والمستشرقون، للدكتور مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، ط. ثانية ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م. ٧ - أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير، ط القاهرة: ١٢٨٦ هـ. ٨ - أصول الفقه، لشاخت، ترجمة إبراهيم خورشيد، وعبد الحميد يونس، وحسن عثمان، ط دار الكتاب اللبناني ١٩٨١ بيروت. ٩ - أضواء على أخطاء المستشرقين في " المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي "، د. سعد المرصفي، ط دار القلم، الكويت ١٩٨٨ م. ١٠ - إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين، لمحمد بن طولون الدمشقي، تحقيق الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة: ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م. ١١ - إغاثة اللفهان، لابن القيم، تحقيق محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت. ١٢ - أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية، للدكتور محمد الأشقر، المنار الإسلامية، ط أولى: ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م.

стр. 69

١٣ - " إكمال إكمال المُعْلم ": شرح " صحيح مسلم "، للأُبِّي، ومعه " مكمل إكمال إكمال المعلم "، للسنوسي، دار الكتب العلمية، بيروت. ١٤ - " الباعث الحثيث: شرح اختصارعلوم الحديث "، لابن كثير: أحمد محمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت. ١٥ - " بحوث في تاريخ السُنَّة المُشَرَّفَة "، للدكتور أكرم ضياء العُمَرِي، مؤسسة الرسالة، ط ثالثة ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م. ١٦ - " البداية والنهاية "، لابن كثير، ط السعادة، مصر. ١٧ - " تاريخ التراث العربي "، للدكتور فؤاد سزكين، ترجمة الدكتور محمود فهمي حجازي، والدكتور فهمي أبو الفضل، الهيئة المصرية العامة للتأليف ١٩٧١ م، ط ١٩٧٨ م. ١٨ - " تأويل مختلف الحديث "، لابن قتيبة، دار الجيل، بيروت، ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م. ١٩ - " التبشير والاستعمار في البلاد العربية "، للدكتور مصطفى خالدي، والدكتور عمر فروخ، المكتبة العصرية، بيروت، ط. خامسة ١٩٧٣ م. ٢٠ - " تدريب الراوي "، للسيوطي، تحقيق الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف، القاهرة ط. أولى ١٣٧٩ هـ - ١٩٥٩ م. ٢١ - " تذكرة الحُفَّاظ "، للذهبي، ط. حيدر آباد ١٩٥٥ م. ٢٢ - " تفسير القاسمي "، الحلبي ط. أولى ١٣٧٦ هـ - ١٩٥٧ م. ٢٣ - " تفسير المنار "، للشيخ محمد عبده، تأليف الشيخ محمد رشيد رضا، ط. أولى ١٣٤٢ هـ. ٢٤ - " تقييد العلم "، للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور يوسف العش، دمشق ١٩٤٩ م. ٢٥ - " التمييز "، لمُسلم، تحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، ط. جامعة الرياض. ٢٦ - " تهذيب التهذيب "، لابن حجر، ط. أولى، حيدر آباد ١٣٢٥ هـ. ٢٧ - " تهذيب اللغة "، للأزهري، تحقيق الباروني، مراجعة البجاوي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ط. سجل العرب. ٢٨ - " توجيه النظر "، للجزائري، العلمية بالمدينة المنورة.

стр. 70

٢٩ - " توضيح الأفكار "، للصنعاني، تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، الخانجي، القاهرة، ط. أولى ١٣٦٦ هـ. ٣٠ - " جامع بيان العلم وفضله "، لابن عبد البر، الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م. ٣١ - " الحَدِيثُ والمُحَدِّثُونَ "، للدكتور محمد أبو زهو، القاهرة ط. أولى ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٨ م. ٣٢ - " دائرة المعارف الإسلامية "، لِلْمُسْتَشْرِقِينَ، الاتحاد الدولي للمجامع العلمية، ترجمة إبراهيم زكي خورشيد وآخرين، الشعب، القاهرة. ٣٣ - " دراسات في الحديث النبوي "، للدكتور محمد مصطفى الأعظمي، ط. جامعة الرياض. ٣٤ - " دفاع عن أبي هريرة "، للأستاذ عبد المنعم صالح العزي، ط. دار الشروق، بيروت. ٣٥ - " دفاع عن السُنَّة وَرَدُّ شُبُهَاتِ المُسْتَشْرِقِينَ والكُتَّابِ المعاصرين "، للدكتور محمد أبو شُهبة، ط. الأزهر ١٩٦٧ م، ط. ١٩٨٥ م. ٣٦ - " دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المُسْتَشْرِقِينَ "، للشيخ محمد الغزالي، دار الكتب الحديثة، ط. ثانية، القاهرة ١٣٧٣ هـ - ١٩٦٣ م. ٣٧ - " رجال الفكر والدعوة في الإسلام "، أبوالحسن الندوي، دار الفتح بدمشق، ط. ثانية ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م. ٣٨ - " الرسالة المحمدية "، للسيد سليمان الندوي، ترجمة محمد ناظم الندوي، مكتبة دار الفتح، دمشق، ط. ثالثة ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م. ٣٩ - " الرسالة المستطرفة "، للكتاني، ط. بيروت ١٣٣٢ هـ. ٤٠ - " الرصف لما روي عن النبي ﷺ من الفعل والوصف "، للعاقولي، ط. دمشق ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م. ٤١ - " سنن ابن ماجه "، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، ط. دار الفكر العربي. ٤٢ - " سنن أبي داود "، ط. أولى، مصر التجارية. ٤٣ - " سنن الترمذي " (الجامع الصحيح) تحقيق الشيخ أحمد شاكر، ط. الحلبي. ٤٤ - " سنن الدارمي "، دار الكتب العلمية، بيروت.

стр. 71

٤٥ - " سنن النسائي، بشرح السيوطي، وحاشية السِنْدي "، ط. دار الكتب العلمية، بيروت. ٤٦ - " السُنَّة قبل التدوين "، للدكتور محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، ط. ثالثة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م. ٤٧ - " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " للدكتور مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، ط. ثانية ١٣٩٨ هـ - ١٩٧٨ م. ٤٨ - " شرف أصحاب الحديث "، للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور محمد سعيد خطيب أوغلي، دار إحياء السُنَّة النبوية، كلية الإلهيات، جامعة أنقرة. ٤٩ - " الصحاح " للجوهري، تحقيق الأستاذ أحمد عبد الغفور عطا، ط. دار العلم للملايين. ٥٠ - " صحيح البخاري "، مع " فتح الباري "، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، الرياض الحديثة، الرياض. ٥١ - " صحيح مسلم بشرح النووي "، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٥٢ - " صحيح مسلم "، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ٥٣ - " العقيدة والشريعة في الإسلام "، لجُولْدْتْسِيهِرْ، ترجمة الدكتور محمد يوسف موسى وآخرين، دار الكتاب العربي، ط. ثانية ١٣٧٨ هـ - ١٩٥٩ م. ٥٤ - " علوم الحديث ومصطلحه " للدكتور صُبحِي الصَّالِحْ، دار العلم للملايين، ط. رابعة ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٦ م. ٥٥ - " عُمدة القاري، شرح صحيح البخاري "، للعَيْنِي، دار الفكر. ٥٦ - " عون المعبود، شرح سُنن أبي داود "، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، مع " شرح ابن قيم الجوزية "، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، السلفية بالمدينة المنورة، ط. ثانية ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م. ٥٧ - " فتح الباري، شرح صحيح البخاري "، لابن حجر، الرياض الحديثة، الرياض. ٥٨ - " الفصل في المِلل والأهواء والنِحَلْ " لابن حزم، وبهامشه " الملل والنحل "، للشهرستاني، دار الفكر ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.

стр. 72

٥٩ - " الفهارس ومكانتها عند المحدثين "، د. سعد المرصفي، ذات السلاسل ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م. ٦٠ - " القاموس المحيط "، لمجد الدين الفيروزآبادي. ٦١ - " قواعد التحديث " للقاسمي، الحلبي، القاهرة. ٦٢ - " كُتَّاب النبي ﷺ "، للدكتور محمد مصطفى الأعظمي، دار الإرشاد، ط. ثالثة ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م. ٦٣ - " كشَّاف اصطلاحات الفنون "، للتَّهانوي، بيروت. ٦٤ - " الكفاية "، للخطيب البغدادي، ط. الهند ١٣٥٧ هـ، وط. دار الكتب الحديثة. ٦٥ - " لسان العرب "، لابن منظور، ط. بيروت. ٦٦ - " لمحات في الثقافة الإسلامية " للأستاذ عمر عودة الخطيب، مؤسسة الرسالة، ط. ثالثة ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م. ٦٧ - " مجلة النور "، بيت التمويل الكويتي، السَنَة الخامسة، العدد ٥٤/ ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م. ٦٨ - " مجموع فتاوى " شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع ابن قاسم، ط. الرياض. ٦٩ - " مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة "، للدكتور محمد حميد الله، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ط. ثانية ١٩٥٨ م. ٧٠ - " محاضرات في تاريخ العلوم "، للدكتور فؤاد سزكين، ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م. ٧١ - " المُحَدِّثُ الفاصل "، للرَّامَهُرْمُزِي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، بيروت، ط. أولى ١٣٩١ م. ٧٢ - " المختصر في علم رجال الأثر "، للدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب الحديثة، ط. ثامنة ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م. ٧٣ - " المستدرك على الصحيحين "، للحاكم، وبذيله " التلخيص "، للذهبي، دار الكتاب العربي، بيروت. ٧٤ - " المُسْتَشْرِقُونَ "، لنجيب العقيقي، دار المعارف ١٩٦٥ م. ٧٥ - " المُسْتَشْرِقُونَ وَمَصَادِرِ التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِي "، للدكتور عجيل جاسم النشمي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ط. أولى ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.

стр. 73

٧٦ - " مسند أحمد "، وبهامشه " منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال "، للمُتَّقِي الهندي، ط. المكتب الإسلامي، بيروت. ٧٧ - " مسند أحمد "، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، المعارف، ط. رابعة ١٣٧٣ هـ - ١٩٥٤ م. ٧٨ - " المصباح المُنير "، للفيُّومِي، تحقيق الدكتور عبد العظيم الشِنَّاوي، ط. دار المعارف. ٧٩ - " المُعتصر من مصطلحات أهل الأثر "، للدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب الحديثة، القاهرة ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦ م. ٨٠ - " معجم مقاييس اللغة "، لابن فارس، تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون، ط. دار الكتب العلمية، إيران. ٨١ - " المعجم الوسيط "، لمجموعة من المؤلِّفين، إصدار مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ط. دار إحياء التراث العربي. ٨٢ - " معرفة علوم الحديث "، للحاكم النيسابوري، مصر. ٨٣ - " المُنتقى من دراسات المُسْتَشْرِقِينَ "، للدكتور صلاح الدين المنجد، ط. لجنة التأليف والترجمة والنشر، مصر ١٩٥٥ م. ٨٤ - " منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود "، مُذَيَّلاً بـ " التعليق المحمود على منحة المعبود "، للشيخ أحمد عبد الرحمن البَنَّا، الشهير بالسَّاعَاتِي، الفرقان، مصر، ط. ثانية ١٤٠٣ هـ. ٨٥ - " منهج النقد في علوم الحديث "، للدكتور نور الدين عتر، دار الفكر، دمشق، ط. ثانية ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م. ٨٦ - " الموطأ "، لمالك، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي. ٨٧ - " النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن "، للدكتور محمد عبد الله دراز، القاهرة، ط. ثانية ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م. ٨٨ - " نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي "، للدكتور علي حسن عبد القادر، العلوم بمصر ١٣٦١ هـ - ١٩٤٢ م. ٨٩ - " هدي الساري " مقدمة " فتح الباري "، لابن حجر، الرياض الحديثة، الرياض.

стр. 74

٩٠ - " الوضع في الحديث "، للدكتور عمر حسن عثمان فلاته، مؤسسة مناهل العرفان، بيروت، مكتبة الغزالي، دمشق ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م. وهناك كتب ومطبوعات أخرى رجعنا إليها، وأشرنا إلى موضع النقل منها في حينه. ***

стр. 75

فهرس الموضوعات: - مقدمة ........................................................................................ ٥ - الفصل الأول: أضواء على الاسْتِشْرَاق والمُسْتَشْرِقِينَ: - مفهوم الاسْتِشْرَاق ونشأته ................................................................. ٩ - مراحل كتابة المُسْتَشْرِقِينَ .................................................................. ١٢ - الغارة على المخطوطات والكتب العربية .................................................. ١٢ - عقد المؤتمرات ............................................................................. ١٣ - مرحلة جديدة ................................................................................ ١٣ - مواكبة الاسْتِشْرَاق للغزو الاستعماري ..................................................... ١٤ - تسلُّلُ المُسْتَشْرِقِينَ إلى الدوائر العلميَّة .................................................... ١٤ - دور الصهيونية في الاسْتِشْرَاق ............................................................ ١٥ - الغارة مُسْتَمِرَّةٌ .............................................................................. ١٥ - معاول هدم .................................................................................. ١٥ - إنكار نزول القرآن من عند الله ............................................................. ١٧ - التشكيك في صِحَّةِ رسالة النبي ﷺ ................................ ١٧ - إنكار كون الإسلام ديناً من عند الله ........................................................ ١٨ - التشكيك في صِحَّةِ الحديث النبوي ......................................................... ١٩ - التشكيك في قيمة الفقه الإسلامي .......................................................... ١٩ - التشكيك في قُدرة اللُّغة العربية ............................................................ ١٩ - تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري ................................................ ٢٠ - إضعاف ثقة المسلمين بتُراثهم ............................................................ ٢٠ - أخطاء سببها الجهل بالعربية ............................................................. ٢٠
следующие страницы →