← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 122392

الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري

عبد المجيد محمود

Полный текст (783 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فَكُلُّ هَؤُلَاءِ أَفْتَى فِي حَيَاةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَمَا يَرْتَفِعُ أَحَدٌ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ المَدِينَةِ عَلَى طَاوُوسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ تَبْدِيلُ عَمُودِ الدِّينِ؟ فَإِنْ هَبَطُوا إلَى تَابِعِي التَّابِعِينَ، فَمَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، إلَّا جَازَ مِثْلُهُ عَلَى مَالِكٍ، فَمَا لَهُ عَلَى هَذَيْنِ فَضْلٌ، لَا فِي عِلْمٍ وَلَا فِي وَرَعٍ» (١). أما الأمر الثاني الذي يدعم فكرة عدم إطلاق عبارة (أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ الرَّأْيِ) على مدرستي التابعين في الحجاز والكوفة، فهو أن كلتا المدرستين قد استعملتا الحديث واستعانتا بالرأي على حد سواء. فسعيد بن المسيب وهو الزعيم الفقهي لمدرسة التابعين في الحجاز كان يحفظ آثار عمر وأحكامه المثربة، وكان يحفظ فتاوى زيد بن ثابت، وكلاهما كان لا يتحرج من الرأي. وكان سعيد بن المسيب يوصف بالجرأة على الفتوى «وَلَا يَجْرُؤُ عَلَى الإِفْتَاءِ بِكَثْرَةِ مَنْ لَا يَجْرُؤُ عَلَى الرَّأْيِ، وَلَا يُوصَفُ بِالجَرِيءِ فِي الفَتْوَى مَنْ يَقِفُ عِنْدَ الأَثَرِ لَا يَعْدُوهُ. بَلْ يُوصَفُ الجَرِيءُ مَنْ يَسِيرُ فِي دَائِرَةِ المَأْثُورِ، وَيُكْثِرُ مِنَ التَّخْرِيجِ عَلَيْهِ وَيَسِيرُ عَلَى مِنْهَاجِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ نَصٌّ أَوْ أَثَرٌ يُفْتِي بِهِ» (٢). ويصفه عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ بالفقه في الرأي فيقول: «سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الآثَارِ وَأَفْقَهُهُمْ فِي رَأْيِهِ» (٣). ومما يدل على إكثاره من الرأي قَوْلَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَهَابُونَ الكُتُبَ وَلَوْ كُنَّا نَكْتُبُ يَوْمَئِذٍ لَكَتَبْنَا مِنْ عِلْمِ سَعِيدٍ وَرَأْيِهِ شَيْئًا كَثِيرًا» (٤).

стр. 37

ومن تلاميذ سعيد بن المسيب، ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، الذي كان يستعمل الرأي كثيرًا حتى أضيف إليه، فقيل له: (ربيعة الرأي). وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ شِهَابٍ يَتَحَرَّجُ مِنَ الرَّأْيِ، وَيَقُولُ لَهُ رَبِيعَةُ: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِذَا حَدَّثْتَ النَّاسَ بِرَأْيِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ رَأْيُكَ، وَإِذَا حَدَّثْتَ النَّاسَ بِشَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ [سُنَّةٌ لَا يَظُنُّوا] أَنَّهُ رَأْيُكَ» (١). ومع هذه المقاربة في المادة والمنهج بين الحجازيين والعراقيين، نلاحظ أن الحجازيين لا ينظرون بعين الرضا إلى العراقيين ويتهمونهم بالرأي. فسعيد بن المسيب - هذا الجريء على الفتوى والرأي - يضيق صدره بسؤال تلميذه ربيعة عندما يناقشه في أرش الأصابع، ويتهمه بأنه عراقي فيقول له: «أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟» فيسارع ربيعة بدفع التهمة عنه ويجيبه سعيد بقوله: «[إِنَّهَا] السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي»، مع أن مأخذهما إنما هو من قول زيد بن ثابت، كَمَا حَقَّقَ الطَّحَاوِيُّ ذَلِكَ (٢).

стр. 38

أنَّ اتهام سعيد لربيعة بـ «العراقية» مع اهتمام ربيعة بدفع هذه التهمة عنه - يدعونا إلى استنباط أن التهمة التِي يُرْمَى بِهَا العِرَاقُ لم تكن الرأي الفقهي واستعماله، لأن سعيدًا وربيعة يستعملان الرأي ويكثران منه - فليس معقولاً أَنْ يُنْكِرَا على غيرهما ما يستعملانه، أَوْ يُحَرِّمَا على علماء العراق ما يستحلانه، وإنما كان إنكارهما على أهل العراق - في غالب الظن - تقديم الرأي على النص في بعض المسائل فضلاً عما فيه من الآراء المتطرفة في العقيدة، التي اعتنقتها الفرق السياسية والدينية المختلفة، والتي وجدت في العراق بيئة صالحة لنموها لما تعاقب عليه من حضارات وديانات متنوعة، وثقافات مختلفة وأجناس متباينة، حتى أصبح مأوى الخارجين على السلطة المركزية، وملتقى الأفكار الشاذة، منه نشأت معظم الفتن التي أجهدت المسلمين، وفيه نبتت جل الأفكار الغريبة عن فطرة الإسلام، حتى أصبح العراق عَلَمًا على المخالفات المتطرفة والبدع المضللة، وكل هذا يلقي ظلاله على الآراء الفقهية، يوضح هذا ما قاله ربيعة عندما عاد من العراق كارهًا له، مُؤْثِرًا العودة إلى المدينة، فقد سأله أهلها: كَيْفَ رَأَيْتَ العِرَاقَ وَأَهْلَهُ؟ فَقَالَ: «رَأَيْتُ قَوْمًا حَلَالُنَا حَرَامُهُمْ، وَحَرَامُهُمْ حَلَالُنَا، وَتَرَكْتُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ أْلْفًا يَكِيدُونَ هَذَا الدِّينَ» (١) (*). ويزكي هذا الاستنباط أن أعلام مدرسة العراق أنفسهم كانوا ينكرون ما ظهر فيهم من الآراء المتطرفة: فإبراهيم النخعي - وهو لمدرسة العراق كسعيد بن المسيب لمدرسة المدينة - يقول: «وَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيمَا أَحْدَثُوا مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَيْرٍ» ويعلق الراوي على هذه العبارة بقوله: «يَعْنِي أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَالرَّأْيِ وَالقِيَاسِ» (٢) وإقحام الرأي الفقهي والقياس فيما يعنيه

стр. 39

إبراهيم خطأ ظاهر، بدليل إكثار إبراهيم من الرأي والقياس، كما سيأتي، وبدليل رواية أخرى عن الراوي نفسه، ونصها: «عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الأَعْوَرِ، قَالَ: لَمَّا كَثُرَتِ المَقَالاَتُ بِالْكُوفَةِ أَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عِمْرَانَ، أَمَا تَرَى مَا ظَهَرَ بِالكُوفَةِ مِنَ المَقَالاَتِ؟ فَقَالَ: " أُوَّهْ، دَقَّقُوا قَوْلاً، وَاخْتَرَعُوا دِينًا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، لَيْسَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَلاَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: هَذَا هُوَ الحَقُّ، وَمَا خَالَفَهُ بَاطِلٌ، لَقَدْ تَرَكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، إِيَّاكَ وَإِيَّاهُمْ "» (١) كما روى أن إبراهيم قال أيضًا: «إِيَّاكُمْ وَهَذَا الرَّأْيَ المُحْدَثَ، يَعْنِي المُرْجِئَةَ» (٢). وبعد ما تقدم نستطيع أن نجمل مظاهر الاتفاق والاختلاف بين المدرستين في عصر التابعين فيما يأتي: ١ - أن كلتا المدرستين تعتمدان على القرآن والحديث في تعرف الحكم. ٢ - أن كلا منهما كانت عندها حصيلة متقاربة من الحديث، سواء في الشيوخ أو في العدد، وساعد على هذا التقارب الرحلات العلمية واللقاءات المستمرة. ٣ - أن الإرسال كان شائع الاستعمال مقبولاً عند كل من المدرستين بلا إنكار إذ لم يكن الاهتمام بالرواية والإسناد قد أخذ صورة جادة فقد كان الاهتمام الفقهي أبرز من صناعة الرواية. ٤ - أنهما كانا يستعملان الرأي بدرجة متقاربة، وصورة متشابهة فكل من المدرستين تجمع ما استطاعت من أقوال الصحابة وفتاواهم وقضاياهم، وتنظر فيها نظر اعتبار وتحقيق وتطبيق. يقول الحجوي:

стр. 40

«عَلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ الذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مَا مِنْ إِمَامٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَقَدْ قَالَ بِالرَّأْيِ، وَمَا مِنْ إِمَامٍ مِنْهُمْ إِلَّا وَقَدْ تَبِعَ الأَثَرَ، إِلَّا أَنَّ الخِلَافَ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ فِي المَبْدَأِ، لَكِنْ فِي التَّحْقِيقِ إِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الجُزْئِيَّاتِ» (١). ٥ - وهذا الرأي الذي تستعمل كلتا المدرستين لم يكن محددًا بصورة معينة فهو أحيانًا سنة، وأحيانًا مصلحة مرسلة. أو قياس، أو عرف، أو غير ذلك يوحى إليهم به، ويهديهم إلى فطرة سليمة، وعلم باللغة، وإيمان عميق، ومعرفة بالروح الإسلامي في التشريع، فابن القيم يفسر الرأي الذي أثر عن الصحابة والتابعين بأنه ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب. مما تتعارض فيه الأمارات (٢). ومن قبله يصف ابن عبد البر معظم التابعين في مختلف الأمصار بالرأي، فيقول: «وَ [مِمَّنْ] حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَأَفْتَى مُجْتَهِدًا رَأْيَهُ وَقَايِسًا عَلَى الْأُصُولِ فِيمَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا مِنَ التَّابِعِينَ: فَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَالقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ...» (٣). ٦ - أنَّ كُلاًّ من المدرستين في جمعها فروع الفقه مما أفتى به الصحابة وما خرجته على المحفوظ، قد اتجهت إلى الواقع، ولم يكن لها اتجاه إلى فرض المسائل أو تقديرها قبل وقوعها لاستنباط حكم لها. ٧ - أن البيئة التي نشأت فيها المدرستان كانت مختلفة، فصبغت فقه كل منهما بصيغتها، وأثرت في بعض صور الاستنباط عندهما. فالمدينة قد احتفظت دون شك بالكثير من التقاليد الإسلامية التي كانت شائعة في عهد الرسول ﷺ وخلفائه الراشدين، وأن هذه التقاليد لم

стр. 41

تأثر كثيرًا بأعراف أجنبية، فقلت الأحداث الجديدة أو التغيرات الطارئة التي تتطلب أحكامًا جديدة وسهل ذلك على فقهائها أن يفتوا بما يقارب الروح الإسلامية، وتوفرت عندهم المصادر التي تمدهم بالإجابة عما يستفتون فيه. أما العراق، فمع وفرة ما عند فقهائه من حديث، فكان في بيئته الكثير من العادات والصور التي تتطلب حكم الإسلام فيها، وفيها من الضروريات والمصالح ما يلجئهم إلى مراعاتها في الاستنباط، وفيها من حرية الفكر وتنوع الثقافات وتصارع الآراء ما يرهف ملكتهم، وَيُنَمِّي قدرتهم على المناقشة والحجاج والتخريج (١). ٨ - اعتزت كلتا المدرستين بمن أخذتا عنه من الصحابة، وكان عندها من الإقناع بكفاءة الشيوخ وفضلهم ما حمل كُلاًّ منهما على تفضيل شيوخها في مجال المفاخرة أو عند الموازنة وبالتالي ادعاء كل من المدرستين أنها أمكن في الفقه وأثبت فِي السُنَّةِ من الأخرى. وأرهف هذا الاعتزاز ونَمَّاهُ المنافسة الإقليمية بين البلدين: فقد روى ابن حزم «عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ

стр. 42

كَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ فِي أَخَوَاتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ، فَجَعَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، فَخَرَجَ إلَى المَدِينَةِ، فَجَاءَ وَهُوَ يَرَى أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ: مَا رَدُّكَ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ، أَلَقِيتَ أَحَدًا هُوَ أَثْبَتُ فِي نَفْسِك مِنْهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَقِيت زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَوَجَدْته فِي الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ» (١). وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: «مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فْقَهَ مِنْ صَاحِبِنَا عَبْدِ اللَّهِ، - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ -» وَقَالَ أَيْضًا: «مَا دَخَلَهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْفَعُ عِلْمًا وَلا أَفْقَهُ صَاحِبًا مِنْهُ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ -» (٢). وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: «كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ سَرْجَ هَذِهِ القَرْيَةِ» (٣)، وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: «مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَفْقَهَ مِنَ الشَّعْبِيِّ، [إِلاَّ] (*) سَعِيْدَ بنَ المُسَيِّبِ، وَلَا طَاوُوسَ، وَلَا عَطَاءً، وَلَا الحَسَنَ، وَلَا ابْنَ سِيرِينَ» (٤). وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي تَابِعِي المَدِينَةِ: «كُنْتُ أَطْلُبُ العِلْمَ مِنْ ثَلَاثَةٍ: سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وَكَانَ أَفْقَهَ النَّاسِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ، وَكُنْتَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَجِدَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ طَرِيقَةً مِنْ عِلْمٍ لَا تَجِدُهَا عِنْدَ

стр. 43

غَيْرِهِ إلَّا وَجَدْت» (١). ٩ - وجد في كل من المدرستين من هاب الفُتيا وانقبض عنها إذا لم يكن في حكمها أثر محفوظ، كما وجد في كلتيهما من جرؤ على الفتيا، واستخدم عقله في التخريج والقياس، وانتصب للناس وقصدوه، لذلك يقول الدهلوي: «اعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ مِنَ العُلَمَاءِ فِي عَصْرِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَإِبْرَاهِيمَ وَالزُّهْرِيِّ، وَفِي عَصْرِ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ قَوْمٌ يَكْرَهُونَ الخَوْضَ بِالرَّأْيِ، وَيَهَابُونَ الفُتْيَا وَالاسْتِنْبَاطَ إِلَّا لِضَرُورَةِ لَا يَجِدُونَ مِنْهَا بُدًّا» (٢). ففي العراق كان الشعبي يمثل الفريق الأول، وكان إبراهيم ومجاهد يمثلان الفريق الثاني، يقول ابن قُتيبة: «وَكَانَ أَشَدُّ أَهْلِ العِرَاقِ، فِي الرَّأْيِ وَالقِيَاسِ، الشَّعْبِيَّ، وَأَسْهَلُهُمْ فِيهِ، مُجَاهِد، حَدَّثَنِي أَبُو الخَطَّابِ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنْ سَعِيدٍ قَالَ: أَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ العِبَادَةِ الرَّأْيُ الحَسَنُ» (٣). وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: «كَانَ الشَّعْبِيُّ إِذَا جَاءَ شَيْءٌ اتَّقَاهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ مُنْبَسِطًا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مُنْقَبِضًا، فَإِذَا وَقَعَتْ الفَتْوَى انْقَبَضَ الشَّعْبِيُّ وَانْبَسَطَ إِبْرَاهِيمُ» (٤). وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: «كَانَ الشَّعْبِيُّ وَأَبُو الضُّحَى وَإِبْرَاهِيمُ وَأَصْحَابُنَا يَجْتَمِعُونَ فِي المَسْجِدِ فَيَتَذَاكَرُونَ الحَدِيثَ، فَإِذَا جَاءَتْهُمْ فُتْيَا لَيْسَ

стр. 44

عِنْدَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ رَمَوْا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ» (١). ومما يبين موقف إبراهيم النخعي من القياس، وبراعته فيه، وعدم تحرجه من الإكثار منه - بله استعماله - قوله: «إِنِّي لَأَسْمَعُ الحَدِيثَ وَأَقِيسُ عَلَيْهِ مِائَةَ شَيْءٍ» وقال أيضًا: «مَا كُلُّ شَيْءٍ نُسْأَلُ عَنْهُ نَحْفَظُهُ، وَلَكِنَّا نَعْرِفُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ وَنَقِيسُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ»، بل في رواية أخرى أنه سئل: «أَكُلُّ مَا تُفْتِي بِهِ النَّاسُ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: «لَا وَلَكِنْ [بَعْضَهُ سَمِعْتُ] وَقِسْتُ مَا لَمْ أَسْمَعْ عَلَى مَا سَمِعْتُ» (٢)، وَقَالَ عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: «مَا رَأَيْتُ أَحْضَرَ قِيَاسًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ» (٣). ويوازن ابن أبي ليلى بين الشعبي وإبراهيم فيقول: «كَانَ الشَّعْبِيُّ صَاحِبَ آثَارٍ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ صَاحِبَ قِيَاسٍ» (٤). ويروى عن الشعبي كثير من العبارات التي تُقلِّلُ من شأن الرأي وتُنَفِّرُ مِنْهُ، وقد سئل عن شيء فلم يجب عنه لأنه لم يكن يحفظ فيه أثرًا، فقيل له: قل برأيك، قال: «وَمَا تَصْنَعُ بِرَأْيِي؟ بُلْ عَلَى رَأْيِي» (٥)، ومثل قوله في التحذير من القياس والبرهنة على قصوره: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ قُتِلَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، [وَقُتِلَ طفلٌ]، أَكَانَتْ دِيَتُهُمَا سَوَاءً، أَمْ يُفَضَّلُ الأَحْنَفُ لِعَقْلِهِ وَحِلْمِهِ؟ قُلْتُ: بَلْ سَوَاءً، قَالَ: فَلَيْسَ القِيَاسُ بِشَيْءٍ» (٦). وفي الحجاز أيضًا وجد المكثرون من الفتوى، المجتهدون في الأحكام بآرائهم، كما وجد المُقِلُّونَ وَالمُحْتَرِزُونَ مِنْهَا.

стр. 45

وقد قدمنا ما قيل في سعيد بن المسيب، وما وصف به من كثرة الرأي والجُرأة على الفتوى، وقد كان من معاصريه من لا يقل عنه علمًا وفقهًا، ولكنه كان يخاف ويحترز. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: «فَأَمَّا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ [فَبِئْرٌ] لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ، وَأَمَّا [ابْنُ المُسَيَّبِ] فَانْتَصَبَ لِلنَّاسِ، فَذَهَبَ اسْمُهُ كُلَّ مَذْهَبٍ» (١). وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: «" مَا سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي شَيْءٍ [قَطُّ] بِرَأْيِهِ ". قَالَ: وَرُبَّمَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ فَيَقُولُ: " هَذَا مِنْ خَالِصِ السُّلْطَانِ "» (٢). ويشير ابن حزم إلى بعض المُقِلِّينَ من أهل المدينة فيقول: «وَمَا أَدْرَكَ مَالِكٌ بِالمَدِينَةِ أَعْلَى مِنْ نَافِعٍ، وَهُوَ قَلِيلُ الفُتْيَا جِدًّا، وَرَبِيعَةَ، وَكَانَ كَثِيرُ الرَّأْيِ قَلِيلَ العِلْمِ بِالحَدِيثِ، وَأَبِي الزِّنَادِ وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، وَكَانَا قَلِيلَيْ الفُتْيَا» (٣). وكما كان أصحاب إبراهيم النخعي يرمون بأبصارهم إليه عند وجود فُتيا ليس عندهم فيها شيء، كذلك كان معاصرو ابن المسيب من علماء المدينة يفعلون، فيدفعون المستفتي إلى ابن المسيب. رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ المَرَادِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: «كُنْت أَرَى الرَّجُلَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَإِنَّهُ لَيَدْخُلُ يَسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ، فَيَدْفَعُهُ النَّاسُ عَنْ مَجْلِسٍ إلَى مَجْلِسٍ، حَتَّى يُدْفَعَ إلَى مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَرَاهِيَةً لِلْفُتْيَا، قَالَ: وَكَانُوا يَدْعُونَهُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ الجَرِيءَ» (٤). ١٠ - وجد في كل من المدرستين صراع وخصومة بَيْنَ المُكْثِرِينَ مِنَ الفَتْوَى

стр. 46

وَالمُقِلِّينَ، وهو صراع طبيعي ملازم لوجود الإنسان، ما دام لم يخلق على نمط واحد من التفكير والتقدير، ولذا كان لنا أن نستنتج أن الصراع بينهما كان موجودًا في غير العراق والحجاز من أمصار المسلمين، بدليل أننا رأينا مصر صورة من صور النزاع بين النصيين والعقليين - وإن كانت في طبقة متأخرة عن التابعين - فيما يرويه ابن عبد البر، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ: «قَالَ يَحْيَى: كُنْتُ آتِي ابْنَ القَاسِمِ فَيَقُولُ لِي: " مِنْ أَيْنَ؟ " فَأَقُولُ: " مِنْ عِنْدِ ابْنِ وَهْبٍ "، فَيَقُولُ: " اللهَ اللهَ اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ لَيْسَ عَلَيْهَا العَمَلُ ". قَالَ: " ثُمَّ آتِي ابْنَ وَهْبٍ فَيَقُولُ: " مِنْ أَيْنَ؟ " فَأَقُولُ: " مِنْ عِنْدِ ابْنِ القَاسِمِ "، فَيَقُولُ: " اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ هَذِهِ المَسَائِلِ رَأْيٌ "» (١). وَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ اختلاف النظرة إلى الرأي بين الفريقين لم يكن هو السبب الوحيد فيما شجر بينهما من خصومة، بل كانت هناك عوامل أخرى أضرمت الصراع وزادت مِنْ حِدَّتِهِ، ومن أبرز هذه العوامل: المعاصرة، وزحف الموالي إلى الصدارة العلمية. ومعلوم أن التنافس بين المعاصرين قد يدفع إلى الإسراف في النقد، والجور في الحكم، وقد جمع ابن عبد البر أخبارًا في ذلك (٢)، وَبَيَّنَ أنه «لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ بَعْضِ العُلَمَاءِ فِي بَعْضٍ». وكانت العلاقة بين الشعبي وإبراهيم خاضعة لهذا العامل متأثرة به، قَالَ الْأَعْمَشُ: «كُنْتُ عِنْدَ الشَّعْبِيِّ فَذَكَرُوا إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ يَخْتَلِفُ إِلَيْنَا لَيْلًا وَيُحَدِّثُ النَّاسَ نَهَارًا، [قَالَ]: فَأَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: [ذَاكَ يُحَدِّثُ] عَنْ مَسْرُوقٍ، وَاللَّهِ مَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ» (٣).

стр. 47

هذه العلاقة المتوترة بين العالمين الجليلين لم يكن سببها اختلاف المنهج العلمي فقط، بل انضم إلى ذلك التنافس، الذِي سَبَّبَ الجفوة والتهاتر بين هذين المتعاصرين، دون أن يؤثر في الحقيقة على مكانة أحدهما، لا عند الناس ولا عند صاحبه: فالشعبي كان حسن الظن بإبراهيم، مُثنِيًا عَلَيْهِ، معترفًا بفضله، على الرغم مما كان بينهما، يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُ إِبْرَاهِيمَ - وَكَانَ قَدْ دُفِنَ لَيْلاً مَخَافَةَ الحَجَّاجِ: «لَوْ قُلْتُ أَنْعِي العِلْمَ مَا خَلَّفَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: إِنَّهُ نَشَأَ فِي أَهْلِ بَيْتِ فِقْهٍ، فَأَخَذَ فِقْهَهُمْ ثُمَّ جَالَسَنَا، فَأَخَذَ صَفْوَ حَدِيثِنَا إِلَى فِقْهِ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ؟، وَالعَجَبُ مِنْهُ حِينَ يُفَضِّلُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَلَى نَفْسِهِ» (١) وَقَالَ أَيْضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «دَفَنْتُمْ أَفْقَهَ النَّاسِ» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ: «وَمِنَ الحَسَنِ؟» فَقَالَ: «أَفْقَهُ مِنَ الحَسَنِ، وَمِنْ أَهْلِ البَصْرَةِ، وَمِنْ أَهْلِ الكُوفَةِ، وَأَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الحِجَازِ» (٢). وإذا كانت المعاصرة واختلاف النظر في تناول الفتوى سببًا فيما كان بين الشعبي وإبراهيم فقد أضيف إلى هذين العاملين عامل ثالث ظاهر على إساءة العلاقة بين الشعبي وحماد (٣) الذِي خَلَفَ إبراهيم في حلقته، وهو كون حماد من الموالي. يشير إلى ذلك ما قاله الشعبي مُعْرِضًا بحماد، عندما

стр. 48

سأله أبو حنيفة عن مسألة فأجابه الشعبي: «مَا يَقُولُ فِيهَا بَنُو اسْتِهَا» - يَعْنِي المَوَالِي - (١). وكثيرًا ما كان الشعبي وحماد يتناظران، وكثيرًا ما كانت الغلبة في هذه المناظرات لحماد، فيزداد الصراع وتحتدم الخصومة: رَوَى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ الشَّعْبِيَّ، وَحَمَّادًا تَمَارَيَا فِي شَيْءٍ إِلَّا غَلَبَهُ حَمَّادٌ إِلَّا هَذَا، سُئِلَ عَنْ القَوْمِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ وَهُمْ حُرُمٌ فَقَالَ حَمَّادٌ: " عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ "، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: " عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ ". ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: " أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلُوا رَجُلًا أَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ؟ " فَظَهَرَ عَلَيْهِ الشَّعْبِيُّ» (٢). إِنِّي أُرَجِّحُ أَنَّ أكثر ما رُوي عن الشعبي في ذم الرأي والقياس كان بعد وفاة إبراهيم، وتصدر حماد للفتوى، وتفوقه عليه بما أتقنه وَتَمَرَّسَ بِهِ من الأسلوب العقلي، وكثرة المساءلة التي ضاق بها الشَّعْبِيِّ، فَقَالَ: «لَوْ أَنَّ هَؤُلاَءِ كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ لَنَزَلَتْ عَامَّةُ القُرْآنِ " يَسْأَلُونَكَ يَسْأَلُونَكَ "» (٣). إن ما تقدم يفسر لنا سبب ضيق الشعبي بحماد وأصحابه حتى أنه لما دخل المسجد فوجد حَمَّادًا وَالحَكَمَ (٤) وَأَصْحَابَهُمَا، ولهم أصوات وضوضاء بسبب احتدام المناقشة بينهم - كره أن يقعد بالمسجد ورجع إلى داره وقال: «وَاللهِ لَقَدْ بَغَّضَ إِلَيَّ هَؤُلاَءِ هَذَا المَسْجِدَ حَتَّى تَرَكُوهُ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ كُنَاسَةِ دَارِي» (٥).

стр. 49

ولم تكن هذه الخصومة المسببة عن زحف الموالي إلى مكان الصدارة العلمية - أو الناتجة عن التنافس بين المتعاصرين - مقصورة على العراق بل وجدت نماذج لها في الحجاز أيضًا، يُرْوَى أَنَّهُ قِيلَ لابْنِ شِهَابٍ: «" تَرَكْتَ الْمَدِينَةَ وَلَزَمْتَ شَغْبًا وَإِدَامًا - موضعان قرب المدينة - وَتَرَكْتَ العُلَمَاءَ بِالمَدِينَةِ يَتَامَى "، فَقَالَ: " أَفْسَدَهَا عَلَيْنَا العَبْدَانِ، رَبِيعَةُ وَأَبُو الزِّنَادِ "» (١). وكان هذا التنافس نفسه بين العرب والموالي سببًا فيما كان من خصومة بين سعيد بن المسيب وعكرمة (٢). ولعلنا أطلنا هنا بعض الشيء، لنوضح طبيعة مدرسة العراق في القرن الأول، ونزيل ما علق بالأذهان من قلة الحديث أو إهماله في هذه المدرسة، وبذلك يتضح أن الخصومة بين أهل الحجاز وأهل العراق لم تكن بسبب استعمال أهل المدينة للحديث وإهمال أهل العراق له، ولم تكن بسبب استعمال الرأي في العراق وتجنب أهل الحجاز له ولكن التنافس الإقليمي هو منشؤها. كما يتضح أيضًا أن ذم النصيين للمُقلين أو لأسلوبهم، في المدرستين أو في غيرهما، لم يكن بسبب إهمال الحديث أو استعمال القياس: - فالشعبي - مع ما روي عنه في ذم القياس، حتى كانت أقواله مستند الذامين له وللرأي بعد ذلك - لم يكن من المتجنبين للقياس، بل كان كثيرًا ما يستعمله، كما يقول هو نفسه: «أَنَا نَأْخُذُ فِي زَكَاةِ البَقَرِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينِ بِالمَقَايِيسِ» (٣)، وقال ابن أبي حاتم: «سُئِلَ أَبِي عَنْ الفَرَائِضِ التِي رَوَاهَا الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، فَقَالَ: هَذَا عِنْدِي مَا قَاسَهُ الشَّعْبِيُّ عَلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، وَمَا أَرَى

стр. 50

عَلِيًّا كَانَ يَتَفَرَّغُ لِهَذَا» (١). وقد لاحظ ابن عبد البر التناقض الظاهر بين ما أثر عن الشعبي في ذم القياس وما روي عنه من استعماله والإفتاء بمقتضاه، وذهب في دفع هذا التناقض، إلى أن الشعبي إنما كان يذم القياس المبني على غير الأصل (٢)، ولعل فيما قدمناه ما يوضح الجانب النفسي الذي صدر عنه ما أثر عن الشعبي في ذم القياس والرأي. وإبراهيم النخعي - على الرغم من تناوله للرأي وكثرة استخدامه للقياس لم يكن يجهل السُنَّةَ أو يهمل استخدام الحديث، بل إنه أخذ صفو الحديث، كما سبق عن الشعبي، وكان بصيرًا بنقده، عالمًا بوجوه علله، يَقُولُ الْأَعْمَشُ: «كَانَ إِبْرَاهِيمُ صَيْرَفِيَّ الحَدِيثِ، فَكُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ الحَدِيثَ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» (٣) وقال أيضًا: «مَا ذَكَرْتُ لإِبْرَاهِيمَ حَدِيثًا قَطُّ إِلَّا زَادَنِي فِيهِ» (٤). ولكنه مع هذا العلم بالحديث والدراية بنقده لم يكن يرغب في الاشتغال بالرواية، تَوَرُّعًا وَخَوْفًا مِنَ الزَّلَلِ، قِيلَ لَهُ: «" [يَا أَبَا عِمْرَانَ] أَمَا بَلَغَكَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [تُحَدِّثُنَا]؟ "، قَالَ: " بَلَى وَلَكِنْ أَقُولُ: قَالَ عُمَرُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ عَلْقَمَةُ، وَقَالَ الْأَسْوَدُ، أَجِدُ ذَاكَ أَهْوَنَ عَلَيَّ» (٥). وسَأَلَهُ أَحَدُهُمْ فَقَالَ: «" أَلَا تُحدِّثُنَا؟ " فرَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " [تُرِيدُ] أَنْ أَكُونَ مِثْلَ فُلانٍ؟ ائْتِ مَسْجِدَ الحَيِّ، فَإِنْ جَاءَ إِنْسَانٌ يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ فَسَتَسْمَعُهُ» (٦).

стр. 51

والذي نخلص إليه في عرضنا للقرن الأول الهجري أن فقهاء الحجاز وفقهاء العراق لم تكن الفجوة بينهما واسعة أو عميقة، وأنهما لذلك لم ينقسما - ولا كل منهما - إلى أهل حديث وأهل رأي، لكن الخلافات السياسية التي اجتاحت العالم الإسلامي آنذاك هي التي تظاهرت مع الفرق الدينية والمذاهب المتطرفة، على وصم العراق بالبدعة، ووصفه باتباع الرأي والهوى في مجال العقيدة، وألقى ذلك ظلالاً قائمة على فقه العراق، فسرت كراهية الرأي في العقيدة إلى الرأي في الفقه، ووقف منه كثير من العلماء موقف الحذر والاتهام. فِي القَرْنِ الثَّانِي: فإذا تركنا القرن الأول - هذا القرن الحيوي البناء، الذي شيدت فيه دولة الإسلام، وفقه الإسلام، وتكونت فيه المدارس الفقهية في كثير من الأمصار - إذا جاوزنا هذا القرن وعبرنا التاريخ إلى القرن الثاني، فسوف نشهد نهضة فقهية عظيمة، وحركة علمية نشيطة، أكل فيها البناء، وتميزت المدارس الفقهية، واتسعت قاعدتها من طلاب العلم، وأقبل الناس على الفقه يعرضون عليه عاداتهم ومعاملاتهم، ويستنبئونه عن الحكم في كل جديد يعرض لهم. فماذا كان من أمر المدرستين في هذا القرن؟ وهل تميز فيه أهل الحديث من أهل الرأي؟ قد يمكن تلخيص معالم المدرستين في القرن الثاني فيما يلي: أ - زادت حِدَّةُ التنافس الإقليمي، وأصبح الشعور بالانتماء للمشيخة والتعصب لها أكثر عُمْقًا وأشد اعتزازًا. وإذا كانت الطبقة القريبة الصلة بالصحابة من أعيان التابعين متسعة الإدراك في تفهم خلافات الصحابة، مرهفة الذوق في مسايرة روح التشريع، وهي مع ذلك معتزة بمشيختها

стр. 52

مفضلة علمها على علم غيرها، كما سبق، إذا كان ذلك كذلك بالنسبة للتابعين، فليس مستغربًا ممن يجيء بعدهم من طبقات أن يكون أكثر اعتزازًا، وأشد استمساكًاً وَتَشَبُّثًا بشيوخهم، وبخاصة أنهم قد بعدوا عن مسرح الأحداث الإسلامية الأولى، وتلقوها من طريق معين، وتفهموها من وجهة نظر خاصة، هي طريق الشيخ ونظر الشيخ، والثقة والاعتزاز بالشيوخ تحمل على ترجيح رأيهم في موطن الخلاف، كما تحمل على تجسيم هذا الخلاف وإعطائه أهمية لم تكن له عند من سبقهم، وقد ينتج عن ذلك تنقص أقدار أو آراء المخالفين. فَالزُّهْرِيُّ، مَثَلاً، كَانَ يُضَعِّفُ عِلْمَ أَهْلِ العِرَاقِ إِذَا ذُكِرُوا عِنْدَهُ، فلما قيل له إن بالكوفة من يروي أربعة آلاف حديث - يقصدون الأعمش - وجاءوه ببعض حديثه، قال بعد أن اطلع عليه: «وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَعِلْمٌ، وَمَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ بِالعِرَاقِ [وَاحِدًا] يَعْلَمُ هَذَا» (١). وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ عَنْ أَهْلِ العِرَاقِ فَقَالَ: «أَنْزِلُوهُمْ [عِنْدَكُمْ] بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الكِتَابِ لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦]»، وقد حدث أن دخل عليه محمد بن الحسن وهو يقول هذه العبارة، فاستحيا مالك منه، واعتذر له بقوله: «كَذَلِكَ أَدْرَكْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ» (٢). أَمَّا حَمَّادُ بنُ أَبِي سُلَيْمَانَ العِرَاقِيُّ، فَقَدْ قَالَ عَنْ عَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الحِجَازِ فَقَالَ: «قَدْ سَأَلْتُهُمْ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَاللَّهِ لَصِبْيَانُكُمْ أَعْلَمُ مِنْهُمْ بَلْ صِبْيَانُ صِبْيَانِكُمْ»، قَالَ مُغِيرَةُ رَاوِي هَذِهِ العِبَارَةِ بِقَوْلِهِ: «هَذَا بَغْيٌ [مِنْهُ]». ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «صَدَقَ مُغِيرَةُ، وَقَدْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - وَهُوَ أَقْعُدُ النَّاسِ بِحَمَّادٍ - يُفَضِّلُ عَطَاءً عَلَيْهِ» (٣).

стр. 53

وقصة أبي حنيفة مع الأوزاعي تعطينا صورة واضحة من هذا العمق في الانتماء وتوضح مدى الاعتزاز بالشيوخ والعصبية لهم. فَقَدْ اجْتَمَعَ الأَوْزَاعِيُّ بِأَبِي حَنِيفَةَ فِي مَكَّةَ، فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «مَا بَالُكُمْ لاَ تَرْفَعُونَ أَيْدِيكُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ؟»، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «لَمْ يَصِحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ»، فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «كَيْفَ وَقَدْ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ»، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَلاَةِ، ثُمَّ لاَ يَعُودُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ». فَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: «أُحَدِّثُكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَتَقُولُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ؟». فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: «كَانَ حَمَّادٌ أَفْقَهَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَفْقَهَ مِنْ سَالِمٍ، وَعَلْقَمَةُ لَيْسَ بِدُونِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِنْ كَانَ لابْنِ عُمَرَ صُحْبَةٌ أَوْ لَهُ فَضْلُ صُحَبَةٍ، فَالأَسْوَدُ لَهُ فَضْلٌ كَبِيرٌ، وَعَبْدُ اللهِ هُوَ عَبْدُ اللهِ، فَسَكَتَ الأَوْزَاعِيُّ» (١). وهذه القصة - فوق دلالتها على اعتزاز كل من الإمامين بالمدرسة التي نشأ فيها وتلقى عنها - تُوضِّحُ لنا كيف أن الخلافات البسيطة المروية عن مدارس التابعين أصبحت أكثر عُمْقًا وأشد اتساعًا، فالمناظرة قد حدثت في جزئيات لم تكن تثير شيئًا من الاهتمام وفي الطبقات التي قبلها، والتي كانت أكثر تسامحًا وأوسع صدرًا في تقبل الخلاف وهذه الجزئيات، ولعلهم كانوايفهمون أن كِلَا العملين جائز، وللمصلي أن يفعل أيهما بدون نكير. ب - وكنتيجة لهذا الانتماء والتعصب الذي زاد من حدته طول السلسلة

стр. 54

وبعد الطريق من الصحابي، بدأت تتكون المذاهب الفقهية حتى تميز من بينها في نهاية هذا القرن المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، ثم المذهب الشافعي. وكل من المذهبين الحنفي والمالكي يعتبر امتدادًا للمرحلة السابقة في بيئته، وعملها لا يعدو أن يكون جمعًا للفتاوى والآراء والآثار التي ورثها كل منهما عن مشيخته، والذين ورثوها بالتالي عمن سبقهم، ثم الإفتاء في الوقائع التِي تّجِدُّ، إما بالتخريج على الأقوال السابقة وإما بمراعاة الأصول في التشريع. وإذا كان " الدهلوي " يعتبر أبا حنيفة مُقَلِّدًا فِي الفِقْهِ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ - الوارث فقه أصحاب ابن مسعود -، ويكاد ينحصر إنتاجه فيه في التخريج على أقوال إبراهيم، ودقة النظر في هذا التخريج (١) فإن مالكًا في كثير من مسائله يبدو مُقَلِّدًا لمن سبقه من فقهاء المدينة من صحابة وتابعين، بدليل أن مالكًا قال في " موطئه ": «إِنْ كَانَ فِي كِتَابِي حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَرَأْيًا هُوَ إِجْمَاعُ أَهْلِ المَدِينَةِ لَمْ أَخْرُجْ عَنْهُمْ» (٢). وَالمُطَّلِعُ عَلَى " المُوَطَّأِ " يُلَاحِظُ ذَلِكَ بِوُضُوحٍ، حَتَّى إِنَّ الإِمَامَ مَالِكًا لَيُسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ تَقْدِيرِيَّةٍ، فَيُجِيبُ عَنْهَا، حَتَّى يُخَيَّلُ لِلْقَارِئِ أَنَّ الإِجَابَةَ مِنْ رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، لَوْلَا أَنَّهُ يُعَقِّبُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: «وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ» (٣). وقد لاحظ ذلك الأستاذ أمين الخولي ﵀، «فقرَّرَ أنَّ مَالِكًا مُتَّبِعٌ

стр. 55

مُسْرِفٌ فِي الاتِّبَاعِ، بِحَيْثُ يُخَيَّلُ لِلْبَعْضِ أَنَّهُ مُقَلِّدٌ» (١). وليس معنى نشوء هذين المذهبين في القرن الثاني أنهما قد استوعبا كل المجتهدين، بل وجد معهما كثير من المجتهدين الذين كانت لهم آراؤهم الخاصة، وقد نجح بعضهم في أن يكون له تلاميذ قاموا بمذهبه فترة من الزمن، ويستوي في ذلك العراق والحجاز وغيرهما من الأمصار (٢). ج - مازالت المدرستان تستخدمان الرأي في استنباطهما الفقهي. ومن الخطأ أن نتصور أن الإمام مالكًا لم يستعن بالرأي عند الحاجة إليه. وإذا لم يكن الرأي غريبًا على مدرسة المدينة منذ نشأتها - كما سبق عن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب، وربيعة، فإنه ليس بمستغرب أن يرث مالك هذا المنهج الاجتهادي، الذي لا يستنكف من إعمال العقل، وإبداء الرأي ومراعاة المصلحة ومسايرة روح التشريع، وَقَدْ سُئِلَ أَبُو الأَسْوَدِ (*): «مَنْ لِلْرَّأْيِ بَعْدَ رَبِيعَةَ بِالمَدِينَةِ؟»، فَيُجِيبُ بِقَوْلِهِ: «الغُلَامُ الأَصْبَحِيُّ - يَعْنِي مَالِكًا - ثُمَّ يعده ابن رشد أمير المؤمنين في الرأي والقياس» (٣). ولقد وجدنا ابن قتيبة في كتابه " المعارف " يعد مالكًا من أصحاب الرأي. ولعله نظر إلى إكثار مالك من الرأي، وإن كان العالم في الحديث الذي عد في الرعيل الأول من رجاله. وبذلك تنهار النظرية التي تقرر أن سبب الإكثار من الرأي هو قلة العلم بالحديث، فما كان علم مالك بالحديث قليلاً، بل كان كثيرًا ولكن الحوادث التي وقعت، والمسائل التِي سُئِلَ فيها كانت أكثر بقدر كبير جدًا. فكان لا بد من الرأي، ولا بد من الإكثار

стр. 56

منه ما دام يُفتي ويستفتى (١). ونقل عن مالك أنه قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ. فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي: فَكُلَّ مَا وَافَقَ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ , وَكُلَّ مَا لَمْ يُوَافِقِ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , فَاتْرُكُوهُ» (٢). وَيُبيِّنُ الإمام مالك أهل الرأي من شيوخه، فَيَقُولُ: «قَالَ لِي ابْنُ هُرْمُزَ: " لَا تُمْسِكْ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَ مِنِّي مِنْ هَذَا الرَّأْيِ؛ فَإِنَّمَا افْتَجَرْتُهُ أَنَا وَرَبِيعَةُ فَلَا تُمْسِكْ بِهِ» (٣). وبهذا يتضح أن الرأي لم يكن مقصورًا على المذهب الحنفي. والحق أنه ما وجد فقه فالرأي لازم له، اعترف بهذا أهل الحديث أنفسهم، مما يدل على أن الرأي في هذا القرن كان يستعمل من غير نكير. «فَقَدْ سُئِلَ عَبْدُ اللَهِ بْنُ المُبَارَكِ: مَتَى يُفْتِي الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: " إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْأَثَرِ، بَصِيرًا بِالرَّأْيِ "» (٤). ويقول ابن المبارك أيضًا: «إِنْ كَانَ الأَثَرُ قَدْ عُرِفَ وَاحْتِيجَ إِلَى الرَّأْيِ، فَرَأْيُ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ أَحْسَنُهُمْ، وَأَدَقُّهُمْ فِطْنَةً، وَأَغْوَصُهُمْ عَلَى الفِقْهِ وَهُوَ أَفْقَهُ الثَّلَاثَةِ» (٥). وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: «إِنَّا لَا نَنْقِمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَأَى، كُلُّنَا يَرَى، وَلَكِنَّنَا نَنْقِمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِيئُهُ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ،

стр. 57

فَيُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ» (١). ويسأل الإمام أحمد بن حنبل عمن يريد أن ينظر في الرأي، ورأي من ينظر؟ فيقول: «رَأْيُ مَالِكٍ» (٢). كلا المذهبين يستعين بالرأي في اجتهاده إذن، غاية الأمر أن منهجهما في هذا الرأي مختلف: فالمذهب الحنفي يلجأ إلى القياس لاستخراج الحكم فيما لا نص فيه، على حين يتجه المذهب المالكي إلى تعرف المصلحة فيما يرد عليه من مسائل ليس فيهما قُرْآنٌ أَوْ سُنَّةٌ. ولعل البيئة والثقافة لهما تأثير ظاهر في اتجاه المذهبين في استنباط حكم ما وجد من الأحداث، مما لا تتناوله النصوص بطريق مباشر: فالعراقيون بعامة حيث تعددت وتنوعت منابع الثقافة عندهم، من الكتب المترجمة والفلسفات المتنوعة، وحيث كثرت عندهم المناظرات العقلية .. وأبو حنيفة بخاصة، حيث اشتغل بعلم الكلام حتى غلبت عليه الثقافة الكلامية (٣)، كان لا بد أن ينطبع فقههم بطابع استخراج العلل، وتعميم الأحكام وربط الفروع بعضها ببعض. وقد أعانت أبا حنيفة كثرة الفروع في زمنه على تطبيق منهجه العقلي، فكل جيل كان يحفظ المسائل التي كانت قبله، ويضيف إليها مَا جَدَّ مِنْ فُرُوعٍ ثم يسلم هذه الحصيلة إلى الجيل التالي له، ليصنع فيها مثل هذا الصنيع،

стр. 58

فيثري الفقه وبذلك وتكثر فروعه فإذا صادفت هذه الحصيلة المثرية من الفروع عقلية قياسية كعقلية أبي حنيفة، اتجهت فورًا إلى تجميع هذه الفروع وربطها ما أمكن بقواعد عامة. أما المدنيون حيث لم تتعقد الحياة عندهم، وحيث العرف الإسلامي هو الشائع الغالب على مجتمعهم وحيث كانوا بعيدين عن الثقافات الأجنبية المستوردة، فقد بعدوا عن استعمال المقاييس الضابطة، واتجهوا إلى مراعاة المصلحة والعرف، في الغالب الأعم. هذا الاختلاف في تناول الرأي كان أحد مظهرين مَيَّزَا بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ وفارقا بين الاتجاهين. أما المظهر الآخر فهو الفقه التقديري، أو فرض المسائل وتقدير الوقائع وهو نتيجة لاستعمال القياس والإكثار منه، حيث يصبح الفقه التقديري ميدانًا لتطبيق الأقيسة، ومجالاً لاختبار العلل. وقد أصبحت ظاهرة فرض الفروض وتفريع المسائل من أهم خصائص الفقه العراقي في القرن الثاني وَعَمَّتْ شهرته بذلك الآفاق، حتى إن الإمام مالكًا يرشد من قد يكون عنده هذا الاتجاه من تلاميذه إلى أن يذهب إلى العراق، فيُرْوَى أَنَّ أسد بن الفرات عندما ذهب إلى مالك أخذ يلقي عليه المسائل يَتَعَرَّفُ أَحْكَامَهَا، حتى عرف مالك فيه رغبته في التفريع، فأوصاه بأن يذهب إلى العراق، فقد سأل مالكًا يومًا عن مسألة فأجابه، ثم أخرى فأجابه، ثم أخرى فأجابه، وقال له: «حَسْبُكَ يَا مَغْرِبِيُّ إِنْ أَحْبَبْتَ الرَّأْيَ فَعَلَيْكَ بِالعِرَاقِ»، فارتحل إلى محمد بن الحسن، ولا شك أن هذه الرواية تدل على إخلاص أولئك العلماء في طلب الحقيقة وحسن إرشادهم لتلاميذهم، فإنه لما رأى مالك فيه نزعة الفرض والتفريع وأن ذلك يحسن عند العراقيين أرشده إليه مخلصًا (١).

стр. 59

ويستنبط من إجابة مالك لسائله مرة بعد أخرى، أنه لَمْ يَكُنْ يَتَجَنَّبُ فَرْضَ المَسَائِلِ وإن كان لا يكثر منها بل كان يرى أن تفريغ المسائل مما يمدح به وأن الفقه فيه مقصور على أهل المدينة والكوفة، فَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ يُخَالِفُونَكَ فِيهَا ... فَقَالَ: «وَمَتَى كَانَ هَذَا الشَّأْنُ بِالشَّامِ؟ إِنَّمَا هَذَا الشَّأْنُ وَقْفٌ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ وَالكُوفَةِ» ويُعلِّقُ ابن عبد البر بقوله: «لِأَنَّ شَأْنَ المَسَائِلِ بِالكُوفَةِ مَدَارُهُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ» (١). ولا شك أنَّ أبا حنيفة لم يبتدع فرض المسائل، بل كانت موجودة قبل ذلك بدلالة أقوال الصحابة والتابعين في كراهتها مما سنتناوله بعد قليل ولكن أبا حنيفة هو الذي أكثر منها. يقول الحجوي: «أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَهُوَ الذِي تَجَرَّدَ لِفَرْضِ المَسَائِلِ وَتَقْدِيرِ وُقُوعِهَا وَفَضِّ أَحْكَامِهَا، إِمَّا بِالقِيَاسِ عَلَى مَا وَقَعَ، وَإِمَّا بِانْدِرَاجِهَا فِي العُمُومِ مَثَلاً، فَازْدَادَ الفِقْهُ نُمُوًّا وَعَظَمَةً، وَصَارَ أَعْظَمَ مِنْ ذِي قَبْلٍ بِكَثِيرٍ. قَالُوا: إِنَّهُ وَضَعَ سِتِّينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ، وَقِيلَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ» (٢). ولذلك قال خصومه مُشنِّعِينَ عَلَيْهِ: «[هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا لَمْ يَكُنْ وَأَجْهَلُهُمْ بِمَا قَدْ كَانَ]» (٣) (*). وذكر ابن عبد البر عن ابن جرير الطبري «أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ تَحَامَوْا حَدِيثَ أَبِي يُوسُفَ صَاحِبَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَجْلِ غَلَبَةِ الرَّأْيِ وَتَفْرِيعِهِ الفُرُوعَ وَالمَسَائِلَ فِي الأَحْكَامِ» (٤). والفقه التقديري كان منار خلاف بين العلماء، والكارهون له هم امتداد لمن كرهه من الصحابة والتابعين.

стр. 60

وقد استند الكارهون له إلى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) كما استدلوا بما رواه " مسلم " عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ». قال كثير من العلماء: المراد بقوله: «وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» التَّكْثِيرُ مِنَ السُّؤَالِ فِي المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ تَنَطُّعًا وَتَكَلُّفًا فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ (٢). كما استدلوا بقوله ﷺ : «إِنَّ الله فَرَضَ أَشْيَاءَ فَلاَ تُضَيِعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا». رواه أحمد وغيره (٣). وقوى من كراهية فرض المسائل في نفوس هؤلاء العلماء عبارات لبعض السلف رويت عنهم في كراهة السؤال عما لم يكن؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنُ عُمَرَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا تَسْأَلْ عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - يَلْعَنُ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ» (٤). وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «بَلَغَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، «كَانَ يَقُولُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْأَمْرِ: أَكَانَ هَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، قَدْ كَانَ، حَدَّثَ فِيهِ بِالذِي يَعْلَمُ

стр. 61

وَالذِي يَرَى، وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَكُنْ، قَالَ: " فَذَرُوهُ حَتَّى يَكُونَ "» (١)، وَسُئِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵁، عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: «هَلْ كَانَ هَذَا بَعْدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: دَعُونَا حَتَّى يَكُونَ، فَإِذَا كَانَ، تَجَشَّمْنَاهَا لَكُمْ» (٢). «وَسُئِلَ طَاوُوسُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: " كَانَ هَذَا؟ "، قُلْتُ: " نَعَمْ "، قَالَ: " آللَّهِ ". قُلْتُ: " آللَّهِ "». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَنَا أَخْبَرُونَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَعْجَلُوا بِالبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ، فَيُذْهَبُ بِكُمْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْجَلُوا بِالبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ، لَمْ يَنْفَكَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ إِذَا سُئِلَ، سُدِّدَ، وَإِذَا قَالَ، وُفِّقَ "» (٣). أما من يرون جواز تقدير المسائل، والبحث عن أحكامها فقد استدلوا بحديث الصحيح عن المقداد بن الأسود: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ. أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقْتُلْهُ» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا أَفَأَقْتُلُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التِي قَالَ». ففي الحديث لم ينهه عن فرض مسألة، بل أجابه وبَيَّنَ لَهُ الحُكْمَ، فدل على الجواز (٤). وأجابوا عن آية ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]: بأنَّ هناك شرطًا ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ فمفهومه: إن لم تكن مساءة في إبدائها فلا نهي، يقول ابن العربي: «اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنَ الغَافِلِينَ تَحْرِيمَ أَسْئِلَةِ النَّوَازِلِ حَتَّى تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الآيَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُصَرِّحَةٌ

стр. 62

بِأَنَّ السُّؤَالَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إِنَّمَا كَانَ فِيمَا تَقَعُ [الْمَسَاءَةُ] فِي جَوَابِهِ، وَلَا [مَسَاءَةَ] فِي جَوَابِ نَوَازِلِ الْوَقْتِ فَافْتَرَقَا» (١). ويلحظ ابن عبد البر أن النهي عن السؤال في الآية كان خوفًا من أن ينزل بسببه تحريم أو تشديد أو عقوبة، لكن السؤال اليوم لا يخشى أن ينزل بسببه تحريم أو تحليل (٢). وأما حديث المغيرة بن شعبة الذي فيه نهى رسول الله ﷺ عن كثرة السؤال، فالمراد منه النهي عن سؤال الناس أموالهم وحاجاتهم إلحاحًا واستكثارًا. وقد خص هؤلاء كراهية السؤال بما لا ينتج عِلْمًا وَلَا فِقْهًا، ولكنه على وجه التعنت والتكلف والإحراج، وقد ذكر ابن القيم أن المسألة إذا لم يكن فيها نص «فَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةَ الوُقُوعِ أَوْ مُقَدَّرَةً لَا تَقَعُ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الكَلَامُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ وُقُوعُهَا غَيْرَ نَادِرٍ وَلَا مُسْتَبْعَدٍ، وَغَرَضُ [السَّائِلِ] الْإِحَاطَةُ بِعِلْمِهَا لِيَكُونَ مِنْهَا عَلَى بَصِيرَةٍ إذَا وَقَعَتْ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْجَوَابُ بِمَا يَعْلَمُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ السَّائِلُ يَتَفَقَّهُ بِذَلِكَ وَيَعْتَبِرُ بِهَا نَظَائِرَهَا، وَيَقْرَعُ عَلَيْهَا، فَحَيْثُ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الجَوَابِ رَاجِحَةً كَانَ هُوَ الْأَوْلَى» (٣). وقد بين ابن رجب الحنبلي أن العلماء حيال المسائل المفروضة ينقسمون ثلاثة أقسام، ثم ذكر أن الطريقة المثلى في ذلك هي طريقة أحمد بن حنبل، يقول ابن رجب: «وَقَدْ انْقَسَمَ النَّاسُ فِي هَذَا أَقْسَامًا فَمِنْ أَتْبَاعِ أَهْلِ الحَدِيثِ مَنْ سَدَّ بَابَ المَسَائِلِ حَتَّى قَلَّ فِقْهُهُ وَعِلْمُهُ بِحُدُودِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَصَارَ حَامِلَ فِقْهٍ غَيْرَ فَقِيهٍ وَمِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الرَّأْيِ مَنْ تَوَسَّعَ فِي تَوْلِيدِ المَسَائِلِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، [مَا] يَقَعُ فِي العَادَةِ مِنْهَا وَمَا لَا يَقَعُ وَاشْتَغلُوا

стр. 63

[بِتَكْلِيفِ] الجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ وَكَثْرَةِ الخُصُومَاتِ فِيهِ وَالجَدَلِ عَلَيْهِ، حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ افْتِرَاقُ القُلُوبِ، وَيَسْتَقِرُّ فِيهَا بِسَبَبِهِ الأَهْوَاءُ وَالشَّحْنَاءِ، وَالعَدَاوَةِ وَالبَغْضَاءِ، وَيَقْتَرِنُ ذَلِكَ كَثِيرًا بِنِيَّةِ المُغَالَبَةِ، وَطَلَبِ العُلُوِّ وَالمُبَاهَاةِ، وَهَذَا مِمَّا ذَمَّهُ العُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ، وَدَلَّتْ السُنَّةُ عَلَى قُبْحِهِ وَتَحْرِيمِهِ: وَأَمَّا فُقَهَاءُ أَهْلِ الحَدِيثِ العَامِلُونَ بِهِ، فَإِنَّ مُعْظَمَ هَمِّهِمْ البَحْثُ عَنْ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ وَمَا يُفَسِّرُهُ مِنَ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ، وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ، وَعَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا، ثُمَّ الفِقْهَ فِيهَا وَتَفْهِيمِهَا وَالوُقُوفَ عَلَى مَعَانِيهَا، ثُمَّ مَعْرِفَةَ كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِي أَنْوَاعِ العُلُومِ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ، وَمَسَائِلِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَأُصُولِ السُنَّةِ، وَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ هِيَ طَرِيقَةُ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَنْ وَافَقَهُ من أَهْلِ الحَدِيثِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَفِي مَعْرِفَةِ هَذَا شُغْلُ شَاغِلٍ عَنْ التَّشَاغُلِ بِمَا أُحْدِثَ مِنَ الرَّأْيِ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يَقَعُ، وَإِنَّمَا يُورِثُ التَّجَادُلَ فِيهِ الخُصُومَاتِ وَالجِدَالِ وَكَثْرَةِ القِيلِ وَالقَالِ» (١). ولا أدري ما الفرق بين النوع الأول الذي ذمَّهُ والنوع الثالث الذي ارتضاه، فكلاهما لا يتجه إلى فرض المسائل، وهو موضوع الكلام، إذ ليس الكلام في حفظ المسائل، وهو موضوع الكلام، إذ ليس الكلام في حفظ المسائل وتفهُّمها، وإنما في فرضها والقدرة على استنباط أحكامها. وعلى الرغم من أن الفقه التقديري كان هدفًا لحملات كثير من العلماء، وكان من أسباب الهجوم على أبي حنيفة ومدرسته، نراه قد اجتذب إليه بعد ذلك كثيرًا من العلماء، وَ «تَابَعَ أَبَا حَنِيفَةَ جُلُّ الفُقَهَاءِ بَعْدَهُ، فَفَرَضُوا المَسَائِلَ وَقَدَّرُوا وُقُوعَهَا، ثُمَّ بَيَّنُوا أَحْكَامَهَا» (٢). والتقى الفقه المدني بالفقه

стр. 64

العراقي في فرض المسائل بعد ذلك على يد أسد بن [الفرات] (*)، الذي أذهلته كثرة المسائل في العراق، فأراد أن يستخرج فتاوى مالك في مثل مسائلها، وذاكر أصحابه في ذلك، فما وجدوه منصوصًا عليه في المروي عن مالك ذكروه، وما لم يجدوا له فتوى رواها أصحاب مالك عنه اجتهدوا فيها بالقياس على ما أثر عن مالك (١). وفي هذا القرن خُصَّ أبو حنيفة ومدرسته بأنهم أهل الرأي (٢)، بحيث إذا أطلقت هذه العبارة على فرد أو جماعة فهم منها أن هذا الفرد أو هذه الجماعة ممن يتجه اتجاه أبي حنيفة في الفقه، وبسبب هذا الرأي تعرض أبو حنيفة لحملات كثيرة ووجهت إليه وإلى مدرسته انتقاداتٍ مُرَّةٍ، سواء من المدنيين، بدافع من العصبية للمشيخة والوطن، أَمْ مِنَ المُحَدِّثِينَ بدافع من اختلاف المنهج وطريقة التفكير، ثم كثرت المهاترات والاتهامات، وسجل الشعر جانبًا من هذه المعركة فقال شاعر كوفي يُفَضِّلُ أهل الكوفة على أهل المدينة في الفقه: وَلَيْسَ يَعْرِفُ هَذَا الدِّينَ نَعْلَمُهُ ... إِلاَّ حَنِيفَةُ كُوفِيَّةَ الدُّرَرِ لَا تَسْأَلَنَّ مَدِينِيًّا فَتُحْرِجُهُ ... إِلَّا عَنْ البَمِّ وَالمَثْنَاةِ وَالزِّيرِ فأجابه رجل من أهل المدينة: لَقَدْ عَجِبْتُ لِغَاوٍ سَاقَهُ قَدَرُ ... وَكُلُّ أَمْرٍ إِذَا مَا حُمَّ مَقْدُورُ

стр. 65

قَالَ المَدِينَةُ أَرْضٌ لَا يَكُونُ بِهَا ... إلاَّ الغناء وَإِلَّا البَمُّ وَالزِّيرُ لَقَدْ كَذَبْتَ، لَعَمْرُ اللَّهِ إِنَّ بِهَا ... قَبْرُ الرَّسُولِ، وَخَيْرُ النَّاسِ مَقْبُورُ (١) ومدح شاعر أهل الرأي، مُبرِزًا أهم خصائصهم فقال: إِذَا مَا النَّاسُ يَوْمًا قَايَسُونَا ... بِآبِدَةٍ مِنَ [الفُتْيَا] طَرِيفَهْ أَتَيْنَاهُمْ بِمِقْيَاسِ صَحِيحٍ ... تِلَادٍ مِنْ طِرَازِ أَبِي حَنِيفَهْ فأجابه مجيب من أصحاب الحديث: إِذَا ذُو الرَّأْيِ خَاصَمَ عَنْ قِيَاسٍ ... وَجَاءَ بِبِدْعَةٍ هَنَةٍ سَخِيفَهْ أَتَيْنَاهُمْ بِقَوْلِ اللَّهِ فِيهَا ... وَآثَارِ مُبَرَّزَةٍ شَرِيفَهْ فَكَمْ مِنْ فَرْجِ مُحْصَنَةٍ عَفِيفٍ ... أُحِلَّ حَرَامُهَا بِأَبِي حَنِيفَهْ (٢) وكان من أبرز ما اتهم به أبو حنيفة هو أَنَّ القِيَاسَ عِنْدَهُ أَجَلُّ مِنَ الحَدِيثِ وَأَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَةً، حتى إنه لُيُقدِّمُ القياس على الحديث في موطن التعارض، إما لعدم علمه بالحديث وقلة محفوظه منه - كما يقول المعتذرون عنه - وإما إعراضًا عن السُنَّةِ، كما يقول الناقمون عليه. ولسنا الآن بصدد تفصيل هذا الاتهام أو تفنيده، فسوف يأتي هذا في موضعه، ولكنا نجمل القول هنا بأن المذهب الحنفي كغيره من المذاهب السُنية في اعتبار الحديث والأخذ به، وإذا وجدت بعض أحاديث رفضها العراقيون، فإنما ذلك لمأخذ قوي في نظرهم، من تضعيف الحديث أو تأويله، أو ادعاء نَسْخِهِ، أو غير ذلك. وَهُمْ لَيْسُوا بِدَعًا في ذلك، فعمر بن الخطاب

стр. 66

رفض رواية فاطمة بنت قيس في عدم وجوب النفقة والسُكنى للمطلقة البائن، كما رفض حديثها هذا أسامة بن زيد وعائشة (١) ﵃. والإمام مالك يصنع مثل ذلك إذا عارض الخبر إجماع أهل المدينة أو عملهم، وأورد ابن القيم أمثلة كثيرة لذلك (٢). وإذا كان أبو حنيفة يتساوى مع مالك وغيره من المجتهدين في الاعتماد على السُنَّةِ، وفي رد ما لا يوثق به منهما، وفي استعمال الرأي، فَلِمَ خُصَّ المَذْهَبُ الحَنَفِيُّ بِالهُجُومِ؟ لم أتهم بنبذ السُنَّةِ وتقديم الرأي عليها، مع أن غيره يصنع أيضًا مثل هذا الصنيع؟. إنَّ السبب في رأيي يرجع إلى ظاهرتين عاصرهما الفقه الحنفي، وشهد نشأتهما. الظاهرة الأولى: تَكَوُّنُ طَائِفَةِ المُحَدِّثِينَ وتجمعهم وبروزهم إلى المجتمع كمدرسة لها تخصصاتها واهتماماتها، مما أضفى عليها ملامح خاصة تميزهم عن غيرهم. ففي بداية هذا القرن بدأ تدوين الحديث وجمعه من الأقطار المختلفة يأخذ صبغة رسمية، وينال عناية الدولة، منذ أن أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن حزم عامله على المدينة بأن يجمع ما عنده من سنة رسول الله ﷺ ، وكتب إلى الآفاق: «انْظُرُوا حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاجْمَعُوهُ» (٣)، فنشط العلماء لذلك وأكثروا من الرحلات ولم يقتصروا على

стр. 67

جمع حديث رسول الله ﷺ ، بل أضافوا إليه أقوال الصحابة والتابعين، والمأثور من أعمالهم، يقول أبو الزناد: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرامَ، وَكَانَ ابنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَم النَاسِ» (١). واستغرق هذا المنهج في تأليف الحديث وجمع أقوال الصحابة والتابعين وأحكام مسائل الفقه - جل القرن الثاني. والذي يهمنا هنا أن جمع الحديث قد اتسعت دائرته فلم يعد مقصورًا على أحاديث بلد معين أو باب معين، وأن البحث عن الحديث والأثر لم يكن لما يحمله من فقه فقط - كما كانت الحال قبل ذلك - بل كان يجمع أيضًا لذاته، وتجردت لهذا الجمع طائفة تفرغت له، وجابت الأقطار في سبيله، وأطلق عليها (المُحَدِّثُونَ)، وكان من هؤلاء مَنْ لَمْ يُعْنَ بِالإِفْتَاءِ فلم يهتم بالفقه الذي يتضمنه الحديث أو الأثر الذي يحفظه، كما كان منهم من قصد إليه للاستفتاء فكان يُفتي بما يحفظ، سواء أكان ما حفظه مما يفتي به حديثًا لرسول الله ﷺ ، أم كان قولاً لصحابي أو تابعي أم رأيًا لشيوخه. هؤلاء المُحَدِّثُونَ مِمَّنْ لا قدرة لهم على النظر العقلي لم يكن في استطاعتهم الثبات أمام المدرسة العقلية الافتراضية الحنفية إذا حدثت مناظرة أو نقاش في المسائل الخلافية، بل كانوا يصمدون بما يرونه من اعتزاز هذه العقلية بنفسها، وجُرأتها في النقد والموازنة، فيسرع إلى نفوسهم الظن بمخالفة هؤلاء للحديث والسنة، وتضيق بذلك صدورهم، فيطلقون فيها ألسنتهم بالاتهام والتشنيع، وتنتشر التهمة، وتتناقلها المجالس العلمية دون تحقيق، ودون احتكاك عملي بالمتهم. فالأوزاعي يَتَّهِمُ أَبَا حَنِيفَةَ بِالبِدْعَةِ، وسنده في ذلك ما نقل إليه عنه، لكنه يعدل عن ذلك عندما يُطْلِعُهُ عبد الله بن المبارك على

стр. 68

مسائل أبي حنيفة، فيعجب بها، ثم يلتقي بأبي حنيفة في مكة ويناظره، ثم يقول: «غُبِطْتُ الرَّجُلُ بِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَوُفُورِ عَقْلِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى، لَقَدْ كُنْتُ فِيْ غَلَطٍ ظَاهِرٍ، اِلْزَمْ [الرَّجُلَ]، فَإِنَّهُ بِخِلاَفِ مَا بَلَغَنِيَ عَنْهُ» (١). وعندما ظهر الشافعي - الذي درس مذهب الفريقين وَتَمَرَّسَ بمَنْهَجَيْهِمَا وأخذ يناقش العراقيين مستعملاً طريقتهم متمكنًا من منهجهم العقلي - لاقى ارتياحًا وإعجابًا من المُحَدِّثِينَ، الذِينَ لَقَّبُوهُ بِ " نَاصِرِ السُنَّةِ "، على الرغم من أنه كَانَ يُقَدِّرُ أبا حنيفة وأصحابه، ويذكر فضلهم وأياديهم على الفقه. وقد يخطئ أبو حنيفة في بعض المسائل وكذلك أصحابه - وَهُوَ وَهُمْ ليسوا معصومين - وقد يخالفون حديثًا ما بهذا الاجتهاد، ومثل هذا يقع لعامة المُجتهدين، إلا أن الفكرة السيئة عن مدرسة أبي حنيفة، والخصومة الناشبة بين هذه المدرسة وغيرها سرعان ما تحمل الخصوم على نشر هذا الخطأ والتشنيع به، وإذا كان الشعبي يخشى تشنيع المُحَدِّثِينَ عليه إذا أخطأ، مع أنه من أئمتهم وموضع إجلالهم - فما بالك بهم إذا أخطأ أبو حنيفة؟ يقول الشعبي: «وَاللَّهِ لَوْ أَصَبْتُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ مَرَّةً أَخْطَأْتُ مَرَّةً لَعَدُّوا عَلَيَّ تِلْكَ الوَاحِدَةَ» (٢). أما الظاهرة الثانية: التي عاصرت نشأة المذهب الحنفي وساعدت على الإساءة إليه فكانت ظهور فرقة المعتزلة، وَقَدْ بَيَّنَ الذهبي أن المعتزلة وبعض الفرق الأخرى قد نشأت في هذا القرن الثاني، فذكر أنه في زمان الطبقة الرابعة من الحفاظ - وهي الثالثة من التابعين - تحولت الدولة من الأموية إلى العباسية كما ظهر في ذلك الزمان «عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ العَابِدُ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ

стр. 69

الغَزَّالُ، وَدَعُوا إِلَى الاعْتِزَالِ بِالقَدَرِ، وَظَهَرَ بِخُرَاسَانَ الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَدَعَا إِلَى تَعْطِيلِ الرَّبِّ وَخَلْقِ القُرْآنِ، وَظَهَرَ بِخُرَاسَانِ فِي قُبَالَتِهِ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ المُفَسِّرُ، وَبَالَغَ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ حَتَّى جَسَّمَ، وَأَقَامَ عَلَى هَؤُلَاءِ عُلَمَاءُ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ وَحَذَّرُوا مِنْ بِدَعِهِمْ» (١). وللمعتزلة دون شك دور هام في الدفاع عن الإسلام والتصدي لخصومه، بيد أنهم أحيانًا يشتطون في آرائهم، ويجري على ألسنتهم بعض مما سرى إليهم من ألفاظ خصومهم أو عقائدهم، فيسيء إليهم،، نقل ابن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل قال: «وَقَدْ أَفْضَى الكَلَامُ بِأَهْلِهِ إِلَى الشُّكُوكِ، وَبِكَثِيرٍ مِنْهُمْ إِلَى الإِلْحَادِ، تَشِعُّ رَوَائِحُ الإِلْحَادِ مِنْ فَلَتَاتِ كَلَامِ المُتَكَلِّمِينَ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مَا قَنَعُوا بِمَا قَنَعَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ وَطَلَبُوا الحَقَائِقَ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ العَقْلِ إِدْرَاكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الحِكْمَةِ التِي انْفَرَدَ بِهَا» (٢). وقد ذكر ابن الجوزي جملة مما خرج به المعتزلة من آراء غريبة على الإسلام (٣) وسوف نفصل في الفصل القادم أسباب الخصومة بَيْنَ المُعْتَزِلَةِ وَالمُحَدِّثِينَ إلا أن الذي يهمنا هنا أن بعض هؤلاء المعتزلة انتسب إلى المذهب الحنفي، كَبِشْرِ المَرِيسِي (٤) فضاعف ذلك من الحملة عليه والتشهير به. يضاف إلى ذلك أن أبا حنيفة نفسه لم يعتزل معركة الكلام التي كانت محتدمة بين المعتزلة والخوراج وغيرهم، بل أدلى فيها، وعرض في حلقاته

стр. 70

المتعددة آراء العقيدة وترك في ذلك كتب " الفقه الأكبر " المنسوب إليه، وهو إن لم يكن كله له فهو يعبر عن أكثر آرائه، كما ترك " رسالة " في الإرجاء عرفت برسالة أبي حنيفة إلى إمام أهل البصرة عثمان بن مسلم البتي في الإرجاء، بل كانت مدرسة أبي حنيفة في العقيدة «هِيَ المَدْرَسَةُ الكَلَامِيَّةُ السُّنِّيَّةُ الأُولَى التِي وَقَعَتْ فِي العِرَاقِ مَوْطِنَ الفِرَقِ المُخْتَلِفَةِ وَحَارَبَتْهَا أَشَدَّ الحَرْبِ» (١). ومما يدل على أن أبا حنيفة كانت له آراء في العقيدة يدرسها جنبًا إلى جنبٍ مع مسائل الفقه، أن أبا جعفر الطحاوي عندما ألف رسالته المشهورة في العقيدة صَدَّرَهَا بقوله: «هَذَا بَيَانُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ المِلَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانَ بْنَ ثَابِتٍ الكُوفِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ» (٢)، فكيف يتأتى للطحاوي أن يزعم أن هذا «مَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ العَالَمِينَ» إلا إذا كانت آراؤهم الكلامية تصل إلى الخلف عن نفس الطريق الذي تسلكه آراؤهم الفقهية؟. وقد قرر أبو حنيفة في بعض المسائل الاعتقادية آراء لم يوافق عليها أهل الحديث، منها قوله: «إِنَّ الإِيمَانَ اعْتِقَادٌ لَا دَخْلَ لِلْعَمَلِ فِيهِ»، فكان هذا من أسباب الحملة عليه. ويحمل ابن عبد البر أَسْبَابَ حَمْلَةِ المُحَدِّثِينَ على أبي حنيفة فيقول: «كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ [الآحَادِ] العُدُولِ لأَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي القُرْآنِ، فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا يَقُولُ: " الطَّاعَاتُ مِنَ الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا لَا تُسَمَّى إِيمَانًا " وَكُلُّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ

стр. 71

الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ وَيُبَدِّعُونَهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مَحْسُودًا لِفَهْمِهِ وَفِطْنَتِهِ» (١). وقد يفسر هذا تحالف بعض المعتزلة مع أهل الحديث - مع ما بينهما من عِدَاءٍ - على حرب أبي حنيفة. إِنِّي أُرَجِّحُ أن النصف الثاني من هذا القرن كان مولد هذه العبارة (أَهْلُ الحَدِيثِ وَأَهْلُ الرَّأْيِ) بعد أن أصبح المُحَدِّثُونَ فئة متميزة متناصرة تهاجم غيرها، ولها سلطة التجريح والتعديل، هذه السلطة التي كانت من أقسى الأسلحة التي حاربوا بها خصومهم، ومنهم المدرسة العقلية الحنفية. وينبغي أن نشير إلى أن المحدثين لم يكونوا مجمعين على الرأي السيء في أبي حنيفة، فقد وجد من بينهم أفراد قَدَّرُوهُ وأشادوا بفضله، ونقل ابن النديم أبياتًا قالها أحد المحدثين، وهو عبد الله بن المبارك في مدح أبي حنيفة وهي: لَقَدْ زَانَ البِلَادَ وَمَنْ عَلَيْهَا ... إِمُامُ المُسْلِمِينَ أَبُو حَنِيفَهْ بِآثَارِ وَفِقْهٍ فِي حَدِيثٍ ... كَآيَاتِ الزَّبُورِ عَلَى الصَّحِيفَهْ فَمَا بِالمَشرِقَيْنِ لَهُ نَظيرٌ ... وَلَا بِالمَغْرِبَينِ وَلَا بِكُوفَهْ رَأَيْتُ العَايِبِينَ لَهُ سُفَّاهًا ... خِلَافَ الحَقِّ مَعَ حُجَجٍ ضَعِيفَهْ (٢) كما ينبغي أن نتنبه إلى أنّ اللقاءات التي كانت موجودة في القرن الأول لم تنقطع في هذا القرن، بل كانت دائرتها متصلة، وكثيرًا ما أنتجت هذه اللقاءات مناقشات ومناظرات كانت ذات أثر لا ينكر في تقارب الأفكار،

стр. 72

والاطلاع على ثمرات العقول المختلفة: فأبو حنيفة يلتقي مع الأوزاعي ويناقشه، كما سبق، ويناظر مالك أبا حنيفة حتى يعرق من المناظرة معه ويقول لليث: «إِنَّهُ لَفَقِيهٌ يَا مِصْرِيُّ» (١) ويزامل الليث بن سعد مالكًا في الدراسة، ويتلقى عمن تلقى عنه، ثم يسافر إلى العراق، ويرى أبا حنيفة يجيب عن مسألة فيصور الليث انطباعه لهذه الإجابة بقوله: «وَاللَّهِ مَا أَعْجَبَنِي صَوَابُهُ، كَمَا أَعْجَبَنِي سُرْعَةُ جَوَابِهِ» (٢)، ثم يعود الليث إلى مصر، كما يلتقي أبو يوسف بمالك، ثم يتتلمذ محمد بن الحسن عليه ويروي عنه " الموطأ "، ويعلق عليه من وجهة نظر مدرسته، ويتعلم الشافعي بمكة والمدينة، ثم يلتقي بمحمد بن الحسن ويأخذ عنه ويناظره، ويرحل أسد بن الفرات إلى مالك ويسمع منه، ثم يذهب إلى العراق فيلقى أبا يوسف ومحمد بن الحسن، وقد ذكر القاضي عياض أن أبا يوسف أخذ عنه " موطأ " مالك (٣). وهكذا كانت اللقاءات مستمرة بين علماء العالم الإسلامي، وكانت الخلافات بينهم لا تعدو أن تكون وجهات نظر تحتمل الصواب والخطأ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يُقَدِّرُ مُخَالِفَهُ وَيَحْتَرِمُهُ. فِي القَرْنِ الثَّالِثِ: وتواكب أهل الحديث وأصحاب الرأي في مسيرتهم عبر التاريخ، وتجاوز القرن الثاني منحدرين إلى القرن الثالث، حيث نجد أن المذاهب قد استكملت وجودها، ووضحت معالمها، وأضيف المذهب الشافعي والحنبلي والظاهري إلى المذاهب التي كانت موجودة من قبل، وهي المالكية والحنفية وغيرها من مذاهب المجتهدين في القرن الثاني من تلك المذاهب التي لم يقدر لها البقاء إلا فترة من الزمن كمذهب الأوزاعي وسفيان الثوري.

стр. 73

ولكننا نلاحظ أن هذه المذاهب أخذت تتلاقى بمقدار ما بدأت تتباعد: تتلاقى في مناهجها، وتتقارب في أدلتها نتيجة لعامل التأثير وإذعانًا لما تنتهي إليه المناظرات من التسليم بحقائق، ومن التنبه إلى ثغرات، إذ لم تكن المناظرات حينئذٍ مقصودًا بها الغلبة والصدارة، بل كان الوصول إلى الحقيقة غايتها. فإذا عيب على أهل الرأي أنهم لا يشتغلون برواية الحديث فقد نفعهم هذا النقد، وحاولوا أن يسدوا هذه الثغرة، فاشتغلوا برواية الحديث على يد أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وإذا عيب على أهل المدينة أنهم لا يعطون العقل حريته في التصور وفرض الفروض، فقد سلموا عمليًا بذلك وامتلأت كتبهم من بعد بِالفُرُوعِ المُقَدَّرَةِ وَالفُرُوضِ المُمْكِنَةِ، سواء في ذلك الفقه المالكي والفقه الشافعي، وَ «اتَّخَذُوا ثَلَاثَةَ مَوْضُوعَاتٍ أَسَاسًا لِمِئَاتٍ مِنَ المَسَائِلِ التِي كَدُّوا أَذْهَانَهُمْ فِي إِبْرَازِ الجَوَابِ عَنْهَا: وَهِيَ الرَّقِيقُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ، وَالزَّوْجَةُ وَطَلَاقُهَا، وَالأَيْمَانُ وَالحِنْثُ فِيهَا» (١). غير أن هذه المذاهب المتلاقية شرعت تتباعد برجالها، وتتجافى بالقائمين عليها، والمنتسبين إليها، ببدء شيوع فكرة التقليد للمذهب، والتعصب لرجاله والمناظرات التي اتخذت قاعدتها أن تعرف الحق بالرجال، لا أن تعرف الرجال بالحق، مما جعل التنافس المذهبي يستعر، والتنابز بالألقاب ينتشر كالوباء الباسط جناحيه على أفق العالم الإسلامي لا يكاد ينجو منه أحد إلا من عصم اللهُ. أما المشتغلون بالحديث فقد كثر عددهم، وعظم خطرهم، وراجت مدرستهم وأصبحوا قوة لا ينكر أثرها على الخاصة أو العامة، وشهروا على مخالفيهم سلاح التجريح المبهم. مستخدمين ألفاظًا تحمل ظلالاً تدعو إلى النفرة أو التوجس والإنكار، مثل قولهم: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، أَوْ تَحَامُوا

стр. 74

رِوَايَتَهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِالرَّأْيِ، أَوْ لِأَنَّهُ شِيعِيٌّ أَوْ مُرْجِئٌ ... إلخ، هذه الألفاظ التي تداولوها، والتي كانت تدعو إلى الوقوف من الموصوفين بهذه الأوصاف موقف الحذر والريبة، مع أن بعض هذه الألفاظ يدخل في مفهومها الصالح والطالح فهي أشبه بالمشترك اللفظي، كالوصف بالإرجاء أو التشيع فقد يراد بالإرجاء تأخير القول في الحكم بتصويب إحدى الطائفتين المتقاتلتين بعد عثمان، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ لَا يُكَفَّرُ بَلْ حُكْمُهُ مَوْكُولٌ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ. وقد يراد به الدعوة إلى التهاون في الشرائع والأحكام تسهيل ارتكاب الكبائر بإعلان مبدأ القائل بأنه لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة (١). وكذلك الشأن في التشيع، إِذْ هُوَ مَحَبَّةُ عليٍّ ﵁ وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيعه، ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السَبُّ أو التصريح بالبغض فهو غالٍ في الرفض وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشد في الغلو (٢). ولغموض الجرح أحيانًا، ولأنه في أحيان أخرى قد يكون بسبب العصبية المذهبية أو الخلاف في الرأي الفقهي، أَوْ بِمَا لَا يُعَدُّ قَادِحًا فِي الحَقِيقَةِ - طالب المتأخرون بأن يكون مشفوعًا بذكر السبب وهو الجرح المفسر (٣) فإنه لا ينبغي أن يستقل الجارح وحده بالحكم، بل عليه أن يشرك فيه غيره، وَذَلِكَ بِأَنْ يُهَيِّئَ له فرصة تقدير حكمه ووزنه، ثم إمضائه أو رَدِّهِ.

стр. 75

بهذا فقط تقل خطورة الذاتية في الجرح، ويسلم من الخطأ أو يكاد. وفي هذا القرن حدثت ظاهرتان كان لكل منهما أثر كبير في إذكاء الخلاف بين أهل الحديث ومدرسة أبي حنيفة وجعلت الرأي ألصق بأصحاب هذه المدرسة وأخص بهم. أما الظاهرة الأولى فكانت شيوع مهاجمة القياس الفقهي، سواء مِنَ المُحَدِّثِينَ - وبخاصة أهل الظاهر منهم -، أو من المتكلمين الذين كانوا يتفقون مع أهل الحديث في فكرة التعبد المحض، ويخالفونهم في اعتبار السنة أصلاً من أصول التشريع (١)، أم من الشيعة الذين كانوا يضعون أقوال أئمتهم واجتهادهم موضع النصوص القطعية. وَيَسَّرَ لمهاجمي القياس هجومهم أن السُنَّةَ وَالآثَارَ قد استقصيت وجمعت من مختلف البلدان الإسلامية، وتحصل لهم منها ذخيرة عظيمة من الفتاوى والأحكام في كل فروع الفقه بحيث لم تعد الحاجة إلى القياس ضرورة ملحة في نظر الكثيرين. أما الظاهرة الثانية فهي انتشار سلطان المعتزلة، وتحكمهم في الحياة الفكرية في العالم الإسلامي فترة من الوقت. والمعتزلة أصحاب مدرسة عقلية تقتحم مباحث العقيدة والألوهية بكثير من الجُرأة النظرية، وتنظر
следующие страницы →