أُصِيبَ أَمْسِ فِيمَا أُصِيبَ لنا- يَعْنِي: يَوْمَ الْحَرَّةِ (١).
٢٠ - وفي صفر من هذه السنة: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني عبد ثعلبة .
الشرح:
ذَكَرَ هذه السرية ابن جرير الطبري (٢) ضمن أحداث السنة السابعة، والظاهر أنها هي هي السرية الآتي ذكرُها في الفقرة رقم (٢٤) من هذه السنة، والله أعلم.
٢١ - وفي شعبان من هذه السنة: كانت سرية أبي بكر الصديق ﵁ إلى نجد .
الشرح:
عن سملة بن الأكوع قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةَ وَعَلَيْنَا أبو بَكْرٍ، أَمَّرَهُ رَسُولُ الله ﷺ عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَ بَينَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةٌ أَمَرَنَا أبو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ، فَوَرَدَ الْمَاءَ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ وَسَبَى، وَأَنْظُرُ إلى عُنُقٍ مِنْ النَّاسِ (٣) فِيهِمْ الذَّرَارِيُّ (٤) فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إلى الْجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهمٍ بَيْنهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ، فَلَمَّا رَأَوْا السَّهْمَ وَقَفُوا فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ بني فَزَارَةَ عَلَيْهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ، قَالَ: الْقَشْعُ النِّطَعُ (٥) مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي أبو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا
стр. 387
ثَوْبًا، فَلَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ في السُّوقِ، فَقَالَ: "يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله وَاللهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ الله ﷺ مِنْ الْغَدِ في السُّوقِ، فَقَالَ لِي: "يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ لِلَّهِ أَبُوكَ"، فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ الله، فَوَاللهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ الله ﷺ إلى أَهْلِ مَكَّةَ فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ (١).
وكانت هذه السرية في شعبان سنة سبع (٢).
٢٢ - وفي شعبان من هذه السنة: كانت سرية عمر بن الخطاب ﵁ إلى تُربة .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
ثم سرية عمر بن الخطاب إلى تُربة في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ ، قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب في ثلاثين رجلاً إلى عُجز هوازن (٣) بتربة، وهي بناحية العبلاء، على أربع ليال من مكة، طريق صنعاء وبحران (٤)، فخرج وخرج معه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبرُ هوازن فهربوا، وجاء عمر بن الخطاب محالَّهم، فلم يلق
стр. 388
منهم أحدًا، فانصرف راجعًا إلى المدينة (١).
٢٣ - وفي شعبان أيضًا من هذه السنة: كانت سرية بشير بن سعد والد النعمان بن بشير الأنصاري إلى بني مُرَّة بناحية فدك .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك في شعبان سنة سبع.
قالوا: بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد في ثلاثين رجلاً إلى بني مُرَّة بفدك، فخرج، فلقي رعاء الشاء، فسأل عن الناس، فقيل: في بواديهم، فاستاق النعم والشاء، وانحدر إلى المدينة، فخرج فأخبرهم، فأدركه الدَّهْم منهم (٢) عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نَبْل أصحاب بشير، وقاتل بشير حتى ارتُثَّ وضرب كعبه، وقيل: قد مات، ورجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم عُلْبة بن زيد الحارثي بخبرهم على رسول الله ﷺ ، ثم قدم من بعده بشير بن سعد (٣).
٢٤ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة، وفيها قتل أسامة بن زيد رجلاً بعد أن نطق بالشهادة فأنكر عليه النبي ﷺ -.
الشرح:
سرية غالب بن عبد الله الليثي ﵁ إلى بني عبد بن ثعلبة وهم بمكان يقال له: الميفعة، بناحية نجد في رمضان سنة سبع.
стр. 389
حيث بعث رسول الله ﷺ إليهم غالب بن عبد الله الليثي في مائة وثلاثين رجلاً، ودليلهم يسار مولى رسول الله ﷺ ، فهجموا عليهم جميعًا، فقتلوا من أشراف لهم، واستاقوا نعمًا وشاءً، فحدروه إلى المدينة ولم يأسروا أحدًا، وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله (١)، ويحكي أُسَامَةَ ﵁ قصته هذه يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ الله ﷺ إلى الْحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَكَفَّ الْأَنْصارِيُّ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله"، قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ (٢).
٢٥ - وفي شوال من هذه السنة: كانت سرية بشير بن سعد أيضًا إلى يمْنٍ وجَبَارٍ .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀ -:
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمْنٍ وجبار في شوال سنة سبع، قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن جمعًا من غطفان بالجِناب، قد واعدهم عيينة بن حصن الفزاري؛ ليكون معهم، ليزحفوا إلى رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ
стр. 390
بشير بن سعد، فعقد له لواءً، وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا الليل وكمنوا النهار، حتى أتوا إلى يمن وجَبَار وهي نحو الجِناب - والجناب مَعارض سِلاح (١) وخيبر وادي القرى - فنزلوا بسِلاح، ثم دنوا من القوم، فأصابوا لهم نعمًا كثيرًا، وتفرَّق الرعاء، فحذَّروا الجمع، فتفرَّقوا ولحقوا بِعُليا بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى مَحالِّهم، فوجدها وليس فيها أحد، فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين فأسرهما وقدم بهما إلى رسول الله ﷺ فأسلما، فأرسلهما (٢).
٢٦ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: كانت عُمْرة القضاء .
الشرح:
وتُسمى أيضًا:
١ - عمرة القضيَّة (٣).
٢ - عُمْرة الصلح (٤).
٣ - عُمْرة القصاص (٥).
أما عن أحداث هذه الرحلة؛ فإن النبي ﷺ قد توجه إلى مكة معتمرًا كما
стр. 391
اتفق مع مشركي مكة يوم الحديبية أن يرجع إلى المدينة عامه هذا على أن يُخلُّوا بينه وبين البيت عام قابل (١).
فخرج النبي ﷺ في ذي القعدة سنة سبع (٢) حيث اتفقوا أن لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ السِّلَاحَ إِلَّا السَّيْفَ في الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا (٣)، وأن لا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام (٤).
فسار النَّبِيُّ ﷺ حتى دَخَلَ مَكَّةَ وَعبد الله بن رَوَاحَةَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
خَلُّوا بني الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ... الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ... وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابنَ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ وَفِي حَرَمِ الله تَقُولُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ لَهُ رسول الله ﷺ : "خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ" (٥).
стр. 392
وطاف المسلمون بالكعبة، وصعد المشركون على جبل قُعَيْقِعان المواجه لما بين الركنين من الكعبة، حيث أشاعوا أن المسلمين ضعفاء ولن يستطيعوا الطواف بالبيت وتأدية المناسك (١).
وكان المشركون قد قالوا: إنه يقدم عليكم وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فأَمَرَهُمِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا (٢) الأَشْوَاط الثَلَاثَةَ وَأن يَمْشُوا مَا بَينَ الرُّكْنَينِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا (٣).
وكذلك أمر النَّبِيُّ ﷺ أصحابه أن يرملوا بَينَ الصَّفَا وَالْمرْوَةِ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ (٤).
وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يسترون رَسُولَ الله ﷺ مِنْ غِلْمَانِ الْمُشْرِكِينَ خشية أَنْ يُؤْذُوه (٥).
فَلَمَّا مَضَى الْأَجَلُ أَتَى المشركون عَلِيًّا، فَقَالُوا: قُلْ لِصاحِبكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الْأَجَلُ فَخَرَجَ النَّبِي ﷺ (٦).
وتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ ﵁ تُنَادِي: يَا عَمِّ يَا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ ﵁ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ﵍: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، فحَمَلَتْهَا، فَاخْتَصمَ فِيهَا عَلِيٌّ
стр. 393
وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ، قَالَ عَلِيُّ: أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ بنتُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي (١)، وَقَالَ زَيْدٌ ابْنَةُ أَخِي (٢)، فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ"، وَقَالَ لِزَيْدٍ: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا" (٣).
فكانت تلك العمرة هي وعد الله الذي وعد رسوله ﷺ في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾ [الفتح: ٢٧].
٢٧ - وفي ذي القعدة من هذه السنة: تزوج النبي ﷺ بميمونة بنت الحارث ﵂ -.
الشرح:
عَنْ عبد الله بن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ في عُمْرَةِ الْقَضَاءِ (٤).
وعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ الله ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ (٥).
٢٨ - وفي ذي الحجة من هذه السنة: كانت سرية ابن أبي العوجاء السُّلمي إلى بني سُليم .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀ -:
ثم سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سُليم في ذي الحجة سنة سبع، قالوا:
стр. 394
بعث رسول الله ﷺ ابن أبي العوجاء السُّلمي في خمسين رجلاً إلى بني سُليم، فخرج إليهم، وتقدمه عين لهم كان معهم فحذَّرهم، فجمعوا، فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم مُعَدُّون له، فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه، فتراموا بالنَّبْل ساعة، وجُعِلَت الأمدادُ تأتي، حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالاً شديدًا، حتى قُتِل عامتهم، وأصيب ابن أبي العوجاء جريحًا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ ، فقدموا المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان (١).
٢٩ - وفي هذه السنة: أسلم عمران بن حُصين وأبوه ﵄ -.
الشرح:
قال الذهبي ﵀ -:
أسلم هو وأبوه وأبو هريرة في وقت، سنة سبع (٢).
٣ - وفي صفر من هذه السنة: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضًا إلى فدك فأصابوا نعمًا وقتلوا وسلموا .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀ -:
ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي أيضًا إلى مُصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر سنة ثمان. بعث - رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله في مائتي رجل، وخرج أسامة بن زيد فيها، حتى انتهى إلى مصاب أصحاب بشير، وخرج معه عُلبة بن زيد فيها، فأصابوا منهم نعمًا، وقتلوا منهم قتلى (١).
٤ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: كانت سرية شُجاع بن وَهْب الأَسَديِّ إلى بني عامر بالسِّيء, ناحية رُكْبَة من وَرَاءِ المعْدِن، فأصابوا نعمًا كثيرًا وشاءً .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀:
ثم سرية عامر بن وهب الأسدي إلى بني عامر بالسيء، في شهر ربيع الأول سنة ثمان.
بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلاً إلى جمع من هوازن بالسيء ناحية رُكْبة، من وراء المعدن، وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره أن يغير عليهم، فكان يسير الليل ويكمن النهار، حتى صبَّحهم وهم غارُّون، فأصابوا نعمًا كثيرًا وشاءً، واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة واقتسموا
стр. 400
الغنيمة، وكانت سُهمانهم خمسة عشر بعيرًا، وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة (١).
٥ - وفي ربيع الأول من هذه السنة: كانت سرية كعب بن عُمير الغفاريِّ إلى ذات أطلاح فَقُتلت السرية إلا رجل جريح .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀ -:
ثم سرية كعب بن عُمير الغفاري إلى ذات أطلاح - وهي من وراء وادي القرى - في شهر ربيع الأول سنة ثمان.
بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلاً، حتى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعًا من جمعهم كثيرًا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، قاتلوهم أشدَّ القتال، حتى قُتِلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلم يرد عليه الليل، تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشقَّ ذلك عليه، وهَمّ بالبعثة إليهم، فبلغه أنهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم (٢).
٦ - وفي هذه السنة: كانت سرية زيد بن حارثة إلى مَدْينَ فأصابوا سبيًا من أهل مِيناءَ .
الشرح:
قال ابن إسحاق:
وسرية زيد بن حارثة إلى مدين، ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن، عن
стр. 401
أمه فاطمة ابنة الحسين بن علي - عليهم رضوان الله-، أن رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة نحو مدين، ومعه ضُمرة مولى علي بن أبي طالب - رضوان الله عليه - وأخ له، قالت: فأصاب سبيًا من أهل ميناء، وهي السواحل وفيها جُمَّاع من الناس، فبيعوا ففرق بينهم، فخرج رسول الله ﷺ وهم يبكون، فقال: "ما لهم؟ "، فقيل يا رسول الله, فُرّق بينهم، فقال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوهم إلا جميعًا".
قال ابن هشام:
أراد الأمهات والأولاد (١).
٧ - وفي جمادى الأولي من هذه السنة: كانت سرية مؤته فَقُتِل الأُمراءُ الثلاثة، ثم فتح الله على يد خالد بن الوليد .
الشرح:
لم يأت خبر صحيح يذكر السبب المباشر لهذه الغزوة.
قال الدكتور أكرم العُمَري ﵀ -:
والحق أنَّ البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيرًا؛ لأن تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية, وتوسيع رقعة الدولة الإِسلامية بصرف النظر عن الأسباب المباشرة. اهـ (٢).
أما عن أحداث تلك السرية (٣)، فإنَّ النبي ﷺ أقام بالمدينة بعد عمرة
стр. 402
القضاء بقية شهر ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأول، والثاني، وبعث في جمادى الأولى جيشًا إلى الشام، قوامه ثلاثة آلاف مقاتل (١).
وكانت هذه القبائل من بلاد الشام موالية للإمبراطورية الرومية البيزنطية وخاضعة تحت سيطرتها وكان هذا هو أول احتكاك للمسلمين بهذه الإمبراطورية العظيمة أو لقبائل موالية لها.
وعين زَيْدَ بن حَارِثَةَ ﵁ قائدًا للجيش وقَالَ: إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ بن أبي طالب، وَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعبد الله بن رَوَاحَةَ (٢).
ومضى الجيش حتى نزل مَعان من أرض الشام، فبلغ الناس أنَّ هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء، في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجزام والقَيْن وبهراء وبليٍّ مائة ألف أخرى، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ ، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمض له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال؛ يا قوم والله إن التي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة، فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس، حتى إذا كانوا
стр. 403
بتَخوم البلقاء (١) لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عُذْرة، يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له: عَبَاية بن مالك، ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط (٢) في رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم أخذ يقاتل وهو يقول:
يا حَبَّذا الجنةُ واقْترابُها ... طيِّبةً وباردًا شرابُها
والرومُ رومٌ قد دنا عذابُها .. كافرةٌ بعيدةٌ أنسابُها
عليَّ إذ لاقيتُها ضِرابُها
ثم قاتل ﵁ حتى قُتل، ويقال أنه أخذ الراية بيمينه، فقُطِعت يمينه، فأخذها بشماله فقُطِعت، فاحتضنها بعضديه حتى قُتِل ﵁ , فأثابه الله جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة ﵁ , وتقدَّم بها وهو على فرسه، فجعل يتردَّد بعض الشيء ثم قال:
أقْسَمتُ يا نفسُ لتنزلنَّهْ ... لتَنْزلنْ أوْ لَتُكرهَنَّهْ
إنْ أجْلَبَ الناسُ وشدُّوا الرنَّهْ (٣) ... ماليْ أَراكِ تكرهين الجنه
стр. 404
قد طالما قد كنتِ مُطْمئنه ... هل أنتِ إلا نطفة في شَنَّه (١)
وقال أيضًا:
يا نفسُ إلا تُقْتلي تموتي ... هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ
وما تمنَّيت فقد أعْطيتِ ... إن تفعلي فعلهما هديتِ
يريد صاحبيه: زيدًا وجعفرًا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعَرْق (٢) من لحم فقال: شُدَّ بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذا ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهش (٣) منه نهشة، ثم سمع الحَطْمَة (٤) في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا، ثم ألقاه من يده، ثم أخذ بسيفه فتقدم، فقاتل حتى قُتِل.
فلما قُتل القوَّاد الثلاثة ﵃ أخذ الراية ثابت بن أرقم ﵁ , ثم قال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، وعند الطبراني أن ثابت أعطى الراية خالد وقال: أنت أعلم بالقتال مني.
فلما أخذ الراية دافع وانحاز بالمسلمين حتى انصرف وكان انسحابًا منظمًا لم يُلحق بالمسلمين خسائر كثيرة، بل لم يستشهد من المسلمين في المعركة كلها سوى ثلاثة عشر صحابيًا فقط - كما ذكر أهل المغازي - واستحق خالد ﵁ لقب: سيف الله، الذي منحه إياه الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ (٥).
стр. 405
وكان النبي ﷺ قد أخبر مَنْ بالمدينة خبر المعركة، ومقتل قادة المسلمين الثلاثة، وأخذ خالد ﵁ الراية، ثم انسحابه، وهو يبكي ﷺ وعيناه تذرفان.
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قال نَعَى النبي ﷺ زَيْدًا، وَجَعْفَرًا، وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الله حَتَّى فَتَحَ الله عَلَيْهِمْ (١).
وهذه من معجزاته ﷺ ، حيث أخبر الناس خبر القوم قبل أن يأتيه الرسول بالخبر، وقد سمَّى النبي ﷺ انسحاب خالد ﵁ المنظم بالجيش فتحًا، وإنما ذلك لما أوقعه المسلمون بالروم من خسائر رغم تفوقهم العددي الكبير (٢).
بعض الأحداث المتعلقة بالغزوة:
عن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ قَتِيلٌ، قال: فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْء في دُبُرِهِ - يَعْنِي: في ظَهْرِهِ (٣).
وفي رواية أن ابن عمر قال: فَالْتَمَسْنَا مَا في جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ (٤).
والظاهر هنا -والله أعلم- أَنَّ الْعَدَدَ ليس بمَفْهُوم؛ وإنما أراد ابن عمر ﵁ أن يُكنّى عن كثرة الطعنات (٥).
стр. 406
وَقَوْله ابن عمر ﵁: لَيْسَ مِنْهَا شَيْء في دُبُرِهِ، بَيَان فَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ ﵁ (١).
وعن خَالِدِ بن الْوَلِيدِ ﵁ قال: لَقَدْ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وصبرتْ في يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ (٢).
قال ابن حجر ﵀ -:
وَهَذَا الْحَدِيث يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَتَلُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَثِيرًا. اهـ (٣).
وكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا حَيَّا ابْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ (٤).
وعن عَائِشَةَ ﵂ قالت: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بن أبي طَالِبٍ، وَعبد الله بن رَوَاحَةَ ﵃ جَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ -تَعْنِي: مِنْ شَقِّ الْبَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ الله إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، قَالَ: وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، قَالَ: فَذَهَبَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ، قَالَ: فَأَمَرَ أَيْضًا، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبنَنَا، فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: فَاحْثُ في أَفْوَاهِهِنَّ مِنْ التُّرَابِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ الله أَنْفَكَ، فَوَاللهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ الله ﷺ مِنْ الْعَنَاءِ (٥).
стр. 407
وعَنْ النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عبد الله بن رَوَاحَةَ، فْجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي وَا جَبَلَاهْ، وَا كَذَا وَا كَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ؟ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ (١).
وعَنْ عبد الله بن جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: لما جاء نعي جعفر، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "اصْنَعُوا لآِلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ ما يشغلهم - أو أمْرٌ شَغَلَهُمْ" (٢).
٨ - وفي جمادى الآخرة من هذه السنة: كانت سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، فنصرهم الله .
الشرح:
جهز النبي ﷺ هذه السرية لتأديب قُضاعة، التي غرَّها ما حدث للمسلمين في مؤتة فتجمعت للإغارة على المدينة، فعلم بهم النبي ﷺ فجهَّز جيشًا قوامه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار بقيادة عمرو بن العاص ﵁.
ومضى الجيش يسير الليل ويكمن النهار حتى إذا قرب من القوم بلغه أن لهم جمعًا كثيراً، فبعث عمرو ﵁ رافعَ بن مَكيث الجهني إلى النبي ﷺ يستمدَّه، فبعث إليه النبي ﷺ أبا عُبيدة بن الجراح في مائتين فيهم أبو بكر وعمر، وعقد له لواءً.
ونزل الجيش على ماء لقبيلة جذام يقال له: السلسل.
وبذلك سُمِّيت ذات السلاسل، وقيل سُمِّيت بذلك لأن المشركين ارتبط
стр. 408
بعضهم ببعض مخافة أن يفروا- وهذا المكان الذي نزلوا فيه بينه وبين المدينة عشرة أيام.
فحمل المسلون عليهم فهربوا في البلاد، وتفرقوا، وبعث عمرو عوفَ بن مالك الأشجعي بريدًا إلى رسول الله ﷺ فأخبره بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم (١).
٩ - وفي هذه السريه أجنب عمرو بن العاص، فتيمم من شدة البرد، فأقره رسول الله ﷺ -.
الشرح:
يقول عَمْرُوبن الْعَاصِ ﵁: احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ فأَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأصحابي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لرسول الله ﷺ ، فَقَالَ:"يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ "، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ، وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ الله يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا (٢).
١٠ - وفي شعبان من هذه السنه: كانت سرية أبي قتادة إلى خَضِرة وهي أرض مُحارب بنجدٍ فغنموا وأسروا .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀ -:
ثم سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى خضرة، وهي أرض
стр. 409
مُحارب بنجد في شعبان سنة ثمان، قالوا: بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة، ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غطفان، وأمره أن يشنَّ عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاط به، فصرخ رجل منهم: يا خضرة! وقاتل منهم رجال، فقتلوا من أشراف لهم، واستاقوا النعم، فكانت الإبل مائتي بعير والغنم ألفي شاة، وسَبَوْا سبيًا كثيرًا، وجمعوا الغنائم، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة (١).
عَنْ عبد الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ فَكُنْتُ فِيهَا، فَبَلَغَتْ سِهَامُنَا اثْنَي عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا، فَرَجَعْنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا (٢).
وقيل: هذه السرية التي ذكرها ابن عمر ﵄ في الحديث المتقدم هي سرية أبي قتادة تلك (٣).
١١ - وفي شعبان أيضًا من هذه السنة: كانت سرية ابن أبي حَدْرَد إلى الغابة، فقتلوا رئيس القوم، وغنموا .
الشرح:
عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلميِّ قال: تزوجتُ امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم، فجئت رسول الله ﷺ أستعينه على نكاحي، فقال: "وكم أصدقْتَ؟ " قلت: مائتي درهم يا رسول الله قال:"سبحان الله، لو كنتم إنما تأخذون الدراهم من بطن واد ما زدتُم! والله ما عندي ما أعينك به".
قال: فلبثتُ أيامًا، وأقبل رجل من بني جُشم بن معاوية يقال له رفاعة بن
стр. 410
قيس، أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من جُشم، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسًا على حرب رسول الله ﷺ . قال: وكان ذا اسم وشرف في جُشم، قال: فدعاني رسول الله ﷺ ورجلين من المسلمين فقال: اخرجوا إلى هذا الرجل حتى تأتونا به أو تأتونا منه بخبر وعلم، قال: وقدم لنا شارفًا عَجْفاء، فحُمل عليها أحدنا، فوالله ما قامت به ضعفًا، حتى دعَمَها الرجالُ من خلفها بأيديهم حتى استقلت، وما كادت، ثم قال: تبلغوا على هذه واعتقُبوها.
قال فخرجنا ومعنا سلاحُنا من النبل والسيوف، حتى جئنا قريبًا من الحاضر عُشَيْشِيَة مع غروب الشمس، فكمنتُ في ناحية، وأمرتُ صاحَبيِّ فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلتُ لهما: إذا سمعتماني قد كبَّرْتُ وشددتُ على العسكر، فكَبِّرَا وشُدَّا معي، قال: فوالله إنا لكذلك ننتظر أن نرى غِرَّة أو نُصيب منهم شيئًا، غَشِيَنا الليل حتى ذهَبتْ فحمةُ العشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد، فأبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه، قال: فقام صاحبهم ذلك رفاعة بن قيس، فأخذ سيفه فجعله في عنقه، ثم قال: والله لأتبعن أثر راعينا هذا ولقد أصابه شر، فقال نفر ممن معه: والله لا تذهب، نحن نكفيك. فقال: والله لا يذهب إلا أنا. قالوا: فنحن معك. قال: والله لا يتبعني منكم أحد، قال: وخرج حتى مر بي، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده، فوالله ما تكلم، ووثبت إليه فاحترزتُ رأسه، ثم شددت في ناحية العسكر وكبرت، وشد صاحباي وكبرا، فوالله ما كان إلا النجاء ممن كان فيه عندك، بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم. قال: فاستقنا إبلاً عظيمة وغنمًا كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله ﷺ ، وجئت برأسه أحمله معي. قال: فأعانني رسول الله ﷺ من تلك الإبل بثلاثة عشر بعيرًا، فجمعت إليَّ أهلي.
стр. 411
وأما الواقدي، فذكر أن محمَّد بن سهل بن أبي حَثْمَة حدثه عن أبيه أن النبي ﷺ بعث ابن أبي حَدْرَد في هذه السرية مع أبي قتادة، وأن السرية كانت ستة عشر رجلاً، وأنهم غابوا خمس عشرة ليلة، وأن سهمانهم كانت اثني عشر بعيرًا يُعْدَلُ البعير بعشر من الغنم وأنهم أصابوا في وجوههم أربع نسوة، فيهن فتاة وضيئة، فصارت لأبي قتادة، فكلم محمية بن الجزء فيها رسول الله ﷺ ، فسأل رسول الله ﷺ أبا قتادة عنها فقال: اشتريتها من المغنم، فقال: هَبْها لي، فوهبها له، فأعطاها رسول الله محميةَ بن جزء الزُّبَيْديّ (١).
١٢ - وفي شعبان من هذه السنة: نقضت قريش عهدها مع رسول الله ﷺ -.
الشرح:
كما تقدم في صلح الحديبية كان من بنود المعاهدة بين المسلمين والمشركين أنه من أراد أن يدخل في حلف المسلمين وعهدهم دخل فيه ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أيِّ من الفريقين تعتبر جزءًا من هذا الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدوانًا على ذلك الفريق، وأن خزاعة دخلت في حلف المسلمين، ودخلت بنو بكر في حلف المشركين.
ثم كان من أمر القبيلتين أنه كان بينهما ثأر قديم قبل تلك المعاهدة، فغدرت بنو بكر بخزاعة ولم تحترم المعاهدة، فوثبوا على خزاعة ليلاً بماء يقال له: الوتير، وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمَّد وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالسلاح وقاتل معهم من قاتل بالليل مُستخفيًا،
стр. 412
حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل بن معاوية -وهو قائد الجيش- إنا قد دخلنا الحرم! إلهك إلهك فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم، ثم قال: يابني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟! ولجأت خزاعة إلى دار بُديل بن ورقاء بمكة، وإلى دار مولى له يقال له رافع.
وركب عمرو بن سالم الخزاعيُّ إلى النبي ﷺ يخبره الخبر، فوقف أمام النبي ﷺ وأنشد يقول:
لاهُمَّ إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا (١)
فانصر هداك الله نصرًا أَعْتدا ... وادع عباد الله يأتوا مدد (٢)
فقال رسول الله ﷺ :"نصرت يا عمرو بن سالم" وأمر رسول الله ﷺ الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره، حتى يبغتهم في بلادهم (٣).
١٣ - وفي شعبان من هذه السنة: جاء أبوسفيان في حرب ليُجَدِدَ العهد مع رسول الله ﷺ فلم يرُدَّ عليه .
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀ -:
ثم خرج بُديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ
стр. 413
المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة.
ومضى بُديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعُسْفان قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ ليشدَّ العقد، ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بُديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بُديل؟ ظنَّ أنه قد أتى رسول الله ﷺ ، قال: تسيرتُ في خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادي، قال: أو ما جئت محمدًا؟ قال: لا، فلما راح بُديل إلى مكة، قال: أبو سفيان: لئن كان جاء بُديل المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففتَّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُديل محمدًا. ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ -المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يابنيَّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس، ولم أُحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ ، قال: والله لقد اصابك يابنيَّة بعدي شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئًا، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر (١) لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعندها حسن بن عليّ غلام يدبُّ بين يديها فقال: يا عليّ إنك أمسّ القوم بي رحمًا، وإني جئت في حاجة فلا ترجعني كما جئت خائبًا فاشفع لي إلى رسول الله ﷺ فقال: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله ﷺ على
стр. 414
أمر ما تستطيع أن تكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمَّد هل لك أن تأمري بنيَّك هذا فيجير بين الناس فيكون سيِّد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بنيَّ ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ , قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك شيئًا, ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مُغْنيًا عني شيئًا؟ قال: لا والله ما أظنه ولكني لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله لم يردَّ علىَّ شيئًا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد منه خيرًا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليًّا فوجدته ألين القوم، وقد أشار عليَّ بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئًا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال أمرني أن أُجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمَّد؟ قال: لا، قالوا: ويلك! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنك ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. اهـ (١).
١٤ - وفي رمضان من هذه السنة: أرسل حاطب بن أبي بلتعه كتابًا إلى قريش يخبرهم بمَسير رسول الله ﷺ إليهم، فعذره رسول الله ﷺ وعفا عنه .
الشرح:
عَنْ جَابِرِ بن عبد الله ﵄ أَنَّ حَاطِبَ بن أبي بَلْتَعَةَ كَتَبَ إلى أَهْلِ مَكَّةَ، يَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَرَادَ غَزْوَهُم، فَدُلَّ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي مَعَهَا الْكِتَابُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأُخِذَ كِتَابُهَا مِنْ رَأْسِهَا، وَقَالَ: "يَا حَاطِبُ أَفَعَلْتَ؟ "، قَالَ:
قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] (١).
١٥ - وفي رمضان من هذه السنة: كانت سريةُ أبي قتادة الأنصاري ﵁ إلى إضَمٍ للتمويه على المشركين .
الشرح:
قال ابن سعد ﵀ -:
قالوا: لما هَمَّ رسولَ الله ﷺ -بغزوة أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية إلى بطن إضَم، وهي فيما بين ذي خُشُب وذي المروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة بُرَد، ليظنَّ ظانٌّ أن رسول الله ﷺ توجه إلى تلك الناحية، ولأن تذهب بذلك الأخبار، وكان في السرية مُحَلِّم بن جثَّامة الليثي، فمرَّ عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلَّم بتحية الإِسلام، فأمسك عنه القوم، وحمل عليه محلِّم بن جثامة فقتله وسلبه متاعه وبعيره ووطْب لبن (٢) كان معه، فلما لحقوا بالنبي ﷺ نزل فيه القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤] فمضوا فلم يلقوا جمعًا، فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خُشُب، فبلغهم أن رسول الله ﷺ قد توجَّه إلى مكة، فأخذوا على بين (٣)، حتى لقوا النبي ﷺ بالسُّقيا (٤).
стр. 417
١٦ - وفي رمضان من هذة السنة: خرج رسول الله ﷺ بجيشه من المدينة لفتح مكه .
الشرح:
عَنْ عبد الله بن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ خَرَجَ في رَمَضَانَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلى مَكَّةَ (١).
وقد تكتم النبي ﷺ الخبر وحرص على السرية التامة، حتى لا يصل الخبر لقريش فيستعدوا له.
عن عائشة ﵂ أنَّ أبا بكر دخل عليها وهي تُغربل حِنطة، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول الله ﷺ بالجهاز؟ قالت: نعم فتجهزْ، قال: وإلى أين؟ قالت: ما سمَّى لنا شيئًا، غير أنه قد أمرنا بالجهاز (٢).
واستخلف النبي ﷺ على المدينة أبا رهم كلثوم بن حُصين بن عتبة بن خلف الغفاريَّ (٣).
١٧ - وفي رمضان من هذه السنة: جاء العباس بن عبد المطلب بعياله من مكه مهاجرًا إلى المدينة، فالتقى بالنبي ﷺ بالجُحْفة .
الشرح:
قال ابن إسحاق ﵀ -:
وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق.
стр. 418
قال ابن هشام ﵀ -:
لقيه بالجحفة مهاجرًا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيمًا بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راضٍ. فيما ذكر ابن شهاب الزهري (١).
١٨ - وفي رمضان من هذه السنة: جاء مَخْرمة بن نوفل، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية، فالتقوا بالنبي ﷺ وأسلموا .
الشرح:
قد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية قد لقيا رسول الله ﷺ أيضًا بنيق العُقاب، فيما بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما- وهي أخت عبد الله بن أبي أمية- فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصهرك، قال:"لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال" فلما خرج إليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بنيّ له، فقال: والله ليأذننَّ لي أو لآخذنَّ بيد بنيَّ هذا، ثم لنذهبنَّ في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما (٢).
ولقيه مخرمة بن نوفل بنيق العُقاب أيضًا (٣).
١٩ - وفي رمضان من هذه السنة: وقبل دخول النبي ﷺ مكة أسلم أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حِزام وبُديل بن ورقاء .
الشرح:
عن عروة بن الزبير قَالَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ الله ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا،
стр. 419
خَرَجَ أبو سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بن حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بن وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَقْبَلُوَا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بنيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: مَا هَذِهِ؟ لَكَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ بُدَيْلُ بن وَرْقَاءَ: نِيرَانُ بني عَمْرٍو، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ الله ﷺ فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُم فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ الله ﷺ فَأَسْلَمَ أبو سُفْيَانَ (١).
وفي رواية: عن عروة أن حكيم بن حزام وبُديل بن ورقاء ذهبا إلى النبي ﷺ مع أبي سفيان فأسلما (٢).
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ النبي ﷺ بمَرِّ الظَّهْرَانِ، قَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ مَكَّةَ عَنْوَةً قَبلَ أَنْ يَأْتُوهُ فَيَسْتَأْمِنُوة إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ، فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: لَعَلِّي أَجِدُ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي أَهْلَ مَكَّةَ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ الله ﷺ لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ، فَيَسْتَأْمِنُوهُ فَإِنِّي لَأَسِيرُ إِذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أبي سُفْيَانَ، وَبُدَيْلِ بن وَرْقَاءَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي، فَقَالَ: أبو الْفَضْلِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: مَا لَكَ فِدَاكَ أبي وَأُمِّي؟! قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ الله ﷺ وَالنَّاسُ، قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالَ: فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبُهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَسْلَمَ، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا، قَالَ: "نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أبي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيهِ دارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ"، قَالَ: فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إلى دُورِهِمْ وإلَى الْمَسْجِدِ (٣).
فقَالَ النبي ﷺ لِلْعَبَّاسِ:"احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خطم الجبل حَتَّى يَنْظُرَ إلى
стр. 420
الْمُسْلِمِينَ"، فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ، فَجَعَلَتْ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أبي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ، قَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَذِهِ غِفَارُ، قَالَ: مَا لِي وَلِغِفَارَ، ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ، قَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بن هُذَيْمٍ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمُ، فَقَالَ: مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا، قَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بن عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بن عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ أبو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ (١)، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِي ﷺ مَعَ الزُّبَيرِ بن الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ بِأبي سُفْيَانَ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بن عُبَادَةَ؟ قَالَ رسول الله ﷺ : "مَا قَالَ؟ "، قَالَ: كَذَا وَكَذا، فَقَالَ: "كَذَبَ سَعْدٌ (٢)، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ الله فِيهِ الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ"، قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تُرْكَزَ رَايَتُة بِالْحَجُونِ (٣).
وقيل أن النبي ﷺ أخذ الراية من سعد بن عبادة فدفعها إلى ابنه قيس، ثم كلم سعد الرسول ﷺ أن يأخذ الراية من ابنه قيس مخافة أن يقع في خطأ، فأخذها منه (٤).
٢٠ - وفي رمضان من هذه السنة: بعد العصر، لما بلغ رسول الله ﷺ كُراع الغميم أفطر على راحلته ليراه الناس .
الشرح:
عَنْ جَابِرِ بن عبد الله ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتحِ إلى مَكَّةَ في
стр. 421
رَمَضانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ".
وفي رواية: أنه قِيلَ للنبى ﷺ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصرِ (١).
ولَمْ يَزَلْ النبي ﷺ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ (٢).
وعن أنس: لَمَّا اسْتَوَى النبي ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ عَلَى رَاحَتِهِ أَوْ رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إلى النَّاسِ، فَقَالَ الْمُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا (٣).
٢١ - وفي رمضان من هذه السنة: دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحًا منصورًا مؤيدًا .
الشرح:
ثم جهز النبي ﷺ جيشه استعدادًا لدخول مكة، فقسم الجيش وجعل خالد بن الوليد ﵁ على المَجنِّبة اليمنى، والزبير بن العوام ﵁ على المَجنِّبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة بن الجراح ﵁ على الرجالة الذين هم في آخر الجيش (٤).
стр. 422
ثم أمر النبي ﷺ أَبَا هُرَيْرَةَ أن يجمع له الْأَنْصَارَ، فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ، فَقَالَ النبي ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ (١)؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا"، ثم قال بيده -أي: أشار- وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ (٢).
ثم أمر النبي ﷺ خالد بن الوليد أن يأخذ بطن الوادي أسفل مكة (٣)، وقام بتوزيع الزبير بن العوام وأبا عبيدة ﵄ (٤).
وسار النَّبِي ﷺ ناحية كَدَاءٍ (٥) الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ (٦)، وواعدهم أن يوافوه عند جبل الصفا، وَقَالَ: "مَوْعِدُكُمْ الصَّفَا".
يقول أبو هريرة ﵁ فَانْطَلَقْنَا، فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا (٧).
ويُذكر أنَّ صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو جمعوا ناسًا بمكان يقال له: الخندمة؛ ليقاتلوا، وكان رجل اسمه حِماس بن قيس بن خالد يُعدُّ سلاحًا قبل دخول النبي ﷺ ويصلح منهم، فقالت له: امرأته: لماذا تُعدُّ ما أرى؟ قال لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه
стр. 423
شيء، قال: والله إني لأرجوا أنْ أُخْدمَكِ بعضهم (١)، ثم أنشد يقول:
إنْ يُقبِلوا اليوم فما لي عِلَّهْ ... هذا سلاحٌ كاملٌ وأَلَّهْ (٢)
وذو غِرارين سريع السَّلَّة (٣)
ثم شهد حِماس هذا الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل ومن معهم، فهزمهم المسلمون، وقتلوا منهم (٤)، وفرَّ حماس هذا حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي علىَّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:
إنكِ لوشهدتِ يومَ الخندمة ... إذ فرَّ صفوانُ وفرَّ عِكرمهْ
وأبو يزيد قائمٌ كالمؤتمهْ (٥) ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يَقْطَعْنَ كلَّ ساعدٍ وَجُمْجُمهْ ... ضربًا فلا يُسْمعُ إلا غَمغَمة (٦)
لهم نَهيتٌ خَلْفَنا وهَمْهَمَهْ ... لم تنطقي في اللَّوم أدنى كلمة (٧)
стр. 424
وقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلَانِ، هما: حُبَيْشُ بن الْأَشْعَرِ، وَكُرْزُ بن جابِرٍ الْفِهْرِيُّ (١).
ودَخَلَ النبي ﷺ مَكَّةَ فاتحًا منتصرًا دون أدنى مقاومة تُذكر، وَكان على رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ (٢)، وكانت رَايَةَ النبي ﷺ حين دخوله سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ (٣)، ودخل النبي ﷺ من أعلى مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَهُوَ يَقْرَأ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ (٤). وكان مُردِفًا أُسَامَةَ بن زَيْدٍ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ بن طَلْحَةَ مِنْ الْحَجَبَةِ (٥)، حَتَّى أَنَاخَ النبي ﷺ في الْمَسْجِدِ، فَأَمَرَ عثمان بن طلحة أَنْ يَأْتِيَ بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ، فَدَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ وَمَعَهُ أُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بن طلحة، فَمَكَثَ فِيهَا نَهَارًا طَوِيلاً، ثُمَّ خَرَجَ، فَاسْتَبَقَ النَّاسُ، وَكَانَ عبد الله بن عُمَرَ ﵄ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَوَجَدَ بِلَالًا وَرَاءَ الْبَابِ قَائِمًا، فَسَأَلَهُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى (٦).
стр. 425
وعن عمر ﵁ أنه صَلَّى ركْعَتَيْنِ (١).
وقام النَّبِيُّ ﷺ بالدَعَاء في نَوَاحِيهِا كُلِّهَا (٢).
ولم يدخل النبي ﷺ البيت، ولم يُصل فيه إلا بعد أن طهره من كل مظاهر الشرك، من أوثان وصور وغير ذلك.
فأمر النبي ﷺ بتحطيم الأصنام، وتطهير البيت الحرام منها، وشارك هو بنفسه في ذلك.
وَكان حَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُ مِائَةِ صنم، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ في يَدِهِ، وَيَقُولُ: "جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيد" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبى ﷺ أَتَى عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، كَانُوا يَعْبُدُونَهُ وَفِي يَدِه قَوْسٌ، وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ (٤)، فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ جَعَلَ يَطْعُنُهُ في عَيْنِهِ، وَيَقُولُ: "جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ" (٥).
وفي رواية: عن ابن مسعود أن النبي ﷺ جعل يطعنها وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا