← Сира

Сира · id 122394

الأغصان الندية شرح الخلاصة البهية بترتيب أحداث السيرة النبوية

أبو أسماء محمد بن طه

Полный текст (633 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الأغصان الندية شرح الخلاصة البهية بترتيب أحداث السيرة النبوية تأليف أبي أسماء محمد بن طه تقديم فضيلة الشيخ وحيد عبد السلام بالي حفظه الله فضيلة الشيخ الدكتور عبد الباري محمد الطاهر أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكليه دار العلوم جامعة الفيوم دار سبل السلام الفيوم دار ابن حزم القاهرة

стр. 2

دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة الطبعة الثانية رقم الايداع: ٢١١٨٤/ ٢٠١٠ ١٤٣٣ هـ / ٢٠١٢ م دار سبل السلام الفيوم

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة فضيلة الشيح وحيد عبد السلام بالي الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على عبد الله ورسوله محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: فإن المسلم يحب رسول الله ويحاول أن يعرف كل شيء عن حياته ﷺ ، ولن يتسنى له ذلك إلا بدراسة سنته والتعرف على سيرته ﷺ . أهمية متن "الخلاصة البهية ": والذي دفعني لكتابة متن "الخلاصة البهية" في ترتيب أحداث السيرة النبوية أن بعض إخواننا من طلبة العلم قد يدرس تفصيلات السيرة ولا يضبط تاريخ الحوادث كالغزوات والسرايا ونحو ذلك، فأردت أن أضع لهم مختصرًا يعينهم على التصور الكلي لمواقف وأحداث السيرة قبل الدخول في تفصيلاتها؛ وليقوم الأشبال والمبتدئون جفظها في بداية الطلب؛ لتثبت أحداثها في أذهانهم. وتكمن أهمية حفظ هذا المتن في أمور منها: ١ - معرفة تاريخ التشريع. ٢ - ضبط تواريخ الغزوات. ٣ - ضبط تواريخ السرايا.

стр. 4

٤ - ضبط تواريخ الوفود. ٥ - معرفة كُتَّاب النبي ﷺ وماذا كتبوا. ٦ - معرفة أمراؤه ﷺ والبلاد التي أَمَّرهم عليها. ٧ - معرفة رسله إلى ملوك الأرض والأماكن التي أرسلهم إليها. ٨ - معرفة مؤذنيه وأين أَذَّنوا. ٩ - معوفة كل زوجة من زوجاته ﵅ وفي أي شهر تزوجها ومتى توفيت. ١٠ - معرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا بالتاريخ. أهمية شرح "الخلاصة البهية ": ولما كانت الخلاصة متنًا مختصرًا احتاجت إلى شرح يوضح مشكلاتها ويشرح أحداثها، فاستأذنني فضيلة الشيخ / محمَّد بن طه بن شعبان -حفظه الله- في شرحها، فرحبت بالفكرة، فلما نظرت في شرحه "الأغصان الندية شرح الخلاصة البهية" وجدته شرحًا وافيًا قد عَلَّق على الأحداث تعليقًا جيدًا وذكر من أحاديث النبي ﷺ ما يناسب المقام، فجزاه الله جزاء المحسنين ورفع درجته في عليين. وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم كتبه الفقير إلى عفو ربه وحيد بن عبد السلام بن بالي مصر- كفر الشيخ- منشاة عباس ٤/ ٧/١٤٣١ هـ

стр. 5

مقدمة فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الباري محمد الطاهر الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير محمَّد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم ثم أما بعد: فقد اطلعت على هذا المؤلَّف المعنون "الأغصان الندية شرح الخلاصة البهية" للأخ محمَّد بن طه، حيث قام بالنظر المتأمل الواعي لمتن "الخلاصة البهية في ترتيب أحداث السيرة النبوية" للشيخ / وحيد بن عبد السلام بالي. فوجدت الكتاب وافر العلم، دقيق العبارات، صائب الرؤى، مرتب الأفكار، شامل أغلب أحداث السيرة. ومعلوم أن سيرة الرسول محمَّد ﷺ مَعِينٌ لا ينضب، وخير لا ينفد، وعطاء متواصل، وأن كل قلم يتعطر بالحديث عن سيرة الحبيب محمَّد ﷺ يزداد بهاء ونورًا وتشريفًا، وأن كل طالب علم يجتهد في السيرة النبوية؛ اطلاعًا، أو التزامًا، يوفَّق إلى الخير، ويقذف الله تعالى في قلبه حبه وحب رسوله ﷺ قَالَ تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. وما من شك أن الشيخ/ محمد طه قد بذل جهدًا مباركًا، أسأل الله تعالى أن يجزيه عليه خيرًا ويجزل له بهذا الجهد العطاء الوافر، والخير الزاخر. وإن طالب علم بدايته في البحث والتأليف مع سيرة الحبيب- صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم -، لخليق أن يرقى في مدارج السالكين للحق، والقاصدين الطريق المستقيم، والقائمين بأمر الله على العبادة ببصيرة وفهم.

стр. 6

وأسأل الله تعالى أن يبارك كل الجهود، ويحفظ كل الأقلام التي تحمي عرين الإِسلام، وتدافع عن خاتم الأنبياء والمرسلين، وتتخذه قدوة ومثالاً، قَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]. كتبه أ. د/ عبد الباري محمَّد الطاهر أستاذ التاريخ والحضارة الإِسلامية كلية دار العلوم- جامعة الفيوم ٥/ ١١/١٤٣١هـ

стр. 7

مقدمة المؤلف إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. في ظل هذه الغربة التي نعيشها، وفي ظل حالة الضعف هذه التي سيطرت على المسلمين، والتي تكالب فيها أعداء الإِسلام على الإِسلام والمسلمين كما تكالب الأكلة على قصعتها، وأصبح الإِسلام يُضرب من كل مكان حتى ممن هم من بني جلدتنا ويتكلمون بكلامنا ممن اختلطوا بالغرب وأشربوا منهم، فأصبحوا سهامًا مُصوَّبة للطعن في دين الله ومن يحملونه، وأصبح

стр. 8

الرويبضة يتكلم في أمر العامة، وما ذلك إلا لأنهم قُدّموا في الوقت الذي أخّر فيه العلماء العاملون الربانيون، فلا يُسمع منهم ولا يُؤئبه لهم. ثم إنه لا سبيل للخروج مما نحن فيه إلا باتباع الأوائل، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلى ما أصلح أولها. ولن يتأتى ذلك الاتباع إلا بالعلم والتعلم، وبذل الغالي والنفيس في سبيل ذلك. واعلم أخي- حفظك الله- أن النبي ﷺ أخبرنا أن الله لن ينزع العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء، إنما ينتزعه- في آخر الزمان- بقبض العلماء، حتى إذا لم يجد الناس عالمًا اتخذوا رءوسًا جهالًا فسؤلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا وهذا ما نراه الآن يحدث بين أيدينا، فإن العالم من علمائنا يموت ولا نرى من يسد فراغه، إلا بقايا من أهل العلم تركهم الله لنا نستنير بنورهم ونهتدي بهداهم، وهؤلاء وإن كانوا قلة، إلا أن بركتهم غزيرة والحمد لله. فعليك- أخي الكريم- أن تبادر وتسارع في طلب العلم وأخذه عن العلماء، ولا تكْسل. ولما كان طالب العلم في حاجة إلى دراسة سيرة الحبيب المصطفى ﷺ دراسة منهجية دقيقة؛ كي يتأسى به ﷺ ، ويستمد من خلقه وأدبه ﷺ ورحمته بالعباد، وحلمه حتى مع غير المسلم. أقول: لما كنا في حاجة إلى ذلك كله، قام فضيلة الشيخ/ وحيد بن عبد السلام بالي -حفظه الله- بوضع متن مختصر في سيرة الصادق المصدوق ﷺ ، يعين طالب العلم على دراسة سيرة النبي ﷺ دراسة تفصيلية دقيقة، بحيث إنه إذا قام بحفظ المتن حفظًا جيدًا متينًا، ثم قام بعد ذلك بدراسة شرحه دراسة متأنية دقيقة، فإنه يكون حينها قد ألمَّ بسيرة النبي ﷺ إلمامًا واسعًا،

стр. 9

وأتقنها إتقانا كبيرًا نافعًا إن شاء الله تعالى. وها هو أخي الكريم الشرح بين يديك، وإليك طريقتي في تصنيفه: ١ - قمت بشرح الحدث بما صح عن رسول الله ﷺ فيه، بحيث إنني أبحث في كتب السنة؛ فإن وقفت على حديث يشرح الحدث ويفصله اكتفيت به، وذكرته. ٢ - فإن لم يكن هذا، نظرت فيما ورد في كتب السيرة المشهورة، واتفق عليه أهل السير أو على الأقل أخذ به جمهورهم. ٣ - ثم إن كان الحديث الذي أذكره في "الصحيحين" أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليهما، وأما إن لم يكن فيهما أو في أحدهما، اجتهدت في عزوه إلى أغلب المصادر التي خرجته مع الاعتماد على تصحيح أو تحسين علماء الحديث له؛ كالشيخ الألباني، أو الشيخ أحمد شاكر - رحمهما الله تعالى. فأسأل الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله في ميزان حسناتي، وفي ميزان حسنات والديَّ وأهلي جميعًا وكل من ساعدني على إخراجه، فهو ولي ذلك والقادر عليه. وإني -إن شاء الله تعالى- مرحّب بكل ملاحظة ونقد، يصدر عن رويَّة ونظر، وليس عن تعصب وهويً، وراجع عن كل خطإٍ وقعت فيه في حياتي وبعد مماتي. كتبه أبو أسماء محمد بن طه ٤ من ربيع أول عام ١٤٣١هـ الموافق ١٨ من فبراير عام ٢٠١٠ م

стр. 10

مراحل دراسة السيرة المرحلة الأولي: مرحلة التأسيس: يقوم الدارس فيها بحفظ متن مختصر وجامع لأحداث السيرة. ونرشح في هذه المرحلة كتاب "الخلاصة البهية في ترتيب أحداث السيرة". المرحلة الثانية: مرحلة التصور: يقوم فيها بدراسة كتاب يهتم بالسرد التاريخي المسلسل لوقائع السيرة. ونرشح في هذه المرحلة كتاب "الرحيق المختوم في سيرة النبي المعصوم ﷺ ". المرحلة الثالثة: مرحلة الدراسة والتحليل: يقوم فيها بدراسة كتاب يتناول وقائع السيرة بالتحليل والاستنباط ونرشح في هذه المرحلة هذه الكتب بالترتيب: - "هذا الحبيب يا محب". - "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية". - "زاد المعاد" لابن القيم. المرحلة الرابعة: مرحلة التخصص: يقوم فيها بدراسة كل غزوة أو سرية أو واقعة على حدة بالبحث والدراسة؛ وذلك بجمع المعلومات في الحادثة الواحدة من كل ما تطوله يده من المراجع.

стр. 11

في السيرة مثل: ١ - " مغازي الواقدي". ٢ - "السيرة لابن هشام". ٣ - "الطبقات الكبرى". ٤ - "تاريخ الطبري". ٥ - "الكامل في التاريخ". ٦ - "البداية والنهاية". ٧ - "سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد". وغير ذلك من المصادر التي ستجدها في هوامش هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

стр. 12

فضل النية الصالحة إن السائر إلى الله تعالى يجتهد في ألا يعمل عملًا ولو مباحًا إلى بنية صالحة لكي يثاب عليه، فإن أكل استحضر له نية، وإن نام استحضر لذلك نية وكذلك إن باع أو اشترى، أو جالس إخوانه أو غير ذلك من الأعمال، وأعلى منه درجة من يستحضر للعمل الواحد عدة نوايا، فينال من الأجر والثواب على قدر نياته لقول النبي ﷺ : "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (١). حتى وإن لم يتمكن من تنفيذ بعض هذه النوايا لقول النبي ﷺ : "مَنْ هَمَّ بِحَسنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً" (٢). ومن هذا المنطلق ينبغي أن تستحضر عدة نوايا صالحة لدراسة السيرة النبوية العطرة، وسوف أذكر لك ما يحضرني من النوايا في ذلك، ثم أترك لك المجال لتزيد على ذلك مما يفيضه الله عليك من النوايا الصالحة، فإنني لقلة علمي وتفريطي في جنب الله، تراني مقيد اليد، عييَّ اللسان في هذا الباب، فأسأل الله الكريم أن يطلق جوارحنا في طاعته، وأن يستعملنا في مرضاته.

стр. 13

النوايا التي ينويها المسلم عند دراسة السيرة ١ - ينوي التقرب إلى الله بدراسة هذا العلم الشرعي. ٢ - ينوي معرفة أحوال الرسول ﷺ ليقتدي به. ٣ - ينوي معرفة مواقف الرسول ﷺ ليزداد له حبًا. ٤ - ينوي معرفة معجزات الرسول ﷺ ليزداد إيمانًا. ٥ - ينوي الاطلاع على مواقف النبي ﷺ في البلاء ليزداد ثباتًا. ٦ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ كداعية إلى الله. ٧ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ في معاملة المسلمين. ٨ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ كزوج في بيته. ٩ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ في عبادة ربه. ١٠ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ في حالة الغنى. ١١ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ في حالة الفقر. ١٢ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ في حالة الصحة. ١٣ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ في حالة المرض. ١٤ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الطهارة والصلاة للاقتداء به. ١٥ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الجمعة والعيدين للاقتداء به. ١٦ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الكسوف والاستسقاء للاقتداء به. ١٧ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الجنائز والدفن للاقتداء به.

стр. 14

١٨ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الاستسقاء وصلاة الخوف للاقتداء به. ١٩ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الصيام والزكاة للاقتداء به. ٢٠ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الحج والعمرة للاقتداء به. ٢١ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الهدايا والأضاحي للاقتداء به. ٢٢ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في النكاح والطلاق للاقتداء به. ٢٣ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الطعام والشراب للاقتداء به. ٢٤ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في البيع والشراء للاقتداء به. ٢٥ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الإجارة والمسابقة للاقتداء به. ٢٦ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في العارية والوديعة للاقتداء به. ٢٧ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في اللقطة والهبة للاقتداء به. ٢٨ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في القصاص والديات للاقتداء به. ٢٩ - ينوي معرفة هدي النبي ﷺ في الأيمان والشهادات للاقتداء به. ٣٠ - ينوي الاقتداء بالنبي ﷺ في معاملة المعاندين والمنافقين. ٣١ - ينوي الاقتداء بالصحابة الكرام في مواقفهم البطولية. ٣٢ - ينوي الاقتداء بالصحابة الكرام في سرعة استجابتهم لأوامر الله تعالى. ٣٣ - ينوي الاقتداء بالصحابة الكرام في سرعة استجابتهم لأوامر رسول الله ﷺ . ٣٤ - ينوي معرفة وقائع السيرة وما فيها من عبر وعظات.

стр. 15

٣٥ - ينوي معرفة حوادث السيرة وما يستنبط منها من أحكام فقهية. ٣٦ - ينوي معرفة المتقدم والمتأخر، والناسخ والمنسوخ من الأحكام. ٣٧ - ينوي الاطلاع على مناسبات الآيات التي نزلت في الغزوات ووقائع السيرة الأخرى. ٣٨ - ينوي الاطلاع على أحوال السابقين الأولين في حالة الاستضعاف للاقتداء بهم إذا حدث له ما يشابه ذلك. ٣٩ - ينوي الاطلاع على أحوال المجتمع الإِسلامي الأول من الإخاء والوفاء، والإيثار والتعاون، وصفاء القلوب ... ليقتدي بهم في ذلك. ٤٠ - ينوي الاطلاع على مواقف الصحابة الكرام في الغزوات والسرايا من الصبر والتحمل، والتضحية والفداء لهذا الدين ليقتدي بهم في ذلك. ٤١ - تنوي أن تزداد بهذا العلم لله خشية، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. ٤٢ - تنوي أن تزداد بهذا العلم عند الله رفعة لقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. ٤٣ - تنوي أن تحمل هذا العلم للناس، وتدعوهم للعمل بما فيه، لما رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا" (١). ٤٤ - تنوي أن تتخذ هذا العلم وسيلة لتعليم الناس الخير، فتنال بذلك ثناء الله واستغفار الملائكة، وكذلك استغفار الكائنات، فقد روى الترمذي وحسنه

стр. 16

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ ﷺ : "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُم". ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ، وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" (١). ٤٥ - تنوي أن تتخذ السيرة وسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكون من المفلحين، قَالَ تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ٤٦ - تنوي أن تتعاون مع إخوانك المسلمين في نقل السيرة إلى واقع عملي في الحياة. ٤٧ - تنوي أن تزداد حبًا للصحابة فتحشر في زمرتهم لقول النبي ﷺ : " الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (٢). ٤٨ - تنوي أن تتقن السيرة لترد على المشككين في رسالة سيد المرسلين ﷺ . ٤٩ - تنوي أن تُعلّم السيرة لزوجتك وأولادك، فيزدادون لله قربًا، وبالنبي ﷺ اقتداء، وللصحابة حبًا. ٥٠ - تنوي أن تعيش بروحك ووجدانك مع الرعيل الأول: "فإنهم القوم لايشقى بهم جليسهم" (٣).

стр. 17

من المولد إلى البعث

стр. 18

من المولد إلى المبعث ١ - نبينا ﷺ هو ابو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدٍّ بن عدنان . الشرح: قوله: أبو القاسم: هذه كنيته ﷺ . روى الحاكم في "مستدركه" أن النبي ﷺ قال: "أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم" (١). والقاسم أكبر أبنائه- وقيل غير ذلك-. قال ابن القيم: مات طفلا، وقيل: عاش إلى أن ركب الدابة وسار على النجيبة. اهـ (٢). قوله محمد: وهذا اسمه ﷺ . ومن أسمائه أيضًا أحمد: قال تعالى حاكيًا عن عيسى بن مريم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].

стр. 19

وكذلك من أسمائه: الماحي، والحاشر، والعاقب. عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أن النبي ﷺ قال: "أَنَا محَمَّدٌ، وَأنا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو الله بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عقبى، وَأَنَا الْعَاقِبُ" (١). ومن أسمائه أيضًا ﷺ -: المقفي (٢)، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة. عَنْ أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: "أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ" (٣). ومن أسمائه: المتوكل . عَنْ عبد الله بن عَمْرِو بن الْعَاصِ ﵄ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في الْقُرْاَنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]. قَالَ في التَّوْرَاةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِي إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عبدي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ الله حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا

стр. 20

غُلْفًا (١). قال ابن القيم: وكلها نعوت ليست أعلاما محضة لمجرد التعريف بل أسماء مشتقة من صفات قائمة به توجب له المدح والكمال. هذا وقد ذُكر للنبي- ﷺ أسماء كثيرة حتى أوصلها بعضهم إلى ألف اسم، أعرضنا عنها لضعف أدلتها وعدم ثبوتها. قوله: ابن عبد الله بن عبد المطلب ... إلخ: هذا القدر إلى عدنان هو المتفق عليه. قال ابن القيم بعد ذكر نسبه ﷺ إلى عدنان: إلى ها هنا معلوم الصحة متفق عليه بين النسابين، ولا خلاف فيه البتة. اهـ (٢). ووقع الخلاف فيما بين عدنان إلى إسماعيل، ثم فيما بين إسماعيل إلى آدم ﵉. قال ابن القيم: وما فوق عدنان مختلف فيه. اهـ (٣). وقال ابن سعد: الأمر عندنا الإمساك عما وراء عدنان إلى إسماعيل. اهـ (٤).

стр. 21

وقال البغوي في "شرح السنة": ولا يصح حفظ النسب فوق عدنان. اهـ (١). فالذي عليه أهل التحقيق أن ما فوق عدنان ضعيف لا يثبت، والثابت فقط أنه ﷺ من نسل إسماعيل ﵇ لقوله ﷺ : "إِنَّ الله اصطَفَى كِنانةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيلَ، واصطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنانَةَ، واصطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بني هاشِمٍ، واصطَفانِي مِنْ بني هاشِمٍ" (٢). فضعف ما بين النبي ﷺ إلى إسماعيل-﵇ لا يعني ضعف نسبه إليه، بل هو صحيح ثابت كما دلّ عليه الحديث. فضل نسب النبي ﷺ -: عن واثلة بن الْأَسْقَعِ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله اصطَفَى كِنانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْماعِيلَ، واصطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنانَةَ، واصطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بني هاشِمٍ، واصطَفانِي مِنْ بني هاشِمٍ" (٣). وقد أقر أبو سفيان وهو لم يزل على الكفر بفضل نسب النبي ﷺ حينما سأله هرقل عن نسبه ﷺ فقال: هو فينا ذو نسب (٤). ٢ - ولد ﷺ يتيمًا يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من عام الفيل . الشرح: ولد النبي ﷺ يتيمًا فقد توفي أبوه وهو حمل ﷺ وهو الراجح.

стр. 22

قال ابن القيم: واختُلِف في وفاة أبيه عبد الله، هل توفي ورسول الله ﷺ حمل، أو تُوفي بعد ولادته؟ على قولين: أصحهما: أنه توفي ورسول الله ﷺ حَمْلٌ (١). وقال ابن سعد بعد ما ذكر أقوالًا كثيرة في تاريخ وفاة عبد الله: والأول أثبت أنه توفي ورسول الله ﷺ حمل. اهـ (٢). وقيل توفي عبد الله وهو في الخامسة والعشرين من عمره. قوله: يوم الاثنين: روي الإمام مسلم عَنْ أبي قَتادَةَ أن النبي ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ قالَ: "ذَلكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ" (٣). قوله: لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول: قال الشيخ الألباني: وأما تاريخ يوم الولادة، فقد ذُكر فيه وفي شهره أقوال ذكرها ابن كثير في الأصل، وكلها معلقة بدون أسانيد يمكن النظر فيها ووزنها بميزان علم مصطلح الحديث؛ إلا قول من قال: إنه في الثامن من ربيع الأوّل فإنه رواه مالك وغيره بالسند الصحيح عن محمَّد بن جبير بن مطعم، وهو تابعي جليل، ولعله لذلك صحح هذا القول أصحاب التاريخ واعتمدوه، وقطع به الحافظ

стр. 23

الكبير محمَّد ابن موسى الخوارزمي، ورجحه أبو الخطاب ابن دحية والجمهور على أنه في الثاني عشر منه. والله أعلم. اهـ (١). قوله: من عام الفيل: روى الحاكم في "مستدركه" عن ابن عباس، ﵁ قال: (ولد النبي ﷺ في عام الفيل) (٢). وسمي بعام الفيل لوقوع حادثة الفيل المشهورة فيه، والتي قاد فيها أبرهة الأشرم ابن الصباح الحبشي، نائب النجاشي على اليمن، بفيله العظيم جيشه العرمرم لهدم الكعبة المشرفة بيت الله الحرام. ولكن هيهات هيهات، فما قوة أبرهة بفيله العظيم وجيشه العرمرم الكبير بجوار قوة العلي القدير، إلا كقشة ضعيفة تتقاذفها أمواج عظيمة، بل هي أضعف. فالله تعالى هو الذي خلقهم وهو الذي أعطاهم هذه القوة فهم لا يعجزونه. فما أن وصل أبرهة إلى وادي محسِّر بين مزدلفة ومني حتى برك الفيل وعجز عن الحركة إلا لوجهة أخرى غير وجهة الكعبة، وهنالك أرسل عليهم رب البيت طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول. وحكى الله تعالى ما نزل بهم من عذاب في كتابه العزيز فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ

стр. 24

كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥]. وقال نُفيل بن حبيب حين نزل بهم العذاب: أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب وقد ذكر القصة كاملة الإمام الطبري في تفسير سورة الفيل. ٣ - يقول ﷺ "أنا دَعوةُ إبراهيمَ، وبشرىَ عيسَى، رأت أمِّي حين حملت بي كأن نورًا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام " (١). الشرح: قوله: أنا دعوة إبراهيم: حيث دعا إبراهيم ﵇ ربه بأن يبعث في العرب رسولًا منهم فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ [البقرة: ١٢٩]. قوله: وبشرى عيسى: وبشر به عيسى بن مريم ﵇ فقال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الصف: ٦].

стр. 25

قوله: رأت أمي حين حملت بي كأن نورًا يخرج منها أضاءت له قصور بُصرى من أرض الشام: هذا لفظ الحاكم، وابن إسحاق، أما لفظ ابن سعد ففيه: رأت أمي كأنه خرج منها نورٌ أضاءت منه قصور الشام. ولذلك اختُلِف في وقت خروج هذا النور، أكان عند الحمل أم عند الولادة؟. وفسر ابن رجب الحنبلي هذا النور بأنه إشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك منها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. اهـ (١). وقال ابن كثير: وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه ونبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: "لا تَزالُ طائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي ظاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُم ولا من خالفهم حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ الله وَهُمْ كَذَلِكَ" وفي "صحيح البخاري" (وهم بالشام). اهـ (٢). ومما وقع في يوم مولده أيضًا ما رواه ابن إسحاق عن حسان بن ثابت

стр. 26

قال: والله إني لغلام يفعة (١) ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهوديًا يصرخ بأعلى صوته على أطمة (٢) يثرب: يا معشر يهود حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ما بك؟! قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به (٣). هذا ما صح من الآيات التي حدثت يوم ولادته ﷺ ولا يصح بعد ذلك شيء. قال الألباني: ذكر ارتجاس الإيوان، وسقوط الشرفات، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، وغير ذلك من الدلالات ليس فيه شيء (٤). ٤ - ومرضعته ﷺ هي حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، ولقد ظهر بوجوده عندها من البركات ما ظهر . الشرح: لقد ثبت رضاع النبي ﷺ من حليمة السعدية بأحاديث صحيحة منها: ما أخرجه الحاكم في "مستدركه" عن عتبة بن عبد السلمي: أن رجلًا سأل النبي ﷺ كيف كان شأنك يا رسول الله؟ قال: "كانَتْ حاضِنَتِي مِنْ بني سَعْدِ بن

стр. 27

بَكْرٍ ... الحديث" (١) وبنو سعد بن بكر هم قوم حليمة السعدية. وحديث عبد الله بن جعفر الذي يرويه عن حليمة السعدية والتي تحكي فيه ما ظهر من بركاته ﷺ ، حيث قالت: خرجت مع زوجي وابن لي صغير في نسوة من بني سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء. قال: وذلك في سنة شهبًا (٢). لم تُبصر لنا شيئًا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء (٣) ومعنا شارف (٤) لنا، والله ما تبضُّ (٥) بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجوا الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك، فلقد أذمَّت (٦) بالركب حتى شق ذلك عليهم، ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا كنا نرجوا المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت إليه وأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي

стр. 28

إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل (١) فحلب منها فشرب وشربت معه حتى انتهينا ريًا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك! أربعي (٢) علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها شأنًا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليَّ حين قدمنا به معنا شباعًا لُبَّنًا (٣) فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبضُّ بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنا. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتان وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا (٤). قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرص على مكثه فينا، لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه، وقلت لها: لو تركت ابنك عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا (٥). واخُتلف في صحة هذا الحديث بين المحدثين، فمن مصحح له ومضعف، كابن عساكر حيث قال: هذا حديث غريب جدًا وفيه ألفاظ ركيكة لا

стр. 29

تشبه الصواب، وكذلك أعرض عنه الألباني في "صحيح السيرة" فلم يذكره، أما الذهبي فقال: هذا حديث جيد الإسناد (١). وقد أرضعته أيضًا ﷺ ثويبة مولاة أبي لهب وكان ذلك قبل ذهابه إلى السعدية. روي الإمام البخاريُّ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ﵂ قالَتْ: يا رَسُولَ الله أَنْكِح أُخْتِي بنتَ أبي سُفْيانَ، فَقالَ: "أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ (٢) وَأَحَبُّ مَنْ يشارِكُنِي في خَيْرٍ أُخْتِي قالَ النَّبِي ﷺ : "إِنَّ ذلك لا يحل لِي"، فَقُلْتُ: فإِنّا نَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بنتَ أبي سَلَمَةَ. قالَ: "بِنْتُ أمِّ سَلَمَةَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَم. فَقالَ: "واللهِ لَوْلا أَنَّها لم تكن رَبِيبَتِي في حَجْرِي ما حَلَّتْ لِي، إِنَّها لابْنَة أَخِي مِنْ الرَّضاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بناتِكُنَّ وَلا أَخَواتِكُنَّ". قالَ عُرْوَةُ: وثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لِأبي لَهَبٍ كانَ أبو لَهَب أَعْتَقَها فَأَرْضَعَتْ النَّبِي ﷺ ، فَلَمّا ماتَ أبو لَهَب أُرِيَهُ بَعْضُ أَهلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قال لَهُ: ماذا لَقِيتَ؟ قالَ أبو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْر أَنِّي سُقِيتُ في هَذِهِ بِعَتاقَتِي ثُوَيْبَةَ (٣). ٥ - ولما بلغ ﷺ أربع سنوات أتاه ملكان فشقا صدره وغسلا قلبه ثم أعاداه . الشرح: روى الإمام مسلم في "صحيحه": أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فاسْتَخْرَجَ مِنْهُ

стр. 30

عَلَقَةً، فَقالَ: هَذِهِ حَظُّ الشَّيْطانِ مِنْكَ، ثم غَسَلَهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعادَهُ في مَكانِهِ، قالَ وَجاءَ الْغِلْمانُ يَسْعوْنَ إلى أُمِّهِ -يَعْنِي: ظِئْرَهُ- فَقالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ. قالَ أَنَسٌ: وَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ في صَدْرِهِ (١). قال ابن سعد: وكان عمره حينها أربع سنوات (٢). وروى الحاكم في "مستدركه": عَنْ عُتْبَةَ بن عبد السُّلَمِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبي ﷺ : كَيفَ كانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "كانَتْ حاضِنَتِي مِنْ بني سَعْدِ بن بَكْرٍ، فانْطَلَقْتُ أَنا وابْنٌ لَها في بَهْمٍ لَنا وَلَمْ نَأخُذْ مَعَنا زادًا، فَقُلْتُ: يا أَخِي اذْهَبْ فَأتِنا زادًا مِنْ عِنْدِ أُمِّنا، فانْطَلَقَ أَخِي وكنت عِنْدَ الْبَهْمِ، فأَقْبَلَ طَيْرانِ أَبْيَضانِ كأَنَّهُما نَسْرانِ، فَقالَ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قالَ: نَعَم، فأَقْبَلا يَبْتَدِرانِي، فأَخَذانِي فَبَطَحانِي للْقَفا فَشَقّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجا قَلْبِي فَشَقّاهُ، فأَخْرَجا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ سَوْداوَيْنِ، فَقالَ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ: حِصْهُ -يعني: خطه- واخَتَتمَ عَلَيْهِ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَقالَ أَحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اجْعَلْهُ في كِفَّةٍ واجْعَلْ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِهِ في كِفَّةٍ، فَإذا أَنا أَنْظُرُ إلى الْأَلْفِ فَوْقِي أُشْفِقُ أَنْ يَخِرَّ عَلَيَّ، فَقالا: لَوْ أَنَّ أُمَّتَهُ وُزِنَتْ بِهِ لَمالَ بِهِمْ، ثُمَّ انْطَلَقا وَتَرَكانِي، وَفَرِقْتُ فَرَقًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ إلى أُمِّي فأَخْبَرْتُها بِالَّذِي لَقِيتُهُ فأَشْفَقَتْ أَنْ يَكُونَ التبس بِي، فقالَتْ: أُعِيذُكَ بالله, فَرَحَلَتْ بَعِيرًا لَها فَجَعَلَتْنِي عَلَى الرَّحل وَرَكِبَتْ خَلْفِي حَتَّى بَلَغْنا أُمِّي، فَقالَتْ: أَو أَدَّيْتُ أَمانَتِي وَذِمَّتِي، وَحَدَّثَتْها بِالَّذِي لَقِيتُ، فَلَمْ يَرُعْها ذَلِكَ، فَقالَتْ: إِنِّي

стр. 31

رَأَيْتُ خَرَجَ مِنِّي نُورًا أَضاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشّامِ" (١). ٦ - ولما بلغ ﷺ ست سنوات ماتت أمه بالأبواء بين مكة والمدينة فكفله جده عبد المطلب . الشرح: قال ابن إسحاق: توفيت آمنة ورسول الله ﷺ ابن ست سنين بالأبواء (٢)، بين مكة والمدينة: كانت قد قدمت به على أخواله من بني عديّ بن النجار، تُزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة. قال ابن القيم: ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة بالأبواء منصرفها من المدينة من زيارة أخواله، ولم يستكمل إذ ذاك سبع سنين (٣). فكان رسول الله ﷺ مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له. قال: فكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأي ذلك منهم: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنًا؛ ثم يجلسه معه

стр. 32

على الفراش، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع (١). ٧ - ولما بلغ ﷺ ثماني سنوات توفي جده عبد المطلب. وكفله عمه أبو طالب . الشرح: فلما بلغ رسول الله ﷺ ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم، وذلك بعد عام الفيل بثماني سنين (٢). فكان رسول الله ﷺ بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد المطلب -فيما يزعمون- يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأنّ عبد الله أبا رسول الله ﷺ وأبا طالب أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائز بن عبد بن عمران بن مخزوم (٣). ٨ - ولما بلغ ﷺ الثانية عشرة خرج به عمه أبو طالب إلى الشام، فلما بلغوا بصرى رآه بحيراء الراهب، فتحقق فيه صفات النبوة فأمر عمه برده، فرجع به . الشرح: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قالَ: خَرَجَ أبو طالِبٍ إلى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِي ﷺ في أَشْياخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمّا أَشْرَفُوا عَلَى الرّاهِب، وَكانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، وَلا يَلْتَفِتُ. قالَ: فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمْ الرّاهِبُ حَتَّى جاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ الله ﷺ فقالَ: هَذا سَيِّدُ الْعالَمِينَ،

стр. 33

هَذا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ، يَبْعَثُهُ الله رَحمَةً لِلْعالَمِينَ، فَقالَ لَهُ أَشْياخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: ما عِلْمُكَ، فَقالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلا حَجَرٌ إِلّا خَرَّ ساجِدًا وَلا يَسْجُدانِ إِلّا لِنَبِيٍّ، وإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعامًا، فَلَمّا أَتاهُمْ بِهِ وَكانَ هُوَ في رِعْيَةِ الْإِبِلِ، قالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنا مِنْ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوة إلى فَيءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مالَ فَيءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقالَ: انْظُرُوا إلى فَيءِ الشَّجَرَةِ مالَ عَلَيْهِ، قالَ: فَبَيْنَما هُوَ قائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُناشِدُهُمْ أَنْ لا يَذْهَبُوا بِهِ إلى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِذا رَأَوْه عَرَفوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، فالْتَفَتَ فَإِذا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ الرُّومِ فاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقالَ: ما جاءَ بِكمْ؟ قالُوا: جِئْنا إِنَّ هَذا النَّبِيَّ خارِجٌ في هَذا الشَّهْرِ، لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُناسٍ، وإِنّا قَدْ أُخْبِرْنا خَبَرَهُ بُعِثْنا إلى طَرِيقِكَ هَذا، فَقالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قالُوا: إِنَّما أُخْبِرْنا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذا. قالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرادَ الله أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ النّاسِ رَدَّهُ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَبايَعُوهُ وَأَقامُوا مَعَهُ، قالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قالُوا: أبو طالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُناشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أبو طالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أبو بَكْرٍ بِلالًا، وَزَوَّدَهُ الرّاهِبُ مِنْ الْكَعْكِ والزَّيْتِ (١). قال الذهبي (٢): تفرد به قُراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة، احتج به البخاري،

стр. 34

والنسائيُّ، ورواه الناس عن قراد، وحسنه الترمذي، ثم قال: وهو حديث منكر جدًا، وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد، وأيضًا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة؟ لأنّ ظل الغمامة يعدم فيء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النبي ﷺ ذكَّر أبا طالب قط بقول الراهب، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياخ مع توافر همهم ودواعيهم على حكايته مثل ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أيّما اشتهار، وبقي عنده ﷺ حسٌ من النبوة، ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولًا بغار حراء وأتى خديجة خائفًا على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه وأيضًا فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب ورده كيف كانت تطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجرًا لخديجة؟ وفي الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية، مع أن ابن عائز قد روى معناه في مغازيه دون قوله. وبعث معه أبو بكر بلالًا ... إلى آخره. فقال حدثنا الوليد بن مسلم أخبرني أبو داود سليمان بن موسى فذكره بمعناه. اهـ. وقد أنكر أيضًا ذكر بلال فيها ابن سيّد الناس (١)، وابن القيم (٢). قال الألباني (٣): وإعلال الحديث بأن فيه ذكر أبي بكر وبلال، وكان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشر، إنما هي دعوى مبنية على أن عمره ﷺ يومئذ ثنتا عشرة سنة، وهذا غير محفوظ، فإنه إنما ذكره مقيدًا بهذا الواقدي كما قال المؤلف

стр. 35

والواقدي متروك متهم، فمن الممكن أن تكون القصة وقعت بعد ذلك بسنين، فلا يجوز إعلالها بمثل قول الواقدي المنكر (١). وذكر ابن عساكر أن بحيري كان يسكن قرية يقال لها (الكَفْر) بينها وبين بصرى ستة أميال، وهي التي يقال لها (دير بحيري) قال: ويقال إنه كان يسكن قرية يقال لها: منفعة بالبلقاء وراء زيرا. والله أعلم (٢). ٩ - ولمّا بلغ ﷺ الخامسة عشرة كانت حرب الفجار بين قريش وهوازن . الشرح: وقعت حرب الفجار بين كنانة ومعهم قريش وبين هوازن. ولم يأت خبر مسند صحيح باشتراك النبي ﷺ في هذه الحرب إلا ما ذكره ابن هشام في سيرته بدون إسناد أن النبي ﷺ قال: "كنت أنبل على أعمامي" وهو خبر لا يصح إذ ليس له إسناد. واختُلف في عمر النبي ﷺ وقت نشوب هذه الحرب. فقال ابن هشام: كان عمره ﷺ أربع عشرة سنة، أو خمس عشرة سنة. وقال ابن إسحاق: كان ابن عشرين سنة. وقيل عشر سنين وذلك لما ذُكر بأن بين الفجار وبين بنيان الكعبة خمس عشرة سنة وبين بناء الكعبة والمبعث خمس عشرة سنة كذلك فيكون عمره ﷺ حينها عشر سنين.

стр. 36

سبب الحرب: قال ابن هشام: وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أجار لطيمة (١) للنعمان بن المنذر فقال له البراض بن قيس، أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد منات بن كنانة: أتجيرها على كنانة، قال: نعم، وعلى الخلق كله، فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته، حتى إذا كان بتَيمَن ذي الطلال (٢) بالعالية، غفل عروة، فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمي الفجار (٣). اشتعال المعركة: فكان قتل البراض لعروة إيذانًا باشتعال الحرب بين الفريقين. حيث (أتى آت قريشًا فقال: إن البراض قد قتل عروة، وهم في الشهر الحرام بعكاظ، فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم، ثم بلغهم الخبر فأتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى جاء الليل، ودخلوا الحرم، فأمسكت عنهم هوازن، ثم التقوا بعد هذا اليوم أيامًا، والقوم متساندون (٤) على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم -وقيل كان قائد قريش وكنانة حرب بن

стр. 37

أمية بن عبد شمس- وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم. وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس (١). الصلح بين الفريقين: قال السهيلي: وكان آخر الفجار أن هوازن وكنانة تواعدوا للعام القابل بعكاظ، فجاءوا للوعد وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة، وكان عتبة بن ربيعة يتيمًا في حجره، فضنَّ به حرب، وأشفق من خروجه معه، فخرج عتبة بغير إذنه، فلم يشعروا إلا وهو على بعيره بين الصفين ينادي: يا معشر مضر، علام تتقاتلون؟ فقالت له هوازن: ما تدعو إليه؟ فقال: الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم ونعفوا عن دمائنا، قالوا: وكيف؟ قال: ندفع إليكم رهنًا منا، قالوا: ومن لنا بهذا؟ قال: أنا، قالوا: ومن أنت؟ قال: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فرضيت كنانة ورضوا، ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلًا فيهم حكيم بن حزام، فلما رأت بنو عامر ابن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم، وانقضت حرب الفجار، وكان يقال لم يَسُدْ من قريش مملق (٢) إلا عتبة وأبو طالب بن عبد المطلب فإنهما سادا قريشًا مع الفقر .... اهـ (٣). ١٠ - ثم شهد ﷺ حلف الفضول لنصرة المظلوم . الشرح: روى الإمام أحمد، عَنْ عبد الرَّحمنِ بن عَوْفٍ: أن النَّبِي ﷺ قالَ: "شَهِدْتُ

стр. 38

حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنا غُلامٌ، فَما أُحِبُّ أَن لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ" (١). وقام بعقد حلف الفضول نفس العشائر التي عقدت حلف المطيبين. ولذلك قال النبي ﷺ : "حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ". ولا يصح أن النبي ﷺ اشترك في الحلفين والدليل على ذلك أن النبي ﷺ صرح في بعض النصوص بأنّه لم يشهد للمشركين سوى حلف واحد وقال: ما شهدت حلفًا لقريش إلا حلف المطيبين. قال ابن كثير: وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول، وأن النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيبين، قلت: هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشًا تحالفوا بعد موت قصي، وتنازعوا في الذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار في السقاية والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد الدار وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش، وتحالفوا على النصرة لحزبهم، فأحضر أصحاب بني عبد مناف جَفنة فيها طيب، فوضعوا أيديهم فيها، وتحالفوا، فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت، فسموا المطيبين، وكان هذا قديمًا، ولكن المراد بهذا الحلف، حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان .... اهـ (٢). ثم أن حلف المطيبين القديم لا يحمل من معاني الانتصار للعدالة مثل

стр. 39

حلف الفضول الذي شارك فيه الرسول ﷺ . اهـ (١). سبب انعقاد حلف الفضول: قال ابن كثير: وكان سببه أن رجلًا من زبيد قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف، عبد الدار، ومخزومًا، وجمعًا، وسهمًا، وعديّ بن كعب، فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل، وزبروه -أن انتهروه - فلما رأى الزبيدي الشر، أوفى على أبي قُبيس (٢) عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فنادى بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلومٍ بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفرِ ومحرمٍ أشعثٍ لم يقض عُمْرته ... يا للرجال وبين الحِجْرِ والحَجَرِ إنَّ الحرام لمن تسَّمت كرامته ... ولا حرامَ لثوب الفاجر الغُدَرِ فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب، وقال ما لهذا مترك، فاجتمعت هاشم، وزهرة، وتيم بن مرة، في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعامًا، وتحالفوا في ذي القعدة، في شهر حرام، فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بلَّ بحرٌ صوفةً وما رسا ثَبيْرٌ وحراءُ مكانهما، وعلى التأسي في المعاش، ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فردوها إليه.

стр. 40

وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك: حَلَفْتُ لنعقدنْ حلفًا عليهم ... وإن كنا جميعًا أهل دارِ نسميه الفضولَ إذا عقدنا ... يعز به الغريب لذي الجوار ويعلم من حوالي البيت أنَّا ... أُباهُ الضيم نمنع كلَّ عارِ (١) وقال أيضًا: إن الفضولَ تعاقدوا وتحالفوا ... ألاَّ يقيم ببطن مكة ظالمُ أمرٌ عليه تعاقدوا وتواثقوا ... فالجارُ والمعترُّ (٢) فيهم سالم (٣) سبب تسميته بحلف الفضول: قال ابن كثير: فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر .... اهـ (٤). وقيل سمي بذلك لأن الداعي إليه ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم فضل وهم: الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، والفضل بن الحارث، وقيل هم: الفضيل بن شُراعة، والفضل بن وداعة، والفضل بن قضاعة (٥).
следующие страницы →