عروة رائد مدرسة المغازي، وهو إنما يروي عن الصحابة في الغالب. وخلاصة رواية عروة أن حصار الشعب وقع بعد فشل قريش في استعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، حيث أهاجها الأمر واشتد البلاء على المسلمين، وعزمت قريش أن تقتل رسول الله ﷺ ، فأجمع بنو عبد المطلب أمرهم على أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ويحموه فيه، فدخلوا الشعب جميعاً مسلمهم وكافرهم، وأجمع المشركون أمرهم على أن لا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله للقتل، وكتبوا في ذلك صحيفة فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد والجوع، فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من قريش على ما حدث وأجمعوا على نقض الصحيفة، وقد أعلمهم الرسول بأنه لم يبق فيها سوى كلمات الشرك والظلم (١). وهكذا انتهت المقاطعة.
أما رواية موسى بن عقبة فتذهب إلى أن المشركين أخرجوا بني هاشم من مكة إلى الشعب، فأمر رسول الله المسلمين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، فيكون حصار الشعب والهجرة إلى الحبشة قد وقعا في وقت متقارب.
وقد ذكر الزهري أن عمر الرسول ﷺ كان - حين الخروج من الشعب - تسعا وأربعين سنة، وكان خروجهم في السنة العاشرة، وأنهم مكثوا في الشعب سنتين (٢)، ويقال: إن رجوع من كان مهاجراً بالحبشة إلى مكة كان بعد الخروج
стр. 177
من الشعب (١). وعلى ذلك يكون حصار الشعب قد بدأ في آخر العام السابع من البعثة.
لقد دعا رسول الله على قريش فحدثت فيهم مجاعة حتى أكلوا الميتة والجلود، فجاء أبو سفيان يسأل رسول الله أن يدعوا لهم ويناشده الرحم، فقرأ الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ , وكان الرجل يرى ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان. فدعا رسول الله ﷺ ربه فكشف عنهم العذاب، فعادوا إلى الكفر (٢).
وفاة أبي طالب وخديجة ﵂:
ما إن غادر بنو هاشم شعب أبي طالب حتى أصيب رسول الله ﷺ بوفاة عمه أبي طالب - واسمه عبد مناف - وذلك في آخر السنة العاشرة من المبعث (٣)، وقد كان أبو طالب "يحوط النبي ويغضب له" (٤) و "ينصره" (٥)، وكانت قريش تحترمه، وقد جاء زعماؤها حين حضرته الوفاة، فحرضوا أبا طالب على الاستمساك بدينه وعدم الدخول في الإسلام قائلين: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وعرض عليه رسول الله الإسلام قائلا: قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فقال أبو طالب: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون إنما حمله عليها
стр. 178
الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)(٢).
لقد كانت أفكار الجاهلية راسخة في عقل أبي طالب، ولم يتمكن من تغييرها، فهو شيخ كبير يصعب عليه تغيير فكره وما ألفه عن آبائه، وكان أقرانه حاضرين وقت احتضاره فأثروا عليه خوفاً من شيوع خبر إسلامه وتأثير ذلك على قومه.
وأما ما نقله ابن إسحاق من أن العباس نظر إلى أبي طالب يحرك شفتيه، فقال لرسول الله: يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله ﷺ : لم أسمع. فهو خبر لا يصح (٣).
وعلى أية حال فإن موته أفقد رسول الله ﷺ سنداً كبيراً، فلم يعد بنو هاشم مستعدين بعده لتقديم نفس القدر من الحماية لما يصيبهم من أضرار مادية ونفسيه كما تبين من حادثة المقاطعة (٤).
وقد تجلى ذلك في رحلة النبي إلى الطائف طلباً للنصرة ثم استمراره في طلب النصرة من القبائل الأخرى بعد إخفاق محاولة الطائف.
стр. 179
وقد وعد رسول الله أبا طالب بأن يستغفر له الله مالم ينه عن ذلك، فنهاه الله تعالى بعد حين من أواخر العهد المدني عن الاستغفار للمشركين ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (١).
أما خديجة بنت خويلد ﵂ فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين (٢) في نفس عام وفاة أبي طالب.
رحلته إلى الطائف:
إن الرحلة إلى الطائف كانت على أثر اشتداد مقاومة قريش للدعوة عقب وفاة أبي طالب، فسعى رسول الله ﷺ لإيجاد مركز جديد للدعوة، وطلب النصرة من ثقيف، لكنها لم تستجب له وأغرت به صبيانها فرشقوه بالحجارة. وفي طريق عودته من الطائف التقى بعداس الذي كان نصرانياً فأسلم. وأرخ الواقدي الرحلة من شوال سنة عشر من المبعث بعد موت أبي طالب وخديجة، وذكر أن مدة إقامته بالطائف كانت عشر أيام (٣).
وسائر هذه التفاصيل أوردها كتاب المغازي (٤)، ولكن لم ترد رواية صحيحة فيها سوى أن عائشة ﵂ سألت رسول الله: هل أتى عليك يوم كان
стр. 180
أشد من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (١)، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال (٢)، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا بقرن الثعالب (٣)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليكم، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ (٤).
فقال له رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً" (٥).
وهذه الرواية تكفي لإثبات الحادث من حيث وقوع الرحلة، ورد أهل الطائف عليه بشدة وما عرض عليه من عقوبتهم، ورحمته بهم ورغبته باستبقائهم، وأخيراً ذكرى الرحلة الأليمة في نفسه رغم مرور السنوات.
وأما دعاؤه على ثقيف بقوله (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ... إلخ) ولقاؤه بعداس فلم يثبت من طريق صحيحة (٦).
стр. 181
أسانيد قصة عداس
البيهقي
: الزهري (مرسلا)
: موسى بن عقبة (مرسلا)
محمد بن إسحق (مرسلا)
وهذه المراسيل لا تقوى ببعضها إذ الظاهر أن مخرجها واحد لأن ابن إسحاق وموسى بن عقبة تلميذان للزهري.
стр. 182
الإسراء والمعراج:
بعد رحلة الطائف الأليمة، وقع حادث الإسراء والمعراج، فكان مواساة لرسول الله ﷺ . وقد أرخ الزهري ذلك قبل خروجه إلى المدينة بسنة (١). وحادث الإسراء والمعراج ثابت بنص القرآن قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).
وقد صحت الروايات في قيام جبريل ﵇ بشق صدر الرسول ﷺ وغسله من ماء زمزم، وإفراغ الحكمة والإيمان في صدره.
ففي الصحيحين عن أنس قال: "كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال:"فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا ... " (٣).
стр. 183
وقد وردت روايات أخرى صحيحة تفيد أن الرسول ﷺ كان في المسجد الحرام، أو في الحطيم أو الحجر بالذات من المسجد الحرام حين شق صدره وغسل قلبه (١)، ويمكن الجمع بأنه كان في بيته ثم جاء به جبريل إلى المسجد الحرام (٢). فالرواية التي سقتها تفيد بأن الغسل تمَّ بماء زمزم، وهو في المسجد الحرام، وقد تبيَّن الشرَّاح أن الحكمة في شق الصدر وملء قلبه إيماناً وحكمةً استعداداً للإسراء به تظهر في عدم تأثر جسمه بالشق وإخراج القلب مما يؤمنه من جميع المخاوف العادية الأخرى. ومثل هذه الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لمقدرة الله تعالى التي لا يستحيل عليها شيء (٣).
وقد أنكر ابن حزم الظاهري والقاضى عياض وقوع الشق ليلة الإسراء وادعى أن ذلك تخليط من شريك - في إسناد البخاري - وليس كذلك، فقد ثبت وقوع شق الصدر في الإسراء والمعراج في الصحيحين من غير طريق شريك (٤).
стр. 184
وبعد أن فرغ الملكان من شق صدره وغسله ولأمه أسرى به إلى بيت المقدس على البراق (١) حيث صلَّى بالأنبياء فيه، ووصفهم هيآتهم (٢). ثم عرج به إلى السماء السابعة ماراً ببقية السموات الست ملتقياً بالأنبياء آدم ويوسف وإدريس وعيسى ويحيى بن زكريا وهارون وموسى وإبراهيم.
وقد سمع صريف أقلام الملائكة، وفرضت عليه الصلاة خمسين صلاة ثم خففت إلى خمس صلوات (٣).
وقد وصف سدرة المنتتهى بأن نبقها مثل الجرار، وورقها مثل آذان الفيلة (٤).
ووصف البيت المعمور في السماء السابعة وما يدخله من الملائكة (٥).
ووصف نهر الكوثر في الجنة وأن حافتيه قباب اللؤلؤ مجوف وطينه مسك أذفر (٦).
وقد سئل رسول الله ﷺ إن كان قد رأى ربه فقال: نور أنى أراه (٧)!.
ووصف ما رآه من أنهار الجنة وهي أربعة أنهار؛ اثنان باطنان في الجنة, واثنان ظاهران وهما النيل والفرات (٨).
ووصف رؤيته لجبريل لما دنا منه وإن له ستمائة جناح وإليه تشير الآية ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ إلى قوله ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٩).
стр. 185
ورأى في المعراج عذاب الذين يغتابون الناس فإذا لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم (١).
وقد أتاه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذ اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة (٢).
وقد وردت قصة الإسراء والمعراج مفصلة طويلة من طريق ضعيفة متونها تشبه أخبار القصاص (٣).
وعندما أخبر رسول الله قومه بما وقع معه من الإسراء والمعراج صدقه المؤمنون وكذبه المشركون، قال رسول الله ﷺ : "لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط.
قال: "فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا نبأتهم به" (٤)، لقد افتتن المشركون فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً، ولكنهم
стр. 186
اضطروا للاعتراف بصحة وصفه لمسجد بيت المقدس (١).
وقد صح أن بعض المسلمين ارتدوا، وأن أبا بكر ﵁ قال للمشركين عندما أخبروه بخبر الإسراء والمعراج: لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم. إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق (٢).
ويمكن القول بأن حادثة الإسراء كانت تطميناً ومواساةً لرسول الله، وفتنة للكافرين الذين زاد عنادهم وكفرهم، ولبعض ضعفاء الإيمان ممن زلزل الحادث إيمانهم، فكفروا ولم يعودوا إلى حظيرة الإيمان حتى قتلوا (٣).
وقد تأول البعض حادث الإسراء والمعراج فزعم أنه رؤيا منامية، ومنهم من زعم أنه بالروح وليس بالجسد، والصواب كما ثبت عن ابن عباس أنه رؤيا عين بالروح والجسد. قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٤).
وهذا هو رأي جمهور العلماء أن الإسراء كان يقظة بروحه وجسده، مرة واحدة (٥). وأن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة (٦).
стр. 187
الطواف على القبائل طلبا للنصرة:
لم يدع رسول الله ﷺ فرصة للاجتماع بالناس وتبليغهم الدعوة - تفوته، وخاصة في موسم الحج عندما تقبل القبائل إلى مكة، قال ربيعة بن عباد الدؤلي - وهو شاهد عيان -: "رأيت رسول الله ﷺ بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله ، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: "أيها الناس لا يغرنَّكم هذا دينكم ودين آبائكم. قلت: من هو؟ قالوا هذا أبو لهب" (١).
ومما خاطب به الناس في ذي المجاز: (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وكان الناس يزدحمون عليه غير أنهم لا يقولون شيئاً، وهو لا يسكت بل يكرر دعوتهم. وأبو لهب يصيح: إنه صابيء كاذب (٢) يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى (٣).
ومما خاطب به رسول الله ﷺ الناس في الموقف: هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ؟؟ فأتاه رجل من همدان. فقال: من أنت؟ فقال الرجل: من همدان.
стр. 188
قال: فهل عند قومك من منعة؟
قال: نعم
ثم إن الرجل خشي أن يخفره قومه. فأتى رسول الله ﷺ فقال: آتيهم فأخبرهم، ثم آتيك من عام قابل.
قال: نعم
فانطلق. وجاء وفد من الأنصار في رجب (١).
وهذا يدل على أن الحادثة جرت في العام الحادي عشر من البعثة فإن الأنصار قدموا في العام الحادي عشر من البعثة حيث جرت بيعة العقبة الأولى، ثم في العام الثاني عشر حيث جرت بيعة العقبة الثانية، ثم كانت الهجرة إلى المدينة.
الاتصال بالأنصار ودعوتهم:
يذكر جابر بن عبد الله الأنصاري: "مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر - كذا قال - فيأتيه قومه فيقولون: أحذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام" (٢).
стр. 189
وكانت الاتصالات الأولى بالأنصار في مواسم الحج والعمرة (١) فقد "قدم سويد بن الصامت الأنصاري مكة حاجاً أو معتمراً، فتصدَّى له رسول الله ﷺ حين سمع به فدعاه إلى الإسلام فقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي؟
فقال له رسول الله ﷺ : وما الذي معك؟
قال: مجلة لقمان - يعني حكمة لقمان.
فقال له رسول الله ﷺ : اعرضها علىّ، فعرضها عليه. فقال له: إنَّ هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا؛ قرآن أنزله الله تعالى علي، وهو هدى ونور، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام. فلم يبعد منه وقال: إن هذا القول حسن. ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج، فإن كان رجال من قومه ليقولون: إنا لنراه قد قتل وهو مسلم وكان قتله يوم بعاث" (٢). وعلى أية حال فلا توجد دلائل على قيام سويد ابن الصامت بالدعوة إلى الإسلام وسط قومه.
وقبل يوم بعاث بيسير - وهو اليوم الذي جرت فيه وقعة بين الأوس والخزرج انتصر فيها الأوس بعد قتل الكثير من الطرفين وفيهم من أكابرهم، وذلك قبل الهجرة بخمس سنين (٣). سعى الأوس لمحالفة قريش على الخزرج الذين كانوا أكثر منهم عدداً، فقدم أبو الحيسر أنس بن رافع في وفد من بني عبد الأشهل لهذا الغرض، فسمع بهم الرسول ﷺ ، فجاءهم ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم
стр. 190
القرآن. فقال أحدهم وهو إياس بن معاذ - وكان غلاماً حدثاً -: "أي قوم! هذا والله خير مما جئتم له. فانتهره أبو الحيسر فصمت، وقام رسول الله ﷺ عنهم، ورجعوا إلى المدينة، وجرت الحرب بين الأوس والخزرج يوم بعاث، ثم مات إياس بن معاذ، وكان قومه يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلمًا، فقد استشعر الإسلام في لقائه مع رسول الله ﷺ في ذلك المجلس (١).
وإذا كان الرجلان من الأوس اللذان استشعرا الإسلام لم تذكر المصادر قيامهما بالدعوة في وسط قومهما، فإن البداية المثمرة للاتصال بالأنصار كانت مع وفد من الخزرج في موسم الحج عند عقبة منى.
قال لهم رسول الله ﷺ : من أنتم؟
قالوا: نفر من الخزرج.
قال: أمن موالي يهود؟
قالوا: نعم
قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟
قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن .. (٢).
وذكر ابن إسحاق إسلامهم وقيامهم بالدعوة في المدينة (٣) ولعل استشعار الأنصار لحاجتهم إلى عقيدة تربط بينهم بعد التمزق والعداوة التي خلفتها وقعة
стр. 191
بعاث قبل سنتين فقط من هذا اللقاء، لعل ذلك كان سبباً هيأه الله تعالى لإسلامهم، وكذلك فإن مقتل رؤسائهم في بعاث خفف من التزاحم على الزعامة والأنفة من الدخول في الإسلام خوف فقدان السلطان والزعامة وكذلك فإن الأنصار كانوا يجاورون يهود وهم أهل كتاب، فكانوا يعرفون قضايا الوحي والنبوة والبعث والجنة والنار فلا شك أن أذهانهم كانت مهيئة لفهم الإسلام أكثر من سواهم.
بيعة العقبة الأولى:
وقد جرت بيعة العقبة الأولى في العام التالي على لقاء وفد الخزرج، حيث حضر اثنا عشر رجلاً؛ عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، مما يشير إلى أن نشاط وفد الخزرج الذين أسلموا في العام الماضي تركز على وسطهم القبلي بالدرجة الأولى لكنهم تمكنوا بنفس الوقت من اجتذاب رجال من الأوس، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام.
إن مصدر المعلومات الصحيحة الرئيسي عن بيعة العقبة الأولى هو عبادة بن الصامت الخزرجي - وهو شاهد عيان مشارك بالبيعة - وقد جاءت روايته في الصحيحين: وسيرة ابن إسحاق، لكنها عند ابن إسحاق أوضح وأكمل ونصها كما يلي.
قال عبادة بن الصامت:"كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلاً، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء - وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب: على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفترته من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذب" (١).
стр. 192
والمقصود أنهم بايعوا على وفق بيعة النساء التي نزلت بها الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (١) بعد صلح الحديبية (٢). حيث لم يرد في بيعة العقبة الأولى ذكر القتال.
ومعنى ذلك أن عبادة حدث بهذا النص بعد نزول الآية فشبه بيعة العقبة الأولى ببيعة النساء. ويلاحظ أن نص البيعة يكل معاقبة الجرائم إلى الله تعالى في الآخرة لعدم تشريع الحدود الإسلامية مما يؤكد قدم النص وأنه يخص بيعة العقبة الأولى.
ولما انجزت بيعة العقبة الأولى، وعاد الأنصار إلى المدينة بعث رسول الله معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين. فقام بمهمته خير قيام وانتشر على يديه الإسلام، ورجع إلى مكة قبل بيعة العقبة الثانية (٣).
بيعة العقبة الثانية:
ولما انتشر الإسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله ﷺ في مكة يلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد من الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية.
قال جابر بن عبد الله الأنصاري:"فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك.
стр. 193
قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.
قال: فقمنا إليه فبايعناه. وأخذ بيده أسعد من زرارة - وهو من أصغرهم - فقال: رويدا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله.
قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً ولا نسلبها.
قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة.
"وقد نظر العباس في وجوه وفد الأنصار ثم قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. مما يدل على غلبة الشباب على الوفد (١).
وهكذا بايع الأنصار رسول الله ﷺ على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت بيعة الحرب (٢).
وتقِّدم رواية الصحابي كعب بن مالك الأنصاري- وهو أحد المبايعين في العقبة الثانية - تفاصيل مهمة؛ قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا ... ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق ... وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا ... فنمنا تلك
стр. 194
الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعين رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب .. ، وأسماء بنت عمرو ... فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس ابن عبد المطلب - وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له - فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب "فبين أن الرسول في منعة من قومه بني هاشم ولكنه يريد الهجرة إلى المدينة، ولذلك فإن العباس يريد التأكد من حماية الأنصار له وإلا فليدعوه. فطلب الأنصار أن يتكلم رسول الله فيأخذ لنفسه ولربه ما يحب من الشروط.
"فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، دعا إلى الله ورغَّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابراً عن كابر" فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان متسائلاً: "يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم بالدم والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".
ثم قال: أَخْرِجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس"
وقد طلب الرسول ﷺ منهم الانصراف إلى رحالهم، وقد سمعوا الشيطان يصرخ منذراً قريشاً، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنَّ على أهل منى غداً بأسيافنا.
فقال رسول الله ﷺ : لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم".
стр. 195
فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش، يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي ودعوتهم له للهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم! (١).
وهكذا مرت البيعة بسلام وعاد الأنصار إلى المدينة.
ينتظرون هجرة النبي ﷺ إليهم بتلهف كبير.
الهجرة إلى المدينة المنورة:
تدل النصوص الصحيحة على أن اختيار المدينة مهاجراً لرسول الله ﷺ كان بوحي إلهي كما في الحديث: "رأيتُ في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب" (٢).
والحديث "إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين" (٣).
و"كأن النبي أرى دار الهجرة بصفة تجمع المدينة وغيرها، ثم أري الصفة المختصة بالمدينة فتعيَّنت" (٤).
стр. 196
أوائل المهاجرين:
ويتفق موسى بن عقبة وابن إسحاق على أن أبا سلمة بن عبد الأسد هو أول من هاجر من مكة إلى المدينة بعد أن آذته قريش إثر عودته من هجرة الحبشة فتوجَّه إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة (١).
وكذلك فإن مصعب بن عمير وابن أم مكتوم كانا من أوائل المهاجرين حيث كانا يقرئان الناس القرآن (٢). وقد تتابع المهاجرون فقدم المدينة بلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر ثم عمر بن الخطاب في عشرين من الصحابة (٣).
وقد سعت قريش بشتى الطرق إلى عرقلة الهجرة إلى المدينة، وإثارة المشاكل أمام المهاجرين، مرة بحجز أموالهم ومنعهم من حملها، ومرة بحجز زوجاتهم وأطفالهم، وثالثة بالاحتيال لإعادتهم إلى مكة. لكن شيئا من ذلك كله لم يعق موكب الهجرة. فالمهاجرون كانوا على أتم الاستعداد للانخلاع عن أموالهم وأهليهم ودنياهم كلها تلبية لداعي العقيدة.
قالت أم المؤمنين أم سلمة (٤) ﵂: "لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟
стр. 197
قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه.
قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة.
قالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا.
قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده. وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة.
قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني.
قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها. حتى مر بي رجل من بني عمي - أحد بني المغيرة - فرأى ما بي، فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟
قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.
قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني.
قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة. وما معي أحد من خلق الله.
قالت: فقلت: أتبلغُ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي. حتى إذا كنتُ بالتنعيم لقيتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال لي: إلى أين يابنت أبي أميَّة؟
قالت فقلت: أريد زوجي بالمدينة.
قال: أو ما معك أحد؟
قالت فقلت: لا والله إلا الله وبنيَّ هذا.
قال: والله ما لك من مترك.
فأخذ بخطام البعير. فانطلق معي يهوي بي، فو الله ما صحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيَّده في الشجرة، ثم
стр. 198
تنحى إلى الشجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله.
ثم استأخر عني فقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه، فقاد بي حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة.
فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلاً - فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعاً إلى مكة.
قال فكانت تقول: والله ما علمت أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة. وما رأيت صاحباً قط أكرم من عثمان بن طلحة" (١).
وقد سقت الخبر بطوله لما فيه من دلالة على الصعوبات التي واجهها المهاجرون، وهي تشير إلى أثر العصبية في اتخاذ العشائر القرشية مواقفها من الأحداث. فقد انحاز قوم أبي سلمة إليه رغم مخالفتهم له في العقيدة، ثم إن الخبر يكشف عن صورة من صور المروءة التي عرفها المجتمع القرشي قبل الإسلام تتمثل في موقف عثمان بن طلحة وتطوعه في مصاحبة المرأة وإحسان معاملتها مما يدل على سلامة الفطرة التي قادته أخيراً إلى الإسلام بعد صلح الحديبية، ولعل إضاءة قلبه بدأت منذ تلك الرحلة مع المرأة المسلمة.
وثمة صورة تاريخية لحدث آخر هو هجرة عمر بن الخطاب كما حدَّث بها بنفسه قال: "اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعيَّاش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي، التناضب من أضاءة بني غفار فوق سرف (٢)،
стр. 199
وقلنا أينا (لا) (١) يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه.
قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنها هشام، وفتن فافتتن.
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة - وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما - حتى قدما علينا المدينة - ورسول الله ﷺ بمكة - فكلماه وقالا: إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، فرق لها.
فقلت له: يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم ...
فقال: أبَرُّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه.
فقلت: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما.
فأبي عليّ إلا أن يخرج معهما.
فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذا قد فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول. فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليهما معهما.
حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟
قال: بلى.
قال: فأناخ وأناخ ليتحول عليها, فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن.
قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتَتَن صرفاً ولا عدلاً ولا توبةً؛ قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم.
стр. 200
قالوا: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (١).
قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام ابن العاص.
قال فقال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى (٢) أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها. حتى قلت: اللهم فهمنيها.
قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول لأنفسنا ويقال فينا.
قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ . (٣).
وأما ما روى من إعلان عمر لهجرته وتهديده من يلحق به بثكل أمه فلم يصح (٤).
стр. 201
لقد نزل كثير من المهاجرين في قباء في مكان يسمى (العصبة) قبل مقدم رسول الله ﷺ ، وكان سالم بن معقل مولى أبي حذيفة يؤمهم في مسجد قباء، لكونه أكثرهم قرآناً (١). لقد أرخ الزهري لهجرة المصطفى ﷺ .
قال الزهري: "مكث رسول الله ﷺ بعد الحج بقية ذي الحجة، والمحرم وصفر ثم إن مشركي قريش اجتمعوا" - يعني على قتله - قال الحاكم: "تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين" (٢) وقد أذن الله تعالى لرسوله بالهجرة إلى المدينة، وكان يتردد على بيت أبي بكر كل يوم صباحاً ومساءا، لا يكاد يدع ذلك (٣)، فلما أذن له بالهجرة جاءهم ظهراً على غير عادته وهو متقنع، فأخبر أبا بكر بذلك. واختياره وقت الظهر لأن الناس تأوي إلى بيوتها للقيلولة فراراً من الحر، وتقنُعُهُ يفيد شعوره بالخطر من حوله، فقد اعتزمت قريش قتله، ولابد أنها ستعمد إلى رصد تحركه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٤). وقد بينت رواية ضعيفة - بسبب الإرسال - قصة اجتماع المشركين على باب الرسول ﷺ وذره التراب على رءوسهم (٥). كما بيَّنَ ابن عباس حصار المشركين لبيته ابتغاء قتله، ومبيت علي على فراشه، ولحاقه ﷺ بالغار، ولما علم المشركون ذلك في الصباح اقتصوا أثره إلى الغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فتركوه. ولكن هذه الرواية لا تصح للاحتجاج بها وهي "أجود ما روى في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار" (٦).
стр. 202
وقد ورد حديث ضعيف جداً يفيد أن الرسول ﷺ لما بات في غار ثور أمر الله شجرةً، فنبتت في وجه الغار، وأمر حمامتين وحشيتين، فوقعتا بفم الغار. وأن ذلك سبب صدود المشركين عن الغار. ومثل هذه الأساطير تسربت إلى مصادر كثير في الحديث والسيرة (١).
وعلى أية حال فإن ائتمار المشركين لقتله ثابت بنص الآية فلا يبعد أن يحاصروا بيته.
قالت عائشة ﵂: "فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها.
فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فدخل. فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك.
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك (٢) بأبي أنت يا رسول الله.
قال: فإني قد أذن لي في الخروج.
فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله.
стр. 203
قال رسول الله ﷺ : نعم
قال أبو بكر: فخذ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين.
قال رسول الله ﷺ : بالثمن.
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهم سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب. وبذلك سميت ذات النطاق.
قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر - وهو غلام شاب ثقف لقن - فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح من قريش بمكة كبائت، فلا يسمح أمرًا يُكتادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حيث يختلط الظلام، ويرعى عليهم عامر بن فُهَيرة - مولى أبي بكر - منحة من غنم، فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث.
واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عدي بن عدي - هاديًا خريتًا (١) قد غمس حلفًا في العاص بن وائل السهمي - وهو على دين الكفار - فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث" (٢).
وتشير رواية صحيحة أخرى إلى أن رسول الله وأبا بكر "ركباً فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور" (٣).
стр. 204
وثمة رواية حسنة تفيد أن رسول الله ﷺ انطلق إلى الغار من بيته، حيث حاصره المشركون يريدون قتله، فلبس علي ﵁ ثوبه ونام مكانه، واخترق رسول الله ﷺ حصار المشركين دون أن يروه، بعد أن أوصى عليا بأن يخبر أبا بكر أن يلحق به، فجاء أبو بكر وعلي نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبي الله. قال فقال: يا نبي الله.
فقال له علي: إن نبي الله ﷺ قد انطلق نحو بئر ميمون (١) فأدركه.
قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار.
قال: وجعل علي يُرمي بالحجارة، كما كان يُرمي نبي الله وهو يتضور، قد لفَّ رأسه في الثوب لا يخرجه، حتى أصبح (٢)
ثم كشف رأسه، فقالوا: إنك للئيم!. كان صاحبك نرميه فلا يتضوَّر وأنت تتضوَّر وقد استنكرنا ذلك (٣).
стр. 205
لقد كان غار ثور قد تحدد منطلقًا للهجرة، وضُرب الموعد مع الدليل في ذلك المكان، وكان خروج المصطفى والصديق إلى الغار ليلًا (١).
ولا تقوى هذه الرواية على معارضة ما في الصحيح، ولكن يمكن التوفيق بينهما، لأن رواية الصحيح ليست صريحة في ركوبهما من بيت الصديق ﵁. فإذا افترضنا أن اصطحابهما معاً جرى من بئر ميمون أمكن التوفيق بين الروايتين.
لقد حمل أبو بكر ﵁ ثورته ليضعها تحت تصرف رسول الله ﷺ ، وقد ذكرت أسماء ابنته أنها خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم (٢).
لقد مكث الاثنان في الغار ثلاث ليالٍ وقد تمكن المشركون من اقتفاء أثرهم إلى الغار حيث رأى الصديق أقدامهم فقال:"يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا.
قال: "أسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما" (٣). وإلى هذا اليقين والتوكل الكامل تشير الآية ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٤).
لقد أخفقت قريش في العثور عليهما، فأعلنت مكافأة لمن يقتلهما أو يأسرهما (٥).
لقد أرخت رواية واهية خروج النبي ﷺ من الغار في ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، وأدركتهما القيلولة ظهر يوم الثلاثاء بقديد. وهذا
стр. 206
التحديد يثير الشك بصحة الرواية فضلًا عن ضعف الإسناد (١).
لقد مضى الاثنان في الطريق إلى المدينة وهما يحسان برصد المشركين لهما.
قال أبو بكر: "أخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلًا" (٢)، ووقعت معجزة للنبي ﷺ في طريق الهجرة، ولنقرأ ما سجّله الصديق ﵁ عن بداية الرحلة قال: "أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد، حتى رُفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيتُ الصخرة فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي ﷺ في ظلها ثم بسطت عليه فروة.
ثم قلت: "نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام"
ثم حكى أبو بكر خبر مرور راع بهما، فطلب منه لبنا، وصادف استيقاظ الرسول فشرب ثم قال: "ألم يأن للرحيل" قلت: بلى قال: فارتحلنا بعدما زالت الشمس، وأتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جَلد من الأرض (٣)(٤).
وقد اشتهر في كتب السيرة والحديث خبرُ نزول الرسول ﷺ وأصحابه بخيمة أم مَعْبد بقديد طالبين القِرى، فاعتذرت لهم لعدم وجود طعام عندها، إلا شاة
стр. 207
هزيلةَ لا تدرً لبناً. فأخذ الشاة فمسح ضرعها بيده، ودعا الله، وحلب في إناء حتى علت الرغوة، وشرب الجميع، ولكن هذه الرواية طرقها ما بين ضعيفة وواهية (١) إلا طريقاً واحدة يرويها الصحابي قيس بن النعمان السكوني ونصها "لما انطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر يستخفيان نزلاً بأبي مَعْبد فقال: والله ما لنا شاة، وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن.
стр. 208
فقال رسول الله ﷺ : أحسبه - فما تلك الشاة؟ فأتي بها. فدعا رسول الله ﷺ بالبركة عليها، ثم حلب عسّاً فسقاه، ثم شربوا، فقال أنت الذي يزعم قريش أنك صابيء؟ قال: إنهم ليقولون. قال: أشهد أن ما جئت به حق. ثم قال: أتبعك قال: لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا. فاتَّبَعَهُ بعدُ". وهذا الخبر
стр. 209
فيه معجزة حسيَّة للرسول ﷺ . شاهدها أبو معبد فأسلم (١).
ولندع رواية سراقة بن مالك تكمل الخبر التاريخي ففيها تفاصيل تكشف عن المعجزة النبوية.
قال سراقة: "لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم. قال: فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا علي آنفاً إني لأراهم محمداً وأصحابه.
قال: فأومأت إليه بعيني أن أسكت. ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم، قال: لعلَّهُ، ثم سكت.
قال: ثم مكثت قليلاً ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي فقيِّد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي، فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي التي أستقسم بها (٢). ثم انطلقت فلبست لأمتى، ثم أخرجتُ قِداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: لا يضره.
قال: وقد كنت أرجو أن أرده على قريش فآخذ المائة الناقلة.
قال: فركبت على أثره، فبينا فرسي يشتدُّ بي عثر بي فسطت عنه.
قال فقلت: ما هذا!!
стр. 210
قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمتُ بها، فخرج السهم الذي أكره: لا يضره.
قال: فأبيت إلا أن أتبعه.
قال: فركبت في أثره، فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه.
قال فقلت: ما هذا!!
قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره: لا يضره.
قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار.
قال: فعرفتُ حين رأيت أنه قد منع مني، وأنه ظاهر.
قال: فناديت القوم، فقلت: أنا سراقة بن جعشم، أنظروني أكلمكم فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه.
قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: قل له وما تبتغي منا؟ فقال لي ذلك أبو بكر.
قال قلت: تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك.
قال: اكتب له يا أبا بكر.
فكتب لي كتابًا في عظم أو في رقعة أو في خزفة، ثم ألقاه إلي، فأخذته فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فسكت، فلم أذكر شيئًا مما كان". ثم حكى خبر لقائه برسول الله ﷺ بعد فتح مكة وإسلامه (١).
стр. 211
وقد ذكر سراقة في رواية صحيحة أنه اقترب من الاثنين حتى سمع قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، كما ذكر أنه عرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئًا، وأنّ وصيته كانت: أخف عنا (١).
وتذكر رواية صحيحة أنه صار آخر النهار مسلمة للنبي ﷺ بعد أن كان جاهداً عليه أوله. وأن الرسول هو الذي دعا عليه فصرعه الفرس (٢). وقد احتاط الاثنان في الكلام مع الناس الذين يقابلونهم في الطريق، فإذا سئل أبو بكر عن رسول الله قال: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب إنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير (٣). وقد صحَّ أن الدليل أخذ بهم طريق السواحل (٤). وفصَّل ابن إسحق وصف الطريق الذي سلكوه قال: "فلما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل - حتى عارض الطريق - أسفل من عُسْفان، ثم سلك بهما أعلى أسفل أَمَج، ثم استجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخَرَّار، ثم سلك ثَنيَّة الُمَّرة، ثم سلك بهما لقْفاً ثم أجاز بهما مدْلَجة لقْف، ثم استبطن بهما مَدْلَجة مَحَاج، ثم سلك بهما مَرْجِح مَحَاج، ثم تبطَّن بهما مَرْجح من ذي الغَضْوين ثم من ذي كَشْر، ثم أخذ بهما على الجَدَاجد، ثم على الأجْرد ثم سلك بهما ذا سَلَم من بطن أَعْداء مَدْلَجة تِعْهِن، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما الفاجَّة.
قال ابن هشام: ثم هبط بهما العَرْج وقد أبطأ عليهما بعضُ ظهرهم، فحمل رسول الله ﷺ رجل من أسلم أوسن بن حُجْر على جمل له يقال له ابن الرّداء إلى المدينة وبعث معه غلاماً يقال له مسعود بن هُنيدة، ثم خرج بهم دليلهما من العَرْج، فسلك بهما ثَنيَّة العائر عن يمين ركوبة حتى هبط بهما بطن رِئم ثم قدم
стр. 212
بهما قُباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، يوم الاثنين حين اشتدَّ الضحاء، وكادت الشمس تعتدل (١).
وكان المسلمون في المدينة قد سمعوا بخروجه من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه، حتى إذا اشتد الحرُّ عليهم عادوا إلى بيوتهم، حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه انتظروه حتى لم يبق ظل يستظلون به فعادوا، وقدم الرسول وقد دخلوا بيوتهم، فبصر به يهودي فناداهم، فخرجوا فاستقبلوه، وكانت فرحتهم به غامرة فقد حملوا أسلحتهم وتقدموا نحو ظاهر الحرة فاستقبلوه.
وقد نزل رسول الله ﷺ في قُباء في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء (٢).
ولما عزم رسول الله ﷺ أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم (٣).
وقد سجلت رواية أن عدد الذين استقبلوه خمسمائة من الأنصار (٤). فأحاطوا بالرسول وبأبي بكر وهما راكبان، ومضي الموكب داخل المدينة، "وقيل في المدينة: جاء نبي الله جاء نبي الله ﷺ " (٥). وقد صعد الرجال والنساء فوق
стр. 213
البيوت، وتفرَّق الغلمان في الطرق ينادون: يا محمد يا رسول الله، يا محمد يا رسول الله (١).
قال الصحابي البراء بن عازب - وهو شاهد عيان: "ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ (٢).
أما تلك الروايات التي تفيد استقباله بنشيد (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع) فلم ترد بها رواية صحيحة (٣).
وأقبل رسول الله ﷺ يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب الأنصاري فتساءل: أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. فنزل في داره (٤).
وقد ورد في كتب السيرة أن زعماء الأنصار تطلعوا إلى استضافة الرسول ﷺ فكلما مر بأحدهم دعاه للنزول عنده فكان يقول لهم: دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب (٥). وكان داره طابقين، قال أبو أيوب الأنصاري:
стр. 214
"لما نزل علي رسول الله ﷺ في بيتي نزل في السُّفل وأنا وأم أيوب في العلوّ، فقلت له: يا نبي الله - بأبي أنت وأمي - إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك، وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل. فقال: يا أبا أيوب: إنّ أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سُفل البيت.
قال: فلقد انكسر حِبُّ لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء يؤذيه (١).
وقد أفادت رواية ابن سعد أن مقامه بدار أبي أيوب سبعة (٢) أشهر.
وقد اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين (٣). وآثروهم. على أنفسهم، فنالوا من الثناء العظيم الذي خلّد ذكرهم على مر الدهور وتتالي الأجيال، إذ ذكر الله مأثرتهم في قرآن يتلوه الناس: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤).
وقد أثنى رسول الله ﷺ على الأنصار ثناء عظيماً فقال: (لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار) (٥) و (لو سلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكتُ وادي الأنصار أو شِعبهم) (٦).
стр. 215
(أسانيد حديث (دعوا الناقة فإنها مأمورة)
محمد بن إسحاق: (بدون إسناد).
موسى بن عقبة: (بدون إسناد).
سعيد بن منصور: من طريق عطاف بن خالد -صديق بن موسى- عبد الله بن الزبير (١)
البيهقي:
محمد بن سعد -الواقدي
محمد بن عائذ
الحاكم -أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني -محمد بن مخلد الدوري- محمد بن سليمان
ابن إسماعيل بن أبي الورد -إبراهيم بن أبي صرمة- يحيى بن سعيد -إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة- أنس.
البيهقي
ابن كثير