وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس، الآية: ١٨] هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه.
ــ
فقال: احذروهم من أن يضلوكم عن سبيل الله باتباع هذا المتشابه واحذروا طريقهم أيضا فالتحذير هنا يشمل التحذير عن طريقهم والتحذير منهم أيضا، ثم ضرب المؤلف لهم مثلا، بأن يقول لك المشرك: أليس الله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أوليس للأولياء جاه عند الله ؟ أوليس الشفاعة ثابتة بالقرآن والسنة؟ وما أشبه ذلك من هذه الأشياء فقل: نعم كل هذا حق، ولكنه ليس فيه دليل على أن تشرك بهؤلاء الأولياء، أو بهؤلاء الرسل، أو لهؤلاء الذين عندهم شفاعة عند الله- -ودعواك أن هذا يدل على ذلك دعوى باطلة لا يحتج بها إلا مبطل وما أنت إلا من الذين قال الله فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ولو أنك رددت هذا المتشابه إلى المحكم لعلمت أن هذا لا دليل لك فيه.
ذكر المؤلف ﵀ كيف نرد المتشابه إلى المحكم أن المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ويؤمنون بذلك إيمانا لا شك فيه عندهم، ولكنهم يعبدون الملائكة وغيرهم ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ومع هذا كانوا مشركين استباح النبي ﷺ دماءهم وأموالهم، وهذا نص محكم لا اشتباه فيه دال على أن الله لا شريك له في ألوهيته وفي عبادته كما أنه لا شريك له في ربوبيته وملكه، وأن من
стр. 1857
وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن وكلام النبي، ﷺ ، لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي، ﷺ لا يخالف كلام الله (١) .
ــ
أشرك بالله في ألوهيته، فهو مشرك وإن وحده في الربوبية.
قوله ﵀: ما ذكرت أيها المشرك من كلام الله تعالى وكلام رسوله لا أعرف معناه، ولكني أعلم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله، يريد بقوله: " لا أعرف معناه" أي لا أعرف معناه الذي أنت تدعيه، وإنني أنكره ولا أقر به؛ لأنني أعلم أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٨٢] ، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل، الآية: ٨٩] وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل، الآية: ٤٤] ، وكلام الرسول ﷺ لا يخالف كلام الله، وكذلك كلام الله لا يناقض بعضه بعضا، وقد أخبر أنه لا شريك له، وقال النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» إلى آخر الحديث، وهذا كله يؤيد بعضه بعضا، ويدل على أن الله تعالى ليس له شريك في الألوهية كما أنه ليس له شريك في الربوبية.
стр. 1858
وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله فلا تستهن به، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [سورة فصلت، آية:٣٥] .
وأما الجواب المفصل فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه، منها: قولهم: نحن لا نشرك بالله، بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن عبد القادر أو غيره.
ــ
قوله ﵀: (وهذا جواب جيد سديد) يعني قول الإنسان لخصمه: أن كلام الله تعالى لا يتناقض، وأن كلام النبي ﵌ لا يخالف كلام الله، وأن الواجب رد المتشابه إلى المحكم، فهذا أجاب بجواب سديد أي ساد لمحله لا يمكن لأحد أن يناقضه، أو يرد عليه ما ينقضه؛ لأنه كلام محكم مبني على الدليلين: السمعي، والعقلي، وما كان كذلك فإنه جواب لا يمكن لأي مبطل أن ينقضه. قوله: (ولكن لا يفهمه) إلى آخره يعني أن هذا الجواب لا يفهمه إلا من وفقه الله فكشف عنه فتنة الشبهات وفتنة الشهوات ثم استدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي ما يوفق للدفع بالتي هي أحسن. قوله - رحمه الله تعالى -: أما الجواب المفصل ... إلخ الجواب الأول كان مجملا يرد به الإنسان على كل شبهة، ثم هناك جواب مفصل أي مميز بعضه عن بعض بحيث تدفع به شبهة كل واحد بعينها.
стр. 1859
ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم، فجاوبه بما تقدم وهو: أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بما ذكرت، ومقرون بأن أوثانهم لا تدبر شيئا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة.
واقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه ووضحه.
ــ
فإذا قال لك المشرك: أنا لا أشرك بالله، بل أشهد أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ﵌ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عمن دونه- ﵌، كعبد القادر يعني ابن موسى الجيلاني على خلاف في اسم أبيه كان من كبار الزهاد والمتصوفين ولد سنة ٤٧١ بجيلان وتوفي سنة ٥٦١ في بغداد، وكان حنبلي المذهب، وهذا هو التوحيد، فهذه شبهة يلبس بها ولكنها شبهة داحضة لا تفيده شيئا. قوله: (ولكن أنا مذنب) إلخ هذا بقية كلام المشبه، فأجبه بأن ما ذكرت هو ما كان عليه المشركون الذين قاتلهم النبي ﷺ واستباح دماءهم ونساءهم وأموالهم، ولم يغنهم هذا التوحيد شيئا.
قوله:" واقرأ عليهم ما ذكر الله تعالى في كتابه ووضحه" يريد بذلك أن تقرأ عليهم ما ذكر الله في كتابه من توحيد الألوهية ، فإنه جل وعلا أبدأ فيه وأعاد وكرر من أجل تثبيته في قلوب الناس وإقامة الحجة عليهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية: ١٨]
стр. 1860
فإن قال: هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناما؟ فجاوبه بما تقدم. فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكره. فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة المائدة، الآيتان ٧٥-٧٦] .
ــ
وقال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦٣] وقال تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة العنكبوت، الآية: ٥٦] إلى غيرها من الآيات الكثيرة الدالة على وجوب توحيد الله- في عبادته، وأن لا يعبد أحد سواه، فإذا اقتنع بذلك فهذا هو المطلوب، وإن لم يقتنع فهو مكابر معاند يصدق عليه قول الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [سورة النمل، الآية: ١٤] .
قوله: فإن قال: " هؤلاء " يعني أهل الشرك هذه الآيات نزلت في المشركين الذين يعبدون الأصنام، وهؤلاء الأولياء ليسوا بأصنام.
فجوابه بما تقدم أي بأن كل من عبد غير الله فقد جعل معبوده وثنا فأي فرق بين من عبد الأصنام وعبد الأنبياء والأولياء؟! إذ أن الجميع لا يغني شيئا عن عابديه.
يقول: " فإنه " أي هذا القائل يعلم أن المشركين قد أقروا بالربوبية، وأن الله هو رب كل شيء، وخالقه ومالكه، ولكنهم عبدوا هذه الأصنام من أجل أن تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم فقد أقر
стр. 1861
بأن مقصودهم كمقصوده، ومع ذلك لم ينفعهم هذا الاعتقاد كما سبق.
قوله: " فاذكر له " جواب قوله: " فإنه إذا أقر أن الكفار" إلخ يعني فاذكر له أن هؤلاء المشركين منهم من يدعو الأصنام لطلب الشفاعة كما أنت كذلك موافق لهم في المقصود، ومنهم من يعبد الأولياء كما أنت كذلك موافق لهم في المقصود والمعبود. ودليل أنهم يدعون الأولياء قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ وكذلك يعبدون الأنبياء كعبادة النصارى المسيح ابن مريم، وكذلك يعبدون الملائكة كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الآية، فتبين بذلك الجواب عن تلبيسه بكون المشركين يعبدون الأصنام، وهو يعبد الأولياء والصالحين من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا صحة لتلبيسه؛ لأن من أولئك المشركين من يعبد الأولياء والصالحين.
الوجه الثاني: لو قدرنا أن أولئك المشركين لا يعبدون إلا الأصنام فلا فرق بينه وبينهم؛ لأن الكل عبد من لا يغني عنه شيئا.
стр. 1862
واذكر له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سورة سبأ،الآيتان: ٤٠، ٤١] . وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سورة المائدة، آية: ١١٦] .
فقل له: أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام، وكفر أيضا من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله ﷺ ؟.
ــ
قوله: " واذكر له قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ الآيتين " هذه معطوفة على قوله سابقا: " فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام " إلخ. والمقصود من هذا أن يتبين له أن من الكفار من يعبد الأصنام" إلخ.
والمقصود من هذا أن يتبين له أن من الكفار من يعبد الملائكة وهم من خيار خلق الله وأوليائه فيبطل تلبيسه بأن الفرق بينه وبين الكفار أنه هو يدعو الصالحين والأولياء، والكفار يعبدون الأصنام من الأحجار ونحوها. قوله: " وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ " الآية. أي واذكر له قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾ إلخ لتلقمه حجرا في أن الكفار كانوا يعبدون الأولياء والصالحين فلا فرق بينه وبين أولئك الكفار.
قوله: " فقل له " إلخ أي قل ذلك مبينا له أن الله كفر
стр. 1863
فإن قال: الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر، الآية: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ .
ــ
من عبد الصالحين، ومن عبد الأصنام، والنبي ﷺ قاتلهم على هذا الشرك ولم ينفعهم أن كان المعبودون من أولياء الله وأنبيائه.
قوله: " فإن قال " - يعني هذا المشرك - الكفار يريدون منهم أي يريدون أن ينفعوهم أو يضروهم، وأنا لا أريد إلا من الله، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، وأنا لا أعتقد فيهم ولكن أتقرب بهم إلى الله- -ليكونوا شفعاء.
فقل له: وكذلك المشركون الذين بعث فيهم رسول الله،﵌، هم لا يعبدون هؤلاء الأصنام لاعتقادهم أنها تنفع وتضر، ولكنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى كما قال تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فتكون حاله كحال هؤلاء المشركين سواء بسواء.
стр. 1864
واعلم: أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها لنا في كتابه وفهمتها فهما جيدا فما بعدها أيسر منها.
ــ
قوله - رحمه الله تعالى -: " هذه الشبه الثلاث ": الشبهة الأولى: قولهم: " إننا لا نعبد الأصنام إنما نعبد الأولياء ".
الشبهة الثانية: قولهم: " أننا ما قصدناهم وإنما قصدنا الله- -في العبادة".
الشبهة الثالثة: قولهم: " أننا ما عبدناهم لينفعونا أو يضرونا، فإن النفع والضرر بيد الله ولكن ليقربونا إلى الله زلفى، فنحن قصدنا شفاعتهم بذلك، يعني فنحن لا نشرك بالله ".
فإذا تبين لك انكشاف هذه الشبه فانكشاف ما بعدها من الشبه أهون وأيسر؛ لأن هذه من أقوى الشبه التي يلبسون بها.
стр. 1865
فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله، وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة.
فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك، فإذا قال: نعم. فقل له: بين لي هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده، وهو حقه عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها. فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٥٥] فإذا أعلمته بهذا، فقل له: هل علمت هذا عبادة لله فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء مخ العبادة.
ــ
إذا قال هذا الرجل المشبه: أنا لست أعبدهم كما أعبد الله- -والالتجاء إليهم ودعاؤهم ليس بعبادة فهذه شبهة.
وجوابها أن تقول: إن الله فرض عليك إخلاص العبادة له وحده. فإذا قال: نعم، فاسأله ما معنى إخلاص العبادة له؟ فإما أن يعرف ذلك، وإما أن لا يعرف، فإن كان لا يعرف فبين له ذلك ليعلم أن دعاءه للصالحين وتعلقه بهم عبادة.
قوله: "فبينها له" أي بين له أنواع العبادة فقل له: إن الله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ والدعاء عبادة، وإذا كان عبادة فإن دعاء غير الله يكون إشراكا بالله- -وعلى هذا، فالذي يستحق أن يدعى ويعبد ويرجى هو الله وحده لا شريك له.
стр. 1866
فقل له: إذا أقررت أنها عبادة، ودعوت الله ليلا ونهارا، خوفا وطمعا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا، أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم. فقل له: إذا علمت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر، الآية: ٢] وأطعت الله ونحرت له، هذا عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم.
فقل له: إذا نحرت لمخلوق نبي، أو جني أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقر ويقول: نعم.
وقل له أيضا: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا
ــ
قوله: " فقل له " الخ، يعني إذا بينت أن الدعاء عبادة وأقر به فقل له: ألست تدعو الله تعالى في حاجة، ثم تدعو في تلك الحاجة نفسها نبيا، أو غيره فهل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم؛ لأن هذا لازم لا محالة. هذا بالنسبة للدعاء.
ثم انتقل المؤلف ﵀ إلى نوع آخر من العبادة، وهو النحر قال: فقل له: إذا علمت بقول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وأطعت الله ونحرت له أهذا عبادة؟ فلابد أن يقول: نعم فقد اعترف أن النحر لله تعالى عبادة، وعلى هذا يكون صرفه لغير الله شركا، قال المؤلف ﵀ مقررا ذلك: " فقل له: إذا نحرت لمخلوق" إلخ وهذا إلزام واضح لا محيد عنه.
قوله: " وقل له أيضا: المشركون " إلخ انتقل المؤلف - رحمه الله تعالى - إلى إلزام آخر سبقت الإشارة إليه، وهو أن يسأل هذا المشبه هل كان المشركون يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك فلا بد أن
стр. 1867
يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم، فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة، وهذا ظاهر جدا. فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [سورة الزمر، الآية: ٤٤] .
ــ
يقول: نعم. فيسأل مرة أخرى: هل كانت عبادتهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء، ونحو ذلك مع إقرارهم بأنهم عبيد الله وتحت قهره، وأن الله هو الذي يدبر الأمر لكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه، والشفاعة كما سبق وهذا ما وقع فيه المشبه تماما.
قوله: " فإن قال " يعني إذا قال لك المشرك المشبه: هل تنكر شفاعة النبي- ﵌، وهو يقول هذا من أجل أن يلزمك بجواز دعاء النبي- ﵌ عسى أن يشفع لك عند الله إذا دعوته. فقل له: لا أنكر هذه الشفاعة ولا أتبرأ منها، ولكني أقول: إن الشفاعة لله ومرجعها كلها إليه، وهو الذي يأذن فيها إذا شاء، ولمن شاء؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٤٤] .
стр. 1868
ولا تكون إلا بعد إذن الله كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٥٥] ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال- : ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وهو لا يرضى إلا التوحيد كما قال : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ .
فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا.
ــ
قوله: " ولا تكون إلا بعد إذن الله " إلخ. بين ﵀ أن الشفاعة لا تكون إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يأذن الله بها؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
الشرط الثاني: أن يرضى الله- -عن الشافع والمشفوع له؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [سورة طه، الآية: ١٠٩] ؛ ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٨] ومن المعلوم أن الله لا يرضى إلا بالتوحيد، ولا يمكن أن يرضى الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [سورة الزمر، الآية:٧] فإذا كان لا يرضى الكفر، فإنه لا يأذن بالشفاعة للكافر.
قوله: " فإذا كانت الشفاعة كلها لله " إلخ أراد المؤلف - رحمه الله تعالى -
стр. 1869
فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله؟ فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الجن، الآية:١٨] فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وأيضا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأفراط يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه، وإن قلت: لا بطل قولك: "أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله"
ــ
أنه إذا كانت الشفاعة لله، ولا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا لمن ارتضى، ولا يرضى إلا التوحيد لزم من ذلك أن لا تطلب الشفاعة إلا من الله تعالى لا من النبي ﷺ فيقول: اللهم شفع في نبيك، اللهم لا تحرمني شفاعته وأمثال ذلك. . قوله: " فإن قال " أي المشرك الذي يدعو رسول الله ﷺ إن الله أعطى محمدا ﵌ الشفاعة فأنا أطلبها منه.
فالجواب: من ثلاثة أوجه: الأول: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك أن تشرك به في دعائه فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ .
الثاني: أن الله أعطاه الشفاعة، ولكنه ﷺ لا يشفع إلا بإذن الله، ولا يشفع إلا لمن ارتضاه الله، ومن كان
стр. 1870
مشركا فإن الله لا يرتضيه، فلا يأذن أن يشفع له كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ .
الثالث: أن الله تعالى أعطى الشفاعة غير محمد ﵌، فالملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون، فقل له: هل تطلب الشفاعة من كل هؤلاء؟ فإن قال: لا فقد خصم وبطل قوله وإن قال: نعم. رجع إلى القول بعبادة الصالحين، ثم إن هذا المشرك المشبه ليس يريد من رسول الله- ﵌ أن يشفع له، ولو كان يريد ذلك لقال: " اللهم شفع في نبيك محمدا رسول الله- ﵌" ولكنه يدعو الرسول مباشرة ودعاء غير الله شرك أكبر مخرج من الملة، فكيف يريد هذا الرجل الذي يدعو مع الله غيره أن يشفع له أحد عند الله ؟!.
وقال المؤلف: " إن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون " سنده حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الذي رواه مسلم مطولا وفيه فيقول الله- : «شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون» الحديث.
وقوله: " والأفراط يشفعون " الأفراط هم الذين ماتوا قبل البلوغ وسنده حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي،- صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قال: «لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم» أخرجه البخاري، وله عنه وعن أبي سعيد من حديث آخر «لم يبلغوا الحنث» .
стр. 1871
فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئا حاشا وكلا، ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك.
فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنى، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذين حرمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري. فقل له: كيف تبرىء نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا، ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه، أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا؟
ــ
إذا قال هذا المشرك: أنا لا أشرك بالله شيئا، والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك.
فجوابه: أن يقال له: ألست تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنى، وأن الله لا يغفره فما هذا الشرك؟ فإنه سوف لا يدري، ولا يجيب بالصواب ما دام يعتقد أن طلب الشفاعة من رسول الله- ﵌ ليس بشرك فهو دليل على أنه لا يعرف الشرك الذي عظمه الله تعالى وقال فيه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان، الآية: ١٣] .
قوله: " فقل له: كيف تبرئ نفسك" إلخ يعني إذا برأ نفسه من الشرك بلجوئه إلى الصالحين، فجوابه من وجهين: الأول: أن يقال: كيف تبرئ نفسك من الشرك، وأنت لا تعرفه؟ وهل الحكم على الشيء إلا بعد تصوره فحكمك براءة نفسك من الشرك، وأنت لا تعلمه حكم بلا علم فيكون مردودا؟ الوجه الثاني: أن يقال: لماذا؟ أتسأل عن الشرك الذي حرمه الله تعالى
стр. 1872
فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام. فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق، وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن. وإن قال: هو من قصد خشبة، أو حجرا، أو بنية على قبر أو غيره، يدعون ذلك، ويذبحون له ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته.
فقل: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها. فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب.
ــ
أعظم من تحريم قتل النفس والزنى، وأوجب لفاعله النار وحرم عليه الجنة؟ أتظن أن الله حرمه على عباده، ولم يبينه لهم؟ حاشاه من ذلك.
يعني إذا قال لك المشرك المشبه: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام فأجبه بجوابين. الأول: قل له: ما هي عبادة الأصنام؟ أتظن أن من عبدها يعتقد أنها تخلق وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟ فإن زعم ذلك فقد كذبه القرآن.
قوله: (وإن قال) إلخ هذا مقابل قولنا: " إن زعم ذلك فقد كذب القرآن " يعني إن قال: عبادة الأصنام أن يقصد خشبته أو حجرا أو بنية على قبر، أو غيره يدعون ذلك، ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى قلنا: صدقت، وهذا هو فعلك سواء بسواء، وعليه فتكون مشركا بإقرارك على نفسك، وهذا هو المطلوب.
стр. 1873
ويقال له أيضا: قولك: الشرك عبادة الأصنام، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكر الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدا من الصالحين ، فهو الشرك المذكور في القرآن، وهذا هو المطلوب. وسر المسألة: أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي؟.
فإن قال: هو عبادة الأصنام.
ــ
قوله: " ويقال له أيضا: قولك: الشرك عبادة الأصنام " إلى قوله: " وهذا هو المطلوب" هذا هو الجواب الثاني أن يقال: هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين، ودعاء الصالحين لا يدخل في ذلك فهذا يرده القرآن، فلا بد أن يقر لك بأن من أشرك في عبادة أحد من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب.
قوله: " وسر المسألة " يعني لبها أنه إذا قال:أنا لا أشرك بالله، فاسأله ما معنى الشرك؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام. فاسأله مما معنى عبادة الأصنام؟ ثم جادله على ما سبق بيانه.
قوله: (فإن قال) إلخ يعني إذا ادعى هذا المشرك أنه لا يعبد إلا الله وحده فاسأله: ما معنى عبادة الله وحده؟ وحينئذ لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يفسرها بما دل عليه القرآن، فهذا هو المطلوب والمقبول، وبه يتبين أنه لم يحقق عبادة الله وحده حيث أشرك به.
стр. 1874
فقل: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي. فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله. فقل: ما معنى عبادة الله فسرها لي؟ فإن فسرها بما بينه القرآن، فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدعي شيئا وهو لا يعرفه؟ وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله، وعبادة الأوثان، وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه.
وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص، الآية: ٥] .
ــ
الثانية: أن لا يعرف معناها، فيقال: كيف تدعي شيئا، وأنت لا تعرفه؟ أم كيف تحكم به لنفسك، والحكم على الشيء فرع عن تصوره؟.
الثالثة: أن يفسر عبادة الله بغير معناها، وحينئذ يبين له خطؤه ببيان المعنى الشرعي للشرك، وعبادة الأوثان، وأنه الذي يفعلونه بعينه، ويدعون أنهم موحدون غير مشركين.
يعني ويبين له أيضا أن عبادة الله وحده هي التي ينكرونها علينا ويصرخون بها علينا كما فعل ذلك أسلافهم حين قالوا للرسول ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [سورة ص، الآيات: ٥-٧] .
стр. 1875
فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا " كبير الاعتقاد " هو الشرك الذي نزل في القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين أحدهما: أن الأولين لا يشركون، ولا يدعون الملائكة، والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٦٧] .
ــ
قوله: " إذا عرفت " يعني علمت معنى العبادة، وأن ما عليه أولئك المشركون في زمنه هو ما كان المشركون عليه في عهد النبي ﷺ عرفت أن شرك هؤلاء أعظم من شرك الذين قاتلهم النبي ﷺ من وجهين: الوجه الأول: أن هؤلاء يشركون بالله في الشدة والرخاء.
وأما أولئك المشركون الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ فإنما يشركون في الرخاء، ويخلصون في حال الشدة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية فكانوا إذا ركبوا في الفلك دعوا لله مخلصين له الدين لا يدعون غيره، ولا يسألون سواه، ثم إذا أنجاهم إلى البر إذا هم يشركون، أو فريق منهم بربهم يشركون، فهذا هو وجه.
стр. 1876
وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام، الآيتان:٤٠-٤١] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [سورة الزمر، الآية: ٨] .
ــ
وهذه أيضا تدل على أنهم كانوا يشركون في حال الرخاء، وأنهم إذا أتاهم عذاب أو أتتهم الساعة فإنهم لا يدعون غير الله، كما قال تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ فهم في هذه الحال ينسون ما يشركون، ولا يدعون سوى الله .
وهذه أيضا كالآيتين اللتين قبلها، تدل على أن الإنسان إذا مسه الضر دعا ربه منيبا إليه، ولكنه إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله.. فيشرك في حال الرخاء، ويخلص في حال الشدة.
هذه أيضا كالآيات السابقة تدل على أن هؤلاء المشركين إنما يشركون بالله في حال الرخاء، أما في حال الشدة فيلجؤون لله وحده.
стр. 1877
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة، فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون سادتهم. تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا، وشرك الأولين ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخا، والله المستعان.
ــ
يبين ﵀ أن المشركين في زمانه أشد شركا من مشركي زمان رسول الله ﷺ ؛ لأن مشركي زمانه يدعون غير الله في الرخاء وفي الشدة، وأما المشركون في عهد الرسول ﷺ فإنهم يدعون الله، ويدعون غيره في حالة الرخاء، وأما في حال الشدة، فلا يدعون إلا الله وهذا يدل على أن شرك المشركين في زمانه ﵀ أعظم من شرك المشركين في عهد رسول الله ﷺ .
قوله: " تبين له الفرق" إلخ هذا جواب قوله: " فمن فهم هذه المسألة إلخ " أي تبين له الفرق، بين مشركي زمانه ﵀ والمشركين في عهد رسول الله ﷺ وأن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه، ولكن أين من يفهم قلبه ذلك، أكثر الناس في غفلة عن هذا، وأكثر الناس يلبس عليهم الحق الباطل فيظنون الباطل حقا كما يظنون الحق باطلا.
стр. 1878
الأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أشجارا، أو أحجارا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنى، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك.
ــ
قوله: " الأمر الثاني " أي في بيان أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زمانه ﵀ أن المشركين في عهد الرسول ﷺ يدعون أناسا مقربين من أولياء الله- -أو يدعون أحجارا أو أشجارا مطيعة لله ذليلة له، أما هؤلاء أعني المشركين في زمانه، فإنهم يدعون من يحكون عنهم الفجور، والزنى، والسرقة، وغير ذلك من معاصي الله- ، ومعلوم أن من يعتقد في الصالح أو الجماد الذي لا يعصي الله تعالى أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه، ويشهد به. وهذا ظاهر.
стр. 1879
والذي يعتقد في الصالح، أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به.
وإذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولا، وأخف شركا من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغ سمعك لجوابها وهي: أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول ﷺ وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ويجعلونه سحرا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟
ــ
في هذه الجملة يبين ﵀ شبهة من أعظم شبههم ويجيب عنها فيقول: إذا تحققت أن المشركين في عهده ﵊ أصح عقولا، وأخف شركا من هؤلاء، فاعلم أنهم يوردون شبهة حيث يقولون: إن المشركين في عهد الرسول ﷺ لا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولا يؤمنون بالبعث، ولا الحساب، ويكذبون القرآن، ونحن يعني (مشركي زمانه) نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، فكيف تجعلوننا مثلهم، وهذه شبهة عظيمة.
стр. 1880
فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء، أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه؟ كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد، والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله، وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج، ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج أنزل الله في حقهم ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٩٧] .
ــ
يقول ﵀: إنهم إذا قالوا هذا، يعني أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله إلى آخره، يعني فكيف يكونون كفارا وجوابه أن يقال: إن العلماء أجمعوا على أن من كفر ببعض ما جاء به الرسول ﷺ وكذب به، فهو كمن كذب بالجميع وكفر به ومن كفر بنبي من الأنبياء، فهو كمن كفر بجميع الأنبياء؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [سورة النساء، الآيتان: ١٥٠-١٥١] ، وقوله تعالى في بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٥] .
стр. 1881
ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع، وحل دمه وماله.
ــ
ثم ضرب المؤلف لذلك أمثلة: المثال الأول: الصلاة فمن أقر بالتوحيد، وأنكر وجوب الصلاة فهو كافر.
قوله: (أو أقر بالتوحيد) إلخ هذا هو المثال الثاني، وهو من أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة، فإنه يكون كافرا.
المثال الثالث: من أقر بوجوب ما سبق وجحد وجوب الصوم، فإنه يكون كافرا.
المثال الرابع: من أقر بذلك كله وجحد وجوب الحج، فإنه كافر، واستدل المؤلف على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾ -يعني من كفر بكون الحج واجبا أوجبه الله على عباده- ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ . قول المؤلف ﵀: " ولما لم ينقد" إلى آخره ظاهره أن للآية سبب نزول هو هذا ولم أعلم لِمَ ذكره الشيخ دليلا. قوله ومن أقر بهذا كله أي بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ﷺ ووجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، لكنه كذب بالبعث، فإنه كافر بالله؛ لقول الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [سورة التغابن، الآية: ٧] . وقد حكى المؤلف ﵀ الإجماع على ذلك.
стр. 1882
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [سورة النساء، الآيتان: ١٥٠-١٥١] . فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقا زالت هذه الشبه، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا.
ويقال أيضا: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول ﷺ في كل شيء وجحد وجوب الصلاة أنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا.
ــ
قوله:كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية، سبق الكلام على هذه الآية. وقد ساقها المؤلف مستدلا بها على أن الإيمان ببعض الحق دون بعض كفر بالجميع كما قرره بقوله.
لا أعلم عن هذا الكتاب شيئا فليبحث عنه.
قوله: " ويقال أيضا: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول" إلخ هذا جواب ثان، فإن مضمونه أنك إذا عرفت وأقررت بأن من جحد الصلاة
стр. 1883
فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ ؟ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله، ما أعجب هذا الجهل! .
ــ
والزكاة والصيام والحج والبعث كافر بالله العظيم، ولو أقر بكل ما جاء به الرسول- ﵌ سوى ذلك فكيف تنكر أن يكون من جحد التوحيد، وأشرك بالله تعالى كافرا؟ إن هذا لشيء عجيب، أن تجعل من جحد التوحيد مسلما، ومن جحد وجوب هذه الأشياء كافرا، مع أن التوحيد هو أعظم ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو أعم ما جاءت به الرسل، فجميع الرسل قد أرسلت به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٢٥] وهو أصل هذه الواجبات التي يكفر من أنكر وجوبها إذ لا تصح إلا به كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ فإذا كان من أنكر وجوب الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج، أو أنكر البعث كافرا، فمنكر التوحيد أشد كفرا وأبين وأظهر.
стр. 1884
ويقال أيضا: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله- ﵌ ويؤذنون ويصلون.
فإن قال إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي. فقل: هذا هو المطلوب إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان، أو يوسف وصحابيا، أو نبيا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحان الله، ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم، الآية: ٥٩] .
ــ
قوله: " ويقال أيضا:هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ " إلخ هذا جواب ثالث ومضمونه أن الصحابة ﵃ قاتلوا مسيلمة وأصحابه، واستحلوا دماءهم، وأموالهم مع أنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ويؤذنون، ويصلون، وهم إنما رفعوا رجلا إلى مرتبة النبي، فكيف بمن رفع مخلوقا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، أفلا يكون أحق بالكفر ممن رفع مخلوقا إلى منزلة مخلوق آخر؟! وهذا أمر واضح، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم، الآية: ٥٩] .
стр. 1885
ويقال أيضا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁ وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما. فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب ﵁ يكفر؟ .
ويقال أيضا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
ــ
قوله: " ويقال أيضا: إن الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار " إلخ، هذا جواب رابع فقد كان هؤلاء يدعون الإسلام، وتعلموا من الصحابة، ومع ذلك لم يمنعهم هذا من الحكم بكفرهم، وتحريقهم بالنار؛ لأنهم قالوا في علي بن أبي طالب: إنه إله، مثل ما يدعي هؤلاء بمن يؤلهونهم، كشمسان وغيره.
فكيف أجمع الصحابة ﵃ على قتل هؤلاء، أتظنون أن الصحابة ﵃ يجمعون على قتل من لا يحل قتله، وتكفير من ليس بكافر؟! ذلك لا يمكن أم تظنون أن الاعتقاد في تاج، وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يضر.
قوله: " ويقال أيضا: بنو عبيد القداح " إلخ هذا جواب خامس، وهو إجماع العلماء على كفر بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر وكانوا
стр. 1886
ويقال أيضا: إذا كان الأولون لم يكفروا، إلا أنهم جمعوا بين الشرك، وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث، وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب: (باب حكم المرتد) ، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعا كثيرة كل نوع منها يكفر، ويحل دم الرجل وماله، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
ــ
يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون الجمعة والجماعات ويدعون أنهم مسلمون، ولكن ذلك لم يمنعهم من حكم المسلمين عليهم بالردة حين أظهروا مخالفة المسلمين في أشياء دون التوحيد حتى قاتلوهم واستنقذوا ما بأيديهم.
قوله: " ويقال أيضا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم " إلخ هذا جواب سادس مضمونه أنه إذا كان الأولون لم يكفروا إلا حين جمعوا جميع أنواع الكفر من الشرك والتكذيب والاستكبار، فما معنى ذكر أنواع من الكفر في (باب حكم المرتد) كل نوع منها يكفر حتى ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب، فلولا أن الكفر يحصل بفعل نوع منه، وإن كان الفاعل مستقيما في جانب آخر لم يكن لذكر الأنواع فائدة.
يقول -رحمه الله تعالى-: ومما يدفع شبه هؤلاء، هم الفقهاء في كل مذهب، ذكروا في كتبهم (باب حكم المرتد) ، وذكروا أنواعا كثيرة، حتى ذكروا الكلمة يذكرها الإنسان بلسانه، ولا يعتقدها بقلبه، أو يذكرها على سبيل المزح، ومع ذلك كفروهم، وأخرجوهم من الإسلام بها، وسيأتي لذلك مزيد بيان وإيضاح.
стр. 1887
ويقال أيضا: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ ويجاهدون معه ويصلون، ويزكون، ويحجون، ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح، فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون، ويصومون، ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق.
ــ
قوله: " ويقال أيضا: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ "إلخ هذا جواب سابع مضمونه واقعتان: الأولى: أن الله تعالى حكم بكفر المنافقين الذين قالوا كلمة الكفر مع أنهم كانوا مع النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم -يصلون ويزكون ويحجون ويجاهدون ويوحدون.
الثانية: أنه حكم بكفر المنافقين الذين استهزؤوا بالله وآياته ورسوله وقالوا: " ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء " يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء فأنزل الله فيهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ . فحكم بكفرهم بعد إيمانهم مع أنهم ذكروا أنهم كانوا
стр. 1888
ومن الدليل على ذلك أيضا ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وقول أناس من الصحابة: «اجعل لنا ذات أنواط» فحلف النبي ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل: اجعل لنا إلها.
ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ : «اجعل لنا ذات أنواط» لم يكفروا.
فالجواب: أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا ذلك؟ ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك، لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.
ــ
يستهزئون ولم يقولوا ذلك على سبيل الجد، وكانوا يصلون ويتصدقون، ثم ذكر المؤلف ﵀ أن الجواب على هذه الشبهة من أنفع ما في هذه الأوراق.
قوله: " ومن الدليل على ذلك " أي على أن الإنسان قد يقول، أو يفعل ما هو كفر من حيث لا يشعر قول بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم لموسى ﵊: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ «وقول أصحاب النبي ﷺ : " اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " فقال رسول الله ﷺ :»
стр. 1889
ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم، والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل: (التوحيد فهمناه) أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان.
ــ
«" الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لتركبن سنن من كان قبلكم» وهذا يدل على أن موسى ومحمدا عليهما الصلاة والسلام قد أنكرا ذلك غاية الإنكار، وهذا هو المطلوب، فإن هذين النبيين الكريمين لم يقرا أقوامهما على هذا الطلب الذي طلبوه بل أنكراه.
وقد شبه بعض المشركين في هذا الدليل فقال: إن الصحابة، وبني إسرائيل لم يكفروا بذلك.
وجواب هذه الشبهة: أن الصحابة، وبني إسرائيل لم يفعلوا ذلك حين لقوا من الرسولين الكريمين إنكار ذلك.
هذا شروع في بيان ما تفيده هذه القصة، أعني قصة الأنواط وبني إسرائيل من الفوائد: الفائدة الأولى: أن الإنسان، وإن كان عالما قد يخفى عليه بعض أنواع الشرك، وهذا يوجب على الإنسان أن يتعلم ويعرف حتى لا يقع في الشرك، وهو لا يدري، وأنه إذا قال: أنا أعرف الشرك، وهو لا يعرفه كان ذلك من أخطر ما يكون على العبد؛ لأن هذا جهل مركب، والجهل المركب شر من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل جهلا بسيطا يتعلم وينتفع بعلمه، وأما الجاهل جهلا مركبا، فإنه يظن نفسه عالما، وهو جاهل فيستمر فيما هو عليه من العمل المخالف للشريعة.
стр. 1890
وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر، وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ . وتفيد أنه لو لم يكفر، فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظا شديدا كما فعل رسول الله ﷺ .
وللمشركين شبهة أخرى يقولون: «إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: " لا إله إلا الله» "، وكذلك قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وأحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر، ولا يقتل، ولو فعل ما فعل.
ــ
قوله: " وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد " إلخ هذه هي الفائدة الثانية أن المسلم إذا قال ما يقتضي الكفر جاهلا بذلك، ثم نبه فانتبه، وتاب في الحال فإن ذلك لا يضره؛ لأنه معذور بجهله، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، أما لو استمر على ما علمه من الكفر، فإنه يحكم بما تقتضيه حاله.
قوله: " وتفيد أيضا أنه لو لم يكفر" إلخ هذه هي الفائدة الثالثة، أن الإنسان، وإن كان لا يدري عن الشيء إذا طلب ما يكون به الكفر، فإنه يغلظ عليه تغليظا شديدا؛ لأن النبي- ﵌ قال لأصحابه: «الله أكبر إنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة» وهذا إنكار ظاهر.
قوله: " وللمشركين شبهة أخرى" إلخ يعني للمشركين المشبهين شبهة أخرى مع ما سبق من الشبهات وهي: «أن النبي صلى الله عليه وآله»
стр. 1891
فيقال لهؤلاء المشركين الجهال: معلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود، وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويصلون، ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طلب بالنار.
ــ
«وسلم أنكر على أسامة بن زيد ﵁ قتل الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله فقال: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله " وما زال يكررها ﵊ على أسامة حتى قال أسامة: "تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد» وكذلك قوله- ﵌: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» وأمثال ذلك من الأحاديث التي يستدلون بها على أن من قال: " لا إله إلا الله " لا يكفر ولا يقتل، وإن كان على الشرك من جهة أخرى، وهذا من الجهل العظيم، فليس قول: " لا إله إلا الله" منجيا من عذاب النار ومخلصا للإنسان من الشرك إذا كان يشرك من جهة أخرى.
قوله:" فيقال لهؤلاء المشركين الجهال " إلخ هذا جواب الشبهة التي أوردها هؤلاء الجهال فيما سبق وجوابها بما يلي: أولا: أن النبي ﷺ قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون: لا إله إلا الله.
ثانيا: أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون، ويدعون أنهم مسلمون.
ثالثا: أن الذين حرقهم علي بن أبي طالب كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله.
стр. 1892
وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه؟ ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث: فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [سورة النساء، الآية: ٩٤] أي فتثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبيت معنى
ــ
قوله: " وهؤلاء الجهلة مقرون أن من أنكر البعث" إلخ هذا إلزام لهؤلاء الجهال واحتجاج عليهم بمثل ما قالوا به، فقد قالوا: إن من أنكر البعث فإنه يقتل كافرًا، ويقولون: من جحد وجوب شيء من أركان الإسلام، فإنه يحكم بكفره ويقتل وإن قال:لا إله إلا الله، فكيف لا يكفر ولا يقتل من يجحد التوحيد الذي هو أساس الدين وإن قال:لا إله إلا الله؟! أفلا يكون هذا أحق بالتكفير ممن جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة؟ ! وهذا إلزام صحيح لا محيد عنه.
قوله: " ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث " إلخ. يعني الأحاديث التي شبهوا بها ثم أخذ ﵀ يبين معناها فقال:
стр. 1893
ــ
فأما حديث أسامة، يعني الحديث الذي قتل فيه أسامة ﵁ من قال: لا إله إلا الله حين لحقه أسامة ليقتله وكان مشركًا، فقال: " لا إله إلا الله " فقتله أسامة لظنه أنه لم يكن مخلصًا في قوله وإنما قاله تخلصًا فليس فيه دليل على أن كل من قال: " لا إله إلا الله" فهو مسلم ومعصوم الدم، ولكن فيه دليل على أنه يجب الكف عمن قال: " لا إله إلا الله" ثم بعد ذلك ينظر في حاله حتى يتبين واستدل المؤلف لذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية، فأمر الله ﵎ بالتبين أي التثبت وهذا يدل على أنه إذا تبين أن الأمر كان خلاف ما كان عليه فإنه يجب أن يعامل بما يتبين من حاله، فإذا بان منه ما يخالف الإسلام قتل ولو كان لا يقتل مطلقًا إذا قالها لم يكن فائدة للأمر بالتثبت.
وعلى كل حال فإن حديث أسامة ﵁ ليس فيه دليل على أن من قال: " لا إله إلا الله" وهو مشرك يعبد الأصنام والأموات والملائكة والجن وغير ذلك يكون مسلمًا.
стр. 1894
وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ ، قال: «أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» هو الذي قال في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلًا وتسبيحًا، حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة
ــ
قوله: " وكذلك الحديث الآخر وأمثاله" يريد بالحديث الآخر قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس» إلخ، فبين رحمه الله تعالى أن معنى الحديث أن من أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين أمره، لقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا لأن الأمر بالتبين يحتاج إليه إذا كنا في شك من ذلك، أما لو كان قوله: " لا إله إلا الله " بمجرده عاصمًا من القتل فإنه لا حاجة إلى التبين، ثم استدل المؤلف ﵀ لما ذهب إليه بأن الذي قال لأسامة: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله» وقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» ... " هو الذي أمر بقتال الخوارج وقال: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» مع أن الخوارج يصلون ويذكرون الله ويقرؤون القرآن، وهم قد تعلموا من الصحابة ﵃ ومع ذلك لم ينفعهم ذلك شيئًا؛ لأن الإيمان لم يصل إلى قلوبهم كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنه لا يجاوز حناجرهم» .
стр. 1895
وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة، وكذلك «أراد النبي ﷺ ، أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وكان الرجل كاذبًا عليهم» (١) ، وكل هذا يدل على أن مراد النبي، ﷺ ، في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه.
ولهم شبهة أخرى: وهو ما ذكر النبي، ﷺ ، أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا .
والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال الله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
ــ
وهو أن مجرد قول: " لا إله إلا الله " ليس مانعًا من القتل بل يجوز قتال من قالها إذا وجد سبب يقتضي قتاله.
قوله: " ولهم شبهة أخرى " يعني في أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا وقد أجاب عنها بجوابين: