← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الحديث على هذا من نوع التحريف والإلحاد وفيه من المفاسد أشياء: · أحدها: سقوط الاعتماد على هذا الحديث. · الثاني: أن لفظ البدعة ومعناها يكون اسما عديم التأثير. · الثالث: أنه إذا لم يقصد بهذا الخطاب إلا المنهي عنه كان كتمانا لما يجب بيانه وبيانا لما لم يُقصد ظاهره وتلبيسا محضا لا يسوغ للمتكلم إلا أن يكون مدلسا. · الرابع: أنه لو أريد به ما فيه نهي خاص لكان النبي- ﷺ أحالهم في معرفة المراد به على ما لا يكاد يحيط به أحد ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة وهذا لا يجوز بحال. · الخامس: أنه لو أريد به ما فيه نهي خاص من البدع لكان أقل مما فيه نهي خاص واللفظ العام لا يجوز أن يراد به الصور القليلة أو النادرة. ٢٧٤ - وأما المقام الثاني فيقال: هب أن البدع تنقسم إلى حسن وقبيح فهذا لا يمنع أن يكون الحديث دالا على قبح الجميع وأكثر ما يقال: إذا ثبت أن هذا حسن فهو مستثنى من العموم لدليل كذا وكذا أو يقال: إن ثبت أنه حسن فليس ببدعة فأما ما يظن أنه حسن ولم يثبت حسنه أو ما يجوز أن يكون حسنا وأن يكون غير حسن فلا يعارض به الحديث. ٢٧٥ - فأما صلاة التراويح فليست بدعة لأن النبي- ﷺ صلاها في الجماعة في أول رمضان ليلتين أو ثلاثا وصلاها في العشر الأواخر في جماعة مرات.

стр. 1997

٢٧٦ - وتسمية عمر لها بدعة تسمية لغوية لأن البدعة لغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق. والبدعة الشرعية: (كل ما لم يدل عليه دليل شرعي) . فإذا كان نص رسول الله- ﷺ قد دل على استحباب فعل أو إيجابه بعد موته أو دل عليه مطلقا ولم يعمل به إلا بعد موته صح أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ فلفظ البدعة في اللغة أعم من لفظ البدعة في الشريعة. ٢٧٧ - ٢٧٨- ذكر أمثلة من البدع كجمع القرآن ونفي عمر ليهود خيبر ونصارى نجران ورد العطاء من أولي الأمر وقتال أبي بكر لمانعي الزكاة. ٢٧٨ - والضابط في هذا والله أعلم أن يقال: إن الناس لا يحدثون شيئا إلا يرونه مصلحة فما رأوه مصلحة فلينظر إلى السبب المحوج إليه فإن كان أمرا حدث بعد النبي- ﷺ وليس لتفريط منا فقد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه. ولذلك إن كان المقتضي لفعله في عهد النبي- ﷺ قائما لكن تركه لمعارض زال بموته أي فإنه يجوز فعله مثل كتابة القرآن وقيام رمضان جماعة فأما ما كان المقتضي لفعله موجودا ولا معارض له في عهد النبي- ﷺ فإنه لا يجوز إحداثه مثل الأذان لصلاة العيدين. وكذلك ما أحدث بتفريط من الناس كتقديم الخطبة على الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون فاعتذر من أحدثه بأن الناس ينفضون قبل سماع الخطبة بخلافهم في عهد النبي- ﷺ كان يخطبهم لتبليغهم وهدايتهم ونفعهم وأنت تقصد إقامة رئاستك فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق إلى ذلك أن تتوب إلى الله- تعالى- وتتبع سنة نبيه،

стр. 1998

فيستقيم الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله- تعالى- إلا عن عملك لا عن عملهم. ٢٨١ - بين ما يحصل للأمراء والعلماء والعباد بإقامة الشرع واتباع السنة. ٢٨٢ - الوجه الثاني في ذم المواسم والأعياد المحدثة ما تشتمل عليه من الفساد في الدين فمن ذلك: ١ - أن من أحدث عملا خص به زمانا أو مكانا فلا بد أن يصحب ذلك اعتقاد وهذا الاعتقاد إذا لم يكن له أصل يثبت به كان مفسدة، ثم استدل لذلك بنهي النبي- ﷺ «عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام ويومها بالصيام» (١) ثم قال: ومعلوم أن مفسدة هذا العمل بالتخصيص وإلا لنهى عنه مطلقا أو لم ينه عنه كيوم عرفة فظهر أن المفسدة تحصل من تخصيص ما لا خصيصة له. ٢٨٨ - العمل المبتدع مستلزم إما لاعتقاد هو ضلال في الدين وإما لعمل دين لغير الله- تعالى- والتدين بالاعتقادات الفاسدة أو لغير الله لا يجوز. ٢٨٩ - ثم هذا الاعتقاد يتبعه أحوال في القلب من التعظيم والإجلال وتلك الأحوال أيضا باطلة ليست من دين الله تعالى. فعلمت أن فعل هذه البدع تناقض الاعتقادات الواجبة وتنازع الرسل فيما جاؤوا به عن الله- تعالى- وتورث القلب نفاقا، وإن كان خفيفا. فمن تدبر هذا علم يقينا ما في حشو البدع من السموم المضعفة للإيمان.

стр. 1999

٢٩٠ - فإن قيل: هذا يعارضه أن هذه المواسم فعلها قوم من أولي العلم والفضل وفيها فوائد يجدها المؤمن في قلبه وغير قلبه من رقة القلب وإجابة الدعاء ونحوه، قلنا: لا ريب أن من فعلها متأولا مجتهدا ومقلدا كان له أجر على حسن قصده وعلى عمله من حيث ما فيه من المشروع، وكان ما فيه من البدعة مغفورا له، إذا كان في اجتهاده أو تقليده من المعذورين لكن هذا لا يمنع كراهتها والنهي عنها والاعتياض عنها بالمشروع الذي لا بدعة فيه. ٢٩١ - ثم يقال: إذا فعلها قوم فقد تركها قوم معتقدين كراهتها وأنكرها آخرون وهم ليسوا دون الفاعلين في الفضل ومعهم عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين. وما فيها من المنفعة يعارضه مفاسد البدعة الراجحة على منفعتها فمنها: ١ - المفسدة الحالية أو الاعتقادية. ٢ - أن القلوب تستعذبها وتستغني بها عن كثير من السنن. ٣ - أن الخاصة والعامة تنقص بسببها عنايتهم بالسنن والفرائض وتفتر رغبتهم فيها. ٤ - أن المعروف يصير منكرا والمنكر معروفا. ٥ - اشتمالها على كثير من المكروهات في الشريعة. ٦ - مسارقة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع. ٢٩٢ - العيد يكون اسما للمكان والزمان والاجتماع: أما الزمان فثلاثة أنواع: أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلا ولم يكن له ذكر في وقت السلف ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه مثل أول خميس من رجب

стр. 2000

وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب، فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث بعد المائة الرابعة وفيه حديث موضوع باتفاق العلماء. ٢٩٣- النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة ولم توجب أن يكون موسما ولم يعظمه السلف كثامن عشر ذي الحجة الذي " خطب فيه النبي- ﷺ في غدير خم مرجعه من حجة الوداع أوصى فيها باتباع كتاب الله وبأهل بيته " (١) .. فزاد فيه بعض أهل الأهواء وزعموا أن النبي- ﷺ عهد إلى علي بالخلافة بالنص الجلي.. وأن الصحابة تمالؤوا على كتمان هذا النص وغصبوا الوصي حقه وفسقوا وكفروا إلا نفرا قليلا فاتخاذ ذلك اليوم عيدا محدث لا أصل له. ٢٩٤ - وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى، وإما محبة للنبي- ﷺ وتعظيما له من اتخاذ مولد النبي- ﷺ عيدا مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع ولو كان خيرا محضا أو راجحا لكان السلف أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله- ﷺ وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان. ٢٩٦ - عليك بأدبين: أحدهما: حرصك على اتباع السنة باطنا وظاهرا في خاصتك وخاصة من يطيعك. الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان.

стр. 2001

٢٩٨ - فتفطن لحقيقة الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد.. بحيث تقدم عند التزاحم أعرف المعروفين فتعزو إليه وتنكر أنكر المنكرين وترجح أقوى الدليلين فإن هذا خاصة العلماء بهذا الدين. ٢٩٩ - فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له ظاهرا في الأمر بذلك المعروف والنهي عن ذلك المنكر ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين. · النوع الثالث: ما هو معظم في الشريعة كيوم عاشوراء فهذا قد يحدث فيه ما يعتقد أن له فضيلة كما أحدث بعض أهل الأهواء فيه التعطش والتحزن والتجمع.. وأحدث بعض الناس فيه أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها مثل فضل الاغتسال فيه.. وقد روي في التوسع به على العيال آثار معروفة.. والأشبه أن هذا وضع لما ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة فإن هؤلاء أعدو يوم عاشوراء مأتما فوضع أولئك آثارا تقتضي التوسع فيه وكلاهما باطل. ٣٠١ - وهؤلاء فيهم بدع وضلال وأولئك فيهم بدع وضلال وإن كانت الشيعة أكثر كذبا وأسوأ حالا. ٣٠٢ - ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان روي في فضلها أحاديث ومن السلف من يخصها بالقيام ومن العلماء من السلف وغيرهم من أنكر فضلها وطعن في الأحاديث الواردة فيها، لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم على تفضيلها. فأما صوم يوم النصف مفردا فلا أصل له، بل إفراده مكروه وكذلك اتخاذه موسما تصنع فيه

стр. 2002

الأطعمة. وما أحدث ليلة النصف من الاجتماع للصلاة الألفية فإن هذا الاجتماع مكروه لم يشرع. ٣٠٨ - فأما الحديث المرفوع في هذه الصلاة الألفية فكذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العملي المحدث العيد المكاني مثل قصد قبر من يحسن الظن به يوم عرفة للاجتماع عند قبره والسفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه.. فأما قصد الرجل مسجد بلده للدعاء والذكر فهذا هو التعريف في الأمصار الذي اختلف فيه العلماء وذكر خلافهم وتعليلهم. ٣١٢ - وأما ما أحدث في الأعياد من ضرب البوقات والطبول فإن هذا مكروه في العيد وغيره ... فينبغي إقامة المواسم على ما كان السابقون الأولون يقيمونها من الصلاة والخطبة المشروعة والتكبير والصدقة في الفطر والذبح في الأضحى فإن من الناس من يقصر في التكبير المشروع ومن الأئمة من يترك أن يخطب للرجال ثم النساء.. ومنهم من لا ينحر بعد الصلاة بالمصلى وهو ترك للسنة إلى أمور أخر من غير السنة فإن الدين فعل المعروف والأمر به وترك المنكر والنهي عنه. ٣١٢- والأعياد المكانية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا خصوص له في الشريعة فلا فضل له ولا فيه ما يوجب تفضيله فقصده أو قصد الاجتماع به لصلاة أو غيرها ضلال بين ثم إن كان فيه بعض آثار الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم كان أقبح وأقبح.

стр. 2003

٣١٤ - فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم تستحب الشريعة ذلك فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض سواء أكانت البقعة شجرة أو غيرها أو قناة جارية أو جبلا أو مغارة وقد ذكر من (ص ٣١٦- ٣١٩) أمثلة كثيرة ثم قال: ٣٢٠ - وأما إجابة الدعاء (يعني لمن دعا عند هذه المشاهد) فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدق التجائه أو مجرد رحمة الله- تعالى- له أو يكون أمرا قضاه الله- تعالى- لا لأجل دعائه أو يكون لأسباب أخرى وإن كانت فتنة في حق الداعي. ٣٢١ - النوع الثاني: ماله خصيصة لكن لا تقتضي اتخاذه عيدا ولا صلاة ونحوها من العبادات عنده مثل قبور الأنبياء والصالحين فقد نهي عن اتخاذها عيدا. ٣٢٥ - قبر المسلم له من الحرمة ما جاءت به السنة إذ هو بيت المسلم الميت فلا يترك عليه شيء من النجاسات بالاتفاق ولا يوطأ ولا يداس ولا يتكأ عليه ولا يجاور بما يؤذي الأموات من الأقوال والأفعال الخبيثة، ويستحب عند إتيانه السلام على صاحبه والدعاء له، وكلما كان الميت أفضل كان حقه آكد. ٣٢٨ - وهذا النهي (يعني النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة) يعم السفر إلى المساجد والمشاهد وكل مكان يقصد السفر إلى عينه للتقرب والعبادة. ٣٣٦ - ليس على المؤمن ولا له أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المفاسد وإنما عليه طاعتهم.

стр. 2004

٣٤٧ - كانت طريقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يأمروا الخلق بما فيه صلاحهم وينهوهم عما فيه فسادهم ولا يشغلوهم بالكلام في أسباب الكائنات كما تفعل المتفلسفة فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر. ٣٤٨ - على أن الكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه بحيث يختلط عقله فيتوله إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين. ٣٥٢ - وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله- تعالى- وسنة رسول الله- ﷺ وما كان عليه السابقون الأولون. ٣٥٣ - الكرامة في الحقيقة ما نفعت في الآخرة أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة. ٣٦٥ - قال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي- ﷺ ولكن يسلم ويمضي، لا يستحب للداعي أن يستقبل إلا ما يستحب أن يصلي إليه.. ومن الناس من يتحرى وقت دعائه استقبال الجهة التي يكون فيها معظمه الصالح سواء أكانت في الشرق أو غيره وهذا ضلال بين وشرك واضح. ٣٦٦ - كره مالك وغيره من أهل العلم لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء ويسلم على قبر النبي- ﷺ وصاحبيه قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر أو أراد سفرا ونحو ذلك. ورخص بعضهم في السلام عليه إذا دخل المسجد للصلاة ونحوها فأما قصده دائما للصلاة والسلام فما علمت أحدا رخص فيه لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا.. وأيضا فإن ذلك بدعة فقد كان

стр. 2005

المهاجرون والأنصار على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ يجيئون إلى المسجد كل يوم خمس مرات يصلون ولا يأتون إلى القبر يسلمون عليه لعلمهم بما كان النبي- ﷺ يكرهه من ذلك وبما نهاهم عنه وأنه يسلمون عليه عند دخول المسجد والخروج منه وفي التشهد. ٣٦٧ - كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك وغيره. ٣٧٠ - المنقول عن السلف كراهة الوقوف عند القبر للدعاء وهو أصح. ٣٧٦ - اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد. ٣٧٨ - الناس على قولين معروفين: أحدهما: أن ثواب العبادات البدنية من الصلاة والقراءة ونحوهما يصل إلى الميت كما يصل إليه ثواب العبادات المالية بالإجماع وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما وقول طائفة من أصحاب مالك والشافعي وهو الصواب لأدلة كثيرة ذكرناها في غير هذا الوضع. والثاني: أن ثواب العبادة البدنية لا يصل إليه بحال وهو المشهور عند أصحاب الشافعي ومالك. ٣٧٩ - فأما استماع الميت للأصوات من القراءة وغيرها فحق.. ونقلوه عن أحمد وذكروا فيه آثارا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي. ٣٨٣ - واعلم أن المقبورين من الأنبياء والصالحين المدفونين يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة كما أن المسيح يكره ما يفعله النصارى به.

стр. 2006

٣٨٤ - ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسول بعقله وتدبره بقلبه وجد فيه من الفهم والحلاوة والهدى وشفاء القلوب والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره.. فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك ويعتاض عن كل ما يظن من البدع أنه خير بنوعه من السنن فإنه من يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه. لما ذكر ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يتتبع المواضع التي سلكها النبي- ﷺ والتي صلى فيها اتفاقا لا قصدا فيسلكها ويصلي فيها قال: ٣٨٧ - لم يوافقه عليه أحد من الصحابة فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار يعني أنه يفعل ذلك قال: والصواب مع جمهور الصحابة لأن متابعة النبي- ﷺ تكون بطاعة أمره وفي فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد النبي- ﷺ العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحر ذلك المكان فإنا إذا تحرينا ذلك المكان لم نكن متبعين له فإنما الأعمال بالنيات. ٣٩١ - والشرك وسائر البدع مبناها على الكذب والافتراء ولهذا فإن كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركا فلا يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم ولا أبعد عن التوحيد، حتى إنهم يخربون مساجد الله التي يذكر فيها اسمه فيعطلونها عن

стр. 2007

الجمع والجماعات ويعمرون المشاهد التي أقيمت على القبور التي نهى الله ورسوله عن اتخاذها. (١) ٤٠٠ - كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القائل: زرنا قبر النبي- ﷺ لم يثبت عن النبي- ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص يريد أنه أمر بزيارة قبر مخصوص أما هو بنفسه فقد زار قبر أمه- ﷺ . ٤١٠ - إذا سئل الله- تعالى- بما جعله سببا للمطلوب من التقوى والأعمال الصالحة فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سببا، وأما إذا سئل بشيء ليس سببا للمطلوب فإما أن يكون إقساما به عليه فلا يقسم على الله بمخلوق وإما أن يكون سؤالا بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة. ٤١٦ - قد يراد بالخطاب والنداء استحضار المنادى بالقلب فيخاطب لشهوده بالقلب، كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه إن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. ٤٢١ - يفرق بين قول القائل: (الصفات غير الذات) وقوله: (صفات الله غير الله) فإن الثاني باطل لأن مسمى اسم الله يدخل فيه صفاته بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات، ولهذا لا يقال: صفات الله الزائدة عليه وإن قيل: الصفات زائدة على الذات.

стр. 2008

٤٢٢ - التوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم وإما بدعائهم وشفاعتهم أما مجرد دعاء الداعي وتوسله بهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له فلا ينفعه وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى. ٤٢٣ - الكلام هنا في ثلاث مسائل: · الأولى: أن يتأسى به (أي بالنبي- ﷺ ) في صورة الفعل الذي فعله من غير أن يعلم قصده فيه أو مع عدم السبب الذي فعله من أجله ففيه نزاع مشهور، وابن عمر ﵄ مع الآخذين بالتأسي به فيه. · الثانية: أن يتحرى تلك البقعة ليصلي عندها من غير أن يكون وقتا لصلاة بل ينشئ الصلاة لأجل البقعة، فهذا لم ينقل عن ابن عمر ولا غيره. · الثالثة: أن لا تكون تلك البقعة في طريقه بل يعدل عن طريقه إليها أو يسافر إليها سفرا طويلا أو قصيرا كمن يذهب إلى جبل حراء أو ثور أو الطور ليصلي فيه أو يدعو، فهذا لم يكن النبي- ﷺ ولا أحد من أصحابه يفعلونه، وتعبد النبي- ﷺ في حراء كان قبل المبعث أما بعده فلم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إليه.. فمن جعل قصد ذلك عبادة فقد اتبع غير سبيلهم وشرع من الدين ما لم يأذن به الله. ٤٢٩ - المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه.

стр. 2009

٤٣٠ - لما ذكر السفر للمساجد الثلاثة قال: وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم. ٤٣٣ - وليس في المدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء. ٤٣٣ - ٤٣٥ - كلام جيد عن بيت المقدس وصخرته. ٤٣٦ - كلام عن كعب الأحبار وفضائل الشام. ٤٣٧ - عن الحديث المرسل والمعلق وما يروى عن أهل الكتاب. ٤٣٨ - أصحاب النبي- ﷺ من السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان.. أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم وليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه. ٤٥٤ - لفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص. ٤٥٩ - غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل العبادة والإرادة، فطائفة ظنت أن التوحيد نفي الصفات بل نفي الأسماء الحسنى أيضا وسموا أنفسهم أهل التوحيد وأثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات وموجودا مطلقا بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح المعقول الموافق لصحيح المنقول أن ذلك لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان. ٤٦٠ - وطائفة ظنوا أن التوحيد هو الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خلق كل شيء.. وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع.. ولم يعلموا أن مشركي العرب كانوا يقرون بهذا التوحيد.. ولا يخلص بمجرده من الإشراك الذي هو أكبر الكبائر. ٤٦١ - والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال.

стр. 2010

وطائفة ممن تكلم في التوحيد على طريقة أهل التصوف ظنوا أن توحيد الربوبية هو الغاية والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد. ٤٦٣ - أولئك المبتدعون الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهؤلاء الذين أخرجوا عنه متابعة الأمر، إذا حققوا القولين أفضى بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين الخالق والمخلوق بل يقولون بوحدة الوجود كما قاله أهل الإلحاد ... الذين يقول عرافهم: السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية أي نظرا إلى الأمر ثم يرى طاعة بلا معصية أي نظرا إلى القدر ثم لا طاعة ولا معصية أي نظرا إلى أن الوجود واحد ولا يفرق بين الواحد بالعين والواحد بالنوع فإن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود.. مع العلم الضروري أنه ليس عين وجود هذا الإنسان هو عين وجود هذا الفرس.. لكن بينهما قدر مشترك تشابها فيه قد يسمى كليا مطلقا وقدرا مشتركا ونحو ذلك. ٤٦٥ - والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مماثلة المخلوقات ومن خالفهم من المعطلة المتفلسفة وغيرهم عكسوا القضية فجاؤوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، يقولون: ليس كذا ليس كذا ليس كذا، فإذا أرادوا إثباته قالوا: وجود مطلق بشرط النفي أو بشرط الإطلاق، وهم يقرون في منطقهم اليوناني أن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون في الخارج.

стр. 2011

٤٦٦ - وأما الرسل فطريقتهم طريقة القرآن قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . ٤٦٧ - فليجتهد المؤمن في تحقيق العلم والإيمان وليتخذ الله هاديا ونصيرا وحاكما ووليا فإنه نعم المولى ونعم النصير وكفى بربك هاديا ونصيرا. وإلى هنا انتهى ما أردنا نقله من كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) متحرين نقل كلامه بلفظه غالبا وربما سقناه بالمعنى أسأل الله- تعالى- أن يجعل فيما نقلناه بركة وأن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يوفقنا والمسلمين لما فيه الخير والصلاح، إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. تم نقله يوم الاثنين الموافق للثامن والعشرين من شهر الله المحرم سنة ١٤٠٠ أربعمائة وألف

стр. 2012

الإخلاص

стр. 2013

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . أما بعد: أيها الإخوة فإننا في هذا المكان مسجد قباء الذي هو كما وصفه الله بقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ . هذا المسجد، الذي قال الله لنبيه- ﵊: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ذا المسجد الذي ينبغي لكل من أتى إلى المدينة أن يخرج إليه متطهرا من بيته ويصلي فيه ركعتين وما تيسر.

стр. 2014

هذا المسجد الذي قام من قام من المنافقين، وأشباه المنافقين من أجل أن يقيموا مسجدا آخر يكون مضارا له ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إنه يجب علينا أن نتأمل كيف وبخ الله غاية التوبيخ الذين اتخذوا مكانا من أجل أن يفرقوا بين المؤمنين وأن يضاروا المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم؟ ولأجل أن يكون ذلك إرصادا لمن حارب الله ورسوله إذا كان هذا توبيخ الله- لمن اتخذوا مكانا يكون مشتملا على هذه الأوصاف فما بالكم بمن اتخذوا أفكارا وآراء يضادون بها العقيدة السليمة الصحيحة التي تلقاها السلف الصالح عن النبي ﷺ ؟ رحيقا زلالا صافيا حتى ابتدعوا في دين الله- تعالى- ما ليس منه وصاروا يجلبون الناس حولهم من أجل أن يصدوهم عن الصراط المستقيم فإذا كان هذا توبيخ الله- لمن اتخذوا مكانا في الأرض فما بالكم بمن حاولوا أن يتخذوا مكانا في القلوب؟ لذلك أدعو جميع المسلمين في هذه البلاد وفي غيرها من بلاد المسلمين أن يتحدوا على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذه الكلمة لا يمكن تحقيقها، ولا يصدق من ادعى تحقيقها حتى يأتي بالبرهان، وهو الإخلاص التام لله لا يشرك بعبادته لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا من دونهم بل يخلص العبادة لله- ومن أعظم العبادة الدعاء فإن الدعاء من العبادة يقول الله- : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .

стр. 2015

إله إلا الله ولم تحقق ما كنت تنطق به في كل ركعة من صلاتك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك عبدت الرسول- ﵊ مع الله حين دعوته فبهذا اللطف والإرشاد يمكن أن يقبل عليك بعض الشيء، وإذا فرضنا أن عنده بعض العناد فإنه سوف يناقش نفسه بِنَفْسِه ثم يرجع وأنت يا أخي لا تحتقر كلمة الحق كلمة الحق مؤثرة مهما قال لك الشيطان: إنها لا تؤثر وإن هذا سوف يركب رأسه فلا تطع الشيطان موسى ﵊ جمع له السحرة المهرة الذين وضعوا العصا والحبال فكانت هذه العصا والحبال يخيل إلى الناس أنها حيات تسعى حتى موسى ﵊ مع إيمانه وقوته أوجس في نفسه خيفة لكنه قال كلمة بسيطة قال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ هذه الكلمة أثرت تأثيرا عظيما ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ وإذا حصل النزاع حصل الفشل قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ تنازعوا أمرهم بينهم وأخيرا آمن السحرة فكلمة الحق تؤثر إذا صدرت من إنسان مخلص وأن الإنسان لا يريد أن يفرض قوله على غيره، إنما يريد أن يهدي غيره للحق الذي هو مراد الجميع فإنه سيؤثر بإذن الله- ولهذا لا تحقرن كلمة الحق ولا تقل إنها لا تنفع " «فما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء» . (١) أما إذا قال: إنه يدعو الله ويتجه إلى قبر الرسول ﵊

стр. 2016

﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ . حتى لو أراده الله بما يريده منه ما أحد يملك أن يدفع ما أراد الله ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ هذا الأمر الذي أمر به النبي- ﵊ وهو خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات، ولا نبي بعده هو الذي أمر به أول الرسل أيضا إذ قال الله- تعالى- عنه- ﵊: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . إذا كان كذلك فمن الخطأ الفادح أن يتجه إنسان إلى قبر النبي ﷺ ، ليسأل الله، أو لقبر النبي- ﷺ ليسأل النبي ﷺ أن يقضي حاجته، أو يدفع ضرورته، إنه إذا كان على الأمر الثاني يتجه إلى النبي- ﵊ ليقضي حاجته أو يفرج كربته إن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله- والذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ . والذي قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ . أما إذا كان يدعو الله- ولكنه يتجه إلى قبر النبي ﷺ فإن هذا لا يصل إلى حد الشرك الأكبر ولكنه خطأ إن التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرعه الله ورسوله والعبادات مبناها على الاتباع لا على الابتداع. إذا كنت تدعو رب السماوات

стр. 2017

جلَّ وعلا فاتجه إلى أمر بالاتجاه إليه اتجه إلى بيته الحرام ولا تتجه إلى بيت الرسول اتجه إلى بيت من تدعو وهو الله- لا إلى بيت من لا يملك لك نفعا ولا ضرا وهو الرسول- ﷺ . والحقيقة أنه لا ينبغي لنا أن نسكت على هذا الأمر ولا ينبغي لنا أن نعالجه إلا بالحكمة، العنف لا يجدي شيئا. لكن الحكمة واللين يجدي الإرشاد والدعوة بالمنقول والمعقول هذا الذي يثمر كثيرا فلو أننا شاهدنا أحدا يقول هكذا أو يفعل هكذا، في مسجد الرسول- ﷺ دعوناه بلطف، ولين وبينا له وقلنا له: من تدعو فإما أن يدعو الرسول- ﵊، أو يدعو الله فإذا كان يدعو الرسول- ﷺ فهو مشرك لأن الله- تعالى- يقول ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ما قال: ادعوا النبي محمدا ﵊ ولا أي أحد من الناس ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ هذا أمر الله سيقول: نعم وإذا كان لم يقرأ القرآن نخبره بما في القرآن فإذا اقتنع بذلك واعترف به فيقال له: أكمل الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ فسمى الله الدعاء عبادة، فإذا دعا الرسول- ﵊ فقد عبده ولم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله ولم يحقق ما ينطق به في كل ركعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإن هذه الجملة كما يفهم منها قولك: " لا نعبد إلا إياك " فهي تقابل لا إله إلا الله، لأن لا إله إلا الله معناها لا معبود بحق إلا الله سبحانه ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله أن يعترف الإنسان بلسانه وقلبه بأنه لا معبود حق إلا الله- فكل ما عبد من دون الله فهو باطل قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ فيقال لهذا الرجل: أنت لم تحقق شهادة لا

стр. 2018

إله إلا الله ولم تحقق ما كنت تنطق به في كل ركعة من صلاتك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك عبدت الرسول- ﵊ مع الله حين دعوته فبهذا اللطف والإرشاد يمكن أن يقبل عليك بعض الشيء، وإذا فرضنا أن عنده بعض العناد فإنه سوف يناقش نفسه بِنَفْسِه ثم يرجع وأنت يا أخي لا تحتقر كلمة الحق كلمة الحق مؤثرة مهما قال لك الشيطان: إنها لا تؤثر وإن هذا سوف يركب رأسه فلا تطع الشيطان موسى ﵊ جمع له السحرة المهرة الذين وضعوا العصا والحبال فكانت هذه العصا والحبال يخيل إلى الناس أنها حيات تسعى حتى موسى ﵊ مع إيمانه وقوته أوجس في نفسه خيفة لكنه قال كلمة بسيطة قال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ هذه الكلمة أثرت تأثيرا عظيما ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ وإذا حصل النزاع حصل الفشل قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ تنازعوا أمرهم بينهم وأخيرا آمن السحرة فكلمة الحق تؤثر إذا صدرت من إنسان مخلص وأن الإنسان لا يريد أن يفرض قوله على غيره، إنما يريد أن يهدي غيره للحق الذي هو مراد الجميع فإنه سيؤثر بإذن الله- ولهذا لا تحقرن كلمة الحق ولا تقل إنها لا تنفع " «فما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء» . أما إذا قال: إنه يدعو الله ويتجه إلى قبر الرسول ﵊-

стр. 2019

فنقول له: لماذا؟ هل بيت الرسول أحب إليك من بيت الله إن قال: نعم فهو على خطر، وإن قال: بيت الله أحب إلي، قلنا له: اتجه إلى بيت الله- إلى قبلته التي فرض الله على المسلمين أن يتجهوا إليها في اليوم خمس مرات هذا هو أحق أن يتجه إليه من قبر الرسول- ﷺ إذا اتجاهك إلى القبر من أجل أنه قبر الرسول- ﵊ هذا أمر مرجوح وطرف راجح فهو قد أقر بأن بيت الله أحب إليه من بيت الرسول- ﵊ فإذا كان كذلك فاتجه إلى بيت الله لأنك تسأل الله فاتجه إلى بيت الله لا إلى بيت الرسول ﷺ . فإن قال: أنا أتجه إلى بيت الرسول- ﷺ ليكون وسيلة لي عند الله . قلنا له: الرسول- ﵊ قد انقطع عن أعمال التكليف ولا يستطيع أن يدعو لأحد أبدا لأن الدعاء عمل وقد أخبر النبي- ﵊ نفسه. «أن ابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» (١) فالرسول- ﵊ لا يمكن أن يشفع لك عند الله- لأن عمله قد انقطع أما في حياته فيستشفع به عند الله كما كان يفعل الصحابة ﵃، فقد «جاء رجل إلى النبي- ﷺ وهو يخطب الجمعة فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا، فرفع النبي- ﷺ يديه وقال: " اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" قال أنس راوي الحديث: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزع وما بيننا وبين»

стр. 2020

«سلع من بيت ولا دار إذ خرجت سحابة من وراء سلع وانتشرت ورعدت وبرقت فما نزل الرسول- ﷺ إلا والمطر يتحادر من لحيته. (١) وبقي المطر أسبوعا كاملا ثم دخل ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله أن يمسكها عنا فرفع يديه وقال: اللهم حوالينا ولا علينا وجعل يشير بيده الكريمة- ﷺ فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت وخرجوا يمشون في الشمس» الله أكبر. هذا من آيات الله الدالة على سمعه للدعاء، وعلى قربه من الداعي وعلى قدرته على كل شيء وهو في نفس الوقت آية للرسول- ﵊ حيث استجاب الله دعاءه لأنه رسول فأيد بإجابة الدعاء فيكون هذا من آياته الدالة على صدقه- ﷺ وعلى صحة رسالته، فأما بعد موته فلا يمكن ولهذا أعلم الناس بهذا الأمر من هذه الأمة هم الصحابة، ومع ذلك لما قحط في زمن عمر بن الخطاب ﵁ (٢) هل قال: يا رسول الله ادع الله لنا أن يغيثنا؟ كلا والله ولا يمكن أن يقول ذلك لأن هذا ليس بالشرع ولا بالعقل أن تقول لميت ادع الله ولكنه قال للعباس بن عبد المطلب: قم يا عباس ادع الله فدعا فأغيثوا والعباس حي وكل إنسان يرجى قبول دعوته فلا حرج عليك أن تقول: يا فلان ادع الله لي وإذا كان النبي- ﵊ في أعظم موقف من مواقف الخلق في المقام المحمود الذي يبعثه فيه الله- لا يمكن أن يتكلم

стр. 2021

بكلمة إلا بإذن الله، «إذا لحق الناس من الكرب والهم والغم ما الله به عليم ذهبوا إلى آدم يسألونه أن يشفع إلى الله ليريحهم من الموقف فيعتذر، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى حتى تصل إلى النبي- ﵊» (١) ولكنها إذا وصلت إليه لا يمكن أن يشفع إلا بعد إذن الرب- بعد إذن الرب الذي هو ملك الملوك والذي سلطانه لا نظير له ولا مداني له ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ . (من) اسم استفهام بمعنى النفي، والاستفهام إذا جاء بمعنى النفي كان أعظم وأبلغ لأنه يكون مشربا بالتحدي فإن قولك: ولا يشفع أحد نفي بـ لا لكن قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ أبلغ في التحدي وامتناع هذا الأمر، فإذا لا يمكن أن يشفع لا رسول الله- ﷺ ولا غيره من الخلق إلا بعد إذن ملك الملوك ذي السلطان الأعظم وهو الله ﵎. فإذا كان كذلك فلا وجه لكونك تتجه إلى قبر الرسول- ﵊ ليكون وسيلة لك أن يقبل دعاءك اتجه إلى بيت الله- فهو أقرب وسيلة. في هذا البلد الطيب الذي كان هذا المسجد مسجد قباء لما بني مسجد الضرار حوله نهى الله نبيه أن يقوم فيه لأنه يراد به التفريق بين المؤمنين والمضارة لهذا المسجد الذي أسس على التقوى، والتفريق والإرصاد لمن حارب الله ورسوله فإذًا نقول: كل شيء يضاد ما جاء به الرسول- ﵊ فإنه يشبه مسجد الضرار بل إن مضارة المزاحمة في القلوب أشد من

стр. 2022

المضارة في المزاحمة في الأماكن علينا أن نكون أمة واحدة يدعو بعضنا بعضا إلى كتاب الله وسنة رسوله- ﷺ حتى تحقق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وشهادة أن محمدا رسول الله من أكبر مقتضياتها اتباع الرسول- ﵊ ظاهرا وباطنا ومن لا يتبع الرسول- ﵊ ولو أخلص لله فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله لم يحققها ولا يقبل منه حتى مع الإخلاص يقول النبي- ﵊: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) ، وفي لفظ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . (٢) إذا كان كذلك فالإخلاص ليس كل شيء لا بد مع الإخلاص أن ينضم إليه المتابعة، المتابعة للرسول- ﵊ بحيث لا يجعل الإنسان أحدا شريكا مع الرسول- ﵊ في التشريع للخلق ولو كان من أكبر أئمة المسلمين لو كان أبا بكر وعمر فلا يجوز أن نجعله شريكا مع الرسول- ﵊ في التشريع قال ابن عباس ﵄: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر وقال الله- : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .

стр. 2023

قال الإمام أحمد: (أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) وهو كذلك لأنه إذا رد بعض قول الرسول- ﵊ فلا بد أن يكون عن هوى وإذا كان عن هوى فالهوى شرك ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ . إذا من لم يتبع الرسول- ﵊ فإنه لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله، وعدم اتباع الرسول- ﵊ على نوعين: أحدهما: أن يقدم قول غيره عليه يعلم هدي الرسول- ﵊، ولكنه يقدم قول غيره عليه، وهذا يوجد كثيرا في المتعصبين للمذاهب سواء كانت المذاهب مذاهب فقهية علمية أو مذاهب فكرية اعتقادية فإن بعض المتعصبين تعرض عليه هدي الرسول- ﵊ واضحا وضوح الشمس في رابعة النهار ولكن يقول: قال فلان كذا وقال فلان كذا، يقول الإمام أحمد ﵀ يقول مستنكرا: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فما بالك بمن يذهبون إلى رأي من دون سفيان ويدعون هدي الرسول- ﵊؟ إذا قيل لهم هذا هدي الرسول- ﵊. قالوا: لكن قال

стр. 2024

فلان كذا وكذا من الذي أرسل إليكم أفلان، أم رسول الله محمد؟ إن قال فلان كفر وأعلن بكفره، وإن قال محمد نقول: ما قيمة الرسالة عندك وأنت تقدم هدي غيره على هديه؟ إذا كان رسولك محمد ﷺ فلتكن متبعا له متأدبا بين يديه. أما النوع الثاني: من المخالفة لهدي الرسول ﵊ فأن يشرع في دين الله ما ليس فيه، يفعل شيئا يتقرب به إلى الله، ولكن الرسول ما شرعه فهذا لم يحقق شهادة أن محمدا رسول الله لو حقق شهادة أن محمدا رسول الله- ﷺ ما ذهب يبتدع في دين الله ما ليس منه لأن ابتداع الإنسان في دين الله ما ليس منه يتضمن الاستدراك على الله ورسوله، فإن هذا استدراك على الله متضمن لتكذيب هذه الجملة العظيمة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ . أين كان رسول الله- ﷺ عن هذا الأمر الذي تدين لله به وتتعبد لله به أين كان؟ أكان جاهلا به؟ إن قلت: نعم فقد رميته بالجهل، أكان مخالفا له؟ إن قلت: نعم فقد رميته بالمخالفة أكان كاتما له عن أمته؟ إن قلت: نعم فقد رميته بالكتمان، فإذا كان الأمر كذلك وكل اللوازم باطلة، فإنه يلزم من ذلك أن يقول: كل بدعة يتدين بها الإنسان إلى الله من عقيدة في القلب أو نطق باللسان أو عمل بالأركان فإنها عقيدة باطلة وصدق الرسول- ﵊ «كل بدعة ضلالة» . وهذه جملة مسورة بكلمة "كل" التي هي أدل ألفاظ العموم على العموم ليس فيها تخصيص، والله لو وقعت هذه في كتاب واحد من الذين يقلدون لكان كل

стр. 2025

من أخرج بدعة من هذه الكلية يقال له: أين الدليل؟ ولكن كلام الرسول- ﵊ المحكم البين الواضح يحرف ويقال: هذا عام يراد به الخاص، نحن نستحسن أن نعبد الله بهذا لأن قلوبنا ترق عنده ولأن هذا ينشطنا ولكن نقول: والله لو كان خيرا لشرعه الله لعباده، ترقيق القلب لهذه البدعة يوجب أن يقسو عن السنة لأن القلب وعاء إن ملأته بخير امتلأ به وإن دخل على هذا الخير شر فلا بد أن يضايق الخير فيخرج، لو كان عندك إناء مملوء بماء ثم صببت عليه ماء آخر هل يجمع الجميع لا بد أن يخرج فإما سنة وإما بدعة، ولهذا نقول لكل من في قلبه إخلاص وحب للدين وحب للرسول- ﵊ نقول له: جزاك الله خيرا على هذه المحبة وعلى هذا الإخلاص، ولكن من تمام الإخلاص أن تعتقد بأنه لا خير للإنسان فيما يتعبد به الله إلا ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلماذا تطلب الخير في غيرهما؟ فيما جاء في كتاب الله، وفيما صح عن رسول الله- ﷺ من العبادات، كفاية لصلاح القلوب والأبدان والأفراد والجماعات ولكن أين القلوب التي تتلقى هذا؟ من القلوب ما هو كالزجاجة أي شيء يرد عليه ينكسر، ومن القلوب ما هو كالإسفنجة يقبل ولكنه صامد لا يتجزأ ولا يتكسر إلا أنه يميز الحق من الباطل فنقول لمن ابتدع بدعة في دين الله سواء كانت قولا باللسان أو عقيدة بالجنان، أو عملا بالأركان نقول: كتاب الله موجود وسنة الرسول عليه والصلاة والسلام موجودة

стр. 2026

مهذبة قد بين صحيحها من سقيمها وطريق السلف الصالح موجود والحمد لله فلماذا نبتدع في عقيدتنا؟ لماذا نبتدع أذكارا ما أنزل الله بها من سلطان؟! لو كان كل من راق له شيء أو زين في قلبه شيء مما يتعبد لله به، تعبد الله به أتكون الأمة واحدة؟ أبدا تتفرق لكن هناك ميزان ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ . هناك ميزان ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إن اتفقتم على شيء فهو الحق.. وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله. فالحاصل أيها الإخوة أننا في هذه البلدة الطيبة طيبة مدينة الرسول- ﵊ مهاجر الرسول- ﵊ أول عاصمة إسلامية في هذه الشريعة العامة الكاملة الشاملة هذه البلدة الطيبة التي فيها هذا المسجد " مسجد قباء " وفيها المسجد الذي هو خير منه مسجد الرسول- ﵊ الذي قال فيه ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (١) ، في هذا البلد الطيب يجب أن تكون طريقة المسلمين عامة هي ما كان عليه السلف الصالح ما كان عليه النبي- ﵊ وخلفاؤه الراشدون ولا سيما أبو بكر وعمر اللذين قال فيهما- ﵊: «اقتدوا باللذين من»

стр. 2027

«بعدي أبي بكر وعمر» (١) ، وثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» (٢) . " إن " شرطية، فعلها " يطيعوا " وجوابها " يرشدوا " إذا ففي طاعة هذين الرجلين رشد لأنهما خليفتا رسول الله- ﷺ ووزيراه ﵄ وأرضاهما أقول: في هذا البلد ينبغي أن نكون أمة واحدة ندعو إلى الحق بإذن الله على صراط مستقيم، وإذا رأينا شيئا لا نحقر أنفسنا ونقول: لا نستطيع هؤلاء معاندون هذا خطأ هؤلاء الذي يظهر لنا من حالهم أنهم يريدون الخير لكن ما كل من أراد شيئا وفق له ما كل ما يتمنى المرء يدركه علينا أن نصبر وأن نصابر وأن ندعو بالتي هي أحسن بقدر ما نستطيع، لا نصمت على منكر أو على بدعة، لكننا لا نعنف، لأن الأهواء في هذا الزمان كثرت وكل إنسان يقول: الحق عندي أو عند متبوعي، ولكن إذا أتينا بالحكمة وباللين وبالسهولة وبالبيان المبني على المنقول والمعقول. وإنني بهذه المناسبة أقول: إن تعظيم الناس الآن للمعقول ليس كل الناس ولكن كثيرا منهم يعظمون الدليل العقلي أكثر مما يعظمون الدليل النقلي أو يرجعون بالأصح إلى الدليل العقلي أكثر، ونحن نعلم علم اليقين أن كل ما جاءت به الشريعة فإنه مبني على العقل لكن أي عقل هو؟ العقل الصريح أي السالم من الشبهات والشهوات وليس العقل المشوب بشبهة أو شهوة، بشبهة التبس عليه الحق أو بشهوة ظهرت له ولكن لا يريده فكل ما جاءت به الشريعة فإنه موافق لصريح المعقول ولا شك ولا يمكن أبدا أن يخالفه حتى إني رأيت في

стр. 2028

كتاب [درء تعارض النقل والعقل] لشيخ الإسلام ابن تيمية وهو كتاب عظيم قال فيه ابن القيم في النونية: وله كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثاني ويريد بما في الوجود من الكتب المؤلفة في بابه رأيته يقول: " أنا مستعد لكل من أتى بدليل من كتاب الله أو من صحيح سنة رسول الله- ﷺ كل من أتى بدليل يستدل به على باطل فأنا مستعد أن أجعله دليلا عليه لا له" انظر القدرة والله يؤتي فضله من يشاء فكل ما يستدل به أهل الباطل من كتاب الله أو صحيح السنة فإنه دليل عليهم وليس دليلا لهم وهذه قدرة في معرفة المعاني وكيف يرد الشيء أو كيف يرد الخنجر في صدر من عدا به إذا كان عدوانه على باطل وهذا من توفيق الله للعبد أن يجعل الله- تعالى- في قلبه حفظا ووعيا وعقلا نسأل الله- تعالى- أن يتولانا برعايته، وأن يهدينا صراطه المستقيم وأن يجعلنا ممن جاهدوا في الله حق جهاده ودعوا إلى الله على بصيرة إنه جواد كريم والحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2029

فوائد في العقيدة

стр. 2030

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فقد كنت أقيد بعض المسائل المهمة التي تمر بي حرصا على حفظها، وعدم نسيانها، في دفتر وسميتها " فرائد الفوائد". وقد انتقيت منها ما رأيته أكثر فائدة وأعظم أهمية، وسميت ذلك:- " المنتقى من فرائد الفوائد". أسأل الله- تعالى- أن ينفع به، وأن يجعل لطلبة العلم فيه أسوة. ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. القسم الأول: فوائد في العقيدة: [فوائد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من " كتاب الإيمان "] . فائدة: الإسلام: هو الاستسلام لله وحده، بشهادة أن لا إله الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، فهو الخضوع لله تعالى، والعبودية له وحده فمن استكبر عن عبادته وأشرك معه غيره فغير مسلم. فإن قيل: ما أوجبه الله- تعالى- من الأعمال أكثر من الخمسة المذكورة التي جعلها النبي ﷺ ، هي أركان الإسلام، أو هي الإسلام؟

стр. 2031

فالجواب هو: أن ما ذكره النبي ﷺ ، هو الذي يجب على كل مكلف بلا قيد، وأما ما سواه فإما أنه يجب على الكفاية، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه، أو لأسباب كصلة الرحم، إذ ليس كل أحد له قرابة تجب صلتهم. كذا ذكر الشيخ الجواب لكن يرد على هذا الزكاة والحج إذ ليس كل أحد عنده مال حتى يجب عليه الزكاة والحج، ولعل الجواب أن هذه الخمس المذكورة هي أكبر أجناس الأعمال، فإن الأعمال على ثلاثة أقسام: قسم أعمال بدنية ظاهرة كالصلاة، وباطنة كالشهادتين، وهما أيضا من الأقوال. وقسم أعمال مالية كالزكاة. وقسم مركب من النوعين كالحج. فذكر النبي ﷺ ، الأصول وأن المرء إذا قام بأصل من هذه الأجناس فهو مسلم، وأيضا فإن صلة الرحم قد يكون الداعي فيها قويا ليس من جهة الشرع بل من جهة الإنسانية، بخلاف الزكاة والحج!! فائدة: الناس في تفاضل الإيمان وتبعضه على قولين: أحدهما: إثبات ذلك وهو الصواب الذي تدل عليه الأدلة العقلية والنقلية، وهو قول المحققين من أهل السنة. وتفاضله بأمرين: الأول من جهة العامل. وذلك نوعان: الأول في الاعتقاد، ومعرفة الله تعالى، فإن كل أحد يعرف تفاضل يقينه في معلوماته، بل في المعلوم الواحد وقتا يرى يقينه فيه أكمل من الوقت الآخر.

стр. 2032

النوع الثاني: في القيام بالأعمال الظاهرة كالصلاة، والحج والتعليم، وإنفاق المال، والناس في هذا على قسمين: أحدهما: الكامل وهم الذين أتوا به على الوجه المطلوب شرعا. الثاني: ناقصون، وهم نوعان: النوع الأول، ملومون، وهم من ترك شيئا منه مع القدرة وقيام أمر الشارع، لكنهم إن تركوا واجبا أو فعلوا محرما فهم آثمون، وإن فعلوا مكروها أو تركوا مستحبا فلا إثم. النوع الثاني: ناقصون غير ملومين، وهم نوعان: الأول: من عجز عنه حسا، كالعاجز عن الصلاة قائما. الثاني: العاجزون شرعا مع القدرة عليه حسا. كالحائض تمتنع من الصلاة، فإن هذه قادرة عليه، لكن لم يقم عليها أمر الشارع. ولذلك جعلها النبي ﷺ ، ناقصة الإيمان بذلك فإن من لم يفعل المأمور ليس كفاعله. ومثل ذلك من أسلم ثم مات قبل أن يصلي لكون الوقت لم يدخل، فإن ذلك كامل الإيمان لكنه من جهة أخرى ناقص، ولا يكون كمن فعل الصلاة وشرائع الإسلام، ومن ذلك قول النبي ﷺ : «خيركم من طال عمره وحسن عمله» . (١) الأمر الثاني: من جهة العمل، فكلما كان العمل أفضل كانت زيادة الإيمان به أكثر. القول الثاني: نفي التفاضل والتبعض، وانقسم أصحاب هذا القول إلى طائفتين.

стр. 2033

إحداهما: قالت: إن من فعل محرما أو ترك واجبا فهو مخلد في النار، وهؤلاء هم المعتزلة. وقالوا: هو لا مسلم ولا كافر منزلة بين منزلتين. وأما الخوارج فكفروه. الطائفة الثانية: مقابلة لهذه قالت: كل موحد لا يخلد في النار والناس في الإيمان سواء، وهم المرجئة. وهم ثلاثة أصناف. صنف قالوا: الإيمان مجرد ما في القلب وهما نوعان. الأول: من يدخل أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة. والثاني: من لا يدخلها وهم الجهمية وأتباعهم كالأشعري، لكن الأشعري يثبت الشفاعة في أهل الكبائر. والصنف الثاني: قالوا: الإيمان مجرد قول اللسان. وهم الكرامية، ولا يعرف لأحد قبلهم، وهؤلاء يقولون: إن المنافق مؤمن، ولكنه مخلد في النار. الثالث: قالوا: إنه تصديق القلب وقول اللسان. وهم أهل الفقه والعبادة من المرجئة، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه. فائدة: مراد النبي ﷺ ، بقوله: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (١) ، أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن، لا أن من لم ينكر ذلك بقلبه لم يكن معه من الإيمان حبة خردل. قلت: ومن رضي بالذنب واطمأن إليه فهو كفاعله لا سيما مع فعل ما يوصل إليه وعجز وقد قال الشيخ ﵀: [إن من ترك إنكار كل منكر بقلبه فهو كافر] .

стр. 2034

فائدة: الإسلام عبادة الله وحده، فيتناول من أظهره ولم يكن معه إيمان، وهو المنافق، ومن أظهره وصدق تصديقا مجملا، وهو الفاسق، فالأحكام الدنيوية معلقة بظاهر الإيمان لا يمكن تعليقها بباطنه لعسره أو تعذره، ولذلك ترك النبي ﷺ ، عقاب أناس، منافقين مع علمه بهم، لأن الذنب لم يكن ظاهرا. ا. هـ. ما أردنا نقله من " كتاب الإيمان" على نوع من التصرف لا يخل بالمعنى. ومن كلام الشيخ الإسلام في شرح عقيدة الأصفهاني. فائدة: الله ﷻ لا يدعى إلا بأسمائه الحسنى خاصة، فلا يدعى ولا يسمى بالمريد والمتكلم، وإن كان معناهما حقا، فإنه يوصف بأنه مريد متكلم، ولا يسمى بهما، لأنهما ليسا من الأسماء الحسنى، فإن من الكلام ما هو محمود ومذموم، كالصدق والكذب، ومن الإرادة كذلك كإرادة العدل والظلم. فائدة: كل صفة لا بد لها من محل تقوم به، وإذا قامت الصفة بمحل فإنه يلزم منها أمران: الأول: عود حكمها على ذلك المحل دون غيره. الثاني: أن يشتق منها لذلك المحل اسم دون غيره. مثال ذلك: الكلام فإنه يلزم من أثبت كونه من صفات الله- تعالى - أن

стр. 2035

يشتق منه اسم دون غيره، لكن لا يلزم من ذلك أن نثبت له اسما بأنه متكلم كما سبق، ويلزم أن لا يجعله مخلوقا في غيره خلافا للجهمية، حيث زعموا أنهم أثبتوا الكلام وجعلوه مخلوقا فإنه يلزم من كلامهم نفي الكلام عن الله، كما نفاه متقدموهم. فائدة: قال في ص ١٣٨: فالتزموا (أي المعتزلة) لذلك أن لا يكون لله علم، ولا قدرة، وأن لا يكون متكلما قام به الكلام، بل يكون القرآن وغيره من كلامه- تعالى- مخلوقا خلقه في غيره، ولا يجوز أن يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة. ولا هو مباين للعالم، ولا مجانبة، ولا داخل فيه، ولا خارج عنه، ثم قالوا أيضا: لا يجوز أن يشاء خلاف ما أمر به ولا أن يخلق أفعال عباده ولا يقدر أن يهدي ضالا أو يضل مهتديا، لأنه لو كان قادرا على ذلك وقد أمر به، ولم يعن عليه لكان قبيحا منه، فركبوا عن هذا الأصل التكذيب بالصفات والقدرة، إلى أن قال: وأصل ضلالهم في القدر أنهم شبهوا المخلوق بالخالق سبحانه، فهم مشبهة الأفعال. وأما أصل ضلالهم في الصفات، فظنهم أن الموصوف الذي تقوم به الصفات لا يكون إلا محدثا. وقولهم من أبطل الباطل فإنهم يسلمون أن الله حي عليم قدير، ومن المعلوم أن حيا بلا حياة وعليما بلا علم وقديرا بلا قدرة، مثل متحرك بلا حركة، وأبيض بلا بياض، وأسود بلا سواد، وطويل بلا طول، وقصير بلا قصر، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة التي يدعى فيها نفي المشتق منه وهذه مكابرة للعقل، والشرع، واللغة.
следующие страницы →