← Фатава

Фатава · id 12293

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (10 899 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

فائدة: في صحيح مسلم ص ١٩٧ ج ٥: أن نجدة كتب لابن عباس يسأله عن خمس خلال هل كان النبي ﷺ ، يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتي ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فقال ابن عباس لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه، فكتب إليه، كتبت تسألني هل كان النبي ﷺ ، يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة. وأما بسهم فلم يضرب لهن رسول الله ﷺ . وإن رسول الله- ﷺ لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان. وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم. وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هو لنا فأبى علينا قومنا ذاك ا. هـ. فيه دليل على جواز قول لعمري . فائدة: إذا أضاف الإنسان الشيء إلى سببه الصحيح المعلوم من غير واو العطف الدالة على التشريك فلا بأس به. ويدل عليه ما رواه البخاري: «أن العباس بن عبد المطلب، قال للنبي ﷺ : ما أغنيت عن عمل أبي طالب فإنه كان يحوطك ويغضب لك. قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (١) ورواه مسلم بهذا اللفظ.

стр. 2067

وقريب من هذا قوله ﷺ : «لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار» . (١) فائدة: اتفق العلماء على أن كراهة عبدي وأمتي للتنزيه حتى أهل الظاهر، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ . على أن المنهي هو السيد خشية التطاول. أما غيره فلا لأنه إنما يقصد التعريف غالبا. وقد زاد مسلم في حديث النهي، ولا يقل: مولاي فإن مولاكم الله. وهذه الزيادة قد بين مسلم الاختلاف فيها على الأعمش، فمنهم من ذكرها ومنهم من حذفها. وقال عياض: حذفها أصح. وقال القرطبي: المشهور حذفها. أما كلمة الرب فقد قال الخطابي: إن غير العاقل لا يكره إضافتها إليه كرب الدار ونحوه وقال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله: رب كما لا يجوز إله. ا. هـ. هذا وقد ورد في الحديث إذا ولدت الأمة ربتها فدل على أن النهي عن الإطلاق. ويحتمل أنه للتنزيه. وما ورد فلبيان الجواز. وقيل: إن الجواز خاص بالنبي- ﷺ . وقيل: إن النهي عن الإكثار من ذلك، ولعل هذا أقرب الاحتمالات،

стр. 2068

لقوله: «لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضئ ربك» (١) لأن الطعام والوضوء يكثر تكررهما. ولا ريب أنه إذا خشي المحذور من استعمال الكلمتين قوي النهي والكراهة، وربما وصلت إلى التحريم وكلما بعد المحذور بعدت الكراهة وربما زالت إذا زال والله أعلم. تم بحمد الله

стр. 2069

الوصايا العشر

стр. 2070

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله- تعالى- بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية: ١٠٢] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [سورة النساء: الآية ١] . أما بعد: إخواني الكرام: موضوع المحاضرة هو الكلام على الوصايا العشر التي في آخر سورة الأنعام وقبل الكلام عليها أحب أن أنبه على ثلاث مسائل تفعل في النصف من هذا الشهر أو يذكرها العامة في النصف من هذا الشهر- شهر شعبان.

стр. 2071

المسألة الأولى: أن كثيرا من العامة يظنون أن ليلة النصف من شعبان هي ليلة القدر وأنه يكتب فيها ما يكون في السنة، ومن المعلوم أن ليلة القدر في رمضان ودليل ذلك قوله ﵎ في القرآن الكريم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [سورة القدر، الآية: ١] . وفي قوله تعالى: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان، الآيات:١- ٤] فهذا نص في أن القرآن نزل في ليلة القدر التي يفرق فيها ويفصل كل أمر حكيم ثم قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٥] . وهذا يدل دلالة أكيدة على أن ليلة القدر في رمضان بل هي في العشر الأواخر من رمضان. المسألة الثانية: وهي أن بعض الناس يخص ليلته بقيام ويومه بصيام بناء على أحاديث ضعيفة وردت في ذلك، ولكن حيث لا تصح هذه الأحاديث الضعيفة فإن ليلة النصف من شعبان لا تخص بقيام. ولكن إن كان الإنسان قد اعتاد أن يقوم الليل، فليقم ليلة النصف كغيرها من الليالي، وإن كان لم يعتد ذلك فلا يخصها بقيام كذلك في الصوم لا يخص النصف من شعبان بصوم، لأن ذلك لم يرد عن رسول الله- ﷺ لكن لو صام الأيام الثلاثة البيض وهي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر لو صامها فإن صيامها من السنة لكن ليس باعتقاد أن لهذا مزية على سائر الشهور وإن «كان رسول»

стр. 2072

«الله- ﷺ يكثر الصوم في شعبان أكثر من غيره من الشهور حتى كان يصومه كله أو إلا قليلا منه» (١) . المسألة الثالثة:- أن بعض الناس يصنع الطعام في اليوم الخامس عشر من شعبان ويدعو إليه الناس، أو يوزعه على الجيران والأقارب معتقدا أن لذلك مزية وفضلا ولكني أقول: ليس الأمر كذلك، فلا يشرع فيه صنع الطعام ولا الدعوة ولا الصدقة، بل هو كغيره من الأيام، يصنع فيه من الطعام ما يصنع في غيره وليس له مزية. هذه ثلاث بدع يعتادها بعض الناس فأحببت التنبيه عليها. والآن نشرع في موضوع المحاضرة. يمكن القول إن جميع الدين وصية من الله كل الدين وصية من الله كما قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى، الآية: ١٣] هذه وصية عامة ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ كلمتان اشتملتا على الدين الإسلامي كله وعلى توجيه المجتمع الإسلامي أن يقيم الدين وأن لا يتفرق فيه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٣١] .

стр. 2073

لكن سميت هذه الوصايا بالوصايا العشر لأن الله- تعالى- جمعها في مكان واحد وكان يختم كل وصية منها أو كل آية منها بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥١] . إن الوصية هي العهد بالشيء عهدا مؤكدا، فكأن الله- تعالى- عهد إلينا بهذه الأشياء عهدا مؤكدا محتما علينا فبدأ:- بقوله- : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥١] . والخطاب هنا للرسول- ﷺ وأمره الله- تعالى- أن يقول هذا القول للناس عموما. وأمر الله- لرسوله أن يقول للناس هذا هو أمر خاص وإلا فإن الله- تعالى- قد أمر نبيه على وجه عام أن يبلغ القرآن لكل الأمة. ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي ما حرم ربكم عليكم مخالفته، فهذه الأشياء التي سيوصي بها الله قد حرم الله علينا مخالفتها، فلا بد أن نقوم بها على الوجه الأكمل وفي قوله تعالى: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل: ما حرم الله لأن الرب هو الذي له التصرف المطلق في المربوب فالرب هو الرب ويقابله العبد كما قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة، الآية:١] فوصف الله نفسه بأنه رب للعالمين كلهم، والرب هو الذي يملك أن يتصرف فيهم بما شاء من الأمر الكوني والأمر الشرعي.

стр. 2074

الوصية الأولى ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ أي أن لا تجعلوا معه شريكا والنهي عن الشرك بالله يشمل ثلاثة أقسام:- القسم الأول النهي عن الشرك به في ربوبيته. القسم الثاني النهي عن الشرك به في ألوهيته. القسم الثالث النهي عن الشرك به في أسمائه وصفاته. القسم الأول: الشرك في الربوبية: من المعلوم أن الله- هو الخالق المالك المدبر لجميع الأمور ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ . [سورة فاطر، الآية: ٣] أبدا الخالق هو الله وحده ولهذا حرم الله- أن يخلق أحد مثله ولو بالصورة كما قال النبي- ﵊ في المصورين: انه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم فلا يمكن أن يشرك بالله في خلقه أو ملكه أو تدبيره فمن اعتقد أن لله- تعالى- مشاركا في الخلق فقد أشرك به. لو قال: إن هذا بمقتضى الطبيعة وهذا بمقتضى الزمن وهذا بكذا وكذا مما يضاف إلى غير الله فإنه مشرك بالله ومن العجب أن هذا الشرك أعني الشرك في الربوبية لا يذهب إليه، ولا الكفار الذين قاتلهم النبي ﷺ . الكفار الذين قاتلهم النبي- ﵊ هل كانوا يشركون في الربوبية؟ الجواب: لا. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [سورة الزخرف، الآية: ٩] . ويقرون بأن الله هو الخالق ولكن يوجد في عهدنا هذا من يكابر وينكر الخالق ويدعي

стр. 2075

والعياذ بالله أن هذا الكون ليس له مدبر وليس له خالق وإنما هي أشياء تتفاعل ويتولد بعضها من بعض وأرحام تدفع وأرض تبلع وليس هناك خالق. ولكن عجبا لهؤلاء كيف ينكرون أن يكون للعالم خالق وهم يعلمون أنه لا يمكن أن يوجد الشيء بلا موجد هل يمكن أن يوجد الشيء بلا موجد؟ أبدا لأنه إما أن يقال: أوجد نفسه أو وُجد بلا موجد والأول ممتنع لا يمكن أن يوجِد الشي نفسه لأنه قبل الوجود كان عدما والعدم ليس بشيء فضلا عن أن يوجِد شيئا ولا يمكن أن يوجَد بلا موجِد ولهذا قال الله- : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [سورة الطور، الآية: ٣٥] . إذا فلا بد من موجد وهو الله- هو الذي أوجد هذا الكون وخلقه بقدرته ودبره بحكمته. من الشرك في الربوبية أن يحلف الإنسان بغير الله لكنه شرك لا يخرج من الملة إلا أن يعتقد الحالف بأن المحلوف به له من العظمة ما لله- فيكون شركا أكبر وإلا فهو من الشرك الأصغر ودليل ذلك قول رسول الله ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (١) وقال- ﵊: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» (٢) لكن لو قال القائل: ورسول الله. وحلف بالرسول- ﵊ وقال: إن رسول الله هو أعظم الخلق فلماذا لا يجوز القسم به؟

стр. 2076

فالجواب: إن أعظم الخلق هو الذي قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» فيكون الحلف بالنبي من الشرك. فإذا قال إنسان: إن بعض الناس يجري على لسانهم هذا القسم يقول: "والنبي" بدون قصد، فالجواب: أن نقول: إذا كان بغير قصد، فإنه يلزمه أن يطهر لسانه منه، وأن لا يعود نفسه على هذا القسم المحرم حتى يتخلص منه. من الشرك بالربوبية أن يتخذ الإنسان أندادا يشرعون تشريعات تخالف شرع الله، فيوافقهم فيها مع علمه بمخالفتها للشريعة، ولهذا ترجم الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ ترجم على ذلك في كتاب التوحيد بقوله: " باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابا" فإذا وجد قوم يتبعون القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية مع علمهم بمخالفتها للشريعة فإننا نقول: هؤلاء قوم مشركون لأنهم اتخذوا حاكما يحكم بين الخلق غير الله ومن المعلوم أن الحكم بين الخلق من مقتضيات الربوبية فقد اتخذوهم أربابا من دون الله ولهذا يروى «من حديث عدي بن حاتم ﵁ أنه قال للرسول ﷺ في قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قال: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم قال: " أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه" قال: نعم يا رسول الله قال: " فتلك عبادتهم» (١) فجعل النبي ﷺ هذا من الشرك ولهذا منع النبي ﷺ من طاعة ولي الأمر في معصية الله منع من أن يطاع أحد من الخلق في معصية الله. فقال ﵊ «إنما الطاعة في المعروف» . فقد «أرسل سرية وأمر عليهم رجلا وقال لهم: أطيعوا أميركم»

стр. 2077

«فغضب عليهم الأمير ذات يوم وقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا حطبا ثم قال: أوقدوها النار فأوقدوها النار ثم قال: ادخلوا فيها ". طاعتهم في جمع الحطب صحيحة، وطاعتهم في إضرام النار صحيحة. لكن لما قال: ادخلوها توقفوا وقالوا: كيف ندخل في النار ونحن لم نؤمن إلا فرارا من النار فامتنعوا ولم يدخلوها فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ وأخبروه الخبر قال: " إنهم لو دخلوا فيها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف» (١) إذًا متابعة الكبراء في مخالفة شريعة الله من الشرك بالربوبية لأن الحكم بين الناس من مقتضيات الربوبية والسلطان. القسم الثاني: الشرك في الألوهية: وهذا هو الذي يكثر بين الناس، وهو الذي كان عليه المشركون في عهد الرسول ﵊. فكيف يكون الشرك في الألوهية؟ يتخذ الإنسان مخلوقا من المخلوقات يعبده ويتآله إليه كما يعبد الله يسجد للصنم يسجد للشمس يسجد للقمر يسجد للقبر يسجد للكبير يسجد لأبيه يسجد لأمه.. وهكذا. المهم أن يتعبد لمخلوق، نقول: هذا شرك في الألوهية لأنه اتخذ هذا المعبود إلها يعبده من دون الله. ومن ذلك: هؤلاء الذين يذبحون القربان للقبور يذبح عند القبر قربانا ليتقرب به إلى صاحب القبر يعظمه بالذبح كما يعظم الله تعالى بالذبح هذا أيضا من الشرك الأكبر المخرج عن الملَّة لأن الله يقول: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾

стр. 2078

[سورة الأنعام، الآية: ١٥١] . وهذا الشرك هو الذي دعا النبي ﷺ المشركين إلى نبذه. ولما أبوا قاتلهم فاستحل دماءهم وسبى ذريتهم وغنم أموالهم لأنهم مشركون. هل تعلمون أحدا دعا إلى عبادة نفسه من البشر؟ نعم، فرعون دعا إلى عبادة نفسه وقال لقومه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [سورة القصص، الآية:٣٨] يقول ذلك وهو يكذب فهو يعلم أن هناك إلها غيره، ولهذا قال له موسى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [سورة الإسراء، الآية: ١٠٢] ولم ينكر فرعون. موسى كان يخاطبه بهذا ولم ينكر بل أقر وكان هو وقومه يقرون بذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [سورة النمل، الآية: ١٤] . القسم الثالث: الشرك في أسماء الله وصفاته: الشرك في أسماء الله وصفاته: أن يجعل الإنسان لله مثيلا فيما وصف به نفسه كلنا نقرأ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه، الآية: ٥] . والعرش مخلوق عظيم لا يعلم قدره إلا الله جاء في الحديث: " «أن السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض. وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة» . إذًا مخلوق عظيم اختصه الله بالاستواء عليه. هل أنت أيها الإنسان تستوي على الفلك؟ تستوي على البعير؟ تستوي عليه استمع ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الزخرف، الآيتان:١٢- ١٣] .

стр. 2079

وقال الله تعالى لنوح: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية: ٢٨] . لو قال قائل: إن استواء الله على عرشه كاستوائنا على الفلك أو على البعير، نقول: هذا مشرك لأنه جعل صفة الخالق كصفة المخلوق فجعل لله تعالى شريكا في الصفة ولكننا نقول: نحن نؤمن بأن الله استوى على العرش لكن بدون تمثيل لا مثيل لاستوائه كما لا مثيل لذاته وهكذا بقية الصفات. إذًا من أثبت الصفات مع التمثيل فهو مشرك لأنه شرك بين الخالق والمخلوق في الصفة. لكن ما تقولون فيمن نفى حقيقة الصفات هل يكون ممثلا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كل معطل ممثل، كل من عطل فقد مثل. الذي ينكر الصفات هو منكر وممثل قد يقول قائل: كيف يكون منكرا وممثلا لأن التمثيل إثبات والإنكار نفي وهل هذا إلا جمع بين النقيضين؟ نقول: استمع، لماذا عطل المعطل صفات الله؟ لأنه اعتقد أن إثباتها يستلزم التمثيل قال: أنا لو أثبت الصفة إذًا أثبت التمثيل إذًا يجب أن أنكر حقيقة الصفة لأسلم من التمثيل فمثل أولا وعطل ثانيا. الوصية الثانية: ثم قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥١] . فجعل الله تعالى حق الوالدين بعد حقه ومن هما الوالدان؟ هما الأم والأب، وحق الأم آكد من حق الأب، ولهذا «سئل الرسول ﵊: " من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال النبي ﷺ أمك. قال: ثم قال»

стр. 2080

«ماذا؟ قال أمك. ثم قال ماذا؟ قال: أمك. ثم ماذا، قال: أبوك» (١) وذلك لأن الأم تعاني من الولد أشد مما يعاني الأب. قال الله تعالى ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [سورة لقمان، الآية: ١٤] . والإحسان إلى الوالدين يكون بالقول ويكون بالفعل ويكون بالمال. الإحسان بالقول أن يقول لهما قولا لينا لطيفا كريما بحيث يناديهما مناداة إجلال وتعظيم حتى إن بعض العلماء قال: يكره أن ينادي الإنسان أباه باسمه مثلا إن كان أبوك اسمه محمد لا تقول: يا محمد قل: يا أبتي، إبراهيم ﵇ يقول لأبيه - وأبوه كافر - يقول له: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ لأن هذا من باب الإكرام، حتى إذا بلغ الوالدان سنا كبيرا يحصل منه شيء من التعب فإن الله تعالى يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٢٣] . بعض الناس إذا كبر الوالد عنده أو الأم مل منهما وصار ينهرهما وصار يقول لهما قولا خشنا، الله ينهى عن ذلك ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ معنى (أف) يعني أتضجر منكما ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ بالقول في الصراخ أو العتاب أو ما أشبه ذلك ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ لينا لطيفا تقر به أعينهما. هذا الإحسان بالقول إننا نرى بعض الناس يلين بقوله مع زوجته ولا يلين بقوله مع أمه، وهذا مشاهد تجده مع الزوجة يلين لها ويخضع لها ولا ينهرها لكنه مع أمه بالعكس بل مع أبيه إن تمكن وهذا خلاف ما أمر الله به. الإحسان بالفعل يكون بالخدمة والقيام بمصالحهما. الخدمة البدنية

стр. 2081

إذا عجزا ساعدهما حتى عند المنام وعند القيام وعند الجلوس يجب على الإنسان أن يقوم ببر الوالدين عند العجز فيعينهما بكل ما يحتاجان إليه من عون. الإحسان بالمال يجب أن يحسن إليهما بالمال بأن يبذل لهما كل ما يحتاجان إليه من نفقة، كسوة طعام، شراب، سكن إذا كان يقدر على هذا. فصار الإحسان إلى الوالدين يتضمن ثلاثة أمور: الإحسان بالقول، الإحسان بالفعل، والإحسان بالمال. وبر الوالدين أفضل من الجهاد في سبيل الله قال ابن مسعود ﵁: «سألت النبي ﷺ : " أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها قلت: ثم أي؟ قال: بِرُّ الوالدين. قلت: ثم أي قال: الجهاد في سبيل الله» . (١) واعلم أن البر بالوالدين، كما هو واجب فإن الله تعالى يثيب البار في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا نجد حسب ما علمنا بالسماع والمشاهدة، نجد أن الذي يبر والديه ييسر الله له أولادا يبرونه وأن الذي لا يبر والديه يسلط عليه أولاده فيعقونه والعياذ بالله، إذًا عرفنا الوصية الثانية الإحسان بالوالدين. فما ضد الإحسان؟ ضده أمران، إساءة، وموقف سلبي بين الإحسان والإساءة. أما المسيء: فلا شك في أنه ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب لأنه عاق وأما السلبي الذي لا يبر ولا يسيء فقد ترك واجبا مما أوجب الله عليه وهو الإحسان إلى الوالدين قد يقول قائل: لماذا لم يذكر الله حق الرسول ﷺ ، ومن

стр. 2082

المعلوم أن حق الرسول مقدم على حق الوالدين بل مقدم على النفس ولهذا يجب أن يكون رسول الله ﷺ أحب إليك حتى من نفسك وأبيك وأمك وابنك والناس أجمعين فإذا قال قائل: لماذا لم يذكر الله حق رسوله؟ فالجواب أن حق الله متضمن لحق الرسول ﷺ ولهذا جعل النبي ﷺ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله جعلهما ركنا واحدا من أركان الإسلام فقال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت» (١) فيكون حق الرسول مقدما على حق الوالدين، لأنه متضمن في حق الله. الوصية الثالثة: ثم قال : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥١] . الإملاق: يعني الفقر و (من) هنا سببية أي بسبب الإملاق يعني لا تقتلوا أولادكم بسبب الفقر، ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [سورة هود، الآية: ٦] هل أحد يقتل أولاده؟ لا، لكن الجاهلية العمياء كانت تجعل الجاهلين يقتلون أولادهم وقتل الجاهلين لأولادهم له سببان: - السبب الأول: ما ذكره الله هنا وهو الإملاق أي الفقر. السبب الثاني: العار.

стр. 2083

أما الأول الذي سببه الفقر فكانوا يقتلون الذكور والإناث: إذا جاءه ولد وهو فقير قال: هذا سيثقل كاهلي في الإنفاق فيقتله والعياذ بالله، أما الآخر الذي سببه العار فهؤلاء يقتلون الإناث دون الذكور. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [سورة النحل، الآيتان:٥٨- ٥٩] . يقول الله : لا تقتلوا أولادكم من الفقر. إذًا يبقون ولو كان الأب فقيرا لأن رزقهم على الله : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ . فإن قتل ولده فهل يقتل؟ لو أن رجلا فقيرا جاءه ولد ذكر أو أنثى فقتله لأنه لا يجد ما ينفق عليه فهل يقتل الأب أو لا يقتل؟ قال بعض أهل العلم: إنه يقتل إذا علمنا أنه تعمد القتل يقتل لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧٨] . وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي على بني إسرائيل في التوراة، ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» . (١) قالوا: ولأن الرجل إذا قتل ولده جمع بين عدوانين: عدوان القطيعة وعدوان القتل فيقتل وهذا مذهب الإمام مالك ﵀. لكن أكثر أهل العلم يقولون: إن الوالد إذا قتل ولده لا يقتل، واستدلوا بحديث مشهور عند أهل العلم «لا يقتل والد بولده» (٢) ولكن هذا

стр. 2084

الحديث ضعفه كثير من العلماء وقالوا أيضا: إن الوالد سبب وجود الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببا في إعدامه ولكن لا شك أن هذه العلة عليلة وذلك أن الأب سبب في وجود الولد لا شك لكن سبب قتله هو عدوان الأب وليس وجود الابن حتى نقول: كيف يكون وجوده سببا في إعدام من أوجده أو من كان سببا في وجوده، على كل حال هذه المسألة موضع ذكرها ومناقشتها كتب الفقه لكن ذكرت عرضا عند حديثنا عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥١] . وهنا نقف لننظر الفرق بين هذه الآية وبين آية الإسراء ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [سورة الإسراء الآية: ٣١] . لماذا قدم الوالدين في سورة الأنعام وقدم الأولاد في سورة الإسراء ما هي الحكمة؟ يجب أن نعلم أن التعبير القرآني لا بد أن يكون فيه حكمة لا يمكن أن يختلف التعبير إلا لسبب، في سورة الأنعام قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إذًا فالفقر موجود فبدأ برزق الفقراء فقال: نحن نرزقكم. وفي سورة الإسراء الفقر غير موجود لكنه متخوف ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ فبدأ بذكر المحتاجين وهم الأولاد وهذا من بلاغة القرآن. الوصية الرابعة: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [ سورة الأنعام، الآية: ١٥١] . الفواحش: جمع فاحشة، والفاحشة كل ما أنكرته العقول واستفحشته واستكبرته واستعظمته من المعاصي فهو فاحشة ذكر الله في القرآن الكريم من المعاصي الفواحش عددا:- أولا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [سورة الإسراء، الآية: ٣٢] .

стр. 2085

ثانيا: نكاح زوجات الآباء فقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٢٢] . ثالثا: قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية: ٨٠] ونقتصر على هذه الفواحش الثلاث. هذه الفواحش الثلاث لا شك أن كل ذي عقل سليم يستفحشها ويستعظمها مع أنها من كبائر الذنوب. فالزنا فاحشة لأنه يفسد الأخلاق ويفسد الأنساب ويوجد الأمراض ومصداق هذا ما ظهر في الآونة الأخيرة من المرض الخبيث الذي هو " فقد المناعة" ويسمى " بالإيدز ". هذا سببه الزنا أو أكبر أسبابه الزنا. ولهذا سماه الله فاحشة وساء سبيلا. لا يمكن أن يكون سبيلا للمسلمين أبدا لأنه طريق فاسد مرد مهلك. وتأمل هذه الآيات الثلاث التي ذكرناها ففي الزنا قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وفي نكاح زوجات الآباء قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وفي اللواط قال لوط ﵊: (أتأتون الفاحشة) وكما قلنا آنفا: لا يمكن أن يختلف التعبير القرآني إلا لسبب. في الزنا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ هذه نكرة. في فعلة قوم لوط ﵊ قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ هذه معرفة، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ فاحشة نكرة لكن أضاف إليها ﴿وَمَقْتًا﴾ أي مكروها مبغوضا عند الله وعند الخلق. يتولد من هذا السؤال التالي: أي هذه الفواحش أعظم؟ اللواط أعظمها لأنه عرفها بأل قال: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ فكأنها فاحشة معهودة عند كل ذي فطرة سليمة وعقل قويم فعرفت بأل كأنها هي الفاحشة

стр. 2086

المشهورة المعلومة التي ينكرها كل أحد ولهذا كان الفرج الذي استبيح بهذه الفعلة القبيحة لا يباح بأي حال من الأحوال وكانت على القول الراجح عقوبة اللوطي الذي يفعل اللواط القتل بكل حال يعني إذا ثبت أن شخصا تلوط بشخص، وكان المفعول به غير مكره فإنه يجب قتل الاثنين جميعا لقول النبي ﷺ : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (١) حتى وإن كانا لم يتزوجا - أي وإن كانا بكرين - فإنه يجب قتلهما. إذا قال قائل: أين الدليل؟ قلنا: الدليل هو هذا «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الصحابة ﵃ أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به لكنهم اختلفوا كيف يقتلان فقال بعضهم: يرجمان بالحجارة. وقال بعضهم: بل يرميان من أعلى شيء في البلد ويتبعان بالحجارة. وقال آخرون: بل يحرقان بالنار. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن أبا بكر ﵁ أمر بتحريقهما أي بتحريق الفاعل والمفعول به. إذًا اللواط أشد من الزنا، لأن عقوبته القتل بكل حال، ولكن كيفية القتل اختلف فيها الصحابة فإذا رأى ولي الأمر أن يقتلهما على إحدى الصفات الواردة فلا بأس، المهم أنه لا مكان لهما في المجتمع لأن بلية اللواط والعياذ بالله بلية لا يمكن التحرز منها إذ إن الذكور كلهم يخرجون في الأسواق ويمشون جميعا ويأتون جميعا ويذهبون جميعا فالتحرز منها غير ممكن؛ فلهذا إذا عوقب الفاعل والمفعول به بالقتل كان هذا أقوى رادع عن هذه الفعلة

стр. 2087

التي تعتبر من أقبح الفعال، ونكاح زوجة الأب يقع في المرتبة الثانية لأن الله تعالى وصفه بوصفين فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الرجل إذا زنا بمحارمه وجب قتله بكل حال، يعني لو زنا الإنسان والعياذ بالله بأخته وجب أن يقتل بكل حال، وإن زنا بابنته فكذلك، وإن زنا بزوجة أبيه وجب قتله ولو لم يتزوج يعني ولو كان بكرا لأن هذا أعظم من الزنا بغير ذوات المحارم. وتلك ثلاثة أمثلة ل- الفواحش ما ظهر منها وما بطن. قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ لها معنيان:- المعنى الأول: ما ظهر منها بإظهاركم، وما بطن منها بإخفائكم أي الفواحش سواء أظهرتموها أم أخفيتموها. وقيل: المعنى بل ما ظهر منها، أي ما كان فحشه ظاهرا لكل أحد وما كان فحشه خفيا لا يظهر لكل أحد. على كل حال الفواحش محرمة ما ظهر منها وما بطن. الوصية الخامسة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [ سورة الأنعام، الآية: ١٥١] . في قوله: (التي حرم الله) دليل على أن النفوس تنقسم إلى قسمين:- قسم لم يحرم الله قتلها. قسم حرم الله قتلها. فما الذي حرم الله قتله من النفوس؟ هم أربعة أصناف: المسلم - الذمي - المعاهد - والمستأمن.

стр. 2088

هؤلاء أربعة، المسلم معصوم بإسلامه، والذمي بذمته، والمعاهد بعهده، والمستأمن بأمانه. الذمي هو الذي جرى بينه وبين المسلمين عقد وعهد على أن يبقى في البلاد الإسلامية محترما ولكن يبذل الجزية دليل ذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٩] . وإذا فعلوا ذلك وجب علينا حمايتهم وحرم علينا الاعتداء عليهم لا في المال ولا في النفس ولا في العرض. المعاهد هو الذي عُقِد بينه وبين المسلمين عهدٌ، " ومثال ذلك ما جرى بين النبي ﷺ وبين قريش عام الحديبية في السنة السادسة من الهجرة في ذي القعدة " عاهدهم النبي ﷺ عشر سنوات، لكنهم نقضوا العهد.. المهم أنه جرى بينه وبينهم عهد، فإذا جرى بين المسلمين وبين غير المسلمين عهد على عدم الاعتداء صار هذا العهد ملزما ومانعا من العدوان عليهم. والمستأمن يعني الذي أخذ أمانا منا ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ سورة التوبة، الآية: ٦] . هذه هي النفس التي حرم الله. فالله قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ إذا قلنا: إن النفوس التي حرمها الله أربع فمن بقي؟ بقي الكافر الذي ليس بيننا وبينه عهد ولا ذمة هذا مهدر الدم ويجوز للإنسان أن يقتله حيثما وجده. ثم قال الله تعالى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ، فإذا كان قتل النفس بحق فلا مانع من قتلها، من الحقوق التي تبيح قتل النفس المحرمة: منها القصاص ومنها

стр. 2089

الزنا إذا كان الزاني محصنا ومنها على القول الراجح اللواط فإنه مبيح للقتل، ومنها الردة إذا ارتد الإنسان عن دينه فإنه يدعى إلى دينه فإن أبى قتل، وكذلك الحرابة ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٣] وهم الذين يعرضون للناس بالطرق ويقتلونهم ويأخذون أموالهم. المهم أن كلمة (بالحق) عامة تشمل كل ما أباح الشارع قتله من النفوس المحرمة. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . (ذلكم) المشار إليه مما سبق وهن خمس وصايا وصانا الله بها لعلنا نعقل. ما المراد بالعقل هنا؟ نحن نعلم أن العقل نوعان: عقل إدراك، وعقل رشد، فعقل الإدراك ما يدرك به الإنسان الأشياء، وهذا الذي يمر كثيرا في شروط العبادات، يقول: من شرطها الإسلام والعقل والتمييز، هذا هو عقل الإدراك وضده الجنون. والثاني عقل رشد. بحيث يحسن الإنسان التصرف ويكون حكيما في تصرفه وضد هذا السفه لا الجنون. فالمراد بالعقل بهذه الآية، المراد عقل الرشد لأنه لم يوجه إلينا الخطاب إلا ونحن نعقل عقل إدراك، لكن هل كان من وجه إليه الخطاب، يعقل عقل رشد؟ لا قد لا يعقل عقل الرشد، الكفار كلهم غير عقلاء عقل رشد كما قال الله تعالى في وصفهم: ﴿بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٧١] لكن ليس معناه ليس عندهم عقل إدراك بل قد يكون عندهم عقل إدراك قوي وذكاء مفرط لكن ليس عندهم عقل رشد. وما هو العقل النافع للإنسان؟

стр. 2090

عقل الرشد لأن عقل الإدراك قد يكون ضررا عليه إذا كان ذكيا فاهما ولكنه والعياذ بالله ليس عنده حسن تصرف ولا رشد في تصرفه وقد يكون أعظم من إنسان ذكاؤه دون ذلك وهنا نسأل عن مسألة كثر السؤال عنها هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟ قال بعض الناس في القلب وقال بعض الناس: في الدماغ، وكل منهم له دليل، الذين قالوا: إنه في القلب قالوا: لأن الله تعالى يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج، الآية: ٤٦] . قال: قلوب يعقلون بها ثم قال: تعمى القلوب التي في الصدور. إذًا العقل في القلب، والقلب في الصدر فكان العقل في القلب. وقال بعضهم: بل العقل في الدماغ لأن الإنسان إذا اختل دماغه اختل تصرفه ولأننا نشاهد في الزمن الأخير نشاهد الرجل يزال قلبه ويزرع له قلب جديد ونجد عقله لا يختلف، عقله وتفكيره هو الأول. نجد إنسانا يزرع له قلب شخص مجنون لا يحسن يتصرف، ويبقى هذا الذي زرع فيه القلب عاقلا فكيف يكون العقل في القلب؟ إذًا العقل في الدماغ لأنه إذا اختل الدماغ اختل التصرف، اختل العقل. ولكن بعض أهل العلم قال: إن العقل في القلب ولا يمكن أن نحيد عما قال الله لأن الله تعالى وهو الخالق وهو أعلم بمخلوقه من غيره كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ولأن النبي ﷺ قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا»

стр. 2091

«فسدت فسد الجسد كله» . (١) فالعقل في القلب والقلب في الصدر لكن الدماغ يستقبل ويتصور ثم يرسل هذا التصور إلى القلب، لينظر أوامره ثم ترجع الأوامر من القلب إلى الدماغ ثم ينفذ الدماغ. إذًا الدماغ بمنزلة السكرتير ينظم المعاملات ويرتبها ثم يرسلها إلى القلب، إلى المسؤول الذي فوقه. هذا القلب يوقع، يمضي، أو يرد ثم يدفع المعاملة إلى الدماغ، والدماغ يأمر الأعصاب وتتمشى، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس وهو الموافق للواقع وقد أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله - في كتبه، والإمام أحمد أشار إليه إشارة عامة فقال: محل العقل القلب وله اتصال بالدماغ. لكن التفصيل الأول واضح جدا، الذي يقبل الأشياء ويتصورها ويمحصها هو الدماغ ثم يرسل النتيجة إلى القلب ثم القلب يأمر إما بالتنفيذ وإما بالمنع لقول الرسول ﵊: «إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله» . الوصية السادسة: ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ١٥٢] . اليتيم هو الذي مات أبوه قبل بلوغه سواء أكان ذكرا أو أنثى. ومن ماتت أمه قبل أن يبلغ فليس بيتيم. هذا اليتيم له مال ورثه من أبيه ولا بد أن يكون لليتيم ولي يقوم عليه، إما بوصية من أبيه وإما بتوليه من الحاكم وإما بتوليه من الشارع على قول

стр. 2092

كثيرمن أهل العلم. المهم وليه يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . قربان مال اليتيم له ثلاث درجات: ١ - أسوأ. ٢ -أحسن. ٣ - لا أحسن ولا أسوأ. فالتصرف بما هو أسوأ في مال اليتيم حرام يعني: لو أنك أردت أن تشتري شيئا بمال اليتيم وتعرف أن هذا الشيء سيخسر قطعا، فذلك حرام لأن هذا لا شك ضرر على اليتيم. وأما إذا تصرفت تصرفا لا تدري هل هو أحسن أو ليس بأحسن. هذا أيضا حرام لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ . أردت أن تتصرف فيه تصرفا حسنا لكن أمامك شيئان، تصرف فيه خير وتصرف فيه خير أكثر، أيهما الواجب؟ الواجب الذي فيه الخير الأكثر لأن الله قال: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولنضرب لهذا مثلا: جاءك رجل يقول: أقرضني مال اليتيم. وهذا الرجل معروف بالمماطلة وأنه لا يكاد يخرج الحق منه، هل يجوز أن تقرضه؟ لا يجوز؛ لأن في ذلك مغامرة ومخاطرة في مال اليتيم. جاءك رجل آخر يقول: أقرضني مال اليتيم وهو رجل وفي، لكن إقراضه ليس فيه مصلحة لليتيم هل تقرضه؟ لا، لأنه ليس فيه مصلحة. جاءك رجل ثالث يقول: أقرضني مال اليتيم وأنت تخشى على هذا المال لو بقي عندك أن يسرق، فهل في إقراضه مصلحة؟

стр. 2093

هذا الرجل الثالث وفي، ولو طلب منه المال في أي ساعة من ليل أو نهار أعطاه، وأنا أخشى إن بقي المال عندي أخشى عليه من عدوان أو سرقة أو غير ذلك فهنا إذا أقرضته، جائز لأن هذا هو الأحسن، إذًا يجب على ولي اليتيم المتولي لماله أن لا يتصرف إلا بالتي هي أحسن، ومن هنا نأخذ قاعدة، وهي أن كل ولي على كل شيء يجب عليه أن لا يتصرف إلا بما هو أحسن. الإنسان لو تصرف بشيء لنفسه فهو حر، لكن إذا تصرف بشيء لغيره وجب أن يتبع الأحسن، ومن ذلك ما لو تقدم إلى ابنتك رجلان يخطبانها، أحدهما صاحب دين وخلق، والثاني دونه في الدين والخلق، فما الواجب عليك، أتزوج الأول أو الثاني؟ الواجب أن تزوج الأول لأن ذلك أحسن فإن صاحب الخلق والدين إن رضي البنت أمسكها بإحسان وإن فارقها فارقها بمعروف ومن هنا نأخذ أيضا أنه لا يجوز للأب أن يمنع تزويج ابنته برجل تريده، والأب لا يريده إذا كان صاحب خلق ودين لأن هذا خلاف الإحسان بالنسبة للتصرف في حق البنت، وكذلك أيضا إذا أعطاك شخص زكاته لتفرقها على مستحقيها، ووجدت فقيرا ووجدت شخصا آخر أشد منه فقرا فما الواجب عليك؟ الواجب أن تعطي الذي هو أشد فقرا لأن هذا أنفع لصاحب الزكاة وللمعطي أيضا. فكل من تصرف لغيره فالواجب عليه أن يتبع ما هو أحسن. قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ . المراد بالأشد الرشد؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٦] . فإذا بلغ اليتيم وكان يحسن التصرف في المال وجب علينا أن ندفع إليه المال، ولهذا قال: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ لأنه الآن ليس لأحد حق في الولاية عليه.

стр. 2094

الوصية السابعة: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [ سورة الأنعام، الآية: ١٥٢] ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ إذا كلتم لأحد فأوفوا الكيل، إذا وزنتم لأحد فأوفوا الوزن يمكن أن نقول: إن هذا من باب ضرب المثل وإن المراد بإيفاء الكيل والميزان إيفاء الحقوق كلها يعني إذا كان عليكم حقوق فأوفوا الحقوق. إن كانت كيلا فأوفوا الكيل وإن كانت وزنا فأوفوا الوزن. ولكننا نجد كثيرا من الناس على خلاف هذه الحال إذا كان الشيء عليهم فرطوا فيه وإذا كان الشيء لهم أفرطوا فيه وأضرب لهذا مثلين:- المثل الأول: بعض الناس يكون عليه الطلب، الدين، فيماطل مع قدرته على الوفاء. يأتيه صاحب الحق يا فلان أعطني حقي، يقول: غدا، أعطني، بعد غد ولا سيما إذا كان الحق للدولة فإن كثيرا من الناس يتهاون به وذلك في مثل وفاء صندوق التنمية العقارية، لأننا نسمع أن كثيرا من الناس عندهم ما يوفون به الصندوق ولكن يماطلون وقد قال رسول الله ﷺ : " مطل الغني ظلم" (١) أي القادر على الوفاء. والظلم ظلمات يوم القيامة، إذًا هذا المطلوب الذي يماطل نقول: لم يوف الكيل لأنه لم يوف صاحب الحق حقه. المثال الثاني: عكس ذلك إذا كان للإنسان حق أراد أن يستوفيه كاملا حتى إنه إذا كان له غريم فقير قال إما أن توفيني وإما أن أرفعك إلى الجهات المسؤولة فتحبس. فيضطر هذا الفقير المدين إلى أن يذهب ويتدين فيتضاعف عليه الدين أضعافا مضاعفة.

стр. 2095

مثال آخر:- هؤلاء الكفلاء الذين استقدموا العمال، يريدون من العامل أن يقوم بالعمل كاملا ولكنهم لا يوفون العامل أجرة عمله، حتى إن بعض العمال يتقدم يشكو يقول: أنا لي ثلاثة، أربعة أشهر عند كفيلي ما أعطاني شيئا، وهذا ظلم وجور، بل قد قال الرسول ﵊: «قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه حقه» (١) هؤلاء الذين يتعاملون مع الناس هذه المعاملة إذا كان الحق لهم أخذوا به كاملا، وإذا كان الحق عليهم فرطوا فيه. استمعوا إلى جزائهم يوم القيامة، قال الله تعالى ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المطففين، الآيات: ١-٦] . ومن ذلك أيضا أن بعض الأزواج يريد من الزوجة أن تقوم بحقه كاملا ولكنه يماطلها بحقها تجده يريد أن تقوم بكل خدمة البيت على الوجه الأكمل ولكنه لا يعطيها حقها من النفقة حتى الإنفاق الواجب عليه لا يقوم به، وهذا يدخل في المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون وفي هذه الحال يجوز للمرأة إذا امتنع زوجها من إعطائها النفقة الكافية يجوز أن تأخذ من ماله بلا علمه، هكذا أفتى به رسول الله ﷺ : «فإن هند بنت عتبة جاءت تشكو زوجها إلى رسول الله ﷺ وقالت إنه رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي بالمعروف، فقال النبي ﷺ : خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك» (٢) ، لأنه حق لها فإذا

стр. 2096

بخل به فلها أن تأخذ من ماله بلا علمه كما أن من النساء من تكون بالعكس تريد من زوجها أن يقوم بحقها كاملا ولكنها هي تنقصه حقه. هؤلاء داخلون في هذه الآية بالقياس الجلي الواضح. ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥٢] . ما أحسن هذه الجملة بعد الأمر بإيفاء الكيل والميزان بالقسط. الإنسان يجب عليه أن يوفي الكيل والميزان بالقسط، لكن ربما يكون هناك تقصير لم يحط به فهل يأثم على ذلك؟ لا، ولهذا قال: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وهذه القاعدة ذكرها الله في عدة آيات فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨٦] . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٤٢] . وهذا من كرم الله أن الإنسان لا يكلف من دين الله إلا ما يطيق، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقول النبي ﷺ : «إن الدين يسر» (١) وقوله ﷺ «وهو يبعث البعوث فقد بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن وقال: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا» (٢) ، فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها في جميع الأوامر فما لم تستطع فانتقل إلى بدله إن كان له بدل وإذا عجزت عن البدل سقط عنك واستمعوا إلى القصة التي وقعت من «رجل جاء إلى رسول الله ﷺ " فقال: يا رسول الله هلكت، قال ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم، فسأله النبي ﵊»

стр. 2097

«هل تجد رقبة؟ قال: لا، قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: هل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا، ثم جلس الرجل فجيء بتمر إلى رسول الله ﷺ فقال له النبي ﷺ خذ هذا فتصدق به، قال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي ﷺ ثم قال: أطعمه أهلك» . (١) فأسقط عنه الكفارة بعجزه عنها مع أنها كفارة، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. الوصية الثامنة والتاسعة:- ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [سورة الأنعام، الآية: ١٥٢] . فالواجب على العبد إذا قال قولا أن يعدل في قوله ومن باب أولى وأحرى إذا فعل فعلا أن يعدل في فعله حتى لو كان مع ذي قربى. لو أن أباك وهو من أقرب الناس إليك أخطأ على شخص هل تقول لأبيك: إنك أخطأت؟ الجواب نعم، هذا هو العدل: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ . لو أن صديقك أخطأ هل تقول: أخطأت؟ نعم؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ . قوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ . العهد: هو الميثاق، وعهد الله على الإنسان هو أنه أمره ونهاه. وتكفل له أنه إذا قام بهذه الأوامر

стр. 2098

والنواهي أنه يثيبه على ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٢] وقال تعالى في هذه الأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة الصف، الآيات: ١٠-١٢] . فهذا عهد من الله لمن آمن وجاهد في سبيل الله أن يغفر له ذنوبه ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار. وقال تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٠] . فأنت الآن قد عاهدت الله على القيام بطاعته فأوف بهذا العهد.

стр. 2099

الوصية العاشرة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ١٥٣] . وهذه هي الوصية العاشرة، وهي جامعة لكل الشرع فيقول: هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، وصراط الله تعالى هو دينه الذي أرسل به رسله، ودين محمد ﷺ هو آخر الأديان، فيجب على كل أحد من الناس أن يتبع هذا الدين وأن لا يتبع السبل فتفرق به عن سبيل الله ويضل ويهلك وقد حذر النبي ﷺ من التفرق واتباع السبل ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «خط رسول الله ﷺ خطا بيده، ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيما" وخط عن يمينه وشماله ثم قال: " هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ » (١) وفي الآية وحَّد الله تعالى سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتشعبها وكثرتها. أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن أوفى بعهد الله وممن قام بطاعته، وأسأل الله لي ولكم القبول والتوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2100

العقيدة وأثرها في انتصار المسلمين

стр. 2101

المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وترك أمته على محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أيها الإخوة الكرام، يسرني أن ألتقي بكم، في هذه الليلة لأتحدث عن أمر مهم يتعلق بجنود الرحمن وذلك أن موضوع الجيش والقيادة العسكرية موضوع مهم وليس بالأمر الهين، فإن الإنسان في الواقع يرصد

стр. 2102

نفسه للقتل والمقاتلة إنه يرصد نفسه التي هي أغلى ما يملك من الحياة الدنيا لأجل أن يقوم بالقتال وربما يقتل، هذا الجندي الذي رصد نفسه لهذا الأمر العظيم إما أن يقتل قتلة جاهلية، وإما أن يقتل شهيدا في سبيل الله ينال منزلة الشهداء الذين أخبر النبي ﵊: «أن أرواحهم تكون في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش» (١) لأن هؤلاء الذين خرجت أرواحهم من أجسامهم في سبيل الله أبدلهم الله بأجسام خير منها في جنات النعيم فأهل الجنة من المؤمنين غير الشهداء في سبيل الله لا يحصل لهم هذا الفضل أي لا تكون أرواحهم في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش وإذا كان هذا الأمر هو مآل الشهيد في سبيل الله فإنه لا بد لنا أن نعرف من هو الشهيد في سبيل الله هل كل من قتل في حرب فهو شهيد في سبيل الله؟ هل من دافع عن هدف هو في سبيل الله؟. لا، لقد «سئل الرسول ﷺ " عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ فقال الرسول ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (٢) هذا هو الميزان الحقيقي الذي يجب علينا أن نزن به كل مقاتلة يتلبس بها المرء ويواجه بها أعداءه، إذا كان هذا المقاتل يقاتل لتكون كلمة

стр. 2103

الله هي العليا لا لأن يكون هو الظاهر أو هو العالي، ولكن ليكون الظاهر دين الله ولتكون كلمة الله هي العليا فهذا هو الذي يقاتل في سبيل الله وهذا هو الذي إذا قتل فهو شهيد، هذا هو الشهيد حقا الذي ينال درجة الشهداء، ومع ذلك فإنه لا يجوز لنا أن نشهد لشخص بعينه أنه شهيد حتى لو قتل مظلوما، أو قتل وهو يدافع عن حق فإنه لا يجوز أن نقول: فلان شهيد وهذا خلافا لما عليه كثير من الناس اليوم حيث أرخصوا هذه الشهادة وجعلوا كل من قتل حتى ولو كان مقتولا في عصبية جاهلية يسمونه شهيدا وهذا حرام، لأن قولك عن شخص قتل إنه شهيد يعتبر شهادة سوف تسأل عنها يوم القيامة سوف يقال لك: هل عندك علم أنه قتل شهيدا ولهذا لما قال النبي ﵊: «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب أو قال: وكلمه يثعب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك» (١) فتأمل قول النبي ﵊: «والله أعلم بمن يكلم في سبيله» أي بمن يجرح فإن بعض الناس قد يكون ظاهر أمره أنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولكن الله يعلم ما في قلبه وأنه خلاف ما يظهر من فعله، ولهذا بوب البخاري ﵀ علي هذه المسألة في صحيحه فقال: " باب لا يقال: فلان شهيد" لأن مدار الشهادة على ما في القلب ولا يعلم ما في القلب إلا علام الغيوب جل وعلا. أيها الإخوة: إن أمر النية أمر عظيم وكم من رجلين يقومان بأمر واحد يكون بينهما كما بين السماء والأرض وذلك من أجل النية ألم يبلغكم أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما»

стр. 2104

«نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١) العمل واحد والمظهر واحد وهي الهجرة، لكن بين هذين المهاجرين كما بين السماء والأرض لاختلاف النية، لأن النية عليها مدار عظيم فعلينا أن نخلص النية لله من الأساس نتعلم أساليب الحرب لأجل أن نقاتل حماية لدين الله وإعلاءً لكلمته وثقوا بأنه مادامت هذه النية هي النية التي ينويها المقاتل مع صلاح عمله واستقامة حاله فإن الله تعالى سوف يكتب له النصر فإذا نصر الإنسان ربه فإن الله قد ضمن له النصر كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وهنا مثلان يجب أن نأخذ منهما عبرة: المثل الأول: في اعتماد الإنسان على نفسه وقوته فإنه متى اعتمد الإنسان على نفسه وقوته خذل مهما كان انظروا إلى ما وقع من المسلمين في غزوة الطائف " غزوة حنين " خرج الرسول ﵊ باثني عشر ألفا الذين فتحوا مكة وألفان من أهل مكة خرجوا إلى ثقيف وهوازن فقالوا: «لن نغلب اليوم من قلة» (٢) ، أعجبوا بكثرتهم وأنهم لن يغلبوا بسبب الكثرة فماذا حصل؟ هزموا بثلاثة آلاف وخمسمائة نفر ولهذا ذكرهم الله

стр. 2105

بهذه الحال حيث قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ لما علم المسلمون أن الكثرة لن تغني شيئا واستقر ذلك في نفوسهم تراجعوا ثم جعل الله لهم النصر في آخر الأمر، إذًا يجب علينا أن نعتقد أننا ما أوتينا من قوة في العدد أو العدد يجب أن نعتقد أنه سبب من الأسباب وأن الأمر بيد الله وأن من لا ينصره الله فلا ناصر له حتى لا نعتمد على القوة وحتى لا نركن إلى الدعة والسكون، لأن الإنسان إذا اعتمد على قوته والكثرة في العَدَد والعُدَد فإنه لن ينشط على القتال، ولن ينشط على الأهبة والاستعداد، لأنه يرى نفسه غالبا بسبب ما عنده من الكثرة ولهذا يجب علينا أن نكون دائما معتصمين بالله مستعينين به. المثل الثاني: في غزوة أحد (١) كان النصر في أول الأمر للنبي ﵊ وأصحابه، ولكن حصل منهم معصية واحدة وهي مخالفة الرماة جعلهم النبي ﷺ ، في ثغر من الجبل وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم» لكن القوم لما رأوا أن المسلمين هزموا الكفار ظنوا أن لا رجعة للكافرين فتقدموا يقولون: الغنيمة، الغنيمة فماذا حصل؟ حصل أن استشهد من المؤمنين سبعون رجلا، وجرح الرسول ﷺ في وجنته وكسرت رباعيته وأغمي عليه، وحصل ما حصل من التعب
следующие страницы →